في إسبانيا

(١) ميجويل دي إدنامونو (١٨٦٤–١٩٣٦م)

في المنفى

حب نقي للحياة الوحيدة،
بحثٌ دائب عن السر،
غوص في ينابيع الحياة،
عزاءٌ قاسي!
ابتعدوا عني، يا إخوتي المساكين،
دعوني أسر على طريق الصحراء،
دعوني وحيدًا مع قدري،
بلا رفيق.
أريد أن أذهب إلى هناك وأضيع في رمالها،
وحيدًا مع الله، لا وجهة لي ولا مأوى،
لا أشجار ولا أزهار ولا نفس حية،
وحيدَين معًا ومهجورَين.
أنا وحيد ومنفرد على الأرض،
الله وحيد ومنفرد هناك في السماء،
وبيننا تبسط اللانهاية العارية
روحها.
هناك أكلمه بعيدًا عن الشهود اللئام،
بصوتٍ مبحوح في السر،
وهو١ يسمعني في السكون ويحفظ تنهداتي في صدره.
يقبُّلني الله بفمه اللانهائي،
بفم الحب وكله من نار،
يقبُّلني على فمي فيشعل فيه أشواقي،
وعندما أحترق أعود إلى الأرض،
وتلمس يداي التربة،
وتغوصان في الرمال الملتهبة
وتدمى الأصابع،
تنسلخ الأظافر، مخالب النهم،
يبلل العرق أعضائي المعذبة
يغلي الدم في عروقي،
أتعطش للماء،
لماء الله الذي تخفيه الرمال،
لماء الله الذي يهجع في الصحراء،
للماء يجرى منعشًا وصافيًا
تحت تلك التربة؛
للماء الخفي الذي يحفظه الرمل الملتهب
في حب داخل حجرٍ عقيم،
للماء الذي يحيا بعيدًا عن النور،
ولكنه مشبع بالسماء،
وعندما يحيي الشراب، وهو نبع الحياة،
قلبي وحسي من جديد،
أرفع جبهتي لله ومن عيني،
تسقط في بطء
دمعتان على الرمال،
التي تتلقَّاهما في الحجر العقيم،
فتمتزجان هناك بالمياه الصافية،
وتحملان معهما أشواقي.
فابقوا إذن في الحقول الهادئة،
التي تستقبل المياه من السماء،
لأن الله — أثناء المطر — يخفي وجهه في السحاب،
ويراقب الأعمال.
ابقوا في الحقول العامرة بالأشجار والأزهار والطيور …
إنني أترك لكم كل الطيبات
التي تعيشون في ظلها لاهين
عميانًا عن الله.
دعوني وحيدًا منفردًا.
وحيدًا مع إلهي الوحيد في الصحراء؛
وسأبحث في مياهه الدفينة
عن عزائي القاسي.
أشعار، ١٩٠٧م

أبانا الذي في السموات

أبانا الذي في السموات
مر أبناء إسبانيا أن يتحركوا،
ليتقدس اسمك،
لأن يوم المجد قرب.
ليأتِ إلينا ملكوتك:
الطغيان يرفع شراعه الدموي.
لتكن مشيئتك،
كما في السماء، كذلك على الأرض الضنينة.
ألا تسمعون زئير الجنود الوحشي
في ميادين الحرب العطاش؟
خبزنا كفافنا أعطنا اليوم،
ففي بيوتنا يسكن الجوع،
واغفر لنا، يا إلهي، ذنوبنا،
إنهم يقتلون نساءنا وأطفالنا،
فاجعلنا نغفر للمذنبين إلينا،
يا مواطني إسبانيا! إلى السلاح!
لنضم صفوفنا،
لا تدخلنا في كمين،
ولا تجعلنا ننزف دمنا في الحفر؟
نجِّنا من كل شرور المعارك.
مرنا أن نزحف، نزحف: هذا هو الطريق!
لتكن إسبانيا ملكوت الرب.
١٩٢٨م

فاشية

لا عصبة، بل عصابة،
تلك هي جماعة الفاشيين؟
خلف التحية عدم؛
خلف العدم هاوية.
كتاب الأغاني، ١٩٢٨م

دعاء

إلهي خلصني من شكي:
أتراك تحمي من أحبك؟
إلهي، تعال، قف بجانبي،
فهم يريدون أن ينتزعوا ذاتي!
كتاب الأغاني

ولما افترقنا على قبلة

ولما افترقنا على قبلة
ويا أسفى أن تكون الأخيرة!
تمزَّق منا الفؤاد الحزين
على حلوة الطعم لكن مريرة!
وكم ضحكت قبلةٌ عذبة
فودَّعتها بالدموع الغزيرة!
مضت ومضى العمر في إثرها
وهيهات يرجع ماضٍ بعيد
تقولين سوف تعود الحياة
وقبلتنا يا ترى هل تعود؟
أغنيات، ١٩٣٥م

الهلال مهد

الهلال مهد
من ذا الذي يُهدهده؟
الطفل الذي يرقد فيه
بمَ يحلم؟
الهلال مهد؛
من ذا الذي يهزه؟
الطفل الذي يرقد فيه
يحيا لأية غاية؟
الهلال مهد،
سرعان ما يصبح بدرًا،
الطفل الذي يرقد فيه
أتراه يحفظ عهدي؟
كتاب الأغاني

(٢) أنطونيو ماتشادو (١٨٧٥–١٩٣٩م)

أسير على الطرق الحالمة

أسير على الطرق الحالمة
للأصيل.
التلال ذهبية، أشجار الصنوبر الخضراء،
السنديان المترب! …
إلى أين … يؤدي الدرب؟
أمشي عليه مغنيًا،
ومسافرًا عبر الطريق.
المساء يهبط،
كانت في قلبي شوكةٌ عاطفة،
نجحت ذات يوم في انتزاعها:
(والآن)٢ لم أعد أشعر بقلبي:
ويظل الريف كله لحظة
هادئًا ومعتمًا،
متأملًا.
الريح يُسمع صوتها
في أشجار الحور على الشاطئ.
المساء يزداد ظلامًا؛
والطريق الذي يتلوَّى،
ويبيضُّ في وهن،
تكسوه القتامة ويختفي.
أغنيتي ترتد آنينًا:
«أيتها الشوكة الذهبية الحادة،
ليتني أحس بك
مغروزة في قلبي.»
١٩٠٣

أسير حالمًا

أسير حالمًا على الدروب،
في ساعة الأصيل.
تلال، أشجار صنوبر خضراء،
شجر بلوط مترب.
يا درب قل لي، إلى أين تسير؟
أسير وأنا أغني،
وأجوب الحقول …
– ينعطف الأصيل
نحو الظلال —
كانت في قلبي
شوكةٌ عاطفة،
وذات يوم
نجحت في انتزاعها:
القلب أصبح فارغًا.
الحقول من حولي
تعلق أنفاسها
على حين فجأة،
تصمت، تغرق في التأمل،
في أشجار الحور على النهر
تئن الريح.
الظلال تُخيِّم على الأصيل،
الدرب الأبيض يتشابك،
يظلم، يلفُّه الضباب، يزول،
أغنيتي تصبح شكوى.
يا شوكة حبي الذهبية،
من ذا يشعر بك
في أغوار القلب؟
وحدة، ١٨٩٩–١٩٠٧م

في الليلة الماضية، عندما كنت أحلم

في الليلة الماضية، عندما كنت نائمًا
حلمت، يا للرؤيا المباركة!
بنافورة تسيل
في قلبي.
قل لي، بأي مجرًى خفي
جئتَ، يا ماء، إليَّ؟
يا نبع حياةٍ جديدة
لم أشرب أبدًا منه؟
في الليلة الماضية، عندما كنت نائمًا
حلمت، يا للرؤيا المباركة!
بخلية نحل في قلبي؛
والنحلات الذهبية
كانت تصنع فيها
من المرارة القديمة
شمعًا أبيض وعسلًا جديدًا.
في الليلة الماضية، عندما كنت نائمًا
حلمت، يا للرؤيا المباركة!
بشمس تتأجج
في قلبي.
كانت تتأجج لأنها
تتوهج كالموقد الأحمر،
وكانت شمسًا لأنها
كانت تضيء وتبكيني.
في الليلة الماضية، عندما كنت نائمًا
حلمت، يا للرؤيا المباركة!
أن الله هو الذي كان
في داخل قلبي.
١٩٠٧م

قال لي فجر ربيع

قال لي فجر ربيع:
منذ سنواتٍ عديدة
أزهرت في قلبك المظلم
يا أيها المسافر العجوز
الذي لا يقطف أزهار الطريق.
قلبك المظلم الكئيب
لعله لا يزال يعبق
بشذا زنابقي القديم؟
ألم تزل ورودي تفوح
بعبير الجنين الأبيض
لجنية أحلامك الماسية؟
أجبت الصباح:
إنما أحلامي بلورية
أنا لا أعرف جنية أحلامي،
ولا أعرف أن كان قلبي مزهرًا.
لكن لو انتظرت الصباح النقي
الذي يكسر الزهرية البللورية،
فربما أعادت إليك الجنية ورودك،
(وربما رد) قلبي زنابقك.
١٩٠٧م
ما أسهل الطيران، ما أسهله!
ما على الإنسان إلا أن يحرص
على ألا تبلغ الأرض الأقدام.
عملٌ شجاع؛ الطيران! الطيران! الطيران!
بالأمس حلمت (في نومي) أنني رأيت الله،
وأن الله تكلم:
حلمت أن الله سمعني …
ثم حلمت أنني حلمت.
حقول كاستيلا، ١٩٠٧–١٩١٧م
كان ياما كان ملاح،
زرع حديقة على شاطئ البحر،
وجعل نفسه بستانيًّا
الحديقة أزهرت،
أما البستاني
فانطلق في بحار الله.
حقول كاستيلا، ١٩٠٧–١٩١٧م

سوريا، يا باردة٣

سوريا، يا باردة،
سوريا، يا نقية،
يا رأس إكسترا مادورا،
بقلعتها الحربية
(و) أطلالها، على (نهر) الدويرو
بجدرانها المتهدمة
وبيوتها السوداء!
أيتها المدينة الميتة،
يا مدينة الجنود والصيادين،
وبوابات عليها شعارات٤
مائة أسرةٍ نبيلة،
وكلابٌ جائعة،
كلابٌ هزيلةٌ حادة،
تلد في الأزقة الحقيرة،
وتولول في منتصف الليل،
عندما تتعب البوم.
سوريا، يا باردة!
ناقوس المحكمة
يدقُّ دقةً واحدة.
سوريا، يا مدينة في كاستيليا
ما أجملك، تحت القمر!
حقول كاستيلا، ١٩٠٧–١٩١٧م

في ذكري دون فرانشسكو جينيه دي لوس ريوس

عندما مات المعلم
قال لي نور الصباح:
«منذ أيامٍ ثلاثة
وشقيقي فرانشسكو لا يعمل!
هل مات»؟ نحن لا نعلم
إلا أنه رحل عنا وسار على طريق مضيء،
وقال لنا: اجعلوا النشاط والأمل
حدادكم. كونوا طيبين
لا شيء أكثر من هذا،
كونوا مثل ما كنت بينكم: روحًا.
عيشوا، الحياة لا تتوقف،
الموتى يموتون، والظلال تزول؛
من يعطِ يملك، ومن عاش يعيش.
أرعدي، أيتها السنادين،٥ أيتها الأجراس، اسكتي!
في النور الباهر غاب
من كان شقيقًا للفجر
شمسًا لبيوت العلم
الراعي المرح الشيخ
لحياة القدس.٦
– أجل يا أصدقاء!
احملوا جسده إلى الجبال،
الجبال الزرقاء.
في «جوا دارا ما» الشاسعة.
هناك أخاديدُ عميقة
مخدراتٌ وعرة خضراء،
حيث تغني الريح.
ليسترح قلبه.
تحت شجرة بلوط طاهرة،
في أرض الصعتر
حيث تلهو الفراشات الذهبية …
هناك راح المعلم ذات يوم.
يحلم بازدهار إسبانيا من جديد.
حقول كاستيلا، ١٩٠٧–١٩١٧م

بيع كل شيء!

يدٌ حاقدة، يا وطني إسبانيا.
– يا قيثارة مشدودة بين بحرَين —
ألقت مناطق الحرب، والقمم المحصنة
فوق الجبل والوادي والتل والهضاب.
أرواح الحقد والجبن القديمة
تجتث غاباتك من شجر البلوط،
تدوس في معاصرك ثمار التوت الذهبية،
تسحق الغلال التي تخرجها أرضك.
ومن جديد من جديد! يا إسبانيا الحزينة!
كل ما يقف في الريح، ويستحم في البحر،
يسقط (ضحية) للعبة الخيانة،
كل ما كان مستورًا في معابد الله
يلطخه النسيان، وكل ما ينضج في حضن الأرض،
نهب للجشع، كل شيء بيع!
شعر ونثر متنوعان عن الحرب، ١٩٣٧م

(٣) خوان رامون خيمينيث٧ (١٨٨١–١٩٥٨م)

لا أحد هناك

– لا أحد هناك. الماء.
– لا أحد؟ هل الماء لا أحد؟
– لا أحد هناك. الزهرة.
– لا أحد؟ وهل الزهرة لا أحد؟
– لا أحد هناك، كانت الريح.
– لا أحد؟ هل الريح لا أحد؟
– لا أحد. خيال.
– لا أحد؟ وهل الخيال لا أحد؟
حدائق بعيدة، ١٩٠٤م

ريحٌ سوداء وقمرٌ أبيض

«… برقة الحس ضيعت أيامي.»

رامبو
ريحٌ سوداء وقمرٌ أبيض
ليلة كل القديسين.
برد، كل الأجراس على الأرض
تقرع للأموات.

•••

قاسية هي السماء، وفي الأعماق
زرقة، تشعُّ من القاع
حتى تصل إلى أحلام الخيال٨
التي تلف أبراج الأجراس العجاف.

•••

مشاعل، أزهار، باقات،
أجراس تدق للأموات!
ريحٌ هوجاء، قمرٌ كبير،
في ليلة عيد القديسين.
أمشي ميتًا،
في نور الطرقات المر،
أهتف بالحياة
بكل جسدي،
أريد الحب؛
أقول كلمتي
لكل من جعلوني أخرس،
أقولها باكيًا،
دم شفتي المهان
أحمر من الحب.

•••

أريد أن أصبح إنسانًا آخر،
أريد أن يكون لي قلب وذراعان عملاقان،
وابتسامات لا حدَّ لها من الشكايات
التي استحالت بسببي إلى دموع!

•••

… لكن هل يقدر قلبٌ مدفون
أن يتحدث عن أشجار وروده؟
يا قلب، كم مت موتًا!
غدًا يذكرونك
في قداس الأموات!
عاطفة الحس تجمدت.
المدينة تدق للأموات.
قمرٌ أبيض، ريحٌ سوداء
ليلة كل القديسين.
حدائق بعيدة، ١٩٠٤م

إلى نفسي

دائمًا ما تعدِّين الغصن
للوردة الملائمة؛ يقِظةً تعيشين دائمًا
الأذن الساخنة على باب جسدك
في انتظار السهم الذي لا أمل فيه.
ما من موجة تخرج من العدم،
لا تحمل معها أبهى أنوار ظلك المفتوح.
بالليل، تتفكرين في نجمك،
تسهرين على الحياة.
تضعين في الأشياء علامة لا تزول.
وبعد أن تصيري مجد القمم
ستبعثين في كل ما طبعته بخاتمك.
وردتك، ستصبح مقياس كل الورود؛
سمعك: مقياس الانسجام،
ومقياس الوضوح فكرك،
والنجوم يقظتك.
١٩١٥م

أكتوبر

كنت مستلقيًا على الأرض،
أمام ريف كاستيلا الشاسع،
الذي لفَّه الخريف في العذوبة الصفراء
لشمسه الواضحة الغاربة.
في بطء كان المحراث
يشق الأرض السوداء
في خطوطٍ متوازية،
واليد الطيبة المفتوحة تترك البذور
في أحشائها المشقوقة باحترام.
فكَّرت أن أنتزع قلبي، وأُلقي به،
بما يملؤه من عواطفَ ساميةٍ وعميقة،
في تجاعيد الأرض الحنون؛
لأرى إن كان كسره وبذره
سيجعل الربيع يمنح العالم
شجرة الحب الأبدي الصافية.
أغاني روحية، ١٩١٦م

القمر الأبيض

القمر الأبيض يأخذ من البحر
البحر، ويعطيه البحر. بجماله،
في انتصارٍ هادئٍ صاف،
يجعل الحقيقة غير ما هي عليه،
كما يجعل الحقيقة الخالدة الوحيدة
تصبح شيئًا لم تكنه.
نعم.
أيتها الحكمة الإلهية،
يا من تحطمين اليقين
وتضفين على الحق كيانًا جديدًا!
وردة لم يدركها الخيال أبدًا:
لتأخذ الوردة من الوردة،
ولتعطِ الوردة للوردة!
١٩١٦م

أبريل

ذهب الساعة٩
– بغير أن يراه أحد —
يضع روعتة في الغصون،
كأنه لا يزال طفلًا: وبغير أن يثنيها
يحمل كل مجد الذهب،
والزمرد، ومجد حياته.
ينظر مرتاحًا إلى السماء والأرض،
شابًّا، مشبوب العاطفة.
١٩١٧م

الحديقة١٠

الليل وحيد لا متناهٍ،
نسيانك.
أسفل رائحة الياسمين
رائحة غيابك.
الأنجم تبدو عالية
شهقاتك وردات
لن تفتحها روحي …
أسعى بين ظلال …
لا أحد يراني
ما دامت عينك لا تقع عليَّ،
وسمائي بعدت
منذ رحلت،
تخفق، ترتعش بعاطفة
لم تحملها لي،
تلمع، تطفح بفراغٍ أخرس
نهب للوجد،
وجد عذابي الساهر غير المحدود.
١٩١٧م

الشعر

في البدء جاء نقيًّا،
عليه ثوب البراءة،
أحببته مثل طفل.
ثم كسا نفسه
– لا أدري من أين —
بخرقٍ زاعقة
فكرهته دون وعي
وبعدها صار ملكًا١١
وأخذ يحدق في الذهب …
يا للحقد المر! يا للغضب المجنون!
… من الثياب تعرى،
أما أنا فضحكت.
ولما عاد
إلى ثوب البراءة الأولى
آمنت به من جديد،
… ثم طرح هذا الثوب
وبدا عاريًا تمامًا …
أواه يا معنى حياتي،
أيها الشعر العاري،
أنت لي إلى الأبد!
١٩١٨م، أبديات

يا عقل أعطني١٢

يا عقل، أعطني
الاسم الدقيق للأشياء!
… لتكن كلمتي هي الشيء نفسه
وقد خلق من روحي خلقًا جديدًا.
عن طريقي فليجد الأشياء
كل من لا يعرفونها!
عن طريقي فليجد الأشياء
كل من يحبونها …
يا عقل، أعطني
الاسم الدقيق للأشياء
اسمك واسمه واسمي!
١٩١٨م

الموسيقى

على حين فجأة،
كدفقة ماء،
من صدرٍ مشروخ،
يكسر تيار العاطفة
الظل — كامرأة
تفتح نوافذ الشرفة
تتنهد عارية للنجوم،
متلهفة على الموت، بلا سبب،
وقد يستحيل لديها
حياةً هائلةً مجنونة
ولا تعود أبدًا،
– لا المرأة ولا الماء —
وإن ظلت في داخلنا،
تنبثق على الدوام
حقيقيةً وغير موجودة،
لا تستطيع أن تتوقف.
جمال، ١٩٢٣م

الوردة الأخيرة

اقطف الوردة، اقطفها!
لا، لا: فهي الشمس!
الوردة نار،
الوردة ذهب،
الوردة مثال.
لا، لا: فهي الشمس!
وردة المجد،
وردة الحلم،
الوردة الأخيرة.
لا، لا: فهي الشمس!
اقطف الوردة، اقطفها!
أغنيات النور الجديد، ١٩٢٣–١٩٣٦م

سهاد

الليل يمضي، ثورٌ أسود
– جسدٌ ممتلئ بالفجيعة، والرعب، والسر؛
مفزعًا دوَّي، بغير حدود،
فأخاف جميع الساقطين، خوفًا يسيل العرق.
ويأتي النهار، صبيٌّ نضر
يلتمس الثقة والحب والضحك —
– هناك، بعيدًا جدًّا
في الخفاء
حيث تلتقي كل بداية مع كل نهاية،
لعب الصبي لحظةً قصيرة
على مرج
من نور وظل
مع الثور، الذي هرب …
١٩٢٣م

الفجر في موجوير

الثور الأسود يصحو وحده، نقيًّا وجميلًا،
فوق الفجر البارد الأخضر، على قمة صخرةٍ زرقاء.
يخور من الجنوب للشمال، يلطم الذروة العميقة الداكنة
التي لا تزال النجوم الكبيرة تشع عليها
يلطمها بعنقه الهائل.
الوحدة اللانهائية تتجمد،
الصمت اللامحدود يخرس.
الثور — صخرةٌ منزوعة —
تهبط في جرف كثيف الأشجار
لا شيء يبقى سواه.
ذلك الأسود الهارب.
ويأتي النور، أبيض ووردي.
١٩٢٣م

(٤) خورخه جين (١٨٩١م–؟)

طفل

صفاء التيار،
دائرة الوردة،
لغز الثلج:
فجر وشط في الأصداف.
(أنت) قوةٌ عاصفة،
(يا) أفراح القمر،
بالصبر تزدادين قوة:
ملح الموجة العاتية
لحظة بلا تاريخ
تزخر في عناد
بأساطيرَ كامنة في الأشياء:
بحر وحده بطيوره.
كل هذه الثروة، هذه الرقة،
كل هذا السحر،
مكتمل دائمًا أمام العين:
بحر، وحدةٌ حاضرة.
شاعر الألعاب
الخالصة التي لا تنتهي
إلهي، بلا خبث:
البحر، البحر، الذي لا يمس!
١٩٢٨م

مدينة الصيف

مدينة الصيف
العارضة،١٣ سيدات
فوق النور. تحت الزرقة.
حرير: حرير مطلق١٤
يشير، يتحاشى
الزوايا العابرة.
الخط المستقيم
ينزلق على قضبانه. يسير، يسير
إلى غايته.

•••

آه المدينة
مجنونة بالهندسة
أوه، بدائية جدًّا!

•••

أغسطس الحكيم.
بكل بساطته. هامة،
قدر رقيق.
في شبكة من الاتجاهات،
ناصعة في المساء،
تسري مباهجُ دقيقة.
وتحت أشعة الشمس الساطعة
تتمدد.
مدينة الماهيات.
١٩٢٨م

كمال الدائرة

كالأسرار تنتهي
في أعلى قمة
– تطبع خطًّا
يناسب البصر —
جدران السر
الواضحة الحبيبة
خفية في داخل
كتل الهواء.
نور إلهي:
سر بلا ظل.
الظل ينشر
أقنعةً مزرية
سرٌّ كامل،
كمال الدائرة،
دائرة في التدوير،
لغز السماء.
غني بالأسرار
يلمع، يتخفى
ولكن من؟ الله؟ القصيد؟
غني بالأسرار.
١٩٥٠م

الأسماء

فجر. الأفق
يفتح رموشه نصف فتحة
ويبدأ في الرؤية. ماذا؟ أسماء.
مكتوبة على صدأ الأشياء.
اليوم أيضًا لا تزال الوردة
تسمى وردة،
وذكرى تحولها
تسمى سرعة.
سرعة المزيد من الحياة.
كي يحملنا إلى حب أعظم
عنفوان اللحظة
الذي لا يأتي في أوانه:
خفيف هو
حتى إذا بلغ هدفه
بادر بفرض «ما بعد».
انتبهوا! انتبهوا!
سأكون، سأكون!
والورود؟ رموش
مغمضة: أفق
أخير. لعله إذن لا شيء؟
لكن الأسماء تبقي.
١٩٢٨، ١٩٥٠م

باب

الباب موارب.
عمن يبحث هذا الضوء؟
الشفق سيال.
يتلألأ عاجزًا
– لمن هذا الصمت؟ —
مكان مقفل.

•••

صوت ينادي، لعله وعد
من المجهول. مشاعر.
لأي شمس مثل هذا الهدوء؟

•••

ويظهر التحول.
يتجه في هواء
فارغ مقنع.
باطن. الجدران بلا شك
تخفي المجهول.
هنا؟ شجرة جوز، كأس.

•••

صمت يعزل نفسه.
عادي، مهذبٌ جدًّا؟
عطر وردة يومية.

•••

الباب مغلق: بعيدًا.
هذا الضوء، أهو رسول؟
والآن: عين في عين …
١٩٥٠م

مذاق الحياة

هناك سماء في الهواء
تتنفس.
أنا أتنفس،
أطفو على الصدفة١٥
خلال الأفراح.
أفراح إنسان
تعمق وتنتشر على الشاطئ.
أنا فرحان بالأشجار
بالدفء، بالظل.
مخاطرات؟ إن صياديَّ
لا يطاردونها.
لي مع الشمس نفسها
موعد أبدي.
الحاضر! يا له من مراوغ
في لبه وروحه،١٦
يكافئ تراخيًا
بأقصى مذاق للحياة.
بطيئة هي الروح، بطيئة هي الخطى،
هيا نسير معًا!
المجد الذي لا يتحقق أبدًا
لا يمحى أبدًا!١٧
أغنية، ١٩٥٠م

موت من بعيد

«احتملت سناء الموت الصافي.»

بول فاليري
في بعض الأحيان يخيفني يقين،١٨
ويرتعش مستقبلي أمام عيني.
وبينما أرقد في انتظار، (يبرز) فجأة
جدار في الضاحية الأخيرة١٩
يسقط عليه ضوء الحقل.
ولكن هل سيكون هناك حزن
إذا كانت الشمس ستكشف عنه؟
لا، لا جزع هناك.
الثمرة الناضجة هي (الضرورة) الملحَّة.
اليد تقشرها بالفعل.
… ومن بين هذه الأيام جميعًا
سيأتي أشد الأيام حزنًا.
(و) سوف يكون على اليد
أن تقدم نفسها بلا خوف
وفي خشوع أمام القوة السامية
سأقول بغير دموع:
تعالَ، أيها القدر العادل.
الجدار الأبيض سيفرض عليَّ
قانونه، لا صدفته.٢٠

العاشقان

غصون. وحدة،٢١
خفيفة. شرفات
محلقة؟ جبال،
غابات، طيور، أجواء.
فضاءٌ كبير، كبير
يلفُّ العناق الحار
بوجود الكواكب.
(وجودها) الحي.٢٢
شهوات، كتل، شهوات،
كتل، امتلاء،
ضوء مفزوع،
واحمرار نشوان!
والنهار، استواء
الزجاج.٢٣ الحجرة
تهبط، صامتة.
شرفات بيضاء.
وحدك، يا حب، أنت نفسك،
قبر. لا شيء، لا أحد،
قبر. لا شيء، لا أحد،
مع ذلك … أنت معي؟
كتبت الصياغة الأخيرة للقصيدة سنة ١٩٥٠م

ليلة قمرية (بلا حل)

علو يقظان:
الحراس يهبطون
على سنا القمر٢٤
البياض النجمي للبحر!٢٥
أجنحة البرد
مفرودة، ترفُّ.

•••

والسهل،٢٦ الأمل.
انتظار الأمواج
ينتشر في صمت.٢٧

•••

آه، أخيرًا؟ من الأعماق
تنور الليل
أحلام حشائش الماء.
إرادة الخفَّة:٢٨
شواطئ رائعة
تنشد الرحمة من الريح.

•••

ارتفاع للبياض!
أموات الأعماق السفلى،
يمضون، هواء في الهواء.

•••

نحولٌ عسير:
أيبحث العالم عن غياب
أبيض، تام، خالد؟
١٩٥٠م

تلك الجبال

صفاء، وحدة؟ هناك. كابية.
قتامة لم تمس، لا القدم الضالة
فاجأتها، وهي ترفُّ في استعلاء
قائمة، لصيقة بالعدم الكئيب،
الجميل، الذي يتلقَّاه الهواء كأنه روح،
واضحة من شدة الإخلاص للهدف: الانتظار
وجود، وجود، حتى وهو أكثر بُعدًا، عن الدخان،
عن نظرات الأعمى نفسه،
عدم، في مأمن: قتامة لم تمس
فوق جدب لطيف، قتامة تلك الجبال!
١٩٥٠م

كلا

النهار يطلع في زجاج النافدة،
التاريخ يتمدَّد متعبًا،
أحيا بين الخير والشر.
ذباب، أكوام من الذباب.
أيها الذباب الصيفي الأزرق
يا من تتسلى على جلدي.
فليحيا الجليس٢٩ البارد!
النهار يطلع، أشعر بالبرد!
الخريف يأتي مبكرًا،
أسرع إلى البحر، يا نهري، أسرع إلى البحر
بخار بنزين بودلير
فوق الأسفلت، مطر
الليل الناعم يتجول
جائعون؟ ألهم وجود؟ في ضواحيَ
غير بعيدة في مناطق،
هي أبشع الضواحي،
أولا يرون أبدًا أبطالنا الأوذيسيين؟
يا خالق حدودنا، أيها الإله المقدس
لوب دي فيجا
– يصارع الحدود
– أيفعل اكثر مما يستطيع
إبليس صغير؟ — بلا اهتمام.
الحياة تتفجر في الفكرة.
عدم، سكون سيف.
وأنا أعود نفسي على الفكرة:
ليل، حلم، موت، عدم.
صخب، ١٩٥٧م

صراخ نجمي

ضوضاء، شبكة ضوضاء، تلف الكوكب
الذي تذوب عليه الانفجارات والطلقات
والهمسات في الأنين والصراخ والعويل
تحت نورٍ صامت.
النور يتراجع واللغط يخفت
ويأوي إلى الواقع الضئيل للظلام
الذي يحمي الجميع، العشاق، المرضى
الأقوياء في أوج الحياة، في المحنة، في الرجاء.
أبدًا يستمر العناء، بغير أن يقطع (حبل) الألم
أو الحب، أثناء الهدنة (الممتدة)
بين النوم والظلام، حين توشك العلامة الحلوة الصوت
ألَّا يكون لها عند الساهدين وجود.
في الأعالي لا تدري الأنوار البعيدة شيئًا
عن الإنسان الذي يتأملها، يقويه السلام،
الذي تتم فيه تلك العمليات البالغة العنف،
نيران الخلق تلك.
الخلق الذي يسيء العقل لقاءه،
لا نهائية النجوم والقرون،
التي لا تثير أدنى نشوة في هذا البحر الليلي
الذي تشقه بالخطوط، مثل كوكبنا
الغارق في الصمت بين علامات السماء.
صخب، ١٩٦٣م

(٥) فيديريكو جارثيا لوركا (١٨٩٩–١٩٣٦م)

الصرخة

منحنى٣٠ صرخة
يسري من جبل
إلى جبل.
من ناحية الزيتون
يصبح قوس قزح أسود
فوق الليل الأزرق.
آه!
كأنما تحت قوس كمان
ارتعشت تحت الصرخة
أوتار الريح الطويلة.
آه!
(سكان الكهوف
يعلقون مصابيحهم أمامها.)
١٩٢١م

الصمت

أنصت. يا ولدي، للصمت.
صمت متموج،
صمت،
تنزلق الوديان خلاله،
والأصداء،
ويذل جباهًا٣١
فوق الأرض.٣٢

أغنية ملقة

الموت
يدخل ويخرج
في الحانة.
تمر خيولٌ سوداء
وأناسٌ مظلمون
فوق الدروب العميقة
للقيثارة …
وتفوح رائحة ملح
ودم نساء
في المسك المحموم
للبحر البعيد.
الموت
يدخل ويخرج
يخرج ويدخل
الموت
في الحانة.

أغنية

في أغصان الغار
تسري حمامتان سوداوان.
إحداهما كانت الشمس،
الأخرى كانت القمر.
قلت لهما: يا حبيبي،
أين قبري إذن؟
قالت الشمس، في ذيلي.
قال القمر، في رقبتي.
وسرت في طريقي،
والأرض في حزامي،
رأيت نسرَين من مرمر
وفتاةً عارية.
أحدهما كان الآخر،
والفتاة لا أحد.
قلت لهما: أيها النسر الحبيب
أين قبري إذن؟
قالت الشمس، في ذيلي.
قال القمر، في رقبتي.
في أغصان شجرة الكرز
رأيت حمامتَين عاريتَين،
إحداهما كانت هي الأخرى
والاثنتان لا أحد.

موت

يا للعناء!
يا لعناء الفرس أن يصبح كلبًا!
يا لعناء الكلب، أن يصبح عصفورًا!
يا لعناء العصفور، أن يصبح نحلة!
يا لعناء النحلة، أن تصبح جوادًا!
والفرس،
أي سهم مسنون يشده من الوردة،
وأي وردةٍ داكنة يطلقها من فمه!
والوردة.
أي خليط من الأنوار والصرخات
تمنحه للسكر الحي في ساقها!
والسكر،
بأي خناجرَ صغيرة يحلم في اليقظة!
والخناجر،
أي قمر هي بغير إسطبل، وأي عري،
وتفتش دائمًا عن الجلد الأبدي والحمرة،
وأنا، تحت السقوف،
أي ملاك ناري أبحث عنه وأنا هو نفسه!
لكن القوس المصنوع من الجبس،
كم هو كبير مع ذلك، وكم هو خفي وضئيل!
وبغير عذاب.

سيجويريا تعبر

بين فراشاتٍ سوداء
تمشي بنتٌ سمراء
بجانب حيةٍ بيضاء
من الضباب.
أرض كالنور،
سماء كالأرض.
تمشي مقيدة برعشة
إيقاع لا يصل أبدًا،
تحمل قلبًا من فضة
وخنجرًا في يمناها.
أرض كالنور،
سماء كالأرض.
سيجويريا، إلى أين تذهبين،
بإيقاع بلا رأس؟
أي قمر سيسترد
الملك المجبول من الجير والدفلي؟٣٣
أرض من نور،
سماء كالأرض.
١٩٢١م

أغنية فارس

قرطبة
وحيدة وبعيدة
فرسٌ أسود صغير، قمرٌ كبير،
حبات زيتون في غرارة سرجي.
أعرف الطرق حقًّا،
غير أني لا أبلغ قرطبة أبدًا.
عبر المدى الفسيح، عبر الريح،
فرسٌ أسود صغير، قمرٌ أحمر.
الموت يحدق فيَّ
من أبراج قرطبة.
آه! ما أطول الطريق!
آه! يا فرسي الشجاع!
آه! الموت يخطفني
قبل أن أبلغ قرطبة!
قرطبة
وحيدة وبعيدة.
١٩٢٤م

هذه هي الافتتاحية (مقتطفات)

ديوان شعر
هو خريف ميت:
الأبيات أوراق سوداء
على الأرض البيضاء.
الشاعر يفهم
كل ما يستعصي على الفهم.
والأشياء التي تكره بعضها:
يجعلها أصدقاء
يعرف أن الطرق
جميعها مستحيلة؛
لهذا يسير عليها
بالليل، في هدوء.
الشعر مرارة،
عسلٌ إلهي
السيل من خليةٍ مجهولة
تصنعها الأرواح
دواوين الشعر العذبة
نجومٌ تسري
خلال الصمت والسكون
في مملكة العدم،
وتكتب على السماء
مقطوعاتها الفضية.

روح ذهبت (مقتطفات من مرثيته لمصارع الثيران إجناثيو سانشيت ميخياس)

لا الثور يعرفك ولا شجرة التين،
ولا الخيول ولا النمل في بيتك.
لا الطفل يعرفك ولا المساء،
لأنك مِتَّ إلى الأبد.
لا ظهر الحجر يعرفك،
ولا الحرير الأسود، الذي هويت فيه.
لا يعرفك التذكر الصامت فيك،
لأنك متَّ إلى الأبد.
سيأتي الخريف بأبواق القواقع
بعنب الضباب وسرب الجبال،
لكن ما من أحد سينظر في عينيك،
لأنك متَّ إلى الأبد،
لأنك متَّ إلى الأبد،
ككل أموات الأرض
ككل أموات الأرض نُسيت
في ركام من الكلاب المطفأة
لا أحد يعرفك. لا. غير أني أغني باسمك،
أغني للأجيال صورتك، سماحتك.
النضج الشهير لحكمتك
شهوتك للموت، وطعم فمه.
الأسى الذي كان في فرحك الشجاع.
سيمضي وقتٌ طويل، قبل أن يولد من جديد
أندلسيٌّ نبيل مثلك، وغني بالمغامرة:
أغنِّي روعته بكلمات كالأنين
وأذكر كيف سرت نسمةٌ حزينة في أشجار الزيتون.

وداع

إن مت
دعوا الشرفة مفتوحة.
الصبي يأكل البرتقال
(من شرفتي أراه).
الحَصَّاد يحصد القمح
(من شرفتي أراه).
إن مت
دعوا الشرفة مفتوحة!
أغنيات، ١٩٢٧م

أغنية الحزن الأسود

معاول الطيور
تحفر باحثة عن الفجر،
عندما تهبط على الجبل الأسود
مونتويا سوليداد.٣٤
جسدها نحاسٌ أصفر
يفوح برائحة الفرس والظل.
ثدياها سندانان داخنان
يتنهدان أغنياتٍ مستديرة.
– «سوليداد، عمن تبحثين
وحدك، في هذه الساعة؟»
– «أبحث عمن أبحث عنه،
أخبرني ما شأنك أنت؟
أبحث عما أبحث عنه
عن سعادتي وعن نفسي.»
– «يا سوليداد أحزاني
الفرس الذي يهرب
يعود أخيرًا للبحر
وتبتلعه الأمواج.»
– «لا تذكر لي البحر
لأن الحزن المر ينبثق
من أرض الزيتون
تحت حفيف الأشجار.»
أي حزن يدعو للإشفاق!
– «سوليداد، أي حزن تطوين!
أي حزن يدعو للإشفاق!
دموعك عصير ليمون
مر مشتاق للشفتَين.»٣٥
– «يا للحزن الهائل!
أجري في بيتي كالمجنونة
ضفيرتاي على الأرض
من المطبخ إلى غرفة النوم
يا للحزن! أصبحت في سواد الليل،
جسدي، ملابسي.
آه على قمصاني من الكتان!
آه على فخذي (كأوراق) الخشخاش!»٣٦
– «سوليداد، استحمي
بمياه اليمام
واتركي قلبك
في سلام٣٧
يا سوليداد مونتويا.»
في السفح يغني النهر:٣٨
السماء والأوراق تدور.
النهار الجديد يتوِّج رأسه
بنوار القرع واليقطين
آه يا حزن الغجر!
حزنهم دومًا نقي ووحيد
آه يا حزنًا خفي المنبع
فجره ناءٍ بعيد!
أغاني الفجر، ١٩٢٨م

الزوجة الخائنة

… وكذلك سرت بها للنهر
وأنا أحسبها عذراء،
لكن كان لها زوج.
كانت ليلة سانتياجو٣٩
وكأني كنت على عهد.٤٠
انطفأت مصابيح الشوارع،
وتوهجت الفراشات في النار،٤١
في أطراف المدينة
لمست نهدَيها النائمين؛
فازدهرا فجأة
كسنابل الخزامي.
خشونة لباسها٤٢
رنت في أذني
كقطعة حرير
تشقها عشر سكاكين.٤٣
والأشجار، بغير نور فضي في أوراقها
لاحت أكبر٤٤
وأفق من الكلاب
تنبح بعيدًا عن النهر.٤٥
بعد أن تجاوزنا غابة العليق،
والأسل والزعرور،
تحت غطاء شعرها
مهدت فجوة في الوحل
خلعت رباط عنقي
خلعت ثوبها،
(نزعت) الحزام مع المسدس
(ونزعت) قطعها الداخلية الأربع.
لا الوردة٤٦ ولا المحارة
لها رقة بشرتها،
ولا الغدير٤٧ في ضوء القمر
يتلألأ مثل لألائها
فخذاها زاغا مني
كالسمك إذا ما فوجئ
نصفاها ملئا نورًا
والنصف امتلأ برودة.
في تلك الليلة سرت
على أجمل طريق،
ركبت على مهرةٍ لؤلؤية،
بلا لجام ولا ركاب،
لا أحب، كرجل، أن أبوح
بما قالته لي،
إن نور ذكائي
يجعلني كتومًا،
ملوثة بالقبلات والرمال
عدت بها من النهر.٤٨
نصل سيوف السوسن
كان يصارع الهواء.
فعلت ما ينتظر مني
كغجريٍّ حق٤٩
أهديتها سلة خيط
من حرير القش،٥٠
وفضلت ألَّا أقع في حبها
إذ كان لها زوج،
وأخبرتني أنها عذراء
عندما أخذتها إلى النهر.٥١
أغنيات غجرية، ١٩٢٨م

أغنية في الحلم

أخضر، كم أريدك أخضر!
ريح خضراء. غصون خضراء،
السفينة في البحر،
والفرس في الجبل.
بالظل فوق خصرها
تحلم في شرفتها،
لحم أخضر، شعر أخضر،
وعينان من فضةٍ باردة.
أخضر، كم أودك أخضر!
تحت القمر الغجري،
كل الأشياء ترنو إليها،
لكنها لا تقدر أن تراها.
أخضر، كم أحبك أخضر!
نجومٌ هائلة من صقيعٍ أبيض
تأتي مع سمكة الظلام
التي تفتح طريق الفجر.
شجرة التين تمسح الريح
بور، أغصانها الخشنة،٥٢
والجبل، قطٌّ متسلل،
ينفش صباره المر.
ولكن من القادم؟ ومن أين؟
تتمشى في شرفتها
لحم أخضر، شعر أخضر،
حالمة بالبحر المر.
- يا صديق، أريد أن أستبدل
فرسي ببيتك
سرجي بمرآتك،
سكيني بدثارك.
يا صديق، أنا قادم من مواني كابرا
بجراح تنزف.
- لو كنت أستطيع، يا أيها الشاب،
ختمت هذا العقد.
لكنني لم أعد أنا
ولا بيتي عاد بيتي.
- يا صديق، أريد أن أموت
في هدوء على سرير
من الحديد، وإن أمكن
على ملاءات من كتانٍ رقيق.
ألا ترى جرحي الممتد
من صدري إلى حنجرتي؟
- قميصك الأبيض يحمل
ثلاثمائة وردةٍ سوداء،
دمك الحار يرشح
حول حزامك.
لكنني لم أعد أنا،
ولا بيتي الآن هو بيتي.
- دعني على الأقل أتسلق
الدرج العالي:٥٣
دعني أصل! دعني أصل!
للدرج الأخضر.
درج القمر العالي
حيث يتردد خرير الماء.
الآن يصعد الصديقان
إلى الدرج العالي.
تاركَين وراءهما شريطًا من الدم
تاركَين شريطًا من الدموع.
فوانيس صغيرة من الصفيح
كانت ترتعش على الأسطح.
ألف دف من النجف
كانت تشق الفجر.
أخضر، كم أريدك أخضر!
ريح خضراء، غصون خضراء.
ذهب الصديقان
والريح الطويلة تركت
في الفم طعمًا غريبًا
من المر، والنعناع، والريحان.
يا صديق، أين هي، خبرني،
أين فتاتك المرة؟
ما أكثر ما انتظرتك!
ما أكثر ما انتظرتك!
وجه رطب، شعر أسود،
في هذه الشرفة الخضراء!
على وجه الصهريج
ترنحت فتاة الغجر.
لحم أخضر شعر أخضر،
بعينَين من فضة باردة.
(كتلة) جليد من القمر
علقتها على سطح الماء.
الليل صار ودودًا
كأنه ميدانٌ صغير،
الحراس السكارى
أخذوا يطرقون الباب.
أخضر، كم أحبك أخضر!
ريح خضراء، غصون خضراء.
السفينة في البحر
والفرس في الجبل.

غزلية الموت الأسود

أريد أن أحلم حلم التفاحات،٥٤
أن أبتعد عن ضوضاء المقابر،
أريد أن أحلم حلم الطفل
الذي أراد أن يمزِّق قلبه على البحر العالي.
لا أريد أن أسمع ما يتكرر على الدوام
من أن الموتى لا يفقدون دمهم.
وأن الفم المتعفن لا يكف عن الصراخ طلبًا للماء.
لا أريد أن أعرف شيئًا عن العذابات التي يعدها العشب،
ولا عن القمر الذي له فم ثعبان
ينشط قبل طلوع النهار.
أريد أن أنام فترةً قصيرة،
فترة، دقيقة، قرنًا،
ومع هذا فليعلم الجميع أنني لم أمت،
لأنه يوجد إسطبلٌ ذهبي بين شفتيَّ،
لأنني الأخ الأصغر للريح الغربية،
لأنني الظل الهائل لدموعي.
غطني بنقاب في ساعة الفجر،
لأنها سترميني بملء يديها بالنمل.
بلل حذائي بالماء القاسي،
حتى تنزلق لدغة العقرب.
لأنني أريد أن أحلم حلم التفاحات،
أن أتعلم مرثية تطهرني من الأرض؛
لأنني أريد أن أحيا مع الطفل المظلم
الذي أراد أن يمزق قلبه على البحر العالي.
١٩٣٦م

(٦) بيدرو ساليناس (١٨٩١–١٩٥١م)

أنا لا أراك

أنا لا أراك. أعلم جيدًا
أنك هنا، خلف جدارٍ
هش من الطوب والطين،
على مسمع مني
إن ناديت.
غير أني لن أنادي.
سأناديك غدًا،
حين لا أعود أراك
فأتخيل أنك دائمًا هنا
بالقرب مني، بجواري،
وإنه سيكفي أن أنطق اليوم
بالكلمة التي لم ألفظها بالأمس.
غدًا … عندما تكونين هناك
خلف جدارٍ هش من الرياح
والسموات والسنين.
١٩٢٣م

الغرب البعيد

ريح، على بعد ثمانية آلاف كيلومتر!
ألا ترى كيف يطير كل شيء؟
ألا ترى شعر «مابيل» الهارب،
شعر الفارسة المرسل،
التي تفتح نظرتها الصافية نصف فتحة،
أهي ريح تعاند الريح؟
ألا ترى الستارة المرتجفة،
هذه الورقة الطائرة،
والوحدة المدحورة
التي بينك وبينها، بسبب الريح.
أجل: أرى.
لا شيء إلا أنني أرى.
هذه الريح
تسري على الجانب الآخر،
في عصرٍ بعيد،٥٥
لبلاد لم تطأها قدماي.
تحرك الغصون
بغير «أين»،
تقبل الشفاه
بغير «من».
لم تعد هي الريح،
بل صورة ريح ماتت،
بغير أن أفطن إليها،
وهي الآن مدفونة
في المقبرة البعيدة للهواء القديم،
للهواء الميت.
نعم: أراها، وإن كنت لا أشعر بها.
هناك تسري، في عالمها،
ريح، ريح السينما، الريح.
١٩٢٩م، صدفة مؤكدة

ألوان من الموت

في البداية نسيتك في صوتك.
لو أنك تكلمت هنا،
الآن، بجانبي،
لسألت: «من هذه؟»
ثم نسيت خطوتك.
لو أن ظل جسد
تراجع في الريح٥٦
لما تبيَّنتك.
سلخت نفسك من أوراق الزهر،٥٧
في بطء، قبل شتاء:
بسمتك نظرتك، لون ردائك،
رقم حذائك.٥٨
بل سلخت نفسك أكثر من هذا
من أوراق الزهر:
لحمك سقط عنك، جسدك.
لم يبقَ لي إلا اسمك، لم يبقَ منك
إلا سبع رسائل،
ما زلت فيها تعيشين،
تتعذبين بيأس
بالجسد والروح.
هيكلك، آثارها،
صوتك، ضحكتك، سبع رسائل، تلك السبع.
جسدك الآن هو وحده الذي ينطق بها.
نسيت اسمك
الرسائل السبع تهيم شاردة،
لا تعرف بعضها البعض.
عربات الإعلانات تمر في الشوارع،
رسائل تسطع ليلًا بالألوان،
رسائل تمر على الظروف،
وتنادي بأسماء الغير،
وستكون أنت هناك
مفككًا، محطمًا، ومستحيلًا
أنت ستكون هناك، أنت،
اسمك الذي اعتاد أن يدل عليك،٥٩
صاعدًا،
إلى سماء باطلة،
في مجد الألف باء المجرد.
١٩٣١م

هم

هم
ألا أفترق عنك
من أجل جمالك.
عناء
ألا أبقى حيث تريد:
في حروف الألف باء،
في (أنوار) الفجر، على الشفاه.
قلق
من أن أمضي، أن أهجر
الدعابات، الملابس، الحنان،
وأنتهي
بعد تجربة
كل ما تغير فيك
إلى العري والثبات.
وبينا تتغير وتتغير بلا نهاية،
وتهب نفسها، وتخدع نفسها
وجوهك (الكثيرة)، ونزواتك وقبلاتك،
لذاتك المتقلبة،
لمساتك السريعة للعالم؛
إذا بي أنتهي
إلى مركز نفسك النقي الثابت.
وأرى كم تتغير
– وأنت تسمي ذاك حياة —
في كل شيء، في كل شيء،
أجل، لكن لا تتغير في
حيث تبقى على الدوام.
١٩٢٣م

تفكيري فيك هذه الليلة

تفكيري فيك هذه الليلة
لم يكن تفكيرًا فيك
بفكري أنا وحدي، من داخل نفسي.
العالم الواسع كان يفكر معي فيك.
كان يفكر باستغراق.
نوم الحقول العظيم، النجوم،
البحر الصامت، العشب الذي لا يُرى،
ولا يُحس إلا من عبيره الجاف،٦٠
كل شيء،
من الألدبران إلى الصرصار
كان يفكر فيك.
يا للهدوء
الذي تجلى في الانسجام
بين الأحجار، النجوم،
الماء الساكن، الغابة المرتعشة،
كل الجمادات،
وروحي،
تهبها جميعًا لك!
كل شيء استجاب
وانقاد لندائي
ومن أجلك،٦١
ارتفع للهدف، في قوة الحب!
الظلال والأضواء اتحدت
كي تتلاقى في ضوء حبك،
كذلك اتحد الصمت الهائل على الأرض،
وأصوات السحب الناعمة في السماء،
في تسبيحة باسمك،
أنشدت نفسها في وجداني.
تواؤم العالم والوجود،
الزمن والرغبة،
هدنة بعيدة الاحتمال،
دخلت في نفسي، كما تدخل السعادة
عندما تأتي متأنية، قبلة فقبلة.
كدت أكف عن حبك، كي أزداد حبًّا لك،
في شيء أكبر مني، وأستودع عهدي في حبك
لليل الهائل، وأهيم في الزمان،
محملًا برسالة، رسول حب
تحول إلى نجوم، سكون، عالم
ناجيًا من رعب الجثة
التي تبقى عندما ننسى.
عن ديوانه «سبب الحب»، ١٩٣٦م

لو أن الصوت تدركه العيون

لو أن الصوت تدركه العيون
آه! إذن لوددت أن أراك!
في صوتك نور يضيء كياني،
نور السمع.
عندما تتكلمين
يتوهج فضاء النغم.
يتفجر الظلام العظيم
الذي يسمونه الصمت
كلمتك تتألق ببياض يعشي العيون،
كلما وصلت إليَّ،
صار كل نهار فجرًا شابًّا.
إن قلت نعم
بلغت راحتي ذروتها،
أصبح الظهر سيدًا
لا يحتاج لفن العينين،
الليل يفر، إن كلمتني بالليل
الوحدة تزول، إن كنت هنا وحيدًا في غرفتي
وجاءني صوتك، خفيفًا، بلا جسد.
لأنه يخلق جسده بنفسه.
الصور المتكسرة الباقية
من جسد صوتك
تولد بغير عدد، في المكان الخالي.
الشفاه والأذرع التي تبحث عنك
تكاد تسقط في الوهم.
وأرواح الشفاه، أرواح الأذرع
تبحث في دائرة ولدها صوتك،
عن مخلوقاتٍ إلهية
أبدعها حديثك
وعلى ضوء السمع، بعيدًا عن العيون،
يقبل عاشقان بعضهما من أجلنا،
(عاشقان) لا يملكان بعد الليل والنهار
إلا صوتك (اللامع) بالنجوم،
إلا شمسك.
سبب الحب، ١٩٣٦م

القصيدة

والآن، ها هي ذي تقف أمامي.
كم من صراع كلفتني!
كم من أرقٍ ملهوف!
كم من أخطار الفشل!
(ومع ذلك)
فهي في ضوء هذه الروعة الصافية
ليست شيئًا، لقد نسيت
أنها تبقى،٦٢ (ويبقى) فيها العالم،
الوردة، الصخرة، العصفور،
هذه الأشياء الأولية
التي تدهش أمام هذه النهاية.
كانت تبدو لنا شديدة الوضوح!
ولكن كان من الممكن أن تصبح أشد وضوحًا
إنها الآن أفضل:
نور لا تعرفه الشمس
يضيئها بأشعته، وراء الليل،
ويكشف عنها للأبد.
إشراق اللحظة الحاضرة
يبدو أكثر صفاء من إشراق مايو.
إن كان قد تجلَّى هناك، فهو هنا الآن
أكثر بهاءً وشفافية.
كم تبدو طبيعية،
ما أبسط المعجزة!
في نور هذه القصيدة
كل شيء،
من القبلة الليلية المظلمة
إلى بهاء السمت
كل شيء أشد وضوحًا.
كل شيء أشد وضوحًا وقصائد أخرى، ١٩٤٩م

(٧) رافائيل ألبرتي (١٩٠٢م–؟)

إن مات صوتي

إن مات صوتي على اليابسة،
فاحملوه إلى البحر،
واتركوه وحيدًا على الشاطئ.
احملوه إلى البحر
وعينوه قبطانًا
على سفينةٍ حربيةٍ بيضاء.
آه يا صوتي،
تزينك علامة البحر:
فوق القلب مرساة،
وفوق المرساة نجمة،
وفوق النجمة الريح،
وفوق الريح الشراع!
ملاح على الأرض، ١٩٢٥م

بحر

بالليل أراك
كأنك خيمة
زهرة النوم الشمسية.٦٣
تطل منها خلسة
أشرعة كالمناديل،
تقول لي وداعًا،
بينما أواصل نومي.
ملاح على الأرض، ١٩٢٥م

صيحة صياد صقور تحت البحر

كم سأكون سعيدًا
في بستان بحري
معك، يا حورية بستاني!
في عربةٍ صغيرة،
يجرها حوت سليمان،
يا للفرحة أن أبيع تحت البحر المالح
بضاعتك. يا حب!
أعشاب البحر الطازجة،
أعشاب البحر،
أعشاب البحر!
عن ديوانه الأول «ملاح على الأرض»، ١٩٢٥م

حلم

«إلى المجاذيف أيها الملاحون!»

خيل فيثنته
ليل.
قوقعة خضراء، القمر.
في كل الشرفات
فتياتٌ بيضاوات وعاريات.
أيها الملاحون، إلى المجاذيف!
من الأرض تبزغ الكرة
التي لا بد أن تموت في البحر.
فجر.
نمن، أيتها الفتيات البيضاوات
حتى لا تسقط الكرة الأرضية
بين ذراعي الطوفان.
أيها الملاحون، إلى المجاذيف!
حتى لا تغفو الكرة السماوية
بين نهدي البحر!
الحبيبة، ١٩٢٦م

جنة ضائعة

عبر القرون
وسط العدم الكوني
أبحث عنك بلا نوم.
ورائي، لا يرى،
لا يلمس كتفي،
ملاكي الميت، يقظان.
أين هي الجنة،
الظل الذي كنته؟
سؤال في الصمت.
مدن بلا جواب،
أنهار بلا لغة، قمم
بلا أصداء، بحار خرساء.
لا أحد يدري. ناس يقفون
على الشاطئ ساكنين،
طابور قبور،
يجهلونني. طيورٌ محزونة،
أغنياتٌ متحجرة
ركبٌ مذهول.
عميان! لا يدرون شيئًا
رياحٌ قديمة، بلا شموس،
على أطراف المدن، عاجزة
عن الهبوب، ترتفع
محترقة، ثم تنكفئ
وتظل صامتة.
منطلقة تفرُّ مني السماوات،
والحقيقة التي لا شكل لها
مختفية في ذاتها.
هناك عند نهاية الأرض،
على الحافة الأخيرة،
تنزلق العيون،
أبحث عن ذلك الدهليز الأخضر
في الهاوية السوداء
وقد مات الأمل في نفسي.
آه يا شرخًا في الظلال!
يا دوامة العالم!
يا حيرة القرون!
رجوعًا! رجوعًا! يا للأخطار
التي تتهددني بها الظلمات الخرساء!
يا لضياع روحي!
- استيقظ، أيها الملاك الميت.
أين أنت؟ أضيء
طريق العودة.
صمت، صمت أكثر عمقًا
جامدة هي نبضات
لا نهاية الليل
جنة ضائعة!
ضعت عندما بحثت عنك،
أنا، بلا ضياء إلى الأبد.
عن الملائكة، ١٩٢٧-١٩٢٨م

الملاك٦٤

يصطدم بالأبواب،
بالأشجار.

•••

لا النور يراه، ولا الريح،
ولا زجاج النوافذ.
نعم، ولا زجاج النوافذ.

•••

لا يعرف المدن.
لا يتذكرها
يسير ميتًا.

•••

ميتًا على قدمَيه، خلال الشوارع.
لا تسألوه. أوقفوه!
لا، بل دعوه.

•••

بلا عيون، بلا صوت، بلا ظل.
نعم، بلا ظل.
خافٍ عن العالم،
عن كل إنسان.
عن الملائكة، ١٩٢٧-١٩٢٨م

ملاك الأعداد

عذاري يحملن زوايا
وبراجل، يسهرن
على ألواح السماء.
وملاك الأعداد
يطير متفكرًا
من «١» إلى «٢»
من «٢» إلى «٣»
من «٣» إلى «٤».
طباشير بارد وإسفنج
يمسح ويشطب
نور الفضاء.
لا الشمس، لا القمر، لا النجوم،
ولا الخضرة المفاجئة
لا البرق والرعد،
ولا الهواء. ضباب فحسب.
عذاري بلا زوايا،
بلا براجل، يبكين.
وفوق اللوح الميت،
ملاك الأعداد
مكفن، بلا حياة
فوق اﻟ «١» واﻟ «٢»
فوق اﻟ «٣»، فوق اﻟ «٤».
عن الملائكة

الملاك الطيب

هناك جاء من طلبت،
من دعوت.
لا من يكتسح السموات العزلاء،
النجوم التي لا مأوى لها،
الأقمار التي لا وطن لها،
الثلوج.
ثلوج من النوع الذي يسقط من يد،
اسم،
حلم،
جبين.
لا من يربط الموت
في شعره.
من دعوت.
بغير أن يحز الهواء.
بغير أن يجرح الأوراق أو يحرك زجاج النوافذ.
من ربط الصمت
في شعره.
كأنما ليحفر
بغير أن يجرحني
نهر ضوء حلو في صدري
ويجعل روحي
صالحة للملاحة.
عن الملائكة، ١٩٢٩م

شبح يجوس في أوروبا

… والأسر الطيبة العريقة توصد النوافذ،
تؤمِّن الأبواب،
والأب يهرع في الظلام إلى البنوك،
ونبض البورصات يتوقف،
ويحلم في الليالي بالمحرقات،
بالقطعان المشتعلة بالنار
بأنه يملك اللهب بدلًا من القمح.
والشرر بدلًا من الحنطة
والدواليب المصفحة،٦٥
الصناديق الحديدية المملوءة بالتراب الملتهب.
أين أنت؟
أين أنت؟
إنهم يطاردوننا بالرصاص
آه!
الفلاحون يزحفون ليدوسوا على دمنا
ما هذا؟
فلنغلق الحدود،
فلنغلقها سريعًا.
أنظروا إليه وهو يزحف من هناك مع الريح الشرقية
من مراعي الجوع الحمراء.
حتى لا يسمع العمال صوته،
حتى لا يصل صفيره إلى المصانع،
حتى لا يرى الرجال في الحقول منجله المرفوع.
قيدوه!
فهو يثب فوق البحار،
ويذرع الأرض بأكملها،٦٦
وهو يتخفى في غرف الشحن بالسفن
ويتكلم مع الوقادين
ويشدهم إلى ظهر السفينة
ويثير الحقد والشقاء،
ويحضُّ الملاحين على التمرد.
أغلقوا السجون.
ينبغي أن يتكسر صوته على الجدران.
ما هذا؟
أما نحن فنتبعه،
ندعوه للهبوط من على الريح الشرقية التي تحمله إلينا،
نسأله عن المراعي الحمراء، مراعي السلام والنصر،
نجلسه على مائدة الفلاح الفقير،
نقدمه لأصحاب المصانع،
نجعله يقود الإضرابات والمظاهرات،
ويتحدث للجنود والملاحين،
ويرى الموظف الصغير في مكتبه
ويرفع قبضته صارخًا في برلمانات الذهب والدم.
شبح يجوس في أوروبا،
في العالم.
ندعوه رفيقًا.
شاعر على الدرب، ١٩٣١–١٩٣٦م

إلى إنريك ليستر

عاد الخريف. الحرب مستمرة، باردة كالثلج،
غير عابئة بتساقط الأوراق من جديد.
الجذوع العارية بالقرب من المياه الحمراء
تشبه الإنسان في «جزيرة أيبريا»،٦٧ تحت نيران المدافع.
صمود الشجرة، يبلغ من الصلاة والإنسانية
ما يبلغه صمود الجندي الواقف تحت عاصفة
الموت الليلي يشهد مشرق الصباح
الذي يزدهر من جديد بالغصون الخالدة.
أرى الأوراق، أرى كيف تتعرى الأرض
لفترةٍ قصيرة من غابتها المحبوبة،
وكيف يشعر الإنسان الصامد في إسبانيا
بأنه شبيه بالجذوع العارية أو الكاسية.
الخريف عاد. ومن بعده الشتاء. لا بأس.
ثوب الشجرة يتساقط، الشمس لا تذكرنا،
بيد أن الإنسان في المعركة أشبه بالجذوع،
فهو أعجف، مصفرٌّ، بارد، لكنه يخضر من الأعماق.
عاصمة المجد، ١٩٣٦–١٩٣٨م

تحولات القرنفلة

١

على حافة الحر وعند ضفة نهر في سنوات طفولتي
أردت أن أكون فرسًا.
الشواطئ المعشوشبة لم تكن إلا رياحًا وخيولًا
أردت أن أكون فرسًا.
الذيول المشدودة كنست النجوم.
أردت أن أكون فرسًا.
أماه، أصغي إلى خببي على الشاطئ.
أردت أن أكون فرسًا.
من الصباح، يا أماه، سأعيش بالقرب من الماء.
أردت أن أكون فرسًا.
في قاع البحر نامت مهرة ذات أربع سيقان بيضاء
أردت أن أكون فرسًا.

أخطأت الحمامة

أخطأت الحمامة
الحمامة أخطأت
لأنها أرادت أن تتجه للشمال، طارت للجنوب.
حسبت حقل القمح بحرًا
أخطأت.
حسبت البحر سماء
والليل نهارًا
أخطأت.
النجوم خالتها ندى،
والحرارة ثلجًا
أخطأت.
وتنورتك حسبتها صديريتك٦٨
وقلبك حسبته بيتها
أخطأت.
(نامت على الشاطئ
ونمت على فرع غصن).
بين القرنفلة والسيف، ١٩٣٩-١٩٤٠م

قصيدة المنفى

أنتم يا من تنادونني بلا صوت من بعيد
بمثل هذه الأفكار المذعورة
وفي الريح الخائفة الخرساء،
أتنطقون باسمي بلا صوت؟
أنتم يا من تضرعون هناك ويا من تصرخون
ويموت (الصراخ) في مثل هذا النغم البعيد،
أتنزعون بهذا النداء الأخرس
عظامي من جلدي؟
مذاق الأسنان هو مذاق الكلمة المثلجة،
مات اللسان من شدة الرعب،
وكذلك الفؤاد الأخرس النبضات …
جلد الثور يفر دفاقًا بالدماء،
البحر يفر بحر الدموع الجاف …
… والذين نادوني، قد شبعوا موتًا.
بين القرنفلة والسيف، ١٩٣٩-١٩٤٠م

(٨) خيراردو دييجو (١٨٩٦م–؟)

سحب

(إلى أويخنيو دورس؛ راعي الشوارع الواسعة.)

أنا
فككت الأرائك،
ولما جلست على شاطئ النزهة الجاري
تركت حملاني من التلاميذ يتبعثرون،
كان كل شيءٍ قد توقف؛
كراستي.

•••

ورقة الشتاء الوحيدة
والجوسق٦٩ المثبت وسط الزبد.

•••

فكرت في الأسرة التي بلا دليل، الطازجة أبدًا
لكي أدخن قصائدي وأحصي النجوم،
فكرت في سحبي،
أمواج السماء الفاترة
التي تبحث عن مسكن بغير أن تخفض من (سرعة) الطيران،
فكرت في ثنيات الأصباح الجميلة
المطوية مقلوبة كأنها منديلي،
ولكن لكي نطير
لا بد أن تتذبذب الشمس كالبندول،
وأن تدور المينى٧٠ في أيدينا
كل شيء أصبح واضحًا،
قلبي الراقص يخدع النجم،
وهو من الحمى والكهرباء
بحيث يضيء الزجاجة حتى تتوهج بالبياض.
لا البرج الوحشي يوزِّع الرياح
التي تدور ببطء حول نفسها،
ولا يداي تحلبان أوعية الساعات.
لا بد أن ينتظر الإنسان
زحف العواصف والنبوءات،
لا بد أن ينتظر الإنسان
أن يلد القمر الطائر المسيح٧١
لا بد أن يتم كل شيء.
زحف الأمواج من السينما يشبه أمواج البحر،
الأيام البعيدة تتشابك على الشاشة
الأعلام التي لم يرها أحد تعبق رائحتها في الفضاء،
والهاتف٧٢ ينقل صدى المعركة،
الأمواج تدور دورتها حول العالم،
لم يعد هناك مكتشفون للقطبين ومضايق البحار.
ومن مرض مجهول
يموت السياح
وفوق صدورهم دليل بمواعيد القطارات،
الأمواج تدور حول العالم،
أتمنى لو أمضي معها،
رأت كل شيء؛
المخدات البالية وصنادل المسيح.
لا ترجع أبدًا للوراء ولا تدير الرأس،
دعني متكئًا للأبد
سوف أدخن قصائدي وآخذ سحبي معي
على كل طرقات الأرض والسماء،
وعندما ترجع الشمس فوق فرسها الأبيض
سأرفع سريري المتوازن إلى السماء.
١٩٢٢م

نظرة

(إلى رامون جوميز دي لاسيرنا.)

من شرفة إلى شرفة
تسمع كمنجات العميان
بأوتارها العاطفية،
خسارة لا تعوض!
تقطيع هذا الشارع بالمقص،
الرسائل التي تولد في باطني
تتعلم كيف تُحسن الطيران قليلًا،
وحاج نادم
رآه الناس ينزل في المصعد.
في السوق
تجدد الأعلام الهواء،
وفرس أوراق اللعب
يخطو أفضل من جندي
وأنت أيها الترام الطيب القلب
يا دودة دموعي،
يا من تنسج حزني في أحشائك،
قدني إلى حظيرتك
وأخرجني من البئر
التي أخاطبك منها،
أعدك أن تزدهر أسلاكك
في هذا الربيع فوق كل الأسطح؛
كل الأسطح المنسية
التي لا ترعى الماشية فيها،
ولا يبلغها شعاع من الماء
لندعُ الربَّ
يطلق سراح النجوم،
ولنخلد إلى النوم،
فلا نسألها كثيرًا.
١٩٢٤م

شجرة سرو في دير سيلوس

شعاع الأحلام والظلال، يا من تنطلق إلى أعلى
فتخيف السماء برمحك
العين التي تفور فتوشك أن تبلغ النجوم
تندفع بلا كلل أو إعياء.
أنت يا شراع الخلاء، يا جزيرة الأعاجيب،
يا سهم الإيمان والرجاء،
ماذا حدث حتى تحج روحي
إلى «أرلانزا» لزيارتك؟
لما رأيتك وحيدةً، حلوة، وثابتة،
شعرت أنني مدفوع للانطلاق،
التحليق معك على جناح البلور،
معك، أيها البرج الأسود الزاخر بالأطراف الحادة،
يا مثلا لكل الذين تطلعوا إلى الله،
أيتها الشجرة الخرساء وسط نيران ديرسيلو.
١٩٢٥م، أشعار إنسانية

أرق

أنت وحلمك العاري. لا تعرفين.
تنامين. لا. لا تعرفين. أسهر،
وأنت، يا بريئة، تنامين تحت السماء.
أنت في حلمك، والسفن في البحر.
أطباق الهواء تحبسك عنى في سجون الفضاء.
تنتزعك مني. ثلج،
بللور الهواء من آلاف الأوراق. لا.
ما من طيران يحمل أجنحة طيوري إليك.
أعرف أنك تنامين، مطمئنة، في سلام.
تيار الاستسلام المطيع، خطٌّ نقي،
قريبة جدًّا من ذراعي المغلولة.
عبوديةٌ مخيفة لرجل الجزيرة،
أنا سهران، مضطرب، فوق الصخور،
السفن في البحر، وأنت في حلمك.
١٩٢٩م، قبرة الحقيقة

جمل شرطية

إذا كسرت. كما تكسر البيضة
ساعة هجرتها الساعات،٧٣
فستسقط صورة أمك الميتة فوق ركبتك.
إذا نزعت هذا الزر الصرى من سترتك،
حيث لا يطل أحد من خلف الأوراق؛
فستغمض الإسفنجات عيونها واحدةً بعد الأخرى.
إذا فتح لك التأمل الطويل
طريق الأمواج الخالية من الزبد (الذي يصل) لأذن حبيبة
فسوف يشع صميم حياتك بالنور،٧٤
إذا قشرت مساء اليوم برتقالة بيدَيك الموضوعتَين في قفاز
فسوف يعبر القمر الصامت
على شاطئ النهر في الليل،
ويجمع خواتم الأرامل
وخطط٧٥ أزهار الأقحوان٧٦ البطيئة.
إذا اشتقت مرة
إلى الرغبة الأخيرة
(التي يبديها) المحكوم عليهم بالإعدام والحملان البريئة
فلا تنسَ أن تقطع أجمل فجر يشرف عليك،
وأحب الأظافر إلى نفسك. لا تنس.
١٩٤١م، سيرة حياة ناقصة

صمت

صمت، صمت. أنا لا أصمت بإرادتي،
أصمت لأن الألم يثقل عليَّ،
حتى لا تخلع الكلماتُ
صمتي العميقَ الحق عن عرشه.
يهيمن الصمت، قوة الفعل الجادة،
التي تمد جسرًا بين نغمة ونغمة،
لكيما يشدو الفم الأخرس
بمزموره كله، في عمق الباطن، في عمق الهوَّة.
وددت لو فتحت طرف ردائي،
لو أطلقت سراح طيور الانسجام،
لو وهبتها للسماء على جناح الأنغام،
لولا خوفي أن يثب غصني،
وبدلًا من الثناء الجميل الدافئ
يسمح بترديد كلمة لا تعرف الحب.
١٩٥١م

(٩) لويس ثرنودا (١٩٠٢–١٩٦٣م)

مخبوء بين الجدران

بنشوةٍ خفية
تمنحني هذه الحديقة
المخبوءة بين الجدران
أغصانها ومياهها.٧٧
أي هدوء! أهكذا العالم؟
السماء تعبر الحقول
وتصفها بجوار بعضها البعض
باسمة للأفق البعيد.
الأرض غير مبالية.
عبثًا يلمع القدر.
بقرب المياه الهادئة
أحلم وأفكر، أنني أعيش،
الزمن وحده
يحدد قدرة هذه الساعة
ينضج مقياسها.
يفلت من بين ورودها.
وترجع الأنسام الرطبة
مع اقتراب الليل،
الغصون والمياه
تنسى نعومتها.
أشعار أولى، ١٩٢٤–١٩٢٧م

ولم يقل كلمة

لم يقل كلمة،
قرب جسدًا يسأل فحسب،
لأنه لم يكن يعلم أن الرغبة
سؤال لا جواب عليه،
ورقة بلا فرع،
عالم بلا سماء.
القلق يشق لنفسه طريقًا بين العظام،
يصعد في العروق،
حتى يحفر في الجلد
نوافير أحلام،
سؤالًا من لحم الجسد، يرد إلى السحب.
تكفي لمسةٌ خفيفةٌ عابرة،
نظرةٌ خاطفة في الظلام،
وينقسم الجسد إلى اثنين،
يتشهي أن يحتوي جسدًا آخر حالمًا،
نصفًا مع نصف، حلمًا مع حلم، لحمًا مع لحم،
شبيهَين في الشكل، في الحب، في الشوق.
حتى ولو بالأمل،
لأن الرغبة سؤال، لن يعرف أحد جوابه.
اللذات المحرمة، ١٩٣١م

كانت هناك في أعماق البحر

كانت هناك في أعماق البحر لؤلؤة وزمارة قديمة. وكانت طبقات الماء الرفيقة تبتسم بعذوبة كلما جرت بالقرب منها؛ سمَّوهما الصديقتَين.
كان هناك طفلٌ غريق بجوار شجرة من المرجان. الذراعان الباهتتان والغصون المضيئة تشابكا بقوة؛ سمَّوهما العاشقين.
كانت هناك بقايا عجلة تدحرجت من مسافةٍ بعيدة جدًّا وطائرٌ محنط راح، وهو الغريب الأنيق، يفزع الأسماك التي فوجئت به، سموهما الرعاة.
كان هناك ذيل جنيةٍ ساحرة ينثر السموم من حوله وفخذ صبيٍّ صغير؛ وكانت هناك روائعُ أخرى عجيبة، وعندما يجري الماء يجري.
كانت هناك نجمة، جورب رجل، كتاب مفكَّك الأوراق وكمانٌ صغير، وكانت هناك روائعُ أخرى عجيبة، وعندما يجرى الماء يجري فوقها ويلمسها لمسًا خفيفًا كان يبدو كأنه يدعوها أن تكون الحاشدية البراقة التي تسير في ركابه …
ولكن لم يكن بينها شيء يشبه يدًا مقطوعة من الجبس.
لقد بلغتْ من الجمال ما جعلني أصمم على سرقتها.
من ذلك الحين وهي تملأ عليَّ أيامي ولياليَّ، تعانقني وتحبني، أنا أسميها حقيقة الحب.
اللذات المحرمة، ١٩٣١م

حارس الفنار يتحدث مع نفسه

أيتها الوحدة، كيف أملؤك
إلا بنفسك؟
عندما كنتُ طفلًا يحيا في كهوف الأرض التعيسة،
منزويًّا في ركن مظلم،
فتَّشتُ فيك، يا باقة الورد الملتهبة،
عن فجر أيامي المقبلة ولياليَّ المختلَسة،
وفيك استشرفتها
أمينة ودقيقة، حرةً وصادقة،
صورة من نفسي،
صورة منك، يا وحدتي الخالدة.
ثم ضيعت نفسي في أرجاء الأرض الظالمة
كمن يبحث عن أصدقاء أو حبيبةٍ مجهولة؛
على خلاف العالم،
صرت نورًا صافيًا ورغبة جارفة،
وفى المطر القاتم أو الشمس الساطعة
نشدت حقيقة يمكن أن تشي بك،
ناسيًّا في غمرة اللهفة والشوق الجياش
أن الأجنحة العابرة تصنع لنفسها سحابةً كابية.
وعندما احتجبت عيناي خلف قناع
من سحبٍ متراكمة في خريفٍ مزبد
ولمحت فيك نور الأيام الغابرة،
أنكرتك مُتعلِّلًا بالقليل؛
بمغامرات الحب الصغيرة التي لم تكن جدًّا ولا هزلًا،
بالأصحاب والمعارف المحترمين ذوي الإشارات السخيفة والكلمات الجوفاء،
باسم ذي سمعةٍ مريبة في عالم المظاهر الخداعة،
باللذات القديمة المحرمة،
واللذات المباحة التي تبعث على الاشمئزاز
ولا تصلح إلا للصالونات الأنيقة وأحاديثها الهامسة،
بالأفواه الكاذبة والألفاظ الثلجية.
ها أنتِ ذي تدلِّينني على صدى كياني القديم،
الذي لطختِه بألوان من غدر الشباب؛
ها أنتِ ذي يا كوكب السعد
البريء من كل منزع غريب
تُرينني الشمس — إلهتي — والليل الهامس،
المطر، رفيقي الحميم،
الغابة وشذاها الوثني،
البحر، البحر، وما أجمل اسمه!
وفوق كل هؤلاء، يا جسدًا مظلمًا نحيلًا
ألقاك يا وحدتي الحبيبة،
فتمنحينني القوة والضعف،
كمثل ذراعَين حجريتَين للطائر المضني،
ها أنا ذا أستند على الشرفة،
وأنظر إلى المياه بعينَين لا تشبعان،
أسمع لعناتها المعتمة،
أتأمل عناقها الأبيض.
وفي وقفة الحراس،
أشبه ماسة تدور لتحذر الناس
الذين أعيش من أجلهم، وإن كنت لا أراهم،
وهكذا أجدني بعد أن بعدت عنهم ونسيت أسماءهم من زمنٍ طويل،
ما زلت أحب جماهيرهم
الخشنة العنيفة كالبحر، بيتي ومسكني،
النقية حين تنتظر ثورةً عارمة،
أو الوديعة الأليفة كما يستطيع البحر أيضًا أن يكون
عندما تدق ساعة الراحة التي تغلب قوته.
أنت، يا حقيقتي الوحيدة،
يا عاطفتي الشفافة، يا وحدتي المقيمة،
عناق لا متناهٍ؛
الشمس والبحر،
الظلام والبراري،
الإنسان وأشواقه،
الجماهير الغاضبة،
هل هي إلاكِ؟
لأجلك، يا وحدتي الحبيبة، طلبتهم ذات يوم؛
فيك، يا وحدتي، أحبهم الآن.
توسلات، ١٩٣٤-١٩٣٥م

مرثية إسبانية

يا أيتها الحقيقة الغامضة
لجيلنا،٧٨
أجيبيني، تكلمي معي،
بعد كل هذه القرون،
يا أيها النفس الخلاق
لأبناء اليوم،
الذين أرى كيف يدفعهم الحقد
لتقديم أرواحهم للموت
وهو أعمق الأوطان.
عندما يبدأ الربيع العجوز
في نسج (خيوط) سحره
على جسدك غير المحدود،
أي طائر سيجد هناك عشًّا،
وأية عصارة ستجد غصنًا
تخضلُّ فيه دفعتها الخضراء؟٧٩
أي شعاع للنور الممراح،
وأية سحابة فوق الحقل المهجور
ستجد (حفنة) ماء، نافذة بيت هادئ،
تعكس عليها ألعاب قوس قزح؟
حدثيني، يا أمي،
وإذا كنت أخاطبك بهذا النداء،
فلأن امرأة لم تعامل إنسانًا
كما عاملتِني.
كلميني، قولي كلمةً واحدة
في هذه الأيام الطويلة المعذبة،
هذه الأيام التي تسودها الفوضى،
التي تتصارع أمام عينَيك،
السكين المرة
في أيدي أبنائك.
لا تشيحي هكذا ببصرك عني
وتنطوي خلف الأقنعة الترابية الطويلة،
التي تحجب عنا عينَيك الواسعتَين الجميلتَين.
تلك الورود المتساقطة،
البراعم المسحوقة في الدماء والأقذار،
ظلت خالدة تلمع بين يديك
منذ قرونٍ سحيقة
حين كانت حياتي حلمًا في رءوس الآلهة.
أنت وعيناك، هذا ما أبحث عنه،
أناديك وأنا أصارع الموت،
أنت أيتها الأم البعيدة الغامضة
يا أم (آلاف) النفوس الميتة
التي توصيك، بلمعة الحجر الناصع،
بأشواقها للخلود، رمز الجمال.
لكنك لستِ سيدة
الأشواق الميتة نحسب؛
رقيقةً كنت دائمًا وحنونةً مع أشواقنا الحية،
شفوقة على حظنا البائس نحن الفانين.
أو كنت تعلمين أننا جديرون بك؟
تأملي الآن من خلال الدموع،
انظري كم من الخونة،
انظري كم من الجبناء،
ينكرون اسمك وحضنك،
وهم يفرون بعارهم بعيدًا عنك،
في الوقت الذي نرقد فيه صابرين عند قدميك،
ونرفع إليك أبصارنا من الأرض،
ويشعر أبناؤك شعورًا غامضًا
بجزائهم على هذه الساعات الشقية!
لن يعرف الحياة
من لم يستمد الشجاعة من الحرب.
إنها تنشر أجنحتها الكثيفة علينا،
وأنا أسمع حفيفها الحديدي،
وأرى الذين يموتون فجأة
يسقطون في العشب المحترق،
بينما يتعذب جسدي،
ويصارع مع فريق منهم فريقًا آخر،
لست أدري ما الذي يرتجف في كياني ويموت،
وأنا أراك مكلومة ووحيدة،
وأرى بين الأنقاض عطايا أبنائك
عبر القرون؛
كم أحببت ماضيك،
وبريقه المنتصر بين الظلام والنسيان!
أنت ماضيك،
وأنت كذلك الفجر
الذي لم يشرق بعدُ على حقولنا.
أنت وحدك تبقين،
مهما ينزل بنا الموت؛
فيك وحدك القوة،
التي تمنحنا الأمل في المستقبل
مهما غشيت منا الأبصار.
فمن وراء هؤلاء وغيرهم من الأموات،
ومن وراء هؤلاء وغيرهم من الأحياء المكافحين،
يشهد شيءٌ بعذابك الذي تقاسينه مع الجميع،
وكل حقدهم، وقسوتهم، وصراعهم.
ليس إلا عدمًا لديك، مثل حياتهم سواء بسواء.
لأنك خالدة،
وأنت وحدك التي خلقتِهم
للسلام ومجد الأجيال.

مرثيةٌ إسبانية مهداة إلى فيثته إليخاندره

٢

ها هي ذي مسافة البعد التي تفرق بيننا
تحمل معها العذاب،
وتبدد إشراق السعادة،
كأنها سحابةٌ ممزقة
في المطر المنسي؟
لم يتغير شيء بيني وبينك يا بلدي،
كلمتك البائسة،
تدفق الذكريات الخفي
الذي يتلقى الحياة والحقيقة من روحك الطاهرة.
أنا لا أعاديك، (فقد كُتب علي) أن أشهد في سكون
هذا الشقاق العقيم الذي يخيم عليك،
وأحسُّ ريح الجنون التي تصرعك.
الله وحده يحرسنا،
فهو الذي يقضي ويفصل في الحقد الأبدي
منذ وعت ذاكرة الإنسان.
سقوفك صارت رمادًا، وحقولك المجدبة
تنبت حصاد الجوع؛
جناح الموت يمزق هواءك،
أهلك يتساقطون مسحوقين كالزهور،
وهم الذين قد خلقوا للحب والعمل،
والذين دبروا الحرب تحت ستار الظلام
يتلذذون بانتصارهم.
أما أنت،
يا أرضي، يا حبي الوحيد العظيم،
فتلوذين بالصمت،
تبكين وحدتك، عذابك، عارك.
لم تزل روحي وفيةً نشوى كالعصفور
الذي طار في الربيع إلى عشه القديم،
ثم ما لبث أن رجع إليك وأنهي رحلته،
عندما جذبه من بعيد، يا وردة القدر،
سحر لا يوصف.
إنها تترك هذا الضباب المنتشر من حولها،
ترسل شكواها في سمائك الرحبة،
بينما يظل الجسد مترددًا،
ضائعًا، نائيًا، بين الحلم والحياة،
يصغي لحفيف الساعات الكسولة.
بيد أن هذه العيون المتيمة بك
لن تستطيع أن تعكس صورتك.
لن تستطيع الروح التي كانت تعيش
مطمئنة في ظلك،
أن تجوب غاباتك
وتحلم بالعالم الذي كنت أتخيله وأبنيه
عندما كنت أذعن لشبابي الحزين.
أنت أيها البرج المنيع وسط الأنقاض،
ولا شيء سواه،
تستطيعين أن تملئي عزلتي حياة،
ففيك وحدك ينعس
هذا الغياب عن كل شيء.
اجعلي نسماتك تمر على جبهتي،
نورك يترقرق في صدري حتى الموت
وهو المجد الوحيد الأكيد.
الذي ما زلت أشتهيه.
السحب، ١٩٣٧–١٩٤٠م

(١٠) فيثنته أليخاندره (١٩٠٠م–؟)

بعد الموت

الواقع الذي يعيش
في أعماق قبلةٍ ناعسة،
حيث لا تجسر الفراشات أن تطير
لكيلا تحرك الهواء الساكن كالحب،
هذه الشفافية المسعدة،
حيث التنفس لا يعني أن تحسَّ بلورة في الفم.
لا يعني أن تتنفس صخرةٌ جامدة،
لا يعني أن تحرك الصدر في الفراغ
بينما ينعطف الوجه البنفسجي كالزهرة.
لا.
الواقع الحسي
يرفرف بجناحَين هائلَين،
لكن من بعيد، دون أن يمنع
اهتزاز الأزهار الناعم الذي أتحرك فيه،
ولا عبور الطيور الرقيقة
التي تحط لحظةً على كتفي كلما استطاعت ذلك …
البحر كله، وهو بعيد، وحيد،
محبوس في مكان،
يمدُّ ألسنةً طويلة خلال نافذة فيمنعه الزجاج،
وتكوِّم (أمواج) الزبد الغاضبة وجوهها
التي تضغط على الزجاج
دون أن يشعر بها أحد.
البحر أو حية
البحر أو ذلك اللص الذي يسرق الصدور،
البحر الذي ظل جسدي مدى الحياة نهبًا لأمواجه،
الواقع الذي أحياه،
هذه الشفافية السعيدة
التي لن تمكنني أبدًا من أن أسمي الهواء يدين،
ولا أن أدعو الجبال قبلًا،
ولا ماء النهر فتاة تهرب مني.
الواقع الذي لا يمكن أن تختلط فيه الغابة
بهذا الشعر الهائل
الذي يزيد معه الغضب.
كلا ولا يصبح الشعاع الباكي والصوت الذي يناديني،
عندما تتمكن الصخرة — ووجهي مدفون بين يديَّ —
أن تكون في عين النسر صخرة.
الواقع الذي أحياه،
هذه الشفافية السعيدة المباركة
التي يقترب فيها نغم القميص الروماني الأبيض٨٠
أو نغم ملاك،
أو النشيج الأبدي لهذا اللحم
وكأنه مطر مصفًّى
أو هذه النبتة الدائمة الاخضرار،
أو أرض مجدبة، طازجة، عطرة،
تستطيع أن تحمل قدمَين خفيفتَين.
كل شيء يزول.
الواقع ينقضي
كطائرٍ مرح.
يحملني بين جناحَيه
كريشةٍ خفيفة.
ينتزعني من الظلام، من النور، من الجنون الإلهي.
يجعلني ريشةً وهمية،
يتجاهلها البحر عندما تمر فوقه،
البحر الذي انتصر في النهاية،
هذه المياه الكثيفة التي تطمس كل شيء متميز
كأنها شفاهٌ سوداء.
الدمار أو الحب، ١٩٣٢-١٩٣٣م

بلا نور

سمكة السيف،٨١ التي يرجع تعبها إلى العجز عن اختراق الظلام،
إلى الإحساس ببرودة قاع البحار،
حيث السواد لا يعرف الحب،
حيث تفنفد تلك الأعشاب الطازجة الصفراء،
التي تكسوها الشمس في المياه العليا بلون الذهب.
الحزن المتنهد لسمكة السيف الجامدة
التي لا تدور عيناها،
التي يلتهم اطمئنانها الهادي حدقتها،
التي تنزلق دمعتها في المياه نفسها،
بغير أن يفطن أحد إلى اصفرارها المحزن حتى الموت.
قاع هذا البحر، حيث تتنفس السمكة الساكنة،
الطين بخياشيمها،
هذا الماء الذي يشبه الهواء،
هذا التراب بذراته الدقيقة،
الذي يفور كالدوامة كلما داعب حلمًا عجيبًا،
ويهدأ هدوءًا رتيبًا حين يغطي الفراش الوديع
الذي يحط عليه الجبل الأعلى بثقله.
وتهتزُّ ذراه كباقة ريش،
لكن في حلم معتم.
الزبد على السطح، أمواج الشعر المنفوش،
لا تعرف شيئًا على الأقدام الطينية العميقة،
واستحالة الفكاك من الهاوية،
والارتفاع بأجنحة الأمواج الخضراء فوق الهاوية الجافة،
والانطلاق بلا خوف إلى الشمس المتوهجة.
أمواج الشعر البيضاء، أفراح الحياة الشابة،
تكافح بإصرار وسط زحام الأسماك
– في سبيل الحياة التي تبدأ الآن —
لكي ترفع صوتها في الهواء الشاب،
حيث تُصنع شمس مشعشعة
من الحب فضة ومن العناق ذهبًا،
(وتصنع) الجلد الواحد،
هذه الصدور المتشابكة كالقلاع،
التي لا تهدأ حتى تتلاحم مع بعضها.
لكن القاع يرتجف مثل سمكةٍ وحيدةٍ مهجورة.
لا جدوى من أن تتجعد في الزرقة جبهة صافية
كأنها شمس تهب نفسها،
كأنها حب يزور البشر.
لا جدوى من أن يحس بحرٌ كامل غير محدود
أن أسماكه وسط أمواج الزبد أشبه بالطيور
الدفء الذي سلبه منه القاع الهادئ الكثيف،
القاعدة الساكنة لعمود عمره ألف عام
التي تسحق جناح بلبلٍ غريق،
ومنقارًا غنى بزوال الحب،
أغنيةً فرحة، تحت ريشٍ ناعم،
وشمسٍ شابة.
هذا الظلام العميق الذي لا موضع فيه للشكوى،
ولا عين تدور في محجرها الجاف،
سمكة السيف التي لا تقوى على اختراق الظلام،
حيث الطين الهادئ لا يقلد حلمًا أجوف.
الدمار أو الحب، ١٩٣٢-١٩٣٣م

تعالَ دائمًا، تعالَ

لا تقترب. جبينك، جبينك المتوهج،
جبينك الملتهب،
آثار القبل،
هذا البريق، الذي أحسه بالنهار
عندما تقترب،
هذا البريق المعدي، الذي يعلق بيدي،
هذا النهر المتألق، الذي أغرق فيه ذراعي،
ولا أجرؤ أن أشرب منه
خشية أن أصبح نجمًا قاسيًا.٨٢
لا أريد أن تحيا فيَّ كما يحيا النور،
بعزلة نجم يتخذ بضوئه،
ويمتنع عليه الحب خلال الفضاء
الفعاء الأزرق القاسي الذي يفرق ولا يجمع،
ويبدو فيه كل كوكب بعيد المنال
وحدة تنشج بالبكاء وترسل حزنها الأليم.
الوحدة تشعُّ في عالم بلا حب.
الحياة قشرةٌ حية،
بشرةٌ مجعدةٌ ساكنة،
لا يستطيع الإنسان أن يجد فيها راحته،
مهما يبنِ حلمه على نجمٍ منطفئ.
أما أنت فلا تقترب. جبهتك المشعة،
فحمٌ ملتهب يسلبني وعيي،
ألمٌ براق، أشعر فيه بغتةً بإغراء الموت،
برغبة في إحراق شفتيَّ بلمستك التي لا تمحى،
بالإحساس بلحمي يتحلل في ماستك المحرقة.
لا تقترب، لأن قبلتك تمتد
امتداد التصادم المستحيل بين النجوم.
أشبه بالفضاء الذي يشتعل فجأة،
الأثير الذي ينمو وينتشر ويصبح دمار العوالم فيه
قلبًا واحدًا، يحترق ويتحوَّل بأكمله إلى رماد.
تعال، تعال، تعال كفحةٍ مظلمةٍ مطفأة،
تحيط بميتة؟
تعالَ كالليل الأعمى،
الذي يقرب وجهه مني؛
تعال كشفتَين انطبع عليهما اللون الأحمر،
من ذلك الخط الطويل الذي يذيب المعدن.
تعالَ، تعالَ، يا حبي؛ تعالَ، أيها الجبين الغامض،
أيتها الاستدارة التي تكاد تدور،
يا من تلمعين كمدارٍ (فلكي) سيموت بين ذراعيَّ؛
تعالَ كعينَين أو وحدتَين عميقتَين،
كنداءين آمرَين من أعماق لا أدريها.
تعالَ، تعالَ، يا موت، يا حب؛
تعال سريعًا، إني أدمرك؛
تعالَ، لأني أريد أن أقتل أو أحب أو أموت
أو أعطيك كل شيء؛
تعالَ، لأنك تتدحرج كحجرٍ خفيف،
مضطربًا كقمر يطلب أشعتي!
الدمار أو الحب، ١٩٣٢-١٩٣٣م

تحت الأرض

لا. لا. أبدًا. أبدًا.
قلبي ليس له وجود.
عبثًا تعبرون واحدًا بعد الآخر، كأشجار جرداء،
عندما تدور الأرض.
عبثًا يردد النور نغمه في الأشجار مثل ريحٍ محبوبة،
ويقلد بعذوبة قلبًا يدعو وينادي.
لا. أنا الظل المعتم الذي يتقوَّس
كالحية في جذور الشجر ويرسل موسيقى.
الحية الجبارة التي تتنفس تحت الأرض كجذع شجرة
دون أن تتوقع عشبًا.
أعلم أن هناك سماء. ربما كان فيها إله يحلم.
أعلم أن هذه الزرقة المشعَّة،
التي تحملونها في عيونكم
سماءٌ صغيرة (يتألق) فيها ذهبٌ ناعس.
تحت الأرض يعيش الإنسان. الرطوبة هي الدم.
هناك ديدانٌ صغيرة كأطفال لم تولد.
هناك درنات تنمو في الداخل كالأزهار،
تجهل أن البراعم — في ذروة الكمال وفي ظل الحرية —
تكون ورودًا صفراء، قرمزية أو بريئة.
هناك أحجار، لن تتحول أبدًا إلى عيون.
أعشاب هي (في الحقيقة) لعابٌ مؤلم.
وهناك في الأرض أسنان، تتحرك وسط الأحلام،
وتمضغ ما يستحيل أن يكون قبلة.
والصخر هناك تحت الأرض، في أعماق أبعد غورًا،
الصخر العريان النقي، المكان الوحيد
الذي قد يستطيع البشر أن يعيشوا فيه،
والذي يبعث الدفء في اللحم العاري،
هناك في الأعماق، وتتفتح فيه زهورٌ رائعة وضاءة.
هناك الماء تحت الأرض. ماء مظلم، أتعرفون هذا؟
ماء بلا سماء،
ماء ينتظر الوجه في صمت من آلاف السنين،
الوجه الطاهر أو الناصع كالبللور، الذي يعكس ظله،
أو ينتظر ريش الطير الذي يشق سماءً مفتوحة.
والنار تطهر في أغوارٍ أبعد، أكثر بعدًا
النار الموحشة التي لا يهبط إليها أحد.
المنفى المحرَّم على النفوس والظلال.
الأحشاء المحترقة في وحدتها الأليمة.
لستم أنتم، يا من تعيشون في العالم،
يا من تعبرون أو تنامون مكبَّلين بالسلاسل البيضاء،
يا من توشكون أن تطيروا بأسماء الغروب،
أو السحر أو السمت٨٣ العالي،
لستم أنتم الذين ستدر كون قدر إنسان.
عالم وحدي، ١٩٣٤–١٩٣٦م

العناصر الأربعة٨٤

الأرض

الأرض المتحركة
تسكب فرحتها نباتًا.
أنظر: ها هي قد ولدت!
حمرة خضراء، تبحر اليوم
في فضاء لم يزل شابًّا.
ماذا تحوي؟ وحيدة،
طاهرة بذاتها،
لا يسكنها أحد.
السحر الصامت وحده،
السحر الأول للكون،
يسري بين الأنجم
ويطوف خفيفًا عذريًّا
في هالة نور ذهبية.

النار

كل نار تتحاشى العاطفة.
هي نور وحسب!
انظروا كيف ترتفع
حتى تلامس السماء
بينما تخترقها الطيور جميعًا
إذا احترقت لم تتحول إلى رماد
والإنسان؟ أبدًا
لم تزل هذه النار
متحررة منك،
يا أيها الفاني.
هي نور، نورٌ بريء.
يا أيها الإنسان،
ليتك ما ولدت!

الهواء

لم يزل الهواء أقوى من البحر،
أشد هولًا من البحر،
يحوطه الهدوء والسكون.
حراسةٌ عالية للنصاعة الخالية من البشر.
ربما استطاعت قشرة الأرض في يوم من الأيام
أن تحسَّ بك، يا أيها الإنسان.
الهواء الذي لم يعرف الهزيمة
ينكر أنه عاش في صدرك.
خالدًا، بلا ذاكرة، يتألق الهواء.

البحر

ترى من الذي قال إن البحر
– شفة الحب الممتدة للشاطئي —
تنهد في حزن؟
دعوه، وقد التفَّ في النور، يخضر.
المجد، المجد في الأعالي، وفي البحر الذهب!
يا أيها النور الجليل، اشمل بغطائك
هذا العمر اليانع أبدًا للبحر الفرحان وغنِّ له!
هناك، يعيش البحر
بلا زمن، يبعث بأشعته.
قلب إله خالد،
قلب يخفق!
ظل الفردوس، ١٩٣٩–١٩٤٣م

الشمس

خفيفة، حرة،٨٥ بالتقريب:
صنادل، خطو بلا جسد.
إلهة وحسب،
تطلب عالمًا
تجعله نعلًا لجسدها،
المشمس هناك.
لا تقولوا: شعر،
(بل) شعرٌ محترق.
قولوا صنادل،
خطوٌ خفيف؛
لا تقولوا: أرض،
(بل) عشبٌ ناعم
يئزُّ تحت هذا البريق،
من الرقة بحيث تعبده
عندما تمر عليه.
آه! أشعري بنورك،
بلمستك الشمسية المهيبة!
هنا، تصبح الأرض سماءً
حين تحسُّ بك. وتلمع.
كتبت قبل سنة ١٩٤٣م

ويغني الشاعر للناس جميعًا …

١

ها هم أولاء جميعًا هناك، وتراهم يعبرون.
هناك، أجل هناك، كم تود لو اختلطت بهم وأعلنت (لهم) عن نفسك!
الدوامة الثائرة في قلبك تدفعك للجنون،
كتلة ألمٍ غاضبة،
تفتت على جدران اللحم الخرساء،
وبجهد أخير، تحسن أمرك.
نعم، يمرون.
يمرون جميعًا. أطفال ونساء. رجال جادون.
حزن ما. نظرات.
ويمر جمهورٌ وحيد، كائنٌ فريد،
حشدٌ هائل.
وأنت، بقلبك المحزون الذي ينتفض من الملك الوحيد،
تغوص في القاع بجهدٍ أخير.
نعم، كم ترضى في نهاية الأمر وتغتبط!
هنالك تسلم نفسك فرحًا للأمواج
تتبع مجرى النهر، يهزك، يصدمك، يُهدهدك
فترق وتصفو.
وتسمع ضجةً كثيفة، أشبه بأهزوجة تصم الآذان،
وتغدوا آلاف القلوب قلبًا واحدًا يحملك.

٢

قلب واحد يحملك.
تخلَّ عن حزنك. اشرح قلبك المنقبض.
قلبٌ واحد يجري في كيانك، خفقةٌ واحدة
تصعد إلى عينيك،
تقهر جسدك، تنفخ صدرك،
تحرك يديك عندما تسير للأمام
فإن وقفت لحظة، وإن رفعت صوتك،
عرفت غنوتك.
هذا الذي تجمع من كل الأجساد المظلمة التي لا تكاد تحصى،
واتحد وأرسل الصواعق،
كل ما تحرر فجأة في صرختك من خلال الأجسام والأرواح،
إنما هو صوت أولئك الذين يحملونك،
الصوت المرتفع الصادق.
الذي يمكنك أن تسمع نفسك فيه،
وتتعرف نفسك في دهشة.
الصوت الذي يخرج من كل القلوب المتفرقة،
وينفذ من حنجرتك ليرفرف حرًّا في الهواء.

٣

صوت للآذان جميعًا. انظر كيف يصيخون السمع إليك.
يستمعون لأنفسهم. يصغون لصوتٍ واحد،
يتغنى بهم.
جماهير الغناء نفسها تتحرك كالموجة.
وأنت في القرار، توشك أن تتحرر،
تعرف أنك عقدة في حبل وجودهم.
ويتردد الصوت الذي يحملهم جميعًا.
يتحدَّر كالدرب.
كل ما تنبته الأرض يخطو عليه.
يخطو في زينته وجماله، يطبخ لحمه فوقه.
وهو يتفتح ويهتدي بنفسه،
والجماهير كلها تعبر بوجوهٍ جادة.
كأنما تصعد جبلًا، وهو وجهة الزاحفين.
وتظل تصعد حتى تبلغ ذروته الناصعة.
وتشرق الشمس فوق الجباه.
ويقف الجميع على القمة الرائعة ويغنون.
وصوتك هو الذي يعبر عنهم.
صوتك السامي النبيل، صوتهم أجمعين.
وسماء قادرة كاملة الوجود.
تردد بجلال كل صدى الإنسان.
تاريخ القلب، ١٩٤٥–١٩٥٣م

(١١) ثيثليا ميريليس (١٩٠١م–؟)

سأحبك من بعيد

سأحبك من بعيد
من تلك المسافة الهادئة
التي يصبح الحب فيها شوقًا
وعاطفةً ووفاء.٨٦
من ذلك المكان المقدس
حيث فرحة الوجود
– وهي الأبد والخلود —
تبدو كأنها غياب.
من يحتاج أن يفسر
لحظة الوردة وأريجها
التي تقنع
بغير ما غرور؟
وفي أعماق البحر
يحقق النجم، بغير عنف
حقيقته
ناسيًا الشفافية.
أغنيات، ١٩٥٦م

باعث

أغني لأن اللحظة موجودة
وحياتي كاملة.
لست سعيدًا ولا حزينًا.
أنا شاعر.٨٧
شقيق الأشياء الزائلة،
لا أشعر بفرح ولا عذاب،
أعبر الليالي والأيام
في الريح.
سواء كنت أهدم أو أبني،
سواء بقيت أو تحللت،
لا أدري، لا أدري.
بل لا أعلم إن كنت سأبقى
أو أمضي.
أعلم أنني أغني، والأغنية هي كل شيء.
لها دمٌ خالد وجناح موزون.
وأعلم أنني سأخرس ذات يوم:
ولا شيء غير هذا.

(١٢) أويخينيو فلوريت (١٩٠٣م–؟)

سوناتا

ستلاحظون أنني كنت حيًّا
من ظل سيلقيه جبيني.
على جبيني وحده (سيكون) القلق حاضرًا
(القلق) الذي أحتفظ به الآن في نفسي، أسير أحزاني.
(سيكون) وجهي أبيض، بغير لهيب الشهوة،
بغير أحلام تعلق بالفكر.
فوقي الآن،٨٨ في صمتي الأبدي
وردة من ورق، وفرع زيتون أخضر.
يا لهذا النوم بلا أحلام مزعجة،
الروح متفتح للعناق المرتعش،
واليدان فوق القلب مضمومتان.
ما أبعد صوت الأحباب.
آه! في فمي طعم مباهج
المحيطات السامية الصافية.
نغمة مزدوجة، ١٩٣٧م

الليل

أنا الآن، يا إلهي، أعرف ما تقول
النجوم في سمائك؛
لأن نقاطها الماسية
تكتبها لي.
الآن، في صفحات الهواء
تسقط الحروف، وأنصت،
بعينَين مرفوعتَين، وفمٍ صامت
وفكرٍ ساكن.
الآن كم تتضح الكتابة
في أعماق الليل،٨٩
في أعماق القلب المشتاق
ليلقي هذه النار
التي تهبط من وهادك
وتنور أحلامي
وتقتل الجسد٩٠
وتترك الروح في جوهرها العاري٩١
ما تقوله نجومك
ينبهني، يا مولاي،
لأمجادٍ أسمى،
لتحليقٍ أسرع،
لحذر لا أدريه،
لفرح مرتعش أدريه
(كجناحي فراشة
ترفرف على الأرض)
وعلى الأرض يتلاشى
صوت السماء، وهو ينزف
حتى يصل إلى الروح
من باب الشهوة،
حمامة النجوم٩٢
جناح في الهواء، سهم، جذوة
في بياض الكور
(الملتهب) بحبك.
في يقظة كل هذا العدد
من الأضواء الحادة
يبتعد كل شيء، يهرب؛
كل شيء إلاك، يا إلهي؛
لأنني أعلم الآن كيف تكلمني
من خلال نجوم السماء.

(١٣) بابلو نيرودا (١٩٠٤–١٩٧٣م)

يمكنني أن أكتب

يمكنني الليلة أن أكتب أتعس الأشعار.
أن أكتب على سبيل المثال: «الليل يسطع بالنجوم،
والنجوم الزرقاء تلمع من بعيد.»
ريح الليل تدور في السماء وتغني.
يمكنني الليلة أن أكتب أتعس الأشعار.
أحببتها، وأحبتني أيضًا في بعض الأحيان.
في ليالي كهذه ضممتها بين ذراعيَّ،
قبَّلتها كثيرًا تحت السماء اللامتناهية،
أحبتني، وفي بعض الأحيان كنت أيضًا أحبها.
أكان يمكن ألا أحب عينَيها الواسعتَين الصافيتَين؟
أستطيع الليلة أن أكتب أتعس الأشعار.
أن أفكر في أنني لم أعد أحبها. أن أشعر أنني فقدتها.
أن أسمع الليل الهائل، الذي يزداد هولًا بدونها.
ويهبط الشعر على الروح كما يهبط الندى على الأعشاب.
ماذا يهم أن حبي لم يستطع الاحتفاظ بها؟
الليل يلمع بالنجوم وهي ليست معي.
هذا هو كل شيء. من بعيد يغني إنسان. من بعيد.
روحي غير راضية عن فقدها.
نظرتي تبحث عنها، كأنما لتقربها.
قلبي يبحث عنها، وهي ليست معي.
هو نفس الليل الذي يجعل نفس الأشجار تبدو بيضاء.
نحن، أبناء الأمس، لم نعد اليوم ما كناه.
أنا لا أحبها الآن، هذا صحيح، ولكن كم أحببتها!
صوتي راح يبحث عن الريح كي يلمس أذنيها.
لغيري. إنها الآن لغيري. كما كانت قبل قبلاتي.
صوتها، جسدها اللامع. عيناها اللامتناهيتان.
أنا لا أحبها، هذا صحيح، لكن ربما كنت أحبها.
الحب ما أقصره! ما أطول النسيان.
لأنني في مثل هذه الليلة ضممتها بين ذراعيَّ!
روحي غير راضية عن فقدها.
مع أن هذا هو آخر حزن تسببه لي،
وهذه آخر أبيات أكتبها إليها.
عن ديوانه «عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة»، ١٩٢٤م

لا نسيان (سوناتا)

إن سألتني أين كنت؟
فلا بد أن أقول: «يحدث هذا.»
لا بد أن أتكلم عن الأرض التي تجعلها الأحجار مظلمة،
عن النهر الذي يدمر نفسه وهو يصر على البقاء:
لا أعرف غير الأشياء التي تفقدها الطيور،
البحر الذي تركته ورائي، أو أختي التي تبكي.
لمَ كانت هناك مناطق كثيرة، لم يتصل نهار بنهار؟
لمَ يتجمع ليل أسود في الفم؟ لمَ يموت الأموات؟
إن سألتني من أين أجيء، فسوف أكلم أشياءَ مكسورة،
أدواتٍ شديدة المرارة، وحوشًا كبيرة يغلب عليها العفن،
قلبي المحزون.
ما هي بذكريات هذه (الأشياء) التي عبرت (بذهني)،
ولا هي الحمامة الصفراء التي تنام في النسيان،
بل وجوهٌ دامعة، أصابع على الحلق،
وتلك التي تتساقط من الأوراق:
ظلمة يوم مضى
يوم تغذى على دمنا الحزين.
هنا أزهار بنفسج، عصافير،
كل ما يسعدنا ويبدو
على البطاقات الحلوة المصورة
حيث يتنزه الزمن والعذوبة.
لكن لا تدعنا ننفذ وراء هذه الأسنان،
لا تدعنا نعضُّ الجلد الذي يكوِّمه الصمت،
لأنني لا أدري بماذا أجيب:
هناك أمواتٌ كثيرون،
هناك حواجزُ كثيرة شجتها الشمس،
ورءوسٌ كثيرة تصدم القوارب،
وأيادٍ كثيرة حاصرت القبل،
وأشياء كثيرة أريد أن أنساها.
عن ديوانه «إقامة في الأرض»، ١٩٣٥م
١  في الأصل بحروف كبيرة علامة على تعظيم ذات الجلالة؛ الأمر الذي يتعذر كتابته بالرسم العربي.
٢  الكلمات التي بين قوسين زيادة مني أو من بعض المترجمين الثقات في لغاتٍ أخرى، وهي تُمثل الحد الأدنى الذي لا غنى عنه لفهم النص — أو محاولة فهمه — بما يقتضيه السياق العربي أو بما لا يتناقض معه تناقضًا صارخًا! (عن مشكلات الشعر عمومًا وهذه النصوص بوجهٍ خاص، راجع مقدمة الجزء الأول من هذا الكتاب والفصل الأخير فيه …)
٣  هذا هو الجزء السادس من قصيدةٍ طويلة بعنوان «ريف سوريا» ومع أن الشاعر ولد في الجنوب المشمس في الأندلس، إلا أن ظروف حياته قادته في طفولته إلى مدريد وفي شبابه إلى المدينة القديمة سوريا Soria في منطقة كاستيليا الخشنة، حيث قام بتدريس اللغة الفرنسية، وحيث أحب وتزوج «ليو نور». وتقع المدينة العريقة في منطقةٍ وعرةٍ موحشة على الضفة الغربية لنهر دويرو. أما إكسترا مادورا فهو اسم المنطقة التي كانت تقع على الحدود أثناء الحروب التي دارت في العصور الوسطى بين العرب والإسبان.
٤  المقصود هو اللافتات التي توضع على الأبواب وتحمل شعاراتٍ دالة على الأسر النبيلة.
٥  جمع سندان.
٦  حرفيًّا: الراعي العجوز المرح للحياة المقدسة.
٧  يلاحظ أن القصيدة تقوم على حوار بين شخصَين، ينكر أحدهما على الريح والماء والزهرة والخيال أن تكون شيئًا له وجود، بينما يناقض الآخر (وهو الشاعر بغير شك) هذا الرجل «الواقعي» ويؤكد أنها جميعًا ليست لا أحد أو لا شيء nadie بل موجوداتٌ ذات كيان وحياةٍ خاصة بها، بل لعل لها نفسًا أو روحًا، هذا وكلمات الأصل القوية الموجزة تؤثر بجرسها وإيقاعها تأثيرًا موسيقيًّا يميز خيمينيث كله ويصعب ترجمته.
٨  أحلام الخيال هنا تصرف أرجو أن يأذن لي القارئ به بديلًا عن الكلمة الأجنبية «رومانتكية» الواردة في الأصل.
٩  الساعة هنا كناية عن الزمن أو لحظاته الراهنة (La hora).
١٠  جاءت هذه الترجمة الشعرية الموزونة صدفة وعن غير عمد. وأحب أن أؤكد للقارئ، أن هذه القصيدة شأنها شأن القصائد الأخرى أو المقاطع الموزونة في باقي الكتاب من حيث الدقة والالتزام الكامل بالأصل.
١١  في الأصل صار ملكة؛ لأن الشعر في لغة الأصل بصيغة المؤنث.
١٢  الكلمة الأصلية (intelligence) intelijencia تدل على العقل أو الذكاء، ولعلها تشير كذلك إلى العقل الإلهي.
١٣  أو العرضية التي تدل على الصدفة.
١٤  في الأصل بصيغة الجمع، وقد فضلت صيغة المفرد منعًا للالتباس.
١٥  الكلمة الأصلية هي Venturas، وهي في الإسبانية توحي بمعنى الصدفة، والبخت، كما توحي بمعنى الريح vientos والأرجح هنا أن الشاعر يريد أن يقول إنه يترك نفسه للحظ والصدفة لا للمجازفة أو المخاطر Aventura التي ينفيها بعد ذلك بقليل حين يتساءل: مخاطرات؟
١٦  حرفيًّا: في نخاعه.
١٧  يلاحظ أن الشاعر ينهي القصيدة بإيحاءٍ عكسي يصف فرحته باللحظة المباشرة، ويمجد الوجود في تحققه وعمقه، ولا بد أن يقصد عكس ما يقول. أعني أن إمكانية المجد، أو التذوق الخالص المباشر للحياة في لحظتها الراهنة، ومتعها الحاضرة، لا يمكن أن تفنى أو تبيد.
١٨  هذا اليقين هو الموت. ومع أن القصيدة تبدأ بالخوف من الموت إلا أنها تريد أن تثبت عكس ذلك تمامًا؛ إذ تعبر عن عدالة الموت الذي لا يُؤثر إنسانًا على إنسان، لأنه جزء من التجانس الكوني الشامل.
١٩  أي جدار في المقبرة التي تقع في ضاحية المدينة. والشاعر يتصور نفسه مدفونًا بين جدران المقبرة، إلا أن ضوء الشمس والحقول يلطف من هذا التصور.
٢٠  حرفيًّا: عرضه.
٢١  الكلمة في الأصل الإسباني تدل على اليد التي ترفع بها الأدوات tallos، وقد تدل أيضًا على النظرة الزائغة والبراعم والأعواد والغصون والسيقان، وقد فضلت المعنى الأخير، وأرجو ألا أكون مخطئًا.
٢٢  حرفيًّا: يلف بوجود (أو حضور) الكواكب الحي أو النشيط العناق الحار.
٢٣  حرفيًّا: لوح الزجاج.
٢٤  حرفيًّا: الحراس يهبطون بالفعل من خلال ضوء القمر الغامر الوهاج.
٢٥  أي البياض الخالص أو الصفاء الذي تلمع فيه النجوم.
٢٦  بمعنى المستوى ويلاحظ أن الأصل يورد فاصلة بعد الواو.
٢٧  عكس هذا الترتيب في الأصل: في صمت ينتشر أو يتمدَّد انتظار الأمواج.
٢٨  حرفيًّا: الخفيف.
٢٩  في الأصل: التشريفاتي.
٣٠  الكلمة الأصلية هي La elipse أي الإهليلج أو القطع الناقص.
٣١  حرفيًّا: ويضغط الجباه على الأرض.
٣٢  الوزن هنا، وفي أي موضع آخر، غير مقصود بالمرة!
٣٣  نبتةٌ سامةٌ عطرة الزهر.
٣٤  مونتويا هو اسم تلك الفتاة الغجرية، التي يجري في عروقها الدم الأسود والحزن الأسود. أما سوليداد (ومعناها الوحدة soledad) فقد تكون إشارة إلى مريم التي يسمونها «سيدتنا الوحيدة»، غير أن الأرجح أنه اسم غجرية بسيطة، لا سيما أنه اسم شائع في الإسبانية.
٣٥  حرفيًّا: مر بالانتظار والفم، والمعنى أن في الدمع مرارة من الانتظار ومن الشفاه.
٣٦  هذا رمزٌ جنسيٌّ شائع في أشعار لوركا، يشبه فيه سيقان المرأة في رقَّتها ونعومتها بأوراق الورد.
٣٧  هذا هو المعنى الحرفي، والشاعر ينصح هذه الغجرية التي لا تملك شيئًا لدفع حزنها المتأصل في جنسها كله أن تترك قلبها فلا تزيد أحزانه.
٣٨  حرفيًّا: في أسفل؛ أي أسفل الجبل الأسود.
٣٩  توافق ليلة الخامس والعشرين من شهر يوليو عيد سنتياجو (أو القديس جيمس كما يسميه الإنجليز) وهو عيد يأتي في أواسط الصيف ويكثر فيه المرح والعربدة وأمثال الحكاية التي ترويها القصيدة …
٤٠  أي كأنه كان ملتزمًا بوفاء عهد توجبه عليه رجولته وشهامته، وهنا إيحاء بأن المرأة هي التي طلبت منه أن يصحبها إلى النهر.
٤١  بدأ عالم المدنية المصطنعة يخلي مكانه للطبيعة الخالصة، ولعل احتراق الجنادب أو الصراصير معناه أنها بدأت تعزف موسيقاها أو أنها تطير حقًّا في النار.
٤٢  حرفيًّا: نشا أو جفاف لباسها الداخلي.
٤٣  كناية عن أصابع الغجرية أو أظافر أصابعها العشرة.
٤٤  أي لاحت أكبر مما هي عليه كما هو الحال في الليالي الكالحة.
٤٥  لعل هذه هي أغرب صور القصيدة وأشدها إيحاءً.
٤٦  حرفيًّا: الوردة الدرنية أو ذات العقد.
٤٧  حرفيًّا: بركة أو غدير أو مرايا أو بللور cristales.
٤٨  لعل في هذا البيت دليل على رياء هذا العاشق المغامر الذي أراد أن يكون كتومًا فلم يسعفه لسانه، شأنه شأن أولئك الذين يثرثرون كثيرًا في القهوة أو دكان الحلاق! ولعل فيه كذلك إشارة إلى أنه كان يحسبها عذراء فوجدها متزوجة!
٤٩  أي تصرفت تصرف رجلٍ مثلي من الغجر الحقيقيين (الشرعيين).
٥٠  حرفيًّا: من ستان بلون القش.
٥١  الهدية هنا دليلٌ آخر على ريائه؛ إذ إن كونها متزوجة لم يكن ليمنع حبه لها!
٥٢  حرفيًّا: ورق رملي (أي الورق المسنفر).
٥٣  أو الدرابزين.
٥٤  حرفيًّا: «أريد أن أنام حلم التفاحات …» وهكذا في سائر القصيدة.
٥٥  العصر هنا هو ما بعد الظهر.
٥٦  حرفيًّا: لو أن ظلًّا تراجع في الريح، من اللحم (الجسد).
٥٧  حرفيًّا: البتلات.
٥٨  أو مقياس حذائك.
٥٩  حرفيًّا: أن يكونك.
٦٠  حرفيًّا: وليس حاضرًا إلا في …
٦١  حرفيًّا: لكي يخدمك.
٦٢  أي القصيدة.
٦٣  أو زهرة عباد شمس النوم.
٦٤  العنوان الأصلي للقصيدة هو «الجسد المهجور».
٦٥  أي الدبابات، وقد آثرت الحفاظ على التعبير الأصلي.
٦٦  حرفيًّا: الجغرافيا بأكملها، وقد استبدلتها بالأرض منعًا للالتباس، علمًا بأن الأرض متضمنة في كلمة الجغرافيا اليونانية الأصل.
٦٧  أي شبه جزيرة إسبانيا.
٦٨  تقابلان «الجيب» و«البلوزة» على الترتيب.
٦٩  هو الكشك في اللهجة العامية.
٧٠  أي مينى الساعة أو لوح الأرقام عليها.
٧١  أو طائر الخلاص. والكلمة الأصلية Mesias لا تدل على السيد المسيح نفسه بل على المخلص أو المنقذ المنتظر بوجهٍ عام.
٧٢  أُذكِّر القارئ بأن الهاتف هنا هو التليفون …
٧٣  لم أجد للأسف كلمة أخرى تغني عن هذا التكرار الذي لا يرد في اللغات الأوروبية. والساعة الأولى هي التي ننظر فيها فنعرف الساعة أو الساعات في الكلمة الثانية.
٧٤  حرفيًّا: فسوف يضيء لك مركز الحياة الصميم.
٧٥  أو مشروعات.
٧٦  أو الكريز نتيم.
٧٧  أعدت ترتيب هذه الأبيات حتى يستقيم السياق العربي، والأصل يبدأ بالبيت الثالث فالثاني فالأول فالرابع على الترتيب.
٧٨  حرفيًّا: لجنسنا، وقد عمدت إلى شيء من التقديم والتأخير ليستقيم السياق.
٧٩  أي دفعة الحياة التي تجعل العصارة تتدفق في فروع الشجر.
٨٠  حرفيًّا: نغم التونيكا Tunica وهو قميص تحتي من الصوف الأبيض كان يلبسه الرومان الأقدمون.
٨١  السيف، أبو سيف، سياف البحر: سمك يوجد في البحر المتوسط والأطلنطي له منقار طويل سمي به السيف.
٨٢  حرفيًّا: خشية أن تكون لي بعد ذلك حياة نجم قاسية.
٨٣  هكذا الكلمة في الأصل Zenit-cenit وواضح أنها من الكلمات العربية العديدة التي دخلت الإسبانية وغيرها من اللغات الأوروبية الحديثة. والسمت في العربية هو الطريق الواضح.
٨٤  وضعت هذا العنوان من عندي، ولعله أن يكون أنسب عنوان لهذه القصائد.
٨٥  حرفيًّا: مُتخفِّفة من كل ثقلٍ أو عبءٍ.
٨٦  الكلمة الأصلية هي constancia ومعناها الثبات أو المثابرة أو الدوام، ولعل الوفاء أن يحمل أيضًا كل هذه المعاني النادرة …
٨٧  يلاحظ أن الشاعرة تفضل هنا كلمة «شاعر» Poeta على كلمة شاعرة Poetisa ولعلها أرادت بذلك، كما يقول بعض النقاد، أن تضفي على تجربة الخلق والإبداع — وهي موضوع القصيدة — صفة الشمول باستخدام صيغة المذكر بدلًا من صيغة المؤنث التي يندر أن يعرف أصحابها هذه التجربة.
٨٨  أي وهو راقد رقاد الأموات، والشاعر يتحدث عن نفسه في القصيدة كلها حديثه عن إنسان مات بالفعل.
٨٩  حرفيًّا: في داخل الليل.
٩٠  حرفيًّا: اللحم.
٩١  حرفيًّا: في نخاعها أو لبُّها الخالص.
٩٢  أي النجوم في شكل الحمام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤