في ألمانيا

(١) شتيفان جئورجه (١٨٦٨–١٩٣٣م)

سيد الجزيرة

يروي الصيادون أنه في الجنوب
على جزيرةٍ غنية بالقرفة والزيتون
والأحجار النفيسة التي تلمع في الرمال،
كان يعيش طائر إذا حطَّ على الأرض استطاع
أن يفتت بمنقاره تيجان الأشجار العالية،
وإذا ارتفع بجناحَيه،
وكأنهما في لون عصير قوقعة صور،
ليحلِّق تحليقًا ثقيلًا منخفضًا
كان يشبه سحابةً سوداء.
في النهار — كما يروون — كان يختفي في الغابة
أما في المساء فكان يأتي إلى الشاطئ
مع النسيم المرطب برائحة الملح وأعشاب البحر
رافعًا صوته حتى إن الدلافين
– أحباب الغناء — كانت تسبح مقتربة منه.١
في البحر الزاخر بالريش المذهب بالشرر الذهبي.
هكذا عاش من البدء السحيق
لا يراه إلا من تتحطم سفنهم على الشاطئ،
فلما اهتدت أشرعة البشر البيضاء
إلى الشاطئ لأول مرة
صعد التل — كما يحكون — ليلقي
نظرة على المكان المحبوب كله
نشر جناحَيه الهائلَين ومضى.٢
وهو يطلق أنَّات الألم المكتوم.

لا تفكري كثيرًا فيما لا يعرفه أحد!٣

لا تفكري كثيرًا فيما لا يعرفه أحد!
فمعنى الصور في الحياة.٤ لا يستقر:
الأوزة البحرية التي أصبتِها،٥ والتي أمسكتها
في الساحة قليلًا بجناحها المكسور
ذكرتك — كما قلت — بكائنٍ بعيد.٦
قريب منك، دمَّرته فيها.
خارت قواها بغير أن تشكر رعايتك
وبغير أن تحقد عليك … لكن عندما جاءت نهايتها
لأمتك عينها الخابية لأنك سقتها
إلى دائرةٍ جديدة للأشياء.

الغريبة

جاءت وحيدة، من وديان بعيدة
تجنب الشعب بيتها في فزع
كانت تغلي (الماء).٧ وتخبز وتتنبأ (بالأقدار)
وتغني في (ضوء) القمر بشعرٍ منسدل.
لبست زينتها في يوم العيد
لكي تطلَّ بها من نافذتها …
ثم أصبحت ابتسامتها عذبة ومرة المذاق.٨
تهلك الأزواج وتفسد الأشقاء.
وبعد عام، عندما راحت في الظلام
تبحث عن الشقيق الأصغر ورِجل الغراب.٩
رأى الناس كيف سقطت في المستنقع،
وأقسم البعض أنها اختفت
خارج القرية، وسط الطريق …
لم تترك وراءها، كرهن، سوى الطفل الصغير
أسود كالليل، وباهتًا كالكتان
الطفل الذي ولدته في ضوء فبراير.١٠
عن سجادة الحياة وأغاني الحلم والموت، ١٨٩٩م

ذكرى

آه يا أخت، خذي جرة الفخار.
رافقيني! فما نسيت
ما اعتدنا أن نتلوه في خشوع.
اليوم يكون الصيف قد مر سبع مرات منذ سمعناه
وتحدثنا معًا ونحن نستقي من النبع:
في نفس اليوم مات منا العريس.
نريد أن نذهب إلى النبع، حيث تقف هناك
شجرتا حور في المرج مع شجرة تنوب
لنجلب الماء في جرة من فخار.

أنت أيها النحيل الصافي كشعلة اللهب

أنت أيها النحيل الصافي كشعلة اللهب
أنت أيها الرقيق المضيء كالصباح
أنت أيها الفرع النضير من جذعٍ نبيل
أنت يا من تشبه النبع الخفي البريء
ترافقني على المروج المشمسة
تطيف بي رعشتك في دخان المساء
تخفف طريقي في الظل
أنتِ أيتها الريح الرطبة أيها النسيم الدافئ
أنتِ رغبتي وفكرتي
أتنفسكِ مع كل هواء
أرشفكِ مع كل شراب
أُقبِّلك مع كل عطر
أنت أيها الفرع النضير من جذع نبيل
أنت يا من تشبه النبع الخفي البريء
أنت أيها النحيل الصافي كشعلة اللهب
أنت أيها الرقيق المضيء كالصباح.١١

(٢) رينيه ماريا رلكه (١٨٧٥–١٩٢٦م)

ماذا تفعل يا ربي حين أموت؟

ماذا تفعل، يا ربي، حين أموت؟
أنا جرتك (ماذا لو انكسرتُ؟)
أنا شرابك (ماذا لو فسدتُ؟)
أنا ثوبك وحرفتك،
بفقدي تضيع معناك.
بعدي لن يكون لك بيت
تحييك فيه كلماتٌ قريبة ودافئة.
سيسقط من قدمَيك المتعبتَين
الصندل القطيفي، الذي هو أنا.
معطفك العظيم سيتركك تمضي.
نظرتك، التي أتلقاها بخدي الآن
دافئة، كأني أتلقاها بمخدة
ستأتي، ستبحث عني، طويلًا،
وتلقي بنفسها عند الغروب
في حجر أحجارٍ غريبة.
ماذا ستفعل، يا ربي؟ إنني خائف.
عن كتاب الساعات، الكتاب الأول، ١٩٠٥م

الرب لا يتحدث لكل إنسان إلا قبل أن يصنعه

الرب لا يتحدث لكل إنسان، إلا قبل أن يصنعه،
ثم يمشي معه صامتًا، خارج الليل.
غير أن الكلمات، قبل أن يبدأ كل إنسان،
هذه الكلمات السحابية، هي:
مع حواسك المرسلة بعيدًا،
سر إلى حدود شوقك،
أعطني ثوبًا (يكسوني).
ألم خلف الأشياء كاللهيب،
حتى تمتد ظلالها
فتغطيني على الدوام.
دع كل شيء يحدث لك: الجمال والفزع.
على الإنسان أن يمضي فحسب: ما من إحساس ببعيد.
لا تهجرني.
قريبة هي البلد
التي يسمونها الحياة.
سوف تعرفها
من جديتها.
أعطني يدك.
عن كتاب الساعات، الكتاب الأول، ١٩٠٥م

يوم من أيام الخريف

ربي: لقد آن الأوان. الصيف كان عظيمًا جدًّا.
ألقِ ظلك على الساعات الشمسية
وأطلق ريحك فوق المراعي.
مر الثمار الأخيرة أن تنضج،
أعطها يومَين آخرَين من أيام الجنوب،
حثها على الكمال
وسق العذوبة الأخيرة في النبيذ الثقيل.
من لا يملك الآن بيتًا، فلن يبني بيتًا بعد الآن.
من يحيا الآن وحيدًا، فسوف تطول وحدته،
سوف يصحو، ويقرأ، ويكتب رسائلَ طويلة
ويتجول قلقًا في الشوارع التي تحفُّ بها الأشجار
عندما ترتعش الأوراق.
عن كتاب الصور، ١٩٠٦م

جسر كاروسيل

الأعمى، الذي يقف فوق الجسر،
مظلمًا كعلامة على طريق ممالكَ مجهولة،
ربما كان ذلك الشيء، المتشابه أبدًا،
الذي تطوف حوله ساعة النجوم من بعيد
(وربما كان) المركز الهادئ للأفلاك.
لأن الأشياء كلها تضل من حوله وتنسكب وتبدو رائعة.
إنه العادل الذي لا يتزحزح،
وضع بين طرقٍ عديدةٍ متشابكة،
المدخل المعتم للعالم السفلي
وسط جنسٍ تافه من البشر.
عن كتاب الصور، ١٩٠٦م

الغسل

كانتا قد تعودتا عليه.
لكن عندما جاء مصباح المطبخ وأرسل شعلته القلقة
في الهواء المظلم، كان المجهول
قد أصبح مجهولًا تمامًا. غسلا رقبته.
وإذ لم تكونا تعرفان شيئًا عن قدره١٢
فقد اختلقتا له قدرًا آخرًا،
وراحتا تغسلان. أخذت إحداهما تسعل
وتركت الإسفنج الذي ينضح بالخل على وجهه.
عندها توقفت الأخرى أيضًا،
تساقطت القطرات من الفرشاة الخشنة،
بينما أرادت يده البشعة المتشنجة
أن تثبت للبيت كله،
إنه لم يعد يشعر بالعطش.
ولقد أثبت ذلك. واستأنفتا عملهما،
كأنما شعرتا بالضيق، وهما تسعلان سعالًا قصيرًا
بحيث راح ظلهما المعوج
يتقلب على ورق الحائط ويتلوَّى
كأنه في شبكة،
حتى انتهت المغسلتان من عملهما.
كان الليل على إطار النافذة المنزوعة الستائر
قاسيًا لا يرحم.
وهناك رقد إنسانٌ مجهول الاسم
عاريًا ونظيفًا وراح يشرع القوانين.
عن القصائد الجديدة، ١٩٠٨م

تمثالٌ أثريٌّ ناقص لأبولو

لم نعرف رأسه العجيب
الذي نضجت فيه الحدقتان.
لكن جذعه لا يزال يتوهج كالشمعدان،
ونظرته المنعطفة إلى أسفل
لا تزال تلمع.
وإلا ما استطاع انحناء الصدر أن يبهر عينَيك
ولا جرت في التواءة الخصرَين الخفيفة
ابتسامة تصل إلى ذلك الوسط
الذي يحمل أعضاء الإخصاب.
وإلا وقف هذا الحجر مشوهًا وقصيرًا
تحت سقطة الكتفَين الشفافة
ولم يومض هذا الوميض
كجلد الوحوش المفترسة.
ولا تفجر من كل أطرافه،
كما يتفجر النجم:
لأنه ما من موضع فيه لا يراك
لا بد أن تغير حياتك.

من «كتاب الساعات»

كل الذين يبحثون عنك، يغرونك.
والذين يجدونك هكذا، يقيدونك
بالصورة والإشارة.
أما أنا فأريد أن أفهمك
كما تفهمك الأرض؛
مع نضجي
تنضج
مملكتك.
لا أريد منك غرورًا،
يبرهن عليك.
أعلم، أن الزمن
له اسمٌ آخر
غير اسمك
لا تصنع، لخاطري، معجزة.
أنفذ قوانينك
التي تزداد وضوحًا
من جيل إلى جيل.
مولاي، أعطِ كل إنسان موته الخاص.
الموت، الذي ينبع من تلك الحياة
التي عرف فيها الحب، والمعنى، والمحنة.

عن «قصائد إلى أورفيوس» القصيدة التاسعة عشرة

كذلك يتحول العالم سريعًا
كأشكال السحاب
كل ما تم يسقط
عائدًا للأزلي القديم.
فوق التحول والمسير
أبعد وأكثر حرية،
يبقى نشيدك الأول
يا أيها الإله ذو القيثار.
لم تعرف الآلام
لم يعلم الحب،
وما يبعده الموت عنا
لم يكشَف عنه القناع.
الأغنية وحدها على الأرض
تمنح القداسة والاحتفال.

المرثية الأولى من مراثي دوينو

إن صرختُ فمن يا ترى يسمعني
بين منازل الملائكة؟
ولو حدث أن ضمَّني أحدهم فجأة إلى قلبه
فسوف يفنيني وجوده الأقوى.
لأن الجمال١٣ ليس إلا بداية الفزع
الذي ما زلنا قادرين على احتماله
ونحن نعجب به هذا الإعجاب
لأنه يزدري في هدوء،
أن يحطمنا. كل الملائكة مفزعون.
وهكذا أضبط نفسي وأزدرد
دعاء النسيج المظلم العميق.
آه! من ذا الذي يمكننا أن نلجأ إليه؟١٤
لا الملائكة، ولا البشر،
والحيوانات الذكية تدرك جيدًا
أننا غير مطمئنين تمامًا في بيوتنا
في العالم الذي فسر فيه كل شيء١٥
ربما بقيت لنا شجرة على المنحدر،
لكي نتطلع إليها كل يوم،
ويبقى طريق الأمس
والوفاء المتقلب لعادة ما
أحبت أن تقيم معنا
وهكذا بقيت ولم تمضِ.
آه والليل، الليل،
عندما تهب الريح مفعمة بالفضاء الكوني
وتطعم من وجوهنا،
من ذا الذي لا تبقى من أجله
هذه المشوقة، مخيبة الآمال الناعمة
التي تنتظر القلب الوحيد السأمان؟
أهو١٦ أرحم بالعشاق؟
آه! إنما يحجبون قدرهم معًا،
ألا تعرف ذلك بعد؟ أنفض الفراغ من بين ذراعَيك١٧
في المكان الذي نتنفسه، ربما تشعر الطيور
بالهواء الأرحب، فتتحمس للطيران.
نعم، فصول الربيع١٨ احتاجت إليك. بعض النجوم
أوحي إليك أن تحس بوجودها.
ارتفعت موجة نحوك من الماضي،
أو عندما مررت تحت نافذةٍ مفتوحة،
وهب كمان نفسه لك. كل هذا كان عهدًا١٩
لكن هل تمكنت من أدائه؟ ألم يشتتكَ الانتظار دائمًا
كأنما كان كل شيءٍ يؤذن بمقدم الحبيبة؟
(أين تريد أن تخفيها، بينما الأفكار الكبيرة الغربية
لا تفتأ تتردد على عقلك وفؤادك٢٠
وكثيرًا ما تبقى أثناء الليل)
إن كنت مشوقًا، فغنِّ للأحباب٢١
إن إحساسهم المشهور ما يزال بعيدًا عن الخلود.
(غنِّ) أولئك المهجورين — أنت تكاد تحسدهم —
الذين كنت تجدهم أصدق حبًّا من (السعداء) الراضين.٢٢
أبدًا دائمًا من جديد
أنشودة الثناء التي لا تعرف الختام؛
فكِّر في هذا: إن البطل يبقي على نفسه،
حتى هلاكه٢٣ لم يكن غير مبرر للوجود:
لم يكن سوى ميلاده الأخير.
غير أن العشاق تستردهم الطبيعة المجهدة،
كأنها لم تعد تملك القوة لتحقيق هذا٢٤
هل فكرت تفكيرًا كافيًا في جاسبارا ستامبا،٢٥
بحيث تجعل فتاة، هجرها حبيبها.
تحسُّ إزاء المثل السامي لهذه الحبيبة:
«ليتني أكون مثلها!»؟
ألا ينبغي أن تصبح هذه الأحزان القديمة
نافعة لنا؟ ألم يئن الأوان لكي نتحرر — بالحب —
من المحبوب، ونحتمل (الفراق) ونحن نرتعش:
كمثل ما يحتمل السهم الوتر
لكي يصبح — وهو يتجمع للانطلاق — أكثر من نفسه؟
لأن البقاء في غير مكان.
أصوات، أصوات. أنصت يا قلبي،
كما أنصت القديسون وحدهم.
حتى رفعهم النداء الهائل٢٦ من على الأرض،
أما هم، هؤلاء النادرون،٢٧
فظلوا راكعين، ولم يلتفتوا إليه.٢٨
هكذا كانوا منصتين.
ليس معنى هذا أنك تستطيع أن تحتمل صوت الله،
هذا أمر بعيد. لكن أنصت إلى صوت الريح،
إلى النبأ الذي لا ينقطع، والذي يتكون من السكون.٢٩
إنه يأتيك هامسًا من أولئك الأموات الشبان.
ألم يتحدث قدرهم إليك في هدوء
حيثما دخلت الكنائس في روما ونابولي؟
أو فرض أحد النقوش نفسه عليك
في مهابة وجلال، كما فعلت أخيرًا تلك اللوحة
في سانتا ماريا فورموزا.
ماذا يريدون مني الآن؟٣٠
أن أرفع في هدوء شبهة الظلم
التي تقيد في بعض الأحيان
حركة أرواحهم الصافية.

(٣) هرمان هسه (١٨٧٧–١٩٦٢م)

رافينا

١

أنا أيضًا كنت في رافينا.
هي مدينة صغيرة ميتة،
فيها كنائس وأطلالٌ كثيرة،
يستطيع الإنسان أن يقرأ عنها في الكتب
تسير فيها وتتلفَّت حولك،
الشوارع عكرة ومبتلة
وخرساء من آلاف السنين
وفي كل مكان ينمو الكلأ والعشب.
هذا شيء أشبه بالأغاني القديمة
يسمعها الناس ولا يضحك أحد،
وكل إنسان ينصت وكل إنسان
يتفكر فيها حتى يأتي الليل.

٢

نساء رافينا يطوين
بنظرةٍ عميقة وإشارةٍ رقيقة
في أنفسهن معرفة بأيام
المدينة القديمة وأعيادها.
نساء رافينا يبكين
كالأطفال الوادعين: في عمق وهدوء
وحين يضحكن، يبدو ضحكهن
ترنيمةً مرحة لنصٍّ حزين.
نساء رافينا يُصلِّين
كالأطفال: صلاةً ناعمة تفيض بالقناعة.
قد ينطقن بكلمات الحب
ولا يعرفن أنهن يكذبن.
نساء رافينا يُقبِّلن
قبلاتٍ غريبة وعميقة ومتفانية.
ولا يعلمن جميعًا عن الحياة
سوى أننا لا بد أن نموت.

نحن نحيا …

نحن نحيا في الشكل والمظهر،
ونحس في أيام العذاب وحدها
بالوجود الخالد الذي لا يتغير،
تحدثنا عنه الأحلام الغامضة.
نحن نبتهج بالوهم والزبد،
نشبه عميانًا بلا دليل،
نبحث جاهدين في المكان والزمان
عن شيء لا نجده إلا في الأبد.
نحن نرجو الخلاص والنجاة
في عطايا الحلم التافهة،
بينما نحن آلهة ونشارك
بنصيب في مبدأ الخليقة.

عند سماع نبأ وفاة صديق

سريعًا يذبل الفاني،
سريعًا تعدو السنوات الجافة.
والنجوم التي تبدو خالدة
تنظر في تهكُّم.
قد يستطيع العقل وحده فينا
أن يتفرج على اللعبة في جمود،
بغير سخرية، ولا ألم.
إن «الفاني» و«الخالد» عنده
شيء واحد في معناه …
أما القلب فيصمد،
يتأجج بالحب.
ويستسلم، زهرةً ذابلة
لدعاء الموت اللامتناهي،
لنداء الحب اللامحدود.

في الضباب

ما أغرب التجوال في الضباب!
كل أيك وحيد، كل حجر،
ما من شجرة ترى الأخرى،
كل شجرة تقف وحيدة.
كل العالم عندي مليئًا بالأفراح،
حين كانت حياتي لا تزال مضيئة،
والآن، حيث تسقط الضباب،
لا أحد عدت أراه.
حقًّا لا يعد حكيمًا،
من لا يعرف الظلام،
الذي يفصله عن الجميع
كالقدر المحتوم في هدوء.
ما أغرب التجوال في الضباب!
الحياة وجودٌ وحيد.
ما من إنسان يعرف الآخر،
الكل وحيد.

فناء

من شجرة الحياة
تتساقط ورقة بعد ورقة،
أيها العالم المسكر البديع،
كم تشبع!
كم تشبع وتضني!
وكم تسكر!
ما يتوهج اليوم
سرعان ما يهوي.
سرعان ما تزف الريح
فوق قبري البني،
الأم تنحني
على الطفل الصغير.
أريد أن أرى عينَيها
نظرتها نجمي،
وليذهب كل ما عداها ويزول،
كل شيء يموت، يموت عن طيب خاطر.
ولا يبقى سوى الأم الخالدة،
التي أتينا منها،
إصبعها اللاهي يكتب
أسماءنا في الهواء الساري.

(٤) هانز كاروسا (١٨٧٨–١٩٥٦م)

وكم من ليلة!

وكم من ليلة
صحوت من نومي
وكان القمر مضيئًا على الفراش والدولاب …
مددتُ بصري إلى الوادي —
كان بيتك يبدو واضحًا كالحلم —
فعدت للنوم وأنا أحلم حلمًا أعمق.

حمل

دائمًا تقترب منا أرواح لم تولد
عندما نتنفس، صدرًا على صدر،
تحاول أن تتسلل إلى الحياة
على موجة لذتنا.
مرح وقُبل وسرف من الأعماق
ليل أعمى لا يستنفد!
الفجر يدعو لمباهجَ ناضرة؛
غير أن الوجود الجديد يصحو،
وتود العين أن تنظر الآن في العين.
أتشعرين بما يبدأ فينا؟
شمسٌ جديدة ترغمنا أن نعترف
إن كنا نريدها حقًّا.

ما يكونه الانسان …

ما يكونه الإنسان، وما كان
يتضح عند الفراق.
نحن لا نسمع ما تتمتم به آية الله،
لكننا نرتجف، عندما تصمت.

النبع القديم

أطفئ نورك! فما هو إلا الخرير اليقظ أبدًا
يترنم من النبع القديم
والذي قد كان ضيفًا تحت سطحي،
سرعان ما تعود على هذا الرنين.
قد يحدث، حين تكون مستغرقًا في الحلم
أن يتجول القلق حول البيت،
ويئن الحصى حول النبع تحت الخطوات الثقيلة.
ويتوقف الخرير الواضح فجأة،
وتستيقظ، عندئذٍ لا ينبغي أن تفزع!
فالنجوم تسطع كاملة العدد فوق الأرض،
وإنما اقترب مسافر من الحوض المرمري،
وراح يغرف براحته من النبع.
إنه يبتعد على الفور، ويعود الخرير كما كان.
آه فلتفرح نفسك، فلن تبقى هنا وحيدًا،
كثير من المسافرين يبتعدون في ألق النجوم،
وبعضهم لا يزال في طريقه إليك.

(٥) جو تفريد بن (١٨٨٦–١٩٥٦م)

دائمًا أشد صمتًا

أنت في الممالك الأخيرة،
أنت في النور الأخير،
إن لم يكن نورًا
في الوجه الشاحب المُحملِق،
هناك الدموع دموعك،
هناك تتعرين من نفسك،
هناك الإله، الواحد،
الذي يخلص كل عذاب.
من بين أزمنة لا تسمى
حطمك واحد منها،
نداءات، أغاني تصحبك،
تسمع فوق الماء،
أطلال أشجارٍ استوائية،
غابات من عمق البحر،
أماكن نشوى بالرعب
تدفعها إلى هنا.
قديمًا كان شوقك،٣١
قديمة كانت الشمس (وكان) الليل،
كل شيء؛ الأحلام والأحزان
تبددت في التيه،٣٢
دائمًا أكثر انتهاءً، دائمًا أكثر صفاءً
تطوى في الأبعاد،٣٣
دائمًا أكثر صمتًا، لا أحد
ينتظر ولا أحد ينادي.
١٩٣٠م

كلمة

كلمة، جملة: من الرموز تصعد
حياة معروفة، معنًى فجائي،
الشمس تقف، الأفلاك تصمت
وكل شيء يتكوَّر ويتَّجه إليه.
كلمة، لمعان، تحليق، نار،
قذفة لهب، شهاب،
ثم ظلام من جديد، ظلامٌ فظيع
في الفراغ الخاوي حول العالم والذات.

أبدًا لم تكن أشد وحدة

أبدًا لم تكن أشد وحدة منك في أغسطس:
لحظة الامتلاء، في الأرض
الحرائق الحمراء والذهبية،
لكن أين متعة حدائقك؟
البحيرات ناصعة، السموات ناعمة،
الحقول صافية وتلمع بهدوء؛
لكن أين النصر ودلائل الانتصار
من المملكة التي تمثلها؟
حيث يثبت الجميع أنفسهم بالسعادة،
ويتبادلون النظرات ويتبادلون الخواتم
في رائحة الخمر، في سكرة الأشياء؛
تخدم أنت عدو السعادة، تخدم العقل.

الأنا الضائعة

«أنا» ضائعة، تفجرت من الغلاف الهوائي،
ضحية الأيون؛ أشعة جاما — لام،
جزيء ومجال؛ أوهام لا نهاية
على حجرك المعتم من نوتردام.
الأيام تمضي بك بلا ليل ولا صباح،
السنوات تقف بلا ثلج ولا ثمر،
اللانهائي مهدد وخفي،
العالم مهرب وملاذ.
أين تنتهي، أين تعسكر، أين تمتد أفلاكك،
مكسب، خسارة؛
لعبة وحوش، أبد وأزل،
تفر إلى قضبانها.
نظرة الوحوش؛ النجوم أمعاء حيوانات
موت الأدغال أصل الوجود والخلق.
بشر، مجازر شعوب، حقول كروم
تهوي إلى حلق الوحوش.
العالم فتَّته الفكر والمكان والأزمان.
وما نسجت البشرية وما أبدعت،
ليس إلا دالة اللانهاية،
الأسطورة كذبت.
من أين، إلى أين، لا ليل، لا صباح،
لا تحية ولا حداد،
تود أن تقترض شعارًا،
لكن ممن؟
آه، لما توجهوا جميعًا إلى مركزٍ واحد،
والمفكرون أيضًا لم يفكروا إلا في الله،
وتوزعوا بين الراعي والحمل،
ومن الكأس طهرهم الدم،
والجميع اندفقوا من الجرح الواحد.
كسروا الرغيف، الذي ذاقه كل من شاء؛
آه أيتها اللحظة البعيدة القاهرة الممتلئة،
التي عانقت الأنا الضائعة أيضًا ذات يوم.

شوبان

ما كان فياض الحديث،
الآراء لم تكن مكمن القوة فيه،
الآراء تلغو وتلغو،
وعندما كان «ديلاكروا» يبني النظريات،
كان يحس بالضيق، وهو من جانبه
لم يكن يدري كيف يفسر «الليليات».٣٤
عاشقٌ ضعيف؛
ظل في «نوهان»
حيث أبناء جورج صاند
لا يقبلون منه
النصائح التربوية.
مريض بالصدر، من ذلك النوع
الذي ينزف الدماء ويمتلئ بالندوب،
ويستمر إلى أجلٍ طويل؛
موتٌ هادئ
على عكس من يموت
بنوبات الألم
أو بطلقات البنادق:
نقلوا البيان الكبير (إيرار) عند الباب،
وغنَّت له دلفينة بوتوكا
في ساعته الأخيرة
أغنية البنفسج.
سافر إلى إنجلترا ومعه ثلاثة «بيانوهات»
ماركة بلايل، وإيرار، وبرود وود،
عزف في المساء مقابل عشرين جنيهًا
ربع ساعة
لدى عائلتي روتشيلد، ولنجتون وبيت سترافورد
وأمام جمع لا يحصى من أصحاب النياشين،
وعندما أظلمت عيناه من التعب والإحساس بالموت
رجع إلى بيته
في ميدان أورليانز.
ثم أحرق مسوداته
ومخطوطاته،
لكيلا تكون هناك بقايا، شذرات، ملاحظات،
هذه النظرات الخائنة،
قال في النهاية:
«محاولاتي تمت على قدر طاقتي.»
كل إصبع ينبغي أن يعزف
بالقوة التي تلائم بنيته،
الرابع هو الأضعف
(سيامي فحسب بالنسبة للأوسط).
عندما كان يبدأ العزف
كانت تقف على أي، فيس، جيس، هه، سي.
من سمع مرة
بعض افتتاحياته
سواء في بيتٍ ريفي
أو فوق مرتفع
أو من أبواب شرفة مفتوحة
أو على سبيل المثال من مصحة،
سيصعب عليه أن ينساها.
أبدًا لم يؤلف أوبرا،
ولا سيمفونية،
بل هذه الخطوات التراجيدية
عن اقتناعٍ فني
وبيدٍ صغيرة.
١٩٤٨م

صور

إن نظرت إلى الصور في المعارض؛
ظهورٌ محنية، أفواهٌ كالحة،
تجاعيد عجائز مقززين متورمين،
كالجثث ينفذون خلال الأشياء.
جلودٌ هشة، شعراتٌ ناتئة، ذقون كالجبن،
دهن عليه بقع دم من سكرة الخمر الرخيصة،
حاذقون في الغش والخداع من أجل الشراب
في التقاط عقب سيجارة ولفِّه في منديل.
مغرب حياة، ديكور غنى،
ذخيرة من القاذورات، والهلاهيل، والأوبئة،
صعود (ولكن) في أماكن الإقامة المتغيرة
في بيت الرهونات نهارًا وبالليل في البالوعات.
لو نظرت إلى الصور في المعارض،
كم كلفت هؤلاء العجائز حياتهم!
لو نظرت إلى ملامح من رسموهم،
لرأيت العبقري العظيم، ستراه.
١٩٤٨م

قصائد ساكنة

غرابة التطور٣٥
هي كنه الحكيم،
الأبناء وأبناء الأبناء
لا يزعجونه،
لا ينفذون فيه.
تبني الاتجاهات،
الفعل،
السفر والترحال
سمات عالم
لا يرى بوضوح.
أمام نافذتي
– كما يقول الحكيم —
يمتد وادٍ،
تتجمع فيه الظلال.
شجرتا حور تحدان طريقًا،
أنت تعلم، إلى أين.
القول بالمنظور
هو كلمة أخرى للسكون:
وضع الخطوط،
ثم مدها
بحسب قانون التسلق،
كذلك قذف الأسراب والغربان.
في الشفق الشتائي لسموات الصباح،
ثم تركها تسقط،
أنت تعلم، لمن.
١٩٤٨م

(٦) يوهانس بشر (١٨٩١–١٩٥٨م)

رفض

أنا بريء من كل الآمال.
أنتم أيها المفعمون بالأمل،
يا من بالغتم عبثًا في الرجاء،
شارفتم على الموت، ومع ذلك
فما زلتم تأملون؛ ما أجبن هذا الأمل!
أما أنتم أيها اليائسون
يا من تجاهرون برفض الآمال جميعًا:
من الحق والعظمة ألا نؤمل شيئًا وراء العدم،
وأن نتطلع إلى المستقبل: بغير أمل
المجد لكم، أيها اليائسون الشجعان!
لقد فتحتم الباب إلى عدم الوجود!
يا للنظرة إلى مملكة العدم الخالدة!
ومع ذلك تقفون ثابتين على الأرض،
ولا تشيحون بأنظاركم بعيدًا عن الزمن!
… وهو وحده، الذي يدفعنا على الأمل.

عشب

أنا أحني رأسي لك، يا عشب.
وعني أصلي لك، يا أيها العشب!
اغفر لي، إن دست فوقك،
وإنني، يا أيها العشب، قد نسيتك.
أنا أحني رأسي لك، أيها العشب.
أنا أحني رأسي لك، يا عشب.
مهما ارتفعنا إلى الأعالي
فسوف نرقد تحتك.
وما من شيء يعدل في قوته هذا اليقين:
العشب ينمو. العشب ينمو.
أنا أحني رأسي لك، يا عشب.

إلى المجهولين

أنكون أو لا نكون، كان هذا أيضًا سؤالنا،
وكذلك سألنا: من هو؟
أهو نفس الإنسان بالليل كما في النهار؟
إلى أين يذهب؟ وإذا جاء على الطريق فمن أين يأتي؟
في أية مهمة؟ وفي خدمة من؟
كل امرئ خليق بأن يسأل وموضع للسؤال.
ربما لم يستطع الإنسان نفسه أن يقدر،
في أي لعبة يشتهي أن يؤدي دوره …
من أنت. من؟ آه يا زمن علامات الاستفهام:
لما تصنت عليك كل جدار وكل باب،
وفي ليالي الشتاء الشاحبة،
وفي ليالي الصيف الحارة
– علامة استفهام … شرطة —
وشطبت أسماء كثيرة.

الرجل ذو الخوذة الذهبية

(عن لوحة لرمبرانت.)

١

ينظر إلى أسفل كما ينظر
في أعماق العدم.
الخوذة الذهبية كانعكاس
ضوءٍ نفيس.
يا للعبء الرفيع
المزين بالذهب،
الذي ناله
ويحمله في حزن!
هو، الذي كان جسورًا
حارب في المعركة،
بعد نضالٍ دام
تتوجه القوة،
روعة الخوذة
كلهيب المساء.

٢

كم يحمل الخوذة الذهبية في هدوء،
كان عليه أن يتحمل روعة المجد!
غير أنه يبدو أن نظرته المتجهة إلى أسفل
تسأل ذلك الذي هزمه فهوى به إلى الظلام …
أيكون عليه أن يحجم عن السؤال،
ويذكر نفسه في تردد:
ماذا كانت قيمة الانتصارات والهزائم؟!
ولماذا لا يحملنا المجد ولا يرتفع بنا؟!
هنالك تستقر الخوذة كأنها تسحقه
وتحمله على أن يوجه بصره
إلى حيث تنتهي أعماله إلى النسيان.
إن عبء الخوذة ثقيل وثقيل،
والذي يزينه ضوء الخوذة الذهبي
ميت يرقد في أعماق النسيان،
والميت لا أحد سواه.

(٧) أرنست بنسولت (١٨٩٢–١٩٥٥م)

إلى كرستيانة (عندما ترفض أن تنام)

يا طفلتي المحبوبة، لا تبكي
مهما طال الليل وأظلم.
فوق السطح يلمع القمر والنجوم،
ومن السماء يطل السيد المسيح.
قد يحدث حقًّا في بعض الأحيان
أن يهمس صوت في الممر
ويتحدث أحد في المدفأة،
فتخافين من الشر.
خُطًى غريبة تتخبط هنا وهناك.
أحيانًا تطل أرواح من النافذة،
لكن عليك ألا تنتبهي لها.
عزِّي نفسك، فالذين يتأملون نومك
يسعدهم وجهك المحبوب:
ملائكة هم، أشباح صديقة،
لن تنالك بشيء.

الملاك

ها أنت تقترب بجناحَين يغطيهما الثلج
أيكون حزني هو الذي صاح بك فهبطت إلى الأرض،
يا أيها الملاك، ما الذي يجعلك تغريني؟
أتعتقد أننا سنكون أسعد حالًا هناك؟
آه لقد رأيتك من زمنٍ بعيد
خلف شجرة في الحديقة
تقف جامدًا في الظلام
وتنتظر روحي.
أتريد مني أن أختصر عذابي؟
أيها الرفيق الصامت، أتنتظر
أن ألقي بنفسي بين ذراعَيك؟
وتبتسم، وتؤمِّن على كلامي.

(٨) برتولت برشت (١٨٩٨–١٩٥٦م)

برتولت برشت المسكين

١

أنا، برتولت برشت، ولدت في الغابات السوداء.
حملتني أمي إلى المدينة
وأنا بعدُ جنين في أحشائها.
وسوف تلازمني برودة الغابات.
إلى يوم أموت.

٢

في مدينة الأسفلت أحسُّ أنني في بيتي.
منذ مولدي وأنا مزود بما ينعم به الموتى؛
بالصحف، والتبغ، والنبيذ.
مرتاب، وكسول، وقنوع بعد كل شيء.

٣

وأنا ودود مع الناس.
أضع على رأسي قبعةً خشنة كما يفعلون.
أقول، إنهم حيوانات ذات رائحةٍ خاصة.
وأقول، لا بأس، فأنا واحد منهم.

٤

وفي الضحى أتمدد فوق كرسيٍّ مريح
وتجلس أمامي جماعة من النساء.
أتأملهن في غير اكتراث وأقول:
لا جدوى من الاعتماد عليَّ.

٥

وفي المساء أجمع حولي بعض الرجال
ويخاطب بعضنا بعضًا: «يا أيها السيد!»
يضعون أقدامهم على مائدتي
ويقولون: سوف تتحسن أحوالنا.
ولكنَّني لا أسأل: متى؟

٦

وفي غبش الفجر تبول أشجار الزان.
وتشرع الطفيليات التي تزدحم عليها — الطيور — في الصباح
عندها أجرع كأسي في المدينة
وأقذف تفل التبغ بعيدًا
وآوي إلى فراشي غير مرتاح.

٧

عشنا، ونحن جنسٌ طائش، في بيوت
كنا نحسب أن يد الخراب لن تمتد إليها.
(هكذا بنينا الميادين الواسعة في جزيرة مانهاتن
وأسلاك الهواء الدقيقة عبر الأطلنطي.)

٨

لن يبقى من هذه المدن إلا ما يجوس خلالها؛ الريح!
البيت يسعد الأكلين، لأنهم يفرغونه مما فيه.
نحن نعرف أننا غير مُخلَّدين،
وأن ما سيأتي بعدنا
لا يستحق الذكر.

٩

في الزلزلة القادمة، لن أدع سيجاري ينطفئ
لأن طعمه مر.
أنا برتولت برشت
حملتني أمي من الغابات السود
وألقتني في مدن الأسفلت
من زمنٍ بعيد.

إلى الأجيال المقبلة

١

حقًّا إنني أعيش في زمنٍ أسود!
الكلمة الطيبة لا تجد من يسمعها،
الجبهة الصافية تفضح الخيانة،
والذي لا يزال يضحك
لم يسمع بعدُ بالنبأ الرهيب.
أي زمن هذا؟
الحديث عن الأشجار يوشك أن يكون جريمة؛
لأنه يعني الصمت على جرائم أشد هولًا،
ذلك الذي يعبر الطريق مرتاح البال
ألا يستطيع أصحابه
الذي يعانون الضيق
أن يتحدثوا إليه؟
صحيح أنني ما زلت أكسب راتبي،
ولكن صدقوني، ليس هذا إلا محض مصادفة؛
إذ لا شيء مما أعمله
يبرر أن آكل حتى أشبع.
صدفة أنني ما زلت حيًّا
(إن ساء حظي فسوف أضيع!)
يقولون لي: كل واشرب!
افرح بما لديك!
ولكن كيف يمكنني أن آكل وأشرب،
على حين أنتزع لقمتي
من أفواه الجائعين،
والكأس التي أشربها
ممن يعانون الظمأ؟
ومع ذلك فما زلت آكل وأشرب!
نفسي تشتاق أن أكون حكيمًا،
الكتب القديمة تصف لنا من هو الحكيم.
هو الذي يعيش بعيدًا
عن منازعات هذه الدنيا،
يقضي عمره القصير
بلا خوف أو قلق.
العنف يتجنَّبه،
والشر يقابله بالخير.
الحكمة في أن ينسى المرء رغائبه
بدل أن يعمل على تحقيقها.
غير أنني لا أقدر على شيء من هذا؛
حقًّا، إنني أعيش في زمن أسود.

٢

أتيت هذه المدن في زمن الفوضى
وكان الجوع في كل مكان،
أتيت بين الناس في زمن الثورة
فثُرتُ معهم،
وهكذا انقضى عمري
الذي قدر لي على هذه الأرض.
طعامي أكلته بين المعارك،
نمت بين القتلة والسفاحين،
أحببت في غير اهتمام،
تأملت الطبيعة ضيق الصدر،
وهكذا انقضي عمري
الذي قدر لي على هذه الأرض.
الطرقات على أيامي كانت تؤدي للمستنقعات،
كلماتي كادت تسلمني للمشنقة.
كنت عاجز الحيلة.
غير أني كنت أقضُّ مضاجع الحكام
(أو هذا على الأقل ما كنت أطمع فيه)
وهكذا انقضى عمري
الذي قدر لي على هذه الأرض.
القدرة كانت محدودة،
الهدف بدا بعيدًا،
كان واضحًا على كل حال،
غير أني ما استطعت أن أدركه.
وهكذا انقضى عمري
الذي قدر لي على هذه الأرض.
أنتم يا من ستظهرون
بعد الطوفان الذي غرقنا فيه،
فكِّروا
عندما تتحدثون عن ضعفنا
في الزمن الأسود
الذي نجوتم منه.
كنا نخوض حرب الطبقات
ونهيم بين البلاد
نغير بلدًا ببلد
أكثر ممَّا نغير حذاء بحذاء،
يكاد اليأس يقتلنا
حين نرى الظلم أمامنا
ولا نرى أحدًا يثور عليه.
نحن نعلم،
أن كرهنا للانحطاط
يشوه ملامح الوجه
وأن سخطنا على الظلم
يبحُّ الصوت.
آه: نحن الذين أردنا أن نمهد الأرض للمحبة
لم نستطع أن نحب بعضنا بعضًا،
أما أنتم
فعندما يأتي اليوم
الذي يصبح فيه الإنسان صديقًا للإنسان
فاذكرونا
وسامحونا.

الفتاة الغريقة٣٦

١

لما غرقت وسبح جسدها
من الجداول إلى الأنهار الكبيرة
بدت قبة السماء رائعة الجمال
كأنها تعانق جثتها.

٢

تشبثت بها طحالب الماء
فزادت ثقلها شيئًا فشيئًا،
الأسماك الباردة سبحت حول ركبتها،
والنباتات والحيوانات أبطأت رحلتها الأخيرة.

٣

وبالليل كانت السماء كالحة كالدخان،
والنور يتراقص بين النجوم،
ولكن عندما طلع النهار أشرقت صفحتها
لكي يكون لها صباح ومساء.

٤

وعندما فسد جثمانها الشاحب في الماء
حدث (ولكن على مهل) أن نسيها الله.
نسي وجهها أولًا، ثم يديها، وأخيرًا شعرها؛
هناك أصبحت جثة في النهر
بين جثثٍ كثيرة.

عن مودة العالم

١

إلى الأرض المقرورة بالريح الباردة
جئتم جميعًا أطفالًا عراة.
كنتم ترتعشون من البرد، وليس لديكم متاع
عندما طوقتكم امرأة في اللفافات.

٢

لا أحد هتف مرحبًا بكم، لا أحد اشتهى مقدمكم،
ولم يحضركم أحد في عربةٍ مطهمة.
هنا على الأرض كنتم مجهولين
عندما امتدت يد إنسان فأخذتكم من أيديكم.

٣

عن الأرض المقرورة بالريح الباردة
تذهبون جميعًا يغطيكم الجرب والجروح،
ويشبه كل إنسان أن يكون قد أحب العالم
عندما تلقى عليه حفنتا تراب.

قناع الشر

على حائط غرفتي
لوحةٌ يابانية من الخشب،
قناع شيطانٍ شرير
مموه بالذهب.
أنظر في إشفاق
إلى العروق النافرة على جبهته،
وأرى كم يرهق الإنسان
أن يكون شريرًا!

أغنية عن قصور سعي الانسان

الإنسان يعيش برأسه
والرأس لا تغنيه.
حاول فحسب، فعلى رأسك
تعيش قملة، على أقصى تقدير.
لأن الإنسان في هذه الحياة
ليس خبيثًا بما فيه الكفاية.
إنه لا يفطن أبدًا
للكذب كله والخداع.
نعم، ضع خطةً واحدة،
كن نورًا عظيمًا!
ثم ضع خطةً ثانية
فالخطتان قد لا تنجحان.
لأن الإنسان في هذه الحياة
ليس خبيثًا بما فيه الكفاية،
غير أن طموحه ومسعاه
خصلةٌ جميلة فيه.
أجل، اجرِ وراء السعادة
لكن لا تلهث في جريك!
لأن الجميع يجرون وراء السعادة
والسعادة تجري وراءهم.
لأن الإنسان في هذه الحياة
ليس قنوعًا بما فيه الكفاية؛
لذلك كان كل هم مسعاه
مجرد خداع للذات.

حديقة الزهور

على البحيرة، بين أشجار الصنوبر والحور الفضية
حديقة يحميها سور وأغصانٌ متشابكة
نُسِّقت تنسيقًا حكيمًا بأزهار تنبت كل شهر
بحيث تزدهر من الربيع إلى الخريف.
هنا، في الفجر، أجلس في بعض الأحيان
وأتمنى لو أمكنني في كل الأوقات
في الجو السيئ والجميل
أن أؤدي هذا الفعل الطيب أو ذاك.

أغنية المهد

يا ولدي، أيًّا كان مصيرك
فهم، بعصيٍّ في أيديهم، يقفون على استعداد؛
إذ لا موضح لك يا ولدي فوق الأرض
إلا في ميدان القاذورات، وهو الآن زحام.
يا ولدي، اسمع من أمك كلمة:
إن حياةً تنتظرك، أسوأ من الوباء.
لكنني لم أحملك إليها
كي ترضى بها في هدوء.
ما لا تملكه، لا تظن أنه ضاع منك
وما لا يعطونك إياه، فاعمل على أن تأخذه منهم.
أنا، أمك، لم ألدك
لكي ترقد ليلًا تحت جسور الأنهار.
قد لا تكون خلقت من طينةٍ متميزة
ليس لدي مال من أجلك ولا صلاة
وأنا أعتمد عليك وحدك، حين أرجو لك
ألا تتسكع بين المكاتب، والأختام وتبدد وقتك.
حين أرقد في الليل بجانبك بلا نعاس
أتحسس كثيرًا كفك الصغيرة.
هم يخططون لك الآن بالتأكيد حربًا جديدة!
ماذا أفعل، حتى لا تصدق أكاذيبهم القذرة؟
أمك، يا ولدي، لم تكذب عليك
ولم تقل إنك شيءٌ فريد،
لكنها لم تقاسِ الهموم في تربيتك
لكي تعلق يومًا في الأسلاك الشائكة
وتصرخ في طلب الماء.
فلتضع، يا ولدي، يدك في أيدي أصحابك
كي تتبدد قوتهم كذرات التراب.
أنت، يا ولدي، وأنا وكل من يشبهوننا
لا بد أن نتحد ولا بد أن نصل يومًا
ألا يكون في هذا العالم نوعان من الإنسان.

عودة

مدينة الآباء، كيف أعثر عليها؟
أعود إلى بيتي
في أثر قاذفات القنابل.
أين تقع إذن؟
حيث تقف جبال الدخان الهائلة
تلك التي تشتعل فيها النيران
هي مدينتي.
مدينة الآباء والأجداد، كيف تراها ستلقاني؟
القاذفات تسبقني إليها،
أسراب الموت تُعلن لكم عودتي.
الحرائق تسبق الابن.

عن أسد صيني مرسوم على علبة شاي

الأشرار يخيفهم مخلبك.
الأخبار تسعدهم رقَّتك.
مثل هذا سمعته
عن أشعاري
فسرني.

الدخان

البيت الصغير، تحت الشجر، على البحيرة
من سقفه يصعد الدخان،
إن غاب يومًا
فما أتعس البيت، والشجر، والبحيرة!٣٧

(٩) اريش كستز (١٨٩٩م–؟)

ضحك لا جدوى منه أبدًا …

فجأة خطر له ذات يوم،
أنه لم يضحك من ثلاث سنين؛
فراح يفحص تاريخ حياته
ليرى ماذا صنع فيه …
في بعض الأحيان، على ما يذكر، كان كل شيء ذنبًا.
في بعض الأحيان كان يطلق اللعنات كالبهيم.
في بعض الأحيان كان يبحث لكل شيء عن سبب
مثلما يبحث الإنسان عن أزرار ياقته.
غير أنه يريد الآن أن يبتهج ويضحك!
لقد استطاع ذلك في الأيام الخالية.
وسوف يفعل الآن كما فعل من قبلُ،
وها هو ذا يجلس، ويضحك.
آه، إنه لضحكٌ مفزع!
وينزعج وسرعان ما يصمت.
ويسأل لماذا لا ترنُّ ضحكته رنينها القديم؟
ولكنه لا يستطيع أن يعرف لماذا؟
ويذهب إلى حيث يجلس الكثيرون،
لأنه يطمع أن يكون مثلهم.
إنهم يستمتعون بآلاف الدعابات.
غير أنه لا يبتسم أبدًا.
ويقرر ذات يوم أن ينفق كل ما لديه.
غير أنه يحس، تجاه المدنية،
بشيء يشبه الرثاء
للبهجة والمبتهجين.
ويحزنه هذا الغرور الزائف.
ويقول لنفسه: «في صحتك».
لا لن يفرح ولن يعود إلى الفرح،
وهو لا يملك عن ذلك عزاء.
وأخيرًا يقفز في الأتوبيس
وينطلق كالأعمى في آخر الليل.
ويشعر أن عليه أن ينتظر،
حتى يضحك مرةً أخرى من قلبه.

تطور الإنسانية

في يوم من الأيام كانوا يتسلقون الأشجار،
بشعورٍ كثة ووجوهٍ قبيحة.
ثم جذبوهم من الغابة الأولى
وسفلتوا العالم ورفعوه
إلى الطابق الثلاثين.
أخذوا يجلسون، وقد هربوا من البراغيث،
في غرفٍ مدفئة.
وهم يجلسون الآن بجانب التليفون.
ولم تزل اللهجة نفسها سائدة
كما كانوا وهم يتسلقون الأشجار.
إنهم يسمعون عن بعد، ويرون من بعيد٣٨
ويتصلون بالكون الكبير.
إنهم ينظفون أسنانهم، ويتنفسون على أحدث نظام.
الأرض كوكبٌ مهذب
تغسله مياهٌ كثيرة.
إنهم يقذفون الخطابات في الأنابيب
ويطاردون الجراثيم ويربونها.
إنهم يزودون الطبيعة بكل وسائل الراحة
ويرتفعون طائرين في السماء
ويبقون فيها أسبوعَين.
فضلات هضمهم
يصنعون منها القطن الطبي.
إنهم يشطرون الذرة، ويعالجون الفجور،
ويثبتون بأبحاثهم في الأسلوب
أن قيصر كانت قدماه مفلطحتين.
هكذا خلقوا برءوسهم وأفواههم
تقدم الإنسانية.
ولكن بصرف النظر عن هذا
إذا تأملنا المسألة في النور
وجدناهم في الحقيقة لا يزالون
هم القرود القديمة.

قصة حب موضوعية

بعد أن عرفا بعضهما ثماني سنوات
(ونستطيع أن نقول إنهما عرفا بعضهما جيدًا)
ضاع حبهما فجأة
كما يضيع غيرُهم قبعةً أو عصا.
كانا حزينَين، وراحا يخدعان نفسيهما،
حاول القبل، كأن لم يحدث شيء،
وتطلعا إلى بعضهما، ولم يعرفا ماذا يفعلان.
وأخيرًا بكت. وكان يقف إلى جوارها.
كان في إمكانهما أن يشيرًا إلى البواخر من النافذة
قال: لا بد أن الساعة جاوزت الرابعة والربع
وحان الوقت ليشرب القهوة في أي مكان.
بالقرب منهما كان أحد الناس يجرب أصابعه على البيان.
دخلا أصغر قهوة في المنطقة
وقلَّبا الملاعق في الأكواب.
وعندما جاء المساء كانا لا يزالان جالسَين هناك.
جالسَين وحدهما، لا يقولان كلمة واحدة
ولا يستطيعان تصور ما حدث.

(١٠) جنترأيش (١٩٠٧–١٩٧٢م)

تأملوا أطراف الأصابع

تأملوا أطراف الأصابع، إن كان قد حال لونها!
يومًا يعود الوباء الذي قضي عليه.
يلقي به ساعي البريد كخطاب في الصندوق المشروخ،
تجده في طبقك كوجبة من الرنجة تعطيه الأم لطفلها كثدي يرضع منه.
ماذا تفعل، ولم يعد يعيش أحد
ممن كانوا يتصرفون معه؟
من يصادق الرعب
يستطيع أن ينتظر زيارته في هدوء.
نحن على الدوام نهيئ أنفسنا للسعادة
لكنها لا تحب أن تجلس على مقاعدنا.
تأملوا أطراف الأصابع! عندما تسودُّ
يكون الوقت قد فات.

المعسكر يصحو

في الطابور٣٩ الأول
صبحًا في غبش الفجر
يبدون في المعسكر
كأنهم في يوم الحشر.
في الحفر تتطلع العيون
نحو السماء،
أيقظتها ضجة الملائكة
التي ترعد في الهواء.
جار الدودة والصرصار
أحسَّ بقوة بالصباح.
حفرة في الأرض تفرغ النائمين فيها،
وندي الليل رطب العظام.
في الرءوس المضطربة
يوقظ الجوع التقليد القديم:
النار تحت الأواني
تئزُّ كدخان القرابين.
عندما تصعد الشمس دافئة
فوق مرتفعات «هوننج»
تحيي نشوة البعث
بالفزع النائمين.
الشعور التي لم تحلق
يهزونها على الأذن،
عندما تسبح جوقة القبر
مع أجراس الصباح.

جرد

هذه هي قبعتي
هذا معطفي،
هنا أدوات حلاقتي
في كيس من القماش
علب محفوظة:
طبقي، كوبي،
في الصفيح الأبيض
حفرت اسمي.
حفرته ها هنا
بهذا المسمار الثمين،
الذي أخفيه،
عن الأعين النهمة.
في كيس الخبز
جورب من الصوف
وأشياء أخرى
لا أبوح بسرِّها لأحد،
أجعل منه مخدة
بالليل تحت رأسي،
لوح الورق هنا
بيني وبين الأرض.
أنبوبة القلم الرصاص
أحب الأشياء إليَّ:
بالنهار تكتب لي أبياتًا
فكرت فيها بالليل.
هذه مفكرتي
هذه خيمتي،
هذا منديلي
هذا خيطي.

الرجل ذو السترة الزرقاء

الرجل ذو السترة الزرقاء،
العائد إلى بيته، والفأس على كتفه،
أراه خلف سور الحديقة.
هكذا كانوا يمشون مساءً في كنعان.
هكذا يعودون إلى بيوتهم من مزارع الأرز في بورما،
من حقول البطاطس في مكلنبرج،٤٠
يعودون إلى بيوتهم من جبال الكرم في بور جند٤١
ومن بساتين كاليفورنيا.
عندما يضيء المصباح خلف ستار النوافذ،
أحسدهم على حظهم، الذي لا أستطيع أن أشارك فيه،
على المساء العائلي
بدخان المدفأة، وغسيل الأطفال، والقناعة.
الرجل ذو السترة الزرقاء يعود إلى بيته،
فأسه التي وضعها على كتفه،
تشبه في الشفق الهابط بندقية.

نهاية صيف

من الذي يحب أن يعيش بغير عزاء الأشجار!
ما أجمل أن تشارك في الموت!
الخوخ حصد، والبرقوق يكتسي لونًا،
بينما يسمع خرير الزمن تحت أقواس الجسور.
أسر يأسى إلى سرب الطيور.
إنه يقيس نصيبه من الأبد في هدوء.
المسافات التي يقطعها
ترى على أوراق الشجر كأنها القمر المعتم،
حركة الأجنحة تلون الثمار.
معناه أن نتعلم الصبر.
قريبًا تنزع الأختام عن كتابة الطيور،
تحت اللسان يستلذ طعم المليم.٤٢

قبل المطر بقليل

ستمطر بعد قليل، فأدخل الغسيل!
على الحبل تهتز المشابك.
ظل سحابة يجعل الحجر مظلمًا
السقوف ملأى بالأفكار.
فكرت في الطوب والحجارة،
في الأفران الجيرية والدخان القارص.
عيني تتصنت الكلمات المذهلة،
آه أيتها الحكمة الخافتة من الغصن الملتهب!
نشيج بدا يرتفع في حلقي.
الظلال المسافرة تغير الحجر.
لفحة ريح تتجاذب القمصان المرفرفة.
ستمطر بعد قليل. أدخل الغسيل!

(١١) كارل كرولوف (١٩١٥م–؟)

قصيدة حب

بصوتٍ خافت أتحدث إليك:
هل ستسمعينني
خلف وجه القمر المعشوشب المرير
الذي يتفتت؟
تحت الجمال السماوي للهواء،
عندما يطلع النهار،
ويكون الفجر سمكةً محمرة بزعانفَ مرتعشة؟
أنت جميلة.
رطب وجاف هو جلدك.
نظرتك، ناعمة وواثقة كنظرة طائر.
أقولها للريح
عنقك — أتسمعين — من هواء
يشبه حمامة تندس بين شباك الشجر الأزرق.
ترفعين وجهك.
يبدو على الحائط مرةً أخرى كالظل.
جميلة أنت. أنت جميلة.
رطبًا كالماء كان نومك بجانبي.
بصوتٍ خافت أتكلم إليك.
والليل يتحطم كالصودا، أسود وأزرق.
١٩٥٥م

لحظة النافذة

واحد يدفق النور
من النافذة.
وردات الهواء
تزدهر،
وفي الشارع
يرفع الأطفال عيونهم
عن اللعب.
الحمامات تنقر
من حلاوته.
البنات يصبحن جميلات
والرجال وديعين
من هذا النور.
ولكن قبل أن يقول لهم الآخرون ذلك
يعود واحد
فيغلق النافذة.
١٩٥٥م

أفكار المساء

وجوه في الظلام تضيء،
مصابيح خلف الأشجار.
خدود الخوخ تتندى
سعيدة في ظل الليل.
غليان النهار: زال.
هدأت صورته على شبكة العين،
لم تبقَ إلا همهمات،
عالقة بزرقة البرقوق
التي سرعان ما تصبح سوداء.
من النوافذ تطل الأصوات
من بعيد وتهمس في الريح.
في أخاديد الهواء تسبح
كالأسماك أفكار المساء.

اختطاف

الريح، التي تغمض
أعين التماثيل السوداء،
تفتح بلوزتك عند الرقبة.

•••

الريح التي لا تقول نعم
ولا تقول لا،
تضع يدها عليك.

•••

الريح، التي تلقي علامات
فيثاغورس في الهواء،
تمر عليك.

•••

الحمامة التي في قلبك
في كامل قوَّتها.
بغير مقاومة
تستسلم للموت.

•••

لكن فوق قلبك
نصبت القوارب أشرعتها.
منديلها يتمسَّح بخد النسيم.

•••

ريح الغربة
بذقون القرود٤٣ التي ترف فوق المرساة الزرقاء
التي اختطفتك!

كل صباح

كل صباح يؤمن بالله.
أسماك زرقاء ترف أمام عينَيه،
وظلال الأذرع والسيقان.
قوية.
السكون يباغت حمامةً وحشية،
تبدأ في الغناء.
النساء ينشرن الفراش
الذي نمن تحته بالليل وحدهن.
أعواد الكبريت التي أحرقت في الظلام
تلقى بعيدًا.
عنق الهواء يضيء.
لحظة بطولها
يود كل إنسان
أن يريح يده عليه.
في الشوارع يروي الناس
أن الأجسام تسلب منها أعمارها.

الزمن يتغير

لم تبقَ أحد،
يدهن تماثيل الحنان
باللون الأزرق.
قبلات الشعور الشقراء
وقبعات القش نسيت.
الأطفال الذين كانوا في الحديقة
يمدون أكتافهم لطيور الغناء المتعبة
قد شبُّوا.
الزمن تغير.
لم تعد الأيدي الشابة
تمسح عليه.
المصابيح تحمل الآن لمباتٍ جديدة.
كرات التنس لم ترجع من السماء.
رداء الحمام الأصفر
مات ميتة الفراش،
وكل ظروف الخطابات
تناثرت رمادًا ناعمًا.
غير أن الشوارع تعجُّ بالأجانب
وفي جيوبهم تذاكر الترام!

قصيدة حب

سواء الرقاد على الجانب الأيسر أو الأيمن،
تقطيع بطيخة أو جعل الماء يلمع في الكأس.
سحر الشمعة في الخلف:
لا أهمية له كالهواء العابر
في الليل من غيرك.

•••

عندما جاء العصر، هبط الطاووس أمام النافذة
كأنه باقة أزهارٍ ظليلة.
في الساعة السادسة أمسكت ملعقتك
في طبق توت شفاف.
أنا الآن أحتمل الظلام،
هذا الليل. الذي لم تصنعيه،
وكتبته بالحبر الأسود العنيد،
بطعم الدموع في الفم
والريح الحادة في الأزهار.

•••

خلف الجدار المشقوق بالسواد
تسكت الجنادب،
وأذوق نكهة الوحدة على المائدة
بين الصمت والصمت
في الليل من غيرك.

•••

سواء الرقاد على الجانب الأيسر أو الأيمن
في عناق السكون، عندما تحصي ساعة اليد
الزمن في خفة،
وتتحول بقية السيجارة إلى رماد …
بإصبعي أقيس الآخرة،
التي عشت فيها منذ قليل،
من غير شالٍ أحمر ولا حذاء بني،
في الليل من غيرك.

•••

أسمعك تحت النجوم تتنفسين!

(١٢) يوهانس ببروفسكي (١٩١٧–١٩٦٥م)

أيقونة

أبراج، مقوسة،
مسورة بالصلبان، حمراء.
معتمة تتنفس السماء.
يوحنا يقف على التل،
المدينة أمام النهر.
يرى البحر آتيًا بألواح الخشب،
بالمجاديف والأسماك المجعدة،
الغابة تلقي بنفسها في الرمل.
أمام الريح
يمشي الأمير،
يهزُّ أعلامًا في يدَيه،
ينثر نيرانًا خرساء
فوق السهول.

الدون

القرى،
عالية، من نيران.
على الصخر تسقط الشطآن
لكن النهر المغلول
أطلق انفاسًا ثلجية
تبعها سكونٌ معتم.
كان النهر أبيض.
الشط الأعلى مظلم.
الخيول صعدت المنحدر.
مرة.
فزعت منها الشطآن هناك،
رأينا وراء الحقول،
بعيدًا، تحت الهلال،
أسوارًا تجاه السماء.
هناك
يغني الديف٤٤
في البرج،
يصيح بالسحابة،
الطائر، من بؤسه،
ينادي فوق الشواطئ الصخرية،
يأمر السهول أن تنصت.
يقول: أيتها التلال،
افتحي صدرك،
أيها الموتى،
اظهروا بأسلحتكم،
ضعوا الخوذات.

النسر

بجناحَين منشورين
على النهر،
فوق غابة المراعي
يقف النسر،
في قوس قزح
علامة ذات أطراف لم تزل محترقة
مسمَّرة في خشب بابي، مخالب،
سوف أصحو، نشوان أترنح،
عند الجبل الذي تنمو فيه الغابات
أصحو بعينَين خفيفتَين
من بين الأغصان.
بجناحَين منشورين،
سمرت النسر
على سطح بيتي!
سأنام،
وأسير في نومي
علامة من رماد
فوق الغابات.

المسافر

بالليل،
للنهر خريرٌ مسموع،
أنفاس الغابات ثقيلة،
السماء،
تصيح فيها الطيور،
شواطئ الظلمة،
عجوز،
فوقها نيران النجوم.
عشت حياة الإنسان،
نسيت أعد الأبواب،
الأبواب المفتوحة.
طرقت الأبواب الموصدة.
كل الأبواب مفتوحة.
المنادي يقف بذراعَين ممدودَين.
تقدم إذن إلى المائدة.
خطبة: الغابات ترن،
الأسماك تمخر في النهر
الثقيل الأنفاس،
السماء ترتعش بالنيران.

رفض

نار،
الإغراء من دم:
الإنسان الجميل.
والماضي كالنوم،
أحلام تهبط في الأنهار،
فوق الماء،
بغير شراع، في التيار.
سهول،
القرى الضائعة
حافة الغابات.
ودخان نحيل
في الهواء،
شديد الانحدار.
ذات يوم،
جاء بيركون،
بفمٍ غليظ،
في ذقنه ريشة،
جاء في أثر الغزال،
المتلعثم جاء،
ركب الأنهار،
شد الظلام،
شبكة سمك، وراءه.
كنت هناك.
في زمن قديم.
ما من جديد قد بدأ.
أنا رجل،
جسد واحد مع امرأته،
يربي أطفاله
لزمن بلا خوف.

(١٣) باول تسيلان (١٩٢٠–١٩٧٠)

حريق

أنت، أيتها الساعة، ترفرفين في الكثبان.
الزمن، من رملٍ لطيف، يغني بين ذراعيَّ:
أرقد معه، في يميني سكين.
ازبدي إذن، أيتها الموجة!
أيتها السمكة تشجعي!
حيث يكون الماء، يكون في استطاعة الإنسان
أن يعيش مرةً أخرى،
أن يرسل الغناء للعالم مرةً أخرى،
في صوتٍ واحد مع الموت،
أن ينادي مرةً أخرى من السرداب: انظروا،
نحن في أمان،
انظروا، كانت البلد بلدنا،
انظروا،
كيف سددنا على النجم الطريق!

بالليل عندما يهتز البندول …

بالليل، عندما يهتز بندول الحب
بين «دائمًا» «وأبدًا»،
تصيب كلمتك أقمار القلب
وعينك المكفهرة الزرقاء
تعطي السماء للأرض.
من المرج البعيد، الأسود بلون الحلم
يهبُّ علينا ما تنفسناه،
والذي ضيعناه يسير هنا وهناك، كبيرًا كأوهام المستقبل.
ما ينخفض الآن ويرتفع.
يصدق على ما دفن في الأعماق:
أعمى كالنظرة التي نتبادلها
يقبل الزمن على فمه.

لحن٤٥ الموت

لبن الفجر الأسود نشربه في المساء
نشربه في الظهر والصباح نشربه بالليل،
نشرب ونشرب،
نهيل قبرًا في الهواء لا يضيق بالإنسان.
رجل يسكن في البيت يلعب مع الثعابين،
يكتب،
يكتب عندما يظلم الليل إلى ألمانيا،
شعرك الذهبي يا مرجريت
يصفر شتائمه الفظة،
يأمر بحفر قبر في الأرض،
يأمرنا بعزف الآن للرقص.
يا لبن الفجر الأسود، نحن نشربك بالليل،
نشربك في الصباح والظهر، نشربك في المساء،
نشرب ونشرب،
رجل يسكن البيت يلعب مع الثعابين،
يكتب،
يكتب عندما يظلم الليل إلى المانيا،
شعرك الذهبي يا مرجريت،
شعرك الترابي يا سولاميت نحن نهيل قبرًا في الهواء
لا يضيق بالإنسان،
ينادي يغرز رشفه في مملكة الأرض أنتم أيها الناس
وأنتم أيها الناس يغني ويلعب،
يتحسس الحديد في حزامه، يهزه، عيناه زرقاوان،
يغرز رشفه في الأعماق،
أنتم أيها الناس وأنتم أيها الناس يواصل
عزفه للرقص
يا لبن الفجر الأسود، نحن نشربك بالليل
نشربك ظهرًا وصباحًا نشربك مساء،
نشرب ونشرب،
رجل يسكن في البيت شعرك الذهبي يا مرجريت،
شعرك المترب يا سولاميت يلعب مع الثعابين،
ينادي يعزف الموت بلحن أعذب،
الموت معلم من ألمانيا،
ينادي يعزف كئيبًا على الكمنجات، فترتفعون كالدخان في الهواء،
ويكون لكم قبر في السحاب يتسع للإنسان.
يا لبن الفجر الأسود، نحن نشربك بالليل،
نشربك ظهرًا، الموت معلم من ألمانيا،
نشربك مساءً وصباحًا نشرب ونشرب،
الموت معلم من المانيا عينه زرقاء،
يصيب بطلقة من رصاص، يصيبك في الصميم،
رجل يسكن في البيت شعرك الذهبي يا مرجريت،
يصب شتائمه علينا، يهدينا قبرًا في الهواء،
يلعب مع الثعابين ويحلم الموت معلم من ألمانيا،
شعرك الذهبي يا مرجريت،
شعر المترب يا سولاميت.

نوم وطعام

نفس الليل ملاءتك، الظلام ينام معك.
يلامس عظامك وأسلافك، يوقظك للحياة والنوم،
يراقبك في الكلمة، في الرغبة، في الفكرة،
يرقد مع كلٍّ منهم، يستدرجك.
يمشط الملح من رموشك وتضعه على مائدتك،
يتنصت للرمل في ساعاتك ويقدمه لك،
والذي كانته كوردة وظلٍّ وماء
تصبُّه في كأسك.

(١٤) إنجبورج باخمان (١٩٢٦م–؟)

نداء الدب الأكبر

أيها الدب الأكبر، تعالَ، أيها الليل الأشعث.
أيها الحيوان المتدثر بفراء السحب، يا ذا العيون القديمة،
عيون النجوم،
خلال الدغل تنفذ مبرقة
كفاك المزوَّدتان بالمخالب،
مخالب النجوم،
يقظون نحن ونرعى القطعان،
لكننا مغلولون إليك، ونسيء الظن
بجنبَيك المتعبتين
وبالأنياب الحادة نصف العارية،
يا أيها الدب العجوز.

•••

عالمكم: سدادة.
أنتم: القشور فيه.
أنا أدفعه، أدحرجه،
من أشجار الصنوبر في البداية
إلى أشجار الصنوبر في النهاية،
أتشمَّمه، أمتحن طعمه في فمي،
ثم أطبق بالمخالب.

•••

خافوا أو لا تخافوا!
عدوا في الكيس الرنان وأعطوا
للرجل الأعمى كلمةً طيبة.
حتى يمسك بالدب على جانب الطريق.
وأحسنوا تتبيل الخراف.

•••

قد يحدث أن ينطلق هذا الدب
من قيده ولا يعود يهدد،
ويطارد كل السدادات التي تساقطت
من أشجار الصنوبر،
أشجار الصنوبر العظيمة المجنحة
التي هوت من الفردوس.

المهلة

ستأتي أيام أشد.
المهلة التي يمكن استردادها
سترى على الأفق.
بعد قليل سيكون عليك أن تربط الحذاء،
وتطارد الكلاب إلى الساحات.
لأن أحشاء الأسماك
أصبحت باردة في الريح.
أزهار الزينة نورها خافت.
نظرتك تتلمس موقعها في الضباب:
المهلة التي يمكن استردادها
سترى على الأفق.

•••

هناك تسقط الحبيبة منك في الرمال،
تصعد حول شعرها الرفيف،
تقطع عليها الكلام،
تأمرها بالصمت،
تجدها قانيةً
مطيعة في لحظة الوداع
بعد كل عناق.

•••

لا تتلفَّت حولك،
اربط حذاءك.
طارد الكلاب.
ألقِ بالأسماك في البحر
أطفئ أزهار الزينة!
ستأتي أيامٌ أشد.

الحملة العظيمة

حمولة الصيف العظيمة قد شحنت،
سفينة الشمس على استعداد في الميناء،
عندما يهوي النورس خلفك ويصيح.
حمولة الصيف العظيمة قد شحنت.

•••

سفينة الشمس على استعداد في الميناء،
وعلى شفاه الوجوه التي تزين الغليون
تتجلَّى ابتسامة أرواح الموتى.
سفينة الشمس على استعداد في الميناء.

•••

عندما يهوي النورس خلفك ويصيح،
يأتي الأمر من الغرب بالسقوط.
غير أنك ستغرق في النور مفتوح العينين،
عندما يهوي النورس خلفك ويصيح.

رسالة

من ردهة السماء الدافئة بالجثث تبزغ الشمس
ليس الذين هناك هم الخالدون
بل صرعى الحرب، هذا ما سمعناهم يقولون.

•••

والمجد لا يعبأ بالعفن
الهنا، التاريخ،
قد أعد لنا قبرًا
ليس منه نشور.

خشب ونشارة

لن أقول شيئًا عن الزنابير
لأن من السهل معرفتها.
كذلك الثورات الجارية
ليست خطيرة.
الموت في أعقاب الضجيج
قد قرر من زمنٍ سحيق.
لكن خذ حذرك
من ذباب يعيش يومًا واحدًا ومن النساء،
من الصيادين في يوم الأحد وصناع الجمال،
من المترددين وذوي النية الحسنة
الذين لا يؤثر عليهم الاحتقار.
من الغابات حملنا الحطب والجذوع،
والشمس ظلت طويلًا لا تطلع علينا.
أسكرني ورق المطابع وهو يدور بانتظام
فلم أعد أعرف الأغصان،
ولا الكلأ المتخمِّر في حبر أشد سوادًا،
ولا الكلمة المحفورة على قشر الشجر،
صادقة وجريئة.
منشورات مستهلكة، شعارات مرفوعة،
لافتات سود … بالليل والنهار
ترتج آلة العقيدة،
تحت هذه النجوم أو تلك.
لكن في الخشب، ما دام أخضر،
وبالمرارة، ما بقيت مرة
أحب أن أكتب
ما كان في البدء!
اجتهدوا أن تظلوا يقظين!
على أثر النشارة، التي طارت
يسير سرب الزنابير،
وعند النبع يقف الشعر
في وجه الإغراء
الذي أضعفنا ذات يوم.

في كل يوم

لن تعلن الحرب بعدُ،
بل ستستمر. الفظائع
أصبحت تجري كل يوم. البطل
يبقى بعيدًا عن المعارك. الضعيف
يزجُّ به في مناطق النار.
الصبر هو الحلة الرسمية،
النيشان هو نجمة الأمل البائسة
على القلب.
سيمنحونه
عندما يتوقف كل شيء،
عندما تخرس طبول النار.٤٦
عندما يختفي العدو عن الأنظار
ويغطي السماء
ظل التسلح الأبدي.
سيمنحونه
على الهروب من الأعلام.٤٧
والاستبسال، على الصديق،٤٨
وخيانة الأسرار الوضيعة،
وازدراء
كل الأوامر.

طيران ليلي

السماء حقلنا،
حرثناه بعرق المحركات،
في وجه الليل،
مجهزين بالحلم —
الذي حلمناه فوق الجماجم والمحارق٤٩
تحت سقف العالم،
الذي حملت الريح أحجاره —
والآن مطر مطر، مطر
في بيتنا، وفي الطواحين
تطير الوطاويط العمياء.
من كان يسكن هناك؟
من كانت يداه طاهرتين؟
من أنار في الليل،
شبح للأشباح؟
مطمئنة في ريش من الصلب
تستجوب الآلات المكان.
والساعات الضابطة وأجهزة القياس
أيك السحاب،
والحب في قلوبنا
يحاول لغة منسية:
قصير وطويل طويل، لمدة ساعة
يلمس البرد طبلة الأذن،
التي تتنصت، نافرة منا، وتتأسى.
لا السماء هوت ولا الأرض،
وإنما ذهبا كما تذهب الأفلاك
ولم يعد يعرفهما أحد.
صعدنا من ميناء،
لا يهتم فيه أحد بالعودة
ولا بالمركب أو الصيد.
توابل الهند وحرير اليابان
ملك للتجار
كالشبكة تمتلك الأسماك.
لكن رائحة تشم،
تسبق الشهب،
ونسيج الهواء.
تمزقه الشهب الهاوية.
سمِّها حالة الوحيدين
التي تتحقق فيها الدهشة.
لا شيء غير هذا.
تدرجنا، والأديرة خاوية،
منذ أن صبرنا، في نظام لا يشفي ولا يعلم
الفعل ليس من شأن الطيارين.
القواعد الحربية نصب أعينهم، وعلى ركبهم
خريطة منشورة لعالم،
لا جديد يضاف إليه.
من يحيا تحت؟ من يبكي …
من ضيع مفتاح البيت؟
من ذا لا يجد فراشه،
من يرقد فوق العتبات؟
من يجسر، حين يجيء الصبح
أن يشرح هذا الخط الفضي:
أنظر … فوقي …
حين يعود الماء فيجرف عجل الطاحونة؟
من يجد الجرأة في نفسه
أن يتذكر هذا الليل؟

(١٥) هانز ماجنوس إنسنز برجر (١٩٢٩م–؟)

نعاس

دعني الليلة أنم في القيثارة؛
قيثارة الليل المدهوشة،
دعني أسترح
في الخشب المكسور،
دع يدَيَّ تنامان
فوق أوتارها؛
يديَّ المدهوشتَين،
دع الخشب العذب
ينام،
دع أوتاري،
دع الليل
يسترح على المفاتيح المنسية،
دع يديَّ المكسورتَين
تنامان
فوق الأوتار العذبة
في الخشب المدهوش.

في كتاب المطالعة لفصول المرحلة الثانوية

لا تقرأ القصائد٥٠ يا ولدي، اقرأ دليل السفر:
فهو أدق. انشر خرائط البحار (أمامك)،
قبل أن يفوت الأوان، كن يقظًا، لا تغني.٥١
سيعود اليوم الذي يمكرون فيه على الباب،
ويضربون ويضعون علامة على صدر من يقول لا.
تعلم أن تسير مجهولًا (بين الناس)، تعلم أكثر مني:
أن تغير الحي، جواز السفر، الوجه
توقع الخيانة الصغيرة،
النجاة القذرة كل يوم.
الرسائل البابوية تصلح لإشعال النار،
البيانات: للف الزبد والملح
لأجل العجزة. الغضب والصبر لازمان
لنفخ الرماد في رئة السلطة
الرماد الدقيق المميت
الذي سحقه أولئك الذين تعلموا الكثير
الذين يدققون (في كل شيء)،٥٢
الذي سحقته أنت.

بلدي

التي أسستها بعيني،
التي أسندها اليوم بيدي،
بلدي، بلدي الفاني،
التي تضيء بفرحتي
التي لعنتك لديَّ
للزمن الغريب والزمن القريب.٥٣
لكل الأزمنة، التي بقيت لنا.
أقول لك اسمك، تكلمي
وأعيدي لي اللغة
من فمك الذي لا يتكلم.٥٤
بلدي، أنا لا أذود عنك،
إني أضعك، وأنت الفانية.٥٥
في هذا النور الفاني.٥٦
نحن قريبان، يعكس كل منا
من صيف صاحبه الجميل،
يا بلدي، خفيفًا كظل شجرة الزيتون
أبلل حدودك الدافئة،
التي تتنفس في بهائها.
وكظل شجرة الزيتون، الصامدة للفساد
أريد أن أستريح فوقك،
يا بلدي الشاسعة الأطراف،
يا من أستطيع أن أحتويها بذراعيَّ
يا جزءًا من العالم حبيبًا إليَّ،
في حجم ظل شجرة الزيتون،
أشبه بقبر، مزدهرة في وجه الرماد الملطخ بالدم،
رماد الأزمنة التي بقيت لنا.

(١٦) هورست بينيك (١٩٣٠م–؟)

علامات وعبارات

دخان في الهواء
أو نار في البحر
أو صواعق في الغابة؛
علامات الأمس
نسيناها،
لا أحد يراها،
نتحدث إلى بعضنا
بكلمات
أو عبارات
أو دخان
أو نار
مجموع الكلمات هو العبارة،
جملة العبارات هي اللغة.
نتحدث
مسجونين
في اللغة،
نتحدث،
نقيم بجوار بعضنا
في الظلام
والطحلب ينمو على أفواهنا.

رمادنا

السلك الشائك،
معطف القديسين
من يغطيه الريس أو الظلام
يعيش في الخطيئة
في ضوء الكشافات
تستطيع أن تنكر ذنبك
في التحقيق
تكتم فعلتك
ما من أحد يتكلم
عن الأربعين يومًا في حبس الجوع
(من رسم لك لوحات تنتوريتو٥٧
على جدار الزنزانة؟)
ولا أحد يتكلم عن طريقك
إلى حفرة المرحاض
لا أحد يعينك
على حمل جرادل القاذورات
وبينهم سقطت
أكثر من ثلاث مرات.٥٨
لم يأتِ أحد
غير طائر أسود من دخان،
ثم جاء القتلة
في الموعد المحدد،
حملوا الشمس
جريحة، مذبوحة، نازفة دمًا
على بنادقهم.
إلى الجدار الأسود٥٩
تقدم!
هكذا قال صوت.
خمس خطوات نحو الجدار
ولا تتلفت حولك
عندما ينطلق الرصاص!
ماذا يحدث
عندما تصلب الصرخة السماء؟
ماذا يحدث
عندما تدمر الريح الذكرى؟
ماذا يحدث
عندما تثب سمكة الشمس في العروق
ويمحو الجير وجوهنا؟٦٠
الجواب
قد قدم
لكن من منا؟
من منا سمعه؟
مَن مِن الأحياء بيننا
يمكنه أن يقول
إنه سمعه
ورآه؟
من منا؟
الملح في عيوننا
والرمل في آذاننا
والأبد
ينمو بلا ضوضاء في أجسادنا.
متى يتكلم رمادنا؟
١  الملاحظ أن القصيدة كلها تتغنى بالطبيعة الأولى قبل ظهور الإنسان أو مع بدء ظهوره على الأرض؛ ولذلك فهي تحفل، ككثير غيرها من قصائد الشاعر، بالصورة القديمة والكلمات المنقرضة. وفي هذين البيتَين إشارة إلى أسطورةٍ يونانية تقول إن الشاعر «أريون» كان يركب مع بعض الملاحين الذين صمموا على إلقائه في البحر ليستولوا على ثروته. واستأذنهم في الغناء لآخر مرة فأذنوا له. وجذبت أغنيته مجموعةً من الدلافين التي أقبلت على صوته وسبحت بجانب السفينة، حتى إذا انتهى من الغناء وألقى بنفسه في الماء حمله أحدهم إلى الشاطئ في سلام. والقصيدة، على الرغم من جوها الرومانسي، لا تخلو من نزعةٍ واقعيةٍ مقنعة حين تصور حملة الإنسان بمدنيته وحضارته على الطبيعة القديمة الخالدة، وتؤكد التعارض بين العالَمَين.
٢  يمكن أن تُفهَم أيضًا بمعنى ودَّع العالم ومات.
٣  ترك الشاعر القصيدة بلا عنوان. ويلاحظ القارئ أن هذا العنوان المؤقت ليس إلا البيت الأول من القصيدة.
٤  صور الحياة أو رموز الحياة، والقصيدة نفسها تسأل إن كان من الممكن النظر إلى الأشياء التي نراها في الحياة على أنها رموز.
٥  حرفيًّا: التي أطلقتِ عليها الرصاص.
٦  الكلمة الأصلية Wesen تعني الموجود أو الشيء أو الماهية أو «المخلوق».
٧  إشارة إلى الشخصية الغريبة التي قد تكون غجرية أو ساحرة يخشاها أهالي القرية ويُفتتَنون بها وقد تكون كذلك رمزًا لشخصية الشاعر نفسه الذي يفزع الناس منه، ثم يُخلِّدون بعد ذلك ذكراه!
٨  حرفيًّا: حامضة، في طعم النبيذ الحاد.
٩  نباتات من فصيلة الشقيقات.
١٠  الكلمة الأصلية هي Hornungschein وقد استخدم الشاعر فيها الاسم الشعبي القديم لشهر فبراير، كما ورد في اللغات الجرمانية القديمة، ولعله أراد بذلك أن يضاعف الإحساس بجو السحر والشعوذة المحيط بهذه المرأة الغريبة.
١١  نشر الشاعر هذه القصيدة بغير عنوان ضمن مجموعة قصائده «المملكة الجديدة، ١٩٢٩م». ولا شك اليوم أن موضوعها يدور حول ذلك الصبي الجميل الرائع، ماكسميليان كرونبرجر، الذي كان الشاعر وتلاميذه يسمونه ماكسمين، والذي أحبه «جئورجه» إلى حد العبادة. وقد كان الشاعر — الذي عُرِف بالشذوذ الجنسي — يرى فيه النموذج المجسد للجمال الإغريقي القديم الذي يرتفع إلى مستوى المثال المطلق الأسمى لجمال الروح والجسد ويتمثل في جسد شابٍّ جميل. كذلك كان هذا الصبي الذي مات في ريعان شبابه وكتب الشاعر هذه المقطوعة بعد وفاته بحوالي عشرين سنة، بمثابة تجسيد لفضائل النبل والأرستقراطية الألمانية التي طالما تغنَّى بها الشاعر، وأراد النازيون استغلالها وأوشكوا أن يجعلوه شاعرهم لولا أن أسعده الحظ فمات قبل استيلائهم على السلطة بقليل! ويلاحظ أن القصيدة تتغنى بموضوعاتٍ مستمَدة من الطبيعة (كالصباح، واللهب، والنبع، والأغصان) ولكنها تكشف كذلك عن حب الشاعر للتماثيل والجواهر والعطور متأثرًا في ذلك بالرمزيين والبارناسيين.
١٢  أي عن قصة حياته ومصيره.
١٣  حرفيًّا: الجميل، والمفزع.
١٤  ليشاركنا في وحدتنا.
١٥  إشارة إلى ما يكرره رلكه دائمًا من أننا نفسر العالم ونسعى للسيطرة عليه فنفقد القرب الحقيقي منه؛ فنحن مضطرون لتفسير العالم لكي نستطيع أن نفهمه، بينما تفهمه الحيوانات بغريزتها الفطرية وإحساسها المطلق البريء.
١٦  أي الليل.
١٧  أي فراغ العناق الخدَّاع.
١٨  أي في السنوات الخوالي.
١٩  أي واجبًا أو مهمة ألقيت عليك.
٢٠  حرفيًّا: لا تفتأ آتيةً ذاهبة لديك.
٢١  أي غنِّ بمدح العشاق المشهورين.
٢٢  أي من أولئك الذين وجدوا من يبادلهم الحب.
٢٣  سقوطه وانهياره.
٢٤  أي كأنها لم تعد تستطيع أن تهب العشاق وجودًا ثانيًا، أو تمنحهم الخلود الذي منحته البطل.
٢٥  هي إحدى النساء النادرات اللاتي يسميهن رلكه «بالأحباب»، واللاتي أحببن وتعذبن بالفراق وتركن وراءهن أثرًا باقيًا يدل على فاجعتهن، من هؤلاء «لويزة لابي»، (١٥٥٥م) في أغانيها. والراهبة البرتغالية ماريانة الكوفورادو (ولدت في ١٦٤٠م) في رسائلها المشهورة (وقد ترجمهما رلكه إلى الألمانية)، والإيطالية جاسبارا ستامبا التي ماتت في سنة ١٥٥٤م شابةً كسيرة القلب.
٢٦  أي نداء الرب.
٢٧  حرفيًّا: المستحيلون.
٢٨  أي استغرقتهم الصلاة فلم يلتفتوا إلى المعجزة، فكان هذا الاستغراق نفسه دليلًا على حسن إنصاتهم. والكلمات التي تحتها خط موجودة كذلك في النص الأصلي.
٢٩  أي الرسالة التي تأتيك دائمًا من الصمت والسكون.
٣٠  أي أولئك العشاق الذين ماتوا في سن الشباب.
٣١  حرفيًّا: كان موغلًا في القدم.
٣٢  ح: التفكر فيها أدى إلى التيه والضلال.
٣٣  ح: توضع في المسافات البعيدة.
٣٤  أو اﻟ Nocturnes وهي معزوفات البيانو المشهورة الشوبان.
٣٥  أي أن يكون التطور بالنسبة إليه شيئًا لا يألفه ولا يستطيع أن يفهمه.
٣٦  هي أوفيليا، رمز البراءة الطاهرة المسكينة، جنى عليها هاملت، جنت عليها الأرض، جنى عليها العصر؛ في مسرحية شيكسبير المعروفة.
٣٧  راجع، إن شئت، مزيدًا من هذه الأشعار في كتابي «قصائد من برخت»، دار الكاتب العربي، القاهرة، ١٩٦٧، مع دراسة من حياة الشاعر وخصائص شعره.
٣٨  إشارة إلى الراديو والتليفزيون على الترتيب.
٣٩  حرفيًّا: في الفحص أو المعاينة الأولى.
٤٠  مقاطعةٌ ألمانية على بحر الشمال.
٤١  منطقة في شرق فرنسا، تشتهر بزراعة الكروم.
٤٢  الكلمة الأصلية هي الفنج Pfennig وهي عملة ألمانية تقابل عندنا المليم.
٤٣  المراد نوع من النقوش كانت تزين به السفن القديمة.
٤٤  Der Diw.
٤٥  الكلمة الأصلية هي «فوجه Fuge» وهي من الاصطلاحات المعروفة في الموسيقى وتدل على شكلٍ موسيقيٍّ محكم البناء.
٤٦  أي عندما يتوقف تبادل إطلاق النيران.
٤٧  أي الهروب من الخدمة العسكرية.
٤٨  قلب مقصود للتعبير المعروف «الاستبسال في وجه العدو».
٤٩  جمع محرقة، وهي كومة من الأخشاب كانت تشعل فيها النيران ويحرق فوقها السحرة والكفرة وشهداء الدين أو رواد العلم والفكر في العصور الوسطى وأوائل عصر النهضة.
٥٠  الكلمة الأصلية هي «الأودة» وهي كلمة يونانية بمعنى الأغنية أو بالأحرى النشيد الذي يتميز بالفخامة والجلال والنبرة العالية، ويكون في العادة مصحوبًا بالموسيقى والغناء وهي تختلف عن قصيدة الشعر الغنائي المألوفة في أنها تخاطب دائمًا طرفًا آخر، قد يكون الحبيب أو البطل أو الوطن أو إحدى الفضائل، كما تتناول الموضوعات الجليلة وتتصف بالهدوء والاتزان والتفخيم، يقال إن صورتها الأولى موجودة في مزامير داود، وإنها بدأت عند الشعراء الغنائيين الأول في بلاد الإغريق مثل الكابوس وسافورا لكمان، وبلغت ذروتها الأولى كذلك عند بندار في قصائده الأوليمبية، ثم عند هوراس — أما في العصور الحديثة فأشهر من عالجها كلوبشتوك وهو لدرلين.
٥١  إشارة إلى إحدى قصائد الشاعر الكاتب الألماني جنتر آيش وردت في مسرحيته الإذاعية المشهورة «أحلام»: كونوا يقظين، أنشدوا الأغاني، التي لا ينتظرها من أفواهكم أحد، كونوا رملًا، لا زيتا في زحام العالم.
٥٢  إشارة إلى ادعاء النازيين بأن المحتجين والغاضبين وقائلي «لا» هم أعداء الشعب.
٥٣  القريب هنا بمعنى الأليف والمألوف والمقرب للنفس.
٥٤  كل الكلمات التي يستخدمها المؤلف للدلالة على القول واللغة والكلام مشتقة من أصلٍ واحد يصعب نقله إلى العربية.
٥٥  بمعنى عدم المصانعة أو الممالأة، والمقصود أنه يكاشفها بالحقيقة مهما تكن مؤلمة.
٥٦  المقصود بالنور الفاني هو اللغة.
٥٧  رسام إيطالي، ولد بالبندقية (١٥١٨–١٥٩٤م) رسم مجموعةً كبيرة من اللوحات الدينية والتاريخية التي تتميز بألوانها القوية الخصبة، وتوجد أهم أعماله في قصر «الدوق» وهو قصرٌ مشهور بواجهاته القوطية وروائع الفن المحفوظة فيه، وفي مدرسة سان روكو بالبندقية.
٥٨  إشارة إلى انهيار السيد المسيح ثلاث مرات تحت الصليب.
٥٩  إشارة إلى الجدار الأسود الذي كان يقف المسجونون أمامه لإطلاق الرصاص عليهم في معسكرات الاعتقال النازية.
٦٠  إشارة إلى الجير الذي كان يُلقى على جثث القتلى في القبور الجماعية داخل معسكرات الاعتقال؛ وذلك منعًا لانتشار الأوبئة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١