قصائد من إليوت

(١) توماس ستيرنز إليوت (١٨٨٨–١٩٦٥م)

أغنية حب ج. الفريد بروفروك

(إلى جان فيردينال، ١٨٨٩–١٩١٥م الذي مات في الدردنيل.)١
لو أني اعتقدت أن إجابتي
كانت لشخص سيعود أبدًا إلى الدنيا،
لبقيت هذه الشعلة دون أن تحرك ساكنًا.
ولكن لما لم يكن قد رجع أبدًا من هذا العمق
إنسانٌ حي، إذا صح ما أسمع،
فإني أجيبك دون أن أخشى سوء السمعة.
لتمضِ إذن، أنت وأنا،
عندما ينتشر المساء على صفحة السماء
كمريضٍ مخدر على منضدة؛
لنمضِ خلال شوارع نصف مهجورة،
التراجعات المغمغمة
لليالي القلقة في فنادقَ رخيصة لليلةٍ واحدة،
ومطاعم تقدم المحار وتنتشر على أرضها النشارة:
شوارع تتتابع كأنها جدالٌ ممل
ينطوي على غرضٍ خداع،
وينتهي بك إلى سؤال آخذ بالخناق …
آه، لا تسل «ما هو»؟
دعنا نمضِ ونقم بزيارتنا.
في الحجرة تروح النساء وتغدو
وهي تلغو بالحديث عن ميكائيل أنجلو.
الضباب الأصفر الذي يحك ظهره على زجاج النوافذ،
الدخان الأصفر الذي يحك خطمه على زجاج النوافذ
لعق لسانه في أركان المساء،
تسكع فوق البرك الآسنة في البالوعات،
ترك السناج المتساقط من المداخن يسقط فوق ظهره،٢
انزلق من على سطح البيت،٣ وثب وثبةً مفاجئة،
فلما رأى أنها كانت ليلة من ليالي أكتوبر الناعمة،
التفَّ مرة واحدة حول البيت، ثم راح في النوم.
وسيتسع الوقت بلا مراء
للدخان الأصفر الذي ينزلق على طول الشارع
ويحك ظهره على زجاج النوافذ؛
سيتسع الوقت، سيتسع الوقت
لتعد وجهًا تلقى به الوجوه التي تلقاها؛
سيتسع الوقت لتغتال وتخلق،
ويتسع لكل أعمال وأيام الأيدي
التي ترفع وتخفض سؤالًا على طبقك؛
وقت لك ووقت لي،
ووقتٌ آخر لمائة تردد،
ولمائة نظرة وإعادة نظر،
قبل تناول الخبز المقدد والشاي.
في الحجرة تروح النساء وتغدو
وهي تلغو بالحديث عن ميكائيل أنجلو
وسيكون هناك وقت بلا مراء
كيما أتعجب: «أتواتيني الجرأة؟» و«أتواتيني الجرأة؟»
وقت لأستدير راجعًا وأهبط السلم،
بصلعة وسط شعري؛
سيقولون: «ما أسرع ما يتساقط شعره!»
معطفي الذي أرتديه في الصباح، ياقتي التي ترتفع ثابتة إلى ذقني،
رباط عنقي الأنيق المتواضع، المثبت مع ذلك بدبوس بسيط.
سيقولون: «لكن ما أنحف ذراعَيه وقدمَيه!»
أتواتينى الجرأة
على إزعاج الكون؟
إن لحظةً واحدة لتتسع
لقرارات ومراجعات تبطلها لحظةٌ أخرى.
لأني قد عرفتها جميعًا، عرفتها جميعًا؛
عرفت المساء والصباح والأصيل،٤
قست حياتي بملاعق القهوة؛
أعرف الأصوات التي تسقط ميتة
تحت الموسيقى الآتية من غرفةٍ نائية.
فكيف إذن تواتيني الجرأة؟
ولقد عرفت العيون، عرفتها جميعًا؛
العيون التي تثبتك في صيغةٍ جاهزة،٥
وعندما تتم صياغتي وأتمدد على مسمار،
عندما أسمر وأتلوى على الحائط،
فكيف أبدأ
في بصق كل نفايات أيامي وعاداتي؟٦
وكيف تواتيني الجرأة؟
ولقد عرفت الأذرع، عرفتها جميعًا؛
الأذرع التي تحيط بها الأساور وتبدو بيضاء وعارية،
(لكنها في ضوء المصباح تبدو مكسوة بالزغب البني الفاتح!)
أهو العطر الذي يفوح من رداء
ما يجعلني أستطرد في هذا الهراء؟٧
الأذرع التي ترقد على مائدة أو تلتف في شال.
وهل تواتيني الجرأة حينذاك؟
وكيف يتسنى لي أن أبدأ؟

•••

أأقول إني رحت عند الغسق أجوس في الشوارع الضيقة،
وأراقب الدخان المتصاعد من غلايين رجال وحيدين
يطلون من النوافذ وقد شمروا أكمام قمصانهم؟ …
كان الأولى بي أن أخلق زوجًا من المخالب المهترئة
يهرول في قاع البحار الصامتة.٨

•••

والأصيل، المساء، ينام في سلام!
وقد كسته الأصابع الطويلة نعومة،
مستسلم هو للنوم، متعب، أو متمارض،
ممدَّد على الأرض هنا بجوارك وجواري.
أتكون لديَّ القدرة، بعد الشاي والكعك والمثلجات،
على أن أدفع اللحظة إلى قمتها؟
لكن مع أني بكيت وصمتُّ، بكيت وصليت،
كع أني رأيت رأسي «التي دب إليها الصلع الخفيف»
وقد جيء بها على طبق؛
فلستُ نبيًّا، وما هذا بأمر ذي بال؛
لقد رأيت لحظة عظمتي وهي تومض وتخبو،
ورأيت الخادم الأبدي يحمل معطفي، ويكتم ضحكته،
وباختصار، كنت خائفًا.
وهل كان الأمر يستحق، بعد كل شيء،
بعد الأكواب، والمربى، والشاي،
وسط أطباق الصيني وحديثٍ متبادل بينك وبيني؛
هل كان الأمر عندئذٍ يستحق
أن أقطع الموضوع كله بابتسامة،
وأضغط الكون في كرة
وأدحرجها نحو سؤالٍ رهيب،
وأقول: «أنا لعازر القادم من عند الأموات،
عدت لأخبركم بكل شيء، وسوف أخبركم بكل شيء.»
لو أن واحدة قالت وهي تسوي مخدة تحت رأسها:
«ليس هذا ما كنت أقصده على الإطلاق.»
«لا لم أقصد هذا على الإطلاق.»
وهل كان الأمر يستحق، بعد هذا كله،
هل كان عندئذٍ يستحق،
بعد غروب الشمس٩ وأفنية الدور والشوارع المرشوشة،
بعد الروايات، بعد أكواب الشاي، بعد التنورات١٠
التي تجرجر أذيالها على الأرض،
وبعد هذا، وما هو أكثر منه؟
مستحيل أن أقول بالضبط ما أريد!
لكن كأنما ألقي مصباحٌ سحري بالأعصاب في هيئة نماذج على الشاشة:
أكان الأمر يستحق عند ذاك
لو أن واحدة قالت، وهي تسوي مخدة أو تطرح شالًا
وتستدير نحو النافذة:
«ليس هذا على الإطلاق،
أنا لم أقصد هذا على الإطلاق.»
لا! لست الأمير هاملت، ولا أريد لي أن أكونه؛
إنما أنا تابعٌ أمين،١١ شخص قد يصلح
ليزين موكبًا، يفتتح مشهدًا أو مشهدين،
يسدي النصح للأمير؛ وأنا بلا ريب أداةٌ طيعة،
أظهر الاحترام، ويسعدني أن أكون نافعًا،
سياسي، حذر، وكثير الوسواس،
موفور الحكمة والفصاحة، وإن كانت تشوبني بلادة الإحساس؛
إني لأكون هزأة في بعض الأحيان،
بل إنني في معظم الأحوال أشبه مضحك البلاط.
إني أهرم وأشيخ، إني أهرم وأشيخ،
وسيأتي يوم أقلب فيه سراويلي.
هل أرسل شعري إلى الوراء؟ أتواتيني الجرأة أن آكل خوخة؟
سوف أرتدي سروالًا من الفانلة البيضاء، وأتمشى على الشاطئ،
لقد سمعت عرائس البحر يتناشدن بالغناء.
ما أحسبهن يغنين لي.
لقد رأيتهن مبحرات على متن الأمواج
يمشطن شعر الأمواج الأبيض المتطاير للوراء
عندما تلفح الريح الماء فيكسوه البياض والسواد.
أنا نحن تريثنا في غرفات البحر
عند بنات البحر المضفرات بالأعشاب البنية والحمراء
حتى توقظنا أصوات البشر فنغرق.
١٩١٧م

سويني بين البلابل

«ويلي، أصابني القدر في الصميم.»١٢
أبينيك سويني يمدد ركبتَيه،
تاركًا ذراعَيه تتدليان ليضحك،
ينفح خطوط الفنان على فكَّيه١٣
فتصبح زرافةً منقطة
دوائر القمر العاصف
تنزلق غربًا تجاه نهر «بلاتا»١٤
الموت والغراب يُحلِّقان فوقها
وسويني يحرس البوابة ذات القرون.
الجوزاء المظلمة والكلب الأكبر محجبان،
والبحار المنكمشة ساكنة،
الإنسانة١٥ «التي تعيش» في الكاب الإسباني.
تحاول أن تجلس على ركبتَي سويني.
فتنزلق وتجذب (معها) المفرش،
وتقلب فنجان القهوة،
وعندما تعتدل على الأرض
تتثاءب وتشد الجورب؛
الرجل الصامت في لون البن
يتسلق حافة النافذة ويبحلق؛
الخادم يحضر البرتقال،
الموز والتين والعنب المستنبت،١٦
الحيوان الفقري الصامت في لون بنِّي
يتقلَّص، يتأهب، يتراجع؛
راخيل ابنة رابينوفيتش١٧
تسحب العنب بمخالبَ ضارية.
هي والسيدة في الكاب
مشبوهتان، من عصابةٍ مريبة؛
ولذلك فالرجل ذو الجفون الثقيلة
يزهد في اللعبة ويتظاهر بالإعياء،
يغادر الحجرة ويظهر من جديد
وهو يميل برأسه من النافذة،
غصون الوستارية.١٨
تحيط ابتسامةً ذهبيةً شامتة،
المضيف وشخصٌ مجهول
يتحدثان وحدهما عند الباب،
البلابل تغني بالقرب
من دير القلب المقدس،
(وقديمًا) غنَّت في الغابة الدموية
لما صاح أجاممنون صيحةً عالية،
وتساقطت بقاياها السائلة
لتلطخ الكفن المتصلب المهان.
١٩٢٠م

شيخوخة

«ليس لك شباب ولا عمر، بل لعله نعاس العصر الذي يحلم بهما.»١٩
ها أنا ذا، رجل عجوز في شهر محدب،
يقرأ عليَّ غلام ينتظر المطر.
لا وقفت عند البوابات الحارة٢٠
ولا حاربت تحت المطر الدافئ،
ولا غصت حتى ركبتي في المستنقع المالح،
بينا أهز نصلي في القتال
ويلسعني الذباب.
بيتي بيت منهار،
واليهودي، صاحب الملك، قابع على حافة النافذة،
أفرخ في إحدى حانات أنتفيرب،٢١
تقرح جلده في بروكسل، رقع وقشر في لندن.
العنزة تسعل بالليل هناك بعيدًا في الحقل،
صخر، طحلب، سيدوم.٢٢ حديد، أقذار٢٣
المرأة تعنى بالمطبخ، تصنع الشاي،
تعطس مساء عندما تسلك البالوعة.
أنا رجلٌ عجوز،
رأسٌ غبية وسط فضاء تذروه الرياح.
العلامات تؤخذ مأخذ المعجزات: «نريد أن نرى علامة!»
الكلمة داخل كلمة، عاجزة عن نطق كلمة،
ملفوفة في الظلام. في ريعان شباب العام،٢٤
جاء المسيح النمر
في النوار المعيب.٢٥ أشجار الفرانيا والكستناء، وشجرة يهوذا المزهرة
كيما يؤكل، يقسم، يشرب.
بين الهمسات؛ بيدَين محبتَين من السيد سيلفيرو،
(الذي يعيش) في ليموج،٢٦
والذي ظل يذهب ويجيء طوال الليل في الحجرة المجاورة،
من هاكاجاوا، الذي انحني وسط التيتيانيين،
من مدام دي تورنكويست، التي تنقل الشموع
في الغرفة المظلمة الآنسة فون كولب
التي استدارت في القاعة، بينما كانت يدها لا تزال على الباب،
الوشائع٢٧ الفارغة تغزل الريح. أنا لا أملك أشباحًا،
رجلٌ عجوز في بيت يلفحه الهواء
تحت هضبة تضربها الرياح.
بعد معرفة كهذه، أي غفران؟
فكر في هذا الآن، للتاريخ مسالكُ ماكرة، دهاليز
ومنافذ بارعة الحيلة، يخدع بوسوسة الطموح،
يقودنا للغرور: فكر في هذا الآن،
إنه يعطي عندما نكون مشتتي البال،
ويقرن عطاياه بأساليبَ ناعمة من التشويش،
حتى إن العطاء ليميت التلهف جوعًا. يعطي بعد الأوان،
ما لا نؤمن به أو إن كنا لا نزال به مؤمنين،
فما ذلك إلا في الذاكرة وحدها، كعاطفة نستعيدها فيما بعدُ.
يعطي قبل الأوان لأيدٍ ضعيفة ما نحسب أننا في غنًى عنه،
حتى يولد الرفض خوفًا. فكر (في هذا).
لا الخوف ينجينا ولا الشجاعة. بطولتنا
تنجب الرذائل الشاذة. الفضائل
تفرضها علينا جرائمنا الوقحة.
هذه الدموع تتساقط من الشجرة التي تحمل ثمار الغضب.
النمر يقفز في العام الجديد. يلتهمنا.
وأخيرًا فكر في هذا، لم نتوصل بعدُ لأي نتيجة
ما دامت عظامي متصلبة في بيت مؤجر. وأخيرًا فكر في هذا،
أنا ما أقمت هذا العرض بلا هدف
ولا كان السبب فيه
هو إقلاق شياطين الماضي.
ولا حاولت أن أخدعك٢٨
أنا الذي كنت قريبًا من قلبك قد أبعدت عنه
كي أفقد الجمال في الرعب، والرعب في التفتيش.٢٩
لقد أضعت عاطفتي: وما حاجتي للحفاظ عليها
ومصير كل شيء نحتفظ به هو التزييف المحتوم؟
لقد أضعت بصري وشمي وسمعي وذوقي ولمسي:
فكيف السبيل إلى استخدامها لأزداد قربًا منك؟
إن هذه الحواس لتتعلل بآلاف الاعتبارات الصغيرة
كيما تؤجل الحصيلة الناتجة من رعشة حمياها،
وتستثير الأغشية بالتوابل الحريفة
بعد أن يبرد الإحساس، وتكثر من الألوان المتنوعة
في متاهة المرايا. ماذا سيفعل العنكبوت؟
هل يوقف نشاطه؟ هل تعلق السوسة أنفاسها؟
دي بيلهاش، فريسكا، ومسز كاميل،
المندفعين بعيدًا عن دائرة الدب المرعب
في ذراتٍ متكسرة. نورس يقاوم الريح، في مضايق «بيل إيل»٣٠
التي تعصف فيها الرياح، أو ينطلق فوق «الكاب هورن»،٣١
ريش أبيض في الثلج، يطالب به الخليج الكبير،
ورجلٌ عجوز تدفعه الرياح التجارية٣٢
إلى ركن وسنان.
مؤجرو البيت،
أفكار دماغٍ مجدب في فصل جدب.
١٩٢٠م

الأرض الخراب (مقتطفات)

رأيت بعيني العرافة سيبيلا في مدينة كوماي٣٣ معلقة في قفص، ولما سألها الصبية: سبيلًا، ماذا تريدين؟ أجابتهم قائلة: أريد أن أموت.٣٤

(عن الكاتب الروماني بترونيوس على لسان بطل روايته «ساتريكون» الذي راح في نشوة السكر يفاخر أصحابه بأغرب أعجوبة رآها في حياته …)

(١) دفن الموتى

أبريل أقسى الشهور، ينبت
الليالك من الأرض الميتة، يمزج
التذكر بالرغبة، يحيي
الجذور المعتمة بأمطار الربيع.
الشتاء أدفأنا، كسا
الأرض بثلوج النسيان، غذَّى
حياة قليلة الشأن بدرنات يابسة.
الصيف باغتنا، حط على بحيرة شتار نبرجر
بوابل من المطر؛ توقفنا في بهو الأعمدة
ثم واصلنا السير في ضوء الشمس إلى حديقة الفناء،
وشربنا القهوة وتجاذبنا أطراف الحديث ساعة من الزمان.
- لست روسية على الإطلاق، إنني من لتوانيا، ألمانية أصيلة٣٥
وعندما كنا أطفالًا، نقيم في بيت الدوق الكبير،
– وهو ابن عمي — أخذني معه للتزحلق على الجليد
وشعرت بالخوف، قال: ماري، ماري،
أمسكي بإحكام. ثم انزلقنا.
هناك في الجبال تحسُّ بنفسك حرًّا.
أنا أقضي شطرًا من الليل في القراءة، وأذهب في الشتاء إلى الجنوب.

(٢) موعظة النار

انهارت خيمة النهر: أصابع أوراق الشجر الأخيرة
تتقلص ثم تسقط على الضفة الرطبة.
الريح تجوس خلال الأرض البنية بلا صوت. الحوريات هربن.
«يا نهر التيمز العذب تهادى حتى أنهي أغنيتي.»
ما عاد النهر يحمل الزجاجات الفارغة، ولا أوراق السندوتشات،٣٦
ولا المناديل الحريرية، ولا علب الورق المقوَّى، ولا أعقاب السجائر،
ولا أرى شاهدًا آخر على ليالي الصيف. الحوريات هربن.
وأصدقاؤهن الورثة المتسكعون لمديري البنوك؛٣٧
هربوا، لم يتركوا عناوينهم.
جلست بالقرب من مياه بحيرة ليمان٣٨ ورحت أبكي …

(٣) الموت بالماء

فليباس الفينيقي، الذي مات من أسبوعين،
نسي صيحة النورس واصطخاب الموج العميق،
والربح والخسارة.
تيار يجري في قاع البحر،
أخذ يعرق عظامه وهو يهمس. لما ارتفع وسقط
اجتاز أطوار عمره وشبابه
وهو يغوص في الدوامة،
أنت يا من تدير العجلة وتنظر في اتجاه الريح،
وثنيًّا كنت أم يهوديًّا
تذكر فليباس الذي كان يومًا في مثل جمالك وطولك.
١٩٢٢م

الرجال الجوف

١

نحن الرجال الجوف،
عظامنا هشة،
يسند بعضنا بعضًا
برءوس محشوة بالقش. يا للضياع!
أصواتنا الأجشة حين نتهامس معًا
خافتة، وبلا معنى
كالريح بين الأعشاب الجافة،
أو أرجل الفيران فوق الزجاج المتكسر
في قبونا الكئيب.
خطوط بلا صورة ظل بلا لون
طاقة مشلولة، إيماءة بغير حركة؛
يا من عبرتمونا، بعيونٍ نافذة
إلى مملكة الموت الأخرى
اذكرونا، إن فعلتم،
لا كذكركم الأرواح العارمة الضالة
ولكن اذكرونا كرجال جوف
ذوي عظامٍ هشة.

٢

عيون لا أجسر على لقائها في الأحلام
في مملكة الموت الحالم
إنها لا تبدو:
هنالك هذه العيون
ضوء الشمس فوق عمودٍ محطوم،
شجرة تتمايل
والأصوات
في أغاني الرياح
أبعد وأهدأ
من نجم خاب.
لا تزدد بي قربًا
من مملكة الموت الحالم،
ودعني أرتدي هذه الأقنعة الرزينة؛
جلد فأرة،
إهاب غراب،
عصيًّا معقوفة.
لا تزدد بي قربًا …
يا بعدًا لذلك اللقاء الأخير
في مملكة الكآبة!

٣

هذه هي الأرض الميتة،
هذه من أرض الصبار،
هنا ترتفع الصور المنحوتة في الحجر،
وهنا تتلقى ضراعة يد رجلٍ ميت
في ظل اختلاجة نجم خاب.
أشبيه بهذا ما يحدث
في مملكة الموت الأخرى، نستيقظ وحدنا
حينما
ننتفض بالرقة،
الشفاه التي في مقدورها أن تمنح القبل
تنسج الصلوات للحجر المحطَّم.

٤

العيون ليست هنا. لا عيون هنا.
في هذا الوادي؛ وادي النجوم المحتضرة،
في هذا الوادي الأجوف،
هذا الفك المكسور من ممالكنا الضائعة.
في هذا المكان.
حيث اللقاء الأخير
ونحن محشودون على هذه الضفة من النهر الطافح،
نتحسس معًا الطريق، ونتحاشى الحديث.
لا نبصر
ما لم تبزغ العيون من جديد.
كالنجمة السرمدية، والزهرة المورقة
في مملكة الموت القاتم،
الأمل الوحيد
للرجال الجوف.
ها نحن ندور حول شجرة الصبار؛
شجرة الصبار، شجرة الصبار،
نحن ندور حول شجرة الصبار
في الساعة الخامسة صباحًا
بين الفكرة والواقع
بين الحركة والفعل،
يسقط الظل: الملك لك،
بين التصور والخلق
بين الانفعال والاستجابة
يسقط الظل: الحياة الطويلة جدًّا
بين الرغبة والنفضة.
بين الإمكان والتحقق،
بين الماهية والوجود الحي
يسقط الظل: الملك لك،
إنك الوجود،
الحياة،
الكل بك.
هكذا ينتهي العالم،
هكذا ينتهي العالم،
هكذا ينتهي العالم
نهايةً هادئة، لا ضجيج فيها.٣٩
١٩٢٥م

مارينا٤٠

«أي مكان هذا، أية منطقة، أي جزء من أجزاء العالم؟!»٤١
أي بحار، أي شواطئ، أي صخور كابية، أية جزر،
أي مياه تلطم مقدم السفينة؟
وشذا الصنوبر وطائر الدج يغني في الغابة وسط الضباب،
أية صور ترجع وتعود؟
آه يا ابنتي!
أولئك الذين يحدون ناب الكلب، قاصدين
الموت،
أولئك الذين يتألقون ببهاء الطائر الطنان، قاصدين
الموت،
أولئك الذين يجلسون في حظيرة الرضا، قاصدين الموت،
أولئك الذين يحتملون نشوة الحيوانات، قاصدين
الموت،
قد تجردوا من الجوهر،٤٢ صغرتهم ريح،
أنفاس صنوبرة، والضباب الذي تتردد فيه أغنية الغابة
وهذه النعمة المذابة٤٣ في المكان.
ما هذا الوجه الأبهت والأوضح في آن
هذا النبض في الذراع، (هذا النبض) الأضعف والأقوى؛
أموهوب هو أم معار؟ أبعد من النجوم وأقرب من العين
همسات وضحكٌ خافت بين أوراق الشجر وخطًى مهرولة
تحت (ستر) النوم، حيث تلتقي كل المياه.
عود شراع شقَّقه الثلج ولون شقَّقته الحرارة.
أنا الذي فعلت هذا، أنا الذي نسيت
وها أنا ذا أتذكر.
الحبال رخوة، والشراع بالٍ
(على مدار السنة) بين يونيو وسبتمبر.
فعلت هذا جاهلًا، في شبه وعيي، مجهولًا، جعلته فعلي.
الألواح ترشح في قاع السفينة، الشقوق في حاجة لمن يسدُّها.
هذا الشكل، هذا الوجه، هذه الحياة،
أعيش لأحيا في عالمٍ زمني وراء عالمي؛
دعني أزهد حياتي لأجل هذه الحياة، وأزهد كلامي لأجل كلام لم يُقلْ،
لأجل الموقظين، ذوي الشفاه المفتوحة، للأمل للسفن الجديدة.
أي بحار، أي شطآن، أية جزر جرانيتية تلاقي أخشاب سفينتي
ونداء الدج في الغابة من خلال الضباب.
بعد ١٩٣٠م

مناظر ريفية

(١) نيوهامبشير

أصوات أطفال في البستان
بين زمن الأزهار وزمن الأثمار:
رأسٌ ذهبية، رأسٌ قرمزية،
بين الذؤابة الخضراء والجذر.
أيها الجناح الأسود، أيها الجناح البني، رفرفا من أعلى؛
عشرون عامًا ثم ينقضي الربيع؛
اليوم همٌّ وغدًا همٌّ،
دثرني أيها النور بين أوراق الشجر؛
أيتها الرأس الذهبية، أيها الجناح الأسود،
تماسكا ورفرفا،
تواثبا وغنِّيا،
رفرفا في شجرة التفاح.
١٩٣٤م

الرباعيات الأربع «بيرنت نورتون» (مقتطفات)

في الزمن وحده تتحرك الكلمات، تتحرك الموسيقى؛
لكن الشيء الذي لا يقدر إلا على الحياة،
لا يبقى له غير الموت. الكلمة، بعد الكلام،
تبلغ الصمت. بالشكل وحده، بالنظام،
تستطيع الكلمات أو الموسيقى
أن تصل إلى السكون، مثل زهرية صينية
ساكنة في مكانها ومع ذلك تتحرك حركةً أبدية.
ليس صمت الكمان، بينما النغم لا يزال يرفُّ،
ليس هذا فحسب، بل هو الوجود في نفس الوقت،٤٤
أو أن النهاية تسبق البداية،
لأن النهاية والبداية كانتا على الدوام هناك
قبل البداية وبعد النهاية.
وكل شيء يكون دائمًا الآن. الكلمات تعذب،
وتنوء بالعبء فتنشق وأحيانًا تتحطم،
وتشدُّ أوتارها فتزلُّ وتنزلق وتموت،
وعندما يفسدها عدم الدقة، لا تبقى في موضعها
ولا تقبل أن تظل ساكنة. الأصوات الزاعقة،
المؤنبة، المستهزئة أو المقصورة على الثرثرة
تهاجمها على الدوام. الكلمة في الصحراء
تتعرض أكثر ما تتعرض لهجمات تشنها أصوات الغواية،
والظل الذي ينوح في رقصة الجنازة،
وشكوى الخرافة٤٥ اليائسة بصوت عالٍ.
١٩٤٤م
١  دانتي، الكوميديا الإلهية، الجحيم، النشيد السابع والعشرون، ترجمة المرحوم الدكتور حسن عثمان، الأبيات ٦١–٦٦. وقد جاءت على لسان المعذب جويدو دامونتفلترو الذي عاش حياة الثعالب في الحيلة والخداع وأراد التوبة فأصبح من الرهبان الكرديليين. ولكن البابا بونيفاتشيو الثامن — عدو دانتي اللدود! — أعاده إلى سابق آثامه إذ سأله فيما يفعل لكي يهدم قلعة بينسترينو، فأشار عليه أن يبذل الوعود العريضة مع الوفاء بالقليل منها وبذلك استحق العذاب.
٢  استخدم الأصل كلمةً واحدة للتعبير عن السقوط؛ ولذلك لم أجد داعيًا لتغييرها.
٣  الكلمة الأصلية terrace قد تفيد سطح البيت أو المصطبة أو الدَّرَج العالي (السلاملك).
٤  في الأصل بصيغة الجمع، ولكن المفرد يدل أيضًا على نفس المعنى.
٥  أي في عبارة أو شعارٍ شكلي تمت صياغته من قبلُ.
٦  هكذا في ترجمة الأستاذ ماهر شفيق فريد، على أن يفهم من النفايات الأعقاب والنهايات.
٧  «في هذا الهراء» زيادة مني أحسب أنها توافق المعنى كما توافق الأصل المقفَّى.
٨  حرفيًّا: عبر أراضي البحار الصامتة.
٩  في الأصل بصيغة الجمع.
١٠  أو الجونلات.
١١  الكلمة الأصلية تُفيد معنى اللورد التابع أي واحد من حاشية الملك أو الأمر وتابعيه.
١٢  في الأصل باليونانية.
١٣  الفنان في اللغة هو الحمار الوحشي، والمقصود هو الخطوط أو السيور التي تشبه مثيلاتها على جلد الحمار الوحشي.
١٤  ريو دي لابلاتا، في أمريكا الوسطى، وهو يتألف من نهري بارانا وأورجواي اللذين يفصلان الأرجنتين عن أورجواي، وقد بُنيت مدينتا بونيس أيرس وبونتفيدو على شاطئَيها.
١٥  حرفيًّا: الشخص.
١٦  أي المستنبت في بيوتٍ زجاجية ذات درجة حرارة معينة.
١٧  أي أنها ولدت على اسم الأب رابينوفيتش، والمعروف أن المرأة الأوروبية تحمل بعد الزواج اسم قرينها فلا يذكر اسم الأب، إلا في إعلان الوفاة!
١٨  الوستارية أو الجلوة نبات معترش ذو زهرٍ عنقودي أبيض أو أزرق أو أرجواني (المورد).
١٩  هذه الأبيات مأخوذة عن مسرحية شكسبير «دقة بدقة»، الفصل الثالث، المشهد الأول، ويقولها الدوق المتنكر في هيئة قسيس للمحكوم عليه بالإعدام.
٢٠  أو الثير موبيلين وهو مضيق يقع بين وسط بلاد اليونان وشمالها، وفيه حاول ليونيداس أن يُوقف زحف جيش الفرس بقيادة قورش فمات مع ثلاثمائة من جنود إسبرطة ميتة الأبطال (٤٨٠ق.م.).
٢١  أنتفيرب أو أنفير ميناء معروف في نفس المقاطعة بشمال بلجيكا.
٢٢  السدوم نوع من الأعشاب سميك الأوراق ذو زهرٍ أصفر أو أبيض.
٢٣  حرفيًّا: براز.
٢٤  حرفيًّا: في تجدد شباب السنة أو في صباها وحداثتها.
٢٥  الكلمة الأصلية هي مايو، وقد يكون المقصود بها هو الشهر المعروف الذي يحتفل فيه بعيد الربيع أو الثوار، أو نوع من الزعرور البري الذي يستخدم في نفس الغرض.
٢٦  ليموج هي أكبر المدن الواقعة على نهر الفيين على مسافة ٣٧٥ كيلومترًا إلى الجنوب من باريس.
٢٧  جمع وشيعة أو «مكوك».
٢٨  حرفيًّا: في إمكاني أن أعاهدك على هذا بأمانة.
٢٩  أو التحقيق، ومنها محاكم التفتيش المشهورة.
٣٠  أو الجزيرة الجميلة، وهي جزيرة في المحيط الأطلنطي يعيش أهلها على الصيد والسباحة.
٣١  في أقصى الجنوب من أرض النار (في شيلي).
٣٢  رياح تهب بانتظام على خط الاستواء.
٣٣  مدينة في المستعمرة الإغريقية القديمة كامبانيا، وجد بالقرب منها كهف أشهر العرافات اللائي اصطُلح على تسميتهن «سيبيلا».
٣٤  السؤال والجواب في الأصل باليونانية.
٣٥  في الأصل الإنجليزي بالألمانية.
٣٦  هكذا في الأصل، وقد فضلت الإبقاء عليها بدلًا من كلمة «الشطائر» المجمعية!
٣٧  حرفيًّا: رؤساء أو مديرو المدينة، وقد وجدت المترجم الألماني وعالم اللغات الرومانية الشهير «كورسيوس» يترجمها بمديري البنوك، ولعلها هي المقصودة.
٣٨  وقد تسمى أيضًا بحيرة جنيف، فهي بحيرة أوروبية يقع شاطئها الجنوبي في فرنسا والشمالي في سويسرا.
٣٩  نشرت هذه الترجمة في العدد ٧٢٩ من مجلة «الثقافة» الصادر في يوم الاثنين ١٥ من ديسمبر سنة ١٩٥٢، وقد أبقيت عليها ولم أغير منها شيئًا، ذكرى من ذكريات شبابي الأول.
٤٠  مارينا هي ابنة الملك المفقودة في مسرحية «بركليس» لشكسبير، وقد اعتقد أنها ماتت ثم عثر عليها بعد أسفارٍ مضنية في البحر، وهي تأتي كمغنية إلى سفينة الملك، فيبعث صوتها في نفسه حياةً جديدة.
٤١  في الأصل باللاتينية مأخوذة من مسرحية «هرقل الغاضب» للفيلسوف الكاتب الروماني سنيكا، وهي الأبيات التي تردُّ لبطله وعيه بنفسه بعد أن جنَّ وقتل زوجته وأبناءه.
٤٢  حرفيًّا: قد أصبحوا بلا جوهر.
٤٣  أو المبددة المبثوثة المتحلِّلة.
٤٤  Co-existence التزامن أو وجود شيئين أو أكثر في وقتٍ واحد.
٤٥  فضَّلتُ هذه الكلمة ترجمة لكلمة chimera وهي بمدلولها اللغوي الخرافة أو الوهم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١