القصة المملة الثانية عشرة: أجَامِمْنون

لا بأسَ على قلبك.

لا بأس على روحك.

لا بأس عليك.

تماسَك، الدعوات ترافقك، والسلوان من السماء متنزِّل عليك.

نحن معًا، لن يَكسرنا شيء.

(شجن.)

أجَامِمْنُون

في الميثولوجيا الإغريقية هو ابن أتْربوس وإيروبي، وشقيق الملك مينلاوس ملك أسبرطة، وهو الذي قاد الحملة التي ذهبَت إلى طروادة لاستعادة هيلين زوجة الملك مينلاوس التي هربَت إلى طروادة مع بارس. هذه إحدى قصص إلياذة هوميروس، والتي اشتهر فيها الحصان الخشبي المعروف بحصان طروادة.

تَروي الأوديسة كيف قامَت زوجة أجاممنون كلتمنسترا، وعشيقُها إيجسثوس بقتلِ أجاممنون وذلك بعد عودته مُنتصِرًا من حرب طروادَة. قصة مَقتلِه أنها قد قامت بوضع بساطٍ أحمر يَنتهي إلى الحمام عندما يذهب هناك فيُقابله عشيقها ويقتله.

(ويكبيديا)

١

عظيم شأنك يا أنت، في المتراس أو الميدان، دورك لا تَستهِن به، أثره قوي يا ثائر.

(شجن.)

من المُرهِق أن تكون الابن الأوحد لوالدَيك.

تثقل كاهلك مسئولية الآمال العظيمة التي يُعلِّقانها عليك.

أخي لأكبر — حكَت لي والدتي — مات بعد شهر ونيف من ولادته، فُجعَت والدتي وأُغشيَ عليها من المرض، وبكى أبي بعلوِّ صوته في حقل السمسم، حتى جفَلَت الطيور، لم يَنصبُوا صيوانًا أو يُقيموا عزاءً، شاركت النسوة أمي مُصابها الجلل، وواسَينَها بأنَّ أخي طير من طيور الجنة، الحاجة «سكينة» ذكَّرتها بفضيلة الصبر والتجلُّد والرضا بالمقسوم، وأنَّ الله ما أخذ إلا ليُعطي، فجئتُ أنا للدنيا بعد عدة سنوات تعويضًا لهما عن طول صبر واحتساب.

انتشر الخبر حتى القرى البعيدة، ذبَح أبي ثورًا كبيرًا، ذكَر اسم الله عليه ثلاثًا وهو يُوجهه ناحية القبلة، وزَّع لحمه على المُصلِّين وبيوت الحي والزوار من القرى المجاورة. شيخ عبدالله إمام المسجد دعا لي أن أكون إبنًا صالحًا بارًا، وقرأ القرآن على رأسي … وزغردت النساء … سمتني أمي تيمنًا بحلمها بالشيخ البرعي، زارها منامًا في أيام حملها الأخيرة، سقاها لبنًا وأطعَمَها زبيبًا من الحجاز، وأخبَرَها أنها ستُرزَق بابنٍ بار سيكون ذا شأن، اسمه «مازن»، من المزن والسحاب المغتص بالماء.

عاملتْني بحرصٍ عظيم منذ ميلادي.

أكبر كل يومٍ وأطوي المراحل، أرى فرحة أمي في عينَيها وتلاشي قلقِها عبر سنوات تدمل ببطءٍ فجيعتها الأولى، أسمع دعواتها تُلاحقني كل يومٍ عندَ خروجي للمدرسة «حصنتك بالذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء.» ويتكرَّر تبرُّم أبي من حرصها الزائد، يؤكد لها أنها ستُفسد تربيتي، يقسو عليَّ حينًا ويحدثني بخشونة حينًا، ليعلمني أن أكون رجلًا.

في العصر يأخُذُني أبي إلى صالون الحلاقة حيثُ نادي لعب الورق، وفي مَواسم الزراعة والحصاد أمتطي ظهره وهو يحني قامته في أرض الحقل، أو يُعمِل المنجل في حصاد المحصول. في أيام الجمعة عقب الصلاة، يَصطحبُني للسوق ليُعلَّمني المساومة في شراء بضاعة الدكان. فبعد أن أحيل للصالح العام عاد مع أمي للقرية وتفرَّغ للعمل بالدكان جلَّ وقته، يُجلسُني على حِجره كل مساء ليُحدَّثني عن حياته قديمًا كما لو كنتُ ندًّا، أصدقاء المدرسة، زملاء دفعة الشرطة في الخرطوم، ومغامرات الصبا عندما سرق نعجة البلولة، ويوم تسابق مع الجيلي والطاهر في عبور الترعة سباحة، وقصة زواجه من أمي، وشوقه الدائم لزيارة بيت الله الحرام قبل أن يلقى الله.

كنت صغيرًا، لا أفقه ما يقول، أصغي لصوت صراصير الحقل من بعيدٍ في خلفية حديثه، أحمل حلوى المصَّاصة المفضَّلة لديَّ، وأنظر إلى قسمات وجهه المُتعَب وصوته المبحوح، تَنتفِخ أوداجه فخرًا عندما يعرفني بزبائن الدكان.

«ولدي الوحيد، ورثَ ملامحَ أمه.»

«ما شاء الله، ربنا يحفظه!»

أدرك من وهج عينَيه اللامعتَين وقتها، أنه يُعلِّق في كاهِلي آمالًا عريضة.

تَختطفُني أمِّي من بين يديه لتُدثِّرَني في الفراش، تُغنِّي لي كعادتها كل يوم.

ولدي العوض ود السرور
زدتني فرح وحبور
تكبر تكون دكتور
وتبقى لأمك زي ود سرور

«ود سرور» طبيب معروف من عائلتنا، اشتُهر بمهارته في الطب، هاجَرَ من قريتنا إلى أوروبا ودرس الطب، ثم عاد للسودان وافتتح عيادةً خاصَّةً في الخرطوم، ذاع صيته من حينها.

ماتَ أبي في غرة رمضان.

صلوا على الجنازة عصرًا ونصبوا سرادق العزاء لسبعة أيام، اتشحَت أمي بالسواد أربعين يومًا، ولم تَخلعْه من يومها، أجلَسَني خالي على حِجره وقال لي «من اليوم أنت رجل البيت.»

أطوي المراحل بلا كلل ويشتدُّ عودي، تحشرَجَ صوتي، ونبتَت شُعَيراتُ شارِبي لتُؤذِن ببدء رجولتي، وتَطوي صفحة طفولتي وصباي، إلا ما تشبَّثَت به ذاكرتي.

تحقَّقت نبوءة الشيخ البرعي، نجحت في امتحان الشهادة الثانوية وأذاعُوا اسمي في الإذاعة مع أوائل المتفوِّقين في عموم البلاد، بكَت أمي في ثيابها المتشحة بالسواد، خالي هلَّل كثيرًا وكبَّر الله، وذبح ثورًا كبيرًا فرَّق لحمه على الزائرين والمهنِّئين.

زرت قبر أبي ليلًا وأسررت له بخبر نجاحي، تخيَّلتُ قسمات وجهه المتعَبة تستريح أخيرًا، وسمعت صوته المبحوح يهنئني وقد ازداد فخرًا، جلستُ بجوار قبره أُسامرُه عن طموحي في دراسة الطب، وأستعيد معه مغامرات صباه يوم سرقت نَعجة البلولة، وتسابَق مع الجيلي والطاهر في عبور الترعة سباحة، وقصَّة زواجِه من أمي.

قرأت لرُوحه سورة يس، وودَّعته عندما اعتلى القمر السماء وسكنت القرية.

يوم سفري للخرطوم لاستكمال دراستي الجامعية، جلست مع أمي على العنقريب المنسوج بالحصير في حوش المنزل، كان وجهها جامدًا وملامحها صارمة، فمها مشدود بحزمٍ، تنظر لي بهدوء، خشيت أن تبكي.

قالت لي جملة واحدة: «حصَّنتك بالذي لا يضرُّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء.»

بكيت أنا!

ودعت قريتي عبر نافذة الباص المغتصِّ بالخلق، وسلَّمت على بيوتها وحقولها وناسها حتى تلاشت خلف قيزان التراب، تخيَّلت أمي تجلس في العنقريب المنسوج وتتأمَّل خيالي في أفق مُغادَرة الباص، ولَّيتُ وجهي شمالًا مع مسير رحلتي، أنظر إلى بلادٍ جديدة ستحطُّ فيها راحلتي، أَختلِق في ذهني أحداثًا متخيِّلة ثم أَسقُطها بلا جهد وأبني أخرى أكثر إثارة، حتى وجدتني وسط مُستشفى فسيح أرتدي رداء الأطباء، وأُعلِّق السماعة على كتفي وبجواري أمي، تدندن لي أغنيتها، ابتسمتُ راضيًا عن الخاطر الأخير.

رفعتُ بصري ناحية السماء المَشدودة، الشمس لاهِبة تتحرَّك مع مسيرنا بإصرار، تبدو كعين السماء تُرافقني، بوصية أمي ودَعواتها للذي لا يضرُّ مع اسمه شيء، أهبطت بصري على رجل عجوز بجواري، قال لي: «وطنُك حيث كانت أمك، فإنْ غابت الأم تساوَت الأوطان.»

ولم يعقب بعدها ببنتِ شفة.

نبغت في دراسة الطب بالجامعة كنبوغي في المدرسة، طويت السنتَين الأوليَين كطيِّ إطارات الباص الذي قذفني في أحشاء الخرطوم للشوارع الممتدة بسرعة وثبات، عقلي حاد متوثب للمعرفة، ألتهم المقررات والمعلومات الجديدة في شغف.

أحببتُ زميلتي في الدفعة، وتعاهَدنا على الزواج بعد التخرُّج، «هيام» فتاة جميلة دقيقة الحجم، خجولة وحنونة، يمتدُّ نسبُ عائلتها لإحدى القبائل المُجاورة لنا في القرية، زففت البشرى لأمي عبر الهاتف، بكَت فرحًا وأطلقَت بعض الزغاريد، وحلف خالي يَمينًا مُغلَّظًا، ثم طلاقًا جازمًا بتكفُّله بكل تكاليف زواجنا، لم أُعارضه.

طويت العام الثالث بسرعة، تراجع شعري هونًا ما، وتوطدت علاقتي مع محبوبتي «هيام». نُعدُّ العدة ونرتب للزواج. أطوي المراحل بلا كلل، ويَزداد عقلي توثبًا وتحفُّزًا لكل جديد.

أخرج دفاتري أدون فيها آمالًا عظيمة للمستقبل، أن أُصبح طبيبًا وكاتبًا في يوم ما. بيت صغير، وزوجة صالحة محبَّة، وطفل جميل يَحمل اسم جدِّه تكريمًا لذكراه، خيالي مشرع لكل آتٍ، وقلبي وعقلي متوثِّبان لمستقبل عظيم أكاد ألمسه بأناملي، أقف وسط مُستشفًى فسيح أرتدي رداء الأطباء، وأُعلِّق السمَّاعة على كتفي وبجواري أمي وزوجتي، وأبي يَبتسِم في قبره فخرًا، أطوي الدفاتر وأضع القلم.

في مُنتصَف العام الرابع تغيَّر كل شيء بشكلٍ جِذري، عندما بدأت ألسنة الدخان الأسود المميزة لاحتراق إطارات السيارات تتصاعَد في الشوارع، ومعها الهتاف الشهير.

تسقط بس.

٢

يا نبض الثورة، أنتِ طمأنينة النفس، أنتِ النعيم لهذه الدنيا.

صباحكم يُشبه حنية «أبو السيد» وعمق أشعار «حميد»، خيركم بكتر، حبكم واصل.

(شجن.)

انطلَقت الانتفاضة الشاملة.

المتاريس، الإطارات المحترقة في الأحياء والشوارع، بيانات تجمُّع المهنيين المنمقة، كتائب الظل، لجان المقاومة، الكنداكات، الثوار.

كانت الأحداث تتسارع بسرعة رهيبة.

معارك الكر والفر مع القوات الحكومية في الحواري والأزقة، التروس في الشوارع والإطارات المشتعلة، قنابل الغاز المسيلة للدموع التي كانت تَتساقط كالمطر على رءوس الناس، وبدا العالم يُتابع في اهتمام مقاطع الفيديو التي تَنتشِر في الأسافير.

هذه المرة كان الأمر أكثر اختلافًا وتنظيمًا، وكان واضحًا أن هذه الثورة وُجدَت لتستمر.

كان كل شيء يضجُّ بالحماس، في كل يوم تتوسَّع رقعة المظاهَرات ويَتضاعَف أعداد الناس.

تَنطلِق زغرودة بداية الموكب تشقُّ الأرجاء، ويتوتَّر لها رجال الأمن من وراء دُروعهم المحصنة، وفي لمح البصر يَحتشِد الناس، ويَنطلِق الهتاف، يَنبتُون من عمق الأرض فجأة إلى الوجود، كما الأشباح.

تجمعات صغيرة تتسلَّل وتسري عبر الحواري، تَتلاقى المواكب وتَكبر مع كل التحام، ويَزداد الهتاف هديرًا، ونزداد في أنفسنا ثقة وقوة.

السادس من أبريل كان يوم العرس الأكبر، كانت المرة الأولى في حياتي التي أرى فيها هذا الحشد من الناس في مكانٍ واحد، خرج الناس بالمئات، بالآلاف، بالملايين، تدفَّقت السيول على القياد العامة، وتضعضعت أمامها كل القوات التي حاولوا بها منع السيل من التدفق على أسوار القيادة العامة.

لم يتوحَّد السودانيون في تاريخهم كما توحَّدُوا في تلك الأيام، لم يَحتشِد الشعب السوداني في تاريخه كما احتشد في هذه الايام خلف راية واحدة، وهدف واحد.

سقط الديكتاتور أمام إصرار الملايين، كانت الفرحة عظيمة، والآمال تضيق بها الصدور. فتنفسها الأفواه بالهتاف والزغاريد، بكينا من أثر الفرحة وشيَّعْنا شُهداءنا بالدعاء. وهَبنا نصرنا لأرواحهم، التي كنا نشعر بها بيننا، تتخلَّلنا وتشارك معنا في الاحتفالات، لولاهُم ما وصَلنا إلى هذا المكان.

أيقونة الاعتصام الجميلة «شجن» ذات الوجه الملائكي والابتسامة الطفولية الساحرة، تطوف علينا في كلِّ يوم تَحمل لافتاتها التي تفوح بالطمأنينة، تَفيض علينا من ابتسامتها وآمالها العريضة، فنَزداد يَقينًا بأن الغد أجمل من اليوم، وأن كل شيء مُمكن.

في حدود دولة الاعتصام يقف عشرات الشباب، يَرقُصون ويُلوِّحُون في وجهك مع قدومك بالهتاف.

ارفع يدك فوق
التفتيش بالذوق
ارفع يدك فوق
التفتيش بالذوق

يُقابلونك بابتسامة، ويُشيِّعُونك بأخرى وهم يُطلقونك لداخل حدودها، تُقابلك الخيام المتناثرة، وترى الناس يعملون كخلية نحْل، يُقسِّمون المهام بينهم. في أعلى نفق الجامعة تجمَّع العشرات وهم يَطرُقون على صفيح الجسر بإيقاع حماسي رتيب، مجموعات صغيرة متناثرة هنا وهناك، يُمارسون نشاطات متعدِّدة، يعزفون الموسيقى، يقرضون الأشعار، يُرددون الهتافات، يتسامرون فيما بينهم، كان مجتمعًا مصغرًا يمارس حياته بكامل تفاصيلها أمام بوابات القيادة العامة للجيش، تجمَّع السودانيون بكل أطيافهم وقبائلهم ومشاربهم، جاءوا من كل الفيافي والهضاب والنجوع مُستبشرين بفرحة الاستقلال الحقيقي للبلاد، عيد الانعتاق من شرور عصابة آثمة ظلت جاثمة على أنفاسنا ربع قرن من الزمان، جماعة منحرفة الفكر والسلوك، لم يشهد الإنسان السوداني على مرِّ تاريخه الضارب في القدم، شرًّا كشرِّهم، ولا سوءًا كسوئهم، ولا فسادًا كفسادهم، خرجوا من عباءة الشيطان وحملوا وعوده الغرورة، أشاعوا العنصرية والجهوية بين أبناء الوطن الواحد، قتلوا الإنسان، ودمروا الأخلاق، حرفوا الكلم عن مواضعه وشوَّهوا دين الله، عربدوا في البلاد، وعاثوا فيها قتلًا وسحلًا وفسادًا وتجهيلًا.

وعندما ضاق الحال وازداد البؤس من سوء إدارتهم، انتفض الشعب بكل قوته ورماهم في مزابل تاريخه، من الحكمة دومًا أن تترك لضحاياك شيئًا ما يخشون فقدانه، وبعض الخيارات ليُفكِّرُوا فيها، لكن أن تكون ساذجًا وتأخذ كل شيء فستُواجه بالثورة حتمًا …

جاء الناس بالآلاف، بالقطارات والسيارات والأقدام ليحجُّوا إلى أرض الاعتصام من الشمال جاءوا، والجنوب والشرق والغرب، جلبُوا معهم ابتساماتهم، وأهازيج فرحتهم، وحمدهم لله، نصبُوا الخيام وأقاموا الاحتفالات، وشاركت المرأة السودانية بطريقة لم يَعهدها السودان في كل ثوراته الماضية، كنَّ يتقدَّمن المَواكب، ويَصدحن بالهتاف، يَقفن في وجه قنابل الغاز والرصاص، ويتجلَّدن أمام بطش زبانية النظام الساقط، ألهمْن الجميع فتحقَّقت الانتفاضة، ونجحت الثورة كما لم تَنجح من قبل.

أتوسَّد يد «هيام» ونتمشى وسط الجموع، نتشارك فرحتنا وأحلامنا ومستقبلنا معًا، نُساعد كغيرنا من المتطوِّعين من الأطباء الذين جاءوا ليخدموا الإنسان، في الخيام الطبية المنتصبة في أرض الاعتصام.

تكاتف الناس وتطوَّعوا للقيام بكل شيء، جاءت النسوة وتطوَّعن في طبخ الطعام وتوزيعه على الجموع، تَشارك الناس ما لديهم لسدِّ الاحتياجات، وساهم المستطيعون بالمال والغذاء والدواء، أقمنا احتفالاتنا على وقع الموسيقى ودقات طبول النصر، صنعنا الجمال واحتفلنا بالحياة أمام أسوار القيادة، رقصنا وغنَّينا، ضحكنا جذلًا وبكينا فرحًا، وامتدَّت الأيادي المتشابكة تطمئنُ بعضُها بعضًا، رسمنا آمالنا على الأسفلت وعلى الحوائط المُنتصِبة، تشاركنا الحلم الواحد والمصير المشترك، وانطلقَت الألسن تلهج بذات الهتاف.

كانت أيامًا حالمةً في ذاكرة شعبنا الجمعية وذاكرة التاريخ.

ولما ضاقوا بنا ذرعًا ولم يستطيعوا معنا صبرًا، قرَّروا أن يَئدُوا حلمنا في مهده.

عندها تغيَّر كل شيء.

•••

من هم؟

هم الوجوه الجديده للنظام القديم في النظام الجديد، أصحاب المصالح المتشابكة، من فرضوا أنفسهم أوصياء على الثورة، وتطفَّلوا عليها كالفطريات الضارَّة بالقوَّة وحدها ولا شيء سواها، همُ اللطخة السوء السوداء في جبين الثورة الناصع.

في ذلك اليوم المشئوم من الشهر الكريم رمضان، كانت الكهرباء قد انقطعت عن كل ساحة الاعتصام، أقمنا تجمُّعاتنا على ضوء الشموع والهواتف المحمولة، السماء تُغازلنا برذاذ خفيف منعش، تسرَّبت لنا الأخبار أن الأجهزة الأمنية في الخارج تمنَع الناس من الدخول لساحة الاعتصام بالقوة، وتناقل الهمس المتشكِّك أنهم يُخطِّطون لشيء بليل.

تأكَّد الشك عندما بدأنا نسمع أصوات طلقات الرصاص من بعيد ناحية مستششفى العيون، وجسر السكة حديد، عم الارتباك بين الجموع، وتصاعَدَت بعض الشهقات، كانت نظرات الخوف والترقب على العيون اللامعة تنتظر في حذر، مع ازدياد دويِّ الرصاص صرخ أحدهم: «احموا المتاريس.»

حماس مُفاجئ عم الجميع واندفعنا ناحية المتاريس الخارجية، عندما وصلنا لأولِ التروس كان ما رأيته لا يصدق.

لا أستطيع أن أجزم ما الذي حدث بالضبط، فقد كان كل شيء يَحدث بسرعة.

كان صوت الرصاص أشدَّ ضجيجًا، عشرات الجنود من بعيد يتقدَّمون ناحيتنا ببطء وثبات، وهم يُطلقون وابلًا كثيفًا من الرصاص على الشباب المتمترسين خلف الترس الأول، أصوات الهتافات والصراخ تعلو وتتداخَل وتتردَّد في كل مكان فلم أعد أفهم حرفًا.

صبي عاري الصدر ساقط على مقربة من الترس، وبرغم الظلام المنتشِر استطعت أن أرى كتلة الدماء المنتشرة على صدره، اثنان من الثوار يَزحفان على الأرض خلف الترس ويُحاولُون سحب صديقهم الجريح، بينما الرصاص يتطايَر فوق رءوسهم بجُنون لا يصدق.

أحدهم كان يَجري تجاه القوات المتقدِّمة وهو يحمل أحجارًا ويَقذفها على رءوسهم، لم يتقدَّم كثيرًا حتى سقط على الأرض فجأةً وهمدت حركته، أصابوه برصاصة في رأسه مباشرة.

رصاصة أخرى أصابت واحدًا آخرَ، كان يقف أمامي مباشرة، ثم تهاوى على الأرض كبالون مثقوب، تقدمتُ ناحيته زحفًا بسرعة، وسحبته من يده خلف كومة من الأحجار.

الرصاص يقعقع فوق رءوسنا حتى أضاء الليل، وأصوات متداخلة تصدم أذني، صراخ، شتائم، بكاء.

يداي تتحركان بسرعة وثبات، أتصرَّف كشيء آلي، الفرق بين الموت والحياة جزء من الثانية، وأيُّ وقتٍ أُضيِّعُه في التردُّد يُكلِّف حياة أخرى، مزقتُ قميصه من على صدرِه بسرعة، الدم يغلي ويتدفَّق بغزارة من ثقب قبيح في صدره، مكان القلب، كومتُ جزء من قميصِه ككمادة لأوقف النزيف، ومزَّقت المُتبقِّي منه بأسناني لأصنع رباطًا بدائيًّا وأنا أنظر حولي في سرعة بحثًا عن المصاب التالي، طعم الدم في فمي مالح وحذق، عقلي حاد مُتوثِّب، وقلبي يَخفق بجنون.

كان يُمسك بمعصمي بقوة بيدِه الملوَّثة بالدماء، وهو يُحاول قول شيءٍ ما، قربت أذني منه، لكن قواه خانته، فخرج صوته فحيحًا هامسًا طويلًا هو آخر نفس يُغادِره، تراخت قبضته حول معصمي، وفاضت روحه إلى بارئها.

لا وقتَ للحزن، لا وقتَ للبكاء، طويت اللحظة خلفي في لمح البصر، كما طويت سنواتي السابقة، عقلي سلاح حاد مُتوثِّب، يعالج المعلومات ويتعامل مع الوقائع بصرامة.

أسبلت عينَيه بأطراف أصابعي، وقفزت ناحية شابٍّ آخر مُلقًى على الأرض مُنكفئ على وجهه، قلبتُه على ظهره وتحسَّستُ النبضَ في عنقه، كان ميتًا، أصيب برصاصتَين في الرأس والصدر، الملاعين يُطلقون الرصاص بقصد القتل مباشرة.

علم الثوار بمحاولة اقتحام الترس، فتدافعُوا من ساحة الاعتصام ليُؤازِرُوا إخوانَهم المرابطين فيه، يَصرخ أحدهم زاعقًا: «الترس ده ما بنشال، الترس وراهو رجال.» تَتعالى الصرخات الحماسية ويُردِّدُون الهتاف من خلفه، بينما يَتطايير الرصاص من فوقنا كالمطر.

أتلفَّت حولي وعيناي تَدُوران في محجرَيهِما في جنون، أين بقية المصابون؟ سمعتُ صوت الأنين بجِواري فهُرعت ناحيتَه زحفًا على ركبتي، كان صبيًّا صغير السن، من النظرة الأولى قدرت أنه دون العشرين، يئنُّ من بين أسنانه وهو مُستلقٍ على ظهره، بحثت في جسده بسرعة حتى وجدت مصدر النزيف، كان قد أصيب برصاصة في ساقه، لكن الرصاصة لم تستقر في جسده ولم يكن الجرح عميقًا لحسنِ الحظ، بحثتُ في جيوبي بسرعة، أخرجتُ القفازات المطَّاطية، مزقتهما وربطتهما مع بعضهما في شكل ضمادة بلاستيكية وضعتها مكان الجرح وطلبت منه أن يضغط عليها، مزقتُ كمَّ قميصي والتفتُّ خلفي.

ما رأيته في ذلك المكان، وفي تلك اللحظات بالتحديد، كان شيئًا لا يُصدَّق.

استماتَ الثوار في الدفاع عن الترس بشجاعة مُنقطِعة النظير، برغم وابل النيران الذي انفتح عليهم كالجحيم، كان هؤلاء يُواجهُون نيران الآلة العسكرية بصدورهم العارية وأصوات هتافاتهم فقط، يَتقوُّون ببعضِهم البعض ويندفعون أمام الجنود ويقذفونهم بالحجارة في بسالة مُحيرة حتى أربكُوا الغزاة، وقد نجحُوا فعليًّا في تأخير اقتحام المكان وجعل الاقتحام أكثر صعوبة للقوات المُعتدية، يسقط أحدهم فيقفز مكانه ثائر آخر، يَحمل الأحجار والمتناثِر من الحطام، ليدعم به ما انقضَّ من الترس المنتصِب في وجه الجند، بينما يَزحف آخرون على بطونهم لسحب وإنقاذ المصابين منهم والتقهقُر بهم للوراء ليحلَّ مكانهم المزيد، يَصرخ أحدهم «الترس ده ما بنشال، الترس وراهو رجال.» فيتردَّد الهتاف الحماسي من خلفه بصوتٍ عالٍ، يتلقفه الآلاف في ساحة الاعتصام فيرددونه في هدير هائل يهز الأرض فعليًّا.

إيدك على إيدي
زيد الترس قوة
الترس ده ما بنشال
الترس وراهو رجال

كانوا رجالًا فعلًا، أقامُوا ملحمة بطولية عظيمة تتقزَّم أمامها كل بطولات قصص التاريخ، شباب يافع يقف في ثبات لا يصدق، أمام ترسانة نارية هائلة، ويُقدمون أنفسهم في شجاعة وسخاء ليحمُوا إخوانهم وأخواتهم في ساحة الاعتصام.

لففتُ ساقَ الفتى المصاب وطلبتُ منه أن يستمرَّ في الضغط على الجرح، وسألته: «هل تستطيع أن تَمشيَ؟»

هزَّ رأسه مؤيدًا، فأطلقته ونصحته أن يَنسحِب زحفًا، هُرعت لآخر مصاب في كتفه، شرعت في تعرية مكان الإصابة، فأَمسكني من ساعِدي وأشار لشاب آخر مُلقًى على مقربة قائلًا: «أنا بخير، أنقذ هذا.»

سحبت الآخر ورحت أبحث في جسده بسرعة، أنفاسي تتلاحَق وعقلي كآلة صماء، يشاهد الإصابات ويعالج المعلومات وينبئني بالحلول، يداي تتحرَّكان بسرعة وإحكام، أُضمِّد الجروح، أقدم الإسعافات الأولية، أسحب المصابين خلف تحصينات آمنة، أنفاسي تتلاحَق وقلبي يَخفِق بعنف.

صوت الرصاص يتردَّد من عدة اتجاهات، وهتَفَ أحدُهم أنهم قد بدءوا في اقتحام المكان من كل الاتجاهات في توقيت واحد، انتشر دخان قنابل الغاز وراح الجميع يسعلون، يَنطلِق وابل النيران فيسقط واحد آخر، وآخر، وآخر، وآخر.

وبدا أن الموت لن يَنتهي.

وبرغم ثبات الثوار واستماتتهم في حماية التروس، تضعضعَ صمودُهم في النهاية أمام كثرة المقتحمين وقوة سِلاحهم الناري. وبدءوا في الانسحاب للداخل من كل الاتجاهات في تكتيكات متوازية لحماية المتاريس التالية.

سقط الترس الأول.

فالثاني …

فالثالث …

فالرابع!

بدأت القوات في اقتحام المكان، واستمر مسلسل سقوط الشباب أمام فوهات المدافع الرشاشة، بينما تردَّد من على البُعد صوت أذان الفجر يتردَّد من مكان بعيد، مُناديًا ببدء يوم جديد من رمضان.

•••

مع شروق الشمس بدأ الجُنون الحقيقي.

بداية الطوفان كان باقتحام فرقة أقرب لفرق الإعدام الجماعي، التي تقرأ عنها في تاريخ الحروب النازية، ومذابح الحروب العالمية، أكثر من مائتي جندي مسلح اقتحمُوا المكان من الاتجاهين الشرقي والغربي للسكة حديد، وراحُوا يُطلقون الرصاص على الرءوس مباشرة.

قتلوا كل الثوار في السكة الحديد دون رحمة ودون أن يطرف لهم جفن.

كانوا مشحونين بكراهية عظيمة ضدنا، بدت البغضاء في وجوههم، وأعينهم تضج بالمقت. كانوا يضربون بشدة، ويقتلُون بغلٍّ، وكأنه قد تمَّت تعبئتهم على أن الثوار السلميين في ساحة الاعتصام هم أسوأ شيء في الوجود.

من الصعب أن أصف كل شيء، كانت مذبحة حقيقية تَجري على قدم وساق، ما حدث كان خارج نطاق إدراكي لحظتها، ولوقتٍ طويل ظلَّ شعور الحلم مسيطرًا عليَّ، كان التخبُّط عظيمًا، وبدأ الشباب الأعزل يتساقط أمام رصاص القناصة، جريمة بربرية كاملة ضد الإنسان والإنسانية على مرمى حجر من قيادة قوات الشعب المسلحة، وبعض عناصرِها ممَّن وقفوا خلف الأسوار يتأمَّلُون المذبحة التي تجري أمامهم، كأنهم يُشاهدُون عرضًا سينمائيًّا شائقًا.

مع بدء مَوجة الهُجوم الثانية، اقتحم المكان الآلاف من الجند انتشروا في جنبات ساحة الاعتصام وبدءوا يَهجمون على المدنيين، متسلِّحين بالعصيِّ والسلاح الناري وحقدهم العميق.

رنَّ هاتفى فجأة، كانت هيام، تبكي وتصرخ، من بين أصوات صراخها المستغيث فهمت أنهم يُحاولون اقتحام خيمة الأطباء، بينما يَستبسِل زملاؤهم في معركة حقيقية للدفاع عنهم خارجها، حتى لا يقتحموها على الفتيات في الداخل.

لم أشعر بنفسي، أصرخ باسمها وأنا أجري وأتعثر وأسقط وأنهض، أصرخ باسمها وأنا أقفز فوق الأجساد المتناثرة، لا أعرف إن كانوا أحياءً أم أمواتًا، أتعثر وأسقط وأجري … أتفادى الاصطدام بأحد من المئات المتدافعين للهروب من مكان المذبحة، أتجاهل صوت الرصاص الذي يدوي فوق رءوسنا، وأصوات الصرخات المتداخلة، وشهيق البكاء والتوسلات والأنين. أعبر المكان وقد تحوَّل في ساعات معدودة إلى قطعة من الجحيم، مكان كابوسي لم يرد في أسوأ خيالات دانتي وهو يصف الجحيم.

عندما وصلت المكان وقفت مبهورًا.

انتهت المعركة سريعًا، كانت جُثث الأطباء متناثرة في الخارج، بينما راحت الخيمة تَتهاوى على الأرض وقد احترقت تمامًا.

كانوا يتحسَّسون جسدها.

كانوا يتصارعون من يحصل عليها أولًا.

عندما فرغوا من اغتصابِها، اكتشفُوا أنها كانت ميتة من البداية!

لا يُمكنني أن أصف لك جزءًا ضئيلًا مما رأيته هناك.

الموت بكل أنواعه.

الفظاعات لا يُمكن وصفها.

(شاهد عيان على مَجزرة فض اعتصام القيادة العامة — قناة BBC.)

٣

بدأناها معًا وستَختمها أنت، مسكًا وحبًّا.

أصبحنا على صبر من الله وقوة، حسبُنا ذلك وكفى.

(شجن.)

تباطأ الزمن تمامًا، حتى توقَّف.

شعرت بنفسي أنفصل عن الوجود.

تلاشى صوت الرصاص، وتلاشت الصرخات، تلاشى كل شيء إلى مؤخرة وعيي، لم يبقَ سوى صوت تنفُّسي الثقيل، وصوت تأجُّج النيران في ما تبقَّى من الخيمة.

هيام ماتت!

صوت صرخاتها لا يزال يتردد صداه في ذهني برنين قوي متصاعِد.

هيام ماتت!

صوت أزيزٍ حادٍّ يتصاعد في أذني، ودقات قلبي تتضخَّم ويمتزج صوتها بصوت الأزيز الحاد فيطغى على كل شيء.

يا أرحم الراحمين.

الخيام المحترقة على مدِّ البصر تحت نفق السكة الحديد، وسمعت صوت صراخ مكتوم لفتاة ناحية إحدى الخيم المحترقة، لم أشعر بنفسي، اندفعت بسرعة ناحية مصدر الصوت، الدخان يفعم المكان، وأصوات السعال والبكاء، كانت فتاة ساقطة على الأرض وتبكي في إعياء وقد بُحَّ صوتها، ملابسها العلوية ممزَّقة، يقف أمامها جندي ويعالج سحاب سرواله، من الوهلة الأولى فهمت كل شيء، لم أفكر كثيرًا، حملت كتلة إسمنتية من على الأرض، رفعتها بكلتا يديَّ، وهويت بها على مؤخِّرة رأسه، فسقط على الأرض بلا حراك، خلعت قميصى وطلبت منها ارتداءه ثمَّ اندفعت داخل الخيمة.

إلتقطت أول شخص أمامي بسرعة، وسحبته للخارج، ومددته على الأرض، كانت فتاة متوسطة العمر، أمسكت عنقها وهي تسعل وتشهق للهواء وتبكي، قفزتُ داخل الخيمة مجدَّدًا، وسحبت شخصًا آخر، وآخر، وآخر، أصوات الصرخات تتردَّد لأذني من مكان بعيد، عقلي متوثِّب متحفِّز، وكأنما تجمدت كل مشاعري دفعة واحدة، أتصرف بحركة آلية دون وعي مني، صوت الأزيز يتصاعد في رأسي.

رآني أحد الثوار أندفع للخيمة، فصرَخَ مُنبِّهًا الآخرين: «هناك أحياء في الخيمة.»

شعرت بعدة أشخاص يَقتحمون معي المكان، ويُساعدون في سحب من تبقَّى في الخيمة للخارج، «لا إله إلا الله» هتف أحدهم وهو يسعل، الدخان يَتكاثف حتى أحرق عيني وأشعل صدري، أُحاول أن أتنفَّس فأشهق وأسعل، أسعل وأسعل حتى سقطت على الأرض وأنا أجاهد للهواء.

شعرت بيد قوية تسحبني للخارج ثم تُمددني على الأرض، أحدهم صرخ محذرًا: «إنه يحترق.»

أياد تمددني على بطني، خلع أحدهم قميصه وراح يَضرب به على ظهري لإخماد النيران، انفلتُّ من أيديهم في جنون وقفزت ناحية الخيمة المحترقة، لا بد أن أُنقذ الأحياء، لا بد أن …

أمسكني أحدهم بقوة من الخلف، صرخ في وجهي: «لقد ماتوا … اخرج من هنا!» ثم جرى مبتعدًا.

وقفت مشدوهًا، وتلفتُّ حولي.

أشعر أن كل شيء يحدث كأنه مشهد تمثيلي واسع النطاق، الأصوات تتردَّد لأذني من مكان بعيد، ومشاعري متبلدة.

مجموعات من الجنود تُداهم الفتيات في خيامهنَّ، ثم يدوِّي صوت صراخهن المستغيث، يتناوبُون عليهن كالضباع تحت سمع وبصر الجميع، يضحكون، ويتسامرون، ويتشاجرون فيما بينهم مَن منهم يَنال دوره تاليًا، ولما لم يكفِهم الاعتداء عليهن، علقُوا ملابسهن الداخلية على فوهات مدافعهم، إمعانًا في الإذلال، قلبي يخفق في عنف وأنفاس تتباطأ، شهيق زفير، شهيق زفير، صبي يُسند صديقه المصاب على كتفه، وهو يحاول الهروب من المكان، يعترضه أحد الجنود ثم يطلق النار على رأس المصاب من على بُعدِ سنتمترات، فيتهاوى على الأرض، يقول له ساخرًا بلهجته العربية الكسيحة أن يأخذه للعلاج، صوت تنفُّسي يزداد تباطؤًا، وعقلي يتوثب في جنون، لا يزال شعور الاغتراب مسيطرًا عليَّ، أُحسُّ أنني أشاهد الجميع وراء شاشة سينمائية ضخمة، وصوت رنين حاد في أذني.

مجموعات أخرى راحُوا يَحملُون المصابين على سيارات الدفع الرباعي، ويَربطونهم بأحجار إسمنتية ثقيلة ليرموهم في النيل وهم أحياء، تناهى إلى مسامعي من بعيد، تتناهى إلى مسامعي من بعيد، أصوات بكائهم وتوسلاتهم لهم ليُطلقُوا سَراحهم، كانوا أطفالًا وصبيانًا.

يا إلهي، منذ خلقت البشر لم تَشهد أرضُك وحشية للإنسان ضد أخيه الإنسان كما فعل هؤلاء، انتهكوا شرف النساء، ودنَّسُوا قدسية الحياة، مارسُوا البطش وتفنَّنوا في القتل والتعذيب.

يَحملُون العصيَّ والبنادقَ الآلية، ويَقذفون اللهب من سلاحٍ يَنفُث النيران على الخيام، لا يُبالُون بالأحياء في الداخل، نساءً أم أطفالًا أم شيوخًا، لا يُقيمُون وزنًا لحياة، تتصاعد ضحكاتهم مع تصاعُد أصوات صَرخات ضحاياهم ومَن اختبئوا داخل الخيام، من لا يتحمَّل الموت حرقًا فيَخرج هربًا من داخل الخيام يطلقون عليه الرصاص في الحال، كأنهم في نزهة صيد مُمتعة.

وأغمض عيني وأتنفَّس بعُمق.

شهيق … زفير … شهيق … زفير!

أحرقوا نساء أم كارنقا ووادي هور في خيامهنَّ، نساء جميلات وأطفال جاءوا ليُشاركوا في احتفالات الثورة، أدَّين الرقصات الفلكلورية الاحتفالية في ليالي الأهازيج، وشاركن في إعداد الطعام للثوار.

أحرقُوهم بأطفالهم بلا رحمة أو شفقة أو دين!

يُحاولون أن يقتلوا الثورة، ويسرقوا منا الحلم فيُوأد في الصدور، يُحاولون أن يُثيرُوا الرعب والخوف في النفوس فتتلاشى آمال من بقي منهم حيًّا، ويَقنعون بواقعهم الجديد.

وهل يظنُّون أن ينسى التاريخ آثارنا؟!

هل يَنسى الشيوخ والصبيان والأطفال، كل اللحظات التي قضيناها مع أحبائنا في ساحة اعتصامنا، كل الأحلام، والأفكار، وأهازيج الفرح ومَشاهد البطولة والصمود! هل سيَمحو إرهابهم كل مظاهر وحدتنا؟ كم ذرفنا من دموع فرحًا، كم ضحكنا ورقصنا وغنَّينا وابتهلنا لله؟! يظنُّون أن إرهابهم سيَسحق أحلامنا وتطلُّعات الحرية والسلام والعدالة، فيكون مصيرها الفناء المادي مثل فناء أجسادنا.

مارَسُوا بربرية مُطلَقة يرقُّ لها قلب جنود المغول أنفسهم، وحشية لم تَشهدْها كل معارك القرون الوسطى، قتلُوا العزَّل وهم يتعلَّقون بأسوار بوابات القيادة العامة، حينما ولَّوا وجوههم ناحية جيشِهم الوطني ليحميَ أرواحهم من جحيم نيرانهم.

شهيق … زفير … شهيق … زفير!

تماسك يا مازن، هذا ليس حقيقيًّا، مجرَّد كابوس شنيع ستَستيقِظ منه في أيِّ لحظة.

شهيق … زفير … شهيق … زفير!

يصعب عليَّ تخيُّل أنني أُشاهد كل هذا حقًّا، هذه الجُثث المُنشرَة، وهذه الصَّرخات ورائحة الموت التي تفوح من المكان، هذا لا يُمكن أن يكون حقيقيًّا، هذا الجنون لا يُمكن أن يكون إلا من صنع خيالي.

عندما سمعت صوت الأزيز المكتوم، وشعرتُ بتفريغِ الهواء بجانب أذني، لم أَشعُر بأي ألم، فقط داهمتْني انتفاضة قوية في جسدي، كالقشعريرة، وخزة حادَّة بين الضلوع، وسائلٌ دافئ راح يسيل على صدري.

كانت لحظة إصابتي بالرصاصة هي اللحظة التي أفقتُ فيها من ذهولي، عادَت الرائحة، وصوت الرصاص، والصرخات التي تَدوي في الأرجاء، حتى لم يعد في الكون شيء سوى الصراخ.

وضعتُ يدي موضع الجرح وضغطت عليه بقوة للتقليل من شدة النزيف، ورائحة دخان البارود تتصاعَد لأنفي، وبُرودة شديدة الوطء تَسري في أوصالي، وقفَزَت فكرة واضحة جلية لذهني، إنَّك إن مت تموت واقفًا.

أمامي آخر التروس، وآخر خطوط دفاعاتنا المتهدمة، أمشي ناحيته مترنحًا، من ماتوا على المتاريس يُنادونني، يتردَّد هتافُهم في مخيَّلتي بطريقة وسواسية.

إيدك على إيدي
زيد الترس قوة
الترس ده ما بنشال
الترس وراهو رجال

الأرض تَميد بي وتهتزُّ تحتَ قدمي، تتمدَّد وتَنكمِش كالمطاط، والمشاهد تَتراقص أمام عينيَّ كبندول الساعة وتهتز، فأهزُّ رأسي لتعودَ الموجودات للتوحُّد، غيمة ضبابية سوداء تَزحف بسرعة على أطراف مجال رؤيتي، تنفُّسي يَتباطأ ويَتثاقل.

شهيق زفير … شهيق زفير!

لا تسقط، لا تسقط، فإنكَ إن سقطتَ استسلمتَ للموت.

أمشي ناحية ما تبقَّى من الترس المتهدِّم بساقين مرتجفتَين، والأرض تحوَّلت إلى عجين تحت قدمي، أشعر بإرهاق مفاجئ.

الترس ده ما بنشال
الترس وراهو رجال

أصوات الصرخات، أصوات بكاء، أصوات الرصاص والحريق.

لماذا؟ لماذا؟

نحن لسنا كفارًا ليفعلوا بنا هذا!

الرصاصة الثانية التي أصابتني من الخلف كان تأثيرها أقوى، سقطتُ على الأرض عندما لم تقوَ قدماي على حملي، دمائي تتدفَّق بغزارة وتسيل على الأرض بجواري.

أنا مُتعَب يا أمي، أريد أن أستجمَّ قليلًا.

من خلال مجال رؤيتي المهتزِّ أرى مجموعة من الشباب مُستلقُون على الأرض على وجوههم، بينما يقف حولهم المسلحون ويُلهبُون ظهورهم بالسياط، أسمع صرخات فتاة تكالَبَ عليها الذئاب في مكان قريب، وأرى الدخان الأسود القاتم للخيم المُحترقة، يتصاعَد لعنان السماء مع أرواح من قضوا فيها.

وأنظر حولي بعينين غائمتَين، كانت لافتة «شجن» على الأرض بجواري وقد تمزَّق معظمها، وتناثَرَت عليها الدماء.

بدأناها معًا.

وستختمها أنت مسكًا وحبًا.

أصبحنا على صبر من الله وقوة.

حسبنا ذلك وكفى.

انهض يا مازن.

انهض يا مازن، احمِ الترس.

قواي تخونني، وأطرافي لا تُطاوعني، جسدي مثقل مُلتصِق بالأرض، وأنفاسي تزداد صعوبة وتثاقلًا، أشعر بالبرد والتعب.

لا زال آخر المتاريس أمامي ينتظرني لأحط عليه رحالي الأخير، ومن ماتُوا عليه يُنادونني لأحمي ما تبقى منه، المتاريس هي أمان ثورتنا، دافع عنها بحياتك.

ربما بعد قليل، الظلام يَزحف أمام عيني بسرعة، أنا.

ظلام!

لا بد أنني فقدتُ الوعي للحظات، عندما أفقت رأيت «هيام» تقف أمامي بجوار الترس المتهدِّم وتتأملني، على ملابسها بقايا حروق، وجهها حزين وملامحها ذابلة، وأبي يقف بجوارها يحتضن كتفها بذراعِه وينظر لي مبتسمًا، قال لها في فخر وهو يشير لي:

«ولدي الوحيد … ورث ملامح أمه!»

«ما شاء الله ربنا يحفظه!»

أحاول أن أنهض لأركض إليهما وأحتضنها، لا أقدر، قدماي مُكبَّلتان بالأرض وجسدي هامد. الدموع تحتشد في عيني وغصَّة عجز مؤلمة في حلقي، «هيام» أنا آسف! وصلت متأخرًا، لم أستطع إنقاذَكِ، لم أستطع حمايتك منهم.

قالت لي بصوت كأنه صدى من وادٍ بعيد: أحمي الترس.

الترس!

أحاول أن أصرخ باسمها فيتحشرَج صوتي في حلقي.

أنا آسف …

أنا آﺳ…

ظلام …

أفقت مجددًا على أيادٍ مُتعدِّدة تلتقطني من على الأرض، وتحملني على الأكتاف، أحدهم يهتف لي من واد بعيد: «اصمد، اصمد!» أصوات صرخات متداخلة، أصوات رصاص، صوت لهاث ثقيل.

ساحة الاعتصام من البُعدِ بدَت لي كبلادٍ حزينة، تُلملِمَ جراحَها بعد حرب ضروس، بقايا مُتناثرة هنا وهناك، وجنود يجُوبون المكان، وسحابة دخان عظيمة تصل عنان السماء.

وكالتماعة برق خاطف برقت أمام عيني ناصِعة جلية.

رأيتُ أمي، في ملابسها السوداء، تَجلِس أمامي على العنقريب المنسوج بالحصير، وسط الأجساد المتداخِلة، والدخان، والحريق، تَنظر لي بثباتٍ غير عابئ بكلِّ هذا الصخب، وجهها جامد، ملامحها صارمة، وفمُها مشدود بحزم، في عينَيها تساؤل حائر.

وهل كان الأمر يستحقُّ أن تموت من أجله؟

تلك المعركة كانت بداية لا بدَّ منها يا أمي، ولكلِّ شيء غاية ينتهي إليها، نحن وهم ضدان، عدوَّان في معركة، معركة حياتنا وحريتنا، وكل الحروب سجالٌ، ميلادنا بداية وموتنا ليس النهاية، وإن متنا، لن تموتَ الثورة في دواخل صغارنا بموتِنا.

حياتنا صمود وتحدٍّ، وموتنا انتصار، وعبرة الأشياء خواتيمُها، فإنْ لم تَنتهِ لنا، ولم تسقط بعد كما تخيَّلنا، وإن بدا أننا قد هزمنا، فلأنَّ النهاية لم تأتِ بعد، خسرنا المعركة ولم نَخسر الحرب، وإن لم يلُحْ وهجُ النور في أفق النفق، فإنه لا بدَّ هناك، ونحن لا بدَّ هنا، وإن قدمنا حياتنا ثمنًا لحريتنا، فلا بأس!

هذه الثورة جاءت لتردَّ الضيم يا أمي.

جاءت لتُعاقِب، وتَكنس، وتَنتقم.

لكنَّني الآن متعب، أريد أن أغمض عيني قليلًا وأستريح.

افترَّت ابتسامة شاحبة على ثغرها، قالت لي جملة واحدة سمعتُها في ذهني بكل وضوح: «حصنتك بالذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء.»

اهتزَّت صورتها أمام عيني، فهمستُ مناجيًا خيالها: «سامحيني!»

ولدي العوض ود السرور … زدتني فرح وحبور.

تكبر تكون دكتور … وتبقى لأمك زي ود سرور.

٤

لا بأس على قلبك.

لا بأس على روحك.

لا بأس عليك.

تماسَك، الدعوات تُرافقك، والسلوان من السماء مُتنزِّل عليك.

نحن معًا، لن يكسرنا شيء.

(شجن.)

انتهَت مُذكِّرات «مازن».

هذا كل ما وجدتُه من مُذكِّراته، وما استخلصتْه لي والدته من بين متاعِه من أوراق، قالت لي بهدوء وهي تدفع لي رزمة الأوراق: «ابني كان مثلك، يحبُّ الكتابة والخيال، لا أَعرف إن وجدت فيها ما تَبحث عنه، لا أعرف إن وجد فيها آخرون السلوان، لك مُطلَق الحرية في التصرُّف فيها كما تشاء.»

لم تكن تبكي أو تدمع، لم تُبدِ حُزنًا، وجهها جامد وملامحها صارمة، فمها مشدودٌ بحزم، هادئة كانت، إلى حدٍّ مخيف، وكأنَّما قرأت انعكاس أفكاري على وجهي المتسائل، قالت وقد انفرَجَ فمُها الحازم قليلًا بابتسامة شاحبة: «منذ وفاة «مازن» لم أبكِ، وقد انتهرتُ النساء اللائي زرنني ومنعتُهن من البكاء عليه، لم نُقِم له سرادق عزاء، سأسعى في حقِّ مَن قتلوه. عندما أرى هؤلاء القتَلة على حبال المشانق، عندها سأَذرف الدموع.»

الطريقة التي تهدَّجَ بها صوتُها عندما نطقت اسمه، أخبرتْني أن ملامح وجهِها الصارم تجاهد شيئًا ثقيلًا في قلبها.

لا يجب للأمهات أن يرَين أبنائهنَّ يموتون.

لا يُفترض أن يَدفن الآباء فلذات أكبادهم.

قبلتُ رأسها وانصرفتُ صامتًا.

تُوفيَ «مازن» عقب كتابة هذه المذكِّرات بأيام مُتأثرًا بجراحِه في المستشفى.

قالوا إنه كان يُفيق من غيبوبتِه، فيحمل الأوراق ليكتب في مذكِّراته، ثم يغيب عن الوعي مجددًا، حتى فاضَت روحُه إلى خالقها.

يعلمُ الله كم سعيتُ في مقابلتِه قبلها، لكنَّني استغرقت وقتًا طويلًا حتى وصلتُ إليه. وصلت متأخرًا جدًّا كعادتي في طلب كل شيء، على كل حالٍ هو قد شرَحَ كلَّ شيء في مذكراته فلم يَترُك مجالًا لمزيد من الأسئلة.

أعرف أنه قد مات قبلها، في ذات اللحظة التي فقد فيها محبوبته في خيام القيادة، وخطَت فيها قدماه حدود المكان محمولًا على الأكتاف، لم يَعُد حيًّا، وككلِّ أبطال الميثولوجيا الإغريقية، كان الموت مأساته الوشيكة، والحتمية، تَنازعتْه بلادُه ما بين جنة الخنوع وجحيم الموت، فاختارَ أهونَهما.

وكأنه قد تنبَّأ بموتِه، وعرف أنها لحظاته الأخيرة في الدنيا، فترك في نهاية مُذكراته رسالة يُودِّع فيها والدته، ويطلب منها أن تعفو عنه وأن تدعوَ لرُوحِه بالرحمة، امتنعتُ عن نشرها لخصوصيتها.

كنتَ جميلًا جدًّا يا صاحبي.

صادقًا مؤمنًا بحلمك ووطنِك، ذهبت قويًّا ولم تَترُك لهم سوى العار.

عسى أن تجدَ جنتُكَ التي بحثت عنها كثيرًا.

عسى أن تجد بين يديه بعض الإنصاف.

قدماي تَسُوقانني بلا وعي منِّي ناحية القيادة العامة، أو هي رغبة دفينة لا أعي بواعثها، أحمل مذكراته وبعض أوراقي، وأمتطي حزني بين الجنبات.

الخرطوم هادئة على غير العادة، تشتمُّ فيها رائحة الحزن، بدت لي المدينة كأن لم أرها من قبل، مدينة ثكلى.

توقَّفتُ أمام أسوارها صامتًا، وجلتُ بنظري في أرجائها فإذا هي هادئة، موحشة، صامتة كصمتِ القبور، بعد أن كانت تضجُّ بالحياة، تَضيق أنفاسي بضيق صَدري المنقبض فأشهق طلبًا للهواء، ومشاعِري مُحتقنة حتى لتُوشِك على الانفجار، رأسي مشحونٌ بأفكارٍ شتَّى، تَتطاير بعبثية بغيضة، ومِن حيث لا أَدري تسلَّلت دمعة دافئة، انسلَّت على خدي مُسرِعة.

رأيت شبحًا مُبهمًا من بعيد يَمشي الهُوينى في ساحاتها، كان «مازن» يجول بين الجدران الصامتة، توقَّفَ لبُرهة، نظر لي صامتًا نظرة طويلة حتى خفق قلبي، هممتُ أن أهتف له مناديًا لكن تلاشى شبحُه بغتةً أمام عينيَّ الذاهلتين.

جلستُ مُستندًا إلى جذعِ شجرة قريبة لأسكت ارتجافة ساقي، رأيتُ مجموعة من الأشباح تظهر في فضاء المكان، ورأيتُ «مازن» من بينهم، يجول في الأرجاء مُتقلِّدًا يد «هيام»، يُوزِّع الطعام والماء على المعتصمِين، ويَرقُص مع أناشيد الثورة، وسمعت لحنًا بعيدًا يتردَّد لمجموعة من الشباب تَهتف في تناغُم.

يخوانا الشااااي
الشاي بيجاي
شاي ما عادي
بي موية صحة
يخوانا الشااااي
الشاي بيجاي
شاي ما عادي
بي موية صحة

يتلاشى الصدى سريعًا …

وأظل مشدوهًا مع السراب …

كيف يكون هذا حال من سمع فقط! فكيف بمن عاش أحداثها بالفعل؟!

أي رُعب وأي وقتٍ عصيب قضاهُ هؤلاء المساكين!

أي إرهاب؟

أرهف السمع فيتردَّد صدى أصوات عدة مُختلِطة، صوت رصاص، صرخات رجال، وأطفال، واستغاثة امراة تكالب عليها الضباع.

وأشمُّ رائحة الدم الطازج المسفوك.

رائحة الغدر.

الشمس تطلُّ على الموجودات في استحياء، تَعتذِر خجلًا عن ما حدَثَ بالأمس في غيابها، والإله صامت، يَنظُر لكل شيء في هدوء غامض.

منذ بداية التاريخ، لم تَشهَدِ الخرطوم رعبًا كالذي كان، لم تَشهد مثل هذه الوحشية من أُناس مجرَّدين من أبسط مقومات الإنسانية، والرجولة.

جاء لُقَطاء الخارج، وسواقط التربية والإنسانية، على سيارات الدفع الرباعي والبنادق الآلية، فاستحلُّوا دماء العزل، وشرف العَذارى، وكرامة الإنسان السوداني، ما حدَث في دارفور حدث في قلب الخرطوم، تكرَّر سيناريو التنكيل والتهجير والقتل المجَّاني واغتصاب النساء والرجال.

وفي غفلة من التاريخ، ماتَ من يستحقُّ الحياة على يدِ مَن لا يَستحق الوجود.

قتل الجنديُّ الطبيبَ والمهندس، وسجن الجاهلُ المعلِّمَ.

استباحوا البلاد بطولها وعرضها، بكل خسة ووضاعة، واستقووا على العزَّل، في معركة غير متكافئة، على مرأى ومسمَع من جيوش وطنية مدجَّجة، لطالَما تغنَّينا لها وبها، بعد أن ظنَنا أنها وجدت هناك لتحميَنا.

كنا، بالطبع، حمقى.

ولسخرية الواقع الفجَّة حد المرارة، وقف من يفترض به الحماية خلف الأسوار متفرِّجًا، بينما هبَّ لها من يفترض حمايته، حمى ثورته شباب يافع أعزل، وأطباء كانوا هم جيش بلادهم الحقيقي، ونساء باسلات، كنَّ عورة الأمس، فأصبحن ثورة اليوم.

مأساة فجَّة ومجزرة حقيقية ستجد مكانها بارزًا في كتب التاريخ، شباب عزَّل من كل شيء إلا بعض حلمٍ عن وطن جديد، فاستكثرُوا الحلم عليهم.

وكأجاممنون المُحارب الإغريقي إذ عاد من حربِه ظافرًا مُنتشيًا، فغدَرَ به أقرب الناس إليه، ومن استأمنَهم على نفسه.

وأتنهَّد عميقًا وأنا أرى أشباحهم تجوب المكان مجدَّدًا، وفي مخيَّلتي، وكأنَّما لتؤكِّد حياتها ووجودها، وإصرارها على تخليد هذه الأيام أو حماية ثورتها، يتحلَّقون في دوائر مُجتمِعين ويصدحون بالأناشيد.

أراه محمولًا على الأكتاف هاتفًا فتُردِّد من خلفه الجموع بصوت هادر.

شهداؤنا ما ماتوا
عايشين مع الثوار
المات ضمير خاين
حالفين نجيب التار
أستاذ كتب قصة
أحمد كتب قصة
نقراها للأجيال!
قصة وطن شامخ
معروف وطن ثوار
محجوب رسم خارطة
راويها بي دمو
أثبت بأنو شهيد
كل الوطن همو
شهداؤنا ما ماتوا
عايشين مع الثوار
المات ضمير خاين
حالفين نجيب التار
نتلاقى في الثورة
شايلين هموم جيلنا
مسلم على وثني
حلفاوي شلكاوي
تسقط عقب نتلم
نقدل على جروفنا
دم الشهيد ما راح
والله ما بنرتاح
كل النزيف الساح
لابسنو نحنا وشاح
مكتوب عليهو عديل
فليسقطِ السفَّاح
فليُعدَم السفَّاح!

وقبل أن تمضيَ، إليكَ نبوءتي ورؤياي!

قبسًا من بعض هتامات الحكمة الأولى، ولفائف التاريخ، وبشارات الأنبياء، ومواعظ التاريخ.

لا تستهِن أبدًا بصرخة ثائر أعزل، وهدير آلاف الحناجر المُدوية بهتاف سلميتها.

ومثل ألمك يتألمَّون.

حين يسطر اسمك في كل كتب تاريخنا، وأحاجي فخر الجدات، وروايات البطولة والنضال. وحين يَختلط الأبيض بالأسود، وتَتلاشى الفنارة خلف الضباب، سيُردِّده أبناؤنا في مدارسِهم ويلتمَّسون به درب الحق والنضال، ويُميِّزُون به الخبيث من الطيب، وكلُّ الشوارع والمآذن والنواصي، ومجالس السمر، ستظلُّ هناك، برهانًا على قوة الحق، ونزاهته، وقوة الكلمة في مواجهة فوهات البنادق والدبابات.

ففي البدء كانت الكلمة، ثم الصرخة، ثم النضال.

أما هم يا صاحِبي، فلن يَجلِب لهم التاريخ شيئًا سوى العار، سيَرونك في بيوتِهم، وفي مكاتبهم، سيَسمعُون صوتك في غرف نومِهم، وحيث ولَّوا وُجوهَهم المُكفهرَّة بالذنب، سيرونك هناك حملًا ثقيلًا على ضمائرهم وأياديهم الملطَّخة بدمِك، وسيظلُّ شبحُ سيرتِك رعبًا مُزمنًا يُطاردهم أينما كانوا، في حلِّهم وترحالهم، يَختبئون منه كالجرذان، هلَعًا من لحظة قصاص قد تأتي.

وستأتي!

سيُربك خبثَهم كلُّ صبرِ وثباتِ أمهات الشهداء في مُواجَهة فجيعة فقدان فلذات الأكباد.

وإن لم يَجلِب لنا قاضي الأرض حقَّكم وقصاص من قتلوكم إلى حين!

فسيكون لنا في قصاصكم حياةٌ أخرى، عندما تطوق المشانق أعناقهم الآثمة، فلا مفر، ولا مناص.

ما زالت سيرتك فينا، نمضي على أعقابها حثيثًا، ونبراسًا يُضيء لنا بعض الظُّلمة هنا وهناك.

فما بذلتَ حياتك لحلمِك ووطنك، وجاهدت في سبيلهما، إلا وسيَذكُر التاريخ تضحيتَك، ويذكرنا بها، بعد رحيلك إلى عالم آخر، سيَكتب الجميع اسمك بحُروف من نورٍ في كتاب الخلق، وكتاب ذاكرتنا جميعًا، فلن يَذكر خطواتك الدقيقة على الحياة إلا حلمٌ قاتلتَ ومتَّ في سبيله.

فأنت، وكل من سقوا نبتةَ الحرية لم يموتُوا، سيمُوتُون حقًّا عندما نكفُّ عن الحلم، وعن المقاومة.

عندما نكفُّ عن التوحُّد خلف هدفِنا الأسمى، فلا صوتَ يعلو على صوتنا، ولا قوة على الأرض تسرق أحلامنا.

وإذ تمضي أنت، تُنبت الأرض من بعدك ألف شهيد، يَرفُلون في ذات الدرب، وتُردِّد حناجرَهم ذات الهتاف.

هي الشوارع لا تخون.

وهي الحشود لا تُهادِن، بأمرها يأتمرُون، وبأمرِك انتهى عهد الرعب والإرهاب والخنوع، فلا زالت شرارة الثورة متَّقدة في النفوس.

فليطمئنَّ قلبُك.

ولتَرقُد روحُك بسلام!

فلا بأسَ على قلبك!

لا بأس على رُوحِك!

لا بأس عليك!

تماسَك!

الدعوات تُرافقُك، والسلوان من السماء مُتنزِّل عليك!

نحن معًا!

لن يَكسرَنا شيء.

أتظنُّ أنَّك عندما أحرقتَني
ورقصت كالشيطان فوق رفاتي
وتركتني للذاريات تذرُّني
كُحلًا لعين الشمس في الفلوات
أتظنُّ أنك قد طمستَ هُويَّتي
ومحوت تاريخي، ومُعتقداتي!
عبثًا تُحاول لا فناءَ لثائرٍ
أنا كالقيامة ذات يوم آتِ

شكرًا وحبًّا لكم

(شجن)
(تمَّت)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١