القصة المملة الثالثة: عندما هفهف لباس الليل

عندما هفهف لباس الليل، كانت الورود تُصغي لصوتِ وشوشة الريح الخفيف.

١

السابعة والنصف مساءً.

قفز «محمود» من السرير في همة ونشاط، وأخيرًا يالَسعادتِه وهنائه، قد حلَّ اليوم المنتظَر، يوم زواجِه من حبيبة الصبا «حنان»، تلك العزيزة الصابرة، التي تحمَّلت كل فقرِه، وصبرت عليه بعد أن ظلَّ يطوق إصبعها الأيمن بدبلة الخطوبة خمس سنوات كاملة.

خمس سنوات من المُماطلة والتسويف، اليوم سوف …

مهلًا!

أعتقد أنَّ المقدمة تبدو متكلَّفة بعض الشيء، كأحد تعابير إنشاء طلاب الصف الخامس الابتدائي.

فلنُحاوِل صياغتَها مجددًا.

•••

السابعة والنصف مساءً.

قفز «محمود» من السرير في همة ونشاط، وأخيرًا يالَسعادته وهنائه، قد حلَّ اليوم المُنتظَر، يوم زواجه من حبيبة الصبا «سلمى»، تلك العزيزة الصابرة، التي تحمَّلت كل فقرِه، وصبرت عليه بعد أن ظل يطوق إصبعها الأيمن بدبلة الخطوبة خمس سنوات كاملة.

خمس سنوات من اﻟ…

لحظة! من «سلمى»؟

ألم تكن «حنان» منذ لحظات!

ثم إن المقدمة هي ذاتها.

اعذرني، لقد كنتُ شارد الذهن.

أصارحك حقًّا، إنَّ تأخَّر راتبي الشهري يثير جنوني، لقد أغلقت هاتفي منذ أسبوع تقريبًا هربًا من الدائنين، وأصبحت أدخل العمارة خائفًا أترقَّب، لكنَّني لن أهرب للأبد. إن «عم حسبو» الجزار ينتظرني بالمطوة في ناصية الشارع أثناء كتابة هذه السطور بالذات.

من يشتري لحمًا بالدين؟!

بالتأكيد هذا قمين بأن يَسرق منك أي تركيز.

إذا استمرَّ الراتب في التأخُّر ليومَين آخرين، فلن يكون التسول بالنظارة السوداء على قارعة الطريق شيئًا مُستبعدًا إلى هذا الحد. عليَّ فقط كسر يدي، وحفظ الطريقة المناسبة لترديدِ عبارة «لله يا مُحسنين» بصوت مؤثِّر يمزق نياط القلوب.

لنُحاول مرةً أخرى.

•••

السابعة والنصف ﻣﺳ…

تبًّا!

أرجو ألا يستمرَّ هذا للأبد.

٢

السابعة والنصف مساءً.

عندما هفهف لباس الليل، كانت الورود تُصغي لصوت وشوَشةِ الريح الخفيف، وزقزقتِ العصافير ابتهاجًا، وكان القمر بدرًا جميلًا يُلقي ضوءه الفاتن على الموجودات.

قفز «محمود» من السرير في همة ونشاط، وأخيرًا يالَسعادتِه وهنائه، قد حلَّ اليوم المنتظر، يومَ زواجِه من حبيبة الصبا «حنان/سلمى»، تلك العزيزة الصابرة، التي تحمَّلت كلَّ فقرِه، وصبرت عليه بعد أن ظلَّ يُطوِّق إصبعها الأيمن بدبلة الخطوبة خمس سنوات كاملة.

خمس سنوات من المُماطلة والتسويف! (تجاهَل هذا السطر.)

أبدلَ ملابسَه، وتضمَّخ بعطر فاغم، ثم خرج ليُقابل محبوبته «حنان/سلمى»، هيفاء دعجاء القوام إذا مشَت، ريَّا الروادف، بضَّة المتجرِّد، يتمشيان على ضفة النيل، وتتشابك أيديهما وهما يُخططان للمُستقبل المشرق الذي سيغدو واقعًا عما قريب …

بالحديث عن المستقبل!

هل تَعتقِد أن قوى الحرية والتغيير وتجمع المهنيين كانوا على صواب عند موافقتِهم على مشاركة السلطة مع المجلس العسكري! أنا أَعتقد أن الاتِّفاق كان مجحفًا ولم يُلبِّ طموحات الثوار، وأنها مَكيدة ما من العسكر حتى لا يُسلِّموا السلطة للمدنيين، وشراء الوقت الكافي لتفتيت الثورة بهدوء، لا شيء يحميهم من المساءلة القانونية عن مسئوليتهم المباشرة أو الضمنية عن مقتل المتظاهرين سوى الحصانة، لن يسلموا رقابهم بهذه السهولة.

ألا تظن؟

تعلَّمت منذ زمن أن لا أثق بالعسكر أينما كانوا، لم أَستطِع قط ابتلاع مبدأ أن تنزع عن شخصٍ ما، هِبتَه الربانية التي تُميِّزه عن الدواب، وتجعله إنسانًا، استقلالية رأيه، وتفرُّده، وحريته في التفكير واتخاذ القرار لتصنَعَ منه آلة مبرمجة على القتل والتدمير، وإطاعة الأوامر بلا نقاش، حتى وإن تعارضَت تلك الأوامرُ مع كل ما يؤمن به ويعتقده، لا خيرَ يُرتجى من مثل هذا.

عندما تقرأ في الصحف عن أخبار تخصيص مبالغ فلكية من الميزانية العامة للدولة للتسليح العسكري، لا بدَّ أن تقف مع نفسك للحظة وتتسائل: إلى من يُوجَّه هذا السلاح بالضبط؟ متى كانت المرة الأخيرة التي قاتلنا فيها عدوًّا خارجيًّا؟ متى كانت المرة الأولى؟ على قدر علمي هم لم يقوموا بتوجيه سلاحهم إلا تجاه وطنهم وبني جلدتهم!

كل هذه الأموال من جيبك أنت، من مال ضرائبك، وما تُنفقه على رسوم المعاملات الحكومية، يتم توجيهها لإسكات شخص واحد، هو أنت، وأنت فقط، أنت من تشتري عبوة الغاز المسيل للدموع التي تخنقك، وأنت من تُموِّل الرصاصة التي ستقتلك، أو تقتل أخًا آخر لك في هذه الرقعة الجغرافية المنهكة من سوء الإدارة، وغباء الساسة!

كلما رأيت مثل هذه الأخبار تتبادَر إلى ذهني قصيدة العبقري أمل دنقل:

قلت لكم مرارًا.
إن المدافع التي تصطفُّ على الحدود في الصحارى،
لا تُطلق النيران إلا حين تستدير للوراء!
إن الرصاصة التي ندفع فيها ثمن الكسرة والدواء،
لا تقتل الأعداء،
لكنها تقتلنا، إذا رفعنا صوتنا جهارًا!
تقتلُنا وتَقتُل الصغارا!
قلت لكم في السنة البعيدة،
عن خطر الجندي،
عن قلبه الأعمى، وعن همته القعيدة،
يَحرُس من يمنحه راتبه الشهريَّ،
وزيَّه الرسمي،
ليُرهب الخصوم بالجعجعة الجوفاء،
والقعقعة الشديدة.
لكنه، إن يَحِن الموت، فداء الوطن المقهور والعقيدة،
فر من الميدان،
وحاصر السلطان،
وإغتصب الكرسي،
و أعلن «الثورة» في المذياع والجريدة!

أمل دنقل شاعر عبقري بالتأكيد، بكلمات عبقرية بسيطة وصف كل شيء.

التاريخ يُكرِّر نفسه بلا هَوادة لمن يُلقي السمع، ربما لحين صدور هذا الكتاب ستكون الأحداث قد تطوَّرت وتغيَّرت، واتَّضح أي شخص سوداوي سيئ الظنون كنتُه!

أتمنى ذلك!

ما علينا، فلنعد لقصتنا.

أين كنا؟

«… يَتمشيان على ضفة النيل، وتتشابك أيديهما وهما يخططان للمستقبل المشرق الذي سيغدو واقعًا عما قريب …»

جميل، فلنستمرَّ إذن!

كانت حنان/سلمى بغاية السعادة؛ لأنَّ الزواج سيكون قريبًا، لذلك كانا يُخطِّطان لترتيب كل شيء في العرس.

من سيتمُّ دعوته ومن سيتمُّ تجاهله، في أي صالة سيُقام العرس؟ ماذا عن حفلة الرقيص؟ حنة العروس! قطع الرهط! من أي مكان نَستأجِر فستان الزفاف؟ كيف، لماذا؟ كم سيُكلِّف صحن العشاء الواحد؟ هل ستَقبل المُطربة المتألقة «فتحية قوانص» إحياء الحفل؟

كما ترى، الكثير من الأسئلة الكابوسية التي تُثير جنونك.

قال محمود: «نختار صالة بسعر مُناسب، ليس لدينا الكثير لنُنفقَه يا حبيبتي.»

قالت حنان/سلمى في حياء: «كما تشاء يا حبيبي!»

ابتسم محمود بحنان بالغ، وفكر في نفسه: «ترى هل انصرَفَ عم حسبو؟!»

من أخدع هنا!

لا أستطيع التركيز!

في الواقع لا شيءَ لديَّ لأكتبَه، ذِهني مُشتَّت، ولا أَملِك أفكارًا من أيِّ نوع.

حاولت أن أَختلقَ قصَّة من العنوان كالعادة، لكن خانَتْني اللغة، وهجَرَني الخيال.

تَقبَّل أسفي عزيزي القارئ، ولنَكتفي بهذا القدر، لا أُريد أن أهين ذكاءك بشيء مُلفَّق.

إنَّ الحياة مليئة بالقصص المبتورة، ولا أرى قصتي استثناءً!

وتذكر، يا هداك الله، أنَّ الدعاء السيئ يَنقلِب على صاحبه.

كما أنَّ الألفاظ الخارجة يعاقب عليها القانون.

وحتى لا أتركك بلا هُدًى، تزوَّجا وعاشا في تباتٍ ونبات، وخلَّفا بعض الصبيان والبنات. غلبته بالعيال ولم يَغلبها بالمال، كان الأحمق مفلسًا، يُطارده البقالون والجزارون بالمطاوي في الأزقَّة والطرقات.

هكذا هجرَتْه وطلبَتِ الطلاق، عندما اكتشفَتْ أن الحب وحده لا يَشتري الخبز واللحم وحليب الأطفال.

هذا كل شيء!

(تمَّت)١
١  من الراوي للقارئ: لقد حذرتُك من قبل، أنت من جلبتَه لنفسك!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١