القصة المملة السادسة: القبَّعة الزرقاء

كان شيئًا كالحلم، أجمل من أن يكون حقيقيًّا.

١

سأقصُّ عليك اليوم قصة عن قبعة زرقاء، هذا واضح!

ليست كقبعة جنود الأمم المتحدة، ولا قبعة البطة دونالد، «بطوط» كما نعرفه نحن، وليسَت كقبَّعة مُشجِّع متعصِّب لنادي «الهلال».

هي قبَّعة من نوعٍ مختلف وفريد.

لكن وفي البداية، دعني أُؤكِّد لك أن هذه القصة كابوسية ومرعبة.

قصة مخيفة هي، سيَرتجِف لها فؤادُك، وتَرتعِد من هولها فرائصك فرقًا. أعرف أنها ستَجد مكانها على الرفِّ مع أسوأ كوابيسك، ربما لن تَستطيع النوم لعدة أيام من فرط الهلع، قد تتقلَّص معدتك، ويَضطِرب قلبك، قد يكون الإسهال والقيء من ضمنِ الأعراض الجانبية، ربما بعض الهلاوس كذلك. لستُ طبيبًا؛ لكنَّني لا أنصحك بها إن كنتَ من ذوي القُلوب الواهنة، كما لا أنصحك بقراءتها ليلًا أو وحيدًا.

أنت تعرف «جيهان» بالطبع.

من لا يعرف «جيهان»!

الناشِطة النسائية الأشهر من نار على علم. ربما صادفتُها يومًا ما في ندوات الجمعيات النسوية، أو في معرض الكتاب، أو رأيت صورتها في مواقعِ التواصُل الاجتماعي.

ربما كان سرُّ شُهرتها هو أنها تُحطِّم الصورة النمطية السائدة في ذهنك عن الناشطات النسويات؛ فهي لا تعبر عن فكرتها عن المساواة بالرجال بأن تبدو مثلهم، فلا تَنفِش شَعرها كالمجاذيب، أو تَشتُمك ببذاءة كمِعلمي وِرَش المنطقة الصناعية، أو تضحك بطريقة: هع هع هع!

ليست كذلك، فتاة جميلة هي، من النوع الرقيق المُرهَف الحسِّ، أنتَ تَعرف هذه النوعية من الفتيات ولا بدَّ أنك قد قابلتَها كثيرًا. الفتاة المثقَّفة التي تتحدَّث بإفراط عن المساواة بين الجنسين، وحقوق المرأة، وتقرأ كثيرًا للوجوست فلهلم، ونزار قباني، وأحلام مُستغانمي. تعرف كذلك أنها من أسرة أرستقراطية فاحِشة الثراء!

والدها نائب وزير شيء ما في الحكومة، وعضو في البرلمان، كما أنه رجل أعمال ناجح يَملك عدة شركات في السودان وخارجه، والدتها فرنسية من أصل إسباني، وقد ورثت عنها جمال الجسد اللاتيني ولون البشرة ونعومة الشعر، لهذا يمكنك أن تفهم سبب كونها محط الأنظار في أي مكان تكون به. كتلة مُتحرِّكة من الأنوثة والفتنة يصعب أن تُخطئها عينك.

كانت جميلة إلى الحد الذي يبعث الرهبة في الواقع، لسبب ما يكون الرجال أكثر تهذيبًا ولطفًا وغباءً مع الفتاة مُفرَطة الجمال. إنَّ الجمال الصارخ غير مريح، لا بدَّ من بعض العيوب هنا وهناك حتى نستطيع أن نتعامل على نحو طبيعي، أضِف لذلك لسانها السليط وثقافتها العالية، ما جعلها كابوسًا شنيعًا لكل من يُحاول التقرُّب منها.

بشكلٍ عامٍّ لا يَستريح الرجل للمرأة المثقَّفة التي يَصعب خداعها؛ فهيَ تُهدِّد شعوره بالتفوق، وكل ما غرسته فيه والدته.

تقدم لها مئات العرسان بالطبع، وقد ظلَّت ترفض كل من يطرق بابهم في إصرار، لماذا؟

نسيت أن أقول لك أن «جيهان» تكره الرجال كالجحيم، وككل الناشطات النسويات المتطرِّفات، فهي تؤمن أن الرجال مجرَّد صراصير ناطقة لا أكثر ولا أقل، طفرة جينية ضارة لا بدَّ أن تُصحِّحها الطبيعة يومًا ما.

تؤمن كذلك أنهم كاذبون، لزجون، منافقون، مدعون، مسطحون، أغبياء بالفطرة، وكلٌّ منهم يواري «الأبجيقة»١ الخاص به في دواخله، مهما بلغَت درجة وعيه وثقافته، ومهما تظاهَر بالعكس.

تذكر أنها قد قابلَت أحد أعلام الناشِطين النسويِّين من قبل، في ساحة «أتني»، من ذلك النوع الذي يتعصَّب لقضايا النساء أكثر من النساء أنفسهنَّ، ويملأ الدنيا صراخًا عن العقلية الذكورية، والمجتمعات البطريركية، واضطهاد البِنية الثقافية … ويدعو النساء لكراهية الرجال بلا استثناء.

جلست تُصغي إليه في انبهار، وهو يتحدَّث عن القهوة العميقة الرديفة الوعي، والمرأة الكنداكة، والرفيقة الوطن، والشفيفة الوريفة، ثم: «الإله خدعة، المؤمنون حمقى، الأديان من مَنتوجات الأنتلجنسيا الذكورية للسيطرة عليك وأدلجتك مع القطيع آنستي.»

قالَها في ذكاء، وبصَقَ على الأرض في عمق، ثمَّ شتَم صبيةً بائعة الشاي.

وراح يُحملق في نهدَيها البارزَين خلف ملابسها بعينين جائعتَين، ويتحدَّث بحماسٍ عن رجعية الحجاب، وديكتاتورية النقاب، وعبودية الدُّرَر المصونة والحلوى المغلفة، وحرية جسد الأنثى وحقها في ممارسة الجنس.

– «كشخصَين ناضجَين يُمكننا مُمارسة الجنس وكسر التابو، تحرَّري من القيود يا رفيقة، ودعي عنكِ كل قيود المجتمع البالية!»

هكذا كوَّنت قناعتها الراسخة في شأن الرجال، هذه ذئاب بشرية جائعة. كائنات حيوانية وشهوانية إلى حدٍّ مرَضي، يُفكِّرُون عبر رءوس أعضائهم التناسُلية طيلة الوقت.

فقط يتحدَّث بعضُهم عن شرع الله والستر، ويتحدَّث البعض الآخر عن تحرير المرأة، لكن الأهداف واحدة بين الاثنين.

ce sont des monstres qui ne sont pas humains.٢

تقولُها في تقزُّز، ثم تَرتدي النظارة السوداء التي تَبتلِع نصف وجهها وتدفن وجهها في كتاب ضخم، لتقرأ المزيد عن البطريركية في المُجتمعات شرق الأوسطية.

قد تجادل، بأن مبدأ الخضوع للذكر مطلب أصيل في بناء المرأة وغريزتها العميقة، وأنَّ الأنثى، وعبر سنوات تكوينها التطوُّري الأشد أصالة، فهي تَبحث عن شعور أمانها مع الذكر المسيطر صاحب الامتيازات الجسَدية الموحية بالقوة والهيمَنة، فهو يُطمئنها بقدرته على حمايتها من الأخطار، وتمرير جينات مُمتازة للأطفال، يُوفِّر الغذاء، ويَفرض هيمنتَه على قوى الطبيعة المحيطة بهما، بعض تلك الهيمنة لا زال يَتبدَّى في مملكة الحيوان، كأن تَنفش القطط جسدَها لتبدو أكثر ضخامة وهيمنة لترهيب الآخر.

في العصر الحديث، برغم زوال مسبِّبات الأخطار القديمة، لا زالت الأنثى تَحتفظ بذات مشاعر انجذابها الجنسي القديمة للرجل، فكلَّما ازدادت هيمنتُه عليها، وتضخُّم جسدِه، واستطالت قامته، انجذبت له المرأة، وبالمُقابل فهي تَنفرُ من الذكر الذي لا يَملك هذه الصفات، كالرجل ضعيف الشوكة، أو الضئيل أو القصير، في تناسُب لا واعي مُترسِّخ يربط الخصائص الجسدية بالخصائص الشخصية.

بالتالي، فإنَّ فلسفة النسويات «الفيمنست» المناهِضة للرجل بالمجمل، ما هي إلا تعبير نفسي لإحباط شديد مدفون عميقًا في اللاوعي، لصورة الذكر الحامي والمهيمن في هيئتِه الأولى الأكثر مثالية «الأب»، وأن اهتزاز هذه الصورة؛ لأيِّ سبب من الأسباب، كطلاق الوالدَين، أو الأب القاسي، أو غير المسئول، أو المُهمِل، يولد الفشل في التعاطي مع الجنس الآخر لاحقًا، ويُطلق العنان لكل مشاعر الاضطراب وعدم الاتزان في شكل موجة كراهية تجاه الذكور ككل، كتعبيرِ إحباط لا واعي، يتنكَّر في هيئة نقدٍ منطقيٍّ وفلسفي لدَور الرجل في المجتمع، لكنَّه — في حقيقتِه — مجرَّد تصريف لمشاعر غضب تجاه أبٍ فشل في دورِه المثالي في حياتها.

في حالات معيَّنة يصلُ الرفض للإله ذاته، بسبب اختلال قاعِدة التصوُّر النمَطي للإله كأب شامل يوفر الحماية والأمان، الأمر — إذن — في أساسه البسيط، حزمة إسقاطات نفسية متشابكة، وحيلة دفاعية معقَّدة، من لا وعي يُحاول حماية الأنثى من أذًى جديد قد يُسبِّبه لها أي رجل آخر.

سأقول لك إنني لم أفهَم حَرفًا مما تقول، لكنَّ «جيهان» ستُؤكِّد لك في تصميم: Les hommes sont la pire chose qui ait été inventée après la bombe nucléaire.

ثم قابلت «محمدًا!»

حسن، أعتقد أنه يُمكنك أن تُصنِّف حياة «جيهان» إلى قسمين، ما قبل مقابلة «محمد» وما بعده.

«محمد» كان شابًّا مثقفًا بامتياز، ووسيم إلى حدٍّ مُزعِج، من ذلك النوع الذي تَراه بكثرة في الأفلام الكلاسيكية العربية، طويل القامة، عريض المنكبَين، بشاربٍ رفيعٍ مُنمَّق وذقن مرتَّبة نصف نامية، يَرتدي دومًا بذلةً كاملةً مع ربطة العنق الببيونة، ونظارات طبية أنيقة، والأهم أنه مُستقلٌّ ماديًّا.

ليس ثريًّا كوالدِها، لكنَّه يَملك عدةَ مشاريع لا بأس بها، وشقة في أحد الأحياء الراقية في الخرطوم، كما أنه يُؤسِّس لشركته الخاصة.

لا تعرف متى وكيف تسلَّل إلى حياتها، كان شيئًا كالحلم، أجمل من أن يكون حقيقيًّا.

في الواقع كان النقيض لكلِّ ما تكرهه في الرجال، لم يأمرها بأن تتحجَّب، لم تضبطْه متلبسًا وهو يسترق النظر إلى مفاتنها خلسة، لا يسألها مُتشكِّكًا إذا ما كانت تجيد طبخ البامية وحشو المحشي، لا يتحدث عن مباريات الكلاسيكو، وآخر أهداف «بلة جابر» في الدوري الممتاز، لا يعتبر نفسه مسيحها المخلص من ظلمات العنوسة، والجائزة الأروع في حياتها.

كان رقيقًا حالَمًا مثلها، لم يهتمَّ بشيء سوى عقلها.

كان يُحدثها كثيرًا عن قوانين الدياليكتيك، وفلسفة هيجل، وفيورباخ، وإميل سيوران، ينتقد معها روايات الأدب الغربي، ويناقش معها الإلياذة والأوديسة، وأشعار «ميخائيل إدواردز».

أنت تعرف بالتأكيد أنه يصعب على الفتاة أن تُقاوم شابًّا بهذه الصفات، هكذا وقعت في حبائله بسرعة البرق.

كانت تراه مُختلفًا وصادقًا، ذكي ومثقَّف إلى حدٍّ مُبهِر يَخطِف الأنفاس.

تمَّت الزيجة بسرعة، زواج مُختصَر في مزرعة صديق له، مع أسرتَيهما وأقارب الدرجة الأولى، وبعض الحضور من أعضاء الحكومة ورجال الأعمال من أصدقاء والدها.

شهر عسل قصير في ماليزيا، جلسات رومانسية على الشاطئ مع الغروب، الكثير من التغزُّل ونظرات الهيام المتبادَل، بعض الصور لأياديهما المتشابِكة لمواقع التواصُل الاجتماعي، ثم عادا لشقتِه في الخرطوم.

وعادت الحياة لروتينها.

لم تمرَّ بضع أيام، حتى بدأت تُلاحِظ عادة غريبة من زوجها!

لا، هو لا يتحوَّل إلى شيطان رجيم عند سماع القرآن، أو يَعوي كالذئاب في الليالي المُقمِرة، إذا ما تبادَر شيء كهذا إلى ذهنك، لكنَّه يفعل ما هو أسوأ.

كان يترك غطاء معجون الأسنان مفتوحًا بعد استعماله! وهو ما بدا لها تصرُّفًا همجيًّا وانحدار مريع في السلوك المهذَّب.

كما أنه كان دومًا ما يَرتدي الفانيلة الداخلية ذات الحمالات، ويُداعب شعر صدره البارز خلال ثقوبها، ولم يكن منظره بهيجًا.

VEUILLEZ PORTER DES VÊTEMENTS APPROPRIÉS.

قالتها في تقزُّز ثمَّ راحت تتحدَّث عن سلوك الرجل العصري في أشعار «جون فاولر»، فأطلق سبة بذيئة يُعبِّر بها عن رأيه في شاعرها المقصود، سبَّة تتعلَّق بوالدة الشاعِر وأخواته تحديدًا!

ثم راحَت الملاحَظات تَنهمِر كالمطر.

يلوك الطعام بصوت مسموع، يتبوَّل أثناء الاستحمام، يُقهقِه على دعاباته الخاصة، يشاهد الأفلام الهندية، يَبصُق على البلاط، يقرأ صحيفة الدار، يَتبرَّك بالشيوخ، يُشارك الرسالة إياها لعشرة أشخاص، يَمضغ العصير، يَشخر وكأنه يُعذَّب في سقر، يَستيقظ من النوم بجوارها فيتثاءَب كالخِرتيت، ثم يصدر صوتًا حلقيًّا مُتكرِّرًا يسلك به حلقُه وهو يفرك أذنه بإصبعه.

دعك من أنها ضبطتْه عدَّة مرات يُشاهد التلفزيون في استرخاء، وهو يضع يده داخل سِرواله، ويعبث بأعضائه التناسُلية، على سبيل الملل.

كان هذا أكبر من قدرتها على الاحتمال!

قالت له إنها لم تَعُد تُطيق هذا الوضع، وأنه قد تغيَّر جدًّا من بعد الزواج، قالتْ له أنه لم يَعُد يُناقشها في فلسفة هيجل، وفيورباخ، لم يَعُد يتحدَّث معها عن الأدب الغربي، وأشعار «ميخائيل إدواردز»، لم يَعُد يقرأ الإلياذة والأوديسة.

لم يُجادلها، فقط أطلق غازات بطنه بسخاء — حرص أن تبدو كنوتات موسيقية — ثم غمغم شيئًا عن جنون النساء.

oh my gash.
Être barbare.

بدأت تعي في بطء أنها تعرَّضت لخدعة محكمة، وأن زَوجها المثقَّف الوسيم لم يَعُد مثقفًا أو وسيمًا إلى هذا الحد، في الواقع، لم يكن نطاق اهتمامِه يتخطَّى مُمارسة الجنس، وأهداف «بلة جابر» في الدوري المحلي، وكمية قطع اللحم في طبق البامية، ونوعية الخضار المستخدم لحشو المحشي.

كانت شخصيته الآسرة كالحذاء، يَنزعها أول دخوله للمنزل.

عندما بدأت تَقيئ في الحمَّام، أدركت في رعبٍ أنها ستظلُّ حبيسة هذا الكائن إلى الأبد.

بالطبع تتَّفق معي أنه من الصعب أن تَطلُب الطلاق الآن، بينما هناك جنين بدأ يتشكل في أحشائها.

ألم أقل لك إنها قصة مخيفة جدًّا؟!

(ﺗﻤ…)

مهلًا! أراك تنظر لي في غيظ!

ما علاقة القبعة الزرقاء بالقصة؟!

أنا تحدثت عن قبعة زرقاء؟! ماذا حكيت إذن؟!

جيهان؟ غريب!

في الواقع، لا توجد علاقة!

بدا لي العنوان جميلًا مُغريًا، وحاولتُ أن أتحدَّث عن قبعة زرقاء فعلًا، ثم أفلتت القصة من يدي.

هذه الأشياء تحدث.

(تمَّت)٣
١  الرجل الشرقي التقليدي، الراوي.
٢  لا أُجيد الفرنسية، لكن أعتقد أن ترجمة ما قالته هو: «أنهُم وُحوش وليسُوا بشرًا.» (الراوي)
٣  من الراوي للقارئ: لستُ توَّاقًا إلى مبدأ الشماتة، كما لا أحب أن أُكرِّر نفسي بأن أقول لك إنني قد حذَّرتك من قبل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١