القصة المملة الثامنة: مذكرات مايكل غروننبيرج

الوباء

مريم أيتها القديسة، صلِّي لابنك الحبيب، لأجلنا وأجلِهم حتى تمام الخلاص.

١

ملمس عيدان الذُّرَة على أطراف أصابعي كالحرير، سِحلية الإيغوانا المقدَّسة، صوت الجوقة السمائية يتردَّد في السماء الصافية التي تَصطبغ بصبغة الغروب، أُغمِض عيني في نشوة وأنصت للحنِ العذب، وأشقُّ حقل الذرة ناحية شجرة التفاح في الأفق.

«إيف» جالسة تحت جذع الشجرة في انتظاري، عارية، جميلة، فاتنة، يَنسدِل شعرها الأسود الناعم على كتفَيها، بضع شامات تَتناثَر على وجهِها المُضيء فبدت كالإلهة فينوس، تضع إحدى يديها لتُغطِّي صدرَها، ويدُها الأخرى على فرجها، وتحدجني بنظرات خجلة.

الرب عيسى يتجسَّد على السحاب وهو يَحمل الصليب، أسجُد على ركبتي وأرسم الصليب على صدري «أبانا الذي في السماوات فليتقدَّس اسمك العظيم.» يمدُّ يدَيه ناحيتي وحوله هالة نورانية، يتردَّد صوته الإلهي: «اليوم وصلت إلى ربك يا مايكل، اليوم تولد من جديد، مُطهرًا من كل دنس وخطيئة، فاليوم اخترتك على علم من عندي، هي ملكُك وأنت سيدها، معًا تُقيمان كنيسة الرب الأولى، ومعًا تغرسان بذرة عباد الرب من جديد.»

آخر على الأرض باكيًا مُتضرعًا: «اغفر لي يا رب كل لحظات ضلالي، وشكوكي في مبلغ حكمتك الأزلية.»

– «قد غفرت لك.»

ويتلاشَى صوته مع تلاشي هيئته خلف السحاب، وأظل أنظر للسماء مشدوهًا.

– «إيف … هيا بنا.»

مارس، ٢٠٣١–٥٠ يومًا على العزل.

«مريم أيتها القديسة، صلي لابنك الحبيب، لأجلِنا وأجلهم حتى تمام الخلاص.»

أخيرًا اعتادت أعيننا الظلام.

تبقَّى منا ثلاثة عشر شخصًا فقط، مكوَّمِين في هذه المساحة الضيقة، الطبيب جاك، والمُمرضة نانسي، وأستاذ جامعي كبير في السن يُدعى مارك، ومهندس فرنسي لا أعرف اسمه، وشابان مراهقان، وثلاثة نساء، وثلاثة أطفال، وأنا.

مساحة الغُرفة الحصينة لا تتعدَّى ستَّة أمتار مربَّعة، تكدَّسنا فيها كيفما اتفق، ومخزن مُلحق امتلأ بالأطعمة التي استطعنا جلَبها، ومئات من قوارير المياه.

لم يكن الأطفال بصحَّة جيدة، لقد تُوفِّي اثنان منهم في الأيام الفائتة، ولم نَستطِع أن نجازف بدفنهم في الخارج حتى لا يتسرَّب إلينا الإشعاع، ولم نَستطِع تركهما ليتعفَّنا في وسطنا، لحسن الحظ كان مستر جاك عمليًّا، قام بتصنيع سائل تَحنيط بدائي من أغراض مخزن الأطعمة، ووضع الجثث في إحدى الثلاجات.

رائحة العطن الخانقة أصبحت سمة مُميزة في المكان فلا توجد وسيلة تهوية، لحسن الحظ أن الغرفة بها دورة مياه مُرفَقة، بئر تمَّ تغطيتها بالأسمنت كيفما اتَّفق، بدون وسيلة تصريف للفضلات، مرحاض بدائي لكنه كان يؤدي الغرض.

اعذرني، لقد نسيتُ أن أعرفك بنفسي، أنا مايكل غروننبيرج، وهذه مُذكِّراتي التي شرعَت في كتابتها على سبيل تزجية الوقت، لا أعرف إذا ما كان هناك شخص ما سيقرأ حروفي هذه في يومٍ ما أم لا، ربما نحن الوحيدون الناجون بعد الانفجار العظيم.

هناك سبب آخر دفَعني لكتابة مذكراتي أُسرُّه لك في أذنك، أعتبرها رسالة من الماضي ووثيقة أطلانطس المفقودة، إذا ما قضينا في مخبَئنا هذا، عسى أن يأتي عالم آثار بعد مئات السنين ينبش تحت ركام الصخور، ويجد هذه الأوراق تفسر له ما حدَث في تاريخهم وسبب انقراض أسلافِهم.

من حقِّك أن تعرف كل شيء حتى يُروَى فضولك، وتُروى قصتُنا للأجيال التالية، فلن أبخلَ عليك بالثرثرة.

قبل خمسة أعوام بدأ الإعلام يتناقَل أخبارًا مُرعبة عن فيروس قاتل نشأ في الصين وبدأ ينتشر في آسيا سريعًا، لم يكن الأمر مخيفًا وقتها، فالصين في الطرف الآخر من العالم، ونحن آمنين إلى حدٍّ كبير، وخلال شهر فقط بدأت الأخبار تتناسَل تَترى عن أن الفيروس اجتاح أستراليا، وأفريقيا، وأوروبا، ولم يبدُ أن هناك شيء يستطيع كبح جماحه، ثم وصَل إلى الولايات المتَّحدة، مُخلفًا وراءَه دربًا طويلًا من الجثث، لم يكن يُجامل أو يُهادن؛ فهو يضرب الكل بلا استثناء، الرؤساء والشعوب، والأغنياء والفقراء، والبيض والسود.

قامت الدول بإغلاق حُدودها وعزل الناس في المستشفيات والبيوت، وراحت أجهزة الإعلام تنقل لنا في بيوتنا صور المدن الخاوية كمدن الأشباح، وبدأت المعامل ومراكز البحوث في مسابقة الزمن من أجل تطوير لقاح>

كانت أيامًا عصيبة حقًّا، لكنَّنا كنا نُحقِّق بعض الانتصارات في محاصرة الفيروس، ورويدًا رويدًا بدأ عدد الإصابات يقلُّ، وازداد عدد المتعافين.

حتى كانت ضربتُنا القاصمة للفيروس عندما توصَّل العلماء في روسيا إلى لقاح للمرض.

ولم تمرَّ بضعة أشهر أخرى حتى قُمنا بالقضاء على الفيروس تمامًا، وبدأ الناس يَخرُجون للشوارع ويرقصون ويشربون ابتهاجًا بانتهاء الأزمة، واعتكفتُ أنا في الكنيسة أبتهلُ وأصلي للرب شكرًا على عظيم عطفه ورعايته لبني البشر.

مر الشهر التالي في هدوء، وعادت الدول تفتح حدودها ومجالاتها الجوية، وبدأت الحياة تعود لطبيعتها.

لسوء الحظ لم تدم فرحتنا بالنجاة كثيرًا؛ فقد حملت لنا الأيام التالية الخبر الصادم.

٢

أبريل، ٢٠٣١–٦٥ يومًا على العزل.

«مريم أيتها القديسة، صلي لابنك الحبيب، لأجلنا وأجلهم حتى تمام الخلاص.»

منذ يومين أصيبت نانسي بنوبة ذعر هستيرية غير مسبوقة.

كنا نيامًا، واستيقظنا فزعين من أثر صراخها الفظيع، كانت تبكي وتصرخ بصوت متهدِّج بأنها لا تستطيع التنفُّس، وتضرب الباب الفولاذي بقبضتَيها حتى أدمتها في محاولة للخروج، هُرعنا إليها أنا والطبيب جاك، والمهندس (عرفت مؤخرًا أن اسمه كلاود) نُحاول تهدأتها لكنَّها كانت كالقط الثائر، صفَعَت جاك على وجهِه ورفستني أسفل بطني حتى سمعتُ الهواء يُصفِّر من أذني، وكدتُ أسقط مغشيًّا عليَّ، وراحت تَخمش وجوهنا بأظافرها وهي تعوي بطريقة مخيفة، انفجَرَ الأطفالُ في البكاء، بينما احتضنتهنَّ النسوة وهن يَنظرن لها في رعب بالغ.

كان الوضع جنونيًّا.

أمَرَنا الطبيب جاك بتكبيلِها بالقوَّة، ثم قامَ بغرس حُقنة مهدئة في ذراعها، وهي تتلوَّى بعنف، مرَّت دقيقة حتى لانَت حركتها، ثم غطَّت في نوم عميق، حملناها في عناية حتى وضَعنها في أحد الأفرشة المتناثِرة على أرضية الغرفة، ووقف جاك يلهث بينما وضعت يدي على جبينها وقرأت لها قليلًا من الكتاب المقدس لطرد الشياطين والأرواح الشريرة.

إنَّ العيش لشهرَين كاملين في مساحة ضيقة كهذه يُثير الأعصاب حقًّا، من الصعب أن تتحمَّل أن تنام وتصحُو على ذات الكُتَل الإسمنتية المحيطة بك دون أن تتأثر، وأصارحك أنني قد بدأت أشعر بالاختناق أيضًا، لكنَّني أُحاولُ التماسُك، حتى لا أثير ذعرهم.

كان المهندس الفرنسي كلاود يقف أمام غرفة الطعام، أشار لي وللطبيب جاك برأسه وعلى وجهه نظرة غريبة، فهرعنا إليه متوجسين، انتحى بنا جانبًا وقال هامسًا بإنجليزية ركيكة: «إنَّ الأوكسجين يقلُّ بإطراد، لقد فقدنا أكثر من ثلث الهواء النقي منذ بداية العزل، وخلال أيام معدودة سنموت اختناقًا إن لم نجد حلًّا بسرعة، هناك شيء آخر!»

وأشار للمخزن وأضاف: «المؤن تتناقَص بشكل كبير، ما تبقَّى لن يكفيَ لأكثر من شهر على أقصى تقدير إذا استمر الأمر على هذا المنوال.»

أطلق جاك سبَّة بذيئة، ثم انتبه لوجودي فنظر لي نظرة مُعتذرة، هززت رأسي بمعنى «لا عليك»، وسألت كلاود: «ماذا تقترح؟»

– «يجب أن نُحدَّ من استهلاك الماء والطعام لأقصى حدٍّ، نُعطيهم ما يُحافظ على حياتهم فقط.»

– «ماذا عن الأوكسجين؟»

– «سأُفكِّر في شيءٍ ما.»

وعاد كلٌّ منا إلى فراشه وقد توحَّدت أفكارنا وهواجسنا.

سأستكمل لك ما انقطع.

قال العلماء إنَّ الفيروس قد تطوَّر وعاد أكثر شراسة وعنفًا، وأسرع انتشارًا، في البداية عاد الفيروس للظهور مجدَّدًا عند المرضى السابقين بعد أن تعافَوا، ثم بدأ في الانتشار للأصحاء، قالوا إنه يهاجم الجهاز التنفسي والكليتين، ثم يدمر الجهاز المناعي في يومين على الأكثر، ويقتل ضحاياه اختناقًا.

أغلقت عليَّ باب الكنيسة، وظللتُ أشاهد عبر النوافذ الزجاجية في رعبٍ ذلكَ الهول الذي يحدث في الطرقات، رجل يَمشي مترنحًا وهو يُمسك عنقَه في ذُعرٍ ويشهق بحثًا عن الهواء، ثمَّ يسقط على الأرض ويتلوَّى في مشهد مؤلم، ثم تستكين حركته ويموت، فتاة، طفل، مراهقون … كانوا يموتون بالعشرات، بالمئات، بالآلاف!

يا إلهي، عندما أتذكر تلك الأيام!

مريم أيتها القديسة، صلي لابنك الحبيب.

امتلأت الكنائس واكتظَّت بالبشر كما لم تفعل من قبل، وبدأ الناس يعودُون للرب أفواجًا ويستجدونه أن يحفظ أرواحهم وأرواح أحبائهم، كان هذا خطأً مريعًا بالطبع، فقد تفشَّى المرض بينهم كما النار في الهشيم.

لم يَعُد اللقاح مجديًا، قال العلماء إن الفيروس يتلاعَب بالجميع، ويُقاوِم أي لقاح يتم إيجادُه، وأنه أذكى منَّا جميعًا، قالوا إنه يُحدث طفرات دورية ليتغلَّب على أيِّ شيءٍ يُمكن أن يُحدَّ منه. أما الشيء المرعب والذي أثار حيرة العلماء أن كل الفيروسات المنتشِرة في أجساد المرضى تقوم بذات الطفرة في الوقت عينه … وكأن هناك رابطًا خفيًّا تتواصَل به مع بعضها البعض، لذلك كانت الطفرات مدمرة، ولم يَعُد من الممكن احتواؤها.

وظهر عالم بيولوجيا عجوز مُرهَق عبر شاشات التلفزة، ليقول للشعب الأمريكي عبارة اشتُهرت لاحقًا وأصبحت سمة نهاية العصر.

«إنها القيامة يا سادة، هذا الفيروس شيطان مسلَّط علينا من السماء، الأمر خارج نطاق قدرتنا ولم يعد من شيء نُقدمه لكم، فليتوسَّل كلٌّ منكم إلى الإله الذي يعبده، إن لم يتدخَّل الرب فنحن لا محالة هالِكُون.»

بالفعل كان شيطانًا.

بدأ الناس يتساقطون في الطرقات كالذباب، وقلَّ هامشُ النجاة للمُصابين حتى صار صفرًا، فكان كل من يُصاب بالفيروس يموت في غضون يومَين أو ثلاثة كحدٍّ أقصى.

عادت صفارات الإنذار تدقُّ في الطرقات، وطالبت الحكومة الناس بالبقاء في منازلهم، لم يمرَّ أسبوع آخر حتى أعلن البيت الأبيض عن إصابة رئيس الجمهورية وزوجته بالفيروس، وتُوفيا بعد يومين.

هنا بدأ الجنون الحقيقي، بدأت وسائل الإعلام تَنقُل لنا أعمال السلب والنهب التي تعم البلاد، فرغت محلات السلاح، وسادَت الفوضى، وعم الهرج والمرج.

أغلقت الولايات حدودها على نفسها، وتمَّ تكليف الجيش لأول مرة في التاريخ بحكم البلاد، فانتشرت القوات المدجَّجة والدبابات في الطرقات، فرضت حالة الطوارئ، وتمَّ حظر التجمُّعات، وراحت الطوافات تُحلِّق فوق الرءوس لترشَّ المُعقِّمات على المدن وتُراقِب التجمعات البشرية. وراحوا يُطلقون النار في الرأس مباشرة على كل شخص يُضبَط خارج منزله.

لم يُفلِح كل هذا.

كان الوضع يتسارع بطريقة جنونية، عمَّت الاضطراباتُ الطرقاتِ، وبدأ الجيش يُواجه حرب عصابات في الشوارع.

في الشهر الأول من عودة الفيروس مات أكثر من عشرين ألفًا من البشر حول العالم، ثم عشر ملايين في الشهر التالي، ثم مائة وعشرون مليونًا في الشهر الثالث، ثم مليارٌ في شهره الرابع، كان الفيروس يضرب في كل الاتجاهات، ويَكتسِح الدول بعنف وقسوة، لا يَستثني إنسانًا أو حيوانًا.

بعد انقضاء العام الأول، أباد الوباء أكثر من ثلثَي البشرية، مُحيَت قارات من الوجود عن بكرة أبيها، في البدء سحق الفيروس أفريقيا، ثم أمريكا الجنوبية، ثم أستراليا، ومنطقة الشرق الأوسط، سقطت الحكومات في آسيا وأوروبا، احترق مُعظمُها وعادت إلى زمن العصور الوسطى في أشهر معدودة، عمَّت المجاعة بعد توقف المصانع وهلاك الماشية، وانتشرت العصابات المسلَّحة في الشوارع.

وفي الولايات المتحدة توقفت خدمة الإنترنت أولًا، ثم انقطعَت الكهرباء والمياه عن كامل البلاد، وانعزلنا عن العالم الخارجي.

ظلَّت الجثث تتكدَّس في الشوارع حتى أصبحت مَنظرًا معتادًا، كان جنود الجيش الذين يَرتدُون البذلات الواقية يقومون بإحراقها في مكانها في البداية، ثم تركُوها كما هي بعد أن فاق عدد الجثث قدرتهم على تتبعها.

وبعد تزايد سيطرة عصابات الملوَّنين المسلحة على المدن، انسحب الجيش بكامل قواته المتبقية وعتاده من كل البلاد، وقاموا بتكوين منطقة آمنة في «لونغ أيلند»، تم جمع من تبقى من الأصحَّاء فيها، وإغلاق مدخلها الوحيد بالدبابات، وتُركت بقية البلاد لمصيرها.

في منتصَف العام الثاني بدأت الحرب النووية!

٣

أبريل، ٢٠٣١–٧٥ يومًا على العزل.

«مريم أيتها القديسة، صلي لابنك الحبيب، لأجلنا وأجلهم حتى تمام الخلاص.»

لقد تخلَّى عنا الرب.

كان من الواضح أنه قد تخلَّى عنا وتركنا نواجه مصيرنا مع الوباء لوحدنا، لم تشفَع كل صلواتنا وابتهالاتنا وركوعنا تحت قدميه، لم تشفع دموعنا وبكاؤنا وتعلُّقنا على الصليب، لم يشفع شيء!

أبانا الذي في السماوات فليتقدَّس اسمك، باسمِكَ أيها الأب والابن والروح القدس اغفر لي خطيئة شكِّي، وطهرني من الدنس.

لم نفهم ما الذي حدث تاليًا، فلم تكن هناك كهرباء أو إعلام ينبهنا، استيقظت ذات صباح على الصوت الهائل للانفجار، ومن نافذة الكنيسة الزجاجية الملوَّنة بالنقوش المقدَّسة، رأيت في الأفق الشكل المُرعب لسحابة عُشِّ الغراب المُميزة للانفجارات النووية، لا بدَّ أنها سقَطَت على «إنديانابولس» أو «كانساس سيتي»، بعدها بدقائق رأيتُ مئات الرءوس النووية الأمريكية تنطلق من قواعدها في اتجاه الشرق، وبدأت الصواريخ تتساقَط على الجميع كالمطر.

تناثَرَت أقوال هنا وهناك أن روسيا والصين هما من قصفونا، بدأ تبادل الاتهامات بين كلِّ طرف بمسئولية الآخر عن صناعة الفيروس عن عمد لتدمير اقتصاد الآخر، قبل أن يخرج الفيروس عن السيطرة، تصاعدت الاتهامات لتراشُق عنيف، ثم قرَّر الجميع أن يُمارس الجنون حتى أقصاه، ويقضوا على ما تبقَّى من مظاهر الحياة.

في البداية قاموا بقصف ما تبقَّى من قواعدنا العسكرية في الشرق الأوسط وشرق أوروبا، ثم وجهوا لنا الضربات مباشرة.

لقد قصفوا.

اعذرني، أشعر بالعطش والإرهاق، سأستكمل لاحقًا.

٤

أبريل، ٢٠٣١–٧٩ يومًا على العزل.

«مريم أيتها القديسة، صلي لابنك الحبيب، لأجلنا وأجلهم حتى تمام الخلاص.»

اليوم طلبت منِّي والدة أحد الأطفال بعض الحلوى لابنها، لا بد أن السكر في دمه قد بدأ في الانخفاض، أخذته إلى غرفة الأطعمة وأغلقت الباب، كان جميلًا جدًّا، أعطيته الحلوى وقمت بعمل ما يتعين عليَّ عمله، ثم أخرجته لوالدته!

تُوفيَت مع ابنها بعدها بساعات!

لا بدَّ أنها سقطت على رأسها لأنها كانت تنزف بغزارة، وكذا ابنها.

٥

مايو، ٢٠٣١–٨٣ يومًا على العزل.

«مريم أيتها القديسة، صلي لابنك الحبيب، لأجلنا وأجلهم حتى تمام الخلاص.»

يبدو أننا لن ننجوَ في مخبئنا لفترة طويلة.

لقد فُجعنا اليوم بموت جاك الطبيب، لا بد أنها أزمة قلبية أو شيء من هذا القبيل، قمتُ أنا وكلاود بسحب الجثة إلى غرفة الأطعمة بعيدًا عن الأعين المذعورة وبكاء الأطفال وعويل النسوة، لقد خسرنا الطبيب، أكبر امتيازاتنا وأهم فرد في المجموعة.

كان وجه كلاود مُمتقعًا ونحن نلف الجثة بأكياس القمامة السوداء، ثم أُفرِغ معدته بجانبي.

– «تبًّا، لا بد أن تتماسك ياكلاود.»

مسح فمه بظهر يده، وجهُه محمر كالطماطم … قال لي بصوت كالبكاء: «ما الذي نفعله هنا؟ نحن نؤجل المحتوم فقط لا غير!»

– «تماسك يا فتى، ليس هذا وقت الانهيارات العصبية.»

لم يكن يسمعني.

راح يُردِّد في هيستريا وهو يعبُّ الهواء بصعوبة عبر فمه: «سنموت اليوم أو غدًا، لا يهم، المهم أننا سنموت، لا يوجد سوى الموت يترصَّدنا في الداخل والخارج، فإما الوباء والإشعاع، أو الموت البطيء جوعًا ومرضًا.»

قمت بتوجيه صفعة قاسية له ليكف عن العويل، توقعتُ أن يَصمُت ويَستفيق كما كنت أرى في الأفلام دومًا، لكنه نظر لي في توحش، عيناه الزرقاوتان تتسعان في جنون، ثم قفز عليَّ حتى أسقطنى أرضًا واعتلاني وهو يطبق يديه على عنقي في غل، وهو يصرخ: «دعنا نخرج أيها المريض اللعين!»

وراح يهذي بكلام كثير بالفرنسية، لا أحتاج أن أتعلم الفرنسية لأعرف أنه يشتمني بأقذع الألفاظ، من الصعب أن تحافظ على انضباطك اللغوي وقواعد الترجمة عند الغضب الشديد.

كانت سكينٌ تقطيع الفاكهة بجواري، أمسكت المقبض بيد مرتجفة وأنا أشهق من أجل الهواء، فلا تخرج سوى حشرجة مكتومة مؤلمة، طوحت بيدي في الهواء ثم غرستُ النصل في عنقه بقوة، مرت ثوانٍ كأنها دهور وهو لا يزال يُحكم قبضتَيه على عنقي، فجأة تراخت يداه ثم تهاوي بجانبي كبالون مثقوب.

المزيد من الدماء، تبًّا لكلِّ هذا.

سيتعين عليَّ التعامل مع جثتَين بدلًا من واحدة الآن.

سأكفُّ عن الكتابة وأنام قليلًا الآن.

٦

أكتوبر، ٢٠٣١–٢٥٠ يومًا على العزل.

«مريم أيتها القديسة، صلي لابنك الحبيب، لأجلنا وأجلهم حتى تمام الخلاص.»

لقد حدثت أشياء فظيعة في الأيام السابقة.

لقد مات الجميع، ولم يبقَ سواي أنا و«ونانسي».

انتهى الماء والطعام منذ شهرين تقريبًا، مات الطفل في الأسبوع الأول، ثمَّ الشابان المراهقان ثم من تبقَّى من النسوة، أما «مارك» الأستاذ الجامعي فقد قتلتُه أنا بعد أن حاول الهروب من المخبأ، حاول بكل أنانية تعريض سلامة الجميع للخطر من أجل رغبته الشخصية، فاضطررتُ آسفًا لإزهاق روحه فداءً لحياة البقية ونبوءة المقدس، على كلِّ حال هذه تفاصيل أنا في غنًى عن سَردِها الآن.

لعلَّك تتساءل متعجبًا عن كيفية نجاتنا أنا «ونانسي» طيلة شهرين كاملين بدونِ ماء أو طعام.

حسن، لستُ فخورًا بهذا على نحوِ خاص، لكن أحسبُني قد اتخذتُ القرار الصحيح فيما يخصُّ هذه المسألة، ربما قرأت من قبل عن طائرة الفريق الرياضي التي سقطت في جبال الإنديز، ولم يجدوها إلا بعد مرور عدة أشهر، وبرغم هذا وجدوا بعض الأحياء، كيف عاشوا؟

إن غريزة الحياة تدفعنا لارتكاب أشياء فظيعة أحيانًا في سبيل استمرارنا.

لم يكن القرار سهلًا في البداية، إنَّ أكل لحوم البشر شيء مُقزِّز، وشرب الدماء من أجل إرواء العطش لا يقلُّ سوءًا، لكن هل لدينا خيار آخر حقًّا؟

كما قلت، لستُ فخورًا بما اضطررتُ لفعلِه، لكن لا بدَّ من إبقائنا أحياءً حتى عودة الرب.

لم تُوافِقْني «نانسي» في البداية، وظلَّت تصرخ وتَضرب وجهي كالقط المتوحش، وتتوسَّلني باكية لأسمح لها بالخروج ومواجهة مصيرها في الخارج، ثم فقدَت وعيها مرات عديدة، وأصابها الهزال والمرض، في النهاية لم يَعُد من مفر، فإما هذا أو تموت هي كذلك.

لن أسمح للفيروس والإشعاع أن يتسرَّبا للداخل، بعد أن أمضيت عدة سنوات أبني هذه الغرفة الحصينة، كما لن أسمح بموت «إيف» بعد أن وصلنا إلى هذه المرحلة.

سنبقى هنا وننتظر.

٧

فبراير، ٢٠٣٢–٣٧٣ يومًا على العزل.

«مريم أيتها القديسة، صلي لابنك الحبيب، لأجلنا وأجلهم حتى تمام الخلاص.»

«اليوم وصلت إلى ربك يا مايكل، اليوم تولد من جديد، مطهرًا من كل دنس وخطيئة، فاليوم اخترتُك على علم من عندي، هي ملكُك وأنت سيدها، معًا تقيمان كنيسة الرب الأولى، ومعًا تغرسان بذرة عباد الرب من جديد.»

•••

لقد حان وقت الخروج يا «نانسي».

زارني الرب في المنام مجددًا، تكرر الحلم المقدس وتحقَّقت النبوءة.

أذن لنا الرب بالخروج بعد عام من المسغبة، قال لي بصوته المقدَّس أن الأرض تطهَّرت من رجسها، وأضحت مهيَّأة للخروج العظيم، وإعادة تعميرها من جديد.

تلاشى الإشعاع وانتهى الوباء بموت آخر إنسان على وجه الأرض، ومن أجل البناء لا بدَّ من الهدم، أعادَت الأرض تنظيف نفسها من درن الإنسان، أسوأ فيروسات الطبيعة وأكثرها شرًّا وكفرًا، بعد أن لوث البيئة، وسفك الدم، وأشاع الظلم، ونشر الرجس والانحلال الأخلاقي.

اغترَّ ابن التراب من تطوره التكنولوجي والعلمي، فطغى وتجبَّر ونصب نفسه إلهًا، وكفر بالرب وسخر من دينه.

تحقَّقت النبوءة، وأرسل الرب إليهم المسيح الدجال، فيروس قاتل من صلبهم، قضى على كل شيء، ونسف غرورهم الهش، ومهد الأرض لعودة المسيح.

آنَ أوان الخروج يا «نانسي».

آنَ الأوان لتعود راية المسيح ترفرف من جديد وسط مجتمع جديد، سيَنشأ من بين حطام من سبقوه، مُجتمَع مؤمن متوحِّد ليس فيه كافر، أو مجدِّف، أو مهرطق، أو بوذي، أو يهودي أو مسلم.

لم يبقَ في الأرض سوانا يا «نانسي»، ومعًا وبهداية الرب سنُعيد تعمير الأرض كما فعل آدم وحواء أول مرة.

آنَ أوان الخروج يا «نانسي».

لقد بذرتُ فيك بذرتي، في أحشائك بذرتُها، باسم الاب والابن والروح القدس، فليتقدَّس اسم الرب، في كل الأماكن وكل الأزمان، وليتقدَّس ابني النبي المولود، المتجسِّدة فيه رُوح المسيح العائد.

بذا تنتهي مذكراتي، وكتابي المقدس للأجيال القادمة.

أنا مايكل جروننبيرج.

أبو البشرية، وأول أنبياء الخروج العظيم.

(تمَّت)

بعد عام من لغزِ اختفاء مفقودي نيويورك الأربعة عشر
تفاصيل صادمة: رجل دين كاثوليكي يَختطف مجموعة من الرهائن

نيل تيرانس — نيويورك تايمز.

ألقَت شرطة مدينة نيويورك القبض على القس «مايكل جروننبريج»، قسيس كنيسة (…) بعد أن تمت مشاهدته وهو يسحب امرأة تحت تهديد السلاح في الطريق العام.

وأفاد الرقيب «ديلبرت ستيوارت» رئيس الدائرة (٨٧) في شرطة نيويورك، أن الناجية الوحيدة من قبضة السفاح «نانسي ج. ميلر»، والتي تمَّ إدخالها للمُستشفى مؤخَّرًا إثر حالة بدنية ونفسية سيئة للغاية، أدلَّت للشرطة بإفدات صادمة، عن اختطاف وقتل جروننبيرج لثلاثة عشر فردًا من روَّاد الكنيسة واحتجازهم في قبو منزله لعام كامل.

«كان مختلًّا» تقول نانسي، وتضييف أنه كان يَغتصبها بصفة يومية ويرغمها تحت تهديد السلاح على أكل لحوم الموتى، كما أنه كان يغتصب الأطفال ثم يقتلُهم مع أمهاتهم، ويمارس الجنس مع الجثث.

رجل الدين المذكور يواجه تهمًا مُتعدِّدة تشمل القتل والاختطاف والتعذيب والاغتصاب.

مزيد من التفاصيل ص٣

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١