الفصل الرابع

البيت

إنهم يبايعون الشيطان نفسه.

يعملون لإقامة بلاد المازونية، أو الماسونية في أرض السودان.

لا يذكر الاسم جيدًا، لكنهم سيعبدون الشيطان على أية حال.

***

الخميس: ٣ أكتوبر ٢٠١٣م

بعد الرابعة والنصف صباحًا لا يستطيع «مجاهد» النوم مجددًا.

لذلك كان يشعر بقمَّة النشاط، بعد أن انتهى من تنظيف الحافلة، وراح يقلب عينيه مزهوًّا بما أنجَزَه في مملكته الصغيرةِ هذه.

جلس على كرسي السائق، وأدار المحرك.

انطلق صوت الهدير المعدني الواثق المطمئن برزقِ يوم جديد.

راح يقلب في صندوق القفازات بحثًا عن شريط الكاسيت المناسب لبدء اليوم. أغاني الأعراس الشعبية، محاضرات محمد سيد حاج، مصطفى سيد أحمد، محمود عبد العزيز، أغاني أثيوبية متنوعة، صولات الربع.

نعم، هو محمود.

تنساب الموسيقى من جهاز الكاسيت، بينما يتحرَّك هو بالحافلة في الضفة الوعرة بحذر. كان يسير بمحاذاة أسفل كبري المنشية، عندما تذكر شيئًا فجأة.

لماذا لا يلقي نظره على ذلك الشيء الذي أسقطه الرَّجُلان الغامضان في النيل قبل نصف ساعة؟!

إن الفضول يغمره، سيلقي نظرة خاطفة، ثم يعود أدراجه. وقد انتهى من التنظيف مبكرًا على أية حال، وما زال أمامه بضع دقائق لينفقها.

الحافلة تتهدج في الطريق الوعر بمحاذاة النيل، بينما راح يرمق الضفة على يساره في فضول.

لا شيءَ بعد خمس دقائق.

قرر الرحيل. لا بد أن الموج قد ألقى به بعيدًا على أية حال.

أعاد ناقل الحركة للخلف، وراح يرجع ببطء ليصل للطريق الممهد الصاعد للشارع الرئيسي، عندما لمح شيئًا على الضفة.

أوقف الحافلة وراح يشرئبُّ بعنقه، لكن زاوية الرؤية لم تكن واضحة، فقد كان مختفيًا خلف بضع شُجيرات على ضفة النيل.

هكذا ترجَّل من مقعده، واقترب من الضفة الطينية أكثر.

سر الغرام نبع الحنان
قمرية في قلبي الودود
غنت على سمع الزمان
من وحي إلهام الخلود
إحنا التقينا على أمل
فعلامَ هجران الصدود؟

كانت قمامة فعلًا!

كتلة متمازجة قبيحة من القماش والألوان والأكياس البلاستيكية، تتموج علوًّا وهبوطًا مع تيار الماء، لكنها ظلت ثابتة في مكانها، بعد أن اشتبكت بأفرع بعض الشجيرات على الضفة.

لم تكن الرؤية واضحة جدًّا، كان ضوء الشمس يتسرب باهتًا، لكن ظلمة الليل كانت لا تزال أكثر انتشارًا.

لم تكن الرؤية واضحة جدًّا، فلم يتذكر الحد الذي اقترب منه. لكنه يتذكر أنه، وفي التالية، كان قد سقط على الأرض، وهو يصرخ بلا انقطاع.

لا بد أن ساقَيْه كانَتَا تملكان عقلًا خاصًّا بهما؛ لأنه لم يفكر كثيرًا عندما وجد نفسه يجري في رُعب في الاتجاه الآخر.

يثب فوق الحفر الطينية، فتنزلق قدمه ويسقط بوجهه على الأرض الطينية، لم يهتم ببصق فضلاتِ الطين من على فمه، وهو يعاود الجري ويتفادَى الحشائش النامية متجهًا للشارع العام.

كان يجري ويصرخ في هستيريا؛ لذلك بدَا له ما جال في خاطره سخيفًا جدًّا في تلك اللحظة.

«المروحة تحتاج بعض الزيت.»

عليه ألا ينسى ذلك.

١

قال «إبراهيم» وهو يفتح قارورة «العرقي» الثانية، ويصب بعضًا منه في كوب زجاجي: «سأحكي لك كلَّ شيء، فلا تقاطعني من فضلك.»

كان في الميدان المظلم خارج المنزل عندما وصلت، جالسًا على إحدى الإطارات المدفونة طوليًّا في حواشي الميدان، ويحتضن قارورة الخمر في شرود.

جلست جواره في صمت.

كان رأسي يضج بالحيرة، ولساني يحتشد بالأسئلة، لكنني قررت أن التزم الصمت؛ حتى أستمع إلى ما سيقوله أولًا. مد لي الكوب الزجاجي بدعوة صامتة فرفضت عرضَه بهزةٍ من رأسي، جرع محتويات الكوب مرة وحدة، تقلص وجهه، وهو ينفث من بين أسنانه، ثم عاد لهُدوئه، وراح يصب المزيد في الكوب.

– «بدأ الأمر في النصف الثاني من سبتمبر، عندما بدأنا نسمع أحاديثَ هامسةً في الجامعة عن نُذُر انتفاضة شعبية تلوح في الأفق.

قالوا إن بعض الشباب في ود مدني قاموا بعمل تجمعات ليلية، وحرق بعض الإطارات في الأحياء وفي الشوارع الرئيسية. قالوا إن الأمر بدأ يصبح جديًّا، حتى إن الشرطة تدخلت عدة مرات، وقامت بفض عدة تجمعات هناك.

كانت الخرطوم تترقب في حذر.

كان عمار قد بدأ في عمل بعض اللقاءات السرية مع بعض الطلاب بالجامعة وجامعات أخرى، لحشدِ أكبر كمية من الشباب، لتشكيل لجان في الأحياء السكنية، إذا ما انتقلت الشَّرارة من الجزيرة للخرطوم، وهو ما كان يتوقعه.

كانت الخطة بسيطة؛ أن تقوم كل مجموعة باستقطاب الشباب المقيمين في الأحياء المجاورة لأماكن إقامتهم، لتكوين لجنةٍ للحي، ومن ثم تقوم هذه المجموعة باستقطاب آخرين في أحياء أخرى، وهكذا. وسيلة فعالة لضمان انتشار الفكرة بأسرع ما يمكن. يشبه الأمر نظامَ التسويق الشبكي الذي كان منتشرًا منذ فترة. هل تعرف التسويق الشبكي؟

لا.

أين كنت تعيش؟ كهوف قندهار؟ هه هه.

التسويق الشبكي عندما تبيع منتجًا ما مقابل عمولة من الشركة، وعندما يقوم زبونك ببيع المنتج لآخرين، تحصل أيضًا ﻋ…

قاطعته بنفاد صبر: «لا يهمني أن أعرف ما هو، أرجو أن تستمر في قصتك.»

– «قصة التسويق الشبكي؟»

– «عمار، لجان الأحياء.»

ظل ينظر لي بعينَيْن مخمورتين لثوانٍ مبتسمًا في بلاهة، وكأنه لم يسمعني، ثم قال فجأة كأنه لم يتوقف: كان عمار يعتقد أن الكل متحفِّز ويتأهب للمشاركة في الانتفاضة، فقط هم يحتاجون إلى دفعة أولى، أن يروا أشخاصًا قد خرجوا للشوارع فعليًّا، عندها ستحرك بقية التروس في الماكينة، وستنطلق الانتفاضة الشاملة.

كانت مهمة اللجان أن تكون هي الشرارة الأولى التي تخرج للشوارع. كانت الخطة التي وضَعها «عمار» بأن يقوموا بالتنسيق مع بقية اللجان المجاورة؛ لعمل تجمعات صغيرة تعتمد على تكنيك الكرِّ والفر والمسيرات القصيرة، وأن تنشأ بالتوازي في مناطق مختلفة من الخرطوم؛ لتشتيت أفراد الأمن وإرهاقهم.

تولى «عمار» مهمة تنسيق التواصل بين هذه المجموعات، وتحديد أوقات وأماكن التجمعات؛ حتى لا يحدث تضارب بينها، وكانت مهمة «محمود» تحديد أماكن التجمع، واختيار بيوت آمنة للانسحاب والتقاط الأنفاس في حالة مهاجمة المظاهرة.

في تلك الفترة لم أعد أرى عمار.

اختفى تمامًا، لم يعد يحضر للمنزل أو للجامعة للمحاضرات.

المرة الوحيدة التي رأيته فيها لثوانٍ كان برفقة ذلك الطالب اللزج «محمود» أحد طلاب العلوم السياسية بجامعة النيلين، كان معجبًا بعمار وطريقته الحماسية في الخطابة، ويحضر دومًا حلقات النقاش التي يقيمها بالجامعة، لكن علاقتهما وقتها لم تتعدَّ السلام من بعيد وهزاتِ الرأس. فجأة أصبح صديقه الحميم، وأصبح يلازمه كظله.

حتى «هبة» حبيبة القلب لم تعد تراه، قابلتني في نشاط الجامعة بعد أيام وجلسنا نشرب الشاي، كانت بادية القلق، قالت لي إنها لم تعد ترى «عمار» في الجامعة، ولم يعد يتصل بها أو يرد على اتصالاتها، أو رسائلها. قالت لي إنها تخشى أن يكون قد أصابه مكروهٌ ما.

لا أخفي عليك يا دكتور: إنني بدأت أشعر ببعض الحنق تجاهه، لقد بدأ يتجاهلني ويخرجني من دائرة اهتمامِه. كنت صديقه الوحيد بالكلية وتوقعت أن يأتمنني على أسرارِه في تلك الفترة، لا أن يتجاهلني، ويبدأ في التسكع مع هذا اﻟ «محمود». لم يكن هذا مفهومًا بالنسبة لي.

لن أقول إنني شعرت بالغيرة؛ حتى لا يبدو شكل العلاقة غريبًا، لكنني كرهت «محمود» جدًّا.

قلت لها: إنه بخيرٍ، لكنه منشغل في شيء ما، قلت لها كاذبًا إنه أوصاني بأن أطمئنها، وأخبرني بأنه سيتصل بها قريبًا. فلا داعي للقلق. قالت إن هناك شيئًا مهمًّا للغاية تريد الحديث معه بخصوصه، وطلبت مني أن أخبره أن يتواصل معها في أقرب فرصة، شيئًا ما عن والدها وضغوط أسرتها، لم أفهم شيئًا مما قالت؛ لأنها انفجرتْ بالبكاء مع بداية حديثها ولم أفهم حرفًا.

ثم بدأ الأمن في حملة الاعتقالات مبكرًا؛ تحسبًا وخوفًا من انتقال العدوى للخرطوم، استهدفوا قيادات الأحزاب والنشطاء الميدانيين، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي كذلك، كانوا يُداهمون المنازل ليلًا ونهارًا.

في ذلك اليوم كنت عائدًا من الجامعة، عندما وجدت سيارة البوكس الحكومية الزرقاء تقف أمام السكن الداخلي، قاموا باعتقالي واقتيادي لأحد المراكز الطرفية بالعاصمة. وهناك قال لي قائدهم الضَّخم الجثة إنهم يعرفون أن «عمار» متورطٌ في تكوين جماعات سرية؛ بهدف تحريض الغوغاء وبعض ذيول التمرُّد والخلايا النائمة للخروج للشوارع، وتخريب ممتلكات الدولة وإشاعة الفوضى. قال إن الدولة تعتبره مارقًا وشخصًا خطرًا. قال إنهم يريدون مني مساعدتهم في الوصول إليه.

وعندما قلت لهم إنني لا أعرف مكانه، ولا كيفية الوصول له قاموا بتهديدي، عرضوا عليَّ صورًا لقريتي، قالوا لي إنهم يعرفون مكان إقامة والدتي وأخي الصغير، يعرفون أسماءهما الثلاثية، وتاريخ ميلادهما ومكان بيتي، يعرفون شيخ «مبارك» إمام المسجد، و«صلاح» راعي الماشية و«هارون» صاحب البقالة المتهالكة، وحاجة «فاطمة» التي تبيع القدوقدو والكول والتركين، وعم «جمعة» المجنون الذي يَجري في شوارع القرية، ويسيره الأطفال بالطوب وروث البهائم. يعرفون كل هؤلاء.

قالوا لي إنني سأكون مسئُولًا عن أي مكروه يصيبهما، إذا لم أتعاون معهم.

– «لن تسمح بأن تتأذَّى الوالدة التي حملَتْك في بطنها تسعة أشهر. لست ابنًا عاقًّا. أليس كذلك؟»

وعندما خرجت في اليوم التالي، عرفت أنني سأفعل ما يريدون.

بالطبع لا حاجة لأن أقول لك إن الانتفاضة اندلعت في الخرطوم بعدها بيومين، وكلنا نعرف تفاصيل المسيرات اليومية لطلاب الثانوي والجامعات، وتوتر الأوضاع والأرواح التي أزهقت.

توقفت عن الذهاب للجامعة، وبدأت ألازم المنزل.

ثم بدأ الحديث همسًا عن جمعة قادمة يحتشد فيها المتظاهرون بحشود ضخمة، نوع من الضربة القاصمة التي ستوحِّد الجميع وترعب الأمن، وتجذب أنظار العالم الخارجي لسوء الوضع؛ حتى لا تطلق الحكومة يدها في قتل الجميع بجنون. وبقليل من الحظ والإصرار سيحدث التغيير المنتظر.

أسموها جمعة الشهداء، تكريمًا لأرواح العشرات الذين ماتوا في الأيام السابقة.

وفي يوم الخميس السابق لها وردَتْني مكالمة هاتفية من «عمار».

قال لي إنهم يحشدون ليوم الجمعة، وإنهم سيتجمعون في ميدان الرابطة في شمبات، كان يبدو قلقًا متوترًا من نبرة صوته، وطلب مني أن أوصل رسالة خاصة ﻟ «هبة»؛ لأن هاتفَها لا يعمل منذ أيام، وأنه يشعر أنها تتجنبه.

كان منزعجًا للغاية، شعرت أن هنالك شيئًا ما يدور ولا أفهمه.

طلب مني كذلك أن أخبر الزملاء في السَّكن الداخلي أن يساندوا إخوانهم يوم غد، وأن يلتحقوا بهم في الميدان.

أغلقت الهاتف متوجسًا، كنت أتمنى ألا يتصل بي أو يظهر مجددًا، لا أريد أن أخوضَ مثل هذا الصراع مع نفسي.

هل أبلغهم بمكان وجوده غدًا؟ كل ذرة من جسدي تصرخ رفضًا.

ماذا لو قاموا بتنفيذِ تهديدهم فعلًا، وحصل مكروه ما لأمي وأخي؟ لن أستطيع العيش مع نفسي مجددًا.

ظللت طيلة الليل أتقلَّب في فراشي وأفكر في الذي سأفعله، وعندما بدأ ضوء شمس الصباح يتسرَّب من الخارج، كنت قد حسمت أمري.

قلت للضابط بالهاتف إنني أعرف مكانه، وإنني أريد ضمانات أنهم سيتركونني وشأني بعد هذا، ولن يمسوا أحدًا من أسرتي بسوء.

قال لي في إخلاص: إنهم لا يهتمون بي أو بأسرتي، لا يريدون سوى «عمار». قال لي إنني أفعل الصواب، وأخدم بلدي كأيِّ مواطن صالح.

توقف «إبراهيم» عن مواصلة السرد، ورمى بزجاجة الخمر الفارغة، ثم أخرج ثالثةً من خلف الإطار الذي يجلس عليه.

بدا لي أن الجملة الأخيرة التي نطق بها قد أثَّرت عليه بشكل خاص، فقد ظل ساهمًا للحظات، وهو يفتح القارورة ويسكب محتوياتها في الكوب بطريقة آلية.

سألته: «وماذا حدث بعد هذا؟»

ظل صامتًا للحظات، وقال وهو يهز الكوب في رفق، دون أن ينظر لي: «أخبرتهم بأنه سيكون في الميدان غدًا.»

قلت له مشجعًا: «لن أستطيع أن ألومك حقًّا، لربما فعلت نفس الشيء لو كنت في مكانك.»

نظر لي ساهمًا، وبدا واضحًا أن كلامي قد منحَه شيئًا يتشبث به، سألني: «حقا؟»

– «بالتأكيد. لقد وجدت نفسك في موقفٍ شديد الحساسية، إما هو أو أسرتك. أستطيع تفهم خيارِك الذي اتخذته بعد كل شيء.»

هزَّ رأسه في بطء ساهمًا، وكأنه يؤكد على كلامي، وجرع جرعة سخية من الشراب. عيناه الحمراوان تتلألآن بغشاء دموع رقيق يعكس الأضواء الخافتة المتناثرة من البيوت المحيطة بنا، وقد ارتسمت على ملامحه الأنثوية تقاسيمُ تشي بعمق ما يعانيه، يحملق في وجهي وهو لا يراني، ينظر خلالي إن صح التعبير، بدا واضحًا أنه يرى ذكرياته ماثلةً أمامه في تلك اللحظة. قال: «أتمنى أن أستطيع تبرير نفسي بما تقول، لكنني لا أصدق هذا، كان بإمكاني إيجاد حلول أخرى، لو لم يشل الخوف تفكيري إلى هذه الدرجة.»

على أية حال، خرَجنا بعد صلاة الجمعة في مجموعات صغيرة، واتجهنا إلى ميدان الرابطة في شمبات، كان المتظاهرون بالمئات، وخلال ساعات تدفق المزيد والمزيد.

ارتفعت عشرات اللافتات المنددة، وتعالت مئات الأصوات، ومن مكان ما ظهر أحدهم يطلق بعض الهتافات، وتبعه البقية يرددون الهتاف ويتبعونه بتصفيق إيقاعي قصير منتظم.

«حرية»، «حرية»، «حرية».

كنت أنا و«عمار» و«محمود» ومجموعة كبيرة من زملاء الجامعة نتوسط التجمع ونردد الهتافات. وفي لحظات أحاطت قوات الأمن بالميدان وبدأت قنابل الغاز تتساقطُ على الجميع كالمطر.

لا أستطيع أن أجزم ما الذي حدَث بالضبط، فقد حدث كل شيء بسرعة.

أذكر أنني سمعت صوت رصاص يطلق بغزارة، ساد هرج ومرج وبدأ الجمع في التزعزع. وبدأت أصوات الهتافات والصراخ في التداخل، فلم أعد أفهم حرفًا.

صبي يرتدي الفانلة الداخلية، وقد ربط قميصه على وسطه، يحمل أحجارًا وراح يقذفها على سيارات الأمن، انحنى ليحمل حجرًا آخر، ثم سقط منكفئًا على وجهه.

في لحظة كان حيًّا، في اللحظة التالية همدت حركته، وتكوَّم على الأرض دون أن ينطق حرفًا، وكأنك نزعت القابسَ فجأة.

فإذن كان هذا هو الموت!

وكأنني أشاهد عرضًا سينمائيًّا ما، راح الشباب يتساقطون كالذباب، يدوي صوت الرصاصة، ثم يسقط أحدهم، ثم آخر، ثم آخر.

وبدا أن الأمر لن ينتهي.

كان دخان الغاز يتكاثف في الميدان، بينما لا زالت القنابل تتساقط في سخاء، وتعالتْ أصوات السعال، وأصوات الاختناق، وراح بعض الأشخاص ينزعون ملابسهم في جنون، بعدما احترقت عيونهم وشُعَبهم الهوائية بفعل الغاز.

حدث كل هذا في لحظة، وفي اللحظة التالية بدأ الجنون.

كان الجميع يركضُ في الأنحاء بلا هُدى.

توقف رجل أربعيني في منتصف الميدان يصرخ في الجموع التي راحت تتدافع حوله، ويدعوهم لعدم الهروب، لكن بدا ألا أحدَ يستمع أو يعيره انتباهًا.

ووجدت نفسي أَجري بلا تفكير. أمامي شابٌّ ساقطًا على ظهره، وقد تحول صدره إلى كتلة ضخمة من الدماء، لم أكن أعرف أن جسد الإنسان يحتوي كل هذا القدر من الدماء. قفزتُ من فوقه مواصلًا الجري.

أصوات الصراخ والاختناق لا تُطاق.

كنت أجري مع مجموعة صغيرة؛ للوصول لأحد الأحياء المحيطة بالميدان، ولا أسمع سوى صوت لهاثي. لا أثر لعمار أو محمود.

آخر الميدان، فالترعة، فالشارع الرئيسي.

ومن لا مكان ظهرتْ سيارة مكافحة الشغب كالكابوس وهي تسد الطريق، ورأيت الجنودَ يقفزون منها بسرعة، وهم يحملون الدروع الزجاجية الضخمة يحتمون خلفها، ويوجهون فوهات بنادقهم نحونا في تحفُّز.

«لا فائدة من الجري» قلت لنفسي، عرفت أنهم سيطلقون عليَّ الرصاص في ظهري فورًا لو حاولت الهروب، هكذا خررت على الأرض على ركبتي رافعًا يديَّ للأعلى مستسلمًا.

لا فائدة من المقاومة أو أي محاولات بطولية. لا أريد أن أموت اليوم.

كنت متعرقًا بشدة، مرهقًا بشدة، وألهث ككلب مشرَّد في يوم قائظ لا ظل فيه. أشعر بأنَّ بقايا دخان قنابل الغاز يحرق أمعائي، أريد هواء، أريد أن أتنفس يا ولاد الكلب.

وعندما عبرت العربة المدرعة جسر القوات المسلحة، وتوجهت ناحية موقف شندي، لم أكن أعرف أنني سأرى أحدَ بيوت الأشباح للمرة الأولى في حياتي.

٢

كان منزلًا أرضيًّا عاديًّا كأغلب المنازل السودانية، مجموعة من الغرف المبنية بالطوب الأحمر، تتناثر على طول جدران المنزل، وحمام خارجي وحوش كبير في المنتصف.

كنا خمسة أشخاص، أنا و«عمار» و«محمود» طالب العلوم السياسية، وشاب آخر لا أعرفه، وبيننا شيخ كبير في السن، عرفتُ فيما بعد أنه أحد أعضاء حزب شهير من أحزاب المعارضة، اعتقلوه من أحد ميادين الخرطوم في مظاهرة أخرى، يبدو أنه أصيب فيها؛ فقد كان الدم الجاف يغطِّي نصف جلبابه العلوي، لكن هذا لم يمنعهم من ضربِه بالخراطيش في رأسه وظهره بعنف، وهم يشتمونه بأشنع الألفاظ.

كان الجلادون يرتدون طواقي قطنية تغطي وجوههم ما عدا فتحة للعينين والفم، فلم نستطيع أن نميِّز منهم أحدًا، أوقفونا في الحوش الخارجي، وطلبوا منا أن نقف ووجوهنا قبالة الحائط، وراحوا يضربوننا في ظهورنا بشكل عشوائي بما يتوفر في أيديهم من خراطيش وسيطان، وبعض العيدان الخشبية، مع سيل من الشتائم العنصرية والمهينة.

كانوا يضربوننا في غل.

يضربوننا في كراهية.

يضربوننا في حقد.

وبطرف عيني كنت أرى «عمار» يقف قبالة الحائط صامتًا، وقد أغمض عينيه وهو يزمُّ شفتيه في قوة، برغم كل هذا الضرب لم ينطقْ بحرف، برغم أننا كلنا كنا نصرخ ونتلوى، وقد أثار موقفه هذا حفيظة الجلادين فراحوا يخصونه بالضرب، ويتكالبون عليه دوننا، حتى إن بعضهم كان يشعر بالتعب فيتوقف قليلًا، فيواصل الجلاد الآخر المهمة عنه.

أطلق الشيخ أنينًا خافتًا، ثم تهاوى على الأرض وفقد الوعي، فحملوه كالخِراف وألقوه في جانب الحوش، ثم عادوا لضربنا.

بعد عشر دقائق — مرَّت كأنها دهور — توقف الضرب فجأة، وسمعت صوتًا جَهْوريًّا خلفي: «ديل مالهم يا عسكري؟»

قال العسكري في احترام واضح من نبرة صوته: «قبضناهم في مظاهرات اليوم سعادتك، الداخلية موصية عليهم، كانوا راصدين تحركاتهم من فترة.»

مرت لحظات ثم أُمِرنا بالاستدارة، واستدرنا أربعتنا، فرأيت ذلك الرجل يقف قبالتنا ويداه معقودتان خلف ظهره، كانت إضاءة المصباح الكهربائي الذي ينير الحوش تأتي من خلفه، وتغرق وجهه في الظلام، فلم تكن ملامحه واضحةً جدًّا.

طيلة فترة إقامتي في المعتقل لم أعرف اسمه الحقيقي، فقد كان الجلادون دومًا ينادونه باسم «سعادتك» فقط.

قال بصوت جَهْوري: «انتو العاملين شغب، وبتطلعوا الشوارع وتحرقوا في الطرمبات، وتطالبوا بإسقاط الحكومة؟! قايلنها فوضى.»

قدرت أنه يمثل دورًا قياديًّا في المكان، فقد وقف الجلادون جواره في شيء من الاحترام، وبطريقة عسكرية متصلبة نوعًا ما، قدرت أنه الرتبة الأكبر كذلك.

فيما بعد عرفت أنه ضابطٌ برتبة كبيرة في الأمن، وهو المسئُول عن مجموعة من «بيوت الأشباح» في الخرطوم، ويشرف شخصيًّا على تعذيب الناشطين والمعارضين الذين يتمُّ اعتقالهم، في حالة وجود معلومات حساسة عند المعتقل، لذلك يقومون باستخراجها تحت وطأة التعذيب، بأسرع طريقة، بعيدًا عن الأساليب القانونية التي تتطلب وقتًا، بالإضافة أنها تكون تحت الرادار، وبعيدًا عن نظر المنظمات الحقوقية، والمؤسسات المدافعة عن حقوق الإنسان.

تقدم «سعادتك» نحونا بخطوات هادئة، ويداه لا تزالان معقودتان خلف ظهره، كأنه قائد عسكري يتفقد صف جنوده، ومر أمامنا وهو يحملق في وجوهنا عن قرب، كانت له لحية بيضاء قصيرة، وكرش منتفخ قليلًا، ويحمل مسبحة في يديه المنعقدتين خلف ظهره، وشفتاه تتمتمان بالتسبيح بصوت خافت، ثم توقَّف أمام «عمار» للحظات، وهو يتفرس في ملامحه، ثم سأله بصوت هادئ ولهجة ساخرة قليلًا: «عارف بنعمل في الخونة والمأجورين البحاولوا يزعزعوا الأمن شنو؟»

كان «عمار» منهكًا، وشعرت أنه يبذل جهدًا للاحتفاظ برباطة جأشه وهدوء ملامحه. كنت أعرفه جيدًا، وعرفت أنه يفعل ما في وسعه حتى لا يظهر لهم انهزامه أو خوفه أو حتى تأثره بما حصل، ويبدو أن هذا ما جعل هذا اﻟ «سعادتك» يتوقف أمامه دونًا عن الباقين.

ولمعت في عقلي ذكرى ذات يوم، ونحن في نشاط الكلية نرتشف القهوة، قال لي: «لا تستهنْ أبدًا بقوة المسجون الأعزل في مواجهة سلاح السجان، أنت لست ضعيفًا كما تعتقد، فالإيمان بالحق قوة هادرة تكتسح كل ما أمامها، فقط إن أنت آمنت بقضيتك، ولرب صرخة ثائر أعزل يواجه أسلحة الظلم بصدر مفتوح، ترتجف لها أفئدة مَن باتوا في قصورهم مدججين بالسلاح، ولا مناص.

فلا تخيفنَّك المشقة. ليس صاحب القضية كالمأجور للدفاع عمن سلب قضيته. هي معادلة الحق والباطل الأزلية، كما طرحتها فلسفة «جان جاك روسو» أن القوة لا تؤسس الحق، بينما يؤسس الحق للقوة وإن لم تكن مادية، وكما عبر عنها النص القرآني وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ.

فصاحب الحق له اليد العليا بحكم أصالة قضيتِه وإيمانه بها، وهو عين ما نطق به العظيم «محجوب شريف» ذات يوم:

مساجينك مساجينك، نغرد في زنازينك
نغني ونحن في أسرك، وترجف وأنت في قصرك

فإنك إن قضيت على خوفك انتصرت على السجان. وما أهازيج نصرنا إلا دماؤنا المسفوحة على قارعة الطرقات.»

يقف أمام كبير الجلادين في تحدٍّ ووجهٍ بارد خالٍ من أي تعبير، ولما لم يرد انهال عليه أحدُ الجلادين بالخرطوش، وهو يصيح بغلظة: «رد على السؤال.»

رأيت «عمار» يمسك الخرطوش بيده، قبل أن يصل إلى جسده، وهو يرمق الجلاد بنظرة نارية، لم أستطع رؤية نظرتِه جيدًا، لكنني عرفت أنها أخافت الجلاد حقًّا، ارتجَّ جسده، وتراجع خطوة للخلف، وعيناه متسعتان كأنه تلقى صفعة.

ثم «يا ابن الشرموطة.»

وتكالبوا عليه صفعًا وركلًا، حتى سقط أرضًا.

قال «سعادتك» وهو يوجه حديثه لبقيتنا متجاهلًا ما يحدث: «ما بنقبل إنو أي صعلوك عاطل محرشنو الشيوعيين، يحاول يلعب في أمن واستقرار البلد دي، ويفرض أجندته علينا بالفوضى، ده خط أحمر.»

ثم جمع المسبحة بكلتا يديه ومسح على وجهه، وأشار إليهم بأن يضعونا في الزنازين، ما عدا «عمار» الذي سيُوضع في زنزانة انفرادية «عشان يتروق» بحسب تعبيره.

توقف «إبراهيم» عن الحديث؛ إذ جرع جرعة كبيرة من الشراب. تقلص وجهه مجددًا للحظات، وهو ينفث الهواء من بين أسنانه؛ لتخفيف مرارة ما ابتلعه، ثم مسح على فمه بظاهر يده اليسرى.

قال، وهو يصب المزيد من «العرقي» في الكوب الزجاجي: «كانت الزنزانة التي وضعونا فيها — ما عدا عمار، وذلك الشيخ الذي فقَدَ وعيَه — عبارة عن غرفة ضيقة جدًّا، لا تتعدَّى المتر والنصف طولًا وعرضًا، تفوح منها رائحة خانقة وكريهة للغاية.»

كنا نشعر بوجود مياه في الأرض، فقد كانت أقدامنا تغوصُ فيها حتى الكاحل، وبعد أن تعودت عيوننا على الظلام، أدركنا أننا في غرفة عالية السقف، بها نافذهٌ عالية صغيرة بحجم قبضة اليد تُدخل ضوءًا شحيحًا.

أدركت من الوهلة الأولى أن المياه هي مصدر الرائحة الشنيعة، فقد كانت عبارة عن خليط آسِنٍ من البول والبراز الطافي على وجه الماء، يبدو أنها مخلفات أشخاص كانوا قبلنا في هذا المكان، واضطروا لقضاء حاجتهم في مكانهم.

كان شعورنا بالتقزُّز عميقًا وأقدامنا تغوصُ في ذلك المستنقع، حتى إن «محمود» أفرغ معدته، بينما أغلق الشاب الآخر أنفه بأصابعه، قلت له مرهقًا: «لن تستطيع كتم أنفاسِك للأبد، بعد قليل ستتعود أنفك على الرائحة.»

لم تكن مساحة المكان تسمح باستلقاء أي منا، فهي بالكاد تتسع لوقوف ثلاثتنا، دعكَ من استحالة الجلوس على ذلك الماء الآسن، لذلك أسندت جسدي على الحائط، وأغمضت عيني، وأنا أحلم ببترِ قدمي التي تعوم في تلك القذارة، وأمضينا ليلتَنا على هذا الحال، وكنت أغفو لثوانٍ وأنا واقف في مكاني ثم أفتح عيني مفزوعًا، ثم أعود فأغفو مجددًا، حتى رأيت ضوء الفجر يتسرَّب عبر النافذة الضيقة.

مرت ساعات ونحن على هذا الحال، حتى كانت العاشرة صباحًا، فأخرجونا للذهاب لدورات المياه، ثم أعادونا مجددًا للزنزانة، وبعد ساعات أخرجونا للحوش الخارجي، وأجلسونا القرفصاء تحت الشمس الحارقة لساعتَيْن، كانوا خلالها يمرون بنا ويتسلون بشتمنا، أو ركلنا أو ضربنا بالخرطوش، ثم أعادونا للزنزانة مجددًا، وظللنا على هذا الحال حتى صباح اليوم التالي.

ومع بزوغ شمس اليوم التالي سَمعنا صوت مزلاج الباب يزاح من الخارج، وظهر أحد الحراس، كانوا قد نزعُوا أغطية الرأس التي تخفي وجوههم، توقف في الخارج حتى لا يطَأ بقدميه المياه القذرة في الزنزانة، ثم شتمنا بألفاظ بذيئة، وقال في سخرية: «نتمنَّى أن تكونوا قضيتم ليلة هانئة في فندقنا، إذا احتجتم أي شيء لا تترددوا في الاتصال بخدمة الغرف.»

ثم أشار لي وأمرني بالخروج، فخرجت معه. كانت قدماي متشنِّجتان من الوقوف طوال الليل، لكنني رحت أسير معه في ممر طويل توزَّعت الغرف على جانبيه. وأمام إحدى الغرف رأيت حارسًا بدا لي شكلُه مألوفًا وقتها، أذكر أنني رأيته من قبل لكن أين؟

ثم توقف «إبراهيم» عن السرد، وقال مخاطبًا إياي: «فيما بعد استطعت التذكر، كان الرجلَ الصاخبَ الذي رأيته في تظاهرات الجمعة بنفس يوم اعتقالنا.»

– «تعني من الذين قاموا بفض المظاهرة؟»

– «لا، بل كان مشاركًا فيها. أذكره جيدًا؛ فقد كان أحد الذين يتقدمون الصفوف ويبتدءُون الهتاف ونحن نردِّد خلفه، وقد حاول إضرام النيران في إحدى محطات الوقود مع بعض المتحمِّسين بحجة أنها من ممتلكات الحكومة ويجب إتلافها، حتى أوقفه بقية المتظاهرين بالقوة.»

– «تعني أنهم كانوا يبحثون عن ذريعة؛ لقمع المظاهرات بحجة التخريب؟!»

قال في برود: «هل لديك تفسير آخر؟»

هززت رأسي في صمت، وأشرت إليه أن يستمر في روايته، قال وهو يجرع المزيد من الشراب: «في آخر الممرِّ جهة اليسار، كانت هناك غرفة ذات بابٍ خشبي مختلف عن بقية الأبواب الحديدية المنتشرة في الممر، طرق الحارس الباب في أدب، ثم فتح الباب، وأمرني بالدخول، وأغلقه خلفي.»

كان «سعادتك» يجلس خلفَ مكتب خشبي كبير تناثرت عليه الأوراق، رآني فاتسعت ابتسامتُه ونهض يصافحني، وهو يقول: «أرجو أن تغفر لنا الضرب الذي تلقيته بالأمس، لكنَّنا لم نستطع استثناءَك كما تعلم؛ حتى لا تثير شكوكهم فيك.»

هززت رأسي بمعنى ألا بأس، وأنا مطرق للأرض دون أن أنظر إليه، قال: «أنت تقدم خدمة عظيمة للوطن، هؤلاء الكلاب الخونة يريدون إشاعةَ الفوضى وتخريب البلد؛ حتى نصبح كالبلدان المنكوبة التي غرقت في الفوضى حولنا. أنت لا تريد لبلدك أن تصبح مثل تلك البلدان أليس كذلك؟»

رفعت رأسي ونظرت له، وهو ينظر لي مبتسمًا. هل رأيت يا سيدي من قبل ذئبًا يبتسم؟

حسنًا، كان هو ذلك الشخص.

يرسم على وجهه ابتسامة عريضة محاولًا تصنع اللطف، وينظر لي من فوق النظارة بعينين ضيقتين، لم تستطع الابتسامة إخفاء ما فيهما من شراسة، كانت هناك نظرة ساخرة تشيع من عينيه.

نظرة تقول بوضوح: أنت لست رجلًا، لقد وشيتَ بأصدقائك، أيها الخائن الجبان؛ فلتتعفن في جهنم.

قلت له: «لا أريد ذلك.»

دار حول المكتب وجلس في الكرسي المقابل لي وقال: «سأضعك في نفس الزنزانة مع ذلك المدعو «عمار»، لديه معلومات تهمُّنا، أريد منك أن تعرف عدد لجان الأحياء التي كان يترأسها أو يشترك فيها، من كان يقوم بتعبئة الشباب للتظاهر؟ مَن كان يمولهم؟ أين يتقابلون؟ أريد أسماء وعناوين ومعلومات كاملة. هل تفهم؟»

هززت رأسي موافقًا، فصرخ فجأة بصوت غاضب: «هل تفهم؟»

فزعت للحظة حتى ارتجَّ جسدي من المفاجأة، تغير وجهه فجأة إلى النقيض، في ثوانٍ اختفى اللطف، وتلاشت الابتسامة العريضة، ورحت أحدق في وجه شيطاني ونظرة يتطاير منها الشرر. حاولت أن أرد لكن خرج صوتي مبحوحًا ضعيفًا، فسعلت قليلًا ثم قلت: «نعم، أفهم.»

لثوانٍ راح يرمقني بذات النظرة الغاضبة، ثم — فجأة — عادت ابتسامته على وجهه، وعادت النظرة اللطيفة، أشعل سيجارة ومدَّ لي واحدة، فاعتذرت. قال، وهو ينفث الدخان: «برغم كل شيء؛ فأنتم مثل أبنائي، هل تعلم أنه لدي ابنٌ في مثل عمرك؟»

المزيد من الدخان.

– «لا أحب العنف إلا مضطرًّا، لذلك أحبذ تجربة الوسائل السلمية أولًا. أتمنى أن تستطيع إقناع صديقك بالتحدث؛ حتى لا أضطر لاستخراج الحديث منه بالطرق الصعبة.»

المزيد من الدخان.

– «لديك حتى صباح الغد.»

عاد، وجلس خلف مكتبه، وقال مضيفًا: «بلدك فخور بك. لا تنسَ ذلك.»

ثم نادى على الحارس خارج المكتب، فدخل وأدى التحية العسكرية، وخرجت معه.

رحنا نمشي في ذات الممر عائدين، قال لي الحارس، وهو يعبث في كيس التمباك، ثم يخرج «سفة»، ويضعها في شفته السفلى: «صاحبك دقس، سعادة خاتيهو في راسو. شكله بتاع كفاوي.»

ثم أضاف وهو يعيد كيس التمباك إلى جيبه، ويمسح على أطراف أصابع يده اليمنى بيسراه؛ حتى يتخلص من البقايا: «الله يستر.»

وصلنا إلى آخر الممر، ودلفنا إلى ممرٍّ جانبي، ثم توقف الحارس بجانب الباب الحديدي في آخر الممر، أخرج المفاتيح وعبث في القفل قليلًا، وعندما انفتح الباب أمرني بالدخول، ثم أغلق الباب خلفي.

كانت الغرفة مظلمةً، وتوقفت جوار الباب حتى تعتادَ عيناي على الظلام قليلًا، كانت زنزانة ضيقة، لكنها أكثر اتساعًا من الزنزانة الأولى، أرضيتها جافة لحُسن الحظ، لكن لا توجد بها نافذة واحدة، كانت قبرًا إسمنتيًّا مُصمتًا، ما عدا بعضًا من ضوء النهار يدخل شحيحًا للزنزانة من أسفل الباب.

رأيت الجسد المكوم على الأرض في أحد زوايا الغرفة. كان «عمار».

هرعت إليه وانحنيت عليه، أسندت ظهري للحائط، ووضعت رأسَه على فخذ رجلي.

وبرغم الظلام استطعت رؤية أن الدماء كانت تغطي كل وجهِه تقريبًا.

يتنفس بصوتٍ عالٍ مع صوتِ صفيرٍ ينبعث مع تنفسه، لا بدَّ أن أنفَه متهشم كذلك.

غمرنا — إذ جلسنا في الميدان — ضوء «ركشة» قادمة من الناحية الأخرى، ثم توقفت أمامنا، توقف «إبراهيم» عن الحديث، وقام بإخفاء زجاجة «العرقي» خلف إطار الشَّاحنة الذي يجلس عليه.

ترجل منها شابان من السكن الداخلي، توقَّفا وتحدَّثا قليلًا مع «إبراهيم» عن مباراة ما سيشاهدونها في النادي القريب من المكان، بينما كنت أنا هائمًا مع أفكاري في شرود.

أستطيع أن أتفهم شعور «إبراهيم» بعد ما تسبب به لصديقه، لكنني لا أفهم سبب شعوري أنا الآن.

شعور غامر مؤذٍ بتأنيبِ الضمير يغمرني، ويعتصر قلبي بقبضةٍ باردة لا ترحم.

أنا لم أشاركْ فيما حدث. ولم تكن لي به أي صلة.

فلماذا يؤنبني ضميري إلى هذا الحد؟ كأنه يلومُني على ما اقترفَتْه يداي!

بعد ثلاثين عامًا في الطب النفسي أعجز أحيانًا عن فهم نفسي، وطبيعة مشاعري.

لكنني على الأقل أعرف الآن أن «عمار» لم ينتحر.

أعترف يا سيدتي بأنني كنت مخطئًا في كل ما يخصه تقريبًا، لكنني أحسن الحكم على البشر، وهو لم يكن من نوع الأشخاص الذين يقتلون أنفسهم.

ليس من النوع الذي ترتسم النظرة المجنونة على وجهه، أو يضحك في هيستريا قبل أن يقذف بنفسه في غياهب البحر.

أعرف أنه شخصية معتلة جدًّا، مشوهة جدًّا. وتحكمه أحيانًا دوافع سايكوباتية مضادة للمجتمع ينجح جيدًا في قمعها، هناك دائمًا ذلك الدافع الخفي لكراهية كل المجتمع الذي لم يقف معه في محنته بنحوٍ أو بآخر، الكل كان متواطئًا مع الجنجويد فيما حدَثَ له، ولو كان بالصمت وعدم الإدانة. فلا أصدق لحظة أن توجهاته السياسية المضادة للحكومة هي من قبيل النِّضال الخالص.

لو أردتِ رأيي يا سيدتي: فهو كان يحاول تصفية ثأر شخصي، النيل ممن تسببوا في معاناته وآلامه. ومن يفكر بالانتقام — يقولون — يجب أن يحفر قبرين مسبقًا.

لكنني لا أملك إلا التعاطف معه، فبرغم كل شيء كان ضحية أقداره السيئة.

قال «إبراهيم»، وهو يعود ليجلس جواري بعد أن انصرف أصدقاؤه: «رحت أمسح الدمَ من وجهه بطرف قميصي، فيما أغمض هو عينيه، واستكان جسده على رجلي.»

مرت فترة من الصمت، لا أدري كم هي. تناهى إلى مسامعي صوتُ شخص ما يصرخ في إحدى الزنازين، شخص يخضع للتعذيب في هذه اللحظة بالذات، ويعلم الله ما الذي يفعلونه به. صوت ضربات مكتومة، يتكرر الصراخ، ثم يسود صمت رهيب.

التوتر والخوف يفعمان الجو وتَحملُهما نسماته.

سمعت صوت مفتاح يعبث في الباب، ثم انفتح بصرير معدني مزعج، ثم انبعث الضوء فجأة في المكان.

كان قويًّا مفاجئًا، حتى إنني أغمضت عينيَّ في ألم، وعندما فتحتهما وجدت أحد الحراس يحمل دورقًا به ماء، ويقف أمامنا وهو ينظر ﻟ «عمار» في دهشة، ثم يردد: «لا حول ولا قوة إلا بالله.»

وبدوري نظرتُ إليه، وهالني ما رأيت.

في الضوء المباشر استطعت أن أرى أن ملامحه قد تغيرت تمامًا. اختفت عيناه تمامًا وأصبحتا خطًّا ضيقًا تحت جفنين متورمين، لدرجة لا تصدق، تورمت شفته العليا بشدة، وفقد بعض الأسنان من أسنانه العلوية.

نزعوا أظافر يديه، هشموا عظامَ كف يدِه، وشوهوا أنفه، وأطفئُوا السجائر في عنقه.

الدم يسيل من كل مكان في وجهه وجسده وأطرافه، حتى سالَ على السروال الذي ارتداه.

يمسك يدي بكلتا يديه، ورأسه على حجري، وهو يطلق صوت الصفير المنتظم إذ يتنفَّس.

خذ شعور تلك العاهرة التي فرغ أحدُهم من قضاء وطره بين قدميها، ثم رمى لها أوراقًا نقدية قيمة استمتاعِه بجسدها على وجهها، قبل أن يغادر.

خذ شعور يهوذا الإسخريوطي، وهو يتسلل من قاعة العشاء الأخير، ثم يرى عيسى «عليه السلام» مصلوبًا على الصليب الخشبي؛ بسبب خيانته.

لو جمعت كل مشاعر احتقار الذات، فلا أعتقد أنها ستكفي لوصفِ شعوري تجاه نفسي في تلك اللحظة.

كان شعورًا لا يوصف، وشعرت بقلبي يتمزق.

الآن أفهم معنى أن تكره نفسك وتحتقرها، ففي تلك اللحظة كرهت نفسي.

كنت أبكي في حرقة، وأنا أحتضن رأسه.

منهكًا كأسوأ ما يكون، فتح عينيه المتورمتين، في الحقيقة كانت عينًا واحدة، فالأخرى كانت متورمة، لدرجة لم يستطع فتحها، ورفع يده يتحسَّس وجهي، قال بصوت واهن: «إبراهيم، أنت بخير؟»

زاوية فمي تتشنج بانقباضات قوية، والدموع تغمر وجهي، حتى وأنت في هذا الحال تحاول الاطمئنان علي؟!

لا أدري كم استغرقني الوقت، حتى أفقت من نوبة البكاء تلك، لكنني كنت أشعر بالدوارِ، والجفافِ في حلقي.

كان الحارس قد وضع إناء الماء على الأرض، وغادر الزنزانة دون أن أنتبه إليه، جلبت الماء وشربت، ثم رحت أسقيه، فراح يشرب في نهَم.

مرت ساعات من الصمت إلا من صوت صفير أنفه، ثم انفتح الباب مجددًا، ودخل الحارسُ الذي جلَبَ الماء، وهو يحمل بعض السندويتشات، وضعها أمامنا، وقال لي: «مواعيد الذهاب لدورة المياه الرابعة عصرًا.»

وفتح الباب. توقف قليلًا، وهو ينظر إلى «عمار» المستلقي على حِجري، ثم غادر.

كان مختلفًا عنهم، نحيلًا طويل القامة قليلًا، له ملامح طفولية وادعة، على عكس باقي الحراس، ضخام الجثة الذين يتطاير الشر والحقد من عيونهم المحتقنة. وعلى نحو ما بدا لي أنه يتعاطف معنا.

جلس «عمار» جواري مسندًا ظهره للحائط، ومدد إحدى ساقيه أمامه بينما ثنى الأخرى تحتها، أعطيته أحد السندويتشات فهز رأسه رافضًا، قلت له: «أعتقد أنه يجب علينا التعاون معهم، وإخبارهم بما يريدون معرفته، أنت لن تتحمل المزيد.»

شبح ابتسامة خافتة يرتسم على شفتيه الداميتين، ينظر للأرض في شرود بعينين متورمتين، طال الصمت حتى بدا لي أنه لم يسمعني، ثم راح يردد:

لا تُصالحْ!
ولو منحوك الذهب.
أترى حين أفقأ عينيك، ثم أثبت جوهرتين مكانهما.
هل ترى؟
هي أشياء لا تشترى.

كانت إحدى قصائد أمل دنقل التي يردِّدها دومًا في أركان النقاش بالجامعة، أعرف أنه يحب الرجل، ويحفظ الكثير من أشعاره.

قلت له بعصبية: «ليس هذا وقت الأشعار، ولا وقت ادِّعاء البطولات، هل تعرف ما معنى أنهم جلبونا لأحد بيوت الأشباح؟ يعني أننا في الأغلب لن نخرج من هنا أحياء، إن لم نخبرهم بما يريدون معرفته، لا أحد يعرف أين نحن، لا أحد سيبحث عنا. هل تريد أن تتعفن في هذه المزبلة؟ ومن أجل ماذا؟ فقط أخبرهم عن المشتركين في تلك اللجان، ودعنا نخرج من هنا أحياء ما دمنا نستطيع.»

قال، وهو يريح رأسه على الحائط: «لن أفتدي نفسي بالآخرين، وهم يواجهونهم الآن في الشوارع، لن أستطيع العيش مع نفسي إذا كنت سببًا في القبض عليهم وإجهاض الثورة.»

قلت بنفس العصبية: «هذه الثورة لن تستمر على أية حال، سيذبحونهم كالخراف، وسيشعر الآخرون بالخوف وينتهي كل شيء، ليست ثورة تستند على أي وعي بل مجرد ردِّ فعل للجياع، وثورات الجياع لا تدوم، التاريخ يقول إن ثورات الجياع لا تدوم. إن من لا يثور من أجل موت مواطنيه في الجنوب وفي دارفور، ومن لا يثور من أجل حريته لن يثور من أجل الخبز. من يقايض كرامتَه بخبزه لا يحصل على أي منهما في نهاية المطاف.»

– «ربما. لكنَّنا سنكون على الأقل فعلنا ما بوسعنا، لا أن تنتهي بسبب أنانية بعضهم وتمسكهم بالحياة، لسنا أفضل ممن ماتوا ويموتون الآن في الشوارع.»

كنت أعرف في قرارة نفسي أنه سيقولُ ما قال، فهو من أولئك الأشخاص الحالمين المثاليِّين الذين يسعون للاستشهاد، وتسجيل المواقف البطولية بحماس محموم، يؤمن بنفسه إلى درجة التعصب، والغباء أحيانًا.

أسندت رأسي للحائط بجواره وأغمضت عيني، سألته: «لماذا كنت تتجنبني، وتتجنب هبة مؤخرًا؟»

شعرت بيده تتحسس يدي بجواره، ثم ترتفع حتى وضع راحته على كتفي، وقال: «لم أكن أتجنبكما، كنت أحاول حمايتكما. لقد كان أفراد الأمن يراقبون الجامعة والسكن مؤخرًا، فلم أرد أن أقترب منكما؛ حتى لا تتورطا فيما يحدث، لم أشأ أن يربطوا بينكم وبيني؛ حتى لا يحاولوا أذية أحدكما؛ لإجباري على الظهور.»

وددت أن أتخفف من هذا الحمل الثقيل، وأقول له إنهم استطاعوا اكتشاف العلاقة بيننا مبكرًا، وإنهم قاموا باعتقالي والضغط علي لتسليمه لهم.

تمنيت أن أقول له إنني السبب في وجوده في هذا المعتقل الآن. ليثور، أو يضربني، أو يبصُق علي، أو ينعتني بالجبان. يفعل أيَّ شيء يخفف من وخزات الضمير، واحتقاري لنفسي في تلك اللحظة.

لكنني لُذت بالصمت.

وظللنا جالسَيْن في مكاننا طيلة اليوم، نتحدث عن كل شيء، حتى غلبنا النعاس ونمنا حيث نحن، حتى صباح اليوم التالي عندما تمَّ استدعائي لمكتب «سعادتك»، أخبرته أنني لم أحصل منه على شيء، ولك أن تتخيل غضبته الجارفة عليَّ وقتها.

شتمني بأشنع الألفاظ، ثم أمر بإعادتي للزنزانة الأولى. قضيت فيها ثلاثة أيام تعرضنا فيها لكافة صنوف التعذيب، ابتداءً من الضرب بالسياط والركل والصفع حتى الصعق بالكهرباء، والحرمان من النوم، ومن دخول دورات المياه، وحتى العبادة.

عندما طلبنا أن يسمحوا لنا بأن نصلي، قال لي الحارس ساخرًا، وهو يركلني في ظهري بالحذاء العسكري، عندما أجلسونا في الشمس الحارقة: «إن الله لا يدخل مثل هذه الأماكن؛ فلا داعي لصلاتكم.»

وفي صبيحة اليوم الرابع من الاعتقال، تم إطلاق سراحنا — أنا والشاب الآخر — لكنَّهم ظلوا يتحفظون على «عمار» و«محمود». مع تهديدنا بأنهم سيقومون باعتقالنا مجددًا، إذا وجدونا بالقرب من مظاهرة مرة أخرى.

٣

قال «سعادتك»: «لقد رأيت من هم مثلك كثيرًا، لا أحدَ يصمد هنا. كلهم ينهارون، كلهم يبكون ويتوسلونني؛ لأمنحهم راحة الموت في النهاية بعدما أفرغ منهم.»

قال «سعادتك»: «لن يسمع أحد صراخك ولا توسلاتك، سأجعلك تشتهي الموت ولا تناله.»

قال «سعادتك»: «من الخير أن توفر علينا، وعلى نفسك العناء، وتخبرني بما أريد معرفته.»

يداه معقودتان خلف ظهره، وأصابعه تلتهمان حبيبات المسبحة في سرعة.

يقف في منتصف الزنزانة في فخر، كأنه قائد حربي يتفقد جيشه قبل المعركة الأخيرة، شفتاه تتمتمان ببعضِ الأذكار.

يمكنني أن أرى «عمار» وقد أجلسوه على كرسي حديدي صَدئ، يداه مقيدتان خلف ظهر الكرسي، ورجلاه مقيدتان مع بعضهما بحبلٍ ليفيٍّ خشن، وحوله حارسان ضخْما الجثة ينظرانِ له في برود.

بصعوبة، يا سيدتي، يمكنك أن تتبيني ملامحَه الآن، فقد تشوهتْ تمامًا، انتفخت كل أجزاء وجهه، وكأن سربًا من النحل كان يتسلى بلسعه في كل مكان، وزادته الدماء التي تسيل من كل فتحات وجهه الطبيعية، وغير الطبيعية.

كان مرهقًا جدًّا. خائر القوى تمامًا.

يشير «سعادتك» برأسه بإيماءةٍ خفيفة لأحد الحراس، فيحمل مشبكين حديديين من النوع الذي يستعمل لشحن بطاريات السيارات، ويضعهم على حلمتَي صدر «عمار»، ثم يفتح علبة بلاستيكية في يده، ويضغط على أحد الأزرار، وينتشر الأزيز المميز لصوت اندفاع الشحنة الكهربية عبر الأسلاك.

ينتفض جسد «عمار» بقوة للحظات، وتفوح رائحة مزعجة في المكان، ثم يتوقف الصعق، فيرتمي رأسُه على صدره، ويتدلى خيط رفيع هو مزيج من اللعاب والدماء من طرفِ فمه.

– «أعطني أسماءً.»

يقولها «سعادتك»، وأصابعه تزداد سرعةً في التهام حبيبات المسبحة.

صوت الصفير يتعالى مع صوتِ تنفس «عمار»، لكنه لا يرد.

يشير «سعادتك» برأسه مجددًا للحارس، ثم يتكرر نفسُ المشهد، ويرتجف جسد الشاب الدامي في شدة للحظاتٍ بدت كدهر، ثم يتوقف الصعق.

يطلق أنينًا خافتًا ثم يدلى رأسه على صدره مجدَّدًا في إعياء، بينما لا يزال جسده يرتعش ارتعاشات متقطعة. بعد كل هذه الطاقة التي سرت في جسده، لا بدَّ أن عظامه قد أضحت دقيقًا.

– «ما هي أسماء المشتركين في لجان الأحياء؟»

لا رد.

– «كيف تحشدون الشباب؟»

لا رد.

– «أين يقيمون وكيف تتواصلون مع بعضكم؟»

لا رد.

– «من يمولكم؟»

لا رد.

تنهال الصفعةُ على عنقه في قسوةٍ من أحد الحراس، ثم يلف الآخر كيسًا بلاستيكيًّا على وجهِه، تمر دقائق ثم يهزُّ رأسه في عنف، يحاول عبَّ الهواء فيلتصق الكيس أكثر بفمِه المفتوح وطاقتي أنفه.

ينتفض جسده مجددًا، وهو يتلوى في الكرسي، بينما يزداد الحارس تشبثًا بالكيس البلاستيكي من خلف رأسه.

تمرُّ دقيقة أخرى. صدره يكاد ينفجر، ويتلوى بعنف أكثر.

ينتفض جسده بارتعاشاتٍ قصيرة، يطلق أنينًا محمومًا، وهو يجاهد من أجل الهواء. ورويدًا رويدًا يبدأ الظلام في الزحف أمام عينيه المذعورتين.

يقف «سعادتك» يرمُق المشهد في نشوةٍ واضحة وعيناه تلتمعان، بينما تزداد حركة أصابعه على حبيبات المسبحة.

بعد سنوات من مشاهدة مثل هذه الأشياء، أصبح الأمر يجلب له النشوة أكثر من أي شيء آخر.

كان شعوره بالسلطة والقوة مطلقًا إلى حد مفزع.

تعلم تمويت ضميره عبر سنوات من التكرار. في البداية كان يرى أشباحَ ضحاياه يزورون كوابيسه ويقضُّون مضجعه، فيستيقظ في سريره صارخًا والعرق يغمره، حتى أدمن الأقراص المنومة، وأصبح لا يستطيع النوم بدونها، وفيما بعد توصَّل إلى الحل السحري.

هؤلاء ليسوا ضحايا فعلًا. بل هم مجموعة من الشيوعيين الكفرة، الذين يحاربون الإسلام.

يسعون لإسقاط الحكومة التي تتمسك بالدين، حتى يقيموا دولتهم العلمانية على أنقاضها. يطالبون بالحرية والديمقراطية وكل تلك المصطلحات التي استجلبوها من بلاد الخواجات، حتى يفتتحوا البارات والإندايات في قلب الخرطوم، ليشربوا الخمور علنًا ويضاجعوا النساء في الشوارع بعد أن ينزعوا عنهنَّ الحجاب، وينشروا الشذوذ الجنسي، تمامًا كما يفعل هؤلاء الأنجاس في أوروبا.

لقد قال له شيخ عبد الله — المعروف بتقواه وصلاحه — إنهم يبايعون الشيطان نفسه — أولاد الكلب — ويعملون لإقامة بلاد المازونية أو الماسونية في أرض السودان. لا يذكر الاسم جيدًا، لكنهم سيعبدون الشيطان على أية حال.

لو شِئنا الدقة؛ فهو يقوم بعمل جليل هنا، يدافع عن الدين، ويحارب عبدة الشيطان هؤلاء. هو لا يعرف الكثير عن الدين، فهو لم ينل حظه من التعليم لأسبابٍ يطول شرحها، لكنه يثقُ بشيوخ الدين؛ لأنهم يعرفون كل شيء.

لم يكن يعرف الكثير عن الدين كما قلت، لكنه يعتبر نفسه شخصًا متدينًا على الصراط المستقيم، ملتزمًا بتعاليم الله وآراء الأئمة من السلف الصالح، ليس متعصبًا إلى الحد الذي يجعله يرتدي الحزام الناسف أو يهدر دمَ كل من اختلف معه، وليس متساهلًا إلى الحد الذي يجعله يأكل الخنزير مثلًا. برغم أنه يسكر ويشرب عرقي البلح في تجمعات الأنس والسمر، وأحيانًا يأتيه بعض خمر الخواجات اللذيذ المعتق كالويسكي والنبيذ والفودكا، والذي يجلبه له صديقُه اللواء في الداخلية، كلما قام جنود إدارته بمصادرة بضاعة أحد تجار التهريب، كما أنه يزني كلما أتيحت له الفرصة لذلك. لكنه يلتزم بتحريم الله فيما يخصُّ الخنزير، فبعض الحرام — يقول — أهونُ من بعض.

قال له شيخ عبد الله إنه عندما يموت، فسيكون شهيدًا تزفه الملائكة كالعريس في موكب سماوي جميل، بينما تفوح منه رائحة المسك والصندل، وموسيقى جميلة في الخلفية. قال له إن الله سيبني له بيتًا في الجنة، كذلك كجزاء لجهاده ضد المازونية.

– «حدادي مدادي يا شيخ؟»

– «بالحيل يا ولدي، حدادي مدادي.»

قال له إنه سيُمنح خدمًا جَميلي الشكل، يسهرون على راحته، مع الكثير من الحور العين، ينكحهن متى شاء وكيف شاء، وبأي وضعية شاء، بدون حدود لطاقته الجنسية، وبدون «فياجرا».

– «بنات سمحات جنس سماحة، وغلف ما مطهرات، لونهن شدة ما أبيض لمن تشوف الدم ماشي شرررر في عروقهن.»

ويتحسس عضوه الذكري في شغَفٍ، وهو يحلم بالشهادة في سبيل الله. ويبتسم عندما يتخيل النظرة التي ستعلو وجه أم العيال — تلك البقرة — عندما تراه مرتميًا في أحضان الحور.

إن الكثير من المرح في انتظاره.

لهذا — يمكننا أن نفهم — يحمل معه المسبحة دائمًا، لتذكِّرَه دائمًا بالله وجهاده من أجل دينه، ومن يومها وهو ينام قرير العين كالأطفال، بلا كوابيس من أي نوع.

بحركة سريعة أزال الحارس الكيس البلاستيكي، فراح «عمار» يعب الهواء في جشعٍ لدقائق وجسده يرتجف.

ثم تهانف، وراح يبكي.

ربما يكون قد نجا من الموت لحظتَها، لكنني أشك فعليًّا في نجاته من اعتلال العضلة القلبية بعد هذه الخبرة.

ابتسم «سعادتك» في رضًا. بعد كل هذه السنوات كون نظريته الخاصة أن كل الناس ضعفاء، جبناء، مهما تظاهروا بغير ذلك.

ففي النهاية، مهما بدوا أقوياء، صامتين، متحدين، صلبين، متظاهرين بالبطولة، فإنهم يولولون كالنساء، وتنطلق ألسنتهم في سخاء بين يديه.

يعرف كيف يدفع الشخص إلى ذلك الحدِّ الفاصل بين الحياة والموت مرارًا مع إرهاقه جسديًّا، حتى يجعله يشتهي الموت ولا يناله، وهي خبرة محطمة للأعصاب فعلًا، والنتيجة ألا أحدَ يستطيع مواصلة الصمود، كلهم ينهارون في النهاية.

قال، وهو يدور حول «عمار» في بطءٍ بينما يداه لا تزالان معقودتين خلف ظهره، ليمنح نفسه ذلك التأثير بالسيطرة المطلقة الذي يحبه كثيرًا (رآه في أحد الأفلام الهندية): «لدي كل اليوم لهذا. هلم تكلم يا فتى.»

سمع صوت «عمار» يهمهم بصوت خفيض غير مفهوم، ورأسه مائل على صدره، فقرب رأسه منه، وهو ينحني عليه نصفَ انحناءة.

– «ماذا تقول؟»

ببطء يرفع «عمار» وجهه إليه، وهو ينظر له بعينَيْن لا تريان، ومن هذا القرب بدا له وجهُه بشعًا للغاية، مع كل هذا التورم في عينيه وجبهته وشفتيه، والدماء التي تسيل عليه. وراح يردد بصوت واهن:

أنَّ سيفان سيفك
صوتان صوتكَ،
أنك إن متَّ
فللبيت ربٌّ،
وللطفل أب
هل يصير دَمي — بين عينيك — ماء؟
أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء؟
تلبس — فوق دمائي — ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟

لم يفهم «سعادتك» كلمةً مما قيل، لكنه شعر أن الفتى يسخر منه أو يتحدَّاه للمزيد.

كان يتوقع بعض التوسل أو بعض الأسماء الثلاثية، لكن آخر ما توقعه أن يسمع بعض الشعر المقفَّى، خاصة بعد نوبة البكاء التي رآها منذ قليل.

توقف للحظات يرمق «عمار» بنظرة نارية وعضلات فكه تتوتر، أصابعه تبتلع حبات المسبحة في سرعة أكبر، ثم رفع رأسه لأحد الحارسين، وقال من بين أسنانه: «لديكما حتى صباح الغد، أريد تقريرًا كاملًا على سطح مكتبي بأسماء تلك اللجان والمشتركين فيها، أو جثته الهامدة.»

ثم طرق على باب الزنزانة من الداخل، ففتح الباب ذلك الحارس النحيل طويل القامة قليلًا، ذو الملامح الطفولية الوادعة، وأدى التحية العسكرية في توتر، ثم أغلق الباب خلف «سعادتك»؛ إذ ينصرف مغادرًا المكان.

كان «عمار» مرهقًا منهكًا كما يجب أن يكون، وقد فقد الإحساس بأطرافه تقريبًا.

تعلمين يا سيدتي: إنني لم أكن أعرف يقينًا ما حدث ﻟ «عمار» بعد مغادرة «إبراهيم» للمعتقل، وكما قلت لك سابقًا؛ فقد تحصلت على بعض هذه التفاصيل لاحقًا من مصادر مختلفة، وبروايات مختلفة بطبيعة الحال، لكنني أحاول سدَّ الثغرات في القصة باستنتاجاتي الخاصة، معتمدًا على تقرير الطبيب الشرعي.

لست واسع الخيال بشكل خاص، لكنني أستطيع تخيل كل الصفعات والركلات التي تعرَّض لها من الحارسين.

أستطيع تخيل الحراس، وهم يشتمونه في بذاءة، ثم يقولون له إنهم سيضاجعونه كما تضاجع النساء.

أستطيع رؤيتَهم يجردونه من ملابسه، ويشدون وثاقَه على طاولة ما، ثم يتناوبون على اغتصابه، بينما هم يسبونه بأقذع الألفاظ.

بالتأكيد لا أعرف فيم كان يفكر وهو يشعر بأنفاس الحارس الجشعة الحارة على مؤخرة عُنقه، ويسمع صوت خواره إذ يتلمظ منتشيًا.

لم يكن يصدق.

لم يكن يفهم.

وعندما بدأ يشعر بالدوار، والاختناق، بينما ينزلق وعيه، وينفصل عن المكان والزمان ببطءٍ، عرف أنها نوبة أخرى تداهمه في تلك اللحظات تحديدًا.

نوبة أخرى.

وأمام عينيه الغائمتين رأى شريط حياته يمر أمام ناظريه في ثوانٍ.

طائرة الأباتشي تثير عاصفة من الرمال، وبجانبها صورة صقر جميل الشكل.

والدته، أخته، سليمان، المسجد.

فطومة تبتسم، وتطرق للأرض في خجَلٍ، وهي تحكم لفَّ الطرحة حول رأسها.

المدرسة.

السكن الداخلي.

الجامعة.

«هبة» تقبله في القاعة الخالية، ثم تجهش بالبكاء.

وطفل صغير منتفخ البطن يقف أمام أحد المنازل المتهدمة، يحتضن دمية قطنية ملوثة بالطين.

مجتمع بكامله ينمحي من خارطة الوجود أمام ناظريه في دقائق معدودة.

رأى كل هذا أم لم يره، لا أعرف حقيقة. لكنني أعرف أنهم قد استطاعوا تحطيمَ آخر خطوط دفاعاته النفسية في تلك اللحظة.

رصيدٌ جديد من القسوة يُضاف لأرشيفه المأساوي.

نوبة أخرى.

نوبة عنيفة أخرى.

وعندما رفع رأسَه للسماء، بعدما فرغوا منه، ورموه على أرض الزنزانة الباردة كخرقة قديمة بالية، منكمشًا على نفسه كالجنين في بطن أمه، بوجه منتفخ، ودماء تسيل، ونفس مسحوقة مضطربة، وأطراف ترتعش. سأل الله بصوت مرتجف دامع «لماذا تفعل هذا بي؟»

لم يجاوبه شيء سوى الصَّمت المطبق.

وصوت قديم من عمق ذاكرته المشوشة، لقمرية تسجع بصوتِها اللحني الجميل أن «احمدوا ربكم.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١