عودة الماضِي

خلت «هدى» إلى نفسها تتدبَّر أمرها وتزن ماضيها وحاضرها. كانت تشعر أنها قادمة على أمر ذي بال، وأنها الساعةَ في مرحلة بين مرحلتين من حياتها، وثمة طريقان عليها أن تختار أيهما تسلك، فإما إلى سعادة تُنسيها الماضي بما فيه من لذة ونشوة وسحر، وإما …

ولكنها لا تعرف السعادة إلا ما كانت فيه من قبل، فما هذا الجديد الذي يحاول أهلها أن يُزيِّنوه لها ويحملوها عليه؟

الزواج، والبيت، والأسرة!

ما أجمل هذه الأسماء وألطف موقعها من قلب كل فتاة! ولكن ما بال هدى تحس حين تسمعها الساعةَ كأنما تخزها وخز السنان، فما تطرق أذنها إلا فارغةً من معناها أو معدولًا بها عنه، فليس لها في نفسها إلا معاني القلق والوحشة والحرمان!

أتُراها وقد بلغتْ هذه السن لم تفكر في الزواج والبيت والأسرة قبل اليوم؟ بلى، ولكن … لو أن أحدًا غير أبيها وأمها ألقى إليها هذه الكلمات من قبل لكان لها معنى حقيقٌ بأن يسُرها ويملأها سعادة ومرحًا؛ أعني لو أنه هو … ولكن، أين هو؟ وهل يدري …؟

وطارت خواطرها سريعة إلى «ماجد»، وتمثلته جالسًا مجلسه ينتظرها لموعدهما الذي طالما التقيا فيه منذ سنوات … يتلفَّت ويمد عينيه يتنوَّرها قادمة من بعيد، فيلقاها مبتسمًا ويبسط لها يمينه!

آه! ماذا تُراه يفعل حين يبلغه النبأ فيعرف أن هدى لن توافيه لموعده منذ اليوم، ولن تلقاه، ولن يراها؛ لأن حياة جديدة قد باعدتْ بينهما فلا سبيل إلى اللقاء؟

ورانت على عينيها غشاوة من الدمع، وتدحرجت على خدها عَبرة، وانمحى خياله من خيالها، ورأته — كما نظرته في مرآة نفسها — عابسًا مقطبًا، في جبينه ذلة المخذول، وفي عينيه ذبول السهر ولهفة الحرمان!

وغلبتها نفسها فأرسلت عينيها وأطرقتْ وأصابعها تعبث بمنديل في يدها قد بللته الدموع!

ورن جرس المسرة، فهبَّت واقفة كأنها من رنين الجرس على ميعاد، ثم ذكرتْ موقفها هذا الجديد، فقمعت في صدرها رغبة تختلج وعادت إلى مجلسها. لا ينبغي أن يسمع ماجد صوتها في المسرة بعد اليوم!

لم يحسب ماجد وهدى حسابًا لهذا اليوم من قبل، ولم يَدُرْ في خاطر واحد منهما لحظةً أن هذه الساعة آتية. لقد كانا من الحب في سكرة ذاهلة لا تدع لهما سبيلًا إلى الفكر والتدبير وتوقُّع ما لم يقع بعد … وفجأة تغيَّر الموقف وكان ما لا بد أن يكون، وطرق الباب طارق مجهول يطلب يد هدى …

… وسأل أبوها وتقصَّى أمره، فرضيه لِفتاته، ولكنه تلبثَ حتى يسمع رأيها، وسألها فلم تُجِب، وفزعت إلى خلوتها تتدبر أمرها وتزن ماضيها وحاضرها وتبكي …

أكانت تبكي حبًّا لماجد أم شفقة عليه؟ من يدري؟ ولكنها ظلت تبكي، وماذا تملك أن تفعل غير البكاء؟

أتُراه قد عرف؟ يا ليت …! إنه هو وحده الذي يستطيع أن يفعل أشياء كثيرة غير البكاء! لو أنه جاء الساعةَ يطلب يدها، إذن لاستطاعت أن يكون لها رأي، وأن يكون لرأيها اعتبار ومكان …!

ولكنه جالس مجلسه هناك، ينتظرها لموعدها، فمن له بأن يعرف؟ من له بأنه لن يرى هدى بعد، ولن تراه؟

… أتُراه لو عرف يسرع إلى بابها فيزحم هذا الخاطبَ المجهول بما له من سابقةٍ وصلة قريبة، فماذا منعه من ذلك قبلًا لو كان يريد؟

… ومضت أيام قبل أن تعلن هدى رأيها إلى أبيها، لقد حاولتْ في هذه الأيام أشياء كثيرة لتُشعر فتاها من بعيد بما تريد أن يفعله، ولكن محاولاتها جميعًا قد باءت بالخيبة ولم تستطع أن تحمله على ما أرادت. ليتها تعرف أكان ذلك منه غباءً أم تغابيًا!

ولم تجد الفتاة سبيلًا إلى الخلاص بعد، فرضيتْ!

لم تكن هدى من الغفلة بحيث تجهل أنها مقبلة على عهد جديد ليس بينه وبين ماضيها سبب، وأن ذلك الماضي بما فيه من أماني وذكريات قد ذهب إلى غير رجعة، فإن هي لم تستطع أن تنزع من نفسها كلَّ ما يربطها به فقد ضلت وأثمت وبذلت ما لا تملك لمن لا يملك؛ فراحت من أول يوم تحاول أن تدفن ذلك الماضي في أعمق أغوار النسيان، فلا تدع سبيلًا يذكِّرها به إلا أبعدته وعفتْ آثاره، فلا رسالة، ولا صورة، ولا جريدة فيها شيء عن معناه أو معنى يتصل به إلا أحرقتها وأذرت رمادها، وحتى المخدع الذي كان طيفه يلمُّ بها حين تأوي إليه في الليالي الطويلة الساهدة لم تدعه في موضعه، والصورة التي تصورتها يومًا لتُهديها إليه حين يطلبها — ولم يطلبها — لم تُبقِ عليها، والمسرة التي طالما تحدث فيها إليها وتحدثت إليه في غفلة من أهلها وأهله، لم تحاول أن تمسك سماعتها من بعدُ مرة واحدة لتنادي أحدًا أو تجيب نداءً …

ولكن هدى مع كل ما فعلتْ وما غيرت من نظام حياتها كانت من أوهامها ووساوسها على حذر ورقبة، تخشى يومًا يستيقظ فيه ذلك الشبح الراقد في قلبها فيُفسد عليها حياتها ويزلها!

وتركت ما كانت فيه من أسباب اللهو ومتاع الشباب إلى الصلاة والعبادة، لعل الله أن يجدد لها السعادة ويَهَبَ لها السلوان ويمنحها الستر والتصون. وجلست في مُصلاها ورفعت يديها ضارعتين إلى الله تدعو: «يا رب! هذه طاقتي فيما أملك فجنبني الإثم والخطأ فيما لا أملك!»

ولما حُدد يوم العرس بعد أيام، رجت أباها وخطيبها أن يَنسآ الأجل؛ إذ كانت تريد ألا تذهب إلى زوجها إلا فارغةَ القلب له، مغسولة الصفحة من ذكريات الماضي جميعًا!

وجلست هدى إلى خطيبها وجلس إليها، ورأت فتًى يستحق الحب لو أنها تملك أن تحبه، فمنحته الاحترام والطاعة!

وكثر لقاؤها خطيبها، وطالت مجالسهما وطابت. وخلا إليها ذات مساء يحدثها وتحدثه، ومضى الحديث فنونًا، وكشف لها عن صدره ووضع بين يديها أمانيه، ونظر إليها بعينين صافيتين فيهما طهر وبراءة، ونظرت إليه فأغضت من حياء، ونهضت معتذرة فأوت إلى مخدعها تبكي!

أرأيت دموع الندم في عينيْ فتاةٍ قط …؟!

لكأنما كانت تحاول أن تغسل بالدموع ذلك السرَّ الذي أطل عليه من عينيها حين نظرتْ ونظر، فلم ترقأ دمعتها ليلتئذ!

ولما جلست إليه في الزورة التالية بعد أيام، حاولت أن تقول شيئًا ثم أمسكت … لقد خُيل إلى المسكينة أنها تستطيع أن تتخفف من وقر ذلك الماضي الذي تثقل ذكراه على ضميرها لو باحت به بين يديه، ولكنها لم تقدر، فسكتت على ألم!

… وراحت الأيام تدنيهما قلبًا إلى قلب، وروحًا إلى روح، حتى صفا الود بينهما، وتراءيا نفسًا لنفس، وكشفت لها الأيام منه كنزًا من الإخلاص والوفاء والرجولة، فمنحته الإعجاب إلى ما كانت تمنحه من الاحترام والطاعة!

وأخذ الماضي يتلاشى من خيالها، ويستتر في حجاب وراء حجاب من فضائل خطيبها، حتى نسيت، فلم يَعُد شيء من ذلك الماضي يلمُّ بها أو يخطر لها على قلب، وأنستْ إلى حاضرها وسعدت به!

وصحبت زوجها إلى داره، والتقيا روحًا وجسدًا وعاطفة، وثابت نفسها إلى الاطمئنان والرضا، فراحت تبذل لزوجها ما تستطيع أن تبذل، وراح زوجها يبذل لها؛ ورفرف طائر السعادة على عشهما يغرِّد ألحانه. ومضى عام وصار الاثنان ثلاثة، واجتمع شمل الأسرة السعيدة على الوفاء والحب والإيثار؛ وكما يشرق الصبح في أعقاب ليل داجٍ فيغسل ظلماته بفيض من النور ويمسح على وجه السماء فإذا هي مشرقة تتألق، كذلك كان حاضرها من ماضيها، وتلفف الماضي في أكفانه ودفنته الأيام في أعمق أغوار النسيان!

ثم كان مساء، وكانت هدى تسابق طفلها في شارع خالٍ على شط النيل، حين برز لها شبح فألقى ظلاله في طريقها ثم تراءى لها، وانبعث الماضي إنسانًا حيًّا يحدِّق في وجهها بعينين فيهما ظمأ وجوع، وانطوى الزمان فكأن ما مر من السنين لم يكن إلا خفقة طرف سافرتْ فيها النفس ثم آبت، وطفت الذكريات الراسبة في أعمق الأغوار فتصورتْ بسماتٍ على شفاه تختلج، ونجوى في عيون تتلاحظ، وهتف ماجد في همس: هدى …!

وهمَّت هدى أن تجيب النداء فما أطاقت، ورانت على عينيها غشاوة، ودار رأسها فأوشكت أن تسقط، فاستندت إلى جذع شجرة قائمة وأغمضت عينيها، وتعاقبت على الواعية الباطنة صورٌ وذكريات، وخُيل إليها أن أصواتًا كثيرة تهتف بها، وأن متكلمًا يتكلم ويسأل ويجيب ولا سميع، ثم أفاقت على صوت ناعم يناديها ويجذب ثوبها: «ماما، ماما، أنا سبقتك!»

وانحنت على طفلها فحملته بين ذراعيها وكرَّت راجعة، وأوت إلى مخدعها تبكي!

وكعهدها في ليلة سلفتْ منذ سنوات، كانت في تلك الليلة، وخلت إلى نفسها تتدبر أمرها وتزن ماضيها وحاضرها، وشعرت كما شعرت من قبل أنها قادمة على أمر ذي بال، وأنها الساعة في مرحلة بين مرحلتين من حياتها، ولكنها في هذه المرة لم تكن في شك من الطريق الذي ينبغي أن تسلكه، وإن كانت تطأ فيه الشوك وتدوس على الجمر!

ودنا الطفل من أمه وعلى شفتيه كلمة صامتة وفي عينيه سؤال …

ومدت أمه إليه يدًا فضمته إلى صدرها وانحنت عليه، وراحت تبكي بلا دموع: «يا ولدي …!»

ولم تُتم حديثها، تُرى بماذا كانت تريد أن تحدِّث طفلها؟ أتُراها كانت تريد أن تتخفف من ثقل يئودها فتفضي إليه بالسر الذي عجزت عن الإفضاء به إلى أبيه …؟

وذكرت الرجل الذي وضع أمانيه بين يديها وأخلص لها. لقد منحته من نفسها الاحترام والطاعة حين عجزت أن تمنحه الحب. ولقد خُيل إليها في فترة من حياتهما أنها تحبه، فما بالها اليوم قد صبأتْ حين ذكرت ذلك الماضي الذي كانت تظنُّه قد غاب في مَدرجة النسيان؟

وتعاقبت الأيام، وهدى من داء قلبها في همٍّ واصب، والزوج يرى ويحس ولا يكاد يدري، والطفل يذبل ويذوي عوده؛ إذ كانت أمه في شغل عنه بما تصارع في نفسها من هم!

وعاد الزوج إلى الدار ذات مساء ومعه ضيف … وكان الماضي طيفًا يُلمُّ فعاد ضيفًا يزور!

واستقبلته هدى بشعور بين الأُنس والوحشة، واتخذت مجلسها بإزاء الرجلين اللذين فرض عليها القدر أن تكون منهما بين شِقيْ مِقصٍّ؛ لا يجتمعان إلا على فُرقة وشتاتٍ!

ونهض الزوج لبعض شأنه، فهمَّت أن تلحقه حين ناداها ماجد، ونظر إليها ونظرتْ، وكان في عينيه نظرة ضراعة وفي عينيها نظرة تساؤل، ودنا منها وتحركت شفتاه همسًا: «هدى! ها نحن قد التقينا أخيرًا …»

وفهمت ما يعنيه. إذن فقد كان بتدبيره هذا اللقاء، وإلى غرضٍ كان يرمي حين اصطنع هذه الصلة الجديدة بينه وبين زوجها؛ ليلقاها بإذنه وفي داره …! أهذا هو ماجد الذي كانت تعرف …؟

وسفرتْ لها الحقيقة التي ظلت متوارية عن عينيها أزمانًا حين رأت الهوة السحيقة تحت قدميها يحاول أن يقودها إليها برفق … أكذلك كان منذ عرفته أم هو خَلق جديد …؟!

وفي نبرة صارمة أجابته هدى ووجهها إلى الباب: «خيرٌ ألا تعود …!»

ولما خلت إلى نفسها من بعدُ ومثلتْ صورته في خيالها رأت صورة أخرى غير صورة ماجد الذي كانت تعرفه، أو الذي خَيل لها الوهمُ يومًا أنها تعرفه، وكما يصنع الضباب صورًا تتراءى على أعين الغادين في غبشة الصباح كأنها تماثيل من بلور ثم لا تلبث أن تذوب حين يشرق عليها نور الشمس كذلك كانت صورته في أوهامها … ثم تلاشت حين ألقت الشمس قناعها! وتحطم التمثال الجميل الذي أقامته في قلبها تقدِّسه وتتعبَّد له، ومحت كلمةٌ من شفتيه ما لم تمحُه السنون من ذكريات الماضي، فصار هباءً وعاد كما بدأ!

ووازنت بين رجلٍ ورجل، فشالت موازين ورجحت موازين، وانجابت الغشاوة عن عينيها، فبعد لأيٍ ما أبصرتْ، وعرفت …

… وقفل إليها زوجها فتعلَّقت به عيناها كأنما تستقبل عائدًا من سفر بعيد، ودفنت وجهها في صدره لتمسح آخر دمعة ذرفتها على الماضي الذي ذهب ولن يعود، ثم رفعت إليه عينين عائذتين وعلى شفتيها كلمة حب لم يسمعها قط ولم تقلها منذ أظلهما سقف.

وكأنما كان قلبها في سجن فحطَّم أقفاله ثم انطلق، وبدأ الحب يكتب تاريخًا جديدًا في صفحة بيضاء!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١