الفصل الثاني

علم اللسان

بقلم أنطوان ماييه
الأستاذ في الكوليج دي فرانس
اللغة شيء مركَّب تتصل دراستُه بعدة علوم: بعلم الطبيعة؛ لأن اللغة تتكوَّن من أصوات، وبعلم وظائف الأعضاء؛ لأن تلك الحركات وإعطاء الأصوات دلالتها يرجع إلى حقائقَ نفسية. إن علم اللسان يستفيد من النتائج التي يصلُ إليها علمُ الأصوات وعلم وظائف الأعضاء وعلم النفس، ولكنه ليس مجردَ جمعٍ للنتائج التي تُقدمها تلك العلوم، وموضوعه الأصلي هو دراسة اللغة لا كظاهرةٍ صوتية، أو ظاهرة عضَلية أو حسِّية تخضع للحركات، أو للإدراك الحسي، أو لفهم الأصوات الصادرة، ولكن كوسيلةٍ للاتصال بين كائناتٍ تجتمع في جماعات؛ أعني كظاهرةٍ اجتماعية. إن علم اللسان Lingu stique جزءٌ من علم الاجتماع. واللغة البشرية — وهي وحدها موضعُ نظرِنا هنا — تستند ككلِّ ظاهرة اجتماعية إلى سلسلةٍ لا نهاية لها من وقائع الماضي؛ ومن ثم كان علم اللسان كغيره من العلوم الاجتماعية الأخرى علمًا تاريخيًّا على نحوٍ ما. وهذا الموقف الذي يقفه علمُ اللسان في ملتقى علوم مختلفة يُملي عليه مناهجَ خاصة.

(١) الأصوات في اللغة

إذا لاحظنا حديثَ شخص يتكلم وأخَذنا في تحليله؛ أمكنَنا أن نُواجه الأمر من ناحيتين؛ فإما أن ندرس النطق الصوتي بصرف النظر عن المعنى الذي يحمله الحديث، فتكون دراستنا متعلقةً بعلم الأصوات العام Phonologie، وإما أن ندرس ذلك النطق كوظيفةٍ للمعنى المُعبَّر عنه. وهنا تدخل دراستنا بابَ النحو أو المعاجم Grammaire ou Lexicologe. إن الأصوات لا تهمُّ الباحثَ في علم اللسان إلا من حيث دلالتُها على معنًى، ومع ذلك فثمة مجالٌ للنظر في أصوات اللغة كأصوات، وبصرف النظر عن قيمة دلالتها؛ فالجملة التي نسمعها من لغةٍ لا نفهمها تُولِّد — لأول وهلة — إحساسًا بشيء مستمر لا نُميز منه أيَّ عنصر يمكن فصله، ولكنَّنا عند الفحص نُدرك — حتى دون أن نفهم شيئًا من المعنى المعبَّر عنه — أن في كل نطق لغوي سلسلةً من المسافات تفصل بينها عناصرُ الانتقال. والوحدات المركبة التي تتكون على هذا النحو هي ما يُسمى بالمقاطع. وتلك أول وحدة صوتية نجحنا في فصلِها. وأقدمُ حروف الهجاء الصوتية كانت مقطعية. وعندما نُمعن في الفحص، نجد أن المقاطع تتكون من عناصرَ نلقاها بذاتها في المقاطع المختلفة. خذ لذلك مثلًا قولَنا: لقد حمل الأطفال عَشاءهم، نجد أن تلك الجملة تتكوَّن من المقاطع لَ، قدْ، ح، م، لَلْ، أط، فا، لُ، عَ، شَا، أ، همْ (وذلك مع المحافظة على طريقة الكتابة المألوفة في حدود الممكن)، ونجد أن المسافات الزمنية تكاد تكون متساويةً في قد، لَل، هم، وكذلك في ل، ح، م، كما تجد أن المقطعَين ل، ل، يبتدئان باللام، والمقطعين أط، أ، يبتدئان بالهمزة (وهذه العناصر البسيطة هي ما نُسميه أصواتَ اللغة: phonèmes). وهذه قد ميزَت منذ زمنٍ بعيد. ولقد تناول الإغريقُ الكتابةَ المعروفة بالفينيقية وأحكَموا رسم الحروف «الصائتة» Voyelles وأضافوها إلى الحروف الصامتة: Consonnes التي كان الفينيقيون قد سبقوا إلى رسمِها مُهمِلين الصائتة. وبذلك كوَّن اليونانُ الرسم الهجائي، وعنهم أخذَته معظمُ الشعوب المتحضرة. وكان تحديد الأصوات — في الكتابة الفينيقية والإغريقية وفي الكتابات العديدة التي أخذَت عنهما — الاكتشافَ الأساسيَّ في علم الأصوات؛ وذلك لأن الصوت اللُّغوي — فيما يبدو — هو الوحدة الأخيرة في علم الأصوات.

وليس معنى هذا أن الصوت اللغوي شيءٌ موحَّد من ناحية السمع أو النطق، فمثلًا في الجملة السابقة لو أخذنا اللام الأولى في المقطع لل، لوجَدْناها تتطلب في نطقها ثلاثَ مراحل متواليات: أُولاها توقُّف اهتزاز الأحبال الصوتية بعد نطق الحرف الصائت في المقطع السابق م، ثم التصاقُ أسَلةِ اللسان بالنِّطْع، وهذه هي المرحلة الأولى. وارتخاء جانبَي مقدَّم اللسان مع تقوُّسِه إلى أسفل، واندفاع جانبٍ من الهواء الذي يمرُّ من هذين الجانبين المرتخيَين، وهذه هي المرحلة الثانية. وأخيرًا انفصال الأسَلة عن النطع وفتحُ مجرى النطق. وهذه الأزمنة الثلاثة متميزةٌ بعضُها عن بعض، ومن السهل إدراكها؛ إما بملاحظة حركات النطق العضلية ملاحظةً مباشرة، وإما بطريقةٍ ميكانيكية؛ وذلك بتسجيل موجات الهواء التي تنتج عن تلك الحركات.

ولكن في حديث الشخص موضعِ ملاحظتنا تتَّحد الأزمنة الثلاثة اتحادًا لا انفصام له، بل إن هناك حالاتٍ لا يُمكننا فيها أن نميز بين الصوت البسيط ومجموعة من الأصوات؛ فالحرف الصائت مثلًا الذي يطول نطقُنا له لا تستمرُّ طبيعته هي هي، ونحن لا نُواجه هنا مسألةَ الشدة Intensité أو الدرجة Hauteur التي ليست إلا عناصرَ ثانوية. وإنما نقصد إلى التغيُّر الذي يطرأ على نوع الصوت نفسِه ensité، فإذا كان هذا التغير ممتدًّا قلنا بوجود صوت مزدوج Diphlongue، ومع ذلك فليس هناك حدٌّ فاصل بين الصوت المزدوج “ao” في كلمة «يوم» (عامية)، وبين الصوت البسيط «أ» عندما تليه «و» فتوجهه نحو نطقها.
ولتكون العلم الذي يدرس أصوات اللغة ومجموعات تلك الأصوات، وهو ما يُسمى بعلم الأصوات Phonétique أو Phonologie، لدينا وسيلتان: أُولاها الملاحظة العادية بواسطة الأُذن، والثانية التسجيل بالوسائل الميكانيكية.

ولقد استطاعت الملاحظة بالأذن وحدها أن تنتهيَ إلى تكوين الكتابة الهجائية التي تحمل في نفسها نظريةً صوتية كاملة. ولا بدَّ أن تكون تلك الملاحظات قد أدركَت كلَّ ما هو أساسي في اللغة ما دامت اللغاتُ تنتقل بالسماع من جيلٍ إلى جيل. والأذن لا ريب قادرة على إدراك كلِّ ما باللُّغة من عناصر، وذلك بصرف النظر عن الكتابة التي تُعتبر شيئًا حديثًا بعيدًا عن أن يكون عامَّ الاستعمال لدى الشعوب كافة، وهي بعدُ أداةٌ ناقصة تُهمل عددًا لا حصر له من الفروق الدقيقة.

وأما التسجيل الميكانيكي فله نوعان؛ فمن الممكن أن نُسجل إما تموُّجات الهواء التي تولِّد النطق، وإما حركات النطق ذاتها. ولقد استُخدمت الطريقتان، ومع ذلك لم ينجحا بعدُ في دراسةِ كل الأصوات على نحو مُرضٍ. ومجموع تلك الوسائل يُكوِّن ما يُسمى بعلم الأصوات التجريبي Phonétiquss expenmental، أو على الأصح علم الأصوات الميكانيكي Phonétique instrumental؛ وذلك لما هو واضحٌ من أن هذا العلم يكتفي بأن يُسجل حركات النطق والأصوات الصادرة عنها، دون أن يُخضعها إلى تغيراتٍ يمكن أن تُسمَّى تجارِبَ عظيمة؛ فهو يُمكننا من أن نتجنب الأخطاء التي تقع فيها الملاحظة المباشرة، إما نتيجةً لتراخي الانتباه بسبب العادة إذا كنا ندرس لُغتَنا التي ألِفْناها، وإما بسبب عدم الإِلْف إذا كنا ندرس لغةً أجنبية. وهو يصل إلى درجةٍ من الدقة لا تستطيع الأذنُ وحدها أن تصل إليها، وبخاصةٍ عندما نريد تقدير «كمِّ الأصوات» Quantité  شدتها Hauteur … كما أنه الطريقة الوحيدة لتحليل الأصوات وردِّها إلى عناصرها ردًّا يُمكِّننا من تعريفها على نحوٍ يجمع بين الدقة والموضوعية.
وبجمع النتائج التي لدينا عن نُطق اللغات المختلفة القديمة والحديثة، القريبة والبعيدة؛ نلاحظ أنه إذا كان النطق يختلف عند النظرة الأولى اختلافًا كبيرًا، فإن أصواتَ اللغات المعروفة كلها تنتظم في عددٍ محدود من الأنواع، وهي تتولَّد بعددٍ من الطرق قليلةِ الاختلاف من لغةٍ إلى لغة؛ ففي كل اللغات هناك حروفٌ صائتة وأخرى صامتة، وفي كل اللغات تكون الحروف الصائتة سلسلةً يمتدُّ أحد طرفَيها من حرفٍ فتحتُه أكبر ما تكون، يُشبه إلى حدٍّ ما الحرفَ a في اللغة الفرنسية (الفتحة في اللغة العربية)، والطرَف الآخر ينتهي إلى حرفٍ إغلاقُه أكبر ما يكون يشبه إلى حدٍّ ما الحرف i أو u أو ou في الفرنسية (في العربية الياء في سين، والواو في بوق).
وفي كل اللغات تنقسم الحروف الصامتةُ إلى منفجرة Occlusives تتطلب وقفًا تامًّا لمرور الهواء الملفوظ، ومتمادَّة Continues تصطحبُ بحفيفٍ الهواء في مجرًى محصورٍ ينتج عن تصفيق أعضاء النطق عند أحد المخارج. ومن بين المنفجرة، نُميز مثلًا السنِّية بأن الأغلاق يحدث بواسطةِ حافَة اللسان الأمامية، والحَلْقية بواسطة حافَتِه الخلفية وهكذا. وأما الأصواتُ ذات الطبيعة الخاصة كاللام الجانبية (النوع الأكثر انتشارًا هو ذلك الذي ينطبق بإسنادِ طرَف اللسان إلى النِّطع، وبجانبي اللسان أو بإرخاء أحدِ الجانبين)، فإنها موجودةٌ في كل مكان وفي كافة الأزمنة.

وإذن فهناك علمُ أصواتٍ عامٌّ منهجه التقسيم، والوسائل المستخدَمة في ذلك العلم لا تختلف عن تلك التي تُستعمَل في العلوم الطبيعية والعضوية. وفي الحق إن علم الأصوات اللُّغوية ليس جزءًا من علم الأصوات الطبيعية ومن علم وظائف الأعضاء التي تُستخدَم في النطق. إنه مزيجٌ من هذين العِلمَين مع فارقٍ واحد؛ هو اقتصاره على الأصوات التي لها دلالة.

(٢) اللفظة وعامل الصيغة

وأما إذا درَسْنا النطق اللغويَّ كوظيفةٍ لمعنًى يُعبر عنه؛ فإن الموقف يتغير، وعندئذٍ لا نلقى قسمًا واحدًا، بل قسمَين متميزين؛ فهناك من ناحيةٍ العناصرُ التي تُعبر عن الأشياء، وهناك من ناحيةٍ أخرى العلاقات التي تقوم بين العناصر المكوِّنة للجملة؛ وتلك العلاقات يُعبَّر عنها بواسطة الصيغ النحْوية مع إعطاء هذا الاصطلاح الأخير أوسعَ معانيه. وإذن فهناك دراسة المفردات؛ أعني المعاجم، تُقابلها دراسة الصيغ؛ أي النحو. ولتعيينِ كل ما يُعتبر صيغة نحوية — وذلك بصرف النظر عن العناصر التي تُميز المعنى الحقيقيَّ لهذا الاصطلاح — استعمال كلمة «عامل الصيغة» Morphème. وثَمة فائدةٌ في استعمال هذه الكلمة؛ هي أنها لا توحي بالمعنى المجسَّم الضيِّق الذي علق بالاصطلاح «الصيغة النحوية».
واللفظة المفرَدة وعامل الصيغة دائمًا منفصلان في الكلام؛ ففي بعض اللغات التي تُسمى لغات إعراب Langues flexionnelles، نجد اللفظة وعاملَ الصيغة متَّحدَين اتحادًا وثيقًا، بحيث يكونان كلًّا لا يتجزَّأ إلا بالتحليل، فمثلًا في قولنا باللاتينية: mors fabri (بالعربية موت الحداد) أو قولنا: mors patris (موت الأب)، نجد في patris (الأب) وفي feber (الحداد) عناصرَ تدلُّ على معنى الأبِ ومعنى الحداد، ومعها عناصرُ أخرى تدل على علاقة التبَعية القائمة بين «الأب» و«الحداد» وبين «الموت». وهيئة عامل الصيغة تتوقَّف على اللفظة المفردة إلى حدٍّ ما؛ ففي المثل اللاتيني السابق نجد أن هذا العامل ليس واحدًا في: Fabri patris (وفي اللغة العربية نجد أن الجرَّ يكون أحيانًا بالكسرة وأحيانًا بالفتحة أو غيرها)، ومع ذلك فإنه رغم هذا التداخل الوثيق بين اللفظة المفردة وعامل الصيغة، ورغم توقُّف أحدهما على الآخر؛ يجب أن نفصل في الدراسة بين هذين النوعين من الموضوعات.

وثمة خاصية مشتركة بين اللفظة وعامل الصيغة، هي أنه ليس لوحدة كلٍّ منهما حتمًا حدٌّ صوتي؛ فالجملة التي تحتوي على عدة ألفاظ وعدة عوامل، تترك عند السامع الذي لا يفهمها أثَر النطق المستمر؛ ومن ثَم نرى أولئك النفرَ من علماء اللسان الذين هم قبل كل شيء علماءُ أصوات، نرى أنهم ينكرون غالبًا حقيقةَ اللفظة المفردة، وهم إلى حدٍّ ما مصيبون من وجهة النظر الصوتية، ولكن علم الأصوات ليس كلَّ شيء في علم اللسان، واللفظة المفردة وعامل الصيغة كِلاهما حقائقُ من حيث إنهما يُعبِّران بالأصوات على نحوٍ مستقل؛ الأول عن معنًى، والثاني عن وظيفةٍ نَحْوية. اللفظة حقيقةً بلغَت من الثبات أن نرى الطفل الذي يتعلم الكلام يبتدئ أو يُلوح أنه يبتدئ بألفاظٍ مفردة منفصلة، وكل الناس يعرفون أنه لكي نتمثَّل لغةً أجنبية؛ يجب أن نصلَ إلى أن نعزل في الجمل التي نُسميها اسمَ كلِّ شيء.

وتُعرف الكلمة بالعلاقة بين معنًى ومجموعةٍ من الظواهر، وذلك مع اعتبارنا للتغيُّرات التي يمكن أن تنتج عن الصيغ النحْوية المختلفة.

واختلاف الصيغة النحوية يُعقِّد التعريف دون أن يَسلبَه شيئًا من دقته؛ فكلمة حِصان لا يمكن أن تُعرف ما لم نعلم أنها في بعض الأحوال تأخذ الصيغةَ أحصِنة. وكلمةُ جميل كذلك، ما لم نعرف الصيغ جميلة وجميلان وجميلون وجميلات. وكلمة راح، ما لم نُلاحظ التغييرات التي تطرأ عليها في قولنا: يروح ورح … إلخ. وكذلك الأمر في اللغة اللاتينية؛ فليست هناك كلمة (أب) pater وكلمة (حداد) Faber، وإنما هناك من ناحية المجموعة pater patris patre … إلخ (الأبُ الأبِ … إلخ)، ومن الناحية الأخرى fabro faber fabri … إلخ (حدادٌ حدادٍ … إلخ).
وفي لغة البانتو Bantu ليست هناك كلمة muntu (الرجل)، بل مجموعة مونتو (رجل)، وبنتو buntu (رجال)، وهكذا في عددٍ كبير من الحالات. وإنه لَمن الصعب أن نُحدد هذه الوجوهَ في كل حالة، وإن يكن مؤلِّفو المعاجم على خطأٍ في عدم قيامهم بذلك دائمًا على نحوٍ كامل.

(٣) معاجمنا بعيدةٌ عن الكمال

والجزء الآخَر من تعريف اللفظة؛ أعني ذلك الذي يتعلق بالمعنى جزءٌ شاق. ولقد سخر الناس كثيرًا من تعريفات معجم الأكاديمية، وهي غالبًا تعريفاتٌ رديئة، ولكن من المستحيل أن نضع تعريفاتٍ جيدة، وبخاصةٍ فيما يتعلق بالألفاظ العامة في اللغة الدارجة؛ فالمعنى العاميُّ اللصيق بكلٍّ من تلك الكلمات في العادة غامض، وهو على أي حال لا يحمل تعريفًا دقيقًا، بل يأبى ذلك التعريف، وإنما الاصطلاحات الفنية هي التي تقبل التعاريفَ الدقيقة، ولكن لا قيمة لها إلا عند أرباب المهنة، وهي عادةً تخلو من كل معنًى بالنسبة للأفراد العاديِّين الذين يُسمُّونها، فإن كان لها معنًى عندهم جاء معنًى غامضًا. والشيء الأساسي في اللغة هو الألفاظ الدارجة التي لها قيمةٌ تكاد تكون واحدة عند مجموعة الأفراد الذين يتكلمون لغةً ما؛ ومن ثَم فمؤلف المعجم الذي يُحِلَّ تعريفاتٍ عِلمية محلَّ التعريفات الغامضة التي تُعطى عادةً للكلمات غيرِ الفنية المستعمَلة، يرتكب شرَّ الأخطاء؛ إذ يعطي تلك الكلماتِ قيمةً لا تَصدُق إلا عند بعض الأخصائيين. والذي يهمُّ الباحثَ في علم اللسان ليس الحقيقةَ الموضوعية التي تلحق بالاسم، بل الفكرة الدارجة عن تلك الحقيقة. ومن الواجب أن نُضيف أن ما يحدث عادةً عندما ننطق أو نسمع كلمةً ما، هو أن الخيال لا يُدرك المعنى اللصيق بها، وأننا نكتفي بالذكرى الغامضة التي تُثيرها تلك الكلمة. واللفظةُ بعدُ لا تحمل معنًى عقليًّا فحسب، بل تحمل أيضًا في الغالب لونًا من الإحساس؛ فكلمة jardinet١ «جُنَينة» ليست فقط حديقةً صغيرة، ولكنها حديقةٌ صغيرة لها في النفس حُنوٌّ، وكلمة cnâteau (قصر) ليست فقط منزلًا واسعًا، بل يُضاف إلى ذلك إحساسُ إعجابٍ نشعر به نحو مقرِّ الأمراء. ولِلَّفظة كذلك قيمةٌ اجتماعية؛ فعند بعض الطبقات التي تتكلم الفرنسية لا تستعمل لفظة Gueule (بوز) إلا عند الكلام على الحيوانات، ولا تقال عن كل الحيوانات،٢ بينما تستعملها طبقاتٌ أخرى باستمرار في الكلام عن الإنسان.
وأخيرًا، إن اللفظة من اللغة الدارجة لا تُعرف إلا بالنسبة لمجموعةِ الجمل التي تُسمع فيها، والتي من الممكن أن تُستخدم فيها؛ ومن ثم فالمعجم لا يمكن أن ينزع إلى الدقة ما لم يحتوِ على أمثلةٍ كثيرة، وكلما ازدادت تلك الأمثلة عددًا وتنوعًا ازداد المعجم قربًا من الحقيقة. والرسم، والكتابة الموسيقية، والإحالة على شيء يعرفه القارئ، يُعرِّف الألفاظَ غالبًا خيرًا مما تُعرِّفها التفسيراتُ اللفظية الطويلة. وأما فيما يختص بالاصطلاحات الفنية فالمشكلة بسيطة؛ إذ تتعلق المسألة عادةً بأشياءَ أو أعمالٍ تحمل أو تتطلَّب تصويرًا تخطيطيًّا، أو على الأقل تقبل تعريفاتٍ دقيقة. والمعاجم في هذه الناحية ناقصةٌ نقصًا مبينًا، ولكن من الممكن تكميلها بالرجوع إلى القواميس الخاصة Lexiques أو الموسوعات الفنية.

ولقد فَطِنَّا منذ بضع سنين إلى ما يجب أن يتوفر في دراسةٍ جيدة للألفاظ، ولكن المعاجم الموجودة — حتى أحدَثها وخيرها — لا تُحقق إلا جزءًا يسيرًا مما يجب أن يكون. وفي الحق إن الصعوبة شاسعة؛ وذلك لأن اللغة تُلابس الواقع كلَّه بواسطة الألفاظ، بحيث إن دراسة المفردات دراسةً كاملة تكون بمثابة دراسة انعكاس الواقع كلِّه في نفوس الأفراد المختلفين الذين يستعملون تلك المفردات ويُكوِّنون منها لغتَهم. وهذا عملٌ لا يعرف حدودًا.

الألفاظ منفصلة بعضُها عن بعض؛ وذلك بحكم اتصالها بمظاهر الواقع المحسوس التي لا حصرَ لها، والمجموعات الاشتقاقية٣ للألفاظ محصورة في قليل من المفردات، بل إننا لنجدُ في داخل كل مجموعة أن لكل لفظٍ منها تقريبًا استقلالَه، فكلمة Chanter (يصلح للغناء) لم توجد إلا بفضلِ وجود الفعل Chanter (يُغني)، ولكن كلمة Chanteur (مُغنٍّ) قد تم استقلالها عن الفعل Chanter. وكلمتا Chantre (مغنٍّ في الكنيسة، وعلى سبيل المجاز شاعر يُغني أو طير يُغرد) وChanson (أغنية) لم نعد نحسُّ تقريبًا بأنهما يكونان جزءًا من مجموعة Chantable.٤

وأما عن الألفاظ التي تُعبر عن معانٍ يجاوز بعضُها البعض، فإنه من المهم أن نحدد قيمة كلٍّ منها؛ أي أن نضع على نحوٍ ما معاجمَ للأفكار في كل لغة، ولكن جمع تلك الألفاظ بعضها إلى جانب بعض هو — في أغلب الأحيان — خارجٌ عن دراسة اللغة، مستقلٌّ عن طرق الأداء فيها؛ ومن ثَم فهو تَحكُّمي، ثم إنه لا يَحتمل غيرَ تحديدات تقريبية، ومن ثم فالألفاظ لا تقبل أيَّ تقسيم عقلي صِرف. ودراسة المعجم تشمل عددًا من الأدوات المستقلة مساويًا لعدد الألفاظ، والنظام الوحيد الذي يُمكن أن نوزِّعها تبعًا له هو ذلك الذي يُمكِّننا من العثور على الأشياء (نظام فيشات المكاتب. وهذا ما يُعبر عنه ترتيب المعاجم ترتيبًا هجائيًّا).

ولكن اللغة البشرية العادية لا تقف عند استعمال الألفاظ المفرَدة؛ إذ تنتظم تلك الألفاظ مجموعاتٍ تختلف تبعًا للمعنى الذي نريد العبارةَ عنه، وهي ما نُسميه بالجمل. والكثير من الحيوانات الثديية والطيور قادرةٌ على أن تفوه بعددٍ من الأصوات تفهمها الحيوانات التي من جنسها، وتُثير عندها حركاتٍ محدَّدة. وتلك الحيوانات ذاتُها تفهم أيضًا أحيانًا كثيرة ما يوجِّهه الإنسان إليها من أصواتٍ وتُطيع. وإنه لمن الممكن أن نقود حِصانًا دون أن نستخدم تقريبًا أيَّ شيء آخر سوى الصوت، ولكن كل كلمة — وذلك لأننا إزاء كلمات حقيقية — كل كلمة يفهمها الحيوان منفردةً حتى ولو نطقناها في جملة. وأما جمع الكلمات في جُمَل فتلك خاصة الإنسان، ومن الواجب أن تؤلَّف تلك الجمل تبعًا لطرقٍ تُحددها طبيعةُ كل لغة، وتلك الطرق هي ما سمَّيناه سابقًا بعوامل الصيغة.

(٤) علم الصيغ وعلم النظم

وعوامل الصيغة يمكن أن تكون إمَّا صوتًا خاصًّا، وإما نظمًا محددًا للكلمات، وهاتان الوسيلتان مختلفتان من ناحية الشكل.

ونحن نُسمي دراسة النوع الأول بعلم الصيغ Morphologie، والنوع الثاني بعلم النظم «التراكيب» Syntaxe، ولكنهما في النهاية يؤدِّيان نفس الخدمات؛ ومن ثَم كان هناك مجالٌ لجمعهما في باب واحد من علم اللسان، هو باب النحو Grammaire، وبتعبيرٍ أدق: علم الصيغ. خُذ لذلك مثلًا الجُمل الفرنسية:
(بيير يضرب بول) Pierre frappe paul، (بول يضرب بيير) Paul frappe Pierre، والجُمل اللاتينية المقابِلة: (بطرس بولس يضرب) Petrus Paulum Caedit أو إذا أردتَ بولس بطرس يضربه Paulum Petrus Caedit، أو بولس يضربه بطرس Paulum Caedit Petrus، أو بطرس يضرب بولس Petrus Caedit Paulum، وبولس بطرس يضرب Paulus Petrum Caedit (مع الحرية في ترتيب الألفاظ على نفسِ النحو الذي رأيناه في الحالة السابقة)؛ فالفرق بين الفاعل والمفعول الذي ندلُّ عليه في الفرنسية بالترتيب الخاص بكلٍّ من الألفاظ الثلاثة في الجملة يُعبَّر عنه في اللاتينية بالاختلاف في تغيير أواخر الكلمات من s إلى m في الكلمتين Paulus وPaulum، ثم Petrus وpetrum (في اللغة العربية بتغييرِ الإعراب من رفعٍ إلى نصب). وإنه لمن الممكن أن تجتمع الوسيلتان؛ فالألمانيُّ عادةً يقول: (الأسد يرى الأرنب البري) Lowe Sicht den Hassen  (الأرنب البري يرى الأسد) Lowen der Hasse sicht den مع ترتيب الألفاظ ترتيبًا ثابتًا، تقريبًا، مضافًا إلى علامةٍ صوتية تُميز الفاعلَ من المفعول. وليس ثَمة وسائلُ يملكها علمُ الصيغ غير الوسيلتين اللتين ذكرناهما.
والتعبير بصوتٍ خاص يمكن أن يتَّخذ صِيغًا كثيرة التفرُّع؛ فأحيانًا يتكون من عنصرٍ صوتي له بعضُ الطول وبعض الاستقلال، بحيث يمكن أن نعتبره كلمةً متميزة إذا كان له معنًى متميز؛ وذلك مثل de في قولنا بالفرَنسية: «كتاب بيير» le livre de Pierre وهنا نرى ترتيب الألفاظ المحدد يُعزز مدلولَ عامل الصيغة مع ذلك العامل الذي تُسميه كتب النحو الفرنسية تسميةً غير موفَّقة بحرف الجر Preposition، وأحيانًا أخرى يكون عبارةً عن تغييرٍ داخلي في الكلمة، كما هو الحال في قولنا باللاتينية: «كتاب بطرس» liber Pétri. وذلك التغيير يتناول بوجهٍ خاص أولَ الكلمة أو آخِرَها، وإن لم يكن مقصورًا على هذين الموضعَين؛ إذ نراه أحيانًا كثيرة يدخل في حشو الكلمة؛ فكلمة «أب» لها في اللغة الألمانية صيغتان: أُولاهما Vater للعبارة عن المفرد، والأُخرى Vater للعبارة عن الجمع. ومعنى هذا هو أن عاملَ الصيغة يتكوَّن من تغييرٍ في نوع الحرف الصائت في المقطع الأول الذي هو a في المفرد، و e (التي تُكتَب ä) في الجمع. وعامل الصيغة الذي يتكوَّن من عنصرٍ صوتي يمكن أن يكون كُلًّا واحدًا مع الكلمة التي يدخل عليها، فيكون هذا إعرابًا Flexion، كما يمكن أن يُلحَق مجردَ إلحاق باللفظة دون أن يتَّحد معها اتحادًا وثيقًا، ويكون هذا إلصاقًا agglutination، والفارق بين النوعين هروب، وهو بعدُ أمر نسب.
وإذن فعندما نُميز بين علم الصيغ وعلم النظم جاعِلين موضوعَ أحدهما صيغَ الألفاظ، وموضوعَ الآخر بناءَ الجُمل؛ يكون تمييزنا مصطنَعًا لا يمكن أن نتابعه في التفاصيل. ولكَم من مرةٍ يميزون فيها بين علم الصيغ morphologie باعتباره العلمَ الذي يدرس بناءَ الصيغ النحوية، وعلم النظم syntaxe باعتباره ذلك الذي يتناول وظيفةَ تلك الصيغ. وهذا تمييزٌ أحمق، ثم إن ما يُعتبر في لغةٍ ما داخلًا في علم الصيغ كثيرًا ما يكون في لغةٍ أخرى من موضوعات علم النظم. ومن ذلك أن وظيفة الإعراب في اللغة اللاتينية عند قولنا: Paulus caedit Petrum هي نفس الوظيفة التي يؤدِّيها ترتيبُ الكلمات في اللغة الفرنسية عند قولنا: Paul frappe pierre.
وعوامل الصيغة، عندما تكون قواعدَ لموضع الكلمات المختلفة، لا تُستخدم كما نتوقع إلا في بناء الجملة. ولكن العوامل التي تتميَّز بأصوات، فيُعطيها استقلالُها الصوتيُّ قيمةً ذاتية، يمكن أن يكون لها — علاوةً على وظيفتها في بناء الجملة — معنًى محسوس، وللألفاظ غالبًا صيغٌ مختلفة حسبما تدلُّ عليه من شيء مفرد أو أشياءَ متعددة؛ فالأعداد مثلًا تُكوِّن مقولةً نحوية نجد آثارَها في عددٍ جمٍّ من اللغات. وكثيرًا ما يكون للألفاظ التي تُعبر عن الحدث صيغٌ مختلفة حسَبما يكون الحدث حاضرًا، أو يكون ماضيًا تامًّا، أو غيرَ تام، حتى ليُسمي الألمانُ الفعل Zeitwort؛ أي الكلمة التي تدلُّ على الزمن، وليس من بين تلك المقولات المحسوسة catégories concrétes ما هو عالميٌّ تمامًا، فإحدى المقولاتِ التي تحتلُّ مكانًا أساسيًّا في لغةٍ ما، نكاد لا نجد لها وجودًا في لغةٍ أخرى، أو لا نجد لها إلا وجودًا محدودًا. وفي لغةٍ كاللغة الصينية، نجد أن كل المقولات ذاتِ القيمة المحسوسة مجهولةٌ تقريبًا، ومع ذلك صلحَت تلك اللغة لأن تُستخدم كأداة لحضارة كبيرة. ولزمن طويل كانت إحدى غلطات النَّحْويين الكبيرةِ هي محاولةَ العثور في كل اللغات على نفس المقولات أو ما يُقابلها. ولقد دلَّت التجرِبة في هذا الصدد على أن التفاوُت كبير.

ومع ذلك، فإنه رغم اختلاف المقولات النحوية اختلافًا شديدًا، نجد أنه من الممكن أن نجمعها في أقسامٍ تُشبه تلك التي تجتمع فيها الأصواتُ المختلفة، وبذلك يُصبح تقسيم الجمل إلى أنواعٍ هو الآخَر ممكنًا، بل لقد ابتدأنا نَلمح كيف أننا عندما نجدُ في لغةٍ ما طريقةً ما من طرق الأداء، نتوقَّع أن يتْبَعها حتمًا غيرُها من نوعها؛ فمثلًا عندما تستخدم لغةٌ ما عواملَ صيغة مستقلة، توضع في آخِر الكلمة أو في أولها، نجد في تلك اللغة ذاتِها اتجاهًا نحو وضع الألفاظ التي تتعلَّق بتلك الصيغ على نفس النحو؛ أي قبلها أو بعدها.

ووجود إعرابٍ غنيٍّ بالحالات بحيث يكفي للعبارة عما هو ضروريٌّ لبناء الجملة؛ يُعْفي من الاعتماد على قواعد الترتيب. وعلى العكس من ذلك، يجب أن تكون هناك قواعدُ دقيقة لترتيب الكلمات عندما لا يوجد أيُّ عنصر من عناصر الإعراب، كما هو الحال في اللغة الصينية، أو عندما لا يوجد إلا عددٌ محدود، كما هو الحال في الفرنسية، فإنه وإن تكن قواعدُ الترتيب ليست واحدةً في كل اللغات، إلا أننا نلاحظ أنها تخضع لاتجاهاتٍ مسيطِرةٍ تتشابهُ في اللغات المختلفة. وبالاختصار، فإنه توجد مبادئُ لعلم الصيغ العام الذي لم يوضَع بعدُ، والذي لم يعدُ أن لمَحْنا خطوطه العامة وإن كان من الممكن أن يتكوَّن.

بقي أن نُحدد كيف نستطيع في مجموعةٍ من الألفاظ اللُّغوية من لغةٍ واحدة أن نصل إلى الفصل بين الألفاظ المفرَدة من جهة، وبين عوامل الصيغة من الجهة الأخرى، وذلك طبعًا بفرضِ أن تلك اللغة معروفةٌ منا، مفهومة لنا. وللوصول إلى ذلك؛ نلاحظ العناصرَ التي يمكن أن يحلَّ بعضُها محلَّ بعضٍ في الجمل المتشابهة البناء. خذ لذلك جملًا معروفةَ المعنى مثل: (لقد بعت حِصانًا) J’ai vendu un cheval، (لقد بعت حِمارًا) J’ai vendu un âne  (لقد بعت ثَورًا) J’ai vendu un boeuf … إلخ، (لقد شرب الحصان) Les ânes ont bu، (لقد شرب الحمار) L’âne a bu، (لقد شرب الثور) Le boeuf a bu … إلخ، (لقد بعتُ أحصنة) J’ai vendu des chevaux  (لقد بعت حَميرًا) J’ai vendu des ânes، (لقد بعت ثيرانًا) J’ai vendu desboeufs … إلخ، (لقد شرِبَت الأحصنة) Les chevaux ont bu  (لقد شربَت الحمير) Les ânes aot bu  (لقد شربت الثيران) Les boeufs ont bu … إلخ. نجد أننا قد عبَّرنا عن الكائنات المقصودة في هذه الجمل على التناوب cheval chevaux، حصان وأحصنة âns, ânes (نطقها واحد وإن زادت في الجمع كتابةً لا نطقًا) حِمار وحَمير boeuf boeufs، ثور وثيران (اﻟ F ناطقةٌ في المفرد. أما في المجمع ﻓ fs صامتة)، وأما الأجزاء الأخرى من الجملة فقد ظلَّت كما هي. إن لدينا هنا أسماءَ الحيوانات، ونحن نُلاحظ أن اسمين من أسمائها قد أخَذا صيغةً خاصة تبعًا لتعبيرها عن مفردٍ أو جمع. وعلى هذا النحو حدَّدْنا ثلاثةَ ألفاظ كما حدَّدنا صيغًا نَحْوية، وبمقارنة هاتين السلسلتَين من الجمل، يسهل أن نلاحظ أن اسم الشيء الذي يقع عليه الحدَثُ يوضع في الفرنسية بعد الكلمة التي تدلُّ على ذلك الحدث. وبالعكس نجد أن اسم فاعل الحدث يوضع قبل الكلمة التي تدلُّ على ذلك الحدث، وتلك إحدى قواعدِ الترتيب الأساسية في اللغة الفرنسية. ولكي نُحدد الكلمات التي تدل على الحدث يكفي أن نُغير من صيغها هي الأخرى؛ نقول مثلًا: (ستبيع حصانًا) Tu vendras un cheval، (كانوا يبيعون حصانًا) lls vendaient un cheval، (بعْ حصانًا) vends un chaval … إلخ. وبذلك نحدد كلمةً متعددة الصيغ (أبيع) je vends  (كنت أبيع) je vendia  (لقد بعت) j’ai vendu، (أن يبيع) vendre … إلخ. ولكي نُحدد عوامل الصيغة نغير من الكلمات، فنحصل على: (كان يبيع حصانًا) ll vendait un cheval  (كان الحِصان يشرب) Le cheval buvait  (كان يحب هذا) ll aimait cela؛ وبذلك نحصل على عامل الصيغة ait الذي تتحدد قيمته ووظيفته بملاحظة العوامل الأخرى التي تحلُّ محله. وعندما يكون الأمر متعلقًا بلغةٍ لم يوضع نحوُها بعدُ ولا أُحصيَت مفرداتها؛ تبدو هذه الطريقة — مهما بسَّطناها — بطيئةً مُضْنية، ولكننا في الحق لا نملك غيرها؛ وذلك لأن من الواضح أننا لن نحصل على شيء بأن نسأل مباشرةً الشخصَ الذي يتكلم اللغة. والنحوُ والمفردات لا يُستخرَجان إلا من الجمل المركَّبة، والجملة وحدها هي الحقيقة المحسوسة التي ينصرف إليها جهدُ الباحث في علم اللسان، ولكنها حقيقةٌ عابرة؛ إذ إنها بحكم طبيعتها لا تتكرَّر على نفس النسَق. والصوت والكلمة وعامل الصيغة هي التي تكون أنواعًا محددة؛ وذلك لأنها تتردَّد في صورةٍ شبهِ ثابتة في عددٍ من الجمل لا حدَّ له.

ونُلخص ما مضى في أن التحليل اللُّغوي ينتهي بنا إلى التمييز بين ثلاثة أنواع من العناصر؛ الأصوات، وتلك عناصرُ علم الأصوات. والمفردات، وتلك عناصرُ المعاجم. وعوامل الصيغة، وتلك عناصر النحو بمعناه الدقيق.

ولكلٍّ من هذه الأنواع الثلاثة في علم اللغات وسائلُه، كما أنَّ لكلٍّ منها موضوعَه. وإنه لَوضعٌ شاذ يتميز به علم اللسان؛ إذ نراه يعمل باستمرارٍ في عناصرَ ثلاثة مختلفة. ومع ذلك، فهي شديدةُ الاتصال بعضها ببعض حتى لَيُمكن اعتبارها دراسةً لشيء واحد من جهات ثلاث، وذلك الشيء هو اللفظ الصوتي مستعملًا في الحديث. ومع ذلك فإن صعوبات المنهج اللُّغوي لا تنتهي عند تعرُّفنا على هذه الأنواع الثلاثة التي هي الوحدات الأساسية في اللغة؛ نَعني بها الصوتَ واللفظة المفرَدة وعامل الصيغة.

ومن واجب الباحث في علم اللسان أن يواجه — علاوةً على العناصر التي تكون اللغة البشرية — نوعًا آخَر من الوحدات، ونَعني به اللغاتِ المختلفةَ التي تعتبر بالنسبة إليه موضوعاتٍ متميزةً للدرس. وهنا تظهر الطبيعة الاجتماعية لحقائق اللغة.

في وسطٍ اجتماعي متجانسِ السكان، نجد عادةً أن لِلُّغة شيئًا من الوحدة، بل إنه لَشرطٌ أساسي لوجودِ اللغة أن يَحرِص من يتكلَّمونها على استخدام نفس الوسائل للتعبير. وهذا ما يدركه أفرادُ كل جماعة محددة؛ فالخروج عن جادَّة اللغة يُثير من يسمعونها، ويُعرِّض الخارج إلى السخرية على الأقل. وإذن فهناك بالنسبة لكل جماعة جادَّةٌ لُغوية محددة يحميها المجموع بردِّ فعله، هذه الجادة هي ما يمكن أن نُسميه لغة. وعالم اللغة لا بدَّ له من أن يُحدد ما تتكوَّن منه تلك الجادةُ ليرى إلى أيِّ حد يقترب منها مَن يتكلمها، وإلى أيِّ مدًى يمتدُّ سلطان كل لغة.

(٥) اللغوة المحلية

وَحدة اللغة تحكمها وحدةُ الجماعة، وكل جماعة موحَّدة متجانسة تسعى لأن يكون لها أيضًا لغةٌ موحَّدة متجانسة. وكل قسم في تلك الجماعة ينزع إلى أن تكون له لغةٌ خاصة في حدود ما يتمتَّع به من استقلال. وهذا المبدأ مع ذلك لا يُسجل إلا الممكِنات، ولكنه لا يسمح بتوقُّع ما يحدث في كل حالة خاصة.

لقد أظهرَت التجرِبة أنه كلما وجدَت مجموعات محلية، اتَّجه أفرادها إلى أن تكون لهم «لغوات» متميزة. والرجال المتجاورون هم بحكم الطبيعة أولئك الذين يتكلمون على نحوٍ واحد. وإذن «فاللغوة الإقليمية» تكون وحدةً أولية لا بدَّ للباحث في علم اللسان من النظر فيها.

ولكن هذه الظاهرة ليست مطلقة؛ فالاختلاف في عناصر السكَّان قد يؤدي إلى اختلافٍ في لغتهم ولو كانوا يسكنون مكانًا واحدًا. وهذا ما يحدث بوجهٍ خاص في تلك الأمكِنة التي يتجاوَرُ فيها جنسان مختلفان دون أن يمتزجا؛ كاليهود والبولونيِّين في بولونيا، وكالأجناس المختلفة في بلاد المشرق والقوقاز. وإنه لمن الممكن أن نجد في مكانٍ واحد من بلاد الإمبراطورية العثمانية القديمة مسلمين يتكلمون اللغةَ التركية، وإغريقًا يتكلمون الإغريقية، وأرمنًا يتكلمون الأرمنية، ويهودًا يتكلمون لغةً يهودية إسبانية، وكل ذلك دون أن نتكلم عن الجاليات الأجنبية التي تستخدم لغاتها القومية. وفي الجزائر أو تِلِمْسان نجد أن العربية التي يتكلمها اليهودُ ليست بعينها تلك التي يتكلمها المسلمون، وإنه لمن الممكن أن يولِّد التفاوتُ الاجتماعي بين الطبقات آثارًا مشابهة لما ذكَرنا رغم تجانس الوسط إلى حدٍّ ما.

ففي إحدى الجهات الفرَنسية مثلًا، تختلف اللغة حسبما يكون مَن يستعملها من طبقة البورجوازية الغنية التي تملك ثقافةً عالية، وتتكلم في كل مكان اللغة الفرنسية العامة، وإن تكن هناك عادةً خصائصُ إقليمية، وبخاصة في النطق ومفردات اللغة، أو يكون من الريفيين — فلَّاحين وعمالًا — الذين يتكلمون إلى حدٍّ بعيد لغوتهم المحلية Patois Local، ولكلِّ مهنة أو حِرفة خصائصها اللغوية. ونحن نعلم لغات المهن والمدارس المختلفة واللصوص … إلخ؛ وتلك اللغات الجزئية لا تختلف عادةً عن لغة الإقليم العامة إلا في مفرداتها، وأما النطق والصيغ النحوية فلا تتميز بخصائصَ ذاتية. وأخيرًا هناك لغاتٌ خاصة ببعض الوظائف؛ فالرجل الذي يؤدي الطقوس الدينية، والذي انضمَّ إلى طائفة رجال الدين لا يمكن أن يتحدث باللغة العادية؛ ومن ثَم وُجدت اللغات الدينية. وعند المتدينين المحْدَثين حيث لم يَعُد للدين وظيفةٌ خاصة، ولا محلٌّ متميز في الحياة الجارية، لم تعد للُّغات الدينية إلا أهميةٌ ثانوية. وأما عند الشعوب البدائية الحضارة حيث يتدخل الدين في حياتهم في كل حين، فإن لتلك اللغة مكانًا كبيرًا.

وعبارة لغوة محلية إذن في حاجةٍ إلى أن تُحدَّد بذكر الجماعة التي تتكلمها؛ ففي أوروبا الغربية يُطلق هذا اللفظ على طبقاتٍ من السكان فقيرة إلى حدٍّ ما، ضعيفة الحظ من الثقافة. وبمجرد أن يبتدئ السكان في الإثراء وفي التثقُّف يأخذون غالبًا في هجْر لغوتهم المحلية، وتبدأ لغاتٌ عامة في التكوُّن والانتشار في أقاليمَ واسعة، وتلك هي اللغات الإنجليزية والألمانية والفرنسية مثلًا.

وحتى في اللغة الأكثرِ شيوعًا والأكثرِ توحيدًا وبُعدًا عن اختلاف الأجناس وعن اللغات الخاصة، نجد نوعًا من التفاوُت لا يمكن إهماله، وهو ذلك الذي ينشأ عن اختلاف السنِّ بين الأفراد الذين يتكلمون تلك اللغة. ولسنا نَعني بذلك الخصائص التي تتميز بها لغةُ الأطفال عندما لا يكون تعلُّمهم للكلام قد انتهى، أو لغة الشيوخ الذين تتغيَّر بحكم السنِّ أعضاءُ النطق عندهم؛ لسنا نَعني شيئًا من هذا، وإنما نشير إلى أن كل جيل يأتي بتجديدات، وأن الأشخاص العاديِّين عندما تتفاوت أسنانُهم يَتْبع ذلك تفاوتٌ ملحوظ في لغتهم.

(٦) اللهجة واللغة العامة

وفي مقابلة اللغوة المحلية، نجد نوعين من الوحدات الأكثرِ انتشارًا؛ هما: اللهجة واللغة العامة dialecte et langue commune، ومعنى اللهجة دقيقٌ مختلَف فيه. ونحن لا نريد أن ندخل هنا في تفاصيل المناقشة، ولكننا نكتفي بتقرير المبدأ العام؛ فسكَّان الإقليم الواحد الذين يتكلمون عدةَ لغوات ومع ذلك يتفاهمون فيما بينهم؛ يمكن أن يُقال: إنهم يتكلمون لغةً واحدة. ومن الممكن أن نتوسَّع في هذه الفكرة فنقول: إن الرجل من «نورمانديا» والرجل من «الفرنش كونتيه» لا يفهم كلٌّ منهما لغوةَ الآخَر، ولكننا عندما نجوب الأماكنَ التي تقع بين نورمانديا والفرنش كونتيه، نجد سلسلةً مستمرَّة من اللغوات يفهم أصحابُ كلٍّ منها جيرانَهم المباشرين، وليس ثَمة نقطةٌ يمكن أن نتخذَها حدًّا فاصلًا، وكذلك الرجل مِن برن Berne والرجل من سيليزيا لا يتفاهمان، ولكننا نمرُّ من لغوات برن إلى لغوات سيليزيا بسلسلةٍ من الانتقالات. وهذه الانتقالات قد تكون غيرَ محسوسة في الأقاليم الواسعة، وعلى العكس من ذلك قد تكون فجائيةً إلى حدٍّ ما. وكلما كانت الفروق بين تلك اللغوات عديدةً، وكانت في بقعةٍ محدودة؛ كنا إزاءَ حدٍّ من حدود اللهجات. ولكن حدود الخصائص المختلفة التي تتميز بها اللغواتُ بعضُها عن بعض لا تقع مع حدود تلك اللغوات عادة؛ ولهذا فالحدُّ بين لهجتين لا يُقيمه خط، بل شريطٌ من الأرض يتفاوت ضِيقًا وسَعة. وفي مثلِ هذه الحالات تعتبر كلُّ تلك اللغوات المختلفة أجزاءً من لغةٍ واحدة كالفرنسية والألمانية، وإن لم يكن من الضروري أن يفهم كلُّ الأشخاص الذين يتكلمونها بعضهم بعضًا؛ فاللغة بهذا المعنى الواسع تضمُّ وحداتٍ لها خصائصُ يُميزها مَن يتكلمونها، وهذه الوحدات هي ما يُسمى باللهجات. وبديهيٌّ أن وجود هذه الوحدات يُفسَّر بوجود علاقات مطَّرِدة بين الرجال الذين يستخدمون اللغوات التي تجتمع في كلٍّ من تلك الوحدات؛ ففكرة اللهجة فكرةٌ غامضة كما نرى، بينما فكرة اللغوة محدودةٌ إلى حدٍّ ما، وذلك بتحديد المجموعة الاجتماعية التي تستخدمها، وإقصاء كلِّ ما هو دخيلٌ على تلك المجموعة.

وفكرة اللغة العامة ليست أقلَّ تحديدًا من ذلك؛ فكل إقليم كبير يتعهَّد سكانُه فيما بينهم علاقاتٍ عديدةً مطَّرِدة، ويعتبرون أنهم يُكوِّنون مجموعةً متحدة؛ إقليم كهذا ينزع إلى أن تكون له لغةٌ موحدة حتى ولو تفاوتَت لغواته تفاوتًا كبيرًا. وعلى هذا النحو تتكون لغةٌ عامة هي في الغالب اللغةُ الرسمية للمجموعة، وهي التي تُستخدم في مظاهر الحياة الجماعية، وفي العلاقات بين البلدان المختلفة. وليس لِلُغةٍ عامة كهذه من الوحدة ما للُّغة المحلية؛ وذلك لأن الأسباب التي تُولِّد التفاوتَ في اللغوات نراها وقد تضخَّمَت في اللغات العامة، وبخاصة إذا ذكَرنا أنه في داخل كلِّ مجموعة تتكلم لغةً عامة، نجد مجموعات صغيرة لكلٍّ منها خصائصُها اللغوية.

ففي المدن الأوروبية، نجد فروقًا محسوسة، وأحيانًا فروقًا قوية؛ تبعًا للمراكز الاجتماعية وللمِهَن وللمجموعات العارضة (مدارس، معسكرات … إلخ)، وموقف الأفراد يمكن أن يتعقَّد؛ فالشخص الواحد قد يُضطَر إلى أن يتكلم على نحوٍ يختلف باختلافِ من يوجِّه إليه الحديث. ثم إن اللغة العامة — بحكم تعريفها ذاتِه — تمتدُّ إلى إقليمٍ واسع توجد فيه عادةً، أو قد وُجِدت في الماضي، لغواتٌ متميزة. وبعضٌ من عناصر تلك اللغوات يؤثر في اللغة العامة بحيث تأخذ تلك اللغةُ في كل مكان لونًا خاصًّا؛ فاللغة الفرنسية العامة ليست واحدةً في المقاطعات الفرنسية المختلفة، واللغة الإنكليزية ليست هي هي في لندن وإيدنبره، في نيويورك وملبورن. ولقد يحدث أن يحتفظ بطرق النطق المحلية، أو على الأقل الإقليمية، احتفاظًا شِبهَ تام مع استعمالِ مفرداتٍ واحدة وقواعدَ نحويةٍ واحدة. ولا تزال اللغة الألمانية العامة حتى اليوم تُنطق نطقًا متباينًا تبعًا للأقاليم التي تُستخدم فيها. ولكي نكتب لغةً عامة على نحوٍ دقيق؛ يجب أن نُحدد النقط التي يوجد فيها تفاوتٌ مشروع. وتحديد الإباحات المقبولة يكون، أو يجب أن يكون جزءًا من وصفنا لِلُّغة.

(٧) بين اللغة المكتوبة واللغة المنطوقة

وكل اللغات العامة التي يستطيع الباحثُ في علم اللسان أن يُلاحظها لغاتٌ لها صيغة مكتوبة، ومعظم الاختلافات في النطق التي تتميَّز بها الجهات المختلفة والطبقات الاجتماعية المتباينة لا تظهر في الكتابة؛ فالحرف في اللغة الفرنسية ينطق بطرقٍ مختلفة تبعًا للأشخاص الذين ينطقونه. وإذن فلهذا الرسم قيمةٌ نوعية، ولكنه لا يُعبر عن المفارقات.

وفي اللغة المكتوبة تميل الاختلافاتُ إلى الاختفاء مع أن تلك اللغة هي التي تحمل الصيغةَ العامة على أتمِّ وجه. إن اللغة المكتوبة الثابتة بطبيعتها تؤدي إلى تثبيتِ اللغة العامة، وتعمل فيها كعنصرِ محافظة.

واللغة المكتوبة تتميَّز عن اللغة المنطوقة بعددٍ من الخصائص، وذلك طبعًا بصرف النظر عن الخصائص المحلية والإقليمية التي تهملها الكتابة، إما لعدم دقتها أو قصدًا إلى ذلك الإهمال، وخصائص اللغة المكتوبة التي نشير إليها هي المحافظة على الاستعمالات القديمة، والتخلُّف عن مجاراة اللغة المنطوقة؛ هذا من جهة. ومن الجهة الأخرى فإنه لما كانت الكتابة لا تملك ما يملكه المتكلمون من مناسبةٍ وحركات ونغمة في الصوت توضح الكلامَ الملفوظ؛ فإنه لا بدَّ لها من أن تُستخدم في دقةِ قواعد النحو ومفردات اللغة استخدامًا محكمًا، وإلا جاءت غامضةً غير مفهومة؛ ومن ثَم فاللغة المكتوبة توضح الصيغَ النحوية كما توضح قيمَ المفردات، وهي من هذه الناحية عظيمةُ القيمة بالنسبة للباحث في علم اللسان. وتظهر قيمتها عندما تحاول وصف لغةٍ لا كتابةَ لها، ولكننا مع ذلك نُكوِّن فكرة خاطئة عن لغةٍ ملفوظة عندما نحكم عليها بصيغتها المكتوبة فقط. والشخص الذي اعتاد الكتابةَ تأخذه الدهشة عندما يطَّلع على الأقوال التي تفوَّه بها في محادثةٍ عادية، أو في خطبةٍ مرتجَلة إذا دُوِّنَت تلك الأقوال بالاختزال.

وفضلًا عن ذلك نُلاحظ أن اللغة المكتوبة كثيرًا ما تكون لغةً خاصة، لا علاقة لها باللغة المنطوقة؛ وذلك بسبب الملابسات التي تحدَّثنا عنها سابقًا، ثم لأن تلك اللغة المكتوبة فقد تكون لغةً دينية، أو لغة أجنبية، أو شبه أجنبية.

ومن ثم فالدراسة اللُّغوية دراسةٌ شديدة التعقُّد والتنوع، وهناك بَون شاسع بين بساطة القواعد النحوية بساطةً نسبية — أعني تلك القواعد التي تصف اللغات العامة — وبين تنوُّع الحقائق اللغوية الذي أشرنا إليه فيما سبق، وعلماء اللسان أنفسهم كثيرًا ما ينسَون ذلك.

إنه لمن المستحيل أن ندخل هنا في فحص الصعوبات التي نلقاها عندما نريد أن نُحدد الظواهر على وجهٍ دقيق، فإذا كان الأمر يتعلق بلغة محلية نجد أن الأشخاص الذين يستخدمونها محرومون عادةً من كل ثقافة لُغوية لازمة لوصفها، وأما الأجانب ففضلًا عن أنهم يفهمونها فهمًا غيرَ كامل مع تفاوتهم في ذلك، فإنهم يجدون مشقةً في تمييز الأشخاص الذين يتكلمونها على نحوٍ عادي، بل إنهم عندما يعثرون على هؤلاء الأشخاص لا يستطيعون بسهولة أن يأخذوا عنهم المعلومات اللازمة؛ وذلك لأن هؤلاء الأشخاص أنفسهم لا يَعُون على وجهٍ دقيق الطريقةَ التي يتكلمون بها. بل إن مجردَ محادثةِ شخص يتكلم لغوةً ما لشخصٍ آخر لا يتكلم نفس هذه اللغوة عادة؛ لَيكفي لإلقاء الاضطراب في استعمال تلك اللغوة والحَيدة بها عن الدقة. وعرضُ النتائج في ذاته صعب؛ لأننا إذا قدَّمناه عن اللغة نفسها جاء مُسرِفَ الطول؛ فالوصف الكامل للغواتِ مقاطعةٍ ما سيكون من الضخامة بحيث لا يستطيع أحدٌ أن يستخدمه، وإذا اتخذنا أساسًا لذلك العرضِ المقارنةَ بلهجةٍ أخرى أو بلغةٍ عامةٍ ما؛ جاء فاسدًا في مبدئه. ونحن لا نجد نفس تلك الصعوبة بالنسبة للُّغات العامة؛ وذلك لأن وجودها ذاتَه يفترض أن قواعدها قد وضعَت إلى حدٍّ ما، وإن كنَّا نجد أنفسنا عندئذٍ أمام مُواضَعات مصطنَعة بعض الشيء، بحيث لا تعطي فكرة دقيقة عن طريقة تطور اللغة تطورًا يتم دون وعيٍ ممن يتكلمونها، واللغات المكتوبة هي أسهلُ اللغات دراسةً، ولكننا قد رأينا إلى أي حدٍّ لا يجوز لنا أن نعتقد أن اللغة المكتوبة تطابق اللغة المنطوقة فعلًا.

(٨) لغة النصوص

وفيما يختصُّ باللغة القديمة لا نملك إلا نصوصًا مكتوبة؛ ومن ثَم وجب ألا ننسى قطُّ أنه لا يجوز أن ندرسها كما لو كانت لدينا اللغةُ المنطوقة، إلا أننا رغم هذه الحقيقة نجد أن مؤرِّخ اللغة في موقفٍ خيرٍ من موقف المؤرخين العاديين؛ وذلك لأن الشهود الذين يُدوِّنون الحوادث تكون لهم فيها عادةً مصلحةٌ؛ ومن ثم تتطرَّق الأغراض إلى ما يُدونون، وهم قد يقصدون إلى إحداثِ أثرٍ ما فيُشوهون الحوادث، ثم إن الوقائع التي لا تُعرض لذاتها لا تُذكر إلا مجزَّأةً أو تلميحًا. وعلى العكس من ذلك النصوص التي يستخدمها علماء اللسان، فإنها قد كُتبت لتُفهَم، وهي تُمثِّل — إلا في الشاذ — نماذجَ من اللغة التي كان يكتبها أصحابُ تلك النصوص، وإذا كان مُحررها قد كتبها ليخدعَ القارئ عن وقائعَ بعينها، فإنه مع ذلك قد استخدم اللغة دون غرضٍ خاص فيما يختص بتلك اللغة. والنص — ما دام طويلًا طولًا كافيًا — يعطي فكرةً تامة عن بِنْية اللغة المستعمَلة. وإذن فتاريخ اللغة يعمل بشواهدَ يمكن للمؤرخين العاديين أن يحسدوه على ما فيها من أمانةٍ وإخلاص. وعلى العكس من ذلك؛ إذا كانت النصوص المستعمَلة لم تُحفظ في محفوظات أو على آثار معاصرة لتحريرها، فإن واجب الباحث في علم اللسان أن يحذر فوق حذَر المؤرخين؛ وذلك لأن لغة النصوص كثيرًا ما يُغيرها النسَّاخ والناشرون تبعًا لتغيُّر اللغة الملفوظة والمكتوبة، وبخاصة في الأزمنة التي تلي تحريرَها مباشرة؛ ومن ثَم كان من واجب الباحث في علم اللسان أن يُطبق في دقةٍ قواعدَ النقد التاريخي على كل نصٍّ قد مرَّ بوسائطَ لاحقةٍ لتحريره الأول.

وأيًّا ما يكُن الأمر، فإن الشواهد لا قيمة لها في أغلب الأحيان إلا بالنسبة للُّغة المكتوبة؛ فنحن لا نستطيع حتى في أكثرِ الحالات مواتاةً أن نُكوِّن عن نطقِ لغةٍ قديمة إلا فكرةً ناقصة جزئية. وسوف نرى فيما بعدُ عند كلامنا على علم اللسان التاريخي؛ بأيِّ حيلة مدهشة استطاع علمُ النحو المقارن أن يتغلَّب على تلك الصعوبة.

(٩) اللغة كحقيقة اجتماعية

الباحث في علم اللسان لا يلاحظ اللغة نفسَها، بل مجرد مظاهرها الخارجية التي هي مظهرُ وجود تلك اللغة، وسبيلُ انتقالها والمحافظةِ عليها. وهذا صحيحٌ سواءٌ أكان موضوع درسه لغوةً أو لغةً عامة أو مكتوبة، اللغة كائنٌ مثالي لا سبيل إلى إدراكه إدراكًا مباشرًا، وهي توجد عندما يتكون لعددٍ من الأفراد عاداتٌ متشابهة في النطق، وعلاقاتٌ تقوم بين أصوات معينة وبين معانٍ معينة. وكل فرد يتكلم لغةً ما، يملك على نحوٍ ما كلَّ هذه الحقيقة التي هي حقيقةٌ نفسية صِرفة، ولكننا لا نستطيع أن نتحدث عن اللغة إلا إذا وازَت تلك الحقيقةُ الموجودة عند الفرد حقائقَ أخرى عند أفراد آخرين، أو على الأقل إذا كانت قد وازت أو كان من الممكن أن تكون وازت. واللغة ليست لغةً إلا باعتبارها أداةً للاتصال تستخدم لكي تثير عند الأفراد الآخرين استجاباتٍ محددة.

والباحث في علم اللسان حتى عندما يُفكر في نفسه لا يستطيع أن يلاحظ غيرَ حقائق لغويةٍ خاصة، جملًا ومفردات، ولكنه عادةً لا يُلاحظ تلك الملَكة التي يستطيع بواسطتها أن يُكوِّن صيغًا، ولا تلك الآلية التي ينطق بها تلك الصيغ، ويُفكر فيها ويفهمها، الحقيقة الداخلية لِلُّغة تُفلت من الباحث في علم اللسان كما تُفلت من غيره من المتكلمين. وإنه لَمن الممكن أن نلاحظ بكل الوسائل المعروفة صوتًا، أو كلمةً مفردة، أو عامل صيغة، ولكن هذه ليست إلا حقائقَ عابرة، وهي لا تتحقَّق بذاتها مرتين، كما أنها عاريةٌ عن كل قيمة ثابتة. الكائن الحي في التاريخ الطبيعي ليس إلا ممثلًا عابرًا لجنسٍ هو الحقيقة الثابتة، ولكنه يتمتَّع لوقتٍ ما بوجود مستقل؛ ومن ثَم كانت له إلى حدٍّ ما حقيقةٌ ذاتية. وأما الظاهرة اللغوية فعلى العكس من ذلك، نجد أنها تختفي مباشرة بمجرد إدراكنا لها، أو نطقِها، أو فهمها، فلا بقاء لها إلا أن تحتفظ الكتابةُ أو يحتفظ التسجيل الميكانيكي بذِكراها، ومع ذلك فذِكرى ظاهرةٍ ما — رغم ثباتها — لا تكون حقيقةً مستقلة.

والباحث في علم اللسان يُسجلها لكي يحتفظ بالكلام الملفوظ ماثلًا أمام عينيه، ولكن موضع دراسته ليس ذلك الشيءَ المثبت الميت، وإنما هو حقيقةٌ لا تُلمس؛ حقيقة ليس ثمة وسيلةٌ للوصول إليها مباشرة. حقيقة اللغة الداخلية هي مجموعة العلاقات التي توجد في نفسِ كل مَن يتكلمها من أفراد مجموعةٍ ما. وهي في نفس الوقت ذلك الالتزام الذي يَضطر الفردَ إلى أن يحافظ على الموازنة الدقيقة بين تلك العلاقات كحقيقة اجتماعية صِرفة وشيء معلق immanente خارج عن الأفراد.
كل ملفوظ يُتاح للباحث في علم اللسان ملاحظتُه في نفسه هو، أو في نفس غيره، ليس إلا مظهرًا خارجيًّا لتلك الحقيقة، ولكنه لا يُمثِّل قط صورةً تامة لها. وفي كل مرة تُعطيه الملابسات الخاصة هيئةً ذاتية، ثم إن اللغة تحلُّ ممكناتٍ لم تتحقَّق قط، وإن كان من الممكن تحققُها إذا واتتها الملابسات؛ فالفعل (يطير) voler لم يُستعمل من قبل مع ضميرِ المتكلم، حتى جاء يومٌ دعت الحاجة إلى استعماله، فلم يتردَّد أحدٌ في أن يقول: j’ai vole; je volerai; je volerais، أطير وطرت وسأطير ولكنت أطير. وعندما خلق الفعل télégraphier أو الفعل téléphoner «يرسل برقية» أو «يتحدث بالتلفون» لم يجد أحدٌ مشقة في أن يقول: je télégraphierai «سأرسل برقية» أو j’ai téléphone (لقد تحدثت بالتلفون). اللغة لا تعرف التحجُّر، وهي قدرةٌ على العمل؛ قدرة كامنة. وإذن فما على الباحث وصفه ليس مجموعةً من الحقائق الفعلية، بل مجموعةٌ من الممكنات التي يمكن أن تتحقق عندما تدعو الحاجة. بل إن الحقائق الفعلية ليست هنا موضوعَ البحث، وما هي إلا وسائلُ نستطيع بفضلها أن نُكوِّن بطريق مباشر فكرةً عن الموضوع الحقيقي.

وتحديدُ هذا الموضوع المثالي أمرٌ هين نسبيًّا، عندما يتعلق كما رأينا بلُغاتٍ مكتوبة أو لغاتٍ عامة. وهذان النوعان شيءٌ واحد إلى حدٍّ بعيد؛ وذلك لأن الأنموذج المثالي في هذه الحالات محددٌ بحكم تعريفه ذاته تحديدًا دقيقًا أحيانًا، ومُمعنًا في الدقة أحيانًا أخرى. وعددٌ كبير من الأفراد المختلفين يسعَون إلى احتذاءِ نمطه، واعين لما يفعلون وعيًا متفاوتَ الدرجات.

أما في دراسة اللغوات فالصعوبة على العكس كبيرة؛ إذ يجب أن نستقرئ الأنموذج العاديَّ بالملاحظة. ونحن نصل إلى ذلك بتقييد عددٍ متفاوت الكثرة من المنطوقات اللغوية التي تصدر عن عددٍ قليل أو كثير من الأفراد. ولما كان أفرادُ كل مجموعة اجتماعية يتكلمون لغوات متحدة إلى حدٍّ بعيد، فإننا نستطيع مبدئيًّا أن نكتفيَ بملاحظة فرد واحد من المجموعة، وذلك طبعًا مع صرف النظر عن المفارقات التي سبق أن أعطينا فكرةً عنها. وفي الحق إننا لا نَعدِم أن نجد عدةَ أوصاف للغواتٍ تستند إلى ملاحظةِ فردٍ واحد، ولكن الفرد الواحد — مهما دقَّقنا في اختياره — من الممكن أن يكون فيه بعضُ الشذوذ الدقيق في بعض النواحي، بل إنه لَمن النادر أن يكون فردٌ ما عاديًّا على نحوٍ مطلق. ومن الممكن كذلك أن تكون فيه مواضعُ نقص، وبخاصةٍ في مفردات اللغة. وأخيرًا، لكل فردٍ استعمالاتُه الخاصة، وهذه وإن تكن موافقةً للأنموذج العادي إلا أنها مع ذلك ليست أساسيةً فيه؛ ومن ثم كان من الواجب أن نلاحظ عدةَ أفراد، وواجبُ الملاحِظ هو أن يُنحِّيَ كلَّ الملابسات التي تُكيف لغوة الأفراد الذين يلاحظهم تكييفًا خاصًّا؛ وذلك لكي يحصل على اللغوة التي تعتبر مقياسًا، ونحن إذ نعرف ذلك المقياسَ لن نستطيع إلا أن نُخطط الحدود التي يعمل فيها كلُّ عنصر من عناصر اللغة، ثم إننا لا نستطيع أن نلاحظ غير المتوسطات، وذلك فيما عدا الحالات التي نرى فيها الأشخاصَ الذين ندرس لغتَهم يصدمهم هذا النحوُ من الكلام أو ذاك. واللغة التي تعتبر مقياسًا لا يمكن أن تُرصد وتُلاحظ بدقةٍ إلا عندما يكون لدى من يتكلمها وعيٌ بها إلى حد. وملاحظة الحقائق المحلية نفسها بالغةُ المشقة، ومن النادر أن تكون اللغوة هي اللغةَ الأصلية للشخص الذي يدرسها؛ ومن ثم يرى نفسه مضطرًّا إلى أن يسأل الآخَرين. وهو مهما احتاط في أسئلته لا بدَّ مستهدفٌ لأن يُفسد الطريقة التي يتكلم بها الأشخاص الذين يُلاحظهم في أحوال الحياة العادية. ونحن نعرف على وجه التقريب كيف يجب أن تعمل الملاحظات لتكون لها قيمةٌ حقيقية، ولكنه من المستحيل في أغلب الأحيان أن نبلغ في ملاحظاتنا ما يجب من الدقة والضبط، ومعظم الحقائق المحلية التي جُمعَت قد عملت على نحوٍ يُثير الانتقادات، ولكن ذلك لا يسلبها قيمتَها، ولا حال دون استخدامها استخدامًا صحيحًا من الناحية التاريخية بفضلِ مزايا المنهج المقارن.

ومن ثَم كانت اللغات العامة واللغات المكتوبة، البالغة الأهمية، بل والمسيطرة أحيانًا كثيرة في نموِّ دراسات علم اللسان هي اللغاتِ الأصلحَ للدراسة، وإن تكن النتائجُ التي تستخلص من دراستها من الواجب أن تُصحح بدراسة اللغوات؛ وذلك لأن ما يلوح في بعضها كحقائق ثابتة ليس له في الأخرى إلا صفةُ المقياس المثالي. واللغوات هي التي تُمثل الحالة القديمة، وبفضلها نستطيع أن نُفسر معظم التغيرات اللغوية التي تُسمى ذاتية.

كل لغة وليدةٌ لتطورٍ تاريخي تدخل فيه مؤثراتٌ عديدة متباينة؛ ومن ثَم كانت اللغة أكثرَ من أي ظاهرة اجتماعية أخرى غيرَ قابلةٍ للتفسير إلا بفضل التاريخ. نعم، إنه من الممكن، بل ومن الواجب أن توصف كلُّ لغة في ذاتها دون إدخالِ أي اعتبار تاريخي، كما أنه من الممكن ومن الواجب أن نُحدد القواعدَ العامة لبناء اللغة دون أن نتساءل عن نشأة تلك المبادئ. ولما كانت كلُّ اللغات المعروفة الحية منها والميتة تُطبق في الواقع مبادئَ مشتركة، فإننا بلا ريبٍ سننساقُ إلى مشكلةِ أصل اللغة، تلك المشكلة التي لا تقبل حلًّا عِلميًّا في الحالة الراهنة لمعلوماتنا، ولكن طرق الأداء الخاصةَ بكل لغة لا تقبل إلا تفسيرًا تاريخيًّا، وإن يكن دائمًا تفسيرًا جزئيًّا.

(١٠) علم اللسان التاريخي

إن تاريخ اللغات لا يوضع بفضل النصوص فحسب. ومعظم اللغات التي تتكلَّم اليوم لم يُبدأ في كتابتها إلا من زمنٍ حديث، والكثير منها لم يُكتب إلا في عصرنا الحاضر، واللغات القليلةُ العدد التي لدينا منها شواهدُ قديمة قدمًا نسبيًّا — لاحقةٌ بكثير للآثار الإنسانية القديمة التي وصلَت إلينا — قد خرجَت جزئيًّا من الاستعمال؛ فاللغات البابلية والسوسية susien والصرية لا تُمثلها اليوم أيُّ لغة حية. وفي الحالات التي تكون لدينا فيها نصوصٌ قديمة للغات لا تزال تُتَكلَّم، نجد أن السلسلة غيرُ متصلة. خُذ مثلًا اللغات الإيرانية، وهي من هذه الناحية محفوظة، تجد أن لدينا أولًا لغةَ النقوش الأكمينية (أواخر القرن السادس ق.م.) ثم لغة الأفستا Avesta، وهي ربما كانت في جزء منها أقدمَ من الأولى. وهاتان اللغتان لا نعرفهما إلا معرفةً مفكَّكة. وبعد ذلك بزمنٍ طويل، نجد اللغة الرسمية للعهد الساساني (القرن الثالث بعد الميلاد)، ثم لغة النصوص المانوية التي وُجِدت في تورفان، ثم في القرن العاشر نجد اللغة الفارسية الأدبية، وأخيرًا في العصر الحاضر نجد عدة لغات؛ فاللغة الفارسية القديمة لغة دارا، وبهلوي تورفان والساسانيين، وفارسي الفردوسي، والفارسي الرسمي الحاضر تكون أربعة عصور؛ لغة تلوح تقريبًا واحدة، ومع ذلك فليست لدينا نصوصٌ نصل بها بين تلك العصور، بحيث يتصل السابق باللاحق، وبين اللغة الفارسية القديمة لغة دارا، وبين لغة الساسانيين بنوعٍ خاص قد حدَث تطورٌ أساسي لا نملك أيَّ شاهد صريح عليه. وأما عن اللغات الإيرانية الحديثة غير اللغة الفارسية ومجموعة لغات «بامير»، التي نجد صيغتها القديمة في اللغة السوجدية Sogdien التي اكتشفت حديثًا، فليس لأيٍّ منها تاريخ. ونحن على العكس من ذلك نجهل اللغة الحديثة التي ربما تُعتبر استمرارًا لتلك التي احتفظَت لنا نصوصُ الأفستا بذِكراها، واللغات الرومانية هي تطوراتٌ مختلفة لِلُّغة اللاتينية، ومع ذلك فاللغة اللاتينية الأدبية لا تُفسر اللغات اللاتينية الحديثة؛ وذلك لأنه من الواجب أن نعتبر نقطةَ البدء لغةَ الكلام اللاتينية لا اللغة المكتوبة. وإذا كانت بعض النصوص قد كشفَت عن شيءٍ من لغة الكلام اللاتينية، فإننا لا نستطيع أن نُقدر قيمة هذه الآثار المنفردة إلا بمقارنة اللغات الرومانية بعضِها ببعض. وبين النصوص الأولى لكل لغة رومانية وبين اللغة اللاتينية المكتوبة هُوةٌ واسعة، وحتى في الحالات الأكثرِ مواتاةً حيث نجد أن اللغة لم تتحجَّر، ولم تبقَ كالسنسكرتية واللاتينية الأدبية ثابتة تقريبًا خلال القرون، مما نستطيع معه أن نلمح لغةَ الكلام خلال النصوص؛ نقول: إنه حتى في هذه الحالات لا تُعطينا النصوص — كما سبق أن رأينا — عن اللغة فكرةً دقيقة قط، والاكتفاء بالنصوص المكتوبة في تتبُّع تغيرات اللغة، عندما نضع نحوًا تاريخيًّا للغةٍ ما عبثُ أطفال؛ ومن ثم كان الباحث في علم اللسان مضطرًّا إلى استخدام وسائل خاصة به، أعني وسائل النحو المقارن.

(١١) مبادئ النحو المقارن

النحو المقارن يستند إلى بعضِ مبادئ أساسية يجب أن تُصاغ صياغةً صريحة؛ وذلك لأن معظم الأخطاء التي تُرتكب في علم اللسان إنما تصدر عن استخدام وسائل النحو المقارن في حالاتٍ لا يمكن أن تُطبق فيها مبادئه.
  • (أ)
    وأولُ تلك المبادئ هو أن اللغات تصدر عن تغييراتٍ في عناصرها الموجودة، لا عن خَلقٍ جديد، فمن يريد أن يضع اسمًا لشيء جديد يستعير عادةً عناصر الكلمة من لغته أو من لغةٍ أجنبية؛ وذلك كاللفظة الألمانية: Fernsprecher من Fern «بعيدًا» و«متحدث» Sprecher، في مقابل اللفظة الفرنسية téléphone من اليونانية téle «بعيدًا» و«صوت» fêne، ومع ذلك فقد يحدث أن يخلق لفظٌ كالكلمة Gaz، ولكن ذكريات الألفاظ التي سمعَت مستقرَّة فيها. وكلمة «جاز» تُذكرنا بلفظة «نفس» Eeist. وخلق الألفاظ الموحية لم يقف قط، ومع ذلك فالألفاظ الفرَنسية التي خُلقت لتدلَّ على الضوضاء نحو «صرير الأنياب» crisser و«قعقعة» cracer و«قرض» croquer تدخل في سلاسلَ من الصيغ الموجودة. وإذن فالأمر ليس أمرَ خلقٍ خالص. وهذه الحالة بعدُ محدودةٌ للغاية، وإنه وإن يكن كثيرًا ما يحدث أن يخلق الأفرادُ غير العاديين أو الأطفال الذين يوضعون في ظروفٍ غير عادية مفرداتٍ جديدة — إلا أنه فضلًا عن أننا نعثر في تلك المفردات دائمًا على عناصرَ لُغوية أُتيح للمخترعين فرصةُ سماعها — فإن هذه المفردات تختفي على أكثرِ تقدير باختفاء الأشخاص الذين كوَّنوها، وبصرف النظر عن اللغات العالمية التي صنعت، والتي لم تستطع أن تحيا إلا في حدود استعمالها للكلمات الموجودة دون تحويرها تحويرًا مسرفًا؛ لا نجد مثلًا لمحاولةِ خلق مجموعات من الصيغ النحوية؛ ومن ثم فإنه إذا لم يكن من الثابت قط أن بعض الكلمات لا يمكن أن تعتبر مخلوقةً من العدم على نحوٍ ما، بحيث لا نجد لها أصلًا اشتقاقيًّا، إلا أنه من المسلَّم به أن كل طريقةٍ خاصة للنطق، وكل نظام نحويٍّ عام لا بدَّ أن يكون استمرارًا لطريقةٍ أو نظام سابقَين.
  • (ب)
    والمبدأ الثاني هو أنه ليس ثمة بين الاصطلاح اللغويِّ والشيء الذي وُضع له ذلك الاصطلاح أيُّ علاقة طبيعية، وإنما هي علاقة تقاليد؛ ففي قولنا: «أنا أتكلم» je dis للعبارة عن المتكلم و«أنت تتكلم» tu dis للعبارة عن المخاطب، و«هو يتكلم» il dit للعبارة عن الغائب؛ ليس في الضمائر «أنا» و«أنت» و«هو» je’ tu’ il شيءٌ يدل بذاته على أحد الأشخاص الثلاثة، وإنما تُستعمل لأنه في جماعة بشرية ما جرت التقاليد بأن تستعمل تلك الصيغ؛ ومن ثَم نرى أكثرَ علماء اللسان حنكةً عاجزًا كغيره من الناس أمام خطبةٍ أو نص مكتوب في لغةٍ مجهولة جهلًا تامًّا. نعم إن كل اللغات تحتوي على عددٍ من أفعال وأسماء الأصوات cnomatopées، وعلى عدة ألفاظٍ موحية يقوم بين جَرْس حروفها وبين ما تُعبر عنه علاقةٌ ما. كما أن هناك — بلا ريب — عدةَ معانٍ يُعبر عنها بالحروف الصائتة المفتوحة، والأشياء البعيدة بالحروف الصائتة المغلقة؛ ومن ثم فالمعارضة بين «هنا» ici للقريب و«هناك»  للبعيد، وبالألمانية «هنا» heir و«هناك» bort، طرقٌ لترتيب الألفاظ أقربُ إلى الطبيعة من غيرها؛ ففي الجملة الاسمية مثلًا «الإنسان خيِّر» l’homme est bon يوضع المسنَد إليه عادةً — وإن لم يكن دائمًا — قبل المسند؛ باعتبار أننا نُسنِد المسنَد إليه. ومع ذلك فكل هذه الخصائص المحدودةِ العدد لا تكفي لنُحدد لغةً ما، ولا لنفهم لغةً نجهلها. وإذن فكلُّ اتفاق في التفاصيل بين لغتين لا يصدر إلا عن رابطةٍ تقليدية تاريخية بينهما.
والتقليد tradition يمكن أن يوجد على نحوَين:

تنتقل اللغة عادةً باستعمال الأطفال لها في الحديث؛ إذ يتمثَّلون لغةَ محيطهم؛ أي: لغة الهيئة الاجتماعية التي ينتمون إليها بمولدِهم. ولقد يحدث أن يتكلم الوسط الاجتماعي للطفل لغتين في وقتٍ واحد فيتعلَّمهما الطفل معًا، ويتكلمهما عند انتهاء تعليمه، ولكن هذه حالةٌ نادرة. وفي العادة عندما تحدث لا تلبَث زمنًا طويلًا؛ إذ تتغلَّب إحدى اللغتين على الأخرى في الوسط الاجتماعي.

والنحوُ الآخَر لانتقال اللغات يكون عندما يتعلم الفردُ لغةً أخرى علاوةً على لغته الأصلية؛ فإنه يكون عُرضةً لأن يدخل في لغته الأصلية بعض عناصر اللغة الثانية، وينتهي الأمر بمُواطنيه الذين يجهلون اللغةَ الثانية إلى أن يستخدموا تلك العناصرَ في استعمالهم العادي. وإنه لمن المعترَف به اليوم أن الاستعارة تلعب دورًا هامًّا في نموِّ اللغات، وهي ليست ظاهرةً شاذة بل عادية كثيرة الحدوث، مثلها مثل انتقال اللغات من الآباء إلى الأبناء. وهناك حالتان حينما تكون اللغة الأولى والثانية متميزتَين تميزًا مطلقًا، أو تلوحان للمتكلمين كصيغتين للغةٍ واحدة يمكن أن تردَّ إحداهما إلى الأخرى بطريقة الإحلال المطَّرِد؛ فالفرنسيُّ عندما يُدخل في حديثه كلمةً إنكليزية، والتركي عندما يأخذ كلمةً فارسية أو عربية تكون الاستعارةُ واضحة، ولكن عندما يستعمل أحدُ سكان قرية بشمال فرنسا كلمةً فرنسية، أو يصنع كلمة فرنسية من إحدى كلمات لهجته، فإنه يلجأ إلى الإحلال المطَّرد، فما ينطقه الفرنسي «و» wa يصبح في اللهجة المحلية مثلًا «وي»  «واو مفتوحة مُمالة»، ويكون لدى المتكلم وعيٌ بتلك المقابلات، وهكذا عندما ينتقل من لهجته المحلية إلى اللغة الفرنسية أو العكس؛ يقوم بالإحلالات الملائمة، بحيث تتنكَّر الاستعارات غالبًا، ويصبح من المستحيل أن نُقرر إذا انطلقَت الكلمة هل هي كلمةٌ محلية أو كلمة مستعارة من اللفظ الفرنسي العام lwa «قانون = loi»، وقد تنكَّرَت بإحلال نطق اللهجة محلَّ النطق الفرنسي العام (أي الباريسي) lwa. وفي مثلِ هذه الحالة تتحدَّد الاستعارات بحيث يمكن القول بوجودِ تيارٍ مستمر غير محسوس بين اللغتين في لغة الفلاح الفرنسي، أعني فلَّاح شمال فرنسا؛ إذ إن لهجات الجنوب مستقلة. إن اللهجة هي اللغة الفرنسية ملهوجة، واللغة الفرنسية هي اللهجة مُفرْنَسة. وهذه الاستعارات من المستحيل إلى حدٍّ ما تمييزُها عن اللغة الأصلية التي تتناقلها الأجيال، ومن الممكن أن تمتدَّ إلى كل الظواهر اللغوية نطقًا ونحوًا ومفردات. وأما إذا كانت الاستعارة بين لغتين متميزتين تمامَ التميُّز عند مَن يتكلمونها، فإنها على العكس تقتصر على المفردات، أو على الأكثر على بعض الطرق التي تتكوَّن بها الكلمات؛ وذلك لأنه لا يمكن أن نستعير من لغةٍ أجنبية صيغةً نَحْوية مفرَدة، وإنما نستعير عادةً النظامَ النَّحْوي كله، وعندئذٍ نتخلى عن نظامِ لغتنا الأصلية. وهذا هو ما نُسميه استبدال اللغة بغيرها استبدالًا تامًّا.
وإذن فكلُّ مجموعة من الموافقات concordances المطَّرِدة في الصيغ النحوية بين لغتين تدلُّ على أن هاتين اللغتين تُمثلان حالتَين للغةٍ واحدة تطورَت فانتهت إليهما؛ وذلك لأنه لم تكن ثَمة علاقة جبرية بين الصيغ والأشياء التي تُعبر عنها تلك الصيغ، فإن وجود مجموعةٍ من الصيغ المتوافقة في لغتين مختلفتين يعتبر شيئًا غيرَ معقول، فلو لم تكن اللغة الإيطالية والإسبانية والفرنسية مثلًا من الناحية التاريخية لغةً واحدة هي اللاتينية، التي تطورَت تطوراتٍ مختلفةً حتى انتهت إلى تلك اللغات الثلاث؛ لو لم يكن ذلك لما استطعنا أن نُفسر استعمال اللغة الإيطالية ﻟ io, tu, egli والإسبانية ﻟ yo, tu, il والفرنسية ﻟ tu, il (في الفرنسية القديمة yo) je للدلالة على الأشخاص الثلاثة (المتكلم والمخاطب والغائب) في المفرد، وكذلك الحال في غير ذلك من الموافقات المطَّردة التي لا عدد لها في اللغات الثلاث.
ومن هنا كانت المشكلة التي تَعرِض لمؤرِّخ اللغة هي أنه ما دامت اللغاتُ لا تُخلق، بل تغير، وما دامت العبارة اللُّغوية تقليدية، فإنه من الواجب أن نُميز — في الموافقات التي توجد بين لغتين أو أكثر — بين ما يعتبر منها نموًّا ذاتيًّا وبين ما يفترض قيام تقليد مشترك بين تلك اللغات؛ فمن الممكن أن يكون التوافق بين مفرَداتٍ منعزلة نتيجةً للمصادفة البحتة على نحوِ ما تدلُّ كلمة bad في اللغتين الفارسية والإنجليزية على معنى «رديء»، كما أنه من الممكن أن يكون نتيجةً لاستعارة اللغتين من لغةٍ واحدة. ولكنَّ مجموعةً من الموافقات النحوية في عوامل الصيغة لا في قواعد ترتيب الألفاظ فحسب؛ تدلُّ على وَحدة الأصل دلالةً ثابتة.
إذا كانت الموافقات عديدةً تامة منتظِمة في وحدات؛ كانت المشكلة سهلةَ الحل، فليس من الضروري أن نكون من علماء اللسان لنُدرك أن اللغات الإندوأوروبية، التي لدينا منها شواهدُ سابقة على ميلاد المسيح (هي الإندوإيرانية واليونانية واللاتينية والأسكو أومبريانية)، ليست إلا صيغًا مختلفةً للغةٍ أصلية واحدة. وأما اللغات التي لم تُعرَف إلا بعد ذلك بنحوِ عشَرة قرون؛ كالكلتية، والجرمانية، والصقلبية، والأرمنية؛ فإن الأمر أقلُّ وضوحًا، ولو أنه لم يكن لدينا من الإندو أوروبية غير اللغات المحلية الحاليَّة — أعني الفرنسية والأيرلندية والإنجليزية والألمانية والصقلبية والأرمنية والإيرانية والهندية — إذن لوَجدنا صعوبةً في إثباتِ رجوعها إلى لغةٍ واحدة، ولأصبح من المستحيل أن نضع لها نحوًا مقارنًا. لقد استطاع التطور الذي اختلف سرعةً وبطئًا خلال ألفين وخَمسمائة عام أن يمحوَ الجانب الأكبر من آثار الوحدة القديمة، فأصبح من الصعب — إن لم يكن من المستحيل — تعيينُ الوحدات الموغِلة في القِدَم. وفيما عدا اللغاتِ السامية والإندوأوروبية، لا نجد وثائقَ ترجع إلى القرن الخامس قبل المسيح، بل ولا إلى القرن الخامس بعد المسيح إلا في النادر. ونحن إذا عثرنا بقراباتٍ لُغوية واضحة مقطوع بها، ظهر لنا أنها نتيجةٌ لوحدةٍ أصلية تحطمَت في زمنٍ قريب منها نسبيًّا؛ فلغة مدغشقر le malgache التي من السهل أن نُدرك أنها من لغة الملايا، أو على الأدقِّ من لغاتِ جزر الهند الشرقية l’indonesien لم تنفصل عن لغة الملايا إلا بعد ظهور المسيحية. إن النحو المقارن يُمكِّننا من سدِّ النقص الذي يجده علم اللسان التاريخي في الوثائق، ولكنه لا يسمح لنا بأن نردَّ حدود معارفنا إلى ما خلف أقدمِ الوثائق التي لدينا.
ذلك لأن اللغات في الواقع دائمةُ التغير، والتغيرات تنتج أولًا عن الطريقتين اللتين تنتقل اللغاتُ بواسطتهما؛ ففي كل مرة يتعلم فيها الأطفالُ الكلام تختلف اللغة التي يثبتون عليها عن لغةِ محيطهم. وهذه الاختلافات على صِغَرها في كل مرة تتجمَّع بتعاقُب الأجيال. ومن جهةٍ أخرى، تستعير اللغات من غيرها استخدامَ اللغة؛ فالعنصر اللُّغوي الذي يستعمل يصبح استعماله أكثرَ سهولةً على المتكلم، وأكثرَ إلفًا، ومن ثَم أقلَّ دلالة؛ ولهذا نرى مجموعات من الألفاظ التي كانت في الأصل مستقلةً تجنح إلى الاتحاد، ونرى اختصارات في النطق. وهذه الظواهر تُسبب ردودَ فعل عكسية. وأخيرًا، كثيرًا ما يحدث أن يُغير الأفراد أو أن تغير الجماعات لغاتها، وهذا التغير لا بدَّ مُحدِثٌ تحويرًا في اللغة التي يتخذونها بدلًا عن لغتهم الأصلية. وإذن فكل لغة قد تغيرَت، بمرور بضعة قرون على استخدامها، تغيرًا يُعتد به حتى عندما يكون ذلك التغير أبطأَ ما يكون.
  • (جـ)

    وهناك مبدأٌ ثالث أساسي في النحو المقارن، مضمونه أن التغير لا يحدث على نحوٍ مشتت غير مطَّرِد، بل يحدث وفقًا لقواعدَ ثابتة يمكن أن نَصوغها في دقةٍ إذا تناولنا لغةً في عصرين متتابعين من تاريخ تطورِها، وذلك على شرط ألَّا تكون التغيرات التي حدثَت بين العصرين المواجهين أكثرَ عددًا أو جوهريةً مما يجب لنقول باستمرارِ اللغة الواحدة.

إن التغير يحدث على نحوٍ مستقل متميز في كل عنصر من عناصر اللغة الثلاثة: الصوت، وعامل الصيغة، والكلمة.

والأصوات تتطور مستقلةً عن المعنى الذي تُعبر عنه، بل ولو أضرَّ التطورُ بذلك المعنى. وكثيرًا ما يحدث أن تختفيَ العناصر الصوتية التي تكون جزءًا عضويًّا من الصيغة النحْوية، أو تتغير تغيرًا يجعل تلك الصيغةَ غيرَ مفهومة، وينجم عن ذلك تجديداتٌ نحوية، ولكن التطور الصوتي يحدث دون مراعاةٍ للمعنى. ولو أننا واجهنا لغةً ما في فترتين من تاريخها، للاحَظنا أن الصوت «أ» في الفترة الأولى يُقابله باستمرارٍ في الفترة الثانية الصوت «ب». خذ لذلك مثلًا اللغةَ اللاتينية من جهة، واللغة الفرنسية الحديثة من جهة أخرى؛ فهما تمثلان فترتين متتابعتين في تاريخ لغةٍ واحدة؛ تجد أن الصوت اللاتيني «ك» قبل «آ» يُقابله في الفرنسية باستمرارٍ «ش» cha، فالكلمات اللاتينية: (كلب) canem و(معنى) cantor و(حصان) caballum … إلخ يقابلها في الفرنسية: cheval, chantre, chien … إلخ، فإذا خرج عن هذه المقابلات شيء، فإنما يكون ذلك لأسبابٍ خاصة، فإذا وجدتَ مثلًا أن الكلمة اللاتينية caveam قد أصبحت (قفص) cage، فإنما ذلك لأن عوامل صوتية أخرى قد عارضَت الأولى، وإذا كانت: capsam يقابلها casse (صندوق)؛ فذلك لأن الكلمة الأخيرة قد استعارتها اللغة الفرنسية من لغة البروفانس، والكلمة الفرنسية موجودة هي الأخرى، ولكن بمعنًى خاص، وباﻟ (ش) ch المتوقَّعة، وهي كلمة cnasse (صندوق خاص توضع به آثار القدِّيسين). والفعل التبعي: vincat (أن ينتصر) إنما يقابله qu’il vainque كنتيجة لتعميم اﻟ k الموجودة في اسم المفعول vaincu وفي بعض الصيغ الأخرى من تصريف الفعل vaincre. وإذن فالمقابلات الصوتية في العادة مطَّرِدة، وذلك ما لم تُعارضها عوامل صوتية أخرى، أو استعارات، أو اعتبارات نحوية. ونحن نُسمي أمثال تلك المقابلات المطَّردة قانونًا صوتيًّا.
القانون الصوتي إذن يُعبر عن علاقة بين حالتين متتابعتين للغةٍ واحدة في وسطٍ اجتماعي ما؛ فهو ليس قانونًا عامًّا شبيهًا بقانون في علم الطبيعة أو علم الكيمياء، وهو يُعبر عن وقائعَ خاصة بلفظةٍ ما في فترتين متميزتين في مكانٍ ما، ولكنه يعبر عن ذلك على نحوٍ بلغ من الدقة أن رأينا الاكتشافاتِ اللاحقةَ تُثبت صحة الصيغ التي اضطُرَّ علماء اللسان إلى افتراضها. فمن ذلك مثلًا العلماء منذ زمن بعيد كانوا قد استقروا على أن الصيغة اللاتينية (دبة) inmeutum يجب أن تكون صادرةً عن الصيغة ioukmentom لا iouksmentom؛ وذلك لأن اﻟ m في اللاتيني الكلاسيكي لا تُقابل km في لغةِ ما قبل التاريخ. وبالفعل عندما اكتُشف نقش حجري لاتيني أقدمُ من كل ما لدينا، وهو نقش حجر الفورم Forum الأسود، وُجِدَت فيه الصيغة التي افترضها العلماء. والحالات التي من هذا النوع كثيرة العدد.
إن القانون الصوتي يفترض تغييرًا، ولكنه لا يُبصرنا بسبب ذلك التغيير: هل كان السكَّان قد غيَّروا لغتهم، أو كان لنموِّ اللغة نموًّا تلقائيًّا، أم كان لاستعارةٍ ما؟ كما لا تُبصرنا بطريقة حدوث ذلك التغيير: أكان بسيطًا أم متعددًا؟ وهل التغيرات كانت متتابعة أم متعاصرة؟ فالصوت «د» في أول الكلمات الألمانية يُقابل الصوت «ت» في اللغة الإندوأوروبية الأولى؛ ولهذا نجد في الألمانية (رعد) donner في مقابل (يرعد) tonnant اللاتينية، ولكن اﻟ t الإندوأوروبية لم تُصبح d في الألمانية دفعة واحدة، بل بعد مرورها بعدةِ تغيرات انتهت إلى d، فإذا كان من الصواب أن نقول أن اﻟ d الألمانية تقابل t الإندوأوروبية، فهذا ليس معناه أنه في وقتٍ ما قد انقلبَت اﻟ t إلى d دفعة واحدة؛ فالقانون الصوتي يفترض إذن تغييرات، ولكنه لا يُفصح عنها، وما هو إلا معادلة للتعبير عن المقابلات بين حالتين لغويتين.
وبالمثل إذا عارضنا الصيغَ النحوية للغةٍ ما في فترتين متتابعتين من تاريخها، نجد أن هناك مقابلاتٍ مطَّردة؛ فالاستقبال مثلًا في اللغة اللاتينية كانت له صيغٌ مختلفة أهمها الصيغتان (سأحب وسأقول) macid amabo، وجاءت اللغة الفرنسية فأحلت محلَّها صيغةً من بِنية واحدة في كل أفعال تلك اللغة؛ هي (سأحب وسأقول) je dirai, j’aimera. وإذن ففي علم الصيغ — كما هو الحال في علم الأصوات — تنطبق المعادلات باطِّراد، وكل انحراف يتطلب تفسيرًا خاصًّا. وهنا أيضًا ليس للمعادلات قيمةٌ مطلقة؛ لأنها لا تصح إلا بالنسبة إلى لغةٍ ما في مكانٍ ما وفي زمنٍ ما.

وأما عن المفردات، فلكلِّ كلمة حياتها المستقلة؛ فالتغييرات التي تصيب كلمةً ما خاصةٌ بتلك الكلمة، فإن أصابت غيرها لم يَعْدُ ذلك بعض الكلمات المجاورة لها في المعنى أو في الصيغة.

هناك معادلات عامة في المقابلات الصوتية وفي الصيغ النحوية بين فترتين من تاريخِ لغةٍ واحدة، وأما المفردات فليست فيها أمثالُ تلك المعادلات. نعم إنه من الممكن أحيانًا أن نميز اتجاهاتٍ نحو الاستعارة أو نحو تكوين كلمات جديدة مشتقَّة أو مركَّبة، ولكن ذلك لا يسمح لنا قط بأن نتنبَّأ بما يجب أن نتوقَّعه في حالةٍ ما، كما هو الأمر في الأصوات وفي الصيغ النحوية، ثم إنه كثيرًا ما يحدث أن تحظر العاداتُ الاجتماعية استخدامَ بعض الألفاظ في بعض الملابسات، فينتج عن ذلك تغيراتٌ فجائية تستتبع ردَّ فعل بعيدَ الأثر. ولقد تقدمنا تقدمًا كبيرًا عندما عرَفنا كيف نُقدر اطِّراد المقابلات الصوتية المسمَّى اطِّراد القوانين الصوتية، وكيف نقدر الدور الذي تلعبه الاستعارة في تكوين المعجم، ولكنه من الواجب أن تتلاقى عدة ملابسات متميزة بعضها عن بعض تمام التمييز؛ حتى نستطيع أن نؤكد أن كلمة ما تعتبر استمرارًا لكلمةٍ أخرى ثبَت وجودها من قبل، فإن لم تتلاقَ تلك الملابسات العديدة استحال أن نُدلل على شيء. ومن الواجب في مثلِ هذه الأبحاث أن نحسب حسابًا لتاريخ الأشياء التي تُعبر عنها الكلمات، وحسابًا لتغير العادات الاجتماعية، فتلك مسائلُ لا يُنكر أحدٌ أهميتها، وإن كنَّا قد بدأنا فقط نحسب لها الحسابَ الواجب، وعلمُ أصول الكلمات étymologie من بين كافة أبحاث علم اللسان أدقُّها وأقلها يقينًا، ومِن ثم كثر فيه عبث الهواة.

ومن هذه المبادئ نرى أن كل مجموعة من المقابلات المطردة بين عدة لغات تتطلب تنظيمًا لتلك المقابلات، فنُحدد مصدرها لنرى هل أتت عن تطوراتٍ مختلفة لإحدى تلك اللغات أم عن تطوراتٍ للغةٍ أخرى معروفة أو مجهولة. والمنهج واحد سواءٌ أكانت اللغة الأصلية التي تطورَت عنها اللغات التي ندرسها معلومة — وهذه أندرُ الحالات — أو غير معلومة. وعملنا في كل حالة هو وضعُ قواعد للمقابلات. إن النحو المقارن للغات الإندوأوروبية نظامٌ للمقابلات التي نلاحظها بين اللغات السنسكريتية والإغريقية والإيرانية والأرمنية واللاتينية والصقلية … إلخ، والنحو المقارن للُّغات الرومانية نظامٌ للمقابلات بين اللغات الإيطالية والفرنسية والإسبانية … إلخ. والفرق بين الحالتين هو أننا في المجموعة الثانية نضيف إلى نظام المقابلات بين اللغات الإيطالية والفرنسية … إلخ؛ نظامًا آخَر للمقابلات بين تلك اللغات وبين اللغة اللاتينية التي هي أصلٌ لها كلها. وأما في الحالة الأولى، فإنه لما لم تكن اللغة الأصلية معروفةً بأية وثيقة قديمة، فإن هذه السلسلة الأخيرة من المقابلات لا تدخل في حسابنا.

(١٢) احذر الجزم

وعند فراغنا من معرفة المقابلات يبقى علينا أن نُحدد الوقائع الحقيقية التي تغطيها تلك المقابلات، وهنا تعظم المشقَّة، فبين الصيغة المشتركة التي تشهد بها الوثائق أو لا تشهد، وبين اللغة التي نُقارنها بها، نجد فروقًا متفاوتةَ العمق. والوقائع التي تُفسر هذه الاختلافات متباينةُ الأنواع، والصيغ التي نُضطر لتصوُّرها وزجِّها بين الصيغ الثابتة بالوثائق تزداد رُجحانًا كلما كانت الفروقُ أصغر، وكانت الوقائع المنثورة على الطريق الذي سلَكَته تلك التغيراتُ أكثرَ عددًا. والصعوبة دائمًا هي أن نُحدد سبب المقابلات؛ أكان ذلك بمحض الصدفة، أم أنه يدلُّ على وجودِ وحدةٍ أصلية من أي نوع كانت، وذلك سواءٌ أكنَّا نريد أن نعرف هل أن لغتين من اللغات تُعتبران استمرارًا للغةٍ واحدة أقدمَ منهما، أم أن الوقائع المتقابلة في لغتين ثابتتَي القرابة إنما ترجع إلى وحدة الأصل المشتركة، أو إلى نموِّ كلٍّ منهما نموًّا مستقلًّا، أو إلى استعارة إحداهما من الأخرى، أو استعارتهما معًا من لغة ثالثة. وفي الحق إن هذه الصعوبة في علم اللسان — كما هي في العلوم التاريخية الأخرى — كثيرًا ما تكون مستحيلةَ الحل. والعالم الشريف هو ذلك الذي يعرف كيف يحذر الجزم.

ومن ثَم يكون من الواجب استخدامُ كل الوقائع الثابتة التي في متناولنا. ولقد ثمل بعضُ علماء اللسان بالقوة التي تمنحهم إياها وسائلُ النحو المقارن، فجنَحوا إلى إهمال جزءٍ من الشواهد التي تحلُّها الوثائق القديمة، مكتفين بالمقارنة ما استطاعوا، ولكن الوقائع الدقيقة لا تلبث عندئذٍ أن تُكذب في كثيرٍ من الأحيان نظرياتهم الطموحة التي تعجَّلوا بناءها، فيجب على مؤرِّخ اللغات أن يكون في دقةِ وإحاطة أكثرِ فقهاء اللغة صرامةً وصبرًا. فإذا أردنا مثلًا أن ندرس المقابلة بين ch الفرنسية في كلمة chèvre وk في الطليانية kapra والإسبانية ولغة البروفانس cabra … إلخ؛ استطعنا أن نجد مرحلةً دقيقة في نطق القرون الوُسطى tchièvre، ومن ذلك نستنتج أن اﻟ k التي هي نقطة البدء في كل اللغات الرومانية قد أصبحَت في الفرنسية ch بمرورها ﺑ tch، ولغة فرنسا الوسطى التي تطورَت فيها ka إلى tchè محاطة بلُغاتٍ لا تزال اﻟ k موجودة فيها، كما هو الحال في اللغات الغالية الرومانية في الجنوب، ولغات نورمانديا وبكارديا في الشمال. وليس باستطاعةِ من يجهل كلَّ هذه الحقائق أن يُجازف فيقترحَ نظريةً تفسر تطور اﻟ k في أول الكلمات اللاتينية التي أصبحَت فرنسية. والمثل الأعلى في أمثالِ تلك الدراسة هو أن نعرف لغاتِ كل المجموعات الاجتماعية التي تتكلم اللغات التي ندرسها. والخرائط اللُّغوية التي تُخطَّط شبكاتُ حلقاتها مختلفة الإحكام تبعًا للمسافات القائمة بين المواضع المدروسة؛ تُمكِّننا من أن نُحدد على وجهٍ متفاوتِ الدقة حدودَ الأماكن الموحَّدة اللغة isoglosses، وبمعنًى آخَر تُمكننا من أن نحدد مناطقَ انتشار الخصائص المتعددة التي تُميز لغاتِ لسانٍ ما. وهكذا يستطيع المشتغل بالنحوِ المقارن الجمعَ بين النتائج التي تُعطيها الجغرافيا اللُّغوية وبين الوقائع التاريخية المستمَدَّة من النصوص، يستطيع أن يصل إلى إنقاص عدد الصيغ التي لا بدَّ له من افتراضها لكي يتمكَّن من تصوير تاريخ التطورات اللغوية. ولقد استطاعت الخرائط اللغوية بالفعل أن تُجدد علم اللسان التاريخي في عدة نقط.

(١٣) يجب أن تكون لنا نظريةٌ عامة

ولكن لكي نستطيع أن نفترض صيغًا أكيدة، وأن نستخدم على نحوٍ صحيح الوقائعَ الخاصة التي نجدها في الوثائق القديمة، كما نستخدم الشواهد التاريخية والمقارنات بين اللغات المختلفة؛ لكي نستطيع كلَّ ذلك لا بد من أن تكون لنا نظرية عامة. يجب أن نكون قد حدَّدنا الطريقةَ التي يمكن أن تتطور تبعًا لها الوقائعُ اللغوية. وهذا التحديد غيرُ ممكن ما لم تكن لدينا قواعدُ للمقابلات العديدة؛ وذلك لأن عالِمَ اللسان لا يستطيع أن يقوم بتجارِب؛ فهو لا يملك أن يجعل اللغات تتغير، وكل ما تستطيعه هو أن يلاحظ التغيرات التي حدثَت فعلًا. وعندما نملك مجموعةً من الملاحظات المتميزة المستقلة في ميادينَ مختلفة، وفي تواريخَ متباينة، نستطيع أن نكتفيَ بالنظر في الملابسات العامة التي تستخدم فيها اللغاتُ صوتًا ما، أو عاملَ صيغةٍ ما؛ لنستخلص من ذلك قواعدَ عامةَ الصحة. وهذه القواعد لا تُعبر إلا عن ممكنات؛ إذ إن مدلولها هو أنه إذا حدث تغيير ما لا بدَّ أن يتم ذلك التغيير على نحوٍ لا يَعْدوه إلى غيره، فاﻟ k مثلًا عُرضة لأن تبلل؛ أي لأن يصحبَها صوتُ صفير يشبه اﻟ k (تلك التي نجدها في الكلمة الفرنسية: Cinquième)، وهذه اﻟ k عُرضةٌ لأن تتطورَ إلى Tch أو إلى Ts، واﻟ Tch واﻟ Ts إلى Ch وS، ولكنه على العكس من ذلك لا يمكن أن تتطور ch أو s إلى k، أو على الأقل لا يمكن أن يحدث هذا في ظروفٍ عادية. وعلى هذا النحو، يمكن أن يوضع علمُ لسانٍ تاريخيٌّ عام يكون عبارةً عن نظريةٍ للممكنات.

(١٤) الوقائع اللغوية نتيجة عددٍ من الملابسات

ومن هنا نلاحظ أن الوقائع اللغوية المحسوسة ليست أشياءَ بسيطة، بل هي نتيجة لتضافُر عدد كبير من الملابسات. وإليك مثلًا مختصرًا لن ننظر فيه إلا إلى الوقائع اللغوية البحتة.

لقد خلقَت اللغة الفرنسية الشعبية أداةً للاستفهام هي ti، فنستطيع أن نقول: tu viens-ti?، وأصل هذه الأداة معروف؛ وذلك لأنه تعميمٌ للمقطع الختاميِّ في جُملٍ مثل vient-it. ولكي يمكن عزلُ ti كان من الواجب أولًا أن تصبح اﻟ ti الختامية في صيغ الغائب لكل الأفعال الصامتة مثل اﻟ i في ti الختامية. وهذا تغييرٌ صوتي، وكان من الواجب من جهةٍ أخرى أن اﻟ i الختاميةَ في vient-il تصبح غيرَ مفهومة كضمير، بحكم أن الضمير القديم قد أصبح مجردَ أمارةٍ على أن الفاعل يوضع دائمًا قبل الفعل ﻓ “i” في vient قد فقدَت كلَّ استقلال لها، ولم تَعُد إلا جزءًا من صيغة الفعل. وهذا تغييرٌ نحوي؛ ومن ثم لم يعد اﻟ ti في “i”vient أو على الأصح في “i”vient-i أيُّ قيمة ذاتية، وأصبح الطفل الذي يسمعها لا يرى فيها إلا مجردَ علامةٍ للاستفهام. وإذا كانت “i”vient-i هي صيغةَ الاستفهام عن الغائب، فإن tu vien “s” ti هي لصيغة الاستفهام عن المخاطب تبعًا لمبدأ الإحلال.

عندما نريد تحديد أسباب التغييرات اللُّغوية التي لا ترجع إلى الاستعارة (من لغةٍ أخرى)؛ يجب أن نُدخل في اعتبارنا كلَّ الممكنات العامة التي تحدَّثنا عنها؛ نُدخل الظروفَ الاجتماعية التي تُكسِب اللغةَ ثباتًا أو تَسلبها إياه، وهي تلك الظروف التي تنتج جزئيًّا عن الحوادث التاريخية. كما نُدخل تغييرَ عددٍ من الأفراد يتفاوت قلةً وكثرة للُغتهم. وأخيرًا نُدخل خصائصَ بِنْية اللغة التي تسمح لإحدى الممكِنات العامة بالحدوث عندما يتفق أن تتضافر ظروفٌ ما. ونحن لن نستطيع بغيرِ تلك الملابسات المختلفة الأنواع أن نصل إلى وضعِ فروضٍ راجحة عن أسباب التغيرات التي نُلاحظها. وإلى اليوم لم نعثر على طريقةٍ تُمكننا من تحقيقِ تلك الفروض؛ ومن ثَم ظلَّت أسبابُ التغير في تاريخ اللغات من أقلِّ الأبحاث تحديدًا. وسبب ذلك فرطُ التنوُّع في تلك الأسباب واختلاف طبائعها؛ مما يستحيل معه أن نُحددها، بل وأن نقدرها. ولقد حاول الكثيرون هذه الأبحاثَ ولكنهم لم يصلوا قطُّ فيها إلى منهج. ولربما استطاع علمُ اللسان العام بتدرُّجِه نحو الكمال أن يسدَّ على نحوٍ ما ذلك النقصَ.

١  قارِن ذلك بتصغير التمليح في اللغة العربية.
٢  تُقال بنوعٍ خاص عن الكلاب.
٣  Familles de mots.
٤  إن العلاقة بين «قاضي» و«القضاء والقدَر»، «وقضينا في الكتاب» لم تعد تُحَس.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣