الفصل الأول

دراسات قصيرة في تحصيل الثروة أو محاولة تحصيلها

قد التزمنا أن نبيِّن أن النظام المالي لحياة الإنسان الاقتصادية مفكَّك غامض خطير غاية الخطورة، وأنه لم يجتَز مرحلة التجربة بعدُ، وقد آلينا على أنفسنا أن نوضِّح أن المال لا يزال أداة ناقصة شديدة النقص لتقدير الخدمة الاجتماعية، وأن تحصيل المال — الذي ينبغي لأسباب جلية أن يكون نتيجة لازمة لما يُبذل في الإنتاج من مجهود — قد يصبح في كثير من الحالات عاملًا لا يتعذر أن يعوق سير التقدُّم للنظام الاقتصادي، بدل أن يكون له قوة دافعة. ولقد رأينا كيف تؤثِّر الآلات بصفة عامة أثرًا سيئًا في عصرنا هذا، وسنعمد الآن إلى سياق أمثلة فردية معينة تبيِّن مدى ذلك الأثر في العصر الحديث؛ فسنبسط أمام القارئ طائفة مختارة من ذوي الثراء المكسوب لتكون موضع بحثه.

وسنتخيَّر من موضوعات الدراسة ما يوضح لنا قبل كل شيء أثر المِلْكِية التي يسلِّم بها الناس عامة، كما يوضح ما يتصل بالمال من نُظُم وآراء.

ودراسة أمثلة فردية لتحصيل الثروة، بابٌ من أبواب البحث الاجتماعي تزداد قيمته وخطره، بحيث وجهت طائفةٌ من مختلف الكُتَّاب١ عنايتها نحو هذه البحوث، ولكنها ما تزال حتى اليوم عند المرحلة الإخبارية، لم تَعْدُها؛ فلم تتسع دراستها ولم تعمَّق بعدُ، بحيث يجوز لنا أن نزعم القدرة على دراسة علمية؛ وإذن فنحن حيال هذا الموضوع عند موقفٍ نشبِّهه بالمرحلة البدائية التي كان يقف عندها التاريخ الطبيعي، حين كان جمع «التحف» يمهِّد الطريق لتنظيمٍ شامل يتناول تنسيق النماذج في أبهاء المتاحف.

هتي جرين Hetty Green كمثل لمن يجمع الثروة دون أن يضيف جديدًا

سنضرب ﺑ «المسز هتي جرين» أوَّل مثال، وهي مَن جاءت ثروتها العريضة بغير شك نتيجةً للنظام المالي في صورته الحاضرة. وُلدت عام ١٨٢٥م في «بدفورد الجديدة»، ولقيت منيَّتها في نيويورك في سن الحادية والثمانين، ولها من الثروة ما يُربي بغير شك على ثلاثة عشر مليونًا من الجنيهات، بل يجوز أن قد بلغت ثروتها نحو هذا المقدار مرة ونصف مرة. وإذن نستطيع أن نتخذ منها مثلًا صريحًا لجامعي المال؛ وقد أرَّخ حياتها «بويدن سباركس» و«صموئيل تيلور مور»٢ في مهارة بالغة، وإليهما أعترف بالفضل؛ فتاريخها، كما يقولان، هو في جوهره تاريخ امرأة أُوتيت نبوغًا في تحصيل المال وجمعه والعجز عن إنفاقه؛ فهي إذن مقياس دقيق جدًّا لتقدير المال كأحد الحوافز الاجتماعية في ظروف العصر الحديث.

ودعك من شغفها بتحصيل المال وصيانته؛ فقد كانت فيما يظهر امرأة فَكِهة نشيطة، شخصُها جذاب من بعض نواحيه، بارعة غاية البراعة في تدبير الدار وتربية الأطفال، ولم تكن لتأنف العمل في بيتها، ولكنها جُلبت محصورة في حدود نفسها، مشغوفة بالتحصيل، وقد عملت ظروف نشأتها على تنمية حقدها، واعتادت الشُّح منذ بدء حياتها، ثم ازدادت ميلًا إلى الشح شيئًا فشيئًا؛ فكانت وهي في أوج نشاطها العملي تُدثِّر نفسها في الشتاء بورق الجرائد لتكفي نفسها مئونة ثياب تحتية من الصوف، وكانت تستأجر منزلًا رخيصًا، وتنتقل من مسكن إلى مسكن لتنجو من دفع الضرائب، ولم يكن لها ما ترفِّه به عن نفسها غير كراهية الناس؛ فقد بلغ قَدْرُها لنفسها أن أحبَّت الانتقام وكانت تُزهي به، وتميل إلى مجاراة مَن يعترضون مشروعاتها التي ترتاب في نجاحها. وهي ممن يحتضنون الهموم ويتعقبونها، وقد وُفقت في إيذاء كثيرين حتى أعدمتهم فقرًا، وسامت العذاب وكيلًا من وكلائها عَثَر جَدُّه معها فأوردته منيَّته. وأما أنبلُ عواطفها فحبُّها لابنها — وسنرى إلى أي حد كان ذلك الحب.

وكانت لا تتوانى عن تجريد زوجها مما يملك، ثم قطعت أسباب عيشها معه بحجَّة ميله إلى التبذير، على الرغم مما كانت تُكِنُّ له من حبٍّ لا ريب فيه.

وهي ابنة رجل قوي الشكيمة كان يشتغل بالتجارة والسِّفَانة، سلك في حياته سبيل مَن هبطوا أرض إنجلترا الجديدة من جماعة المطهرين (البيورتان)، فطفق يجمع المال جمعًا موفقًا. وكانت الابنة في مستهل حياتها فتاةً جريئة جميلة، ولكنها سرعان ما انقلبت صفيقة الوجه، تحذو حذو أبيها في انتهار أمها، فلما أُرسلت إلى نيويورك لتقضي الشتاء فيها، تزوَّدت بمائتين وألف من الريالات لتنفقها، فآثرت أن تستثمر ألفًا منها في الأوراق المالية، وما فتِئت من ذلك الحين تستغل مالها. نعم كان لها ما لكل فتاة من العواطف والغرور، ولكنها اعتدلت في ذلك وكبحت زمام نفسها، ولقد استحيت مُضيفتها في نيويورك من هذه النزيلة القذرة، فابتاعت لها ثيابًا جميلة تساير الطراز السائد، ولكن «هتي» ألقت بتلك الثياب جانبًا لأنها أفخر مما ينبغي لها أن ترتدي، ولما ماتت أمُّها عاشت الفتاة مع عمة عليلة، فكان نصيب العمة منها ما أصاب الأمَّ من مخاشنة؛ إذ كانت تثير أصخب المعارك لأتفه الأسباب، كأن تثور لازدياد نفقات الدار، أو تغضب إذا حالت العمة دون اطلاعها على أوراقها الخاصة.

كانت الفتاة وريثة عمتها هذه، كما كانت وارثة أبيها؛ فخلَّف لها الأب ما يدنو من ألف ألف من الريالات، كما خلَّف أملاكًا موقوفة أخرى؛ وأما العمة التي قضَت نَحبَها وهي تملك ما يقرب من ألف ألف من الريالات فقد أوصت في الخفاء بما يدنو من نصف هذا القدر لمختلف أعمال البر، ولم تورِّث «هتي» إلا ريع ما تبقَّى من المال مدى حياتها، فحاولت «هتي» أن تغض النظر عن هذه الوصية لتستولي على رأس مال عمتها بأسره، ويلوح أنها لم تتعفَّف في ذلك عن التزوير والخداع والحنث في اليمين، ولكنها أخفقت مسعًى؛ وتزوجت بعد ذلك من المستر «أ. ﻫ. جرين E. H. Green» ولم يكن يملك أقل من ألف ألف ريال، فآلت المرأة على نفسها أن تعمل على تنمية ثروتها وأن تنفرد في ذلك وحدها. أما قضية الوصية فانتهت باتفاقٍ يتيح لها دخلًا يبلغ خمسة وستين ألفًا من الريالات في كل عام من رأس مالٍ ثابت، كما يهبها مبلغًا مدفوعًا قدْره ستمائة وخمسون ألفًا ريالًا، هذا إلى قدْر من المال يبلغ المليون ورثته عن أبيها وكانت ماضية في استثماره من قبل.

لبثت في أوروبا حينًا مع زوجها لتنجو بنفسها من الجو البغيض الذي أثارته قضية الوصية (وربما أرادت أن تفلت مما قد ينجم من وخيم العواقب). وبينا هي وزوجها في لندن، نزيلَين في «فندق لانجام» الذي كان حينئذٍ أبعدَ الفنادق ذكرًا وفخامة، طفقا في ذلك المستقر يعملان في المضاربات المالية بحزم وتوفيق؛ فقد كان للزوج من المهارة التجارية حظٌّ موفور، وكان بادئ الأمر شديد التأثير في زوجته، فلم يضنَّ عليها بنصحه المفيد، وهو الذي أغراها بالنزول في ذلك الفندق كما يتبين من تاريخها فيما بعد، ولم يكن يشاركها فيما امتازت به من حب التحصيل المغلول؛ فهو يضارب لينفق، ولم يعتَد الشح ولا عرف كيف يكون، فمضى ينفق ما يملك وما يكسب، ومضت الزوجة تكدس وتكدس، حتى جمعت في حولٍ واحد ما يُربي على مليون وربع مليون ريال مما اشترته من سندات الذهب، التي أصدرتها الولايات المتحدة، وكانت لندن لا تدري شيئًا، أو قُل لا تدري إلا قليلًا، عن الحالة في أمريكا، فأخذ يساور النفوسَ شكٌّ عظيم في أن تتخلى حكومة واشنطن عن ضمانة هذه السندات، ثم ازداد الشك حتى انقلب فزَعًا في بعض الأحيان؛ وحينئذٍ سنحت الفرصة التي كانت ترمي إليها «هتي».

عادت أسرة «جرين» إلى أمريكا عام ١٨٧٤م، وكان قد انقضى العهد الذي يجوز فيه للقانون أن يثير قضية الوصية من جديد، وجاءت العودة في وقتٍ تجتاح البلادَ فيه ضائقةٌ فيسهل الشراء بأبخس الأثمان.

وهاك عبارة اقتبسها «سباركس» و«مور» مما روته عن نفسها في شرح طريقتها:

أنا ممن يؤمنون بوجوب الدخول من القاع والخروج من القمة، وإني لأحب شراء أسهم الطرق الحديدية أو عقود الرهن، وإذا رأيت شيئًا طيبًا يُباع بثَمَن بخس لإعراض الناس عن شرائه، ابتعت مقدارًا منه لأخزِّنه، حتى إذا ما حان حينه رأيت الناس يتعقبونني ويدفعون لما أملك ثمنًا غاليًا؛ ولديَّ مقدار كبير من الرهون العقارية في الأحياء المزدحمة من المدينة، وهي في رأيي لا تقل كسبًا عن أي شيء آخر.

لست شديدة الإيمان بالأسهم، ولا أشتري السلع المصنوعة أبدًا، ولكني أحب الطرق الحديدية والضِّياع العينية، ولا أجزم بوضع مالي في شيء إلا إذا تقصَّيت كل أنبائه. ليس تحصيل الثراء بالسر العظيم، فما عليك إلا أن تشتري بخسًا وتبيع غاليًا، وأن تكون في عملك مدبِّرًا دءوبًا ذا بصيرة نافذة.

ويضيف المؤلفان أنها سلكت هذه السبيل في كلِّ ما اشترته، سواء أكان المُشْتَرَى رهنًا أم قدْرًا من البطاطس أم دارًا أم جوادًا. أما طريقة إنفاقها المال فما أشبهها في ذلك بلاعب رياضي لا ينقطع قطُّ عن مرانه؛ أعني أنها لم تنفق شيئًا، وكانت تتخذ من زوجها وكيلًا يخدمها بغير أجر؛ فهو يُمِدها بالطعام والثياب والمسكن كما يفعل كل زوج مع زوجه، ويرشدها بنصحه النافع البصير في أولى أيام الحياة الزوجية، فكان من جراء ذلك أن لم تتسرب من ثروتها قطرة واحدة، بل نمت نموًّا سريعًا، وانتهى الأمر باستقلالها في حياتها وأملاكها عن زوجها «جرين» وعما يملك استقلالًا تامًّا، وقضى الرجل آخر عهده بالحياة في ندوة نيويورك شيخًا فقيرًا متعطلًا.

أما هي فقد غدت شخصية بارزة يعرف فيها عالم المال بنيويورك تلك المرأة العجوز اليقظة القذرة، تركب عربةً مأجورة فتنطلق بها من مصرف إلى مصرف، ومعها أضابيرها وحقائبها المترعة بأوراق المال، فتغزو دُور المصارف بحقائبها المفعمة بالذهب لتكفي نفسها مئونة المكاتب ونفقاتها، فتستعير عمال المصارف لقضاء عملها، وبذلك تستثمر ما كانت دفعته مقابل أداء أعمالها الأخرى، فإذا لم تَجْرِ الأمور كما تشتهي أخذت تبكي وتولول وتصيح في صرخات مزعجة.

وليرجع القارئ إلى تاريخ حياتها الذي اقتطفتُ منه العبارة السابقة، إن أراد تفصيلًا أوفى لأخلاق هذه المخلوقة العجيبة، كي يعلم كيف طمست زوجها طمسًا تدريجيًّا حين أغرقته في إدارة شئونها، وكيف ضحَّت بساق ابنها الذي أحبَّته حبًّا جمًّا لا ريب فيه؛ إذ لم تُردْ أن تستدعي طبيبًا، حين عطبت ساق ابنها على إثر سقوطه وهو ينزلج، فلمَّا لم يسعفها علاج ناجع، تلفت ولزم بترُها. وكانت تكسو ابنها ذاك وتكتسي هي بقذر الثياب لتظفر بنصح الأطباء وعلاجهم في العيادات المجانية، ولكن الأطباء استكشفوا أمرها، وسرى النذير بينهم ليأخذوا حِذْرهم منها. وهكذا جمدت كفُّها عن استخدام إخصائي ماهر حتى مضى الوقت الملائم، ويُقال مع ذلك إنها عنيت بتمريض ابنها عناية دقيقة ووقفت له نفسها.

حسبنا ما أسلفناه في وصف حياة هذه المرأة، وإنَّ أخصَّ ما يعنينا هو أنها استطاعت أن تمضي في حياتها تلك، وأن تحتفظ رغم ذلك لشخصها بالتبجيل؛ فقد كانت تُزهي بنفسها، رغم ما ذكرناه مما استباحته، ولكن الآراء التي نشأت فيها، والتي طغت على العالم من حولها، كانت تبرِّر ذلك الضرب من الحياة.

لقد نشأت في مجتمعٍ يَعُدُّ تحصيل المال مقياس الحياة الراضية، ويرى الفقر عاهة أبشع عاهة؛ فقصرت همَّها على نفسها مُسايِرة في ذلك معايير الحياة من حولها، ولم تجفل من أفدح التضحيات لترضي الآراء التي تتحكم في عقلها ما دامت ترى في ذلك نفعًا عاجلًا؛ فلو كانت ظروف الحياة أسعدَ من ذلك لجاز أن يتحكم في عقلها آراء تختلف جدًّا عن آرائها تلك؛ فلم يكن بعيدًا أن تكون مؤمنة متعصبة الإيمان، أو أن تتجه إلى البِرِّ بكل نفسها؛ أو لو كان المال بحق مقياسًا صحيحًا للخدمة الاجتماعية، لأمكن أن يكون حتى جمودُ كفِّها هذا باعثًا إياها على بذل الجهود العظيمة في سبيل المجتمع، ولكنها كانت في تحصيلها جشعة، وشلَّت بشخصها قوة الإنفاق دون أن تشجِّع جانبًا نافعًا من جوانب النشاط الإنساني.

لقد ضلت في حياتها قصدَ السبيل، وإن ما يعنينا من أمرها هو ضلالها الذي زجَّها فيه نظامنا في حفظ المال، وركوننا إلى التنافس في جمعه باعتباره معيارًا لقيم الأشخاص؛ ونحن إنما نسوق هذه المرأة في دراستنا للإنسان وثروته لتنهض دليلًا على عجز النظام القائم في حفظ الأموال عن التأثير في النفوس، وكان ينبغي للنظام المالي أن يكون أداة لحفز الهمة وجزاءً للمجهود المنتج. ولكن ها نحن أولاء نشهد في وضوح جلي كيف يمكن لهذا النظام أن ينعرج مجراه بحيث لا يقصد إلا إلى الجمع العقيم؛ وتلك هي النقيصة الكبرى في المال باعتباره حافزًا؛ فقد رأينا كيف تسرَّب فيض المكاسب التي أنتجتها المدينة والطُّرق الحديدية فتجمعت بين يدي هذه المرأة العجوز الكزة الجبارة التي لم تطمع في رقي، بل لم تتخيَّل أن يكون في الحياة أجمل من حياتها وأشهى؛ فكانت تقاوم كل إصلاح يمس احتكاراتها وأوراقها المالية.

لم يكن بد من نمو ثروتها نموًّا مطردًا؛ إذ كانت دائنة دءوبة قاسية، ولم تقف زيادة مِلْكَها وتكدُّسُه بين يديها إلا بالموت، فلو قد كُتب الخلود ﻟ «هتي جرين»، لبسطت يدها على العالم شيئًا فشيئًا حتى تتم لها السيطرة الاقتصادية؛ ذلك إن اتبعت قواعد لعبة حفظ المال على وجهٍ دقيق.

وكان قد نشأ عامل جديد حدَّ من نشاطها؛ إذ رخُص المال بينا ثراؤها ينمو ويزداد، فأضافت ألوفًا إلى ألوف، وأوشكت أن تكون في شارع وول Wall Street كأبطال الأساطير، ولكن حدثًا آخر أخذ في غضون تلك الحِقبة يسير بخطًى أسرع من سير هذه المرأة في أعمالها؛ إذ استُكشفت مناجم جديدة للذهب أخذ يتدفق نضارها تدفقًا غزيرًا حتى كثُرت أوراق المال وسارع الناس إلى قضاء ديونهم وزاد الإنتاج زيادة عظيمة، فكان هذا التضخم الهائل في ثروة العالم أعظمَ من تحصيلها الفردي بدرجةٍ لا تقع تحت الحصر؛ فلو قد مضى العالم في هبوط الأثمان لاشتد خطر هذه المرأة واستفحل أثرها المميت. ولكن النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بما فيه من ثراء ومصادر تتدفق بالمال، استطاع أن يحتمل «هتي جرين» دون أن يُصاب الناس بكثير من الضيق.

شريف «هسي كاسل» وأسرة «روتشيلد» والقروض الأهلية

كانت المسز هتي جرين نسيجَ وحدِها؛ فهي إنسان معتزل تملكته رغبة التحصيل بفعل الآراء السائدة في عصرها وبيئتها عن المِلْكية والحياة الناجحة، فأزهرت في عالمٍ صبَّ عليها نِقمته مع أنها صنيعته، وكم بين الناس من نساء ورجال يشبهون «هتي جرين» في صورة مصغرة، وهم أولئك الذين تجتمع بين أيديهم الأموال فتُصاب بالعقم؟ إنهم يجِلُّون عن الحصر. وإذن فلسنا ندري كم يبلغ أثرهم في القعود بالتقدم الاقتصادي على وجه العموم؛ ولا يبعُد أن تجد في العالم ألوف الثروات الضئيلة التي تتصف بنفس الخصائص التي عرفناها في ثروة «هتي جرين».

وسنعمد الآن إلى بحث جمع المال الذي يقوم على أساسٍ أوسع من ذاك، فنتناول بالدرس تلك الأسرة العظيمة التي عُرف أبناؤها بتحصيل المال واستثماره وهي أسرة روتشيلد.

ويعود بنا بدء قصتهم إلى ماضٍ سحيق يمتد إلى ما قبل أيام «هتي جرين» الأولى؛ فيقع تاريخ هذه الأسرة في عهدٍ سبق إنشاء الطرق الحديدية، وسلف استكشاف الذهب في منتصف القرن التاسع عشر؛ فقد بدأت في عصرٍ كان الذهب فيه محدود الموارد، وأوشك التحصيل حينئذٍ — تحصيل الضياع أو المعدِن الذي يملك زمام الأسواق — أن يكون السبيل الوحيدة للقوة والثراء؛ فلم تكن وسائل الغنى المعروفة إذ ذاك سوى امتلاك الأرض، وتوفير المال، والربا، فإذا ما توفَّر لديك المال سعيت إلى الاحتكار، فيصبح ذو الحاجة في قبضتك. وفاتحة القصة أميرٌ يبيع الرجال ويُقرِض المال، وتاجر يهودي يبيع الأحجار الكريمة بيعَ الحكيم، ثم امتدت على الدهر حتى أدركت العصر الحديث؛ حيث أخذ استثمار المال في المشروعات الصناعية العظيمة يقوم مقام استغلاله في قروض الدول المتحاربة.

كان أبناء روتشيلد تجارًا يهودًا يتاجرون جملة، ويقيمون في حي اليهود بفرانكفورت، وقد كُتب لهم التوفيق، ولكنهم لم يبلغوا من الثراء مبلغًا يستوقف النظر، حتى جاء «ماير أنسلم روتشيلد» في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وكان مشغوفًا بشئون النقد، ماهرًا في تجارة الأوسمة والأحجار الكريمة فيما مهر فيه، وكانت البلاد إذ ذاك تنقسم دويلات صغيرة تستخدم عملات متباينة، فأفاد بعلمه بالنقد، وبما كان يسديه من نصحٍ إلى معاصره «الكونت هاناد ننزج» الذي سرعان ما أصبح شريفًا ﻟ «هس كاسل»، وقد كان للشريف حق بيع رعيته، فباتت الأجساد البشرية من أهم ما تصدره «هس كاسل»؛ إذ كان يَعُدُّ رعيته جنودًا، ثم يبيعهم فيلقًا فيلقًا للدول الأجنبية، وللحكومة الإنجليزية بنوع أخص، لتستعين بهم في حربها مع مستعمراتها بأمريكا الشمالية إذ ذاك، فإذا قُتل أحد رجاله أو أُصيب بعَطَب، عوَّضته الحكومة المستأجِرة عن الخسارة، دون أن ينبئ الجرحى أو أُسر القتلى بالقدْر المدفوع على وجه الدقة. وورِث الرجل ثروة عريضة إذا قيست بمقياس ذلك العهد، وكاد يبلغ به الشح حدَّ الجنون، وعُرف بحِذْقه في الشئون المالية؛ وكان لروتشيلد عنده ثقة وطيدة، فاستخدمه وكيلًا عامًّا، واتخذ منه حليفًا وشريكًا في مختلف الأعمال، فأقرض الرجلان حكومات الدانمارك، وهسي دارمستات، وبادن؛ وقد كان لروتشيلد من قبلُ، في مستهل عصر نابليون، ثروة ضخمة، فلما اضطر الشريف إلى الفرار من وجه نابليون عام ١٨٠٦م، استطاع روتشيلد أن يستعين بأصدقائه من أصحاب المصارف بفرانكفورت في أن يخلص له الجزء الأعظم من ثروته.

مات «ماير أنسلم روتشيلد» عام ١٨١٢م، وخلَّف وراءه أرملة متينة الخلق وخمسة أبناء، فمضى المتجر القديم في طريق النجاح، وأخذ يتسع المصرف الجديد، ويقول «لونسهن»٣ أن قد تضافر البنات العوانس والأبناء وزوجاتهم على العمل في التجارة، فكان أحدهم صيرفيًّا، وارتحل الباقون يؤدون بأنفسهم أعمال تجارتهم الهامة.

أما «ماير أنسلم» الشيخ فقد باع تجارته لبنيه الخمسة قبل وفاته بعام أو ما يقرب من العام، وأوصى بثَمن البيع لزوجه وبناته، وهو في ذلك إنما ينفِّذ مبدأ أساسيًّا من مبادئ روتشيلد وهو أن تحتفظ الأسرة لنفسها بالمال كله، وأن تكون الرقابة لها وحدَها؛ لذلك لم يُشرِك أزواج بناته في الربح، ولقد كان هذا المبدأ بعينه أساس التزاوج بين أبناء الجيلين الثالث والرابع من أجيال الأسرة؛ ولكنَّ هذين الجيلين الآخرين لم يضيفا إلى الجدارة التجارية التي امتاز بها أسلافهم قوة جديدة.

ولما أدرك الأب منيَّته، كان الأبناء قد طفِقوا يضربون في ربوع أوروبا، فاتخذ أنبغهم «ناتان ماير روتشيلد» مقامه في إنجلترا، ولكي ييسر صلته التجارية بالقارة الأوروبية ارتأى لأخيه «جيمس» أن يقيم في باريس. ولعل رغبتهم في أن يُطوِّحوا بأنفسهم في البلاد الأجنبية، وما كان يربطهم من صلة الرحم القوية، قد أكسبا أسرة روتشيلد ما لها من قوة، وهيأت لها ما سنح من فرص؛ فقد وثق بعضهم ببعض خلال ما نشب من حروب وغزوات، وما ضُرِبَ من حصارات، وما حدث من تغيير في الحكومات، وكانت تستحيل تلك الثقة على منافسيهم من جماعات الموسرين والتجار؛ فقد استطاعوا أن يزوِّد بعضهم بعضًا بأخطر الأنباء وأصدقها، تلك الأنباء التي كانوا يدبِّرون جمعها في دقة بالغة، حتى أنشئوا فيما بعدُ نظامًا للتراسل؛ إذ تبينوا فيما بعد ما يفيدونه بذلك رغم ما يكلِّفهم من فادح النفقات، فضمنوا بذلك كتمان عملهم لئلا تفيد سائر الشركات في أوروبا من أنبائهم، ولم يستخدموا البريد أو حقائب السفارات في تراسلهم، إلا إذا تبادلوا من الوثائق ما يريدون أن تطالعه الحكومات في ذلك الحين، كذلك مكَّنتهم هذه الثقة المتبادَلة أن ينغمس كلٌّ منهم في حياة البلد الذي اختير لمقامه، فيستوطن ويستعمل ما يحقق صالح الحكومات؛ على ألا يتعارض ذلك طبعًا مع صالح أسرة روتشيلد خاصةً أو اليهود عامةً. ولقد أيقنوا أنه إذا لم يصبهم النجاح جميعًا في ظل ذلك النظام، فلا أقل من أن يصيب واحدًا منهم، فيكون له من قوة موقفه ما يعين به الآخرين؛ ويُروى عنهم فوق ذلك كله أن أحدًا لم ينقد قطُّ خطة أخيه في العمل.

ولعل أوضح مَثَل يُساق لهذا التعاون الدولي هو الخطة التي استطاع بها «ناتان» في لندن و«جيمس» في باريس، أن يُمِدَّا «ولنجتن» وهو في «شبه الجزيرة» بما يتطلبه من المال لجنوده، وكان «ناتان» قد جمع ثروة عظيمة من التجارة حين مهَّد له أبوه أن يتولى في إنجلترا أعمالًا مالية هامة نيابةً عن الشريف الذي وضع بين يديه، في فترات قصيرة، مالًا كثيرًا يشتري به ذهبًا وفضة ليرسلهما خلسة عبْر «المنش» إلى فرنسا؛ فأيقن أنه يستطيع أن يربح من ذلك ربحًا جمًّا، إذا أذنت الحكومة الفرنسية لرسائله بالدخول في بلادها؛ ولكي يظفر منها بذلك الرضى، أوصى أخاه جيمس بالسفر إلى باريس ليقابل أولياء الأمر، وكان الحصار القارِّي مضروبًا إذ ذاك، ولكن نابليون قد تبين أنه إن لم يأذن لحلفائه بمقدارٍ محدود من التهريب بينهم وبين إنجلترا، فسيفقد صداقتهم؛ ولذا استطاع جيمس أن يتصدر أمرًا يبيح له أن يتسلم رسائل أخيه؛ إذ زعم أن الإنجليز شديدو الرغبة في ألا تتسرب المعادن الثمينة من بلادهم، وكان الإنجليز يتمنون حقًّا أن يصل مدد المال إلى ولنجتن، فنجح جيمس في أداء ذلك نجاحًا مطردًا، وذلك بفضل ما كان لأسرة روتشيلد من صلات، فاشترى صكوكًا مالية على أصحاب المصارف في جنوبي أوروبا، ثم أحست إنجلترا فيما بعدُ عجزًا ماليًّا، فأفاد «ناتان» من ذلك أرباحًا جسيمة، أولًا بأن عرف أين يشتري الذهب الذي يبيعه للحكومة الإنجليزية، وثانيًا بأن تعهَّد بنقله إلى جنودها في الخارج، وقد وُفِّق كذلك في العبور إلى هولندة؛ حيث ابتاع جميع الأموال الفرنسية التي غمرت القارة الأوروبية، ونقلها إلى إسبانيا بمعونة أخيه في باريس.

ولقد كان وزير المالية في إنجلترا يعلم علمَ اليقين ما أسداه «ناتان» لهم من خدمات، فانتهز «ناتان» هذه المنزلة الجديدة، وعرض على الفور أن يعهد إلى أسرة روتشيلد بإرسال جزء من الإعانة المالية الإنجليزية إلى النمسا، وكان أجر تحويل الإعانة من إنجلترا عاليًا جدًّا في ذلك الحين، حتى إن «مترنخ» قدَّر ما يفقده في تحويل العملة وفي الوساطة وأجور المصارف بما يبلغ ثلث المجموع — مليونين من ستة ملايين — قبل أن يصل المال إلى يده، وطبيعي أن تود الحكومة الإنجليزية لو أن ما ترسله من المال يُنفَق منه على صيانة الجيوش النمساوية أكبر قدْر ممكن، فرحَّبت بأسرة روتشيلد حينما عرضت أن تؤدي العمل دون أن تلجأ إلى تحويل العملة، ودون أن يتعرض المال في نقله إلى النمسا للخطر. ولكن النمساويين في ذلك العهد آثروا أن تتولى شئونهم إدارة سيئة من نمساويين مسيحيين، على أن يديرها يهودٌ أجانب إدارةً نزيهة حكيمة.

ولكن شركة روتشيلد على الرغم مما لقيته من مقاومة، أخذ ينتشر ذِكْرها في أرجاء أوروبا، لا سيما «ناتان» الذي ازداد اسمه ذيوعًا، حتى أُحيط بشيء من عجائب الأساطير، وذلك حين أتاه وكيل من وكلائه بنبأ النصر في واقعة ووترلو، قبل أن يبلغ الخبر الرسمي إلى الحكومة البريطانية بيوم، فذاع أن «ناتان» قد بلغه النبأ في رسالةٍ حملتها له حمامة خَفيَّة من الحمام الزاجل، أو أنه استقاه بنفسه وعبَر به المنش في عاصفة هوجاء؛ وهكذا كان يبني ثراءه الذي لا يحده الحصر بإذاعة الأنباء في سوق الأوراق المالية بلندن، ولو كان الأمر — كما يحتمل جدًّا أن يكون — معتمدًا على نشره الأنباء المبكرة على هذا النحو، لما استطاع أن يجمع إلا مقدارًا ضئيلًا جدًّا بالنسبة لما حصَّله من الثراء العريض، ولكنه في حقيقة الأمر كان يسارع بتلك الأنباء إلى الحكومة فلا تؤمن بها، حتى إذا كان الغد تبيَّن لها صدقها.

ثم سنحت لأسرة روتشيلد فرصة طيبة في إصلاح الاضطراب المالي الذي أعقب واقعة ووترلو؛ وأول ما يُذْكر في هذا الصدد أن نقل التعويض الحربي الذي فُرض على فرنسا كان يحتم العبور في أوروبا المضطربة، ومعنى ذلك أن الأموال والسبائك كان لا بد لها أن تنقل بذاتها إذا قام بالأمر وسيطٌ سوى روتشيلد، وفي ذلك ما فيه من الخطر. وإذن فقد كانت أسرة روتشيلد وحدَها في موقفٍ يمكِّنها من اليقين القاطع بأنها في مأمن من الخسارة؛ إذ كان في مقدورها دون غيرها أن تحوِّل الأموال إلى حيث شاءت، بغير أن تضطر إلى نقل الأموال بذاتها، فعُهد إلى أبنائها على الفور بنقل ما يُربي على عشرين مليونًا من الجنيهات، وتقاضَوا على عملهم الموفَّق أجرًا قدْره واحد ونصف عن كل مائة، وشكرهم وزير إنجلترا شكرًا حارًّا، هذا إلى تحقيق ما تمنوه من امتداد عملهم إلى النمسا التي كانت حكومتها إذ ذاك تنوء تحت ديونها للمصارف النمساوية، فلم يكفِ أن توافق على أن يتولى أبناء روتشيلد نقل نصيبها من التعويض، بل جاوزت ذلك، فأذنت لهم أن يقرضوها مبلغًا جسيمًا يُرَدُّ لهم فيما بعدُ، ونجح أبناء روتشيلد في أداء تلك الأعمال نجاحًا حدا بالإمبراطور — بعد رجاء ملح — أن يخلع ألقاب الشرف على الإخوة جميعًا إلا «ناتان»؛ فلقد تبيَّن وزراء الحكومة النمساوية حسنَ التعامل مع هذه الأسرة التي كانت تنجز عهودها وتؤدي عملها في غير اضطراب ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا، والتي جاهدت أن تفرغ رسائلها في عبارةٍ يقرؤها الوزراء وتفهمها العامة، حتى انتهى الأمر بالحكومة النمساوية أن نقضت ميلها المسرف حيال المذهب الكاثوليكي، وأرسلت تدعو «سليمان» ليؤسس فرعًا للشركة في فِينَّا، وطلبوا إليه أن يدبِّر قرضًا بأوراق النصيب قدره مليونان من الجنيهات النمساوية، وكان الأخ الأكبر «ماير أنسلم» (ماير أنسلم الثاني) حينئذٍ مقيمًا في فرانكفورت، وأقرض في الوقت نفسه ملايين عدة لبروسيا، وسرعان ما أقرض الفرعُ الفِيِنِّي الجديد الروسيا ستة ملايين من الجنيهات؛ فالحكومات كلها في ذلك العهد كانت في حاجةٍ إلى المال على نحوٍ لم تعهد له نظيرًا فيما سبق. وإذن كان لأسرة روتشيلد أن تملي من الشروط ما تشاء، وأن تختص بقروضها ما تشاء من الدول التي بسطت أكفَّها للاستدانة، وكذلك كان الأشراف في بروسيا والنمسا في حاجةٍ إلى المال، فظفر فرعا فِينَّا وفرانكفورت من فروع الشركة بربحٍ من القروض الخاصة أيضًا.

وتم للإخوة اقتسام أوروبا بينهم حين أرسل «مترنخ» «شارل روتشيلد» إلى نابلي حيث كانت النمسا تَقمع ثورةً أهلية، وطلب إلى شارل أن يدبِّر المال الذي فرضه الظافرون على أهل نابلي، وأن يمثِّل صالح النمسا في ذلك الإقليم؛ ولكن شارل كان ابنًا خالصًا من أبناء روتشيلد، فآثر الوجهة المالية على الحزبية وأخذ يندمج في البلد الذي استقر فيه، ويقاوم استمرار الاحتلال النمساوي ومطالب النمسا الباهظة، وأقرض تلك المملكة الصغيرة مالًا كثيرًا، متصديًا لاحتمال التبعة بنفسه، ليقيم الحالة المالية في نابلي على أساس جديد، فلما تبيَّن عجز حاكميها عن الإدارة الحازمة، أرغمهم إرغامًا على قبول نائبه وزيرًا للمالية ثم أدخل على أمورهم بعض التعديل، وظفر لهم من إنجلترا بقرض، فحسن اسمه حتى انتهى به الأمر إلى منصبٍ لم يكن يتوقعه أحد؛ إذ اختير مديرًا لأموال البابا!

وكان «جيمس» قد أنشأ في الوقت نفسه مصرفًا في باريس، حيث الحاجة إلى القروض لا تقل عنها في أي مكان آخر، فلم يلبث أن أصاب التوفيق حتى أصبح أغنى رجل في فرنسا بعد مليكها، وقد قال له «مترنخ»: «إن أسرة روتشيلد تلعب في فرنسا دورًا أخطر جدًّا مما تقوم به أية دولة أجنبية أخرى، وقد نستثني من ذلك إنجلترا وحدها» وكان بيت روتشيلد إذ ذاك أعظم جماعة مالية في العالم، وأخذ ثراؤه يزداد مدى العشرين عامًا التالية على أقل تقدير.

وليست تقتضينا الغاية من هذا الكتاب أن نتعقب تاريخ هذه الأسرة في تفصيلٍ أدق مما ذكرنا؛ فإن أسلوبها لم يتغير، ولم ينجب جيلاها الثالث والرابع شخصيات بارزة، وظلت على وجه العموم بعيدة عن ميدان العمل الحقيقي في العصر الجديد، عصر الانقلاب الصناعي في أوروبا؛ نعم إن «سليمان» في النمسا قد أعان على إنشاء الطرق الحديدية، وعُني بالمناجم ومصانع الألغام، ولكنه لم يكن في تأييده لهذه المشروعات إلا رجلًا ماليًّا — فلم يَمِل به هواه إلى تنظيم صناعة عظيمة من جانبها الفني. كذلك اشترى أبناء روتشيلد المقيمون في فرنسا منابع الزيت في الروسيا، ولكنهم باعوها عام ١٩١١م لشركة هولندية The Royal Dutch Shell group. وإذن فأسرة روتشيلد تتاجر في المال أولًا وآخرًا، ولم يكن لها عدا ذلك إلا صالح واحد نبت بغتة؛ فإن رأيتهم يلتمسون الألقاب ويشقون طريقهم في الحياة الاجتماعية بالعواصم الأوروبية، فما ذاك إلا سبيل للزُّلفى اضطروا إليه اضطرارًا؛ إذ يستحيل بغير الألقاب أن يتصلوا بالأشراف الذين احتكروا مناصب الدولة اتصالًا مباشرًا؛ فإن كان «ماير أنسلم» الكبير قد سلك في الحياة سبيله بدرايته في النقود والجواهر؛ فإن أبناءه قد رعوا الفنون بهذه الروح نفسها، فاتخذوها وسيلة للحصول على ما يسميه الأمريكيون «صلات مباشرة Contacts» وكان رئيس الشركة في فرانكفورت يحيا حياة الطبقة الوسطى؛ أما جيمس في باريس فأخذ ينثر المال نثرًا من نوافذه، ولم يفعل ذلك ليستمتع، بل ليحقق غايته — ثم قنع الخلف بالثروة، ولم يكن لهم رأي جديد في استخدامها أو إنفاقها.

لم يَعُد أبناء روتشيلد يملكون زمام المال في أوروبا، وليست علة ذلك نكبة أو فشلًا — فهم من حِذْقهم بمأمن من ذاك — ولكن لأن ما استُكشف من الذهب في القرن الماضي قد تدفَّق في مساربَ جديدة نجمت عن ازدهار الصناعة؛ فلم تَعُد الثروة مقصورة على كبار الأغنياء وحدَهم، بل نشأت ألوف الألوف من الثروات الصغيرة في أيدي الطبقة الوسطى، وبذلك أُتيح للناس أن يؤسسوا مصارف المساهمة التي علا كعبها في استخدام المال، وإن العالم اليوم ليحوي مقدارًا عظيمًا جدًّا من المال بحيث يستحيل على أسرة واحدة أن تسيطر عليه بمواردها سيطرة ذات شأن؛ فلئن كانت أسرة روتشيلد قد أبت على «مترنخ» قرضًا فحالت دون إعلانه الحرب على بلجيكا، فإن ذلك ليستحيل اليوم؛ إذ لو وقع مثل هذا في عام ١٩٣٠م لتقدم عشرة ملايين من صغار الموسرين بما رفضت أسرة روتشيلد إذ ذاك أن تقدمه.

ولْنَعُد الآن إلى العمل الواحد الذي أنجزوه غير مأجورين والذي سبقت الإشارة إليه — وهو تعضيدهم لإخوتهم اليهود؛ فلقد استخدموا من أول الأمر مالهم وميلهم لصالح اليهود في فرانكفورت أولًا، ثم لصالح اليهود أينما حلُّوا، ولا تزال الأسرة تحتفظ بهذا التقليد إلى يومنا هذا، ومن اليسير أن نعلِّل هذه الرغبة فيهم، وذلك أنهم إذا حرروا اليهود فإنما يحررون أنفسهم، وسيستردون ما ينفقون من مالٍ بفضل تعاون اليهود الذي يقتضيه فعل المعروف، ويظهر أن ولاء هؤلاء الأعلام نحو بني جنسهم كان ميلًا غريزيًّا فيهم كاتحادهم الأُسَرِيِّ ودأبهم في العمل، على الرغم من أن رسائلهم ووسائلهم العملية لا توحي للباحث بهذا الرأي.

تُرى لو لم يجئ روتشيلد إلى الوجود، أفكان الناس يزدادون يسرًا أم عسرًا؟ ليس لهذا السؤال جواب قاطع؛ فلقد جمع أبناء هذا البيت ثروةً ضخمة — بل ثروات ضخامًا — وكانوا يتقاضون الربح بنسبة عالية جدًّا؛ ولئن عاونوا بعض الدول فقد دفعت تلك الدول ثَمن المعونة غاليًا، ولكنهم من ناحيةٍ أخرى كانوا يعملون في نشاطٍ جمٍّ حتى كسبوا ما كسبوا، وأدَّوا كثيرًا من الخدمات الجليلة.

ومع ذلك فمن اليسير أن نجد جوانبَ كثيرة للنقد؛ فقد فرضوا ربحًا أكثر مما كان ينبغي لهم أن يفعلوا، وما انفكوا يؤيدون الحركات الرجعية ولو أنهم كانوا يَلبَسون لكل حال لَبُوسها، وأفسدتهم الثروة فاستخدموا مالهم وذكاءهم في الظهور دون أن يؤيدوا المبادئ السامية وحركات النهوض، إذا استثنينا ما فعلوه لتخفيف ويلات اليهود؛ ذلك إلى أنهم كانوا أوَّل مَن مارس العمل في سوق الأوراق المالية في نطاقٍ واسع، وآخر ما نرويه عنهم أنهم لم يتَّبعوا العِلم فيما عملوا وما يعملون، ولم يتقدم واحد من أبناء روتشيلد في الضائقة المالية التي أعقبت الحرب الكبرى ليضيف إلى العلم النظري — الذي يضعه الاقتصاديون اليوم موضع البحث — تلك المعرفة الغريزية التي لا بد أن تكون هذه الأسرة قد حصَّلتها؛ فقد كان من الجائز أن يكفينا رجل واحد من هؤلاء شرَّ الزلل في ألوف الأخطاء، وبذلك ينفع الناس نفعًا عظيمًا يَجِلُّ عن التقدير.

ولكنا يجب أن ننصفهم بذكر حسناتهم هذه؛ فهم أمناء، قد استخدموا أساليب العصر لبلوغ غايتهم، وإذا وعدوا أنجزوا، ولم يَعرف العالم قبلهم أحدًا في مثل نزاهتهم البالغة حدًّا عظيمًا في هذا الضرب من الأعمال المالية التي تتداولها أيدٍ كثيرة في مثل عصرهم المضطرب، ولم يكتفوا بحفظ عهودهم، بل خلقوا مبدأ الشرف في الأمور المالية، وابتكروا أساليبَ مالية سديدة أذاعوها في القصور وما إليها من الأمكنة التي لم يكن الشرف فيها جديرًا بالتفكير والعناية. ولما كان الخداع سيئةً تَهُدُّ أركان المجتمع هدًّا، كان طابع الشرف الذي وسمت به أسرة روتشيلد الأمور المالية، خطوةً فسيحة في سبيل التقدم الاقتصادي في العصر الجديد. أما هل كان يمكن أن تتم هذه الخطوة دون أن يُبْهَظَ المجمع بما كُلِّفه في سبيها من ثَمن، فسؤال متروك للتاريخ وحدَه. إن أعمالهم كلها عادلة تبررها مقاييس العصر.

كورنيليوس فاندربلت، وجاي جولد وتقدُّم الطرق الحديدية (Cornelius Vanderbilt, Jay Gould)

سنتجه الآن شطر رجلين أنفقا حياتهما في تحصيل المال، وخير دراسة لهما أن يبحثا معًا، لما بينهما من تباين وخلاف؛ فقد كانا يعيشان في عالمٍ مالي واحد، ولَعِبا لعبتهما على مائدة واحدة، غير أن «جولد» كان يقصد إلى كسْب المال قبل كل شيء، أما «فاندربلت» فكان أعقدَ ميلًا، وأعمق فكرًا، وأحسن خلقًا. على أن الرجلين كليهما لم يكن لهما من ضميرهما رادع إذا ما استلزمت الحالُ رشوةَ قاضٍ أو شارع، وكلاهما لم يقتصر في الثروة على مجرد الشراء البخس والبيع الغالي وعلى القرض والربا، بل حصَّلا ما حصَّلاه بكثير جدًّا من وسائل النشاط وأساليب الافتئات، ولكنهما بذلا مع ذلك مجهودًا متشعِّبَ الجوانب في استبدال وسائل النقل الجديدة بالأساليب القديمة، وتلك الحقيقة هي أساس التأريخ البشري في منتصف القرن التاسع عشر.

فلقد شهد ذلك العهد استحثاثًا شديدًا جديدًا للإنتاج الصناعي، لما استُكشِف من موارد الذهب الجديدة في كلفورنيا وأستراليا وغيرهما، ومعنى ذلك ارتفاع الأسعار وانخفاض قيم الديون، والنتيجة أن يخف العبء عن المدينين، ويزول الضغط عن ميدان العمل، فأينما نشأت المشروعات ألِفْت المال سهل المنال، وصادفت سوقًا نافقة؛ ونخص بالذكر مشروعات الخطوط الحديدية والبواخر التي انتشرت انتشارًا سريعًا. وكانت القوى المادية، وحاجات المجتمع كلها تبعث على سرعة اصطناع وسائل النقل الحديثة في أرجاء الولايات المتحدة بأسْرها، ولكن الناس لبثوا بادئ الأمر يميلون إلى استخدام القُطُر الحديدية في نقل الأحمال الثقيلة وحدَها، وفي المسافات القصيرة المدى، وقلما أدركوا النتائج الرائعة التي يحتمل بلوغها من استخدام القُطُر البعيدة المدى التي تعبُر القارة من أقصاها إلى أقصاها؛ فقد جاء ذلك في عهد متأخر جدًّا، حتى فوَّت التأخيرُ في إدراك هذه الحقيقة إمكانَ التقدم السريع. وإذن فتقدم الخطوط الحديدية تبدأ قصته بظهور مجموعة من خطوطٍ صغيرة كان ربْطُها معًا في شبكاتٍ من ذوات المدى الفسيح يقتضي عملًا جسيمًا وصفقاتٍ كبيرة وجهادًا عسيرًا، ليتم انتزاع الطرق الحديدية وما يلحق بها من أناسٍ هم أعجب الناس خلقًا، أقدموا على شذوذهم العجيب بسبب تهاون نظام الشرطة والقضاء في كثير من الولايات عن القبض على رجالٍ ذوي جرأة وعزم، وعرفوا متى يتبعون الأساليب العنيفة. وقد أدَّى وصل الشبكة الحديدية في أمريكا إلى شهرة رجال أمثال «مورجان»، و«هاريمان» وغيرهما، ولكنا سنلقي بهذا البحث ضوءًا على «جاي جولد» و«فاندربلت».

كان «فاندربلت» أسبق من زميله وأقدر منه وأعظم، ولكنا مع ذلك سنبدأ بدراسة أصغرهما «جاي جولد»؛ فذلك أنسب لغايتنا التي نقصد إليها.

وُلد «جاي جولد» في «رُكْسِبِري» في ولاية نيويورك عام ١٨٣٦م، وهو سليل أسرة إنجليزية جليلة؛ فنرى بين أسلافه «ناتان» و«هابيل» و«إبراهيم» كما يَنِم مظهره وبِنيتُه عن أصله العبري، ويقول مؤرِّخ حياته «المستر روبرت إرفنج وارشو»٤ إن ثَمَّ دليلًا صغيرًا غير هذا يدل على منبته اليهودي؛ فأبواه كانا فقيرين فقرًا مدقعًا، حتى عانى بمرضه طوال حياته أثرَ الفاقة التي لقيها في طفولته، ولكن تربيته الدينية لم تكن متأصلة فيه على الرغم من أنه كان أحد الموسرين الأمريكان.

لقد اضطرَّ إلى أشق العمل في مزرعة أبيه الصغيرة، ولم يلبث في المدرسة إلا عامًا واحدًا، وُفِّق بعده إلى عملٍ في متجر ريفي، كان يشتغل فيه من الساعة السادسة صباحًا حتى العاشرة مساء، وقد روى عن نفسه فيما بعدُ أنه كان يستيقظ في الساعة الثالثة ليدرُس الرياضة والمساحة، وأنه تبين إذ ذاك حقيقةً قوية دامت معه، وهي أن واجب الفرد أن يُعنى بنفسه وأن يترك للناس عنايتهم بأنفسهم. ولما بلغ السابعة عشرة من عمره استُخدم رسامًا للخرائط، فعمل بادئ الأمر في شركةٍ انتهى أمرها إلى الإفلاس، فأخذ يشتغل لحسابه الخاص وأصابه التوفيق على وجه الإجمال، وطفق أهل الإقليم المجاور يتحدثون عنه ويَعُدُّونه شابًّا يُرجى منه، ولعل أكبر حسنة أفادها من مساحته الأرض، أنه أخذ ينتقل في عمله من ميدان إلى ميدان، كما أُتيح له أن يخدم بعض الأثرياء، حتى حاول أن يصل أسباب الود بينه وبين أحد هؤلاء — وكان دبَّاغًا للجلود ثريًّا — ترك العمل لشيخوخته، فبلغ الود بينه وبين ذلك الرجل واسمه «زادك برات» مبلغًا من الإخلاص حدا بالشيخ في نهاية الأمر أن يقيم الشاب على مدبغته، بحيث يكون الرجلان شريكين متساويين، فيؤدي «جولد» العمل، ويقدم «برات» رأس المال الذي بلغ مائة وعشرين ألف ريال، فانتهز «جولد» هذه الفرصة وجاهد في نجاح المدبغة، وسرعان ما عرف فيه تجار الجلود في نيويورك رجلًا حاذقًا في ميدا العمل، ولكن لسوء حظ «برات» المنكود، كان جولد ممن يرون استحالة أن يكون المرء أمينًا؛ فلم تَعُفَّ يداه عن سرقة المال، وفي غضون سنة واحدة، أدرك الشيخ أن مَن آواه في كنَفه قد دلَّس الحساب، فلم يرفع أمره للقضاء، واكتفى أن يخيِّره إما أن يشتري حصته مقابل ستين ألفًا من الريالات وإما أن يبيع هو حصته. فذهب «جولد» إلى نيويورك، وسرعان ما وجد بها ثريًّا وقورًا، يتجر في الجلود، يُدعى «لوب» آزره بالمال، وبذلك تنحَّى «برات» بعد أن فقد بسبب كرمه ستين ألف ريال.

ولم يمهل الموت «لوب» حتى يحزن لما أصابه من شريكه؛ فقد حدث بعد أعوام ثلاثة أن اجتاحت البلاد ضائقةٌ مالية نشأ عنها اضطراب في الأعمال، وحينئذٍ علم الرجل أن «جولد» كان يستخدم اسمه في شراء مقدار كبير من الجلود يمكنه من احتكار هذه السلعة، فصُعِق وأشفق مما قد يلحق به من العار فأطلق على نفسه الرصاص، وهكذا مات المحسن الثاني، وترك «جولد» ينازع الورثة على إدارة المدبغة، وانتهى الأمر بين الخصمين إلى حربٍ حقيقية بين فريقين مسلحين، وسعى «جولد» فيما يظهر، أن يستعين بصهر «لوب» (زوج ابنته) في بعض تفصيلات الاتفاق بعد أن جاهد كل فريق أن يستولي بالقوة على المدبغة، وكُتب النصر لجولد وفريقه، وكان يتألف من خمسين محاربًا، غير أن خصمه حاول وقف العمل، بأن أقام الدعوى عليه، فاضطُر «جولد» إلى مغادرة المكان وسافر إلى نيويورك ومعه بضعة آلاف الريالات التي استطاع أن يحتفظ بها.

ولم يكد يحل بتلك المدينة حتى صادف من فوره رجلًا ثريًّا وصل بينه وبينه حبل الصداقة، وكان الثري في هذه المرة بدالًا يُدعى «فليب مِلَرْ» وقد ترك «جولد» في نفس الرجل أثرًا حسنًا، فلم يتردد في مصاهرته، وكان الزواج هانئًا جدًّا فيما يبدو؛ إذ يظهر أن جولد يمتاز في خلقه بعاطفة رقيقة ادخرها لداره فقط، وكان «مِلَر» يملك إذ ذاك مقدارًا كبيرًا من أسهمٍ لا قيمة لها في خطٍّ حديدي مهجور، خط يمتد بين رُتْلاند وواشنطن، فاقترح «جولد» الذي كان متعطلًا إذ ذاك، أن يقوم بفحص الخط، ليكتب تقريرًا بما يرى، ويمتد الخط في ريفٍ كان قد درسه «جولد» في إحدى رحلاته التي كان يمسح فيها الأرض، فأدرك أن النجاح محتمل له، ونصح صهره أن يبتاع حق إدارته، فتم ذلك وعُيِّن «جولد» رئيسًا، وكاتمًا للسر، وأمينًا للصندوق، وملاحظًا. ووُفِّق في مدى شهور قلائل أن يبيع نصيبه في ذلك الخط الحديدي لخطٍّ مجاور له بمائة وثلاثين ألفًا من الريالات.

وبعدئذٍ اشترى بربحه المكسوب إدارة خطوط صغيرة أخرى، وصل بعضها ببعض، أو زعم أنه يصلها، ثم باعها لشركات الخطوط الحديدية الكبرى التي كانت إذ ذاك في دور التكوين، وكان «جولد» يمتاز ببديهة سريعة يدرك بها ما يجوز أن تصير إليه هذه الخطوط الصغيرة، فربح في أقل من عام واحد مائة ألف ريال، مع أنه لو أصلح تلك الخطوط حقًّا قبل بيعها، لكان ذلك آخر أعماله الإنشائية. ثم استخدم ربحه في مساهمة شركة للوساطة التجارية في شارع «وول» أطلق عليها اسم «شركة سمث وجولد ومارتن»، ومنذ ذلك الحين خص نفسه بالعمل في سوق الأوراق المالية على اختلاف صنوف الأعمال التي يؤديها.

ولسنا ندري إلا قليلًا من أمر هذه الشركة، أو عما كان يعمله جولد حين كان شريكًا فيها، ولكنَّ شريكيه لم ينتهيا إلى خاتمة طيبة، وكلاهما عاداه؛ فأما مارتن فمات مفلسًا في البيمارستان، وأما سمث فقد جرَّ عليه جولد الدمار. ويظهر أن «جولد» كان منذ بداية الأمر يعمل لحسابه الخاص أكثر مما يعمل كعضو في الشركة، وقد اتخذ علاقته بالشركة قبل كل شيء وسيلةً تجذب إليه أنظار الأعلام، وأكبر حادث نشأ عن ذلك اتصاله إبَّان الحرب الأهلية كلها برجل سيئ الأحدوثة، ألا وهو «دانيل درو».

كان «درو» أمينًا لصندوق خط «إري» الحديدي ومديره ومراقبه الفعلي، وهو أهم شبكة حديدية بين الشِّبَاك الناشئة النامية الواسعة المدى التي وصلت الغرب الوسيط والبحيرات العظمى بنيويورك، فأساء أولًا إلى لجنة إدارة الخط بأن أذاع الإشاعات عن استقراره المالي في وقتٍ كان فيه بحاجة إلى المال، ثم عاونه بنفسه معاونةً كلَّفته ثمنًا باهظًا؛ إذ أقرضه ما يعوزه من المال؛ إنه رجل كان في مستهل حياته يسوس الجياد ويرعى الماشية ويعمر قلبه الإيمان، ثم جمع فيما بعدُ ثروة عريضة من باخراته على نهر هدسن، كما ظفر بثروة أخرى من أعماله في شارع وول، وكان إذ ذاك يستخدم منصبه — بغض النظر عن صوالح أرباب الأسهم — ليؤثِّر في أثمان أسهم إري، وكانت له فيما يظهر القدرة على رفعها وخفضها كيفما شاء وبالسرعة التي أراد؛ فعلى الرغم من أن الخط كان ذا قيمة كبرى في حد ذاته، ويدرُّ ربحًا كثيرًا، كان «درو» يستغله في سوق الأسهم حتى كسب منه فيها أكثر مما كسبه في أعمال النقل كلها، فلما التقى بجولد، كان بحاجة إلى حليف؛ لأن سلطانه على إري كان يتهدده أكبر رجال المال في نيويورك حينئذٍ، وهو كورنيليوس فاندربلت، وأحس بعجزه عن منازلة فاندربلت وحيدًا. حين فكَّر هذا أن يخلص خط إري من إدارة «درو» الفاسدة.

وهنا نتناول بالبحث كورنيليوس فاندربلت فنجلوه ونبيِّن لماذا رأى فيه «درو» خصمًا شديد البأس لا يقوى على مقاومته وحيدًا؛ فقد عجمه في بعض تجاربه ولم يلقَ منه ما يرضيه، وكان فاندربلت حينئذٍ (١٨٦٩-١٨٧٠م) قد نيَّف على السبعين من عمره؛ وُلد في بورت رتشمند بجزيرة ستاتن، واحتل منزلة خطيرة في عالم الخطوط الحديدية مع ابنه وليم الذي قد يفوق أباه في نبوغه.

وكان فاندربلت يميل بطبعه إلى إصلاح العمل الذي يتولاه، أما جولد فينزع إلى النَّهب والتخريب، فلبث فاندربلت طوال عمره يُصلِح ما يشرف عليه مع ما يستدره منه من ربح عظيم لنفسه.

كان أبوه مزارعًا فقيرًا، فلما بلغ سن السادسة عشرة من عمره غادر مزرعة أبيه، وأنشأ فُلْكًا متواضعًا يُسَيِّرُه لحسابه بين جزيرة ستاتن ونيويورك؛ وكانت الفلائك المأجورة إذ ذاك قوارب شراعية يكفي لتسييرها رأس مال صغير، فاستطاع بحِذْقه ونشاطه الجم الذي لم يرحم نفسه به، واقتصاده المنزلي الشديد، أن يكون مرْكَبه جديرًا بالثقة والاحترام؛ فما بلغ الثالثة والعشرين حتى أصبحت له سفنٌ ثلاث وتسعة آلاف ريال وزوجة وأسرة، وكانت تدرُّ له السفن دخلًا ثابتًا يقتنع به معظم الناس قناعةً تزداد مع الأيام شيئًا فشيئًا، وكانت بواكير البخار تبدو في الأفق إذ ذاك، فباع فاندربلت خطوطه البحرية وبدأ عاملًا من جديد، فاستُخْدم قبطانًا لمركبٍ بخاري بدائي صخب، ليتيح لنفسه دراسة القوة الجديدة والتفكير فيما يمكن أن تتمخض عنه.

وكانت ولاية نيويورك قد أذنت في ذلك الحين باحتكار خطوط المراكب البخارية لرجلين هما «فَلْتُن» و«لفنجستون» احتكارًا لم يَعْدُ شواطئ نيويورك، وكان المركب الذي يديره فاندربلت ينسل خلسةً بين ولايتي نيويورك ونيوجرسي، فكان لزامًا عليه أن يرعى دقَّة المواعيد في باخرته التي لا يركن إليها قط، كما كان محتومًا عليه ثانيًا أن يصون المركب وملاحيه من تعقُّب المنافسين واضطهادهم، وأن ينجو بنفسه من قبضة الحكومة أينما ألقى مراسيه في حدود ولاية نيويورك، ولكنه على الرغم من هذه الظروف المعاكسة قد أنشأ ذلك الخط البحري واستدره ربحًا أغرى فَلْتُنْ ولفنجستون أن يعرضا عليه قيادة كبرى سفائنهم مقابل أربعة أمثال راتبه ليضعا حدًّا لذلك التنافس، فرفض أن يستبدل بمخدومه عملًا جديدًا؛ لأنه اعتزم أن يكون هو نفسه صاحب خطوط بحرية، ولتحقيق ذلك لا بد من فض الاحتكار القائم في ولاية نيويورك؛ لهذا لبث يدير سفينة مخدومه الأول ويوحي إليه بما ينبغي أن يعمله فيما نشأ بعدئذٍ من خصومة قضائية، وتستطيع إن أردت تفصيل ذلك أن تقرأ كتاب Commodore Vanderbilt لمؤلفه J. A. Howden Smith، وقد انتهى الأمر بأن قضى كبير القضاة في الولايات المتحدة أن يكون لأصحاب السفن جميعًا حقُّ الرسو بمراكبهم أينما شاءوا في شواطئ الولايات ما داموا حائزين على إجازة الإرساء، وبهذا ظفر الخط البحري بين نيويورك ونيوجرسي بحُريَّته. وكانت حركة الباخرات تزداد ازديادًا سريعًا في الأنهار الأمريكية كلها، فأنشأ فاندربلت بعد ذلك لمخدومه خطًّا جديدًا من نيويورك وفيلاديلفيا (طوله خمسة وعشرون ميلًا تقطعها الباخرة في اثنتين وعشرين ساعة مقابل ثلاثمائة ريال). فكان ذلك أرخصَّ الخطوط جميعًا في الولايات المتحدة وأسرعَها وأدرَّها للربح. فلما كان عام ١٨٢٩م اجتمع لديه ثلاثون ألف ريال فأمكنه بذلك أن يظهر بنفسه لنفسه وأن ينتقل إلى نيويورك لينشئ خطًّا بحريًّا.

ولقد استطاع أن يخفِّض الأجور ويقهر منافسيه بفضل ما امتاز به من الإقدام والشجاعة والسرعة في تتبُّع خطوات التقدم الجديد — مثال ذلك غَلْيُ الماء في أنابيب تُدار بالفحم الأنثراسيت؛ فقد أخذت تلك الطريقة في كل مكان تحل محل القاطرات القديمة التي تدور بالخشب المحرق — وبذلك أثرى في الأعوام التالية، حتى إذا ما أقبل عام ١٨٤٨م، كان يملك مجموعة من أحسن السفن في البلاد، وكان في حوزته مصانع للحديد ومراسٍ للسفن، وكان «دانيل درو» كذلك يُسيِّر البواخر إذ ذاك، فتصادق الرجلان، وتعاونا سويًّا على شراء الخط الحديدي بين بستن وستوننجتن، الذي كان يكوِّن مع بواخرهما طريقًا مباشرًا من نيويورك إلى بستن، وقد أتاح تدفُّق الذهب في كلفورنيا عام ١٨٤٩م لفاندربلت أن يخطو خطوته الثانية نحو مجده المالي؛ فلم يكن أحد يحلم إذ ذاك بامتداد خطوط حديدية عبْر القارة، وكان أقصر الطرق المؤدية إلى مناجم الذهب هو طريق بنما، فرأى فاندربلت أنه لو استطاع أن يُسيِّر السفن في نهر سان جوان الذي يجري بين نيكاراجوا وكوستاريكا، وأن ينظِّم خطًّا بخاريًّا يعبُر بحيرة نيكاراجوا، وأن يحفِر قناةً مدى بضعة أميال إلى المحيط الهادي؛ كان له بذلك طريقٌ أقصر من الطريق المطروق حينئذٍ وأقل نفقة منه، فسافر إلى لندن ليهيئ المال لهذا المشروع، ولكنه لم يوفَّق إلى ذلك؛ إذ كان يُظَن أن نهر سان جوان لا يصلح للملاحة، لِما يعترض مجراه من مساقط، وأن بحيرة نيكاراجوا ترتفع عن سطح البحر، بحيث يقتضي حفرُ القناة إنشاء أهوسة فسيحة جدًّا، فلم يَفُلَّ ذلك من عزيمة فاندربلت، وقصد إلى نيكاراجوا بنفسه في مركبٍ صغير خشبي القاع، واعتزم أن يسير بمركبه هذا إلى منبع النهر مهما لقي في سبيل ذلك من صعاب، وتولَّى القيادة بنفسه، وقد روى فيما بعدُ أنه لما وصل إلى مساقط الماء قال: «لم أصنع سوى أن سددت صمام الأمان ثم قفزت على الصخور.» وأخيرًا أعدَّ سلسلة المواصلات التي أطلق عليها اسم «المرور» فينقل المسافرين حتى يبلغوا المساقط الخطرة في قوارب مظهرة بالحديد «كانت ترنُّ مرحًا كلما طفرت من صخرة إلى صخرة». وبعدئذٍ ينقل المسافرين على ظهور الحمَّالين، ثم بالبواخر مرحلة أخرى، وأخيرًا يقطع بهم سائر الطريق بالعربات، فكلل النجاحُ مشروعه، إذ يستغرق السفر عن هذا الطريق أقل مما يستغرقه طريق بنما بيومين، ولا تزيد نفقته عن ثلاثمائة ريال بدل ستمائة؛ فجاءه هذا العمل بالشهرة والثروة كليهما، حتى بلغت ثروته في عام ١٨٥٣م أحد عشر مليونًا من الريالات؛ ولما ذهب إلى أوروبا للمرة الثانية في يختٍ فاخر أعدَّه بنفسه، استقبله عمدة لندن في داره الرسمية؛ كما استضافه قيصر الروسيا.

ولما عاد ألفى سفنه مشتبكةً في حربٍ من حروب القرصنة، فاشترك فيها، ولبث مدى سنوات مشغوفًا بها، يذكيها له أعوانه وأمواله ودسائسه السياسية، ولكنه ترك الأمر جملة حين باع باخراته عام ١٨٥٩م في خطِّه البحري في المحيط الأطلسي الذي كان ينافس خطوطًا أمريكية أخرى منافسة كان النصر حليفه فيها، ولكن الضرائب التي فرضها المجلس التشريعي على مواد السفن والحديد والصلب والنحاس والرصاص، وساريات المراكب وقلاعها وحبالها، كان يستحيل معها على السفن الأمريكية أن تسود البحار أمام السفن الفرنسية والبريطانية، فقرر لهذا هجر السِّفَانة ليوجِّه كل عنايته إلى الخطوط الحديدية.

وكان قد امتد بالفعل عدد كبير من الخطوط الحديدية في ولاية نيويورك، ولكنها خطوط قصيرة خُطِّطت على نحوٍ يؤدي إلى كثرة الإنفاق، ووضع فيها من رأس المال أكثر مما ينبغي أن يُوضع، فأفلس معظمها، أو أوشك على الإفلاس، بسبب الضائقة المالية التي اجتاحت أمريكا عام ١٨٥٧م. ولكن حاجة البلاد إلى خطوطٍ طويلة تعبُر القارة كانت تزداد وضوحًا وجلاء، وكانت تلك الخطوط الطويلة هي خير ما يُرجى للطرق الحديدية في أمريكا.

عندئذٍ أراد كورنيليوس فاندربلت أن يلتمس المعونة في فردٍ من أسْرتِه، يضارعه في نبوغه ليأخذ في عمله الجديد المبتكر؛ وكان أكبر أبنائه وليم قد استأذنه خلال الحرب الأهلية في أن يكون حارسًا قضائيًّا على خطٍّ صغير مهجور في جزيرة ستاتن، ليبلو قدرته على الإدارة، فاستطاع أن ينظِّم ذلك الخط ويُعِدَّه إعدادًا جديدًا، وُفِّق فيه، فارتفعت أسهم الخط في غضون خمس سنوات من بضعة ريالات إلى مائة وخمسة وسبعين ريالًا؛ فلا ريب إذن أن مثل هذا الابن يستطيع أن يتولى عملًا أوسع من ذلك، فأخذ كورنيليوس منذ عام ١٨٦٢م يشتري أسهم الخط الحديدي بين نيويورك وهارلم، وكان ثَمنها قد هبط إلى تسعة ريالات، وتولَّى إدارته، وطلب إلى وليم أن ينظِّم ذلك الطريق تنظيمًا جديدًا، فارتفعت قيمة السهم حتى بلغت خمسين ريالًا. وبعد عامٍ واحد دبَّر شيئًا كهذا في الخط بين نيويورك ونهر هدسن. وبينا هو في عمله ذاك هاجمه «دانيل درو» مرتين فهزمه في كلتا المرتين.

أما في أولاهما فقد حاول درو أن يحمل الجمعية العمومية في نيويورك أن تبيع أسهمًا وهمية لخط هارلم بيعًا مؤجلًا، ثم تهوي بثَمنها بإلغاءٍ عاجل للقانون الذي يبيح لفاندربلت أن يدير خطًّا من خطوط الترام يتصل بذلك الخط، فباع أعضاء الجمعية ألوفًا من أسهمٍ لم تكن لديهم بمائة ريال للواحد، فاشتراها فاندربلت الذي كان يملك الأسهم الفعلية للشركة أيضًا فأفلس الباقون ما عدا درو، الذي حمل فاندربلت أن يكتفي منه بخسارة نصف مليون من الريالات، لِما كان بينهما من ودٍّ قديم.

وكانت المعركة الثانية شبيهة بالأولى؛ فقد تقدَّم فاندربلت إلى مجلس الولاية التشريعي بقانونٍ يجيز له وصل الخطين، وليظفر منه بالموافقة، اضطر إلى رشوة بعض أعضاء المجلس حتى اشترى منهم وعودًا تكفي لحصوله على أغلبية الأصوات، ولكن درو لم يكد يصل إلى «ألباني» فيما بعدُ حتى أقنع ممثلي الشعب أنهم يفوِّتون على أنفسهم فرصة تتيح لهم ربحًا جسيمًا، وبيَّن لهم أن أسهم خط هدسن قد بلغت مائة وخمسين ريالًا، فإذا باعوها بيعًا وهميًّا مؤجلًا، ورفضوا القانون الذي يطالب به فاندربلت، استطاعوا أن ينزلوا الثَّمن إلى خمسين ريالًا، ولكن ما حدث أولًا حدث هذه المرة أيضًا؛ إذ تمكَّن فاندربلت — بعون أصدقائه — أن يشتري كلَّ ما عرضه خصومه للبيع، حتى بلغ ما اشتراه من الأسهم عددًا يزيد عما كان موجودًا بالفعل سبعة وعشرين ألفًا، فلما جاء موعد التسليم، صعد الثَّمن إلى خمسة وثمانين ومائتي ريال، وكان من اليسير أن يرتفع إلى ألف ريال، لولا أن أصدقاء فاندربلت رجوه أن يضع للأمر حدًّا حتى لا يفلس الوسطاء جميعًا في شارع وول؛ ويُقال إن درو قد خسر هذه المرة ألف ألف ريال، وأمكن فاندربلت أن يصل الخطين بطريقةٍ عملية بغير حاجة حتى إلى قانونه الذي قدَّمه.

وجعل بعد ذلك يسعى للحصول على «الخط المركزي في نيويورك»، وهو يمتد من بفلو إلى ألباني محاذيًا نهر هدسن، ومن ألباني يستأنف السير إلى نيويورك إما بالسفن أو بخط هدسن الحديدي، ولم يستطِع إلا عام ١٨٦٧م أن يتمم هذا، وأن يضع الخط بين يدي وليم فاندربلت لتغيير قضبانه وتبديل قاطراته وعرباته. وفي عام ١٨٦٩م حصل على قانونٍ بوصل الخطوط يبيح له أن يربط الطرق الحديدية الثلاثة التي أصبحت الآن ملكًا تامًّا له، ولها قيمة اقتصادية كبرى، ولقد أُنحي عليه باللائمة الشديدة لأنه زاد أسهم الخط المشترك من أربعة وأربعين مليونًا إلى ستة وثمانين كانت تدرُّ عليه من الربح النقدي ستة ملايين؛ إذ زعموا أن ذلك ربْحٌ فيه غلو كثير؛ ولكن الخدمة التي أدَّاها كانت جليلة حقًّا وارتفعت أسهم مشروع الخطوط المشتركة آخر الأمر حتى بلغت مائتي ريال.

وهنا نعود إلى قصة «جاي جولد» مرة أخرى؛ لأن كورنيليوس فاندربلت اصطدم في هذه المرحلة من حياته بدرو وحفيده جولد، وكان موضوع الصدام إدارة خط إري؛ إذ لو استطاع فاندربلت أن يضيف هذا الخط إلى الثلاثة الأخرى لتمَّت له السيطرة على حركة النقل في نيويورك، ولا شك أن عقله القدير المبدع لم يُسِغ أن يرى خطًّا عظيمًا يصيبه الإهمال حتى يوشك على الدمار؛ فقضبانه قد أكلها الصدأ، وعُدَّتُه في حالة من الفساد الشديد، ونقله مشكوك في سلامته، بينما ترى مَن كان بيدهم أمره — وهم في رأي فاندربلت لصوص شعبيون — يقامرون بأسهمه. فأعلن على الملأ عزْمه على تطهير الخط من هذه الشرذمة كلها، وأخذ يعمل بإخلاص ليضمن انتخاب عدد من أعوانه في مجلس الإدارة، بحيث تكون إدارة الخط في أيديهم، ولم يكن ذلك المشروع عسيرًا فيما يبدو؛ لأن درو لم يكن محبَّبًا إلى حَمَلَةِ الأسهم، وكان حق الانتخاب (أي حق إعطاء الصوت في انتخاب مجلس الإدارة)، يُشترى عادة، ولا بد أن فاندربلت قد رأى من الهيِّن شراء ما يكفي من الأصوات بحيث يُتاح له النصر في الانتخاب المقبل، وعندئذٍ ينظِّم الخط كيف شاء، وبذلك يكفي نفسه مئونة شراء الخط شراء فعليًّا.

وكان دانيل درو يعلم علمَ اليقين ما كان يتهدده من الخطر، فدعا جولد إلى مجلس الإدارة ليؤازره، فأخذ جولد منذ تلك اللحظة يستمتع بنفوذٍ في سياسة خط إري يتزايد شيئًا فشيئًا، وقد لبث درو حينًا من الدهر شخصية فذة، ولكنه كان خائنًا بطبعه؛ فسرعان ما تبيَّن لجولد أن حليفه الطبيعي في مجلس الإدارة لم يكن أمين الصندوق، بل كانت أمانة الصندوق في يد عضو آخر يُدعى «فِسْك» كان أيضًا من بطانة درو، الذي ضمه كذلك إلى مجلس الإدارة لكي يحول دون سيادة فاندربلت على الخط الحديدي، تلك السيادة التي كانت تقصد إلى التطهير. ولقد تعاون هؤلاء الثلاثة، درو وجولد وفسك، فيما نشب بعد ذلك من شجار.

فقد نشبت بين الفريقين معركة طويلة متشعبة تقرأ وصف بواطنها وظواهرها في طائفة مهوشة من البنود، ولكنها ممتعة إلى أقصى الحدود، كتبها إذ ذاك الأخوان «شارلس فرانسز» و«هنري آدمز»؛٥ وكان من الجائز فيما يبدو أن يظفر مرشحو فاندربلت بالنصر في الانتخاب، فيحصلوا على إدارة الخط. واعتزم درو وجولد وفسك أن يتحوطوا للأمر، فاتفق الثلاثة أن يذهب درو إلى فاندربلت ليعرض عليه أن يقف بعض أعماله في السوق، وأن يعمل بصفة خاصة على رفع قيمة أسهم إري بدل أن يعمل على هبوطها، وذلك مقابل موافقته على تعيينه (أي تعيين درو) في لجنة الإدارة من جديد لو فشل في الانتخاب على أن يكون عضوًا في جانب فاندربلت.

ولسنا ندري حقًّا كيف نفسِّر قبول فاندربلت لهذا تفسيرًا معقولًا؛ فإنه كان يعرف درو، ويعرف فيه الرجل الذي يعوزه شرف القصد وتعوزه استقامة الخلق، ومع ذلك فقد أرجع هذا العدو القديم إلى لجنة الإدارة حين تم الانتخاب بفوز فاندربلت وفريقه. وبدأ يُعِدُّ العُدَّة لوصل الخطوط الأربعة.

ولكن هذا الوصل كان آخر ما يوافق عليه درو؛ لأن معناه نَزْعُ سيادته على أسهم إري؛ ولهذا أخذ في الخفاء يثير العراقيل أمام الوصل المنتظر، دون أن يشعر فاندربلت بما يعمل، ثم أعلن موقفه حين أُعْلِنَتِ الشروط الموضوعة، محتجًّا بإجحافها، إذا أراد فاندربلت أن يقسِّم أرباح الشركة الجديدة بين الخطوط الأربعة جميعًا، بحيث يصيب إري ثلث الربح بعد أن كان نصيبها يُربي على نصف المجموع، فاتحد مديرو إري وصمموا على رفض المشروع؛ فلم يكن بد من هزيمة فاندربلت.

وليس هنالك موضع للشك في أن درو قد خدعه، فساءه ذلك أشد الإساءة، هذا إلى أنه اسْتُغْفِل على ملأ من الناس، فأعلن لذلك أنه عازم على شراء الخط كله. وكلَّف أعوانه أن يبتاعوا من أسهم إري ما يكفي ليجعل الإدارة له ولأصدقائه.

وكانت قيمة الأسهم الموجودة إذ ذاك ستة وثمانين مليونًا من الريالات، منها عدد كبير في أيدي أناس بإنجلترا لم يكونوا في جانب درو، وكان فاندربلت يعلم أتم العلم بظروف سائر الأسهم، فاستوثق من قدرته على تحقيق غرضه، ولم يَبْدُ له إلا خطر واحد يفدحه لو وقع، وذلك احتمال أن يُصدِر حزب درو أسهمًا جديدة لا يستطيع شراءها جميعًا؛ فقد حدث مرة أن باع درو أسهمًا وهمية لإري بيعًا مؤجلًا، ثم أصدر في اللحظة الأخيرة ثمانية وخمسين ألفًا من الأسهم الجديدة، طبعها ليقابل بها الظرف الناشئ، وها هو ذا الآن يتجه هذا الاتجاه مرة أخرى، وكان القانون في ولاية نيويورك يبيح لشركات الخطوط الحديدية أن تنشئ وتُصدِر ما تشاء من الأسهم لتستبدل بها أسهم أي خطٍّ يكون في يدها على سبيل الاستئجار، وقد اشترى درو وأصدقاؤه قبل ذلك بأمد قصير خطًّا حديديًّا صغيرًا يُسمَّى «بفلو وبرادفورد وبتسبره»، وأجَّروه لخط إري. وإذن فقد كان في مقدور عصابة إري أن تزيد من عبء الأسهم التي كان يتحتم على فاندربلت شراؤها، بأن تنشئ وتُصدِر أسهمًا جديدة لإري، في مقابل أسهم الخط الذي استأجرته؛ خط بفلو وبرادفورد وبتسبره.

فصمَّم فاندربلت — ليحبط مسعاهم — أن يرفع أمره للقضاء، فلجأ محاموه إلى المحكمة العليا في نيويورك، واحتجوا بما أقدَم عليه درو من أعمال جريئة، والتمسوا أن تُصدِر المحكمة طائفة من الأحكام القضائية تقضي أن يُحرَم درو من أمانة الصندوق، وأن يعيد لإري ثمانية وستين ألفًا من أسهمها أُذيع خطأً أنها له، وأن تمنع مجلس الإدارة من أن يضيف إلى أسهم الشركة الموجودة فعلًا أسهمًا جديدة بأية حال من الأحوال، فوافق القاضي على هذه الأحكام، وكان ذلك القاضي هو برنارد، الذي كان قد تقرَّر عزله عن منصة القضاء في موعدٍ يقع بعد ذلك اليوم، لِما أبداه من نشاط في صالح جولدوفسك. ونتيجة ما صدر من الأحكام أن تقل الأسهم التي كان لا بد لفاندربلت أن يشتريها، بما يساوي ربع مجموعها.

وقد بدا أن درو وفسك وجولد يهوون إلى الإفلاس؛ إذ قد باع ثلاثتهم أسهمًا وهمية بيعًا مؤجلًا، ولكنهم مع ذلك مضَوا في خطتهم وأخذوا يبيعون لفاندربلت كل يوم أسهمًا لم تكن في حوزتهم، أما فيما يتصل بالأحكام الصادرة فقد قصدوا إلى قاضٍ آخر، كان يبيح له نظام القضاء في ولاية نيويورك أن يحكم إلى جانب القاضي الأول، وظفروا منه بحكم يقضي بإيقاف أحد المديرين — وكان صديقًا لفاندربلت ينقل إليه الأنباء — كما يقضي ببطلان كل ما قضى به القاضي برنارد في القضية، فكان جواب فاندربلت على ذلك أن استصدر أمرًا من برنارد يحرِّم الاجتماع على مجلس إدارة إري والمضي في أي عمل من أعماله إلا إذا كان لصديقه حق الحضور، فلجأت جماعة درو وجولد وفسك، إلى قاضٍ ثالث واتهموا أمامه القاضي برنارد باشتراكه في مؤامرة تضارب في أسهم إري، وبأنه استخدم منصبه القضائي في صالح مضارباته، فأصدر القاضي الثالث، بناء على هذا، أمرًا يحرِّم على الأحزاب جميعًا كل عمل ﻟ «الترويج لهذه المؤامرة المزعومة» ويأمر مديري إري — فيما عدا مرشح فاندربلت — بمواصلة أعمالهم، وألا يكفُّوا بصفة خاصة عن تحويل السندات إلى أسهم؛ وكان القاضي برنارد في نفس الوقت «يصدر ستة أحكام في كل يوم». ولكن جولد ودرو وفسك أصبح لهم بحكم القانون أن يعملوا ما يشاءون، وأن يتركوا ما لا يشاءون، فتركوا القضاة يتنازعون الأمر فيما بينهم، ومضَوا يمهِّدون الطريق للمعركة الأخيرة بينهم وبين فاندربلت.

ثم عقدوا اجتماعًا لمجلس الإدارة قبل أن يصدر عليهم الحكم الأول، أجازوا به لأنفسهم إصدار سندات قابلة للتحويل قيمتها عشرة مليونات من الريالات ﻟ «إتمام الخط الحديدي وإعداده وتحديده»، وزعموا أن ذلك المبلغ سيُنفَق في استبدال قضبان من الصلب بقضبان الشركة البالية، وفي مد قضيب ثالث بحيث يمكن للقطارات الوسيطة السعة السيرُ على طريق إري الدائم. ولم تمضِ عشر دقائق بعد ارفضاض الجلسة حتى عقدوا اجتماعًا ثانيًا في الخفاء، اتفقوا فيه على أن يبيعوا هذه السندات إلى درو وأصدقائه بما يساوي عن كل مائة، وتُحوَّل نصف هذه السندات على الفور إلى أسهم أُرسلت إلى وسطاء درو، أما عن القضبان فقد أمر درو أن تُقْلَبَ القديمة ظهرًا لبطن فتسير العجلات على أطرافها السليمة، ولم يَعُد أحد يدري شيئًا عن القضيب الثالث.

آن أوان تنفيذ الحكم الأول فارتفع سعر إري؛ إذ خُيِّل إلى الناس فيما يظهر أن مديري إري سيعجزون بقوة هذا الحكم عن إضافة شيء جديد على الأسهم الموجودة في السوق، كأنهم يجهلون رجالهم، فلم يلبث نائب رئيس الشركة أن وقَّع أسهمًا جديدة بقيمة الباقي كله، وهي خمسة مليونات من الريالات، وزعم أنه لجأ إلى ذلك «لاحتمال نجاحهم في تعديل الحكم»، فأرسل كاتم السر رسولًا يحمل دفاتر هذه الأوراق الموقَّعة ليحفظها في الخزانة المغلقة، ولكن الرسول عاد بعد دقائق يروي أن فِسْك لقيه وأخذ منه الدفاتر وحملها معه، وذلك معناه أن خمسة مليونات أخرى قد حالت بين فاندربلت وبين استيلائه على زمام إري بغير علم منه.

ووُضعت هذه الأسهم الجديدة في السوق في اليوم التالي، وأخذ أصدقاء فاندربلت ووسطاؤه بادئ الأمر في الشراء، ومضى سعر إري في الصعود، حتى لحظ بعضهم تاريخ الأوراق الجديدة، وتبينوا أن مديري إري قد غضُّوا النظر عن الحكم الصادر، ولكن أحدًا لم يعلم إلى أي حد كان ذلك الغض، فهبط السعر من ثمانين ريالًا إلى سبعين، ومضى فاندربلت في الشراء، فما أقبل المساء حتى تجلَّى فشله في الاستيلاء على زمام الشركة كما أراد.

وعلى نقيض ذلك ما أصاب المديرين؛ فقد ظفروا بسبعة مليونات ريال في مقابل أسهم لا قيمة لها من الوجهة العملية، منها أربعة مليونات على الأقل دفعها فاندربلت؛ فهذه الملايين السبعة حصَّلوها على الرغم من أحكام القضاء، ولكن عصابة إري كانت بعدئذٍ عرضة لكل صنوف التعذيب والعقاب في ولاية نيويورك، غير أن المعتدين استقلوا إلى نيوجرسي سفينة فبلغوها آمنين قبل أن تصدر محكمة نيويورك عليهم قرار الاتهام.

وفي مدينة جرسي اتخذ هؤلاء الماليون أحد الفنادق مركزًا لإدارة أعمالهم وأحاطوا أنفسهم بحراسٍ مسلحين، وأقاموا ثلاثة مدافع ضخمة تجاه البحر، وملئوا قوارب الخفر بحَمَلة البنادق. وأعلنوا أن فاندربلت والقاضي برنارد يحاولان اختطافهم، ويُقال إنهم استصحبوا معهم عربة ملئوها أوراقًا مالية قيمتها ستة ملايين من الريالات. ومهما يكن مقدارها فقد كان معهم من المال ما يكفي لحمل المجلس التشريعي في نيوجرسي أن يُصدِر قانونًا في ساعتين يقضي بأن يكون خط إري شركةً خاضعة لولاية نيوجرسي، ثم أثاروا حملة صحفية على احتكار الطرق الحديدية، وخفَّضوا الأجور في خط إري ليزيدوا من حيرة فاندربلت، ولكنهم تنازعوا على تقسيم الأسلاب، غير أنهم لبثوا حينًا آمنين. ولما كان من غير الجائز أن يُلقى عليهم القبض في نيويورك أيام السبت، فقد استطاعوا أن يزوروا أصدقاءهم هناك من حين إلى حين.

ولكنهم أرادوا العودة إلى نيويورك ليقيموا بها إقامة دائمة، فأعد جولد قانونًا عرضه على المجلس التشريعي في ولاية نيويورك يجيز ما تم في الأيام الأخيرة من الأعمال من الوجهة القانونية، ولا يسمح إطلاقًا باستيلاء فاندربلت وجماعته على خط إري، ولكن المجلس لم يوافق على إصدار ذلك القانون عند عرضه للمرة الأولى، واضطر جولد أن يتعرض لخطر الذهاب إلى ألباني بنفسه — حيث مقر المجلس التشريعي لولاية نيويورك — ليقابل أعضاء المجلس مقابلة شخصية، فأُلقي عليه القبض، ولكنه استطاع أول الأمر أن يجد ضامنًا، وفي المرة الثانية أفلت من حارسه، واستصحب معه مائتين وخمسين ألفًا من الريالات التي كسبها في العهد الأخير، ولكن أوراق فاندربلت سرعان ما أخذت تقيم عليه تهم التزوير. ولقد دلَّ البحث فيما بعدُ على أنه حين كان في ألباني وقَّع بإمضائه عددًا كبيرًا من أوراق النقد تبلغ قيمتها مبلغًا جسيمًا، ووزَّعها على أعضاء مجلس الشيوخ، وكان هو نفسه يروي القصة فيما بعدُ ويزعم أنه لا يذكر لماذا دفع للأعضاء تلك المبالغ، أو ماذا فعل بها، ومع كل هذا فلم تُرفع ضده دعوى الاتهام قط؛ ومهما يكن من أمر، فقد دفع في المدينة مبلغًا جسيمًا على نحوٍ ما، ولسبب من الأسباب، لكي يوهم فاندربلت أن مقاومته إياهم يُرجَّح لها الإخفاق. ولم يكن فاندربلت حينئذٍ في حالٍ يُغبَط عليها؛ لأن الستة الملايين من الريالات التي أُخذت أحدثت ضغطًا ماليًّا وهبطت بأثمان الأسهم جميعًا؛ هذا إلى أنه كان ينوء تحت عبء أسهم إري التي كان قصارى جهده أن يحفظ سعرها. ومن ناحية أخرى كانت رشوة أعضاء المجلس التشريعي في ألباني تتطلب مبلغًا ضخمًا، ولكن أعضاء الشيوخ حين غادروا قطاراتهم الخاصة التي استأجروها — وحُقَّ لهم أن يفعلوا ذلك في مثل هذا الظرف — لم يجدوا أعوان فاندربلت ينتظرونهم في بهو المحطة لشراء أصواتهم، فخاب أملهم وثارت نفوسهم ثورة دفعتهم إلى إقرار قانونَي إري، ولم يكفِهم هذا، بل أصدروا قانونين آخرين للطرق الحديدية ليقيموا بهما العراقيل في وجه الطرق الحديدية التي يملكها فاندربلت.

فلم يلبث درو بعد ذلك أن فاوض فاندربلت مفاوضة سرية يرجو من ورائها بلا ريب أن يكسب لنفسه شيئًا على حساب فِسْك وجولد، ولكن شريكيه أدركا خفيَّة الأمر، وقصدا إلى المكان المضروب للقاء، وأصرَّا على أن يتضمن الاتفاق المبرم انسحاب درو من مجلس إدارة إري، وأُعدت الشروط لذلك، وكان فاندربلت ساعتئذٍ، كما رُوي، يستطيع أن يشتري خط إري، ولكنه رفض أن يشتري إلى جانبه مطبعة السندات. وتم الاتفاق على سحب القضايا القائمة جميعًا، وأن ينزل كل ذي حق عن حقه، واسترد فاندربلت أربعة ملايين من الريالات مقابل أسهم إري، كما ظفر كثير من أصدقائه بمبالغ من المال — إذ آلت إليهم ملكية الخط الحديدي — وتنحَّى درو بعد أن احتجز لنفسه قدرًا من أسلابه، ووضع جولد وفسك يديهما على إدارة الخط.

وكلَّف هذا الاتفاق خزينة إري تسعة مليونات من الريالات، وأُبْهظت الشركة بمائة وخمسين ألفًا من الأسهم الإضافية، وبلغ السخط من جولد وفسك مبلغًا شديدًا؛ «فقد صعقا وأخذهما الذهول» كما قال فسك، وقرَّرا أن الخط كما يريانه يُرجَّح له الإفلاس، ولكن كان ذلك أقصى ما يمكن أن يحصلا عليه، وجعلا يستغلانه إلى أقصى الحدود، فأخرجا من الإدارة جميع الأعضاء إلا أصدقاءهما، واستبدلا بهم «تويد» و«سويني» وهما مديرا خط «تاماني»، وكان تويد من حلفاء فاندربلت، ولكنه كان قد كُوفئ على خدماته لذلك الرجل بأسهم إري، فآثر أن ينضم إلى جولد مزوَّدًا بما في يديه من أَزِمَّة السياسة في مدينة نيويورك، واستعداد بعض قضاتها لخدمته، وبينهم القاضي برنارد، ولذلك أصبحت أحكامه منذ ذلك الحين رهن مشيئة جولد، كما كانت من قبلُ تحت تصرف فاندربلت سواء بسواء.

فلما أن رأى فسك وجولد أنهما في حرز حريز، أخذا يسيطران على أسهم إري من جديد، ولم تمضِ أشهر قلائل حتى أصدرا مائتين وخمسين ألفًا من الأسهم الجديدة، وأنزلا السعر من ثمانين إلى أربعين، حتى إذا ما ابتاعا كل ما أراد من الأسهم، وأحبَّا أن يرفعا السعر ثانية، استصدرا من القاضي برنارد حكمًا يبيح للخط الحديدي أن يشتري الأسهم الجديدة بقيمتها الاسمية؛ وكان هذا الحكم ينقض قانونًا قائمًا يحرِّم على شركات الطرق الحديدية أن تتاجر في أسهمها، فأدَّى ذلك إلى طائفة من المشكلات القضائية، حتى كان ثمَّة ستة قضاة على الأقل يُصدِرون في وقت واحد في مختلف المحاكم قرارات ينقض بعضها بعضًا، كل منهم يعمل لحزب من الأحزاب، وعيَّن القضاء لرقابة الخط ثلاثة حرَّاس قضائيين، وحَكَمًا واحدًا على الأقل، كلٌّ يمثِّل واحدًا من أصحاب الدعاوى؛ وعلى الرغم من ذلك كله، بقي جولد وفسك كما كانا، وقرَّر جولد في شهادته أمام لجنة من لجان التحقيق أنه ظن لنفسه الحق في إصدار ما يشاء من الأسهم حين كانت الانتخابات موقوفة، لكي يخرج الخط من قبضة فاندربلت، وقد كان لهذا التصريح فيما يُقال وقْعٌ حسن في نفوس الأعضاء. ومهما يكن من أمر فقد تم الاتفاق مع فاندربلت من جديد على أن يظفر بالقانون الذي يبتغيه لتوحيد الخطوط التي كانت تحت سيادته بالفعل، أما هما فاستصدرا قانونًا يبيح لهما أن يُصدِرا ما يشاءان من الأسهم، وأن يعيدا الانتخاب مرة في كل خمس سنوات بدلًا من الانتخاب السنوي. وبذلك سيطرا على إري لا ينازعهما السيادة أحد.

ثم نشبت معركة خفيفة واحدة بينهما وبين فاندربلت، قبل أن تزول العداوة بين الحزبين؛ فقد كان أجر العربة في نقل الماشية من بفلو إلى نيويورك إذ ذاك مائة وخمسة وعشرين ريالًا، فخفَّض فاندربلت ذلك الأجر في خط نيويورك المركزي إلى خمسين ريالًا، فانتقم جولد لنفسه وأنزل أجر العربة إلى خمسة وعشرين، فجعله فاندربلت ريالًا واحدًا. وبدا أن جولد قد انهزم أمام خصمه، وتحوَّلت حركة نقل الماشية بأسْرها إلى خط نيويورك المركزي، وأخذ جولد يشتري جميع الماشية في غربي بفلو لينقلها إلى نيويورك بهذا الأجر الزهيد الذي يُعتبر من الوجهة العملية نقلًا مجانيًّا، فكسب بذلك أرباحًا طائلة؛ ويُقال إن فاندربلت حين علم أنه ينقل لجولد ماشيته بريال واحد عن كل عربة، اعتزم ألا ينازله مرة أخرى.

ولئن كان ذانك الرجلان في شارع وول على طرفي نقيض في الخطة والرأي فإنهما لم يكونا كذلك من حيث الشعور الشخصي؛ أما فاندربلت فيعمل ليحقق لعمله النجاح، ويشرف على المشروعات لتزدهر على يديه، وأما جولد فخطته أن يخلق الكوارث ليشتري الأسهم بثَمنٍ بخس. ولما حدث في عامي ١٨٦٨-١٨٦٩م على التعاقب أن اشترى جولد وفسك أوراق النقد كلها، ثم حاولا أن يشتريا الذهب بأجمعه، ولم يتقدم لتثبيت السوق إلا فاندربلت، فخلَّص شركات كثيرة من الإفلاس، وكان شراء أوراق النقد إذ ذاك أمرًا ميسورًا؛ لأن المعروض منها لم يَفِ بحاجات التجارة التي تتسع دائرتها شيئًا فشيئًا، فكان نقصها محسوسًا في الخريف من كل عام، وهو فصل الحصاد وتصدير المحصول، فتضطر المصارف إلى حفظ نقد احتياطي يساوي خمسة وعشرين في المائة ليسدوا الطلب، ولمَّا حاول فسك وجولد أن يتعاونا مع درو في الحصول على أربعة عشر مليونًا من الريالات ليحوِّلوها إلى أوراق نقدية، يشترونها بعدئذٍ، اضطرت المصارف أن تقترض ستة وخمسين مليونًا من الريالات وأحدث ذلك أزمة شديدة، وهبطت الأثمان والأسهم هبوطًا مروعًا، فكسب الشركاء أرباحًا عظيمة؛ إذ أخذوا يبيعون بيعًا وهميًّا مؤجلًا مدى بضعة أشهر، وأفلس كثير من الأبرياء.

ولن نحدثك عن شيء من المحاولة الفاشلة التي أقدم عليها فسك وجولد ليشتريا الذهب كله؛ فقد سعى جولد في شيء من الغدر أن يبيع الكثرة الغالبة مما يملك لفسك، في حين مضى فسك في الشراء بأثمانٍ عالية تنفيذًا لما بينهما من عهد. فدبَّت بينهما الخصومة، ولم يصلح ما بينهما بعد أن ساهم جولد في تدبير خطة جبارة، ترمي إلى إزاحة الأعباء التي جلبها فسك على نفسه، وإلقائها على عاتق رجل صوري لا يملك شيئًا. ولقد عاش جولد وفسك في أواخر أيام اشتراكهما عيشة باذخة في نيويورك، واتخذا مكتبًا في بناء شركة التمثيل الكبرى، وأعدَّ فسك لنفسه بهوًا لحفلاته الخاصة، وهيأ سردابًا يصل داره بالمسرح، حيث كانت جماعة التمثيل لا تفتأ تمدُّه بالغانيات لاستمتاعه ولفتنة عملائه؛ وقد رُوي عنه أنه قال فيهن: «إنني أجلب بحسن بزتي أولئك الغواني المتوردات اللواتي أحبهن، وما أيسر نوالهن.» ولم يشترك جولد مع زميله في هذا الجانب من حياته، بل لزم مكتبه وآثر أن يقضي أوقات فراغه من حياة السلب التجاري في زراعة الزهور، وأن يحيا حياة عائلية هادئة، وقد وُفِّق فيما اختار لنفسه — إذا اغتيل صديقه فسك، قتله محبُّ غانية من أولئك — ولكنهما فيما عدا ذلك عملًا معًا في أتم اتفاق.

ولقد خسر جولد بقتل فسك خسارة فادحة؛ لأنه كان محببًا لدى حملة الأسهم وعمال الخط الحديدي، كما كان صائب الرأي إذا ما حزب الأمر، فقرَّر حَمَلة الأسهم الإنجليز — وهم عديدون — أن يتخلصوا من جولد، فنظَّموا صفوف المعارضة في لجنة الإدارة، ولما رفض جولد أن يُعقَد مجلس الإدارة، اجتمع الفريق الإنجليزي، وساروا إلى بناء التمثيل، فشتَّتوا رجال الحرس، وعقدوا اجتماعهم على الرغم من الأوامر الصادرة إليهم، وانتخبوا مجلسًا جديدًا للإدارة وقويت شوكتهم بمعونة مارتن، وهو شريك قديم لجولد، وكان قد أوشك على الإفلاس، بسبب شروة من شروات جولد الاحتكارية، فأمد أعداءه بدفاتر الشركة القديمة؛ لأنه يعلم ما تحويه من أدلَّة تكفي أن تزج ذلك الموسر العظيم في غيابة السجن؛ فقد حدث ذات يوم أن ضاقت حيلة جولد حتى تخلَّى عن إري، وأقامت عليه الشركة دعوى اتهام بما يدنو من ثلاثة عشر مليونًا من الريالات، وغير ذلك من الجنايات، فقُبض عليه للمرة الثانية، ولكنه استطاع أن يكسب مالًا حتى من هذا الموقف؛ إذ أعلن عزمه على تعويض الخاسرين، فارتفع بذلك سعر أسهم إري، ولكنه لم يفِ بوعده، فعاد سعر الأسهم إلى الهبوط مرة أخرى، وأعاد هذه العَمْلَةَ مرتين أو ثلاثًا، حتى تخلَّص من كل أسهمه، وتحوَّط للموقف من كل وجوهه، وأخيرًا أعطى معارضيه جملة أوراق مالية قيمتها الاسمية ستة مليونات من الريالات في مقابل تنازلهم عن التهم الجنائية التي وجَّهوها إليه، ولكن ثبت بعدئذٍ أن تلك الأوراق لا تساوي شيئًا من الوجهة العملية.

ترك جولد خط إري الحديدي، وله ستة وثمانون مليونًا من الريالات، قيمة أسهمه، فضلًا عما له من الديون، بعد أن كان له اثنان وعشرون مليونًا فقط حين التحق بمجلس إدارته؛ ولكنَّ ريالًا واحدًا من هذه الزيادة لم ينجم عن تقدُّم صحيح، بل لبثت إري كما كانت كل الخطوط التي يشرف عليها جولد في أخريات أيامه، ممقوتة من الناس لسوء الإدارة وعدم الكفاية، ولِما كانت عليه من إهمال شديد؛ فعلى الرغم من أنها أدَّت عملًا جليلًا، فقد لبثت طويلًا في أيدي الحراس القضائيين، ولم تستطع أن تدفع الأرباح إلا بعد أن تركها جولد بتسعة عشر عامًا.

ولن نتناول بالبحث المفصَّل بعد هذا سائر مشروعات جولد؛ لأن القصة قد استطردت وطالت. ولكنا نشير إلى سوء الأحدوثة الذي أصابه حين قام بوصل «الخطوط المعلَّقة» في نيويورك بعضها ببعض؛ وذلك لأنه سيطر من جهة على خط مانهاتن على أثر حملته التي أنزل بها ثَمن الأسهم؛ إذ تحدث مرة باعتباره أحد المشرفين على الشركة فأكَّد بأن الخط الحديدي «في حالة من الإفلاس لا رجاء في إصلاحها ولا أمل في علاجها»، ثم شاع بعد ذلك بقليل أنه ابتاع معظم أسهم الشركة، فلما أن تم له ذلك، عاد الثَّمن إلى حدِّه الأول قبل الهبوط. ولقد عمل بعدئذٍ على إفلاس شريكه «سَيْرَسْ فيلد» بعد أن كان يزعم له الود؛ وذلك بأن اقترح أن تكون «الطرق الحديدية المعلقة» طريقًا عامًّا.

وخمد نشاطه منذ ذلك الحين، وقد انتابت شارع وول ضائقة مالية عام ١٨٨٤م، خسر فيها كما قيل ما يقرب من عشرين مليونًا من الريالات؛ ومهما يكن مقدار خسارته تلك، فقد ورَّث أبناءه ثروة من أضخم ما عرفت أمريكا من ثراء، ومع هذا فلم يُعرف عنه الإحسان قط، واعتل في شيخوخته؛ إذ أُصيب بالسل، ولكنه كان يُنكِر هذه الحقيقة لثقلها على نفسه، وأسلم الروح عام ١٨٩٢م. فما كاد نبأ موته يذيع في شارع وول، حتى ارتفعت الأوراق المالية التي كان نصيبه منها كبيرًا.

وتستطيع أن تلتمس في حياة جاي جولد في مختلف أطوارها جانب البداوة والنهب؛ فقد مثَّل في المجتمع الأمريكي المتكاثر دورًا يشبه ما كان يقوم به المغيرون قديمًا، حين يعتدون على الزارعين في سهولهم الخصيبة؛ فهو ناهب مخرِّب ولو اتخذناه مثلًا نسوقه لحرية الإنسان في المشروعات الخاصة ولنظام النقد وحفظ المال في عصرنا، لَلمسنا في هذا النظام نقصًا خطيرًا؛ لأنه أنتج مثل هذا الرجل، واحتمل وجوده. وإنا لنرى فيما نشب بين الدولة — ممثلة في شخص القاضي برنارد مثلًا — وبين هذا الرجل وهو عدو المجتمع، أن القوة كلها كانت بيد هذا، ولم يكن الأول إلا ألعوبة عاجزة مرتشية. أما قصة فاندربلت فتلقي ضوءًا على مشكلاتنا من وجهة نظر أخرى، هي أوضح في تاريخ روكفِلر الذي سننتقل إليه الآن، فنرى أن فاندربلت وروكفلر عاملان هامَّان للإصلاح الاقتصادي الذي يتعذَّر حدوثه فيما نتصوَّر بغير الطريقة التي حدث بها؛ وقد يحتج المفكرون الرجعيون والمحافظون بأن جاي جولد كان شرًّا لا بد منه، وأنه تابع من توابع الحرية التي لا يتم التقدم بدونها، ولكنَّ المجدِّدين والاشتراكيين يَنقُضون هذا القول ويعتقدون أن كل ما هنالك من شرٍّ صغُر أو كبُر في أمثال فاندربلت وروكفلر يمكن أن تخف وطأته بوسائلَ تختلف عن تلك أشد الخلاف.

ج. د. روكفلر وتنظيم إنتاج الزيت

قد يعرف القارئ مقدار الزيادة الهائلة التي طرأت على المواد النافعة، وما أصابته مصادر القوة الجديدة من رقي بَدَّل من عالم الإنسان عالمًا جديدًا، وكانت النتيجة اللازمة لكل ما نشأ من الميادين الفسيحة لاستثمار المواد الجديدة، ولكل ما استُحدث من أساليبَ في استخدام القوة منذ بداية هذا العصر — عصر العلم والاختراع — نشأةَ الثروات العريضة التي نضرب لها مثلًا نموذجيًّا تاريخ الزيت وثروة روكفلر.

فبينما كان فاندربلت يوسِّع من نطاق طرقه الحديدية، كان ج. د. روكفلر ينشئ «أم الشركات»، «شركة الزيت المثلي»، فيجمع بذلك أضخم ثروة جمعها فرد في العالم — كما يعتقد كثير من الناس — وتاريخ حياة روكفلر هو تاريخ الشركة التي كوَّنها وكوَّنته على السواء؛ فكانت كلما نمَت نمَا معها، ولاءم بينه وبينها. وإذن فلا نكاد نرى سببًا يدعو إلى تفصيل حياته الشخصية كما وقعت بترتيبها الزمني، بمعزل عن قصة شركته.

ويعلِّق الناقدون من أعدائه أهميةً على حقيقةٍ لا تتصل بحياته العملية، وهي أنه مسيحي لا ريب في وفائه لعقيدته؛ فقد كان يختلف إلى كنيسته أيام الآحاد، حتى حالت شيخوخته دون ذلك، وأنشأ أبناءه مسيحيين مخلصين لدينهم. ولكن النقاد يرون في ذلك ما يناقض كثيرًا من أعماله التجارية؛ فهناك مثلًا من أحكام القضاء ومن الشواهد الثابتة، أدلةٌ تؤيد صحة ما زعموه من أنه لجأ في أعماله إلى الكذب والحنث في اليمين وتزوير الشهادة على جيرته، وإلى رشوة واسعة النطاق أفسد بها عمَّال غيره والموظفين العموميين، وأنه لجأ إلى التهديد وحصل لنفسه على نقص في الأجور غير مشروع، وقد كانت حياته كلها في الواقع برهانًا قائمًا على إهماله التام لحقوق ومصالح مَن يقف في سبيله أو سبيل مشرعاته كائنًا مَن كان؛ فإن الثورات الصغيرة التي أثارها في المكسيك وفي أمريكا الجنوبية، قد أدَّت إلى إزهاق كثير من الأنفس، ولم يجلب الدمار لأبناء وطنه أفواجًا في أموالهم فحسب، بل تجاوز ذلك إلى أرواحهم الخالدة — على حد رأيه. ولكن بينا هو يصنع ذلك كله إذا بك تراه لا يني يجمع المال لكنيسته في مهارة ونشاط عظيمين، كما يجود في سخاء وبُعد عن التعصب؛ فقد عُرف طوال أيامه بميله إلى الإحسان، ولسنا ندري كيف نعلِّل هذا التناقض الظاهر بين مذهبه وطريقته، إلا إذا افترضنا أن غايته الأساسية قد استولت عليه استيلاء شديدًا؛ فإنه اتجه بكل نفسه إلى جمْع المال، وسرعان ما انتهى إلى إخراج المشروعات العظيمة من حيِّز الإمكان إلى حيِّز الواقع، فيجوز أن لم يكن في وقته متَّسع يتيح له التفكير في نشأته والنظر الدقيق إلى حرفية العقيدة، هذا إلى شدة رغبة في إنشاء المشروعات الجديدة مما أودى به إلى الإسراف في القسوة مع خصومه أو ما يعترض سبيله من عقبات، غير حافل بلذعة الضمير؛ فلقد لبث روكفلر من الوجهة الدينية كما كان أيام الصبا، أما جوهره ونوع نشاطه فقد تغيَّرا بتغيُّر العصور وألوان النجاح والفرص السانحة.

كان روكفلر سخيًّا كريمًا طوال حياته، فقد أنفق في أوجه البر ما قد بلغ حتى الآن٦ ستمائة مليون من الجنيهات، أنفقها في حكمةٍ وتدبير بالغين، فكانت له يدٌ طولى في تقدُّم العلوم. ويلاحظ عنه بعض عارفيه أنه «يتألف من شطرين نفسيين يَحار لهما الإنسان»؛ فيُمناه لا تدري شيئًا عما تصنع يسراه. ولا بد لنا قبل أن نفرُغ من البحث في شخصية روكفلر، وبيان ما فيه من شذوذ عجيب، أن نضع نُصب أعيننا ما كان يسري في المجمع الأمريكي — حين كان نجم روكفلر في صعوده — من معايير الشرف وتقدير العمل وموت الضمير في القضاء والسياسة، واستعداد الناس أن يلجئوا إلى العنف في بلوغ مآربهم. إن روكفلر قد استباح لنفسه أن يشهد الزور إذا ضاق عليه الخناق، ولكنا نسائل: كم كانت طريقه وعِرة عسيرة؟ وقد أثار الفتن في بعض الولايات الصغيرة، ولكن ماذا صنعت له حكومات تلك الولايات؟ لقد بسطنا فيما سبق نموذجًا لمقاييس الأخلاق حين درسنا «جولد» كجامع للمال.

كان لروكفلر أعظمُ الفضل في تقدُّم الظروف الاقتصادية في العصر الحديث ومن أجَلِّ أعماله اثنان: تنظيم استخراج الزيت الغفل وبيعه واستقرار ثَمنه استقرارًا نسبيًّا في أرجاء العالم كله، والثاني نجاحه الباهر في افتتاحه عهد العمل الكبير.

وإنه ليدهشنا حتى في يومنا هذا أن يبلغ في تجارة الزيت حدًّا يسيطر فيه عليها كلها، قبل أن ينفق في ممارستها عشرة أعوام — ففي هذا الزمن الوجيز أمكنه أن يكون له وحدَه القدرة على تحديد أثمان الزيت، الغفل منه والمقطَّر؛ فقد تبيَّن حين ذهب إلى منابع الزيت — وكان إذ ذاك نكرة لا يملك ثروة تلفت النظر — أن كل خطوة في العمل تعاني زيادة الإنتاج، وأن في استنباط الزيت تبذيرًا وفوضى؛ إذ كان يشرف على استخراجه من منابعه جماعةٌ عُرفوا بإقدامهم الجشع تحدوهم العاطفة والتفاؤل، جماعة تغريهم المشروعات الخطرة إن كانت تبشِّر بأرباح طائلة، وتمتاز في كثير من الأحيان بالقدرة والنبوغ، ولكن شيئًا واحدًا كان ينتهي بهم إلى الفشل — فلا يخفى أنه إذا كفَّ صاحب المنبع عن استخراج الزيت، تسرَّب الزيت تحت أرضه إلى أرض جاره، إن كان هذا الجار يواصل الإخراج. ولم يستطع رجال الزيت أن يمحوا ما كانت تولِّده تلك الظاهرة في نفوسهم من خرافات، ولم يُوفَّقوا إلى التعاون على تحديد المحصول إذا ما أحاطت بهم مشكلة في النقل أو في البيع؛ فلم يقفوا العمل إلا مرة واحدة مدى أشهر قلائل، ولم يعبئوا بما تؤدي إليه مواصلة العمل من تدفُّق الزيت وضياعه؛ فضياع الزيت أهون عليهم من وقف العمل، فكانت تكفي الحادثة العارضة للهبوط بثَمن الزيت، وهوى الثمن فعلًا من الريالات إلى السنتيمات لأن مواصلة الإنتاج حدَّدت قدرة الخزن، ولأن آبارًا جديدة استُكشفت ونضبت الآبار القديمة، فأخذ الناس يتراوحون بين الثراء والفقر.

أما مرحلة التقطير في صناعة الزيت، فقد كان يشرف عليها رجال عاديون، ولما كان يستحيل عليهم في ذلك العهد أن ينقلوا عددهم وأدواتهم إلى الآبار، اكتفَوا بتقطير الزيت في الآبار التي لا تحولهم دونها ظروف النقل. ولكن لم تلبث هذه المقطرات أن اندحرت أمام المشروعات الجديدة التي رُكِّبت على فوهات الآبار حين مَدَّت الطرقُ الحديديةُ فروعها، حتى بلغت منابع الزيت الحقيقة. وقد كانت الطرق الحديدية الأربع — التي أشرنا إليها — في تنازعٍ كاد ينقلب إلى حربٍ علنية؛ وقد اتضح في حديثنا عن جولد أن الهيئات المشرفة على تلك الخطوط قد حالت دون تعاقدها كلها على اتفاق طويل الأمد حقيق بالثقة، بما لجأت إليه من أساليب الخداع والخيانة التي وسمت علائقها بعضها ببعض. ويظهر أن عمال الطرق الحديدية كانوا أقل فسادًا من رؤسائهم، ولكنهم عاجزون عن رفض ما يُقدَّم لهم من رشوة، فتبينت مقطرات الزيت المختلفة أن في مُكْنتها عمليًّا أن تغتصب تخفيضًا جائرًا في أجور النقل؛ وكل هذه العوامل أدَّت إلى تعذُّر العمل واضطرابه، ثم جاء المضاربون فضاعفوا الظاهرة بمضارباتهم.

ولما هجر روكفلر اشتغاله بالنقل وأعمال الوساطة ليزاول تجارة الزيت، كان أول ما مارسه منها مرحلة التقطير؛ فلم تمضِ ثلاثة أعوام أو أربعة، حتى أصبح بفضل نبوغه، أكبر مقطِّر في البلاد، وسرعان ما واجهته مشكلة هبوط الأثمان الناجمة عن زيادة إنتاج الزيت زيادة سببها الإهمال، فاضطُر إلى التفكير في تنظيم الأمر نوعًا ما، ومحاولة تحديد الإنتاج وتثبيت الأثمان، وكان لا يفتأ يصرِّح بأن خطته المرسومة إنما تقصد إلى صالح العمل وحدَه، وليس لدينا ما يؤيد تكذيب زعمه؛ ولو ظلت خطته في طي الخفاء، لكُتب لها النجاح، سواء أكانت خيرًا أم شرًّا؛ فقد بدأ بأن اضطر الشركات الرئيسية في منطقة كليفيلد أن تتحد جميعًا في شركة واحدة، وأن تخوِّل له تنظيم البيع والشراء، فأصبح بذلك أكبر عملاء الطرق الحديدية، واستغل هذه المنزلة فيما بعدُ في إرغامه تلك الطرق، بالتهديد حينًا والرشوة حينًا، على اتفاقاتٍ تؤدي إلى إفلاس منافسيه، واقتضاه ذلك المشروع بعض الوقت؛ إذ كان لا بد له من إقناع رؤساء الطرق الحديدية (كما أطلقوا على أنفسهم) بأن شركته معتزمة توحيد المقطرات القائمة كلها، وانتهى الأمر بينه وبينهم بأن ضمن لنفسه ثلاثة أشياء: تخفيض كبير في نقل زيته، وأن يتقاضى مبلغًا من المال عن كل برميل من الزيت تنقله شركةٌ لم تندمج في شركته، وأن يعدوه بأن يبلغوه الأنباء المفصلة عن كلِّ ما يحدث من فريق منافسيه في وقت مبكر. ولما تحصَّن بهذا الاتفاق قصد إلى المقطِّرين الذين لم يندمجوا في شركته، ووضَّح لهم في جلاء أنهم إن لم يبيعوا له ما يملكون بالثَّمن الذي يراه، كان حتمًا عليهم أن يغادروا ميدان العمل.

ونجحت الخطة مع المقطِّرين — إذ استطاع أن يشتري ما لديهم من المقطرات الباقية في تلك المنطقة بشروطٍ تفيده أكبر الفائدة، وأغلق منها أقلَّها صلاحًا، وأسوأها موقعًا، ثم حدَّد الإنتاج في سائر المقطرات وأدخل عليها وسائل الإصلاح وأخذ على نفسه أن يتملك بيع الزيت وشراءه، فاستطاع بحق أن يسير بتلك التجارة نحو صالح التقطير.

ولكن مشروعه مُني بالفشل حينًا ما فيما يتصل بالمنتجين؛ فقد ذاع النبأ إلى رجال الزيت وعلموا أن أجور النقل قد ارتفعت عليهم، فدبَّروا مهاجمته، وقصة هذا النزاع لذيذة ومفيدة جدًّا لمن يرغب في دراسة السلوك الاجتماعي للإنسان، وليس بنا حاجة إلى روايتها الآن؛ إذ ليس في هذا الكتاب متسع لها، وتستطيع أن تطالعها مع سائر قصة شركة روكفلر في أيامها الأولى في الاتهام المشهور الذي قدَّمه «إيدا تاربل» في كتاب «تاريخ شركة روكفلر» وحسبنا أن نشير إلى أن رجال الزيت الذين نظَّموا صفوفهم، ظفروا من القضاء باتهام شركة روكفلر بأنها تآمر غير مشروع يُراد به عرقلة تجارة الزيت، وأُرغم روكفلر على حل شركته والتعهُّد بألا يحصل لنفسه من شركات الطرق الحديدية على تخفيض جديد، وقاطعوه بضعة أشهر، ووُفِّقوا في استثارةِ عطفٍ كثيرٍ في نفوس الناس، والحقيقة أنهم ظفروا في الموقعة الأولى من تلك الحرب الطويلة التي نشبت بين شركة روكفلر وبين معارضيها الثائرين عليها والتي ظلت قائمة حتى الحرب الكبرى، وعندئذٍ كُتب لها النصر لأن روكفلر لبث إحسانه يتدفق مدة تُربي على عشرة أعوام من جهة، ومن جهة أخرى دعت ضرورة إنتاج الزيت إنتاجًا مطردًا مستقيمًا لسد حاجة الجيوش والأساطيل الآلية، أن تشمل الحكومات شركات الزيت الكبرى بحمايتها، فلا يمتد إليها نقد الصحف.

ومع ذلك فلم تكن تلك الصدمة الأولى لتلقي الروع في نفس روكفلر؛ فلم يأبه لها، ولم يبدِّل من أجلها شيئًا من طريقته حتى في تفصيلاتها، وكان قد اعتزم في ذلك الوقت أن يضع زمام النقل في يديه ليتمكن من السيطرة القوية على تجارة الزيت كلها، وقد فعل، واستعان بالرشوة على بلوغ غايته أثناء مخاصمة أعدائه له، حتى اشترى كل ما يملكه بعض أعدائه ذوي الخطر، واتفق مع الطرق الحديدية على نظام جديد لتخفيض الأجور قبل أن يَعِدَ بألا يعود إلى التخفيض بأيام قلائل؛ فدرأ عنه الهزيمة هذا الاتفاق مع الطرق الحديدية، واحتفظ لنفسه بأسماء الشركات التي اشتراها أو ضمَّها، وأنذر كل خط حديدي على حدةٍ أنه حارمه من نقل زيته حرمانًا تامًّا إذا حدثته نفسه بالإساءة إليه، ولم يدرك أصحاب الخطوط أن روكفلر كان في الواقع يقسِّم زيته بين الخطوط كلها. ولما كانت القطارات هي الوسيلة الوحيدة لنقل الزيت، فقد استطاع أن يضارب في ثَمن الزيت سائر التجار بفضل ما ظفر به من تخفيض في أجور النقل، فإن لم يفلح هذا في حمل منافسيه على البيع، دبَّر حرمانهم من نقل زيتهم ومن خزنه أو أفسد ما لديهم من الزيت الغفل؛ فإذا اتحد المنتجون لمعارضته سدَّ في وجوههم شعاب التصريف بحيث يعجزون عن حفظ زيتهم، وأسوأ ما يلجأ إليه أن يشتري فريقًا من معارضيه ليهزم به الفريق الآخر، وإذا ما أمره القضاء بحل شركته أطاعه في الظاهر، وبدَّل اسمًا أو اسمين من أسماء شركاته، ثم مضى في أداء عمله في سائر وجوهه كما كان يؤديه قبل حكم القضاء، أما إذا اتُّهم بالتآمر، سعى إلى سحب الاتهام بأن يَعِد مقدميه بصفقة رابحة، ثم لا ينجز ما وعد.

ولم تستطع الطرق الحديدية نفسها أن تقاومه، حتى إن إحداها، وهو خط بنسلفانيا، اجترأ مرة أن يعارض فيما يطلب حرصًا على حقوق الشركة المحترمة الوحيدة الباقية من شركات التقطير المستقلة، فدبَّر بين عمال ذلك الخط إضرابًا حتى وقف العمل فيه، ونشأ عن ذلك هبوط في ثَمن الزيت أرغم شركات التقطير على البيع والانسحاب.

ولما تبيَّن أن الأنابيب ستحل في نقل الزيت محل الطرق الحديدية، اتخذ روكفلر في خطوط الأنابيب نفس السياسة التي اتبعها مع شركات التقطير، ولما حاول المنتجون أن ينشئوا لأنفسهم خطًّا من الأنابيب ليؤدي ما كان يظن أنه مستحيل الأداء — أي ليدفع الزيت الغفل بالمضخات إلى البحر عبْر جبال اللِّيجاني — وقف حجر عثرة في كل خطوة يخطونها، وهاجمت صحفُه أشخاص القائمين بالمشروع لتسيء إليهم لدى الناس، وأخذ وكلاؤه يُلقُون الرعب في نفوس المزارعين مما يروونه لهم من أن تسرُّب الزيت تحت أرضهم يتلفها، وقد يشعل بها نارًا لا يخمد سعيرها؛ هذا إلى أن عصابات من عمال الطرق الحديدية جعلت تهاجم عمال الأنابيب، وفشلت المحاولة الأولى في إنشاء خط من الأنابيب لا يساهم فيه روكفلر، واستعان على إحباطه بصنوف المعارضة التي كان يلجأ إليها، ثم نجحت المحاولة الثانية، ولكن أرباب المشروع ما لبثوا أن تبينوا أن لروكفلر ثلث الأسهم، وأن أعوانه يحتلون أقوى المناصب في مجالس الإدارة، بحيث استطاع أن يفرض عليهم سياسةً يعملون بمقتضاها.

ولما تم له احتكار الأنابيب، جَدَّدَ نظامها، وإن فضْلَه في ذلك لعظيم، فما احتكر لينهب ويعطِّل، بل أصبحت الأنابيب بفضل إشرافه، شركةً شهد لها الناس بالجدارة القصوى، ثم استُكشفت منابع زيت جديدة عام ١٨٧٨م، فلم يلبث أن أنشأ في ثلاث سنوات «خطوط الأنابيب المتحدة» وهي شبكة جديدة كاملة من الأنابيب، تنقل الزيت الجديد، وعرف كيف يسترد ما أنفقه في هذا العمل الجبار من أرباب الآبار، بأن تعمَّد تخفيض ثَمن الزيت الغفل مع احتفاظه بثمن الزيت المقطر، وارتفعت شكوى هؤلاء بأن روكفلر يخص نفسه بالربح كله لما يتقاضاهم من أجور النقل والخزن، والأصح أن يقولوا إنه خَصَّ نفسه بما كاد أن يكون الربح كله، ومع ذلك فلم يكن في مقدورهم أن يقاوموه مقاومة فعالة؛ فهو وحدَه ناقل الزيت وشاريه.

وحينما كان يهيئ لنفسه سيادة تلك التجارة، كان كذلك يحمل حملة شعواء من أجل الأسواق، ولم يقتصر في ذلك على الولايات المتحدة، بل عداها إلى دول الأرض جميعًا، وكانت طريقته دائمًا أن يبلغ بمشرعه حدَّ الكمال، وأن يحرص على أن يكون عماله مهرة أمناء، وأن يستغل في غيره الخجلَ أو الشرَه أو الخيانة، ما استطاع؛ فما أدبر القرن الماضي حتى كان روكفلر قد أنشأ في البلاد نظامًا من العسس والرشوة قيل في دقته إنه كان يحيط بواسطته علمًا بكل حركة لكل برميل من زيت الشركات المستقلة، فإذا اشترى بائع متجول من أصحاب العربات اليدوية جالونًا من شركةٍ غير شركته بادره وكيل عن شركة روكفلر، وعمل على إفلاسه أو ألقى في نفسه الرعب أو قاومه بتخفيض ثمن الزيت.

وكانت شركة روكفلر تشتغل طوال ذلك الأمد بمحاربة القانون الذي يعارض اتحاد الشركات، ومعارضة القوانين الخاصة التي يستعين بها المستقلون عنه الذين يتناقص عددهم شيئًا فشيئًا في استصدار الإجازات والرُّخص؛ ويُقال إن روكفلر اشترى العضوية في مجلس الشيوخ بالولايات المتحدة لعم أمين صندوقه، وأن وكلاءه كانوا يترددون في أبهاء المجالس التشريعية الصغرى.

ولكن أنباءه أخذت تتسرب شيئًا فشيئًا، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل افتضح الأمر دفعة واحدة في جملة من التهم — ولقد بالغ الناس في الأمر، فكان إذا رفع أحد دعواه أمام القضاء على شركة روكفلر — وما أكثر هذا — سارعت الصحف إلى نشر الاتهام في صخب وضجيج — مع أنها شركة لها من ثروتها ما يحول دون اتهامها. وقد أفلحت الصحف غير مرة في إثارة الناس على اتحاد الشركات، أو قُل كان أعداء هذا الاتحاد يتخذون الصحف وسيلة لإثارة الناس؛ أما روكفلر فلم يزل في كل مراحل حياته ينفث العداوة والمقاومة حتى شعر كل تاجر إذ ذاك أنه على الرغم من وجوده في بلاد الحرية، فإن شركة روكفلر تتهدده بالإفلاس إذا لم يذعن لقوانينها. وقد كان يلوح في تلك الأيام الزاهرة أن في العالم ثراء يكفي الناس جميعًا، ولكن سرعان ما آمن الجميع بأن الجشع الفاجر وحدَه قمينٌ أن ينشر الفقر في أرجاء البلاد، من أجل صناعة واحدة. وفي الحق إن روكفلر قد وُفِّق في سياسته توفيقًا عظيمًا، حتى لم يَعُد أحد يشعر بأمن، فما يدري صغار الصناع في كل فروع الصناعة حين يأوون إلى مخادعهم، إن كانوا سيستيقظون فيجدون معاشهم المستقل يتهدده لون جديد من الخطر. ولم يسع المستهلك العادي إلا أن يعتقد بأن شركة روكفلر ترفع ثمن الزيت وتُعنى باستمرار ارتفاعه، فلا تهبط به إلا إذا أرادت أن تهوي بتاجر إلى الإفلاس. وقد غدت مقاومة اتحاد الشركات غايةً رئيسية لسياسة الأحزاب، حتى انتهى الأمر إلى ثورة تشريعية أدت في عام ١٩٠٧م عند الفراغ من إحدى القضايا الكبرى إلى أمر شركة روكفلر للمرة الثانية بالحل، وأن تدفع للدولة تسعة وعشرين مليونًا من الريالات مقابل التكاليف والعقاب، ويُقال إن روكفلر تلقى هذا النبأ وهو يلعب الجولف. فسكت هنيهة ثم قال: «إن في الوقت متسعًا قبل تنفيذ هذا الحكم.» ومضى في لعبته.

ولكن الغرامة لم تُدفع والحكم لم يُنفَّذ؛ فقد تظاهر في سنة ١٩١١م بحل الشركة، ولكن أحدًا لم يتوقع قطُّ أن شركة روكفلر ستغيِّر شيئًا من وجهتها أو سياستها؛ لا، بل أُشيع أن روكفلر أفاد ثروة أخرى في سوق الأوراق المالية حين أحدث في أسهم شركته حركة سابقة لأوانها، ولم يصدِّقه أحد حين زعم أنه تنحَّى عن إشرافه على شركته عام ١٨٩٥م؛ أي في الوقت الذي كان مفروضًا أن تُحل فيه الشركة، وأنه لم يَعُد في الحياة إلا فردًا كسائر الأفراد، لا يُعنى إلا بشئون أسرته وبما ينفق من أوجه الإحسان؛ فقد كانت الأفكار السائدة إذ ذاك تملي على الناس هذا الموقف إزاءه، فلم يصدقوا كلمة واحدة مما أقسم رجال روكفلر على صحته، إلا إذا كان قولهم في غير صالح الشركة، وقد حدث مرة أن حُوكم رجل بتهمة إتلاف خط من خطوط الأنابيب التابعة لشركة روكفلر، فاعترف المتهم بسرقته مقدارًا كبيرًا من زيت الشركة فبرَّأه المحلفون على الفور.

ولكن هذا المقت الذي أحسه الناس نحو روكفلر قد أخذ ينمحي، وقد يُعزى ذلك من جهة إلى شيخوخته، ومن جهة أخرى إلى حرية مبادئه، غير أنه راجع فوق ذلك إلى تغيُّر في وجهة النظر لفائدة عمله؛ فقد كان المثلُ الأعلى في المجتمع الأمريكي أيام صعود روكفلر أن تقوم في البلاد طائفة من المشروعات الصغيرة المستقلة الناجحة، التي من شأنها أن تثير تنازعًا قويًّا يؤدي بالكثيرين إلى الفشل، ولكن ميدان العمل مع ذلك يكون فيه متسع من الأمل لكل إنسان بأن يكون في عمله كجاره أو يفوقه قليلًا لنشاطه، فهو تنافس لا يشوبه الدهاء الخبيث، وكل إنسان يصيح بملء فيه «عِش واسمح لغيرك أن يعيش»، و«أفسحوا في مجال الفرصة لكل إنسان». والحق أن هذا المَثل الأعلى قد أنتج حياة كئيبة ضيَّعت مجهود المجتمع، حياة التنافس الضيِّق والقتال العنيف والنصر الوضيع، وفسدت السياسة من أساسها وفقد القضاء ثقة الناس فيه. والصحف تصخب بغير رادع من الضمير، ولم تَسرِ في الناس روح الخدمة العامة، ولم يكن لهم «حاسة الدولة» ولم يعرفوا غرضًا يتعاونون على بلوغه، وكان العالم يسمح للنزعة الفردية بالنمو. تلك كانت الدنيا التي وُلد فيها ج. د. روكفلر بما له من قوة الدأب على بلوغ غايته، ومقدرة على التنظيم تفوق ما لسائر الناس، وقد عُرف فيه صفاء الذهن وقوة الابتكار، ولكن يعوزه زاجر الضمير في عالَم مبلبل الفكر لا ضمير له، إنه لم يكن في حياته أخبث ممن يعيش بينهم، ولكنه عرف بغير شك كيف يحيا حياة الشر أمهر من سواه. وهكذا امتلأ العالم من حوله بمقاومة صرعاه وشكوى المغلوبين الذين كانوا قبلُ من الغالبين، وإن معظم ما كُتب ضده من المؤلفات لتزخر بالآراء المتناقضة كالقول بأن الرجل لا ينبغي أن يسرف في منافسته إن كان يعيش في عالمٍ قوامه التنافس.

ويستحيل على مَن يعلم شيئًا عن الظروف التي نشأ فيها روكفلر أن يعتقد بأن تجديد نظام العمل الخاص والارتفاع به حتى يتسع نطاقه ويصبح قوة عالمية يمكن أن يتم مع الجور والعدل اللذين يمليهما الضمير؛ إذ لو كان كريم المعاملة لاستغل أعداؤه ذلك الكرم، ولو كان عادلًا لأُسيء فهْم عدله؛ لهذا سار في منازلة منافسيه وفق قواعد التنافس التي شهدها حوله، فقضى بذلك على المنافسة — وكان ذلك منه فضلًا عظيمًا في عالم الاقتصاد — ولو كان نجاحه عارًا لأُلقيَت التبعة على نظام التنافس؛ لأن روكفلر قد مثَّل في شخصه مبدأ الفردية إلى أقصاه، فوصل به إلى نتيجته المنطقية وهي الاحتكار. ولعل أحسن ما وُجِّه من النقد الوضيع لخطته في الحياة أنه لم يَجُدْ بإحسانه الباهر الرائع إلا ليُسكِت ألسنة النقد أو ليكفِّر عن نفسه من غضب الله الذي يؤمن بعقيدته الدينية، غضبًا لا محيص عنه. ومما يؤاخذ به أنه خالف معظم السراة الناجحين المغامرين في ميدان الصناعة في زماننا هذا؛ فلم يشترِ «اليخوت» والقصور والنساء، ولم يرعَ المسارح، ولم يقامر، ولم ينشِّئ أبناءه على التبذير. ولكن ألد أعدائه لا يتهمه بأثر واحد من آثار الحذلقة التي عهدناها في محدِثي الغنى؛ نعم إنه حطَّ من قدْر المجالس التشريعية واشترى أعضاءها بالمال، ولكنه لم يفعل ذلك إلا لأنهم كانوا يُشْتَرَوْن، ولم تكن غايتهم الخدمة العامة. وهكذا أخذ يكبُر وينمو في كل مراحل حياته، وإن يكن قد تغيَّر على مرِّ الأيام، فتطور فيه اليافع الذي نشأ على فضيلة الدين والاعتماد على النفس، والذي يوفِّر بضعة ريالات في كل أسبوع وينتهز الفرصة السانحة بكل قوِّته، حتى أصبح عَلمًا في إدارة الأعمال، وامتدت آراؤه وآثاره من تنظيم الأنابيب إلى تنظيم البحوث العلمية، مستعينًا في كلتا الحالتين بدقته التي لا تفسد بالعاطفة.

لقد حاولنا أن نسوق الحقائق عن هذا الرجل النابغ، وأن نبسُطها أمام القارئ ليتدبَّرها ويرى رأيه فيها. ومما أُخذ عليه حطُّه من مقاييس العمل في أمريكا، وذلك حقًّا ذنبٌ لا يُغتفر، ولكن هل فعل ذلك؟ لقد عاش في الدنيا التي عاش فيها جاي جولد وهتي جرين، فإن لم يكن قد رفع مستوى التعامل كما فعلت أسرة روتشيلد، فهل نزل به؟ إن وجهًا من وجوه روكفلر كان لا بد من ظهوره في أمريكا، ومن خير العالم المحض أنه كان كتومًا دءوبًا لا تشوبه شائبة من الغرور الدنيء وحياة الشهوة والميل إلى الشغب، وقد يروعك دأبه وقسوته اللذان لا يعرفان سبيلًا إلى العطف، ولكنه رغم ذلك قوة دافعة إلى الأمام، وعامل قوي على الإنشاء. ولما كان الشبيه يلد الشبيه، فقد عمل على تكوين أسرة، ولم يكن يقصدها لذاتها، بقدْر ما أراد أن ينشئ هيئة عظيمة للبحث العلمي يخصص أسرته لخدمتها.

توماس ألفا أديسون

إذا جاز أن نستثني «جورج ستيفنسن» مخترعَ القاطرة البخارية، فلن نجد بين الناس مَن أضاف إلى الثروة أكثر مما أضافه أديسون؛ فلا شك أن عقله أنبغ العقول المعروفة التي خصَّت نفسها لتطبيق العلم تطبيقًا تجاريًّا. وُلد أديسون في عام ١٨٤٧م، في ميلان من أعمال أوهيو، ولم تتجاوز دراسته المنظَّمة ثلاثة أشهر في مدرسة عامة في بورت هرن، بولاية متشيجان، وتعلَّم القراءة والكتابة في منزله. وأما سائر ثروته العلمية العظيمة فقد حصَّلها بنفسه مدفوعًا بحب استطلاع لا يَفتُر، وكان أوَّل مُختَرع له آلةً لم يكن أحد بحاجة إليها — آلة يستطيع بها أعضاء جمعيةٍ ما أن يدلوا بأصواتهم بضغط طائفة من الأزرار، فتسجل الآلة الأصوات وتَعُدُّها — وكانت بالغة الدقة في عملها، فرفض المجلس التشريعي استخدامها لأنها تَعُدُّ الأصوات في دقةٍ أكثر مما ينبغي، فكان هذا الرفض عميق الأثر في نفس المخترِع الناشئ، وصمَّم منذ ذلك الحين ألا ينتج إلا ما يحتاجه الناس، لا ما ينبغي في رأيه أن يحتاجوه، فحفَّزه هذا العزم أن ينشئ ست صناعات جديدة هيأت عملًا لملايين الأفراد، واتسع بها نطاق المدنية وامتد أفق الحياة حتى كاد يشمل مَن يعيش في ظلال هذه المدينة جميعًا. ويقول عنه هنري فورد إنه زاد من كفاية الصناعة في العصر الحديث، وهو يُرجِع الفضل إلى أديسون في أن أصابت أمريكا من النجاح أكثر مما أصابته دولة أخرى على وجه الأرض.٧

وقائمة مخترعاته أطول من أن نسوقها هنا — فقد سجَّل ألفًا وخمسمائة اختراع يقف المرء إزاءها مشدوهًا لشدة تنوُّعها وبُعد شأنها على السواء — فهو الذي جعل المسرَّة في حيِّز الإمكان، وصيَّر البرق وسيلةً عامة من وسائل الاتصال، وأنشأ سراجًا وهاجًا (على رواية السير جوزيف سوان) يرسل ضوءًا يكفي عمارة بأسرها، ولزيادة نفع ذلك السراج، أعد جهازًا كاملًا يولِّد التيار وينشره. وهاك ما يرويه عن نفسه: «كان لا بد لي من إعداد كل شيء: المولدات الكهربائية، وضوابط السرعة، وآلات القياس، والأزرار، والأشرطة، والثوابت، والموصلات التي تمتد تحت الأرض، وطائفة غير تلك من الأجزاء التفصيلية حتى شريط العزل، فكل شيء جديد مبتكر؛ إذ لم يكن في العالم من هذه الأدوات إلا الأسلاك النحاسية، وحتى هذه لم يكن يتحقق فيها العزل التام.»

ولم تكن كفاية المولدات الكهربائية إذ ذاك إلا أربعين في المائة، فجاء أديسون بمولِّد كفايته تسعون في المائة، وكان هذا خطوة إلى الأمام في الطريق المؤدية إلى تحرير الصناعة من الآلات العتيقة لتحل محلها الآلات الحديثة السريعة، وكذلك جعل الآلة الكاتبة أداة عملية، وساهم في تهذيب «بطارية الخزن» Storage Battery واخترع مكبِّر الصوت، والحاكي، والخيالة التي كانت بداية السِّنما كما هي اليوم، وأنشأ أول ما عُرف من العربات الكهربائية، وابتكر القطار الكهربائي — ولكن الألمان سبقوه في هذا، وابتدع طرقًا لصناعة الأسمنت واستعماله عملت على أن تُستخدم هذه المادة في البناء وتُتَّخذ وسيلةً فنية لعزل الحديد الموجود في الرمل وإذابته، وابتكر أوراق الشمع وآلة للطباعة بها، وهي تفيد في طبع الخطابات نسخًا عديدة، وكان له إبان الحرب تسعة وثلاثون اختراعًا نفع بها أسطول الولايات المتحدة، وقد اعترفت له أمَّته بأنه من أعظم رجالها الأحياء، ولكنه اضطر رغم ذلك أن يشكو من القائمين بأمر الأسطول لأنهم لم يحفلوا كثيرًا بمخترعاته التي قدَّمها إليهم.
وما أعظم قائمة اختراعاته، على الرغم من أن النظرية، والخطوات العملية الأولى في معظمها كانت قد تمَّت على أيدي آخرين، ولْنسُق المسرةَ مثالًا لذلك؛ فقد أنشأ نظريتها «رِيس» من أهل فرانكفورت، قبل أن تُستخدم بسبعة عشر عامًا، ثم جاء الأستاذ «بل» وأعدَّ جهازًا يحمل الصوت مدى عشرين أو ثلاثين ميلًا، ثم تبعه أديسون فاستخدمها في شئون التجارة، بعد أن كانت مجرد تجربة رائعة،٨ وذلك بعينه ما حدث في سراجه الوهَّاج؛ فحينما كان يفكر في إعداده أديسون بأمريكا، وسوان بإنجلترا، كان السائد مصباحًا دائريًّا يبعث فحمُه صوتًا كالفحيح وضوءًا خافقًا، وقد بطُل استعماله اليوم، وكان الناس يستعملون للتوصيل الخيطَ الوهَّاج الرديء، وهو الخيط المعدني الذي إما أن يضيء وإما أن يشتعل، ولم يعرفوا الخيط الفحمي الذي يضيء ولا يشتعل، فأخذ أديسون على نفسه أن يجد خيطًا مُطَمْئِنًا يظل احتراقه فترة طويلة، ومصباحًا يستطيع عامة الناس أن يستخدموه، فيكون رخيص الإنتاج قليل التكاليف في استعماله. وأما اختراعه الهام المبتكَر، فهو الحاكي، وقد لبث زمنًا طويلًا يَعُدُّه لُعبة من اللُّعب. وأما الخيالة فقد عُرفت فكرتها منذ مدة تقرُب من القرنين — وهي أن الصور المتلاحقة إذا انعكست على شبكية العين في سرعةٍ تزيد على حدٍّ معيَّن، أحدثت وهمًا بالحركة — واتفق أن جاء اختراع شريط «السليلويد» في نفس الوقت الذي كان يفكِّر فيه أديسون في الموضوع، ولكنه لم يشغف به شغفًا يدفعه إلى الاتصال بزمرة الباحثين الذين يحاولون بتجاربهم أن يلتمسوا وسيلة تظهر بها الصور على الشاشة، ووُفِّقوا آخر الأمر إلى إخراج السِّنما إلى عالم الوجود.

وقد اتجه بعنايته إلى الكهرباء في بداية الأمر بفضل حادثةٍ عارضة — وكان هذا الفرع من فروع العلم يرتقب رجلًا له مثل مواهب أديسون بصفة خاصة، ولكن كانت الكيمياء أول ما شغِف به؛ فلم ينقطع في صباه عن البدء في المشروعات الجديدة، لعله يكسب بها مالًا يشتري به الكتب والأدوات لتجاربه — إذ كان ينبغي أن يطالع كلَّ ما كُتب عن كل نقطة، وأن يُجرِي كل تجربة بنفسه؛ لأنه تبيَّن أنه يفيد من النظر إليها بعينيه حقائق أكثر مما جمعه مبتكروها، أو على الأقل أكثر مما سجَّلوه.

ولكن هذه الطريقة في العمل باهظة التكاليف على فقر أبويه؛ فأبوه تاجر غلال وأخشاب، وأمُّه معلمة، ولما كره المدرسة علَّمته أمه المبادئ الأولية التي استعان بها فيما بعدُ على تعليم نفسه، حتى إذا ما بلغ الثانية عشرة من عمره، استُخْدِم بائعًا للصحف في أحد الخطوط الحديدية التي تمتد بين بورت هرن ودتروا، فأضاف إلى عمله هذا أعمالًا كثيرة أخرى ابتكرها بنفسه فافتتح الحوانيت في بورت هرن، واستخدم بعض الغلمان يبيعون الخُضَر في دتروا، ويبيعون المؤن للمسافرين في القطارات التي تمر بذلك البلد، وأصدر صحيفة أشرف عليها بنفسه، وكان يطبعها في القطار ذاته في معملٍ هيَّأه في إحدى عربات الأمتعة، وكان يُرجى له أن يبلغ بها حدًّا بعيدًا من النجاح، لولا أنه أشعل النار في العربة بمادة الفسفور، فحُرم المعمل وطُرد من القطار.

واشتغل بعد هذه الحادثة عاملًا في البرق — فهو من أولئك النَّفر الذين يقتدرون على علم ما يريدون العلم به، وأن تبلغ بهم الخبرة فيما يعلمون حدَّ الإخصائي الخبير، فلما مهر في أعمال البرق استطاع أن يجد العمل أينما شاء، فأخذ يجول في أرجاء كندا والولايات الشمالية الشرقية بضع سنين، يشتغل في البرق حينًا آخر — وهو عمل يقتضيه أن يملأ الفجوات الشاغرة في أحاديث الأعضاء التي تنشأ من فساد الآلة المستعملة في ذلك الحين — ومضى في تلك السبيل مخلِّفًا وراءه عددًا من الاختراعات الصغيرة التي لم تدرَّ عليه مالًا، بل جرَّ مخترَع منها عليه إشكالًا خطيرًا.

ذلك أن عمله كان إرسال الرسائل الحين بعد الحين في جوف الليل من المحط الذي كان يعمل به إلى المحط التالي له في الطريق، فاخترع آلةً تنوب عنه في ذلك العمل؛ فحدث ذات مساء أن استُدعي لأمر هام فلم يُجِب، فقصدت جماعةٌ إلى مكانه تبحث عنه فألفته غارقًا في نعاس مطمئن بجانب آلته.

وسنحت له أول فرصة حقيقية حين كان في نيويورك آتيًا إليها من بوستن — حيث اخترع مسجل أصوات الجمعيات — ليبيع فكرة آلة برقية يمكن استخدامها لإرسال رسالتين في اتجاهين متضادين في آنٍ واحد، فأخذتها عنه «شركة تلغراف المحيط الهادي»، ويُقال إنها أفادت منها ربحًا عظيمًا، ولكنها أبَت أن تَنْقُدَ المخترِع شيئًا من المال. وبينا هو يسير يومًا، إذ شاهد حشدًا صاخبًا من الناس أمام أحد المكاتب، فوقف مشدوهًا يستطلع الخبر، فعلم أن آلة البرق في سوق الأوراق المالية قد أصابها العطب، وذاع بين الجمع أن المضاربين قد أفسدوا الجهاز ليحولوا دون ذيوع الأنباء، فدخل أديسون من فوره المكتب، وعرض أن يصلح العطب في ساعة واحدة، وقد أنجز وعده، فعُيِّن في مقابل ذلك مديرًا فنيًّا لتلك الشركة The Gold Roporting Company براتبٍ قدره ثمانمائة ريال في الشهر.

فكانت تلك أول ما شغل من الوظائف العالية، ولم يوفِّر في تلك الوظيفة مالًا فحسب، بل أُتيح له أن يلتقي برجالٍ كان له في أنفسهم أطيب الأثر، فأصبحوا فيما بعدُ من عملائه. وسرعان ما أنشأ شركةً صغيرة أسماها «شركة بوب وأديسون» وأقام فيه مصنعًا أخذ ينفق معظم وقته فيه لإجراء تجاربه، وهنالك ابتكر عُدَّة في جهاز من أجهزة سوق الأوراق المالية استطاع أن يبيعها بأربعين ألفًا من الريالات؛ ومنذ ذلك الحين أخذ سيل مخترعاته يتدفق تدفقًا لم ينقطع.

ويظهر أنه لقي في أول أمره عسرًا شديدًا في بيع مخترعاته تلك، وهذه ناحية لذيذة جدًّا وجديرة بأن نقف عندها طويلًا لشدة اتصالها بموضوع هذا الكتاب؛ فقد كنا ندرس في الصفحات السالفة جامعي المال، ولكنا الآن بصدد شيء آخر، بصدد رجل مبدع أُقحم في تحصيل المال إقحامًا، ومع أنه كان يؤدي واجبه مدفوعًا بعواملَ تختلف أشد الاختلاف عن حافز المال؛ فقد أخذ جامعو المال يقفون حجر عثرة في سبيله، وتمكَّنوا من هزيمته حينًا بعد حين. ومما يُروى عن شركة إنجليزية أنها اشترت جهازًا آليًّا للمسرة وأبت أن تدفع له ثمنًا، وأن بعض الشركات الأمريكية شغلته بإقامة الدعاوى عليه أمام القضاء ولم تأجُره على عمله إلا مُكرهةً مغلولة اليد. ولكنه بلغ من ذيوع الصيت لدى شركات البرق مبلغًا حدا بتلك الشركات أن تعرض مشكلاتها عليه ليحلها لها. ولقد استطاع أن يوفِّر في أربعة أعوام ما يدنو من نصف مليون من الريالات، وعندئذٍ ابتنى المعمل والمصانع والمكتبة والدُّور في حديقة مِنْلو، التي طبَّق صيتُها الخافقَين فيما بعد.

وانحصر مجرى حياته منذ ذلك الحين، فتزوج، وأخذ ينفق الجزء الأعظم من حياته في المعمل بين عماله وأعوانه، وطفِق خلال ذلك ينتقل من بناء إلى بناء، ويقصد إلى أوروبا بين آونة وأخرى، ليقدم مخترَعًا، أو لينزل ضيفًا على مستضيف. كان يتناول معظم وجباته في معمله ويستقبل أضيافه، وينشد مع عماله الأناشيد في أوقات الفراغ، وكانت طرائقه في العمل مع هذا بالغة من الدقة أقصاها — فيبدأ الموضوع من أوله، ويطالع كل شيء، ويجرِّب كل شيء، ويسجل كلَّ ما يَعنُّ له في مذكراته، ولكنه عرف كيف يحيط نفسه بأكفاء الرجال، وكيف يتصل بأعلام الفكر صلةَ تعاون، وكان يسعه أن يصل في عمله الليل بالنهار إذا أراد ذلك، فلا ينام إلا إذا فرغ من عمله. ولم يكن الزمن يعني عنده شيئًا؛ فقد نزع العقارب من ساعة معمله، وكان يريد من أعوانه أن يعملوا على غراره الفذ. وهكذا تشتد رغبة الإنسان إلى العمل الذي يُشغف به كائنًا ما كان، وهكذا قويت عاطفة أعوانه نحو ما يعملون، وازدادوا ميلًا إلى عبادة بطلهم حتى رضي أكثرهم بنظام العمل المتصل، بل وأحسوا فيه لذة ومتعة، وكان إذا خُيِّل لأحد عماله أنه من المهارة بحيث لا يسير العمل بدونه، وأخذ يملي الشروط التي يرى أن يعمل بمقتضاها، سارع أديسون إلى ابتكار مخترَع صغير، وإلى تدبير خطة في العمل، بحيث يصبح في مقدوره أن يتخلص من ذلك العامل.

ولم يَشْكُ الرجل قطُّ كثرة الإنفاق في سبيل عمله؛ فلقد كان لا ينقطع عن تجاربه أعوامًا حتى يبهظه الدَّين، لكي يجرِّب كل وجه ممكن من وجوه التركيب؛ واختبر فيما اختبره في أواخر أيامه ما يربو على خمسة عشر ألفًا من صنوف النبات عسى أن يجد من بينها نباتًا يمكن زرعه في الولايات المتحدة، وينتج محصولًا محققًا من المطاط، لتفيد منه البلاد إذا ما نشبت الحرب. ولقد أنفق أربعين ألف ريال على ما أجراه من التجارب ليحصل على ضوء الكهرباء، قبل أن يوفَّق إلى ما وُفِّق إليه بادئ الأمر من خيط فحمي ساذج، خيط يستغرق احتراقه خمسًا وعشرين ساعة، ويُجهَّز من خيوط الحياكة، ولكنه من ناحية أخرى ظفر بمكافآت مالية عظيمة؛ وكان يقوم بنفسه بصنع مخترعاته بدل أن يبيع حق الصناعة لسواه. وهكذا ألزمته الضرورة أن يضرب في ميدان الأعمال فأجاد؛ فلكي يعمم مصباحه اتفق على بيعه بديا بأربعين سنتيمًا على الرغم من أن صنع المصباح يكلِّفه خمسة وعشرين ومائة سنتيم، ولبث يحتمل هذه الخسارة أعوامًا ثلاثة — كانت نفقة صناعة المصباح تهبط خلالها، بينا يزداد المبيع زيادة سريعة حتى إذا ما جاء العام الرابع، هبطت الكُلَف إلى سبعة وثلاثين سنتيمًا، فاسترد كل ما خسر، واخترع آخر الأمر آلات تصنع المصابيح، فما كان يكلِّفه صنْع المصباح إلا اثنين وعشرين سنتيمًا، ثم باع العمل فيما بعد.

ولم يكن يخفَى أن أديسون ليس ممن يُعنون بالمال من أجل المال، وماذا يلجئه إلى ذلك؟ فليس من شك في أن غريزة التحصيل تختلف عما أُوتيه من المواهب أشد الاختلاف، ولا بد أن تكون أسباب الترف وما فيها من لذائذ قد بدت لهذا المخترع العظيم ضربًا من الحياة الراكدة الساذجة؛ فلم يكن له من وقته متسع ينصرف فيه إلى الإنفاق، ولم يحس الحاجة إلى أن يحيط نفسه بالشواهد البارزة التي تذكِّره بما لقي في عمله من نجاح، وكل ما يرجوه أن يكسب المال ليمضي في عمله — العمل الذي أتاح للإنسانية مَعينًا لا ينضب من الثراء، ومع ذك فلم تَسِر مخترعاته كلها في طريق الرقي — لأن العالم بنظامه القائم اليوم لا يكلف مَن يشتري اختراعًا أن يستثمره إلى أقصى الحدود، بل لا يلزمه أن ينتفع به البتة، فربما بدا لإحدى الشركات أن صالحها يقتضي أن تقاوم مخترَعًا جديدًا دون أن تعمل على إخراجه أو إخراج ما يفضله. وإنه لمما يعود بالخير أضعافًا مضاعفة أن تقوم «دولة عالمية» فلا تقتصر على شراء مخترعات العلماء من أمثال أديسون، بل تشتري العلماء أنفسهم — فتقدِّم إليهم كل ما يريدون ليمضوا في تجاربهم، وأن تتيح لهم حرية التصرُّف في العالم كله، حتى توجَّه النتائج في الطريق التي تعود بالخير على الناس أجمعين؛ ذلك حق واضح، ولكنه مستحيل من الوجهة العملية في وقتنا هذا.

هنري فورد

لا ريب في أن فورد — كأديسون — أسمى خلقًا من الأنماط التي بسطنا لها الأمثلة فيما سبق؛ فله عقل كعقل أديسون يحفزه إلى الإنشاء وحب الاختراع الذي يخفف مجهود الإنسان. وُلد في مزرعة ريفية، وهاك ما يقوله عن نفسه: «إن أول ما تعيه ذاكرتي مما أثَّر في حياتي أنني لحظت أن المزرعة تقتضي عملًا أكثر مما ينبغي، وما أزال أشعر بهذا نفسه في العمل الزراعي … وكان ذلك ما صرفني إلى علم الآلات.»

ولئن كان قد تذرَّع بذلك لإرضاء عقله في عصيانه لرغبة أبيه، إلا أنه في حقيقة الأمر يحب علم الآلات بغريزته حبًّا لاحت مخايله منذ بداية حياته؛ فكانت لُعَبه آلات كلها، ويقول عن نفسه: «إن أكبر حادث وقع لي في تلك الأيام الباكرة هو أنني شاهدت قاطرة من قاطرات الطرق … وثاني الحوادث الكبرى هو أن ظفر بساعة.» وقد اقتبسنا هنا هذه العوامل الثلاثة التي وسمته بطابعها، وحددت منحاه في كلِّ ما أنتج في مستقبله من ضروب النشاط، فهو مهندس بطبعه، وفي ذلك سرُّ نجاحه؛ فتراه في مصانعه يُعلي من شأن الإخصائيين في الفنون الآلية؛ ولما كان المستر فورد قد امتاز، فضلًا عن ذلك، بما له من قدرة عظيمة على التنظيم، فقد استطاع أن يتقدم بمصنعه، وأن يسبق تلك المصانع التي لا يُعنى أصحابها بإتمام العمل بقدْر ما يُعنون بربحه.

ولقد أضاف إلى غايته الأساسية، وهي توفير المجهود البشري، غاية أخرى — وتلك أن يفكِّر بعقله الجبار كيف يصيب توفيقًا إذا أعوزته السوق النافقة؛ فما كان تحصيل الثروة لشخصه جديرًا بعنايته؛ فتراه يرد المال المكسوب إلى العمل لينفقه في تحسين مصانعه: يرفع أجور عماله، ويخفض أثمان منتجاته. وقد كاد يبلغ العمل عنده حد التقديس؛ فخصَّص حياته له، وهو محور فلسفته التي يبسطها في مؤلفاته، ويؤمن بهذه النظرية إيمانَ مَن بدأ الحياة مسترشدًا بقليل من الأفكار البسيطة، ثم مضى في تنفيذها حتى أصبح بفضلها علمًا ذائع الصيت يدير صناعة عظيمة.

وقد قام بادئ الأمر بتدريب في علوم الآلات، مستعينًا بساعته، فما أن بلغ الثالثة عشرة حتى كان في مُكْنته أن يَحُلَّها قطعة قطعة ثم يُعيد تركيبها، بحيث تدل على الزمن الصحيح، فلما بلغ عامه السابع عشر استأذن أباه في أن يكون تلميذًا في أحد مصانع الآلات. وكان يقضي أمسيته في العمل مع صانعٍ للساعات، ثم اعتزم ألا ينصرف بكليته إلى صناعة الساعات التي لا تساوي الواحدة منها أكثر من ثلاثين سنتيمًا؛ لأنها ليست ضرورة للناس أجمعين، وخيرٌ له أن يخترع قاطرةً آلية تقوم بالأعمال الزراعية الشاقة، وبالحرث بصفة خاصة، ولتحقيق هذه الغاية شغل منصبًا في إحدى الشركات حيث تسنح له فرصة العمل في قاطرات الطرق، على أن ينفق فراغه في مصنع صغير أعدَّه في داره ليحاول إنشاء عربة تسير بقوة البخار، وأفلح في ذلك، وانطلقت العربة مدفوعة بالبخار ولكنه سرعان ما تبيَّن أن العربات البخارية لا يتوفَّر فيها الأمن إلا إذا كانت ضخمة، ولكنها إذا كانت كذلك ثقلت بحيث لا تتحملها الطرق الريفية الموجودة إذ ذاك، وتقتضي من النفقة ما لا يستطيعه إلا أغنى المزارعين، أضف إلى هذا أن عامة الناس لم تُبْدِ ميلًا إلى الآلات الزراعية — فلم يعلم المزارعون مدى انتفاعهم بتلك الآلات إلا بعد أن شهدوا ما أحرزته السيارات من نجاح؛ لهذا اتجهت عنايته إلى عربات الطرق، وأخذ يفكر أولًا في عربات خِفَاف قليلة الثمن يستطيع كل إنسان استخدامها، فلم تسعفه في ذلك الشركة التي يعمل فيها (شركة وِسْتِنْجِهَوِسْ) فغادرها «وأخذ يتطلع إلى ضربٍ آخر من ضروب القوة الدافعة».

وكانت القاطرة ذات الأسطوانة الواحدة التي تسير بالبترول في ذلك الحين قد استُخدمت في إنجلترا فعلًا، وطُلب إلى فورد عام ١٨٨٥م إصلاح آلة من هذا الطراز، فابتنى لنفسه آلة على غرارها ليثق أنه أدرك أساس تكوينها؛ ثم بدأ يُجري التجارب لإعداد آلة ذات أسطوانتين، فارتحل إلى دِتْرُوَا وشغل منصبًا في شركة كهربائية هنالك، ولكنه كان يقضي من كل يوم نصفه، كما ينفق أيام السبت كلها يفكر في إنشاء عربة من محض ابتكاره، وكانت العقبة التي اعترضته جهله بما صنعه سواه في إعداد العربات التي تسير بلا جياد وكان عماده الأساسي: «أن زوجته كانت أشد منه يقينًا بالنجاح». حتى إذا ما جاء عام ١٨٩٣م وكان حينئذٍ قد بلغ الثلاثين من عمره، سارت أولى عرباته «سيرًا يرضيه»، ومع أن قوام بنائها قِطَع وشظايا، وانتُزِعت عجلاتها من دراجة، فقد استطاع أن يقطع بها ألف ميل، دون أن تحتاج في سيرها إلى التبريد، ثم باعها بمائتي ريال.

والتقى بأديسون في ذلك الوقت تقريبًا — ولهذا اللقاء أهميته؛ لأنه أثَّر في اتجاه تفكيره من جهة، ولأنه لقي منه التشجيع فيما يتصل بإنشاء عربته من جهة أخرى، وقد رفض منصب المدير العام لشركة أديسون في دتروا؛ إذ اشترط عليه في قبول المنصب أن يطرح التفكير في عربته. فما أقبل عام ١٨٩٩م حتى أحسَّ في نفسه القدرة على استثمار عربته بعض الشيء، فترك منصبه «والتحق بعمل السيارات»؛ إذ لم تكن له المقدرة المالية التي تغذي مشروعًا بأسْره رغم ماله الكثير؛ ولذا أنشأ شركة السيارات في دتروا وأُقيم عليها رئيسًا للمهندسين، ولكنه لم يملك من أسهمها إلا قدرًا قليلًا، فلم يكتب النجاح لهذه الشركة؛ لأن صاحب الفكر المبتكِر وصاحب المال لم يلبثا أن دبَّت بينهما أسباب النزاع. أما فورد فقد أراد أن يُنتِج عربات جديدة أفضل لتكون خطوة نحو توسيع السوق، وأما الشركة فلم تُرِد إلا الربح العاجل، فصعق فورد لهذا الرأي، وهو الرجل الذي ملكته فكرته، وقد دنت سنُّه من الأربعين عامًا خصصها لمجهودٍ انفرد به ليتمم عمله الذي ينشده، ومع ذلك فلم يكن رأي الشركة صائبًا من الوجهة المالية، فلم يسعه إلا أن استقال سنة ١٩٠٢م «مصممًا ألا يرتهن نفسه مرة أخرى بأوامر سواه». ومنذ ذلك الحين حتى يومنا هذا لم يستطع قط أن يسيغ المُثُل العليا التي يضعها أصحاب الأموال نُصب أعينهم، أو ينهج السبل التي يسلكونها؛ فهو حقًّا شاهدٌ قوي على أن تحصيل المال لا يصلح وحده حافزًا إلى العمل.

وأسَّس في عام ١٩٠٣م «شركة فورد للسيارات»، وأول ما بدأ به العمل أن أنشأ سيارة لها من سرعة السير ما يتيح لها أن تجلي في حلبة السباق على السيارة التي كانت لها بطولة السرعة في أمريكا. ثم أسَّس الشركة على أساس الإعلان الذي اكتسبه من ذلك الحادث؛ وكان في المؤسسة الجديدة وكيلًا لرئيسها ورسامًا ورئيسًا لعمال الآلات وملاحظًا ومالكًا لخمسة وعشرين ونصف في كل مائة من رأس المال الذي بلغ مائة ألف ريال؛ فكانت هذه الثمانية والعشرون ألفًا هي كل ما دُفع للشركة عدا ربحها من بيع السيارات. ويقول فورد إنه منذ ذلك الحين لم يعوزه المال قط. فلما كان عام ١٩٠٦م كان ما له من رأس المال قد صعد حتى بلغ واحدًا وخمسين في كل مائة، ثم استطاع بعد ذلك بزمن قصير أن يرفع هذا القدر إلى ثمانية وخمسين ونصف في كل مائة؛ حتى إذا ما كان عام ١٩١٩م ابتاع ابنه «إدْسِلْ فورد» ما تبقَّى من الأسهم بسعر ١٢٥٠٠ ريال عن كل مائة من الأسهم. وهذا يؤيد للمرة الثانية كراهية فورد لشركائه في العمل إن كانوا من الغافلين. وهو لا يُفسِح المجال أمام عامة الناس ليساهم منهم مَن أراد بماله، وهذه الناحية جديرة منا بأكبر العناية؛ فإن حَمَلة الأسهم كانوا قد أقاموا عليه الدعوى يطالبون أن يقسِّم جزءًا من الأرباح بين المساهمين أكبر مما اعتاد أن يقسِّمه، بدل من أن يرده إلى العمل مرة أخرى. ولكن فورد كسب قضيته بأن أقنع القضاة أن حَمَلة الأسهم قد كسبوا من مالهم أكبر قسط ممكن. ولم يحرص على أن تظل الشركة وطيدة الدعائم بشركائه إذا كلفه ذلك أن يعمل ليكسبوا لا ليرضي رغبته في الإنشاء، وحلَّ المشكلة بأن تخلَّص منهم، ولم يبقَ من حَمَلة الأسهم سواه، إلا طائفة من عماله اشترَوا أسهمهم بشروط خاصة فُرضت عليهم فرضًا.

وأدار هذه الشركة الجديدة من أول أمرها وفق خطته، فلم يُرِد أن ينتج للترف، وإنما أراد أن ينتج أداة تستخدمها عامة الناس، ولذلك صمَّم أن يركز عنايته في إنتاج ما تتوفَّر فيه شروط البيع أكثر من سواه، بأن ينتج أقل ما يمكن من الطُّرُز، ويبيعها بأقل ثَمن مستطاع، وأن تكون سياراته خفيفة ما أمكن ذلك، وألا يكون بها مجال للخداع، وأن تكون جديرة بثقة أصحابها، وأعلن أنه يبيع قدْرًا مضمونًا من الخدمة، فإذا حدث عطب مهما يكن نوعه، كان لزامًا على الشركة أن تقلل من خسارة الشاري ما أمكنها ذلك؛ فأتاه ذلك بالشارين أفواجًا بعد إذ كان شراء السيارة موقوفًا على الأثرياء يقامرون بمالهم فيها؛ لأنها كانت في كل لحظة عرضة للعطب؛ ولم تكن ثَمَّ وسيلة للعناية بالسيارة المعطوبة وإصلاحها.

وقد سار بهذه السياسة عام ١٩٠٩م إلى نتائجها المنطقية، وقرَّر أن يبيع طرازًا واحدًا من السيارات، طراز T الذي قال عنه: «إن كل مشترٍ له الحق في طلاء سيارته باللون الذي يريد على شرط أن تكون سوداء.» ولكن على الرغم من أنه لم يعرض للبيع في الوقت الواحد إلا طرازًا واحدًا من السيارات، فقد كان لا ينفك يغيِّر هذا الطراز ويضيف إليه في كل مرة ما يراه الصانع من وجوه الإصلاح، ويُدخِل تحسينًا في طريقة إعداده، وجودة في مادته، وجمالًا في شكله، حتى انتهى ذلك الطراز إلى أن يُستخدَم في بناء السيارة أربعة وعشرون صنفًا من صنوف الصلب.

ولما استقر رأيته على الشكل الذي يصور فيه طرازه هذا، عُني بالسوق ليشق طريقه فيها، وفي ذلك وحده من العمل ما يسد أطماع الكثرة الغالبة من رجال الأعمال. وكانت خطة فورد أن تقوم بالبيع مجموعة مترامية الأطراف من الوكلاء، بحيث تستغرق الولايات المتحدة بأسرها، وحتَّم على كل وكيل أن يتخذ لمقامه بناء نظيفًا جذابًا، وأن يتزود بمجموعة كاملة من الأجزاء البديلة، وأن يستطيع إصلاح العطب إصلاحًا يؤمِّن السيارة من الخطر، وأن يلم بكل شراة السيارات في إقليمه. ولما كان ذلك كله في طريق الإنجاز اتجه إلى نظام الإنتاج ليعمل على رفع كفايته.

ولقد لقي هذا النظام الإنتاجي من وجوه النقد قدْر ما لقيته السيارة نفسها، ولكنه لقي أيضًا من النجاح ما لقيته؛ والفكرة الأساسية فيه هي اجتناب التبديد، فلا تضيع بوصة واحدة من أرض المصنع سدًى، ولا تمضي لحظة واحدة من الزمن هباء، ولا تتبدد قطعة واحدة من شظية أو ذرة من قوة جسدية أو مجهود عقلي. وركَّب فورد محركًا كهربائيًّا في حجرات الآلات لئلا يتقيد في عمله بقيود البكرات والأسطوانات وأشرطة الجلد؛ فمن التبذير أن تستأجر المهندسين ثم تدعهم يعملون كالفَعَلَةِ أو الحمالين، وهكذا زود العمل بما يلزمه من عُدَدٍ وأدوات، بحيث تدفع الآلات القطعة إلى أيدي العمال عند كل مرحلة، فلا يضطر العامل حتى إلى رفع قدميه إذا أمكن ذلك … ولما كان من الإسراف أن يقوم صحاح الجسوم بعملٍ يستطيع أداءه ذوو العاهات، استخدم عددًا كبيرًا من العُمْي والصُّم والعُرْج، وكان يأجرهم الأجور العادية؛ لأنهم في رأيه يستحقون أكثر مما يستحقه العاديُّون من الرجال؛ فهم يغتبطون بالعمل ولا تضيق صدورهم من تفاهته، أو مما يبعثه في نفوسهم من الملل، كما يحدث لهؤلاء الذين يتلفتون حولهم ويتسمعون ضجيج الحياة في الخارج.

ومن التبذير أن ننفق المجهود البشري في إخراج الفحم ونحته ما دمنا جميعًا في حياتنا اليومية ننتج فضلاتٍ قابلة للاحتراق، دون أن نبذل في إنتاجها وقتًا أو فكرًا؛ ولذا أخذ ينشِئ محطات لتوليد القوة حيثما وجد فضلات لإحراقها — وسوف يدير مصانعه الجديدة في داجنهام بالفضلات المهملة في لندن، وعليها سيكون أكبر اعتماده … ومن الإسراف أن تُرسل السيارات على ظهور السفن (وتُدفع عنها رسوم الواردات) ما دام يمكن أن تُحزَم الأجزاء حزْمًا محكمًا فتكون أضيق حيزًا وأيسر نقلًا؛ ولذلك تراه يرسل الأجزاء ليتم تركيبها حيث تُباع في أي بلد من بلاد الأرض، وذلك يتضمن إمكان تبديل أي جزء من الأجزاء؛ أي أنه ينبغي لكثير من الأجزاء أن يبلغ من الدقة جزءًا من ألف جزء من البوصة؛ ولتحقيق ذلك لا بد من ضبط المعايير، مع أنها في حد ذاتها تبلغ من الدقة عشرة أمثال ما تبلغه الأجزاء، ضبطًا يبلغ جزءًا من ألف ألف جزء من البوصة تقريبًا؛ ولكي يبلغ فورد هذه الغاية من الدقة، اضطُرَّ أن يُعِدَّ المعايير بنفسه.

ولكنه انصرف بجهاده الأعظم إلى توفير الزمن؛ فقد كان يقتضيه تركيب السيارة حين بدأ إنتاجه الكبير اثنتي عشرة ساعة وأربعًا وعشرين دقيقة، فأنقص ذلك إلى ساعة واحدة وثلاث وثلاثين دقيقة، بفضل دراسته لكل حركة في سير العمل، وبأن قسَّم كل خطوة في العمل أقسامًا فرعية. وكانت قوالب السبك تقتضيه في صنعها سبع ساعات ولا يمكن استخدامها أكثر من أربعين ألف مرة تقريبًا، فابتكر طريقة تنتج القالب في دقيقتين، وتُصاغ به قِطَع يتراوح عددها من ثمانين ألفًا إلى مائة ألف. واتبع هذه الخطة نفسها، ولا يزال يتبعها في كل جزء من أجزاء مصانعه؛ فهو ما يبرح باحثًا عن آلاتٍ أسرع أداء للعمل أو أقل إجهادًا للإنسان، فلما استثمر طريقة التقسيم في العمل إلى غايتها القصوى، ابتكر آلاتٍ تؤدي الواحدة منها جملة أشياء في كل قطعة قبل ردِّها إلى العامل. ولما أمكن استخدام الكهرباء استخدامًا واسع النطاق في وصل القِطَع بصهرها، صمم أن يستغني عن السبك بكل أنواعه إذا ما أمكن أعوانه اختراع آلات تقوم في كل خطوة من العمل بصهر القطع بدل سبكها؛ فأفاد لسيارته قوة وخفة وبساطة، بتخلُّصه من السبك لما قد يؤدي إليه من ألوان الخطأ، وباطراحه مجموعة الآلات التي لا بد منها لأعمال السبك إذا أُريد إتقانه؛ فإن مبدأ فورد في حقيقة الأمر هو أنه إذا ما بلغ بجانب من العمل حدًّا مرضيًا من الكمال فينبغي ألا يدوم ذلك الرضى؛ إذ يستحيل على أية مرحلة من مراحل العمل أن تبلغ من الكمال في مادتها وإنتاجها حدًّا لا يقبل التحسين.

ولكي يظفر مستر فورد بالحافز الذي ما يفتأ يستحثه على هذا البحث المُلح عن أوجه الاقتصاد، فقد ركن إلى مبدئه الأساسي، وهو ألا يني في زيادة الأجور وتخفيض الأثمان؛ فهو يؤمن بالمذهب القائل بأن واجب الصناعة أن تبلغ حدًّا من النجاح يتيح لعامة الناس أن تبتاع إنتاجها؛ لأنه لو بِيعت هذه المنتجات في أرجاء العالم كله لانتشر المال بين الناس على أوسعِ نحوٍ مستطاع. ولقد لجأ غير مرة إلى نقص الأثمان وزيادة الأجور، لا لأن أرقام العمل الحقيقية تبرِّر هذا التصرف، بل ليتمكن من كثرة البيع التي تنبأ بأن تكون نتيجة لازمة لهذه الخطة، فلما حدث مرة أن لم يزد المبيع الجديد زيادة تكفي لدرء الخسارة، أمعن في خفض الأثمان بدل أن يعود إلى الثمن الأول، فوصل بذلك إلى النتيجة التي قصد إليها. وهو يعلل ذلك بأن السوط المسلَّط على ظهور العمال بسبب ارتفاع أجورهم مؤدٍّ حتمًا إلى كسبٍ جديد يفوق ما يلزم لتعويض الكُلَف الجديدة. ومهما يكن من الأمر فقد حدث هذا كله في وقتٍ اجتاحت فيه الولايات المتحدة أزْمةٌ حادة هبطت فيها قيمة النقد؛ فكانت القيمة الحقيقية لثمنه الجديد لا تقل إلا قليلًا عن ثمنه القديم. وإن ما يسترعي النظر في تصرُّفه أنه استطاع أن يهبط بالثمن هبوطًا يحتفظ معه بما انتهى إلى زيادة حقيقية في قيمة الأجور — وهي براعة يراها العالم كله اليوم ضربًا من المستحيل.

والحد الأدنى لما يدفعه فورد الآن من الأجور في أمريكا هو ستة ريالات في اليوم؛ على أن ستين في كل مائة من عماله يتقاضون أكثر من هذا بفضل نظامه في مكافأة الأكفاء؛ وهو يحدِّد الأجور في البلاد الأجنبية بحيث تتساوى مع هذه مساواة فعلية بعد تحويلها إلى عمْلة البلاد التي تُدفع فيها، ويقول إن أجر الدقيقة الواحدة للرجل الواحد في مختلف الأقطار يتناسب تناسبًا عكسيًّا دقيقًا مع مستوى ما يُدفع من الأجور. وكانت شركة فورد خلال الأعوام التسع عشرة التي كانت تنتج أثناءها طراز T المعروف، تدفع من الأجور والرواتب ما يكاد يبلغ ألفي مليون من الريالات. فإذا أضفنا إلى ذلك مكافآت الوكلاء والعمال الزائدين الذين يُستأجرون في مخازن السيارات (الجراجات) وفي محالِّ الإصلاح، بلغ المجموع ما يقرُب من خمسة آلاف ونصف ألف مليون من الريالات، ولا يشمل هذا أجور العمال في طرقه الحديدية ومنابع الزيت ومزارع المطاط والمناجم التابعة له. ولا يقل ما تدفعه الشركة فيما تشتريه عن خمسة آلاف مليون من الريالات إلا قليلًا؛ فهو مصيب إن زعم أنه يخطو خطوة فسيحة نحو سعادة الأمم على اختلافها.

فهو في سبيل هذه السعادة، ولكي يوفِّر أجور النقل الباهظة، نشر مصانعه وما يتبعه من محالِّ التركيب في أرجاء الأرض كلها، وهو يحب أن يوازن بين ما يتدفق في خزائن الشركة من أموالٍ جاء بها العمل وبين ما يقابل ذلك مما ينفق أجورًا ورواتب. وهو يؤمن فوق ذلك بوجوب تنظيم العمل تنظيمًا يهيئ للعامل أحسن حياة ممكنة ويَعُدُّ المدن الصناعية الكبرى محنة؛ إذ يرى أن الحياة العادية تقتضي أن يعمل الإنسان صيفًا في أرض فضاء، وأن يلجأ إلى كنَف المصانع وضوئها في الشتاء؛ وأعدَّ بالفعل جملة مصانع في الولايات المتحدة أسَّسها على هذا النسق، ويُقال إنه أقام مصانعه في كِنْتَكي وفرجينا عند فوهات المناجم ليستطيع العمال أن ينفقوا في المناجم نصف ساعات العمل فقط، وأن يكسبوا عيشهم بقية الوقت بالعمل في الآلات.

ولم يبرح فورد يوسِّع عمله في نفس الوقت الذي كان ينفذ فيه كل ما يقتضيه هذا النظام من أعمال، وأضاف إبان الحرب إلى صناعة طراز T طرازًا آخر من آلات الزرع للحكومة الإنجليزية، كما اضطلع بصنْع أشياء كثيرة صغيرة لحكومة بلاده. ولما كانت هذه الآلات الزراعية تحقِّق عنده أمنية قديمة جدًّا، فقد أنشأها على أساسٍ يخفِّف عناء الزراعة ويقلل نفقاتها — وهي لا تصلح لأعمال الزراعة وحدها، بل يمكن استخدامها مولداتٍ للقوة خفيفة ميسورة النقل، وقد أبطل طراز T منذ الحرب — ذلك الطراز الذي باع منه خمسة عشر مليونًا — واستبدل به سيارة بُنيت على أساسٍ أحدث، وكذلك أخذ على نفسه أن يصنع سيارة فاخرة — سيارة لنكولن — أضف إلى هذا أنه اضطر أمام ما تتعرض له وارداته من المواد الغفل من تأخيرٍ يحدث حينًا بسبب الحوادث العارضة، وحينًا آخر بسبب القائمين بالعمل، أن يشتري خطًّا حديديًّا (وكان أن ربح الخط لأول مرة بعد أن تولى هو إدارته) ومناجم ومزارع مطاط وآبار زيت، كما اضطر أن يصنع بنفسه الزجاج والقماش وسائر صنوف المواد التي تتطلبها صناعة سيارته.

والواقع أنه يملك الآن شركة جبارة تبلغ عنان السماء.

وليس من شأن هذا الكتاب أن يبحث مستر فورد من ناحية دعوته للسلام أو إساءته إلى سمعة اليهود وأصحاب الأموال، أو شغفه بالفنون شغفًا جعله يهدي إلى مستر جست — وهو شاعر دتروا الوطني — سيارة في كل عام، ولبث على ذلك سنوات عدة، أو حبه للطبيعة حبًّا دفعه أن يهيئ في حديقته أعشاشًا للطير علَّقها على زنبركات مرنة من الصلب لتستخدمها الأفراخ الصغيرة دون أن تعكر العصافير صفوها، ولكن ما يمس موضوعنا مسًّا أشد من ذلك كله أنه أنشأ مستشفًى كبيرًا نموذجيًّا، ولا يزال يمدُّه بالمال، أعدَّه خاصة لكي يقاوم أخطاء الأطباء فيما يتصل بمهنتهم، وأنه يدير مدرسة للصبيان يدرِّب فيها التلاميذ على صناعات فنية كثيرة، وهم يكسبون منذ بداية حياتهم أجرًا كبيرًا. إنه قدم إلى العالم كل هذا إلى جانب السيارة والآلة الزراعية التي خفَّفت عناء العمل عن ملايين الأفراد، وقدَّم كذلك عمله الضخم، وهو مَثَل قوي يُساق تأييدًا للنظام الرأسمالي والفردي؛ إذ يوضح ما يمكن أن يؤديه ذلك النظام — إذا اتُّبِع على خير وجوهه وزال عن صاحبه الجشع وحلت محله الرغبة الصحيحة في الأخذ بيد الإنسانية. ومع ذلك فقد وُجِّه إلى نظامه الإنتاجي أمرُّ النقد على أنه ضرب من الطغيان، وأنه عنيف يسحق العمال سحقًا؛ وإنه لطغيان حقًّا، ولكن هذا هو الذي جعله مثالًا هاديًا، وأما بقية التهم فالأمر يحتاج إلى شيء من الموازنة ليس هذا مكانه. غير أن الأرقام التي يقدِّمها عن متوسط أمد اشتغال العامل لا تدع مجالًا للشك في أن العمال لا يبذلون مجهودًا جثمانيًّا يبلغ من العسر أن يعجِّل بموتهم. ويلوح لنا أن أوجه النقد تضيق حتى تنحصر في الآتي: وهو أن العمل يستغرق العمال إلى أقصى الحدود، فإذا فرغوا منه لم يسيغوا إلا أدنأ الملاهي، ولا يكون في مقدورهم القيام فوق عملهم بما يجعل منهم مواطنين نافعين. ولكن هذا النقد يمكن توجيهه بحقٍّ إلى رجال الأعمال جميعًا على اختلاف طبقاتهم وأوساطهم الاجتماعية في كل بلد من بلاد العالم؛ وإن هذا ليستوقفنا مرة أخرى لنلقي نظرة إلى مشاكل التربية التي تُعنى بهذا الجانب، وإلى طريقة انتفاع الناس بفراغهم.

وإذا أردنا أن نلخِّص القول فيما عمله مستر فورد وما كسبه بذلك العمل لما استطعنا أن نقطع بحكمٍ له أو عليه؛ فقد أُوتي عقلًا جديرًا بالثقة في شئون المال، وخير لنا أن يجمع من المال ما يستطيع — فسوف يستخدمه لخيرِ غايةٍ، وسوف ينفقه على نحوٍ يرضيه ويستحث الهمم.

ألفرد لُوِنِشْتَين

نعود هنا مرة أخرى بعد الأمثلة التي بسطناها لجمع الثروة من أعمال الإنشاء لنتدبَّر نمطًا آخرَ من جامعي المال، ولا يجمع إلا لمجرد التحصيل المحض؛ فبينا نرى حوافز الاختراع وشحذ وسائل النقل يظهران ظهورًا واضحًا في مؤسسات صناعية كبرى مثل «شركة الزيت المثلي» و«الشركة الإمبراطورية للصناعات الكيماوية» و«شركة الصلب بالولايات المتحدة» وما إليها، نرى إلى جانب هذه الأعمال الإنشائية الضخمة ألوفًا من الناس لا يريدون إلا أن يكونوا أثرياء بانتهازهم لسوانح الفرص. ولقد درسنا الأساليب العتيقة في جمْع المال، وضربنا لها مثلين: المسز هتي جرين، وأسرة روتشيلد، وأظهر ما يميز هؤلاء الناس اختطافهم للثروة؛ فالثروة الموجودة لا تزيد ولا تنقص، وكل ما يصنعونه أن يجمعوها يبن أيديهم، وسنرى الآن كيف تمكَّن هؤلاء من اختطاف الثروة في ظروف الحياة الحديثة، فاستبدلوا الطوائر بقوارب السِّماكة التي كان ناتان ماير روتشيلد ينتبذ ركنًا من أركانها، على الرغم مما يرونه اليوم في الحياة من أمثلة جريئة يصح احتذاؤها، كإنشاء الخطوط الحديدية وسيادة الزيت، وسنتخذ مَثلًا لذلك ألفرد لونشتين الذي لاقى منيَّته في حادثةٍ وقعت عرضًا أو عمدًا، حين سقطت طائرته وهو يعبُر بحر المنش؛ وهذا الرجل خير مثال يُساق للمالي المغامر في هذا العصر، للمالي الذي لا يخلق الثروة خلقًا، ولا يبتاع الثروة القائمة، بل يتصيدها من شبكة الوجود يضمها في قبضته.

ولا يزال موته محوطًا بالغموض؛ فقد انتهى البحث المبدئي إلى أن وفاته جاءت قدَرًا، ولكن عاد الباحثون بعد موته بأسبوع أو ما يقرُب من أسبوع وكشفوا عن جسده الذي فحصه الدكتور لويس، وهو طبيب فرنسي خبير بعلم الأمراض، وقرَّر أن بالجسم مادة سامة، ويظهر أن لونشتين كان مغمورًا بأعمال مالية واسعة النطاق إلى حدٍّ كبير، وأنه كان فيها خاسرًا، ولكن ليس لدينا ما يدل دلالة قاطعة على حقيقة موقفه عند موته، ويجوز أن يكون موقفه إذ ذاك قد أورده الحتف، غير أننا لا نرتاب في أنه لم يكن قد بلغ حد الإفلاس، ومن الطبيعي الذي لا شذوذ فيه أن يعقب مأساة موته هبوط في أثمان الأوراق المالية التي كان يحب العمل فيها؛ ولكن مجرد القول بموته والسوق تنتابها موجة اضطراب يكفي لتفسير موقفه. وإذن فهذا رجل لاح نجمُه فجأة في عالم المال، يبيع ويشتري في كثرةٍ تصلح لرواية الأساطير.

والأرجح أنه ابن مصرفي صغير في بلجيكا، وُلد عام ١٨٧٤م، ولما أفلس أبوه سنة ١٨٩٢م مدينًا بألف وثمانمائة فرنك (من فرنكات ما قبل الحرب) أعاد الابن مصرف أبيه، وأخذ على نفسه أن يفي عن أبيه ما تعهَّد به، واشتغل وسيطًا في بروكسل، ولبث بضعة أعوام يعمل شريكًا مع غيره دون أن يمتاز بمواهبه، ثم أخذ يذيع في الناس دعوة استثمار أموالهم في بلاد الأرض كلها، وبرع في توجيه الموسرين من عامة الناس إلى ميادين استثمار جديدة، وسنحت له أولى فرصه العظيمة عام ١٩٠٦م حين كوَّن رأس مال لشركة النور وتوليد القوة في ريودي جانيرو، ولم يكن استثمار المال في البرازيل معروفًا إذ ذاك، فلفت أنظار الناس إليها، وكسب مالًا كثيرًا من الأوراق المالية الجديدة. ثم اتجه بعنايته إلى أمريكا الجنوبية ينشئ فيها المشروعات، ولكن طرائقه في العمل لم تسلم من النقد المر؛ فقد كان من أرباب الملايين قبل نشوب الحرب (وكانت ثروته بالفرنكات)، ومن الجائز أن تكون الحرب قد عرقلت تقدمه بعض الشيء، ولكنه على الرغم من نهوضه لخدمة وطنه في إنجلترا (حيث ابتاع الجياد لفرسان الجيش البلجيكي) وفي أمريكا، إلا أنه اتخذ من ذلك نفسه مجالًا للكسب، أضفْ إلى ذلك أن قيمة الخطوط الحديدية وخطوط الترام وشركات توليد القوة وما إليها ارتفعت في أمريكا الجنوبية لِما انتاب أوروبا من دمار وإفلاس، وأخذت العملة (الفرنكات) الفرنسية والبلجيكية تهوي في أواخر الحرب حتى استولت على أصحاب الأموال جميعًا عوامل الشك والفزع، وهنا باتت الثروة تحت أقدام الأيقاظ من الرجال، وكان ألفرد لونشتين من أشد ما عرف الناس يقظة.

ولم يَبْدُ نبوغه العبقري على وجهه الصحيح إلا بعد الحرب، حين أخذ يضارب في نطاق فسيح، مشغوفًا أشدَّ الشغف بمشروعات الكهرباء المتولدة من مساقط الماء وبصناعة نسج الحرير الصناعي؛ وكان يطمح أن يصعد في الغنى حتى يصبح ثالث الأغنياء الأحياء، ولكنه لم يفعل سوى أن دبَّر المال لهذه المشروعات تدبيرًا فدحت نفقاته كلا الجانبين: المشروعات وأصحاب المال. ولا يسعنا إلا أن نرى فيه أنه لم يكن حتى في أزهر أيامه عاملًا فعالًا في العالم الاقتصادي إلا بمعنى الكلمة الضيق المحدود. وقد يكون من آثاره أنه استحث المصارف فحرَّكها من رقادها العميق الذي كان يقف حجر عثرة في أوجه الرقي الجديدة، فلا تسمح لها بتوسيع مناطق نشاطها، وقد لا يكون هذا صحيحًا، ولكن الرجل في جوهره كان دُمَّلًا في وجه الأعمال، بل دُمَّلًا ناتئًا خطِرًا.

ويصور لنا بريفا Privat٩ لمحات من حياته في أوجها، فيروي أنه كان ينتقل في إقامته من فندق كلاردج في لندن، وكان له جناح فيه، إلى فندق رِتْز في باريس، حيث كان يستأجر جناحًا آخر طوال العام، وكان له قصر في بروكسل وضَيعة فسيحة في مِلْتُن موبري حيث استضاف أمير ويلز، ومقصورة عظيمة في بيارتز، وكان يحيط به جيش من كُتَّام السر وكُتَّاب الخط المختزل، وله طائراته الخاصة لخدمته وخدمة رسله الخواص في مطارات كرويدن ولوبورجيه وبروكسل وغيرها من المحاط. ولما انتاب الفرنكَين: الفرنسي والبلجيكي، هبوطٌ سريع عام ١٩٢٥م عرض على هاتين الحكومتين أن يُقْرضهما — بشروط معينة — قرضًا ربْحه اثنان في كل مائة، ويبلغ مقداره ما يكفي ليثبِّت العملة تثبيتًا عاجلًا، ولكن الحكومتين رفضتا قرضه لإسرافه في الطمع إسرافًا لا حدَّ له؛ ويظهر أنه قد طمح إلى سيادة مصادر الكهرباء في العالم كله، ولكن سرعان ما أُلْجم فيه هذا الطموح حين اتفقت طائفة قوية من المصارف على أن تكون يدًا واحدةً في مقاومته، وبذلك طار عنه شطر كبير من ثروته التي تجاوزت حد التصديق، وحاول أن يسترد ما فقد فجاءت محاولته أسرع وأشد تهورًا مما ينبغي، ولم يُوفَّق في تدبير أعماله فجاءت مختلفة لا تتفق مع المنطق السليم. ولا شك أن قدَمَه قد زلت في صفقةٍ أخرى خاسرة قبيل موته، وإنه لمن العسير أن نقطع برأي إذا أردنا أن نعلم إلى أي حد كان الرجل مقامرًا يلعب بالأسواق لا أكثر ولا أقل. ولا ريب أن تنبؤه بمستقبل مشروعات الكهرباء والحرير الصناعي يدل على ذكائه. ويروي بريفا أنه كان يستفتي المنجمين، وكان يتأثَّر في أحكامه بما ينبئه به «الوسطاء» في تحضير الأرواح. ولقد بلغ ما يملكه من ثراء مبلغًا لا يسيغه إلا الخيال، وذلك بسبب انخفاض مستوى الأجور في مناشط الإنسان العادية؛ فقاربت ثروته عشرين مليونًا من الجنيهات أو ما يدور حول هذا المقدار. وفي عام ١٩٢٨م بلغت قيمة أسهم «شركة الأملاك العالمية» — وعددها أربعمائة وثلاثون ألفًا — واحدًا وثلاثين مليونًا من الجنيهات، ثم تراجعت إلى ثمانية عشر مليونًا ونصف المليون، وما كادت تذيع أنباء موته في يوليو حتى أمعن ذلك القدْر في الهبوط حتى بلغت اثني عشر مليونًا ونصف مليون من الجنيهات.

وإنه ليستوقف النظر ألا تُدوَّن حيوات أمثال هؤلاء الرجال جميعًا إلا تدوينًا ناقصًا، فلا نجد شيئًا عن ألفرد لونشتين في الموسوعة البريطانية الجديدة، ولا في موسوعة الأعلام الصادرة عام ١٩٢٨م. ولكني اقتبست عن حياته فيما أسلفت من كتاب صغير ممتاز كتبَه عنه موريس بريفا، ولا يحتمل أن ندرُس حياته دراسة تفصيلية؛ فبينا تجد توافه الأمور الحقيرة التي تتصل بحياة الأدباء المغمورين — رغم إنتاجهم — موضوعًا للبحث الدقيق، وترى كل قصاصة من رسائلهم الخاصة التي لا تقدِّم ولا تؤخِّر، جديرة بأموال الهواة المتحمسين، فإنك لا تجد مَن يجمع أو يقدِّر هذه الوثائق التي يجب أن تنتشر في أرجاء العالم انتشارًا غزيرًا — تلك الوثائق التي تسجل حيوات مَن ينشدون الثروات الضخمة ومَن يكوِّنونها، مع أنها أفعل بالخيال وأدعى للعجب، وأهدى للطريق من أنباء الأدباء، حتى إذا ما جاء المؤرخ العلمي آخرَ الأمر ليدوِّن الاتجاهات الاقتصادية في هذا العصر الحديث، وجلس إلى مكتبه فلن يجد كثيرًا مما يشكر عليه هواة الخطابات والمذكرات اليومية ودفاتر الحساب الخاص والمذكرات الشخصية، في حين تمتلئ يداه بما يُعنى الهواة بحفظه من الطبعات الأولى والنسخ المخطوطة بقلم المؤلفين وخطابات الحب الذاتية التي خطَّها ألوف الكتاب الذين لا شأن لهم ولا خطر؛ أما إذا أراد شيئًا عن هارمزورث أو زهاروف أو لونشتين فلن يجد بين يديه قصاصة واحدة.

الأشخاص الذين جاوزوا الحدود المشروعة

ومع ذلك فإذا هبطنا إلى الطبقة الدنيا ممن ينشدون الثروة، ألفينا على الفور سجلًا دُوِّنت وثائقه تدوينًا صحيحًا؛ وذلك أننا سنجد بين أيدينا وثائق محاكماتهم، وأعني بهؤلاء جامعي المال الذين يسلكون في جمْعه سبيلًا غير مشروع، والذين لم يأخذوا أنفسهم بالقانون فيما يبذلونه من جهد لتحصيل الثراء، فنفد صبرهم، أو اشتد غباؤهم، أو قُل لم يواتهم الحظ، فلم يُوفَّقوا إلى انتهاج الطرق المشروعة لجمع الثراء الضخم دفعة واحدة، وأدَّى بهم الطيش إلى التورُّط في المواقف الحرجة، ثم تخلصوا منها بالغش تخلصًا يجري على السنن المشروعة، أو ربما لجئوا إلى الغش منذ بداية الطريق؛ وإنا لنضرب لذلك الأمثلة «أعمالًا» كأعمال جابِزْ بلفور وجمعيته التي أسماها «جمعية التحرير» فظلت مزدهرة في ظاهرها مدى خمسة عشر عامًا بعد إفلاسها؛ أو ما اقترفه وَيْتِيكَرْ رَيِتْ من صنوف التدليس في شركته «شركة لندن والعالم». ونحن نضرب هذين المَثلين للشئون المالية التي يجوز حدوثها في المشروعات الاقتصادية، ثم ننتقل من هاتين الحالين إلى دراسة أمثلة أبسطَ منها مما يُرتكب في خيانة العهود، كإصدار الأسهم الوهمية — أو إن أردت دقةً فقُل تزويرها — فكثيرًا ما وقع هذا حينًا بعد حين طول المائة العام الماضية، حتى كلَّف العالم الاقتصادي عدة ملايين، ولعل أصدق مَثَل يُساق لتصوير هذه الحالة كارثة «هاتري» التي حدثت في لندن منذ عهد قريب، وهي ختام سلسلة طويلة من الكوارث، ولكنها تميَّزت عنها جميعًا بجرأتها. وتُعزى هذه الصنوف من الغدر الدنيء إلى سوء الرقابة على دولاب الأعمال، وإلى هذه الرقابة السيئة تُعزى كذلك بغير شك هذه السرقة الواضحة التي يَطَّرد حدوثها، غير أن خطرها يمكن أن يُحسَب حسابه ويُدرأ شره؛ وما أكثر ما ترى من خَزَنَةِ المال ومديري المصارف والموسرين ورؤساء لجان الإدارة مَن يشعرون باختفائهم عن الرقابة المباشرة، وربما تدفع العوامل المختلفة فريقًا منهم إلى السقوط أمام هذه الفرصة الظاهرية، وكثيرًا ما يكونون على حق فيما يشعرون، بل قد يفلت بعضهم فلا تلحظهم أعين الرقباء؛ فهم يختطفون الربح من مظانِّه ثم يعيدون ما اختطفوا في موعدٍ ملائمٍ ويُخفُون معالم فِعْلتهم. وإنا لنحشد في صعيد واحد: المزوِّر، ومَن يلعب بالسوق لعبَ المجرم، ومَن يلعب بها في جرأة تُستساغ على مضض، ومَن يلعب بها لعبًا بارعًا مقبولًا، والجبار الناشئ الذي يضرب في زحمة الحياة ويُرجى له النجاح، ومَن يقف في عالم المال كالمغناطيس الجاذب فيُعجب به الناس، ومَن يجمع الثروة ويُوفَّق في جمْعها؛ فلنا أن نحشر كل هؤلاء في زمرة واحدة لأنهم يشتركون في ظاهرة واحدة، وهي أنهم استمدوا بقاءهم من العيوب العامة التي تُؤخذ على طرائقنا في توزيع القوة الشرائية؛ فهم نتيجة النقص في النظام القائم الذي تتحدَّد بمقتضاه العلائق الاقتصادية والذي لا يزال في مرحلة التجريب. وإذن فليس موضع الداء هم الأشخاص المطبوعين على جمْع المال والمضاربة وازدراء الشرف، بل هو نظام التقدير المضطرب، فذلك وحدَه المسئول إن كان لا بد من إلقاء التَّبَعة على شيء.

ولكن أمثلَ خطة للإنسان ألا يُلقي التَّبَعة على أحد، وأن يعلن عفوًا عامًّا شاملًا، وأن يمضي في تحوير نُظُم الإدارة ودفع المال، بحيث تستحيل الشعوذة التي تؤذي العامل والمستهلِك على السواء.

١  مثال ذلك مؤلفات Richard Lewinsohn وهي «في غزو الغني» و«زهاروف» و«تاريخ التضخم المالي» فإن شئت دراسةً أشمل فإن الأستاذ لاسكي Prof Laski يوصي بقراءة «تاريخ الثروات الأمريكية الجسيمة» تأليف G. Meyers.
٢  انظر كتاب «هتي جرين، المرأة التي أحبت المال» تأليف Boyden Sparks وSamuel Taylor Moore.
٣  انظر كتاب في «غزوة الغني» لمؤلفه Lewinsohn.
٤  Mr. Robert Irving Warshow وهو مؤلِّف كتاب جاي جولد، أو تاريخ ثروة، ومنه اقتبسنا كثيرًا من حقائق هذا الفصل.
٥  أُعيد طبع الكتاب عام ١٩٢٩م ونُشر بعنوان «المالية العليا في العقد السادس من القرن التاسع عشر»، مطبعة جامعة ييل.
٦  عام ١٩٣٣م.
٧  انظر كتاب هنري فورد وعنوانه «صديقي المستر أديسون»، واقرأ أيضًا كتاب «أديسون: حياته واختراعاته» لمؤلفيه Martin وDyer.
٨  كذلك الأمر في مكبِّر الصوت، اخترعه أولًا «دافيد هيو».
٩  في كتابه «حياة ألفرد لونشتين وموته».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢