الفصل السادس

الفقراء

لقد عرضنا على القارئ عرضًا سريعًا الصحف المصورة الأنيقة الشائعة مثل «فوج» و«جرافِكْ» و«اسْكِتْش» و«بَنْش» و«الحياة الباريسية» وما إليها، كما عرضنا أمامه حلبة السباق وصنوف الرياضة بصفة عامة، ولاعب الميسر في نديِّه، والجموع المتلألئة التي تحتشد في الحفلات الرسمية، والعاهرة الأنيقة، ومدير الفندق، والأزياء والقصور، وأضفنا كل هذا إلى قائمة طرائق الحياة عند الإنسان، كما ربطنا كل هذا السرب المتألق وحوافزه الدافعة وعمله الذي يؤديه ودواعي ذلك العمل، بالصانع في مصنعه والمعدِّن في منجمه والزارع بين كرومه، والراعي على منحدر الجبل، والسمَّاك المبتل يجذب شباكه من الخِضَم المتلاطم، وبيَّنا كيف تمتد أواصر هذه الرابطة بين أولئك وهؤلاء إلى دار السك والمصرف والمكتب وسوق الأوراق المالية، وعلمنا أن عبث الأغنياء وتبذيرهم يجعلانهم زائدة أنتجتها الحالة الاقتصادية.١

وإذا ما أضفنا هؤلاء الموسرين إلى بحثنا، امتد بنا المنظر الذي نعرض فيه ضروب النشاط حتى يشمل ما يربو على ألف مليون من الأنفس الحية، كل نفس منها تسير في حياتها وفق صفاتها المعروفة؛ فكل لها آراؤها ونظرتها إلى العالم الذي تعيش فيه، ومع ذلك فالجميع يتفاعلون بعضهم مع بعض في هيئة اقتصادية واحدة، ولكن أمرًا حيويًّا شديد الخطر ولا يزال بحاجة إلى التفسير والتفكير؛ فدوننا الآن ظلام دامس لا بد من اجتيازه، وأعني به ذلك الحشد المتزاحم ممن يعملون في سخط ولا يلعبون في مرح، وهم المتعطلون الذين لا يملكون شيئًا من القوة الشرائية، أولئك الذين يجمعون بين الفاقة والفراغ الكئيب الذي لا متعة فيه، وهم الفقراء الذين يبدون وكأنهم زائدون عن الحاجة.

كيف ينظر هؤلاء إلى الأغنياء؟ لقد أشرنا فيما سلف إلى أن كل فريق من هذين لا يتوقف وجوده على الآخر بصورة مباشرة، فلا يتوقف عدد الواحد على عدد الآخر، وليس صوابًا أن نزعم أنه لولا وجود الأغنياء ما كان الفقراء؛ لأنه سرعان ما يعتقد بعض الناس أن الفقراء رُزئوا بفقرهم لأن الأغنياء سلبوهم حقًّا من حقوقهم، والأمر ليس كذلك؛ فالعلاقة بينهما أدق من ذلك جدًّا وأشد تعقيدًا.

إن ما يُوَحِّد بين ذوي الفراغ الباذخ على اختلاف صنوفهم هو القوة الشرائية؛ فهي صفة مشتركة بينهم غالوا فيها غلوًّا كبيرًا بحكم مواضعات المِلْكية أو بحكم ما بين النواحي المالية للحياة الاقتصادية من تفكك في عملها. ونستطيع الآن بالمقارنة أن نبحث في أمر طبقة كبيرة لا تزال فيما يظهر تزداد عددًا، وهي تتألف ممن لا ينتجون أو لا ينتجون إنتاجًا كافيًا ولهم قوة شرائية زهيدة أو ليس لهم منها شيء، فلا شك أن الحياة الاقتصادية تعطي هنا وتسلب هنالك. ولكن ليس معنى ذلك أخذًا من فرد وعطاء لفرد آخر، وليس علاج الأمر أن نُفْرغ ما عند الغني لنعطيه كله للفقير؛ فليست عيوب الحالة الاقتصادية من اليُسر بهذا الحد.

إن الفقراء لم ينقطع وجودهم في العالم قطُّ، ولا يقتصر الفقر على الإنسان، بل هو ظاهرة شائعة بين أجناس الحياة وأنواعها وأقسامها جميعًا، وربما يدهش بعض القراء لهذا القول العجيب، ولكن الكثرة الغالبة من الحيوان والنبات تعيش حقًّا في فقر شديد، فلا تملك قوتًا مدَّخرًا؛ أعني أنها تعيش من يدها إلى فمها، والإنسان وحده بين الكائنات الحية هو القادر على اجتناب الفاقة، وربما استطاع أن يقي كثيرًا من النبات والحيوان شرهًا؛ وأما سائر الأنواع كلها فتحيا حياة توشك أن تكون دائمة الإشراف على الموت بسبب الجوع، فإذا أتاحت الفرص السعيدة لنوع منها وفرةً في الغذاء حينًا ما فإنه لا يلبث أن يتكاثر ويتضاعف عدده حتى يبلغ شفا الجوع مرة أخرى، ولا يخفف من هذا القانون إلا أن يجيء نوع جائع آخر، كبيرًا كان أو صغيرًا، مفترسًا أو متطفلًا، فيعتمد في غذائه على هذا النوع المتكاثر اعتمادًا يؤدي إلى نقص زيادته حتى يقل عدده عن موارد طعامه؛ فلا بد لكل نوع من الأحياء أن يلتهمه نوع آخر وإلا تكاثر حتى ينشب بين أفراده تنازع مميت على القوت فيموت الجانب الضعيف منه. وإذن فلا بد لكل نوع أن يحيا حياة دائمة الخطر أو في فاقة متصلة؛ لأن الحياة لا تعرف إلا أحد أمرين: إما الجوع وإما العدو المفترس؛ وفي مُكْنة الإنسان أن يستميل قلوب الكائنات الدنيا كلها تقريبًا ويحملها على كبح غرائزها ونقض طبائعها، إن أطعمها.

«لن يمتنع وجود الفقراء بينكم» هذه عبارة لم يتردد أحد في التسليم بها على أنها قول سماوي صادق باستحالة زوال الفقر، وإن أحدًا لا ينكر أن الفاقة لم تزل ولا تزال تتعقب الحياة في سيرها، فما حياة المتوحش والهمجي إلا حياة فقر شديد، حتى إن المتوحشين ليهجرون عاجزيهم ليقضوا على «أفواهٍ لا تفيد» هجرًا يفوقون فيه نابليون في وحشيته، وهم يفعلون ذلك وبين أيديهم الثروة موجودة بالقوة (لا بالفعل)، وهم يوقنون بقربها منهم، ولكنهم لا يستطيعون استثمارها.

ولو أوجزنا تاريخ العوز الذي أصاب العالم خلال العصور لملأنا به مجلدًا مؤلمًا عبوسًا، ومن المتعذر أن تُعلَم نسبة الأنفس التي هلكت جوعًا في مختلف عصور التاريخ، أو التي قضت نحبها لعجزها عن مقاومة الأمراض التي انتابتها لقلة الغذاء أو لتعرضها للعري والخطر، وأنا أزعم أنها نسبة كبيرة جدًّا بغير شك؛ فلست ترى على وجه البسيطة إلا قليلًا من البلدان جاوزت سبعين عامًا في العهود الماضية دون أن تصيبها مجاعة جائحة، ولبث الناس حتى منتصف القرن التاسع عشر يجوبون بين مدائن أوروبا الغربية وهم في حاجة ماسة عاجلة إلى الخبز، بل ولا يزال الناس في الصين والهند والروسيا يتضورون جوعًا إلى يومنا هذا. وأما الحالة السائدة في إنجلترا وفرنسا والولايات المتحدة — أعني ندرة الجوع الشديد — فشاذة تولَّدت من العصر الحديث.

ولم يَنْمُ الشعور بأن وجود الفقر عارُ يجلل الموسر والحاكم — اللذين ينبغي أن يعالجا الأمر بعض الشيء — إلا في العصر الحديث، وأعتقد أن الرأي الذي ساد حتى بدء القرن التاسع عشر، كان يلقي التَّبعة على الفقراء أنفسهم إلى حد كبير؛ فكان المحسن يقذف إليهم بفتات الخبز وخَلَقِ الثياب، ويأذن لهم بالنوم في ملحقات منزله، ويتشبث تشبُّثًا قاسيًا في أن يظفر لنفسه بعرفان الجميل؛ فهو يؤدي صنيعه هذا على أنه فضْلٌ منه، وأما شعوره بأنه إنما يؤدي واجبًا محتومًا عليه فشعور ضئيل؛ وحتى قانون الفقراء الذي صدر في عهد أليصابات لم يقصد به إلا مقاومة المتسولين المتجولين؛ فهو وسيلة لصيانة النظام الاجتماعي، ولم تكن غايته الأولى تخفيف الشقاء. وكانت الصدقات التي تُعطى على أبواب الأديرة قبل «عهد الإصلاح» تسليمًا أعمى بهذه الحقيقة الأبدية؛ حقيقة الفقر.

ولكن الاحتجاج المكبوت لم ينقطع طوال العصر؛ فقد كان في مصر قبل الأنبياء العبرانيين بزمن طويل أدب يستنكر اعتداء الأغنياء ويئن من ظروف العمل والاستدانة، ولكن ذلك كان فيما يظهر احتجاجًا موجَّهًا إلى أنماط الناس أو إلى أفراد، أكثر منه إلى النظام نفسه؛ فكان الموسر الشرير يستثير الفقراء، ولكنك لا تكاد تصادف مَن استنكر ثروة الموسر الخيِّر (وما أندره!) أو استنكر وجود الفقراء.

وأعتقد أن حماية الإنسان بل حماية الحيوان الكبير من الموت بسبب الجوع ومن قلة الغذاء قلة ظاهرة، لم تصبح واجبًا عامًّا إلا في منتصف القرن التاسع عشر وأواخره حين ذاعت الآراء والمشاعر الإنسانية، بعد أن كان الغريب النحيل، والسائل العجيب في أسماله، والحصان الهزيل، موضوعاتٍ للمزاح البريء عند المصورين الهازلين منذ أقل من مائة عام، ومنذ ذلك الحين أخذ التقدم يَطَّرد لتخفيف الفاقة، وبذلت البلاد المتمدينة كلها مجهودًا جبارًا متزايدًا لوقاية الناس من الموت بسبب العري وقلة الغذاء، ولإنقاذ من تردَّى منهم في هوة العوز فتردهم إلى الحياة، وللأخذ بيد مَن زلت أقدامهم فهووا في حبائل الفقر الذي كان يُعتبر فيما مضى ضرورة لا بد منها لسير نظام الأجور سيرًا حميدًا، فأصبحت تعده اليوم شرًّا لا يكفي أن تخف وطأته بل يجب أن يُقاوم حتى يزول.

فإذا جاء اليوم الذي يُصاغ فيه «علم العمل والثروة» في قالب موسوعي، فإن ذلك العلم سيعيد النظر فيما نتبعه اليوم من أساليب البحث في الطبقة التي لا تملك من قوة الإنفاق إلا موردًا متقطعًا أو موردًا يتناقص شيئًا فشيئًا أو لا يملكون من تلك القوة شيئًا، وسيكون من واجبه أن يلقي نظرة شاملة على حياة الذين لا ينتجون إنتاجًا كافيًا، ولا بد له أن يوضِّح بحثه بالصور الشمسية ليبيِّن كيف يعيش الفقراء في الشوارع الخفية المعتمة في أمريكا وأوروبا، وفي الأحياء الفقيرة في مدائن الصين والهند، وينبغي أن يثبت صورًا للوسائل التي تُتَّخذ لتخفيف المجاعات وللبعثات الطبية التي تغزو الأكواخ والخيم والأخصاص في القرى؛ ولزام عليه ألا يقنع بعلاج البطالة في البلاد الصناعية، بل يعدو ذلك فيرسم منظرًا شاملًا للفقر في أرجاء العالم كله، ولا بد أن يبيِّن لنا في تفصيل دقيق سوق العمل ومكاتبه التي تتخذها الجماعات الراقية، وأن يشرح قوانين «معاش الكهولة» و«إعانة البطالة»، ويسجل قوانين معالجة الفقر التي تختلف باختلاف الدول في نزعاتها وتفكيرها الاقتصادي.

والحقيقة الكبرى الكامنة وراء ما نشاهده من وسائل تخفيف الشقاء التي ألممنا بها على هذا النحو، هي أن المجتمع الحديث قد أخذ شيئًا فشيئًا يعترف ويسلِّم بما عليه من التبعة نحو كل فرد من أفراده فيمده بحدٍّ أدنى من المسكن والطعام والثياب، بغض النظر عما يبذله الأفراد من نشاط الإنتاج؛ فهو لا يلزمهم بالعمل في مقابل ذلك. ولعل هذا أسوأ جوانب هذا اللون من ألوان التخفيف؛ فلا ريب أن هذا التعهُّد من المجتمع عقيم مخيف شائن — فهو حثٌّ على التشرُّد إذا سميناه باسمه الصحيح — ولكنه مع ذلك يعين على الحياة واستمرار البقاء، وتلك حالة لم يسبق لها مثيل قط، وهي ثورة على قانون الحياة؛ لأن الهزيمة في سائر أجناس الأحياء معناها الموت، سواء أنشأت الهزيمة عن عجز أم عن جد عاثر، فكانت الحياة حتى هذا العصر تزيد من مقدرة أفرادها، أما الآن فما معنى الهزيمة في المجتمع الحديث؟ معناها الخمول، الخمول التعس الدنيء.

ولقد تمكَّن المجتمع من إمداد المعوزين بسبب الزيادة الهائلة في مجموع الإنتاج البشري في الظروف الحديثة؛ ولسنا نشك إلا قليلًا في أن بضع مئات من الملايين الذين يبذلون نشاطًا اقتصاديًّا، في مقدورهم الآن أن يهيئوا الطعام والثياب والمأوى لسائر أفراد الجنس البشري — أعني المتشردين الذين لا ينتجون — بحيث يعيشون في مستوًى زري وضيع، ولكنه يحفظ بقاء الحياة، ويبقى لأولئك العاملين بعد ذلك فيضٌ يكفل لهم ضربًا من الحياة الموفقة السعيدة نوعًا ما. وواضح أن الطبقات التي تنتج إنتاجًا متقطعًا والتي تنتج إنتاجًا ضئيلًا والتي لا تنتج قطعًا، تزداد نسبتها إلى مجموع المجتمع في الظروف الحاضرة التي تعمل على تركيز الإنتاج وصيانة المتعطلين، فيتزايد عدد الذين يفقدون عملهم ولا يعود لهم في الحياة الحديثة عمل ولا نفع، وكلما اتسع نطق الانقلاب الصناعي امَّحى المنتِجُ الصغير وقلَّت الأيدي اللازمة لكل صناعة من الصناعات، ولم تبلغ بعدُ نسبة المتعطلين الذين يعيشون كلًّا على غيرهم آخرَ حدودها الممكنة، ويجوز أن تمضي هذه الطبقة في الزيادة، وقد بالغ بعض الكاتبين فيما كتبوه عن «سرعة تكاثر غير النافعين»؛ لأن مَن يفقدون عملهم لا يتحتم أن يكونوا أقل مهارة من كثير من العاملين، وليست زيادتهم عن الحاجة نتيجة عجز فيهم أكثر منها استغناء أدَّت إليه الظروف، ومع ذلك فالواقع يجابهنا بأن هذه الطبقة الدنيا المضطربة التي تربك البناء الاقتصادي قد تمضي في اتساعها، ويجوز أن تمضي في ذلك الاتساع حينًا من الدهر حتى تشمل العالم بأسْره تقريبًا.

ولن يمضي وقت طويل قبل أن يصبح دولاب العالم الاقتصادي شبيهًا بجسم عليل أسرف في النمو فأفرز في دخيلته نوعين من العصارة الضارة؛ فهو من جهة أنتج الأثرياء المحدثين الذين لا عمل لهم على وجه العموم، فهم «متعطلون مستهلكون» كأنهم وفرة في دم الجسم، ومن جهة أخرى يعمل على ازدياد طبقة مخيفة هي بمثابة الدُّمَّل الكبير ينمو نموًّا سريعًا، وهؤلاء هم «المتعطلون المفلسون». وهذان الفريقان المتزايدان لا يتوقف أحدهما على الآخر، فيجوز أن يزول أحدهما ويبقى الآخر في ازدياد مخيف؛ وقد أسلفنا الإشارة إلى طرق ممكنة قد تؤدي إلى زوال الموسرين غير المسئولين. وأما المشكلة العظمى فهي بغير شك مشكلة «الفقراء المحدثين»؛ فهم خطر محدق قد يبدو من المتعطلين الذين سلبوا أعمالهم.

ماذا تصنع الإنسانية لهذه الطبقة؟ وماذا تصنع هذه الطبقة للإنسانية؟

١  يشير الكاتب إلى الفصول الأولى من كتابه الذي اقتبسنا منه هذا الفصل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢