الفصل الثالث

الاختلاف الفطري في الصفات الجسمية والعقلية بين الرجال والنساء

إن الكاتب لا يستطيع أن يتبيَّن كم تبلغ هذه المؤلفات الكثيرة التي كُتبت في موضوعِ ما بين الرجل والمرأة من فوارق، كم تبلغ هذه المؤلفات من الغموض والتفاهة والعبث، إلا إذا أخذ نفسه على نحوٍ جدي بتلخيص ما جاء فيها، عندئذٍ تتبيَّن له واديًا فسيحًا دفيئًا مرطوبًا أعتمه ما لَفَّه من ضباب، وإنه لوادٍ يفصل بين العلم والأدب، وقد غُصَّ بأحراش كثيفة من الدعاوى التي تنتحل لنفسها خطرًا هي خِلْو منه؛ فليست مهمة الكاتب هنا أن يلخِّص بقدْر ما هي أن يطهِّر هذه الأعشاب ويطمس ألوف المجلدات التي تذرعت بقناعٍ من المناقشات العامة، وغايتها الوحيدة أن تعبِّر عما يدور برءوس كتَّابها من أوهام وآمال، بل إن ما اصطبغ منها بصبغة علمية عميقة، ترى مادته أقرب إلى أن تكون سلسلة من الإشارات العرضية منها إلى ثبت يسجل نتائج الملاحظة الدقيقة.

إن أحدًا لم يحاول حتى اليوم محاولة جدية حقًّا أن يحصر في دائرة ضيقة هذه النزعة الشخصية القوية التي تؤثِّر في التفكير عند النظر في هذا الموضوع، بل إن أحدًا حتى اليوم لم يحاول أن يضع في اعتباره اختلاف الباحثين في طبيعة هذه النزعة الشخصية ومقدارها اختلافًا يتوقَّف على اختلاف المرحلة من الدورة الجنسية التي تكون عندها حياة الباحث عند بحثه؛ ولقد خلطوا جميعًا في غير دقةٍ بين ما ورثته المرأة وما كسبته من الصفات، ولم يتنبه منهم أحدٌ لما بين أفراد الجنس البشري وأنْماطه من ضروب التباين، ولم يُدْخِل أحدٌ منهم في حسابه ما يؤدي إليه اختلاف السن من اختلاف في وجهة النظر؛ فليس إلى الشك من سبيل في أن المرأة البنغالية، والمرأة في بتاجونيا، وصائدة السمك الفتاة في النرويج، والمرأة من قبيلة الهوتنتوت، لكلٍّ من هؤلاء ما يميزها من زميلها الفتى، وما بينهما من فروق بعضه فطري وبعضه مكتَسب، على أن الفوارق، مكسوبها وموهوبها، التي تفصل بين المرأة والرجل في بنغال ليست هي التي تفرِّق بين المرأة والرجل في بلاد النرويج؛ أضف إلى هذا أن المرأة تتبدل حالها كلما قطعت شوطًا من فلك حياتها — شأنها في ذلك شأن الرجل — وإن هذا التغيُّر يختلف باختلاف جنسها بين أجناس البشر.

ولكن ما أُلِّف من الكتب في موضوع الجنس يكاد يُجمِع كله على أن هذه الفوارق، إن لم تكن واحدة في مختلف الجهات، فهي على أقل تقدير من طبيعة واحدة؛ فترى الناس يكتبون عن صفات «الرجولة» و«الأنوثة»، ويَصِفون الرجال والنساء كما هم الآن وكما سيكونون في مقبل الأيام، غير حافلين بما بين أفراد المجموعة الواحدة من خلاف في النشأة وفي السن. وكل ما نستطيع أن نستخلصه بصفة عامة من هذه «البحوث» هو أن المقصود من كلمة «رجل» ذكَرٌ من الطبقة المتوسطة وله حظ من التعليم، وأنه فرد من مجتمع أوروبي أو أمريكي، تدور سِنُّه حول الأربعين؛ وأن المقصود من لفظ «امرأة» أنثى من هذه الطبقة الاجتماعية نفسها، ولها من العمر ما بين العشرين والخامسة والثلاثين؛ وعن هذين تَخبِط الأقلام في أبحاثها خبطًا لا دقة فيه.

وليس واجبنا الآن أن نضيف مادة جديدة إلى هذه الكتب المؤلفة التي بلغت من الكثرة حدًّا فاحشًا، ولا تحوي إلا إثارة لحفيظة أو بسطًا لشكاة، ولكنا سنلتزم ألا نثبت هنا إلا حقائق القضية كما هي، في إيجاز ووضوح ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا لنتمم الصورة التي قصدنا إلى رسمها، أما ما ليس من تلك الحقائق المادية بسبيل فليس يعنينا الآن أكثر مما تعنينا قصائدُ الحب.

ونحب أن نضيف هنا بعض ملاحظات على المشكلة التي أشرنا إليها فيما سبق وهي ما بين الجنسين من فارق في تركيب الجسد؛ فإنه فضلًا عما بين جنسي البشر من فوارق في أعضاء التناسل الفعلية، فإننا نلاحظ أن الحوض عند المرأة أكبر في نسبته إلى الجسم منه عند الرجل، وأن الأجزاء العليا من الساقين تختلف في تركيبها عند الجنسين، وأن المرأة في تنفُّسها تجذب الأنفاس من أضلاع الصدر أكثر مما تجذبها من جوفها على خلاف مع الرجل في ذلك، وفوق ذلك فإن البِنية كلها أرق منها عند الرجل وأشد لينًا ولطفًا، وعلى الرغم من أن هذه الفوارق تختلف قوة أو ضعفًا باختلاف أجناس البشر، ولكنها تُشاهد دائمًا على هذا النحو ولا يُشاهَد العكس. وكذلك نرى أن الذكر الكامل النمو في الجنس البشري، كما هي الحال في سائر ضروب الحيوان الأعلى، أثقل وزنًا من الأنثى الكاملة النمو. هذه مواضع اختلاف بين الجنسين لا تحتمل الجدل؛ ولكن خفَّة جسم الأنثى ورقَّته بالنسبة إلى جسم الرجل تمتدان فتشملان الرأس والعنق والمخ؛ على أن شُقَّة الخلاف أقل بُعدًا في الإنسان منها في الغوريلا، وإن تكن هذه الفروق كلها معرَّضة فيما يظهر إلى المبالغة بحكم العادة وظروف المجتمع.

إن الحياة البشرية على طبيعتها مليئة بالمفارقات كما لاحظ مِتْشِنِيكوف منذ أمدٍ بعيد في كتابه «طبيعة الإنسان»؛ فأنثى البشر صالحة للقاءِ الجنسِ وتَحَرُّكِ الغريزة قبل أن تبلغ سنًّا تتيح لها أن تحمل الأجنة أوفق ما يكون الحمل، بعشر سنوات، ويمكن أن يفرض عليها اللقاء الجنسي فرضًا رغم إرادتها، ولا يشاركها في هذا الجانب من إناث الحيوان إلا عدد قليل جدًّا؛ فهي لا تستطيع المقاومة بمعنى أن يكون للمقاومة أثرٌ عملي من حيث الإنتاج، وإنك لتشاهد في كثير من الجماعات المتوحشة والبدائية بل من الجماعات المتحضرة، أن نمو عدد كبير من النساء نموًّا كاملًا يُحال دونه إلى حد بعيد بإرغام النساء على هذا النحو على الوظيفة الجنسية قبل حينها الملائم، بل إنهن في حقيقة الأمر لا ينمون في كثير ولا قليل؛ إذ لا يوشكن أن يأخذن في حياتهن الجنسية حتى ينصرف مجرى النشاط الحيوي فيهن إلى الأجنة في أجوافهن؛ فإن لم يتزوجن صغارًا لا يتزوجن قطعًا فيصيبهن بذلك ما نستطيع أن نَعُدَّه ضربًا آخر من ضروب النمو الموقوف. وأما الحياة الجنسية عند الرجل فهي فيما يظهر أقوى عاطفة وأشد عنفًا منها عند المرأة ولكنها إلى جانب ذلك أسرع زوالًا وأقل دوامًا من حياة المرأة الجنسية؛ لأنه إذا ما ثارت فيه عاصفة الجنس ثم هدأت خلص من إلحاح الدافع حينًا ما، واستأنف ما كان ماضيًا فيه من عمل. وإذن فالفرصة أمامه أفسح مجالًا ليبلغ بنفسه حد النضوج ما مكَّنته من ذلك قواه الذاتية ومَلَكَاته المفطورة.

إن هذه الفروق الأساسية وهذا الحرمان الذي فرضته الطبيعة على المرأة قد أُحيط بحكم العادات والتقاليد في سائر الجماعات الإنسانية بشيء كثير من الغموض والاضطراب والمبالغة، فلسنا ندري، في شيء من الدقة، قليلًا أو كثيرًا عن الميل الجنسي «الطبيعي» عند الرجل أو عند المرأة في أية مرحلة من مراحل النمو، ولقد ظلت حقيقة الأمر خافية عن الأبصار بما أُسدل حولها من سُتُور كِثَاف حتى بلغ الظن بالناس في إنجلترا وأمريكا الشمالية، مثلًا، أن كثرة النساء الغالبة «باردة» — كما يذهب القول في الأفواه — ويقصدون بذلك أنهن خاليات من حدة الرغبات الجنسية، وأن القليلات منهن اللائي ينشدن متعة الجنس شاذات حَقَّ عليهن اللوم، ولَبِثَ هذا الظن قائمًا حتى عهد قريب لا يعدو أعوامًا قلائل؛ فقد كان يسود ذلك الزعم حين كانت المرأة راسفة في قيودها، فلم يكن إلا دليلًا مكبرًا ينم عن اتجاه عقلي يكاد يشمل العالم أجمع. ولكن ذلك رأي لم يكن يؤيده إلا أنه تقليد تواضع الناس عليه؛ فلم تكد ترتفع الحوائل على اختلافها من وجه المرأة وينكشف عن السر غطاؤه، حتى أخذت العقول تنبذ هذا القول ببرودة المرأة، وبدا أن كثيرًا جدًّا من النساء لهن ما للرجل من إحساس جنسي وسهولة استثارة، إن لم يكن أشد منه في ذلك وأسرع، وإنما الفرق بين شهوات الجنسين هو في مدة دوامها لا في نوعها.

ومع ذلك فقد لا تكون هذه الملاحظات من الصدق، بحيث لا يتطرق إليها الفساد؛ إذ قد تكون هذه الرغبة النِّسْوية التي نشاهدها ناشئةً عن رد فعل جاء بعد تحرُّر المرأة مما كان يفدحها من القيود، ونتيجةً لما أُوتيته المرأة من فرصٍ جديدة انفسحت أمامها، وآراء جديدة أوحى إليها بها الموقف الجديد؛ وبديهي أننا لن نستطيع أن نصدر في أحكامنا في موضوع التربية وفي بعض أُسس الحياة الاجتماعية عن رأي مقطوع بصحته، إلا إذا ظفرنا في هذا الموضوع بعلمٍ أكثر دقة مما حصلنا. أقول إنه بغير هذا العلم الدقيق في موضوع المرأة لن نستطيع أن نجزم برأي صحيح في موضوع التربية أو في بعض أساس الحياة الاجتماعية — مثال ذلك موقف المجتمع حيال الساقطات من النساء — وإلى أن نظفر بالعلم الصحيح عن المرأة، ينبغي أن يظل تقديرنا للخير والشر في سلوك الإنسان تقديرًا غير مقطوع به في كثير من نواحيه.

ولكنا إن لم نستطع الجزم بصحة القول، فلنا أن نقرِّر على الأقل بأنه مما يبدو واضحًا أن النساء أكثر من الرجال روية في الاختيار في حياتهن الجنسية، وأنهن أيسر من الرجال خضوعًا لضبط النفس؛ إذ الحياة الجنسية في الرجل العادي أشد مقاومة للرقابة وأعنف اندفاعًا لتحقيق غاياتها، ومع ذلك فإن كان الرجل أميل من المرأة إعلانًا للثورة على القيود الخلقية، وأسرع منها انحدارًا إلى إشباع شهواته الوضيعة الخبيثة الوقحة التي يفتات بها على بناء المجتمع، فإن دوافع المرأة اللاشعورية إلى مثل هذه الحياة قد تنقلب في آخر الأمر أعمق أثرًا وأبلغ سقوطًا، وإن تكن أبطأ ظهورًا منها عند الرجل؛ فما يكفي لتقويم الرجل من الملاذ الساذجة لا يجدي في تقويم المرأة. ومن الحقائق التي نعلمها كذلك أن أصحاب الرأي طالما ذهب بهم الظن إلى إمكان الفصل بين الأبوة والأمومة وبين الروابط الجنسية، فصلًا في الذهن لا في الحياة العملية، ولكن ها نحن أولاء نرى هذا الإمكان يمتد من الفكر إلى العمل في هذا العصر. نعم إن الأخلاق التقليدية تقاوم هذا الفصل، ولكن الآراء الحديثة جادة في تغيير هذه الوجهة من النظر، فنرى كثيرين اليوم يزعمون — يزعمون فقط، ولا يؤيدون الزعم بالبرهان — أن الشطر الأعظم من حياة البلوغ لا تتوفر فيه صحة العقل والبدن إلا إذا أخذت العلائق الجنسية مجراها من الإثارة والإشباع، وأن تلك الحياة العاطفية التي لا غنَى عنها لا تتضمن بالضرورة أبوة أو أمومة، ولقد باتت المرأة التي تكسب قوتها بنفسها تقرب جدًّا في حياتها الجنسية، إذا هي أخذت في سلوكها بمثل هذا الرأي، من الحياة الجنسية لرجلٍ يعيش في ظروف تماثل ظروفها. حقًّا إن المرأة تعاني اليوم صراعًا مع التقاليد أعنف مما يلاقي الرجل، وفي غير هذا الاختلاف لا تجد بين الاثنين أي وجه من وجوه التباين الهامة.

وحتى هذا اليوم لم يستطع علماء وظائف الأعضاء والنفس أن يمدانا في مثل هذه المشكلات بعلم واضح وثيق أكيد، إذا استثنينا حالات نادرة، مع أن ذلك ما ينبغي أن يعملاه، وما هما راغبان في تحقيقه الآن بغير شك. ومهما يكن من الأمر فلسنا نجد اليوم بين أيدينا إلا أقوالًا لا تعالج القضية إلا من حيث قشورها الظاهرة كما تبدو للعين، وإلا حدسًا وأحكامًا يشوبها الهوى؛ فواضح أننا حينما نتناول بالبحث علائق الرجال بالنساء فإنما نعالج مادة عقلية مرنة يمكن صبُّها في صور مختلف ألوانها، باختلاف الرأي والقانون والعادة والدواعي العرضية، ولكن ليس في مقدورنا حتى الآن أن نقرر في يقين مدى تلك المرونة وشروطها.

وإنه ليلوح على وجه الجملة أن الجنسين يسيران سيرًا حثيثًا نحو تشابه في صفاتهما وظروفهما تشابهًا يستوقف النظر؛ فالنساء يكسبن حرياتهن، ويوسِّعن مدى حياتهن، بينما يفقد الرجال امتيازاتهم وسلطانهم وما لأشخاصهم من نفوذ، ولكن ليس ذلك معناه أن يسير الجنسان في هذا التشابه سيرًا مطلقًا، حتى ينتكس الإنسان إلى طور الرنكة فتمَّحي كل الصفات الثانوية التي تميز جنسًا من جنس؛ إذ قد يوائم الرجال والنساء أنفسهم لتتفق وهذه الظروف المستحدثة المطردة، مع احتفاظهم، بل مضاعفتهم، لبعضِ صفاتٍ معيَّنة تفرق الذكورة من الأنوثة، وقد تنشأ ضروب من الأعمال مختلف ألوانها تشيع في الناس بدل الذي جرى به التقليد من قسمة العمل شطرين، لكل جنس من الجنسين شطر بعينه، وليس من شأننا في هذا البحث أن نطرق موضوع الحياة الجنسية الخاصة، ولكن ما يعنينا هو أن نتتبع دور المرأة في الحياة في مختلف ألوانه، مما يؤثِّر في مجرى الحياتين الاجتماعية والاقتصادية بصفة عامة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢