الفصل السادس

قوة النساء فيما يَبْثُثْن من طمأنينة وإغراء

أثر النساء في تحديد الإنفاق

لنتوجه الآن بالبحث شطر وجه آخر من وجوه العلاقة بين النساء والرجال في هذا العصر، وهو وجهٌ له كذلك خطرٌ اقتصادي عظيم؛ فقد انصرفنا بالبحث حتى الآن إلى مساوئ المرأة في علاقتها بالرجل، وسبيلنا الآن أن ننظر في قوَّتها الحقيقية التي تؤثِّر بها في الرجل. إنه ليس من الدقة في شيء أن نقرِّر بأن الرجال والنساء تمسُّ بكل فريق منهما حاجة إلى الفريق الآخر؛ لأن الجنسين لا يفتقر أحدهما إلى الآخر في حاجةٍ واحدة، بل يفتقر إليه في كل جوانب حياته. ولقد أدلينا فيما سلف برأينا بأن الرجال لا يتعففون عن أن يأووا إلى كنف العاهرات لشيء أكبر جدًّا من إشباع الشهوة الجنسية المجردة، بل تنزع بهم حاجة عنيفة لمرافقة النساء بصفة عامة؛ لأن خيالهم في حاجة إلى تلك المرافقة، أكثر فيما أظن مما ينزع خيال النساء بهن إلى عشرة الرجال، وإنه ليحدث في حالات كثيرة أن تتبدل تلك الرغبة في النساء إلى نفورٍ منهن ومقت لهن، ولكنك لا تكاد تجد بين الرجال أحدًا لا يأبه للمرأة فلا يحس نحوها محبة ولا كراهية، والرجل العادي يرجو أن يصادف عند النساء حبًّا واستحسانًا، ويجب أن تقابل النساء بالتقدير أعماله ومنتجاته التي يحالفه التوفيق فيها، فكأنما النساء نَصَّبن للرجال حرَّاسًا يلزمهم احترام أنفسهم؛ وإن النساء لمشغوفات بطبعهن أن يراقبن الرجال ويُصِخْن إلى ما يطلبون، وأن يفسحن لهم في قلوبهن مكانًا، وأن يبدين لهم وجوهًا باسمة، على نحوٍ يعجز عن أدائه مَن شئت من الرجال.

وإنما قلت الرجل «العادي» عامدًا؛ لأني أبحث في هذه الصفحات في الكائنات البشرية العادية المتوسطة؛ إذ من هؤلاء تتألف الحياة الاقتصادية قلبًا وقالبًا. نعم إن هنالك أمثلة تشذ عن هذه القاعدة، بل قد نجد أجناسًا بأسْرها تشذ، فيقف الرجل من المرأة موقف المُشاهِد المؤيد لآرائها في نفسها، وبهذا يحد أعمالها على نحوٍ مخنث إلى أقصى الحدود. وكذلك قد تصادف من الشواذ في هذا العصر نساء كثيرات يخطبن ويغازلن نساء من جنسهن، ولكن الصورة الطبيعية هي أن المرأة تبث في مختلف ما يؤديه الرجل خصال الشجاعة والنبوغ والذكاء والكرم، والغباء والبلادة، والرشاقة أو الترهل، والضعة والتسفل والدناءة. إن المرأة تملك بين يديها صندوقًا من ألوان الأخلاق تصبغها كيفما تريد، وعلى النساء يتوقف تقدير طائفة كبيرة جدًّا من الأشياء استحسانًا واستهجانًا، حتى الأرقاء منهن لهن مثل هذا التأثير في التقدير.

وهذا التأثير من النساء على الرجال في تقديرهم للأشياء، وهذه القوة التي يسيطرن بها على الرجال في تقويمهم لأنفسهم، إذا أضفتها إلى ما لهن من قدرة عملية حقيقية في امتلاك زمام الرجال فيوجهنهم إلى ما يرون لهم من ملاذَّ جسمية واجتماعية، لوجدتهما يضفيان على المرأة خطرًا اقتصاديًّا لا يتناسب قطُّ مع ما تملك أيديهن امتلاكًا مشروعًا من قوة الشراء؛ فإذا كان الشطر الأكبر من ثروة العالم لا يزال بين أيدي الذكور، فإن جزءًا كبيرًا من قوة إنفاق تلك الثروة تملك زمامه النساء، أو قُل إن حق الإنفاق في الواقع قد نيط به إلى النساء، فماذا يشتري الرجال فيما عدا حاجات أعمالهم، وما يبتاعونه من مئونة وموادَّ غُفْل وعقار وأوراق مالية وما إلى ذلك؟ لقد يقول قائل إنهم يشترون السكك الحديدية وعِدَد الحرب، والسفائن والطوائر والعمائر، وإنهم يشترون ثيابهم وما يتطلبونه في رياضتهم من أدوات؛ ولكن إذا اختص الرجال بشراء السكك الحديدية والسفن، فمن ذا الذي حفَّز تهيئة القطار الفاخر، وغرفة السفينة المزدانة، أهو الذكر أم الأنثى؟ سندَع هذا السؤال بغير جواب، ولكل قارئ أن يفكر فيه، ولكنا إذا ما طرقنا بالبحث جوانب العيش على حقيقتها، بدا تأثير المرأة واضحًا؛ فإذا تُرك للرجل أن يشتري سيارة الرياضة فإن من شأن المرأة أن تتخير السيارة العادية للترف؛ وذوق المرأة ومطالبها هما اللذان يحددان في معظم الحالات فن العمارة في بناء الدُّور، بما تريده لنفسها وما تحبُّه لخَدَمِها، وإرادتها في ذلك نافذة، وهي أشد نفاذًا في اختيار الأثاث، وكذلك يوشك أن يكون بين يديها إعداد البيت بما تريد من معدات ومواد، وما تشتهيه من ألوان الطعام، وما تملأ به خزانتها من ثياب ما تفتأ في ازدياد. وإذا أخذنا بإحصائية تقريبية جاءتنا من أمريكا، فإن ثمانين في كل مائة من الشُّراة، في مدينة كبيرة، هم من النساء.

وذلك معناه أن النساء، وبصفة خاصة نساء الطبقات التي لها من الشراء ما يفسح أمامها مجال الإنفاق، لهن تأثير قوي، بل قد يكون لهن التأثير الأقوى في توجيه الصناعة الإنتاجية؛ فهن اللائي يقررن السلع السريعة في استهلاكها، وكذلك صناعات النسيج والأثاث ومواد البناء والمؤن، كل هذه تُعَدُّ وتُباع على نحوٍ يحقِّق رضاءها قبل كل شيء؛ وللنساء السيطرة على محال الشاي، وها هن أولاء اليوم يغزون المطاعم ويبدلن روحها، ولمَّا أُوصدت نوادي الخمر في وجوههن في أمريكا بحكم العادة صَوَّتْنَ في الانتخاب بإغلاقها فأغلقنها؛ هذا إلى المنسوجات والألوان، وما يسود الحياة اليومية من أنغام وأذواق، ومَنْ يؤذن للرجال بلقياهم خارج دُور العمل والنوادي، وما يجوز اصطناعه في الحياة الاجتماعية، وكل هذه رهينة في مجتمعاتنا الغربية بما تراه النساء.

إلى هذا الحد البعيد قد سلَّط النساء تأثيرهن القوي على ألوان الحياة اليومية دون أن يكون لهن إلا قليل من الإحساس بالتَّبعة التي تقع عليهن عامة؛ فكل امرأة تسيطر بنفوذها في حدودها دون أن تدرك كم يبلغ تأثير النساء جميعًا إذا جُمِع بعضه إلى بعض. وهكذا أخذ أفراد النساء في تشييد الدُّور وتكوين الشخصيات، دون أن يدور برءوسهن أنهن إنما يبنين بذلك عالمًا بأسْره؛ وحتى في تنشيئهن لأبنائهن قد كدن ينصرفن بالعناية كلها إلى سعادة هؤلاء الأبناء العاجلة ومصلحة أشخاصهم الموقوتة، وغضضن الأبصار غضًّا عن تأثير الحياة الاجتماعية بصفة عامة بما سلكن من سُبل في تربية أولئك الأبناء؛ وأحسب أنْ لو سُئل علماء التربية عن ذلك لأجابوا بأنه على الرغم من أن تقدُّم التربية مَدين أكبر الدَّين لفئة معينة من النساء، إلا أن أثر الأم العادية بصفة عامة كثيرًا ما يكون حائلًا دون الرقي، وقلما يعين على التوجيه المنشود؛ لأنها تحصر أفكارها في الجوانب المباشرة، فترعى في أبنائها الصحة وجودة الطعام وحسن السلوك، أما ما عدا ذلك فتذره في غير بصيرة نافذة لتصريف المدرسة.

وهي إنما تترك ذلك للمدرسة في سذاجة؛ لأنها لم تجد قطُّ مَن يرشدها أن تسأل عن واجب المدرسة.

وذلك إنما يُعزى قبل كل شيء إلى أن الأغلبية الساحقة من نساء الطبقة الثرية التي تنفق المال، جاهلة بالنسبة لما يُرجى لها، فأولئك النسوة لم يتعلمن أن يستفسرن علل وجود الأشياء؛ فالفتاة العادية من الطبقات الثرية، الضخمة في ثرائها، لم تبلغ من التعليم ما بلغه أخوها، وليس أمامها مهنة فنية تُحفِّزها إلى اكتساب العلم، وشوطها في طلب العلم أسرع من شوط شقيقها انقطاعًا. وأما الرجال والنساء في طبقات العمال في الدول الغربية، فيكادون يقفون اليوم على قدمِ المساواة فيما حصَّلوا من علم.

وإنك لتجد من الرجال أكثرَ ممن تجد من النساء مَنْ تملؤه الرغبة في الخدمة العامة، ومَنْ يصون شرفَ طبقته ومهنته؛ فالمرأة في وسطى الطبقات وعلياها لا تزال في الأعم الأغلب تقع في المرحلة البدائية؛ فإذا ما بلغت امرأة مكانة اجتماعية رفيعة وجدتها أكثر من الرجل انتكاسًا إلى الأطوار النهبية الزراعية الأولى، وهي بذلك تضع المثال لجمهرة النساء؛ وقد لا يكون هذا ناشئًا عن فوارقَ جنسية فطرية بين الرجل والمرأة؛ إذ قد يكون نتيجةً لاختلافٍ فسيح المدى فيما أورثته التقاليد لكلٍّ منهما، ولتخلُّف المرأة في مضمار التربية تخلُّفًا بعيدًا. وتدلنا تجارب الكنيسة الكاثوليكية، فيما أظن، أن النساء في مقدورهن أن يتعلمن حتى يبلغن من الاستعداد الفكري نحو الخدمة الاجتماعية ما بلغه الرجال سواء بسواء.

وتخلُّف التربية النسوية الذي ترك كثرتهن الساحقة عند طور بدائي، تراه متمثلًا في أجلى صوره عند باعة قبعات النساء وثيابهن، وعند تجار الجواهر الكريمة والمشتغلين بفن التجمُّل؛ في حين ترى الرجال وقد ألقت عليهم التقاليد واجبَ الخدمة الاجتماعية، وأمْلَت عليهم التربية السائدة في الأمم الغربية أن ينكروا ذواتهم، لا يتخذون من ثيابهم وسيلةً للهجوم، ويميلون، في ظاهر الأمر على الأقل، إلى خدمة الشعب، وهم أكثر استعدادًا لقبول الآراء اللازمة لإدارة الدولة وأعمال الصناعة والتجارة وللمقدرة على الإنشاء والإبداع؛ وليس ذلك أمرًا تحتِّمه الطبيعة، ولكنه نتيجة عوامل التربية في المدرسة وفي الحياة معًا؛ وآية ذلك أن هؤلاء الرجال المنشئين الذين تراهم اليوم في الدول الغربية ينزعون هذه النزعة الفكرية نحو خدمة الشعب، كان أسلافهم الجاهلون أشد من معاصريهم من النساء زخرفة وزركشة لثيابهم، وكانوا يتجملون بالجواهر الضخمة ويصبغون الرءوس واللحى، ولم يكونوا يعلمون من معاني الإخلاص إلا ما ينصرف إلى شخص أو أمير أو ملِك أو ما شئت من ألوان الزعامة، أما نساؤهم فلم يكنْ أمامهن ما كان لهم من فرص الظهور، ولا كانت لديهن الوسيلة التي يقتنين بها ما يقتني الرجال من ألوان الثياب؛ وما نزال حتى اليوم نشاهد عددًا عظيمًا من رجال الشرق يحتفظون بهذا الاتجاه العقلي، ولا يزال معظم نساء الغرب، في مجموعهن كجنس، يقف عند تلك المرحلة الهمجية عينها، فإن رأيت منهن مَن تلبس ثيابًا هادئة وأزياء متواضعة سمعتها تشفع هذا بالشكاة؛ لأنها تَعُدُّ مثل هذا اللباس ضربًا من ضروب التقشف المهين. ومعنى ذلك أنه لو كانت أمم الغرب تتألف من رجال بغير نساء، وكان الرجال بذلك هم وحدهم الشُّراة، لسارع صائدو اللؤلؤ ومقلِّدوه إلى هجر أعمالهم هجرًا قاطعًا، ولعمد تجار الجواهر والأحجار الكريمة إلى إغلاق حوانيتهم، ولاضطُر صائدو حيوان الفراء وقانصوه أن يتشحوا بما يقنصون من فراء أو أن ينفضوا أيديهم مما يعملون (وإن هم فعلوا لأمنت بقية سعيدة من ذوات الفراء والريش على حياتها) وتردَّت في هاوية الإفلاس صناعة وسائل التجمُّل على عِظَمِها، وسائرُ باعةِ الثياب والقبعات النسوية؛ وكذلك يوشك أن يمَّحي بيع الأثاث الفاخر الذي يُتَّخذ للظهور بالأبهة، وفنُّ عمارة الأبنية التي تُعَدُّ للجموع الحاشدة. نعم ربما بقي قليل من رجال البلاط الملكي وكبار الضباط يطلبون الفراء وأسباب الزينة والتجمُّل، وربما اشتدت رغبة الانغماس خِفْيَةً في فاخر الأردية المنزلية وساطع ثياب النوم، ولكنها رغبات ستكون من الضآلة بحيث لا تستطيع أن تحتفظ بهذا الجم الغفير من العمال الذين يصنعون هذه السلع، ولن تقف الدمارَ الذي يستتبعه زوال المرأة من أمم الغرب، على فرض زوالها.

ولكن إذا كان من غير الجائز أن تزول النساء من الأمم الغربية، فهنالك احتمال شديد جدًّا في ارتفاع مستوى تعلُّمهن حتى يدرك مستوى الرجال، وفي اصطباغ العالم كله بصبغة الغرب؛ وهذا يفسح لنا في مجال الأمل بأن يشهد العالم نساء أرزنَ ثيابًا وأَرْصَنَ عملًا مما نراه اليوم؛ وعندئذٍ فقط لا يحس النساء رغبة التفوق في الزينة والتجمل، بعضهن على بعض، إلا بمقدار ضئيل يماثل ما نراه اليوم بين الرجال؛ وستمَّحي من وجه الدهر هذه الرغبة في التحلي بالجواهر والأصباغ وفاخر الزينة التي تسود اليوم في حياتنا الاجتماعية، وهي وإن تكن مقصورة في بلادنا على النساء، إلا أنها لا تزال تسيطر على حياة الرجال والنساء جميعًا في حاشيات أغلب أمراء الشرق.

ومع ذلك فزوال الثياب المزخرفة زوالًا تامًّا من حياة المجتمع أليم للنفس، يكاد يبلغ في إيلامه أن تتنبأ للأطيار الشادية بالفناء؛ فلئن اضطُر الرجال اليوم بتأثير العلم ونزعة التزهد، وبما أوحت إليهم به المصلحة العملية، أن يرتَدُوا من الثياب ألوانًا متشابهة لا يمتاز فيها أحد من أحد، كما نشاهد مثلًا في أزياء الخَدَم والعمال، فإن ما نراه في نوافذ صنَّاع الملابس، من أردية المنازل وثياب النوم، يكشف لنا عن رغبة قوية ما زال يحسها الرجال نحو الثياب الفاخرة، وأنها لا تزال قريبة جدًّا من مرحلة السذاجة الأولى؛ ويؤيد هذه الملاحظة ما هو شائع بينهم من استحسان «الأردية المزخرفة» في حفلات الرقص والحفلات الساهرة، ومن إقبالهم على الحفلات التي يُلبَس فيها «زي خاص»؛ ودليل آخر يؤيد هذه الظاهرة أيضًا هو أزياء العلماء، وما يموج على رءوس الضباط من ريش، والأوسمة التي تتشح بها «طوائف الفرسان» المختلفة في أمريكا — الفرسان المتطوعين الذين أقبلوا على الفروسية من تلقاء أنفسهم. وربما تكون المرأة التي تشتغل بأحد الأعمال الفنية اليوم قد دنَت من الرجال في اتخاذها لثيابها؛ فتراها تلبس أغلظ اللباس أثناء عملها، حتى إذا ما تهيأت لها فرصة حفلات المساء بدت في ثوب مسائي فاخر؛ ولكن هذه الأردية المزخرفة التي يلجأ إليها الرجال والنساء الجادون في أوقات فراغهم، والتي يكادون يقصرونها على حياتهم الخاصة، تدل على أن لبْسهم لهذه الثياب المزركشة وشراءهم لها إنما يأتي في حياتهم عرَضًا، على نحوٍ يخالف ذلك السعي الدائب المُلِح الذي تبديه في طلب الأناقة نساء هذا العصر اللائي لا يختلفن في جوهرهن عن النساء الهمج في شيء.

لقد قيل إن فكرة الرجل عن نفسه وعن غيره من الناس تتوقف فيما يظهر على شيء «يؤديه»، أكثر مما تتوقَّف على مظهرٍ «يبدو» فيه، بينا النساء على نقيض ذلك، يرون كل القيمة لأنفسهن في المظهر أكثر منها في أدائهن عملًا من الأعمال؛ وذلك حق مقطوع بصحته لو أخذنا بإحصائية مَن نَبُه ذكرُه في هذه الدنيا؛ فأعلام الرجال في عصرنا هم الذين أنجزوا عملًا، أما مشهورات النساء «فشخصيات» وكفى، فهن غايات في أنفسهن، لا يقصدن إلى شيء بعد ذلك، ما دمن قد عَرَضْنَ أنفسهن، وحتى إن أَدَّيْن شيئًا فإنما يؤدينه للتظاهر بما لهن من ذكاء، ويكون هذا الذي يؤدينه قد سبقهن إليه واحد من الرجال — ولكني أعترف بأنهن يعملنه في سحر فاتن؛ وهؤلاء هن اللائي أُوتين القدرة على شيء من قوة التعبير. وكلا المرأة والرجل في الحياة العادية مضطر أن يتقيد في عيشه بقيود العرف الشائع، غير أنه يُقال بحق إن المشهورين والمشهورات، فيما خلا جوانب نبوغهم، لا يختلفون في شيء عن السوقة إذا أُطلق حبلها على الغارب؛ فهم بمثابة الأمثلة لما يعمله أكثر الرجال والنساء وما يكونون عليه لو هُيئت لهم ما هُيئ لهؤلاء المشهورين من فرص.

ولكن هذا الفارق بين العمل والظهور، الذي يفرِّق الرجال عن النساء كما يبدو اليوم، قد لا يكون فارقًا حقيقيًّا بين الرجال والنساء على إطلاقهما، والأرجح أن يكون ذلك مظهرًا آخر من مظاهر الخلاف بين المتعلم والهمجي من حيث الميول؛ وإن صح هذا، كان التفاعل بين النساء والرجال يجتاز في هذا العصر مرحلة من مراحل التغير؛ إذ لو كانت المرأة صائرة إلى يومٍ تكون فيه إزاء الرجل شيئًا أكثر من مجرد حافز تافه له، وتزداد في موقفها نحوه من خصائص الزميل والمُعين، فإنها على الأرجح ستؤدي رسالتها في الحياة، رسالة النقد والمدح والتشجيع وبعْث الطمأنينة، أداءً فيه من الدقة وبُعد الأثر ما لم يكن له في أي عهد مضى؛ لأنها ستبعُد عن كونها مجرد منحة يظفر بها الفائز في مضمار التنافس، لتكون أقرب إلى قاضٍ يزن مجهودات الرجال؛ وسيختلف تأثيرها عما هو اليوم من الإنفاق وروح الإنفاق، ومعنى ذلك أنها ستزداد تأثيرًا في تحصيل المال وطرائق تحصيله.

لقد بيَّنا في دراستنا لتأثير النُّظم المالية المعاصرة ما ينجم عن أصحاب المغامرة المالية من شر جسيم، بما ضربناه من مَثَل أو مثلين يصوِّران ما يفعلون؛ ومعظم قرائنا يعلم علمَ اليقين، مما تتناقله الأفواه على أقل تقدير، ذلك الضرب من الناس الذي يَخبِط في عالم المال خبطًا ينتهي به إلى الإفلاس، أو يؤدي به إلى ظلمات السجن، مخلِّفًا وراء ظهره علائم الخراب والدمار، فما هو أمله المنشود الذي يبرِّر سعيه وتعرُّضه للخطر؟ إن جوهر الغاية التي يقصد إليها هو النجاح في عالمٍ يقدِّس الظهور الوضيع، عالم تسيطر عليه مقاييس الحياة «البدائية»، عالم يُعنى عناية كبرى باستحسان النساء للرجال وسيطرة الرجال على النساء؛ فذلك الذي يخبِط في عالم المال إنما ينشد أن يحل في أعين النساء مكانة مقدسة، يوزِّع بينهن ما يتحرقن إليه شوقًا من الوسائل التي تمكِّنهن من حياة الأبهة التي يشتهين، وهذه المنزلة الإلهية التي يرفعه إليها النساء تبيح له أن يمحو من ذهنه كل أسف عما انتهج من سبل التلصص والتستر والمخادعة في التماسه طريق الثراء؛ فهو إذا ما بلغ منزلة التقديس المنشودة فما أهون عليه أن ينسى أن الوسائل التي انتهت به إلى ذلك الأوج كانت أبعد ما تكون من صفات التقديس، غير أن تدفُّق النساء تدفقًا جارفًا إلى صفوف المتعلمين سيمحو كثيرًا من قيمة هذه الأبهة التي يهيئها لهن المغامر الناجح في مغامراته؛ إذ سيعرفن فيها سناء المظهر ودناءة المخبر، وسيدركن فيها انحطاط الوسائل التي أدَّت إلى بلوغها؛ أمثال هؤلاء النساء سيخلقن مجموعة جديدة من القيم الاجتماعية يَقِسْنَ بها تقديرهن لأقدار الرجال؛ فلن يعتبر أولئك النساء ذلك الثريَّ البدائي في تفكيره بطلًا غزا أبواب النجاح الذهبية، بل سينظرن إليه رجلًا جشِعًا متطفلًا على الحياة الاقتصادية تطفلًا بلغ الغاية القصوى من الإيذاء والتخريب، وسيكشفن كشفًا جليًّا واضحًا عما به من أواصر القربى التي تصله بعصابات اللصوص، فإذا ما ألقين عليه هذا الشعاع البارد فلن يفلح مال الدنيا بأسرها في أن يجعل منه رجلًا خيِّرًا من «الشاطر أَلِكْ» الذي تروي عنه الأساطير عبثه بالأشياء، وبذلك يَرْدُدْنَ إلى صدره ما كان اتخذه مقياسًا لعلو شأنه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢