حرية الصحافة في العراق

أما والأصل في الصحافة أنها الوسيلة التي تترجم عن رغبات الجمهور والواسطة لتبادل الآراء بين أفراد الأمة وطبقاتها، وبين الهيئة الحاكمة والجماعات المحكومة؛ فقد أصبحت مسألة حريتها أمَّ المسائل، فلا صحافة بدون حرية؛ إذ كيف يراد من المعبِّر عن الرأي العام ونزعات الكافة أن يكون مقيدًا غير طليق؛ فهو إذن لا يؤدي مهمة هذا التعبير على وجهها الصحيح،١ لذلك حقَّ «لمدام ده ستايل» أن تقول:

إن حرية الصحافة لهي الحرية الوحيدة المعلقة عليها سائر الحريات.

ويقول الأستاذ لطفي السيد: «خير ما تفعل الحكومات لنفسها وللأمة التي تحكمها أن تكون مع الصحافة على غاية من التسامح، فلا تقف في طريق رقيِّها؛ لأن ذلك وقوف في طريق حرية الرأي العام ومصادرة لاعتقاده، لا يأتي إلا بنتيجة عكسية؛ لأن الرأي العام بطبعه عنيد تزيده طرائق العنف تشبثًا بمعتقده، وتُشعِل مُصادرةُ الحرية في صدره لهبَ الحرية المستوقد وضَوْءَها الساطع، وسرعان ما يتسرب إليه سوء الظن بالحكومة التي تريده على أن يفل من غرب حدته مهما حسنت نيتها وأرادت له الخير وخافت عليه من الوقوع في شر نفسه.

خير ما تفعل الحكومة أن يكون اتكالها في الحكم على رغبة الناس لا على إرهابهم.»

أما الحرية بذاتها فهي الحق المقدس الطبيعي الذي وجد مع الإنسان في فجر خليقته ونشأ معه، ولا يصح أن تعبث به قوة ما، ولقد صدقت الجمعية العمومية الفرنسية التي أعلنت «حقوق الإنسان» في ٤ آب ١٧٧٩ في تقريرها: «بأن ما يحيق بالمجتمع الإنساني من المصائب والشقاء، وفساد الحكومات، يرجع إلى سببٍ واحد هو جهل حقوق الإنسان أو تجاهلها أو العبث بها.»

لذلك نصت الفقرة ١١ من إعلان هذه الحقوق على القاعدة التالية:

بما أن حرية تبادل الآراء والمعتقدات هي من أثمن حقوق الإنسان، فكل فرد يستطيع أن يتكلم ويكتب وينشر ما يشاء بحرية، بشرط أن يكون مسئولًا عن إساءة استعمال هذه الحرية في الأحوال المعينة في القانون.

وقد درجت فرنسة من ثورتها الكبرى التي أعلنت فيها للبشر حقوقهم على تقديس حرية الصحافة واحترام الرأي المعلن فيها، بحيث وجدت لدى زيارتي «جناح الصحافة» الفرنسية في معرض باريس سنة ١٩٣٧ صفحة من أحد السجلات معروضة في لوحة كبيرة على الحائط ما ترجمته:

حمدًا لحرية الصحافة التي ترعاها دائمًا حكومة الجمهورية الفرنسية، فبفضل هذه الحرية تزداد صفحنا سعة في الانتشار يومًا بعد يوم، فتتكاثر النسخ المطبوعة منها.

هذا في فرنسة. أما في إنكلترا فتتمتع الصحافة الإنكليزية بحرية وسعة النطاق جدًّا، بعيدة عن كل إشراف أو رقابة، وليست هناك قوانين تفرض طلب الإذن بإصدار جريدة، حتى إن الصحف البريطانية تنشر أحيانًا مواد فيها الطعن والسب أو أمور غير لائقة، إنما تفعل ذلك على مسئوليتها نفسها، ومرجع الفصل دائمًا في القضايا الناشئة عن هذه الحال المحاكم والحكم للقانون.

وبديهي عندما نتحدث عن حرية الصحافة لا نتعدى في بحثنا إلى حرية الرأي إطلاقًا، فحرية الرأي تعني أن كل إنسان حرٌّ في إبداء رأيه سواء أكان خطأ أم صوابًا، وإلا لما وجدت حرية الرأي. أما حرية الصحافة فتشمل حرية الرأي، ولكن بشرط ألا يكون إبداء هذا الرأي على وجه يضر بالمجموع، كما أن في حرية الصحافة بعض الحقوق والواجبات التي تنص عليها قوانين الصحافة والمطبوعات في كل بلد.

هذا في بلاد الناس. أما عندنا في العراق فكما أن الصحافة شيء جديد ناشئ فحريتها أيضًا وليدة قاصرة، وللحرية الصحافية في بلدنا مفهوم خاص لا نعتقد أن هناك دولة حديثة من الدول الدستورية الديمقراطية تفهم هذه الحرية على الوجه الذي يفهمه القائمون بالأمر فينا.

في العهد العثماني

لم يكن في القطر العراقي في العهد العثماني قبل الدستور غير صحف رسمية حكومية ثلاث في بغداد والموصل والبصرة، وكانت الزوراء التي أسسها الوالي مدحت باشا في بغداد سنة ١٨٦٩، كما مر في المحاضرات السابقة، تتفوق على زميلتيها ليس من ناحية القدم فحسب، بل في تاريخها الحافل؛ إذ إنها في عهد منشئها مدحت باشا أدت الواجب الصحافي رغمًا عن كونها صحيفة رسمية، فبحثت في أحوال الولاية وشئونها المختلفة بشيء من الحرية ملتزمة جادة الحق، فلما ذهب مؤسسها من هذه الديار بعد ثلاث سنوات تبدلت لهجتها، ولا سيما عندما شدد العهد الحميدي الخناق على الصحف وأخرس ألسنتها الناطقة وحطَّم أقلام الكتَّاب.

ومن الطريف أن نورد ونحن بصدد الصحافة في العراق بعض القيود التي كانت مفروضة في عهد السلطان عبد الحميد على صحف البلاد العثمانية ومنها العراق.٢
تعليمات إلى الصحف:
  • (١)

    قبل كل شيء يجب تنوير الشعب عن صحة جلالة مولانا الملك الغالية، ثم البحث عن المحصولات الزراعية وعن تقدم التجارة والصناعة في المملكة.

  • (٢)

    محظور على الصحف نشر أي شيء لم يقترن بمصادقة «صاحب الدولة» وزير المعارف، عدا ما لا يرى دولته مانعًا من نشره من الوجهة الأخلاقية.

  • (٣)

    محظور على الصحف نشر أبحاث مطولة مهما كان نوعها، أدبية كانت أم فنية، بحيث لا يتسنى للصحيفة أو المجلة نشرها مرة واحدة، ولا يجوز مطلقًا استعمال كلمة «يتبع» أو غيرها من التعابير التي تدلُّ على أن للبحث صلة.

  • (٤)

    لما كان ترك الفراغ أو وضع نقط متتابعة في المقال مما يسبب التشويش ويترك المجال لتقولات وفرضيات لا طائل تحتها، فلا نسمح باستعمال ذلك في المقال مطلقًا.

  • (٥)

    يجب أن لا يُعطى أي مجال للطعن في الشخصيات، وإذا أسندت تهمة السرقة أو الرشوة أو القتل إلى أحد الولاة أو إلى أحد المتصرفين، فينبغي كتمانها بسبب عدم إمكان إثبات صحة تلك التهم؛ لذلك ينبغي عدم إفساح المجال مطلقًا لنشر أمثال هذه الأمور في الصحف.

  • (٦)

    محظور على الصحف نشر ظلامة أي أو أية جماعة من الشعب تشير إلى سوء تصرفات موظفي الدولة، كما أنه محظور على الصحف الإشارة إلى أن شكاوى من هذا القبيل طرقت مسامع الذات الملكية المقدسة.

  • (٧)

    ممنوع على الصحف بصورة قطعية ذكر كلمة «أرمنستان» وما ماثلها من الكلمات الجغرافية والتاريخية.

  • (٨)

    بما أن شعبنا الصادق الآمن يجب أن لا يطلع على أي خبر يتعلق بمحاولات الاغتيال التي قد تقع ضد الملوك في البلاد الأجنبية، أو على أية مشاغبة أو مظاهرة يقوم بها المفسدون في تلك الممالك، فمن الضروري الحيلولة دون تسرب أمثال هذه الأخبار إلى الشعب بصورة مطلقة.

  • (٩)

    بما أن البحث عن هذه التعليمات أو التطرق إليها في الصحف يؤدي إلى أن يستغلها بعض الانتهازيين، فيجب منع نشر أي شيء يتعلق بها.

فلما انزاح ظلام الاستبداد وأشرقت شمس الحرية، وأعلن الدستور العثماني سنة ١٩٠٨ استبشر الناس خيرًا وطفقوا ينشئون الصحف في عراقنا شأنهم شأن سائر البلاد العثمانية في ذلك الطور، ونعمت الصحافة العثمانية بحرية فترة من حياتها، وانطلقت الأقلام من عقالها، وأخذت تصول في ميادين النقد والبحث، ومعاجلة الموضوعات في جو فسيح، وتكتب ما يعنُّ للكاتب من الأفكار الإصلاحية والمطالب التي يرى فيها فائدة لبني قومه، مستظلًّا بظل الدستور وقانون المطبوعات الصادر في ١٦ تموز سنة ١٣٣٦ (رومية).

ولكن الحكومة العثمانية بعد برهة قصيرة لم تتحمل حتى في العهد الدستوري الصحف الحرة والجرأة التي بدت على أقلام الأدباء والكتاب، فأخذت تُعدِّل في هذا القانون، وشرَّعت لذلك خمسة قوانين معدلة أحكام القانون الأول، مما كان له ضجيج في بلاد السلطنة العثمانية، وقوبل بصخب شديد في البرلمان (مجلس المبعوثان) بالآستانة، وانبرى بعض النواب العراقيين ينددون بالتشديد على الصحف وخنق حريتها بهذا التشريع الجديد.

ومما قاله «سليمان فيضي» نائب البصرة في هذا الموقف:
تريد الحكومة أن تعامل أبناء الأمة الذين استنارت أذهانهم بالعلم والمعرفة بأشد مما تعامل به المجرمين والقتلة، إننا نقتل أذكى كتابنا ونخرس الأقلام ونسلب الناس حرية الكلام، ثم ندعي أننا نعيش في بلاد دستورية حرة، فما هذا المنطق؟ لماذا تشدد الحكومة هذا التشديد على أرباب الأقلام والمنورين منا، فإذا كانت الحكومة تريد من سن هذا القانون اتقاء القدح والذم في الصحف، فلماذا ترجح حقوق هؤلاء الناس على حقوق الآخرين، لتوضح لنا الأسباب التي حملتها على تقييد حرية الصحافة تقييدًا لا ينطبق على القواعد الدستورية.
أود أن أسأل الحكومة ومقرر اللجنة الحقوقية، لماذا لا تشدد الحكومة هذا التشديد على المجرمين والقتلة بدل الكتَّاب القديرين وأرباب الأقلام الحرة.
إن هذا القانون الذي يضيق الخناق على حرية النشر والصحافة يتعارض مع الدستور تعارضًا واضحًا، وإذا كان غرض الحكومة من تشريعه اتقاء القدح والانتقاد على صفحات الجرائد والمجلات، فمعنى ذلك أنها ترمي إلى إخماد الأذهان وتكسير الأقلام ومحو الحريات، ثم تتشدَّق بعد ذلك بحمايتها للدستور وتمسكها بروحه.
ومما قاله جميل صدقي الزهاوي «نائب بغداد» في هذه الجلسة من «مجلس المبعوثان» العثماني:

لقد أثبت تاريخ الأمم أنه كلما اشتد تضييق الخناق على أصحاب الأقلام والأفكار كلما كان الانفجار عظيمًا وسريعًا، وها نحن اليوم نشرع قانونًا يرمي إلى محاكمة الكتَّاب والمفكرين قبل محاكمة المجرمين واللصوص.

وقد كان لموقف النواب العراقيين وغيرهم من نواب البلاد العربية في مقاومة هذا القانون صداه البعيد في الصحافتين التركية والعربية في ذلك الوقت، فأطرت حريتهم وشجاعتهم، منها جريدة «صباح» التركية التي قالت:٣

إن التاريخ سيحفظ لهؤلاء النواب الأحرار هذا الموقف، وسيكون تذكارًا لأبناء الأمة في المستقبل، فيه درس وعبرة.

في عهد الاحتلال البريطاني

وبعد أن تقلَّص ظل الحكم العثماني واحتل الجيش البريطاني العراق، ثم تغيَّر الحكم العسكري البريطاني في العراق إلى حكم مدني بريطاني، وقبل نشوب الثورة العراقية سنة ١٩٢٠ عوملت الصحف القليلة التي صدرت على ضفاف الرافدَين في خلال هذه المدة القصيرة معاملة فيها الكثير من التساهل، وإفساح المجال لإبداء الرأي على صفحاتها، مع أن الشعب الواعي لم يكن راضيًا عن تلك الحالة أيضًا، وكان يطالب بإطلاق حرية الصحافة، كما جاء في بيان «المندوبين الخمسة عشر» الذين قابلوا الحاكم الملكي العام السر أرنولد ولسن في دائرته ببغداد يوم ٢ حزيران (يونيو) سنة ١٩٢٠؛ فقد سلموه مذكرة «بمطالب الشعب» من سلطة الاحتلال، تدور حول ثلاث مسائل جوهرية لا بأس من إيرادها بنصها؛ لتعرف مقدار شعور العراقيين بقيمة الحرية الصحافية من ذلك اليوم:
  • (١)

    الإسراع في تأليف مؤتمر يمثل الأمة العراقية ليعين مصيرها فيقرر شكل إدارتها في الداخل ونوع علاقاتها بالخارج.

  • (٢)

    منح الحرية للمطبوعات ليتمكن الشعب من الإفصاح عن رغائبه وأفكاره.

  • (٣)

    رفع الحواجز الموضوعة في طريق البريد والبرق بين أنحاء القُطر أولًا: وبينه وبين الأقطار المجاورة له والممالك الأخرى ثانيًا: ليتمكن الناس هنا من التفاهم مع بعضهم ومن الاطلاع على سير السياسة الراهنة في العالم.

ولم تَرَ سلطة الاحتلال بدًّا تجاه هذا الإصرار من منح امتياز لجريدة أصدرها القائمون بالحركة الوطنية يومئذٍ هي جريدة «الاستقلال»، كما تبسطنا في محاضرة سابقة. وقد كتبت مقالات عنيفة، ندر أن ساعدت الحكومة بعد ذلك وفي سني الاستقلال على أن تجاريها صحفنا العراقية من حيث شدة اللهجة وصرامة الانتقاد.

فلما تألفت الحكومة المؤقتة وأسست الدولة العراقية اتخذ المبدأ العام الذي أقره الدستور أو «القانون الأساسي العراقي» بعد ذلك، وهو أن جميع القوانين العثمانية التي كانت قد نشرت قبل تاريخ ٥ تشرين الثاني (نوفمبر) سنة ١٩١٤ والقوانين التي نشرت في ذلك التاريخ أو بعده وبقيت مرعية في العراق إلى حين نشر «القانون الأساسي العراقي»، تبقى نافذة فيه إلى أن تبدلها أو تلغيها السلطة التشريعية. وهكذا أخذت حكومة العراق تنفذ قانون المطبوعات العثماني المعدل على الصحافة العراقية، وفي هذا القانون تشديد ليس بالقليل كما ألمعنا آنفًا.

في عهد المملكة العراقية

ومع ذلك فلم يَرُقْ للحكومة أن تبقى صحافتنا خاضعة لقانون المطبوعات المذكور، بل سنَّت غيره هو قانون المطبوعات العراقي رقم ٨٢) لسنة١٩٣١. وقد شددت الحكومة في قانونها الجديد على الصحافة وفرضت قيودًا حادة لم تكن في القانون العثماني، بشأن الشروط المطلوب توفرها في المدير المسئول للجريدة أو المجلة، وفيما يتعلق بانتقاد أعمال الموظفين والمسئولين في الحكومة، وأبقت مسألة التعطيل الإداري للصحف بيد الوزير أو مجلس الوزراء للمدد الطويلة أو لأجل غير مسمى.

وعدل هذا القانون أيضًا في خلال سنتين فقط بقانون رقم ٥٦ لسنة ١٩٣٢، وزيدت فيه القيود والحدود، وإذا كان الحزبان الوطنيان «الحزب الوطني» و«حزب الإخاء الوطني» قد عارضا كثيرًا عندما شرع قانون المطبوعات هذا أو القانون المعدل له، وطالبا في مناسبات عديدة بمنح الصحافة الحرية التامة لتضطلع بمهمتها، فلما تولَّت الحكم الوزارة القومية التي أكثريتها من «حزب الإخاء الوطني» سنة ١٩٣٢ برئاسة رشيد عالي الكيلاني اهتمت بحرية الصحافة والنشر، فسنت قانونًا جديدًا للمطبوعات رقم ٥٧ لسنة ١٩٣٣ تضمن إلغاء كثير من القيود والعراقيل التي كان قد فرضها القانون السابق وتعديله، ولكنَّه في الوقت نفسه لم يقضِ على التعطيل الإداري أيضًا، إلا أنه حدد مدته فمنح وزير الداخلية حق التعطيل لمدة لا تزيد على عشرة أيام، ولمجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير الداخلية حق التعطيل للجريدة أو المجلة لمدة لا تزيد على شهر واحد، فإذا تكررت المخالفة من الجريدة بعد انتهاء مدة التعطيل، فلوزير الداخلية أن يودع القضية إلى المحكمة، وللمحكمة أن تقرر تعطيل المطبوع مؤقتًا أو مؤبدًا.

إلا أن الحكومة التي تلت هذه الوزارة٤ بعد بضعة أشهر لم تَكَدْ تستقر في دست حكمها حتى عمدت إلى تعديل قانون المطبوعات الجديد، مرجعة إليه كثيرًا من القيود والأحكام الصارمة، ولا سيما ما اختص بالتعطيل الإداري، فشرعت قانون التعديل لقانون المطبوعات رقم ٣٣ لسنة ١٩٣٤، ولكن حسنة واحدة قد تضمنها هذا التشريع المستحدث في «مادته العاشرة» وهي: ليس للحكومة أن تعطل صحيفة سياسية حزبية معلن فيها أنها لسان حزب سياسي مجاز قانونًا إلا بحكم المحكمة.
وأهم الانتقادات الموجهة إلى «قانون المطبوعات» النافذة في الفترة التي نتحدث عنها:
  • أولًا: أخذه بنظام الإجازة بإصدار الجريدة أو المجلة أو النشرة، وهذا الفرض لا وجود له في البلاد الراسخة في نظمها الديمقراطية؛ إذ يمكن الحكومة من التحكم في الأمر، فلا تمنح إجازة لشخص أو جماعة أو هيئة تخالفها في الرأي السياسي أو الفكرة أو العقيدة، أو تشكك في مخالفتهم لها، وهذا يعني أن الحكومة تسد الطريق في وجه المعارضين لها، وهو تعسُّف يناقض مبدأ المساواة بين أفراد الشعب أمام القانون الذي نص عليه دستور البلاد أو «قانونها الأساسي».
  • ثانيًا: عرض قانون الصحف والمجلات والنشرات للإنذار والتعطيل والإلغاء الإداري، وفي هذا ما فيه من التشديد والإرهاب، ولا سيما أن المشرع لم يوكل تعطيل المطبوع جريدة كانت أو مجلة أو نشرة إلى القضاء ليكون الحكم أو التدبير قضائيًّا، بل جعله بيد وزير الداخلية أو مجلس الوزراء؛ أي بيد السلطة التنفيذية (الإدارة)، ولا يُطمأن دائمًا وفي جميع الأحوال على عدالة تصرفات الوزارة الإدارية وسلامتها من النزوات الشخصية والدوافع الحزبية، كما أن هذه الصلاحيات الواسعة المعطاة للإدارة في تعطيل الصحف وإلغائها لأسباب تبررها السلطة الإدارية نفسها، تجعل الصحافة عرضة في كل وقت لأنْ تُعطل الصحيفة أو تُلغى لمجرد انتقاد الحكومة أو الدعوى لفكرة أو رأي لا يروقها، وهذه الحالة تنافي الحرية الكاملة المفروض توافرها في الجو الصحافي، لتستطيع الصحف أن تؤدي واجباتها على الوجه الأكمل.
  • ثالثًا: جعل القانون الصحف والمجلات والنشرات الدورية معرضة للمصادرة بأمر وزير الداخلية، وليس بقرار من المحكمة؛ أي السلطة القضائية.

    وهذا سيف آخر مسلط على رقبة الصحافة يكفل للحكومة أن تقضي على أية جريدة أو مجلة أو نشرة دورية قبل ظهورها أمام أعين القراء، ولو نِيط أمر المصادرة بالقضاء لهان الأمر بعض الشيء.

  • رابعًا: وقد أخذ القانون العراقي باستيفاء التأمينات النقدية من الصحافي عند الإذن له بإصدار صحيفة، يعين مقادير هذه التأمينات بالنسبة إلى مواعيد صدور المطبوع، وهو نوعٌ من العرقلة شدد عليه النكير نقاد قوانين المطبوعات في أوروبا عندما شرعت في بلادهم، وأجمعوا على أنها مقيدة للحريات الصحفية.

ويجب أن نضيف إلى هذه القيود الثقيلة التي احتواها قانون المطبوعات العراقي ما جاء في «قانون العقوبات البغدادي» من أحكام صارمة تتصل «بجرائم الرأي»، وهي الجرائم الخاصة بالفكر والعقيدة سياسية كانت أم اقتصادية أم فلسفية.

كما أن هناك قانون مرسوم الأحكام العرفية رقم ١٨ لسنة ١٩٣٥، الذي يبيح لقائد القوات العسكرية عند إعلان الأحكام العرفية في منطقة ما من مناطق البلاد أن يفرض الرقابة فيها على الصحف والنشرات الدورية قبل نشرها، وإيقاف نشرها من غير إخطار سابق.

وبهذه الوسيلة تعطل حرية الصحافة تعطيلًا تامًّا فلا تعود أية صحيفة تنشر إلا ما ترضى عنه الحكومة القائمة المعلنة في عهدها هذه الأحكام العرفية.

ومما يجعل حرية الصحافة مهددة في بلاد الرافدَين وبحكم المفقودة في أغلب الأحيان، أن أعمال الوزراء في الإدارة قطعية، وليس هناك مجلس دولة أو محكمة إدارية تُستأنف عندها أحكامهم.

ملاحظة مهمة

هذه محاضرات ثمان قُصد بها بناء على دعوة المعهد إلقاء نظرات خاطفة على قدر ما تسمح به المحاضرة، على طلاب معهد الدراسات العربية العالية، التابع لجامعة الدولة العربية، في موضوع «نشوء الصحافة العراقية وتطورها منذ أول ظهورها إلى نشوب الحرب العالمية الثانية».

أما الإسهاب والاستقصاء وتراجم الشخصيات الصحفية البارزة في العراق فمظانها في التاريخ المفصل الذي أشتغلُ بكتابته منذ زمن، ولم أترك أمرًا يخص الصحف والصحافة في بلاد الرافدَين إلا ذكرته في مطاويه، وآمل أن يُتاح لي إنجازه ونشره قريبًا.

المحاضر
١  من مقال للمحاضر في مجلة «الرابطة» ببغداد، في العدد الصادر يوم ٢٨ نيسان (أبريل) سنة ١٩٤٥.
٢  مترجمة عن كتاب «عبد الحميد ثاني ودور سلطنتي؛ حياة خصوصية وسياسية سي»، المجلد الثاني، ص٥٨١.
٣  جريدة «صباح» إستانبول العدد الصادر يوم ٢٦ رجب ١٣٣٢ (رومية).
٤  وزارة جميل المدفعي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١