حكم وأمثال

من دواوين «عبد الرحمن شكري»
حياة الناس إما ماء نهر
فيصلحه التدفق والمسير
وإما ماء آجنة كثير
قذاه ويأجن الماء الطهور

•••

ليس يدري مضاضة القدر الغا
لب إلا معالج البأساء

•••

أكذب الدين ما ينيم قوى المر
ء كما يخرس الرياح الركود

•••

وما علم الغل الفتى كمصيبة
دهتْه فلم يعطف عليه ضريب

•••

لم يزر بالحق حب الحسن بينهم
فالحق والحسن إن فكرت سيان

•••

لا تحسب الحب بين الناس منقصة
فالحب سلوة هذا العالم الفاني

•••

والعيش سر أنت باحثه
فعسى تجوب مجاهل السبل
والعيش سجف أنت رافعه
عما جهلت بجد ذي حيل
والنجح ليس بخير مكتسب
كم نجحة شر من الفشل
كم ظافر بأقل مطلب
خذلت يداه بمطلب جلل
ضحكات لا تعرف الخير والشر
ولا تضمر الجوى واللغوبا

•••

وفي اللون آيات من النور جمة
ويا رب لون قد يضيء له جمر
إنما تنطق النفوس لدى كل
مصيخ إصاخة المذعان
ونجى النفوس ليس الذي الـ
ـجم فاه من رهبة أو هوان
إن وأد الأبناء أهون خطبًا
وآثامًا من وأد تلك المعاني١

•••

كالمكان الخراب يبعث في النفـ
ـس خشوعًا ورعدة للظنين

•••

رب جان علم العا
جز وجه العزمات

•••

هكذا سنة الورى وقديمًا
هلك الليث في زمان القرود

•••

كل عيش سهل المساغ وإن مَرَّ
سوى عيش بائس مصفود٢

•••

فإذا شاء رأى في الجدب خصبًا
ورأى في الراكد الماء المعين

•••

يمد نحو النجم كفًّا له
ويحسب النجم قريب المنال

•••

ربما أضمر الرياء حياءً
وبدا في الحياء بعضُ الرياء

•••

وما كل ما يأتيك عفوًا محللًا
ولا كل ما لا ينتحبه ملام

•••

وافتقار النفس للحـ
ـب عنيف لا يُرائَى

•••

ورب لون هاج شجو الفتى
وفتح الذهن بمرأى الضياء

•••

ووالله ما أدري أواف بعده
أحق بإجلال الفتى أم ضمينه
ألا عَلِّلَانِي يا خليليَّ أنتما
على العيش بالإحسان والصدق والندى

•••

كلما أضمرتُ حُبًّا لحبيب
كَذَّبَتْ أخلاقُه ذاك الهوى
في ضياء الحسن وعدٌ كاذب
مثلما أَوْمَضَ برقٌ وخبا

•••

خُلِقَ الإنسانُ كي يشقى بما
يبتغي في نيله برء الشقا

•••

ولربما كره الفتى صور الردى
وهو الجريء على الحمام المقبل

•••

ندمنا وقد تمحو الندامةُ ما مضى
ولكنها قد توس المرء في الباقي
وتودي بعزم صادق ذي عرامة
وتنحي على بال السليم بإقلاق

•••

ومن سمت نفسه لغايتها الـ
ـقصوى بعزم ثبت وإقدام
يكرم الحب كل تكرمة
ويعظم الحسن أي إعظام
إنما الأرواح شتى فاسلكوا
كل روح حيث لا تذوى مناها

•••

وكم في الشعر من حلم لذيذ
يعين على حياة أو حمام

•••

وهل يرفع الإنسانَ فضلٌ أصابه
إذا كان يزجيه إلى الفضل زاجره

•••

كفى بنفسِيَ داءً أنني رجل
أخشى الحياة وأَقلى سطوة الأجل

•••

بعض الأماني كالحيا
ة إذا انقضت ليست تجدد
وما هجروك من عبث ولكـ
ـن غايات الوسائل في الحتوف

•••

إذا كان الحبيب على سلوٍ
فلا يغني التودُّد بالعتاب

•••

نغمات مثل الربيع حسان
وغناء يحيي الهوى والتمنِّي
فالأزاهير كالطيور على الغصـ
ـن سكوت والطير زهر يغني

•••

ويح شمل الصحاب لو كان صدق الـ
ـقول أنْ لا حياة بعد الحياة

•••

أنا والغيب كالغلام إذا حا
ول فتحًا لمغلق الأبواب

•••

ويا حسن ما تملي الخيالات أنها
حلى على جيد من الدهر أجرب

•••

وفي اليأس يأس يبعث المرء بعثة
إلى الغاية القصوى من السعي والجد

•••

إني لَأذكر أيامًا لنا سلفت
كما تذكر صوت اللجة الصدف
وكلمتني الرياح الهوج في فمها
سر الطبيعة مخبوءٌ ومنكشف

•••

وإنما الكون قلب لا سكون له
حياته نبضات الحادث الجلل

•••

وما نصب المصباح إلا لضوئه
وإن كان في أحشائه الدهن فانيا
وليس الذي يحيا حياة ذليلةً
خليقًا بأن يدعى على العيش باقيا

•••

صُنْ بالفضيلة حسنًا أنت زائنُه
ما كل حسن بعَفِّ الذيل فتان

•••

وإن الجسوم غذاءُ النفوس
وإن النفوس حياةٌ لها

•••

وقد يَخُزُّ الشرُّ روح الغبي
كما يخز الدود أهل القبور

•••

فهم يمدحون الخير من خوف سامع
وهم يهجرون الشر خوفًا من العذل

•••

إن الذي اتخذ الظَّلُومَ وَلِيَّه
أطغى إذا عُدَّ الطغاةُ وأظلمُ

•••

إن العقيدة في الضمير مكانُها
ليست بتحريك اللسان ولا الفم
لا تعد الظن رأيًا صادقًا
يفتح الظن مغاليق الحِمَام

•••

هو كالأخفش في إلحاظه
لا يرى الأشياء إلا في الظلام

•••

ومن شقوة الإنسان أن اقتداره
ضئيلٌ وما يرجو من العيش واسعُ

•••

متعلِّقٌ بالعيش يرجو صفوه
كتعلُّق الطفل الرضيع بأمه

•••

وإني لَأرجو في إخائك لذة
كلذة أهل الرأي في حسن الفكر

•••

نعمنا بِكُمْ حينًا فلما صدفتم
ثكلنا كما ثكل الفتاةَ رضيعُها

•••

كما أفلتت من قانص الدُّرِّ دُرَّةٌ
وقد أمنت أطماعه أن يضيعها
يحسب أن الأقدار ما خلقت
إلا لتجري بنسج سؤدده

•••

إن الوسائل والغايات ما اشتبهت
على امرئ فدواعي الطيش في العمل

•••

فقد يخطئ الإنسانُ ما هو طالب
ويصمى من الأشياء ما ليس يقصد

•••

يرجو الفضيلة لكنْ لا يعالجها
ويطلب الخير لم يمدد له مددًا

•••

وما كنت إلا قاذفَ الريح بالثرى
لَوَتْهُ عليه الريحُ والترب تارب
ألم تر أن الشر مغرًى بربه
يغالبه عن نفسه وهو غالب

•••

وأحسن من شكوى الزمان احتقاره
إذا عدوات الدهر غالت خطوبها

•••

لكل دهر إمام قائم أبدًا
يُبِين للناس معنى الصدق والكذب

•••

فصبر بعين المرء في حين يأسه
وصبر بعين المرء عند طموحه

•••

إذا أنت أكرمت اللئيم أهنته
بفعل حميد ناقد لفعاله

•••

مهما تطاول بالنبات فروعه
فأصوله في الأرض ذات طرائق
وكذا اللئيم إذا ترافع قدره
غالى برأي في الفسولة صادق

•••

يسوءك اليوم فترجو غدًا
إن غدًا ليس بيوم جديد

•••

وقد يحمد الإنسان عقبى ذنوبه
ويشقى بما لم يجنه ويصاب

•••

ويل القوي من الضعيف إذا طغى
ويل الضعيف من القوي العادي

•••

يمشي وحيدًا في الخلاء وحوله
جيش من الآراء والعزمات
ومن يصحب الأيام من بعد خبرة
يقل لديه تافهٌ وثمين

•••

أَعَزُّ صديق في الخفاء يكيدني
وأصدقُ صحبي في الوداد يمين

•••

وما العيش إلا الذئب تدمى نيوبه
وللعيش نابٌ قاتلٌ وأظافرُ
ولكنه كالخمر تحلو لشارب وإن
سَلبت منه النهى والسرائر

•••

ما ترى الناس في الحياة حيارى
ضل من كان عالمًا أو جهولا

•••

وأعاد الأنام قصة من ما
ت فكانوا قابيلا وهابيلا
فترى الخلق في المطامع إما
قاتلًا ظالمًا وإما قتيلا

•••

فمن لي بعيش لا أبالي صروفه
أقول لدهري طر بصرفك أوقع

•••

إذا كنت في روض فقلبي طائر
يغني على أغصانه ويطير
يُقتل المرء على الْجُرْمِ ولا
يسأل الجبار عما يجترم
نعيش بالغش ما حيينا
غش عِدًى أو أَحِبَّة

•••

جلدة السخل بها الذئب ارتدى
فإذا ما غفل الراعي هجم

•••

إذا ظمئ الفؤاد إلى كمال
رأى ضرب الخلود كقيد شبر

•••

وكان الجهل لي عبدًا فولى
فيا شوقي إلى جهلات عمري

•••

وفي كل وجه لو فطنت إشارةٌ
تدل على ما في الضمير من السر

•••

بني آدم لا تذكروا العدل ذكرة
فما العدل إلا ما ترون من الأمر

•••

ولو كان للآثام ريح خبيثة
تطيَّب كل الناس بالند والعطر
ولو كان سوء النفس داء بجلدهم
لأصبح كل الناس يوصم بالعر

•••

والموتُ أطهر من خبث الحياة وإن
راعت مظاهره الأجداث والظلم

•••

ضمائرُكم لو تعلمون حبائل
لها من أباطيل النفاق سيور

•••

يعين على شتمي وإنْ هو لم يقل
مقالًا وبعض الصامتين يقولُ

•••

وارقص على نغم الحيا
ة فما لها أبدًا معيد

•••

من لي بعيش لا أُحس صروفه
كالماء أو كالنار أو كالجلمد

•••

ضحك يهدُّ القلبَ وقعُ رعوده
ولَرُبَّ ضحك في النعيم مغرد

•••

وفي صروف القضاء عرقلة
تقتل روح الذكاء بالريب
وتبعث اليأس والملالة والشـ
ـك وتودي بهمة الطلب

•••

والقلب مثل الزهر يحييه الهوى
يومًا ويدركه الأسى بممات

•••

وما الشعر المشبوب في الرأس حلية
ولكن رماد للحياة يريب

•••

عبث نسبة الغناء إلى الرو
ض فليس الغراب كالورقاء

•••

ولا تحسبا أن السكوت جلادة
فما كل صمت يحمد العيش صاحبه

•••

على الدهر والدنيا على العيش والردى
فرائض لا تبلى ولا تتحول
وتهلك هاتيك الشعوب وتنطوي
كما يهلك المرء الضعيف المقتل

•••

وعش مع هذا الكون كونًا معظمًا
وكن في قواه بين ناهٍ وآمر

•••

فإني رأيت النفس كالأفق بهوها
تسير بها الآمال سير الكواكب

•••

إن المقادير أجنادٌ مجنَّدة
تصول بالحق لا ظلم ولا خَطَلُ
لا رحمة عندها ترجى ولا مِقَةٌ
ولا الشفاعةُ تقصيها ولا الخول

•••

إذا ابتلى الله قومًا بالهلاك فلا
سمعٌ لديهم ولا عزم ولا حيل

•••

لا الدهر غِرٌّ ولا الأيام ظالمة
وإنما العيش فينا والردى علل

•••

كلٌّ له أجل يسعى ليبلغه
وليس يفلت إما جاءه الأجل

•••

إن من يدرس الحياة طويلًا
لخليق بضحكة الجهلاء

•••

ظمأ النفس مثله ظمأ الجسم
وداء النفوس كالأدواء

•••

وحسوت النعيم والبؤس حتى
لم أدع كأس لذة أو شقاء

•••

وأشقاك أن قيود المقا
بح غلت عليك فلم تصدع
فأصبحتُ فيها كطير الحبا
ئل رُمْت الخلاص فلم ترفعي

•••

يقضي الغبي حياته في غفلة
عن نفسه وَيُعَدُّ في الأحياء

•••

لولا طماح الحالمين وهمهم
بقي الورى كالتربة الغبراء

•••

وليست نفوس الناس إلا أسنة
لها كل يوم مطعن وجلاد
وهب أن ما يأتي الفتى غير مقنع
أليست لذاذات الطراد تراد

•••

جهلنا فما ندري على العيش ما الذي
يُراد بعيش نحن فيه نُقاد
سوى أن عيش المرء بالشك فاسدٌ
وأن يقينًا في الحياة رشاد
يقينًا بأن العيش نَشْوَةُ صائل
له عزمات في الحياة حداد

•••

للنفس أُفقٌ مضيء نوره عمم
وأرضها النتن من رجس وأدناس

•••

نفسي كالطائر الحبيس فلا
مفر من جور سطوة القدر

•••

تُعَاوِدُنِي ذكرى الربيع الذي مضى
كأن حبيبًا قد طواه حمام
لقد جف قلبي والزهور نضيرة
وقد شاب قلبي والزمان غلام

•••

وهَوَّنَ عندي الموتَ ما الدهرُ صانع
فلست من الخطب العظيم أَخُور
فليست مساعي المرء إلا جنازة
تخب به نحو الردى وتسير

•••

من ثمار القدرة العلم
وفي العجز الضلال
قيمة المرء مساعيه
إذا عز المنال
بذلوا النفس ليحظَوا
إنما البذل نوال

•••

فنفس الفتى في مسلك العيش توأمٌ
لها في الأداني توأمٌ وحبيب

•••

ولحظ الفتى من نفسه وخصاله
إذا طاب نفسًا فاللحاظ تطيب

•••

وكل وداد لو فطنت تجارب
فمنها مضيء مُغْدِقٌ وخَلُوبُ

•••

وقلت لقلبي إنما العيش خِلْسَة
من الموت لا تبلغه يا قلب صاديا
وما أحسب النفس اللجوج شفاؤها
من العيش ما يدنو وإن كان شافيا
حب النقيصة أثرة مذمومة
يغدو لها الخلان كالأضداد
وهو المحاسن ألفة ومودة
وتناصر كتناصر الأجناد
ظن الفتى كَفِعَالِه ومَقَالِه
وخصاله من مضمر أو بادي

•••

وإن هيام المرء فضل وفطنة
إذا كانت الأخلاق غير لئام

•••

لولا المصائب والآلام قاطبة
ما كان في الناس إشفاق وإحسان
لو تشعر النار لم تعنف بلامسها
أو تألم النار لم تحرقك نيران

•••

وكيف ترجى العدل في قول حالم
تطلب دنيا حلمه فشكاها

•••

ولا خير في نيل الوداد بشافع
إذا أنت لم يطرب إليك حبيب

•••

يا طارق الموت فيك إلا من انشده
فأنت أرحم من صحبي وخلاني

•••

والكون آية شاعر
يأتي بمبتكراتها

•••

بخلت به بخل الشحيح بماله
وكان جوادًا بي على كل عاتب

•••

وكل امرئٍ في العيش للعيش خادم
يُقاد الفتى في العيش قود الجنائب

•••

هذا جزاء امرئٍ بالناس منخدِعٌ
فالغافل الغر فينا فرصة الجاني
من ضح نفسًا فلا يزري به صغر
إن الكبير كبير النفس والشان
اعتدت من أهل دهري كل منقصة
فلا ألومك في مكر وعدوان
وما عتابيك في طبع بليت به
الطبع أغلب من نصح وعرفان

•••

يحسب الكون إطارًا دونه
رسم من يهوى مضيئًا كالشهاب
اسقني خمر المساعي والهوى
فجمال العيش في ذاك الشراب

•••

والنفس بيت الله إن طهرت
والنفس إن لم تَصْفُ مثل الجحيم

•••

تُعلِّمني الأقدار أن أرحم الورى
فقلبي لكل العالمين رحيم
وأنظر في نفسي وأعرف عذرهم
على شرهم داء النفوس قديم
وإن جميع الناس أهلي وإخوتي
وإن كان فيهم جارم وذميم
وليس خصيمي من يُريد شقاوتي
فإنا جميعًا للقضاء خصوم

•••

وكم من نفوس ساميات أذلها
فعادت بأدناس الحياة تطيب
ترى أن خير الكون ما هو كائن
ووحي النفوس الساميات مريب

•••

لا يسعد الناس من الحرص سنتهم
حتى يطهر داء الحرص بالندم
ترى السعيد شقاء النحس متهمًا
مرأى الشقاء لدى المجدود كالتهم

•••

وإنما ملجأ النفس التي كرهت
عزو الأمور إلى الأقدار والقسم
تبتغي عالَمًا جديدًا
من الكون قد نشا
خارجًا منه مثلما
تخرج الليلة الضحى
إذا جعل الإنسان نصب لحاظه
مآثمه هانت عليه مكارمه
فييأس حتى يحسب الخير خدعة
وينحل عنه صبره وعزائمه
وإن جعل الإنسان نصب لحاظه
مكارمه هانت عليه مآثمه
فيصبح مغرورًا يتيه بخيره
يرى أن كل الخير ما هو عالمه
ويحمدون العقل في جزره
ويكرهون العقل في مَدِّهِ

•••

ما حيرة المرء دليلًا على
فساد هذا الكون في عقله

•••

وخفَّضت من قدره نفسُه
ورَفَعَ الجُهَّالُ من قدره

•••

الفكر عدوى ما لها من راقي
وليس منها حافظ وواقي

•••

الفكر نور الله في الوجود
فعمره كخلده المديد

•••

فإن ذكراك في فؤادي
كالنار في معبد المجوس

•••

وما العيش إلا نومة راعَ حُلْمُها
وَوَقْعُ سؤال ما عليه جواب

•••

فلا تحسبن الشر يُمحى بتوبةٍ
وإن غفر الجرمَ العظيمَ متابُ

•••

وكم حدثت بالشر ذا الخير نفسُهُ
وذاك حديثٌ ما عليه عقاب
ولكنه في النفس إثرٌ يشوبها
وكل ضمير بالمغيب يُشاب

•••

ظمئنا فخلنا الشر في العيش منهلًا
ولكن ورد الجارمين سراب
كذلك حال الناس فالناس آجن
مرير وماء النابغين نمير
وبارقة تجلو الظلام وصاعق
يشب لهيبًا والأنام قشور

•••

كان وجيع الحز حلم إذا مضى
وذكرى دموع البائسين غمام
ولولا الأذى ما ذقت في العيش لذة
فكل نقيض بالنقيض يُشام
ولا شر إلا فيه للخير مألف
كما تألف الماء الطهور مدام

•••

فلا تحسبن الصبر في استكانة
فرب وعيد في التواضع والصبر

•••

والروح كالكون لا تبدو أسافله
عند اللبيب ولا تبدو أعاليه
كأنني منك في ناب لمفترس
المرء يسعى ولغز العيش يدميه

•••

قد ثار ثائر نفس عز مطلبها
يطهر الكون من شر وأشرار
وتنثر الخير نثر البذر يحمله
نسم الرياح على زهر وإثمار
أوليتها ملك في الجو دولته
في جَحْفَلٍ مِنْ جُنُودِ الريح جَرَّار

•••

إن النفوس لَأسرارٌ مخبأة
فكل روح عن الأدنين مستتر

•••

الخلد في وحشة كالموت نجنبه
فكل روح إلى الأرواح مفتقر

•••

والنفس كالركب في الصحراء سيرتها
تمضي الشجون ويبقى بعدها الأثر
ورب نفسين حَالَ الدهر بينهما
كما يدين لصَدْع اللجة الحجر
وإنَّ أوجع ما تُمْنَى النفوس به
صَدْعُ الزمان وسوء الظن والضجر
والدهر للنفس بحر زاخر أبدًا
بحر النفوس ومنها العشب والدرر
فما تآلف منها فهو منتظم
وما تناكر منها فهو منتثر

•••

يا ويح من حسب الحياة ذخيرة
تنمو على الإسراف والإمضاء

•••

شهادة للكريم يبغضه
الوغد صيال اللئام بالتُّهَم

•••

قد تسفل النفس والحجى صعد
في راجح العقل ساقط الهمم

•••

الكذب أحبولة يصاد بها القا
نص فيها عدل من النقم
والشر قد تجتويه من ندم يدعو
نفوسًا لأحسن الشيم
لا يندم المرء نفسه خبثت
فأنكرت خبثها من السقم

•••

كأن عذاب المرء للمرء ضحكة
فقد أغرم الإنسان بالشر والأذى

•••

إذا ما أراد المرء إخفاء عيبه
رمى غيره بالعيب لم يعد من رمى

•••

وبعض دواعي العقل حرب لبعضها
فلا يعرف الإنسان في العيش من دعا

•••

فإن حياتي غُلَّةٌ؛ ريُّها الردى
وخير شراب المرء ما نقع الظمأ

•••

هو الرغب مثل الريق إن ساء طعمه
فإخراجه بالمرء أحرى وأمثل
الحق حمل يؤدد النفس محمله
إذا مضيت بشلو منه مقبور

•••

وكن لي مثل الماء يبدي ضميره
ولا تك مثل الليل والليل قاتم

•••

يرجى غريق اليوم حتى عدوه
ويحسب زهرًا طافيًا أجيلا شما

•••

وإن حياة الطامحين عواصف الـ
ـشتاء وعيش القانعين ربيع

•••

وتعظم نفس المرء حتى كأنها
عوالمُ فيها الكائنات تدور

•••

وأكثر ذل العاقلين خديعةٌ
وأكثر ذل الجاهلين خمولُ

•••

فلا تحسبن الحرب سَهْمًا ومِغْفَرًا
فإن سلاح الصائلين عقول

•••

فصبر الجهول الفدم نومة راقد
ولكن صبر العاقلين مقيل

•••

فزرني في ليل الشباب كسارق
ولا تنتظرْ يا موت ذل مشيبِي

•••

فالحسن ثوب باللُّجَيْن مُطَرَّزٌ
والقبح في ثوب المحاسن يستر
والقلب مثل البحر يفزع قاعه
أهنا قلوب الخلق ما لا يسبر

•••

وجزعت حتى قيل ليس بصابر
وصبرت حتى قيل لا يتذكر

•••

ولو خوف الإنسان من شَرِّ عِيرِه
لما قاد ذاك العير منه لجام٣
لو أدرك الإنسان آماله
وصابه منها كقطر المطر
ولم يعد يعرف ما يبتغي
ولم يجد في العيش ما ينتظر
لكان أشقى الناس في عيشه
حتى تقول النفس أين المفر
لا عيش إلا بطلاب المنى
لولا المنى في عيشه لانتحر

•••

وما كل أمر تستقيم صدوره
لمن لم يرضه تستقيم عواقبه

•••

إن الشتاء إذا تطاول أمره
جاء الربيع بطيبه وروائه
وكذا الشقاء إذا تمادى عهده
جاء النعيم يذل من غلوائه

•••

إن من أخطأ الرجاء يرى الدهـ
ـر بعين تقذى بغير قذاة

•••

كل يوم يفنى من المرء شيء
ما سمعنا عليه صوت النُّعَاة

•••

فأناس تسرهم سيئاتي
وأناس تسوءهم حسناتي

•••

وفي السعي شيء يعوق الطموح
فيخطى الأجل ويصمي الأقلا

•••

إنما الآمال أزكى متجر
لا تخفْ من حبسها أن تكسدا

•••

إن الحمية لو دَبَّتْ إلى رِمَمٍ
ريعت قلوب الأعادي من عواديها

•••

كيف أُرَجِّي منكم رحمة إن
كان قلبي ليس بالراحم

•••

ولقد رأيت الدهر في أحواله
تخذ الأمان على النفوس دليلا

•••

أربى بنفسي أن أبين سريرتي
لمظلل قد غره إعلاني
وكيف ألوم الدهر فيما يريبني
وأحسن شيء في الزمان عيوبه

•••

وهل ينكر العيب إلا الرضى
وهل يجحد الفضل إلا الحسد

•••

تعرض الأشياء في أوطانها
آفة الجوهر أن لا يُعرفا
كم جهول عزبت عنه النهى
نبذ الدر ونال الصدفا

•••

وكيف تنالك الدنيا بشيء
وأنت البرء من حدث الزمان

•••

ولولا خداع شاب طبعك لم يكن
إليك لمن يبغي الوفاء سبيل

•••

وما أخال الحياة إلا
كجولة الفكر في الضمير

•••

وخِلٍّ أعان عليَّ الهموم
فكان الخداع وكنت الحذارا

•••

ولكن العظيم إذا تلظى
على مكروهة شَمِتَ الحقير

•••

يقولون الصحاب ثمار صدق
وقد نبلو المرارة في الثمار

•••

وإن أك محضئًا بالفضل يؤتى
من الخطأ المبين عن الصواب

•••

ومنزلة الرجاء من المساعي
كمنزلة البشائر في الربيع

•••

وكم في العز مفسدةٌ لقوم
وفي الإرزاء إعلاء لناس
تطامن للنوائب إن تمادت
فلولا الحزن ما عُرف السرور

•••

فلا تثلم ضميرك بالدنايا
وهل شيءٌ أَرَقُّ من الضمير

•••

وهل ضمن البقاء من المعاني
سوى لمعات خداع خلوب

•••

ولولا خدعة الأمل المرجى
لأسلمنا النفوس إلى الحمام
تعاف الرحمة الغراء نزلا
قلوبًا قد أَضَرَّ بها التعالي

•••

فإن الزهر في القيعان ينمو
وإن الثلج في قمم الجبال

•••

وخوف الناس من حُكْم المنايا
كخوف الطفل من وجه الظلام

•••

وإن الموت مرآة أبانت
حياة المرء كالنفس الرقيق

•••

إذا ما سبني سفهاء قوم
فما يغني اهتمامي بالعواء

•••

حياتي بين أعدائي مماتٌ
وموتي بين أحبابي حياة

•••

إذا عاث القَوِيُّ فلا تُرَاعوا
فإن الظلم نَعْشٌ للظلوم

•••

تمد يدًا لو انَّ الحق فيها
لأذوته الخصاصة والسؤال

•••

بلونا سهمة الأيام حتى
رأينا الشك ينبت في اليقين
١  آثامًا اسم مصدر.
٢  مر وأمر بمعنًى، أي: أنه صار مرًّا.
٣  العير: الحمار.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠