الفصل الثالث

المنظر الأول

(مجلس العمد وراء المرسح لا ينظر منه سوى الرئيس الجالس على كرسي مرتفع في الوسط وذلك من داخل المرسح وحركة وضوضاء على جانبي الرئيس وراء الستار، وأناس يروحون ويجيئون. أما المرسح فهو بمثابة دهليز لمجلس العموم ويكون فيه مبراي واقفًا ينظر ويتصنت على ما يجري في المجلس من وراء الستائر الحاجبة المجلس عن المرسح.)

المشهد الأول

مبراي

(يتصنت من وراء الستائر وحينئذ يكون ريشار يخطب من وراء الستائر بصوت بعيد بالكاد يكون مسموعًا ولما يفرغ يسمع تصفيق شديد من الداخل وصراخ: برافو برافو من الجميع، فيصفق مبراي أيضًا على سبيل التحمس ثم يلتفت للجمهور قائلًا.)

مبراي : برافو برافو ما أبلغ كلامه وأشد سهامه، أين عيناك يا چاني تنظران ما صار إليه زوجك من المنزلة السامية والمقام الرفيع.
حارس (داخلًا مسرعًا) : اخرج، اخرج فقد خرج أعضاء المجلس.
مبراي (داسًّا في يده قطعة من النقود) : أخرج وأعيد لك شكري.

(يخرج.)

المشهد الثاني

ريشار – تومسون
ريشار : لماذا طلبت أن تخلو بي؟ هل لديك أخبار عن امرأتي؟
تومسون : وما الذي أخطرها في بالك، وقد قلت لي إنه قد مضى عليك ثلاثة أشهر ولم تكتب لها حرفًا واحدًا.
ريشار : رأيت من وراء هذا الستار وجهًا كوجه مبراي، يطيل النظر إلي.
تومسون : كلا أيها السير ريشار، ما سألتك الخلوة بك لأحدثك عن امرأتك ولكن عمن صارت أطوع لك من امرأتك.
ريشار : ومن تعني بذلك؟
تومسون : الوزارة الحاضرة.
ريشار (ضاحكًا) : ها، لقد خفضوا رءوسهم المتكبرة.
تومسون : لم يخفضوها خفضًا، ولكن يمرغونها بالتراب تحت قدميك.
ريشار : وماذا يريدون؟
تومسون : يطلبون أن تعدل عن مقاومة الوزارة وعن المعارضة في عقد القرض الذي يرومونه.
ريشار : هذا محال، لأنني لا أخون الشعب.
تومسون : كأن فوزك قد أسكر لبك أيها السير ريشار، أنسيت مراتب العلاء؟
ريشار : وماذا أريد أكثر مما أنا فيه؟ فإنني أدير الآن سياسة إنكلترا كلها من منبر هذا المجلس.
تومسون : نعم، ولكنك قد أنفقت ثروة امرأتك كلها تقريبًا لأن مقامك يقتضي نفقات طائلة، وقد مضت على نيابتك ثلاثة أعوام، وبقي أمامك ثلاثة أعوام أخرى فماذا يبقى لك بعد أن تنفق باقي ثروة امرأتك فيها.
ريشار : يبقى لي فقر شريف منزه عن كل وصمة.
تومسون : ولكن الفقر لا ينصر في الانتخاب القادم، وأنت تعلم ما يقتضيه الانتخاب من المال.
ريشار : إن الشعب لا ينسى نصيره.
تومسون : الشعب قصير الذاكرة يا ريشار وقد شبهوه بقلب المرأة تقلبنه وهو قادر على الوضع لا الرفع، ولا تنال مراتب العلياء إلا بالملوك والوزراء.
ريشار : والحاصل، من جاء إليك؟
تومسون : جاءني المركيز سيلفا.
ريشار : وما غرضه من بقاء الوزارة؟
تومسون : له علامات خصوصية معها، فإذا سقطت بسبب مقاومتك لها خسر خسارة كبيرة.
ريشار : وما هي شروطه؟
تومسون : ستسمعها من فمه.
ريشار (مجفلًا) : ويلك يا أبله، وهل قلت له إنني أسمع مثل هذا الكلام؟
تومسون : لو قلت له ذلك لكنت أبله في الحقيقة ولكني سألته أن يلاقيني إلى هنا لنتحدث على انفراد فادخل أنت إلى هذه الغرفة واسمع منها حديثنا.
ريشار : أحسنت صنعًا، ولكن لا تعده بشيء، فإني أريد أن أكون حرًّا أفعل ما أشاء وأرفض ما أشاء.

(يستعد للدخول إلى الغرفة فيواجهه مبراي.)

المشهد الثالث

مبراي – ريشار – تومسون
مبراي : يظهر أن حضوري قد أزعجك يا ريشار.
ريشار (يدير له ظهره ويعود عن الغرفة) : أخطأت يا مستر مبراي.
مبراي : كان يجب أن أنتظرك في منزلك، لأحدثك بالأمر الذي قصدت لندن من أجله. ولكن رغبتي في استماع كلامك في مجلس العموم ساقتني إلى هذا المكان، لقد سمعت الآن خطبتك يا ريشار فقلت في نفسي: إن الدكتور غراي رحمه الله لو رآك بتلك العظمة والسلطة لهنأ نفسه بأنه منح إنكلترا رجلًا عظيمًا مثلك.
ريشار (يتكلف) : أشكر لطفك يا سيدي.

(يكون تومسون قد خرج ليطلب من الحارس أن يستدعي سيلفا ثم يدخل.)

تومسون (هامسًا في أذن ريشار) : الرجل ينتظر خارجًا.
ريشار : فلينتظر.
مبراي : نعم يا ريشار، إنني باسم جميع محبيك أجهر بأنك تجاوزت كل آمالهم بصفتك إنكليزيًّا، ولكنك خيبت آمالهم بصفتك زوجًا وابنًا.
ريشار : أرى مديحك يشوبه ذم.
مبراي : نعم، وهذا الذم أوجهه إليك بالنيابة عن أبيك الدكتور غراي وباسم زوجة مسكينة تحبك وقد جعلتها وحيدة فريدة في قرية صغيرة ولا رفيق لها إلا شيخ (مشير إلى نفسه) يمزج دموعه بدموعها.
ريشار : وما الداعي إلى كل هذه الدموع؟
مبراي : الداعي إليها أن چاني تحبك، وأنت تحتقرها.
ريشار : وهل تصدق چاني أنني أحتقرها.
مبراي : كيف لا تصدق ذلك وقد هجرتها منذ ثلاث سنوات وكتمت عن الناس زواجك بها؟
ريشار (إلى تومسون) : ألا يزال الرجل ينتظرني؟
تومسون (بحركة متهكمًا على مبراي) : نعم، وقد فرغ صبره …
مبراي : الظاهر أنك سئمت من هذا الموضوع يا ريشار.
ريشار : ما سئمت شيئًا، وإنما علي مقابلة رجل ينتظرني.
مبراي : ليس شئون الناس أهم من شئون زوجتك التي هي شئونك، ومع ذلك قابل رحلك وسأعود إليك بعد ذلك.

(يخرج ريشار.)

المشهد الرابع

مبراي – تومسون – سيلفا

(قبل دخول سيلفا يدخل ريشار إلى الغرفة.)

سيلفا (وهو داخل) : ها أنا ذا يا مستر تومسون.

(ينظر سيلفا فيرى مبراي فيطيل النظر إليه، وكذلك مبراي ينظر إليه فتظهر عليه علامات الجزع، فيسأل تومسون.)

مبراي : من هذا الرجل؟
تومسون : المركيز سيلفا (سيلفا يأخذ تومسون على حدة).
سيلفا : من هذا الرجل؟
تومسون : هو مبراي.
مبراي (يجزع) : يجب أن أفر من هذا المكان خوفًا من الفضيحة (يخرج).
سيلفا : ومن هذا مبراي فإنني لم أسمع بهذا الاسم قبل الآن ما لنا وله.
تومسون : فقد راح إلى سبيله.
سيلفا : وأين السير ريشار؟ (بصوت منخفض).
تومسون : هناك (مشيرًا إلى الغرفة).
سيلفا (بصوت عالٍ) : أرجوك يا مستر تومسون أن تصغ لإتمام الحديث الذي بدأنا به.
تومسون : تكلم يا حضرة المركيز … تفضل واجلس (يجلسان).
سيلفا : لا أخفي عنك يا مستر تومسون أن الوزارة مستغربة أشد الاستغراب بما يبذله السير ريشار من الجهد في مقاوتها.
تومسون : ولكنه يدافع عن حقوق منتخبيه يا حضرة المركيز. فهل تريد أن يخونهم؟
سيلفا : معاذ الله أن أطلب منه خيانة حزبه وإنما نطلب الاتفاق معه.
تومسون : إذًا أنتم تقترحون عليه رشوة.
سيلفا : كلا، وإنما نقترح عليه مخالفة.
تومسون : ولكن نواب الشعب لا يخالفون النبلاء.
سيلفا : ولكن ما قولك إذا تزوجوا من بنات الأشراف؟
تومسون : ما فهمت كلامك، فأوضح.
سيلفا : أليس السير ريشار عازب.
تومسون (بعد تردد قليل) : بلى هو عازب.
سيلفا : فإذا اقترن بإحدى بنات الأشراف تغيرت مصلحته وصار من واجباته الدفاع عنهم لا مصادمتهم ومقاومتهم. لأن الذي ينظر إلى المسائل العمومية من أسفل ليس كمن ينظر إليها من عالٍ.
تومسون : ولكن لماذا اخترتم إلى مخالفته سبيل الزواج دون سواه؟
سيلفا : لنكون على ثقة من دوام مخالفته ومصادقته.
تومسون : وهل يمكنك أن تطلعني عن اسم العروس؟
سيلفا : اسمها مس ويلمور.
تومسون (منحنيًا) : حفيدة جنابكم.
سيلفا : نعم، فإن ابنتي كارولين اقترنت باللورد ويلمور فولدت منه قبل وفاته هذه الابنة. وهي وحيدتها وإيرادها السنوي من أملاكها، ماية ألف جنيه إنجليزي، وفوق ذلك في خاطري أن ألتمس من الملك أن يعطي الرجل الذي يقترن بابنة اللورد ويلمور لقب أبيها فيكون لوردًا مثله.
تومسون : فهمت اقترحاتك يا سيدي، وسأعرضها الليلة على السير ريشار، ولكن من يضمن للسير ريشار أنكم تخترون له هذه الوعود إذا ترك معارضة الوزارة.
سيلفا : إذا رضي باقتراحاتنا فلا تغرب الشمس غدًا حتى يكون كل شيء بين يديه.
تومسون : سأبلغه الاقتراحات وأرى رأيه.
سيلفا (ناهضًا للذهاب) : ولكني أرجو التعجيل مخافة فوات الوقت.
تومسون : الأمر أمرك يا سيدي.

(يخرج سيلفا.)

المشهد الخامس

تومسون – ريشار (خارجًا من الغرفة)
تومسون : ما رأي السير ريشار فيما سمع؟
ريشار : إنني آسف لأنني لا أستطيع الرضا بذلك.
تومسون : ولماذا؟
ريشار (واضعًا يده على كتف تومسون) : هل نسيت زواجي بچاني؟
تومسون : وأنت هل نسيت الطلاق؟
ريشار (بدهشة) : الطلاق؟ كيف أطلق چاني ولا سبيل إلى ذلك إلا إذا رضيت به.
تومسون : إذا رفضت فإنك ترغمها عليه.
ريشار (مبهوتًا) : وبأية وسيلة.
تومسون : سنجد الوسيلة متى بحثنا عنها.
ريشار (خاطرًا ذهابًا وإيابًا وهو يفتكر) : ومتى يطلبون الجواب؟
تومسون : غدًا مساءً وعندي أن تغتنم فرصة غياب مبراي عن چاني وتسافر لتدبير أمرك معها.

(هنا يدخل مبراي ولا يزال مذعورًا من تذكار رؤية سيلفا.)

تومسون : عاد مبراي. اذكر الديب وهي القضيب.
مبراي : نعم رجعت يا ريشار لأعلم ماذا أجيب چاني غدًا.
ريشار : أرجوك يا مستر مبراي أن تمهلني قليلًا فأعطيك الجواب غدًا مساءً إن شاء الله.
مبراي : أمهلك ما شئت.
ريشار : شكرًا لك … (لتومسون) فليعدوا لي مركبة للسفر.

المشهد السادس

تومسون – مبراي – ريشار
مبراي (لنفسه) : يسافر، وإلى أين يسافر؟

(يدخل سيلفا ويذهب رأسًا إلى الستائر التي تفصل مجلس العموم عن المرسح ويبقى متصنتًا عليها.)

الرئيس (صوت الرئيس من الداخل) : نسمع الآن السير ريشار ردًّا على خطاب وزير المالية (صراخ في المجلس وجلبة) اسمعوا، اسمعوا، ريشار يتكلم، هس، هس.
ريشار (من الداخل) : قد عدلت عن الكلام.

(يتنفس سيلفا الصعداء ويقول مسرورًا.)

سيلفا : لقد خطى الخطوة الأولى.
تومسون : وبعد الخطوة الأولى يهون كل شيء.
مبراي (صارخًا بنفسه) : سقبًا لك أيتها المرأة الفاضلة أنَّا غراي. فإنه لم يعرف أخلاق ريشار أحد غيرك.

المنظر الثاني

(منزل چاني في البرية، چاني واقفة في إحدى الغرف أمام بالكون أو نافذة مشرفة على القضاء في صدر المرسح، ويحسن جعل القضاء ورواء النافذة أو البالكون ظاهرًا، فيرى الحاضرون أن وراء النافذة عمقًا عظيمًا.)

المشهد الأول

چاني
چاني :
آه من طول وحدتي وانفرادي
وشقائي المبرح التمادي
وابتعادي عن وجه زوجي حبيبي
بل ظلموا في الذي يحب ابتعادي
عشت من بعده ثلاثة أعوا
م طوال علي سود شداد
لا رفيق ولا سمير يواسيني
سوى الدمع والجوى والسهاد
أشتكي لوعتي فلا يسمع الشكـ
ـوى سوى ما يحيط به من جماد
وأعد النجوم ملقية السمع
إلى كل خافق مرتاد
آه يا والدي خلفتماني
لقرين قاس كثير العناد
كنتما تحسبانه صادقًا الـ
ـوعد شريفًا برًّا رحيم الفؤاد
فحرام عليك يا قلب ريـ
ـشار حفاني الذي أضاع رشادي
أنا لا أترك الوداد وإن لا
قيتني مثل ما تلاقي الأعادي
آه، ما أصعب المعيشة في هذه الوحدة، راح مبراي إلى لندن ليرى ريشار لعله يلين قلبه فيخيل لي الآن لشدة وحشتي أن مبراي لا يعود أيضًا، وقد وعدني بأنه يكتب إلي حين مقابلته ريشار فلعل كتابه قد ورد.

المشهد الثاني

چاني – باتي
چاني (منادية) : باتي، باتي.
باتي (داخلة) : مولاتي.
چاني : هل وردت إلي كتب يا باتي؟
باتي : كلا يا سيدتي.
چاني : متى ورد لي كتاب فأتني به على عجل … اسمعي ما هذا؟
باتي : ماذا؟
چاني : ما هذا الصوت؟ أظنه صوت مركبة، نعم هو صوت مركبة وقد وقفت أمام الباب؟
باتي : أظن مبراي قد عاد من لندن.
چاني : كلا فإن مبراي يعود في المركبة إلى القرية، ويصل إلى هنا ماشيًا. ليس القادم مبراي بل شخص آخر أحس يا باتي بشدة خفقان قلبي، وأظن أن القادم هو السير ريشار نفسه … آه لا أستطيع النظر إليه ولكن ما أشد حمقي كيف يخطر لي أن ريشار يأتي لزيارتي بعد طول هجره لي … ها، ولكن هذا وقع خطاه … هو، هو بعينه. آه …

(تلقي نفسها بين ذراعي ريشار حين دخوله.)

المشهد الثالث

ريشار – چاني
ريشار : ما بك يا چاني.
چاني (باكية) : يسألني ما بي … بي أنني أبكي وأذوب شوقًا إليك، بي أنني لم أرَك منذ سنة كاملة … أفهمت ما بي؟
ريشار (متفلتًا منها بلطف) : كفكفي دموعك يا چاني وهدئي روعك.
چاني :
نعم أصون دموعي
وأنتهي عن ولوعي
فقد رجعت إلى من
تهواك خير رجوع
بعد ابتعادك عامًا
أحرقت فيها ضلوعي
وليس لي من معين
وليس لي من شفيع
ريشار : نعم قد عدت إليك يا چاني، واغتنمت فرصة غياب مبراي لأخاطبك على انفراد.
چاني (تتعجب) : على انفراد؟! وهل لديك سر تروم إطلاعي عليه؟
ريشار : لدي مسألة أطلب منك الموافقة عليها.
چاني : موافقتي أنا؟ فيا لسعادتي، مرني ما تشاء، أأنت في حاجة إلى المال لأبيع إحدى مزارع أبي؟ فإن مقامك في لندن يستلزم ولا بد نفقات طائلة.
ريشار : كلا يا چاني، لست في حاجة إلى المال.
چاني : فما غرضك إذًا؟ اجلس أولًا يا حبيبي.

(تقدم له كرسيًّا.)

ريشار : لا أستطيع الجلوس لأني مسافر بعد ساعة.
چاني : تسافر من غير أن تأخذني.
ريشار : لا أستطيع أخذك الآن.
چاني (بحزن وانكسار) : اجلس إذًا فأكون شاهدتك ساعة على الأقل.
ريشار : هل تضجرين في هذا المكان؟
چاني : لا أضجر من الانفراد، ولكن أضجر لأني بعيدة عنك لا سيما وأنك لا تجاوبني على رسائلي.
ريشار : أظنك تعرفين السبب.
چاني :
لا تعتذر لا تعتذر
إني بشغلك دارية
لكننا جنس النسـ
ـاء نرى الحياة الغالية
موجودة للحب لا
للحادثات القاسية
ولذاك كنت نسيت سـ
ـعيك في الأمور الجارية
حتى فطنت لما عليك
به بلادك قاضية
فشكرت صنعك كلما
أتلو الجرائد نائية
وطربت لاسمك حين تـ
ـذكره بحمدك داعية
فلقد هززت الأرض بالخـ
ـطب الغوالي العالية
يا ليتني قد كنت سا
معة كلامك رائية
ريشار : ولكنك تعلمين أن حالتنا المالية لا تساعدنا على ذلك.
چاني : نعم وهذا هو الأمر الذي صبرني، ولكن اصدقني أيها الحبيب أما من مانع يمنعك من إقامتي معك في لندن غير رغبتك في الاقتصاد؟
ريشار : هذا أهم الموانع.
چاني : فاسمع إذًا يا ريشار، إنني أريحك وأستريح معًا، فإنني أتنازل عن كل حقوق الزوجية، وأرضى أن أعيش سرًّا في المنزل الذي تعيش فيه من غير أن يدري أحد أنني امرأتك، وبذلك تقتصد ما تريد أن تقتصد، أيرضيك هذا الشرط يا ريشار؟
ريشار : لا ريب أنك مجنونة.
چاني : فلندع إذًا هذا الحديث، وقل لي ما هو الأمر الذي قلت إنك جئت من أجله؟
ريشار : إن هذا الأمر يعيدنا إلى الحديث الذي كنا فيه.
چاني : وما هو؟
ريشار : هو أن مركزي السياسي في لندن وبعض الأحوال الوزارية الخصوصية صارت تقضي علي بزيادة البعد بيننا.
چاني (بشيء من القوة) :
أما وكفاك اغترابي عنك من زمن
قاسيت فيه ضروب الهم والأسف
فأي بعد له ترضي أما انقطعت
بيني وبينك سبل الود والشغف
ولست أسمع عما أنت فيه سوى
ما بت أقرأه في سائر الصحف
ريشار :
هل ذاك عتب وتأنيب أردت به
غيظي لتنتقمي مني وتنتصفي
چاني :
كلا ولكنها شكوى أبوح بها
وأستعين بدمعي المفذق الوكف
ريشار :
ما لي على هذه أو تلك مصطبر

(يغضب.)

چاني :
فكيف أصنع يا ويلي ويا لهفي؟
وأي أمر إذا قد جئت تطلبه
فبح بسرك يا ريشار واعترف
اترك إنجلترا وهي التي حفظت
عظام آبائي الماضين والسلف
ماذا تريد وماذا ترضى وإلى
متى ابتعادي عن زوج به شرفي
ريشار (ببرودة) : أخطأت يا چاني فأنا لا أريد إكراهك على الخروج في إنكلترا بلاد آبائك وأجدادك، وليس لي حق في أن أطيل هجرك ونفيك، لقد أخطأ الزمان إذ ربطني وإياك برباط واحد مع ما بيني وبينك من التباين في الأخلاق، ولكن لا يجب أن تقع تبعة هذا الخطأ على رأسك بل يجب أن أعيد لك هناءك وحريتك.
چاني : لم أفهم حرفًا مما تقول.
ريشار : ومع ذلك يا چاني فإن الذي جئت أقترحه عليك الآن أمر موجود بيننا وإنما أنت تحملين مضاره دون التمتع بمنافعه.
چاني (بقلق وهياج) : تكلم تكلم كمل، كمل؛ لأنني لا أفهم شيئًا. آه بل اسكت، اسكت، لأنني بدأت أفهم.
ريشار : فلو كان بيننا انفصال.
چاني : كلمة أخرى أيضًا.
ريشار : شرعي.
چاني (صارخة بأقصى درجات الهياج) : الطلاق؟
ريشار (ببرودة) : نعم الطلاق يا چاني.
چاني : آه يا إلهي، آه يا أبي وأمي.
ريشار (مستأنفًا) : فلو كان بيننا طلاق؟
چاني (بهياج شديد) : آه ما أقساك، اسكت وإلا قتلتني.
ريشار : سكني روعك يا چاني وارضخي لحكم القضاء.
چاني (مستعطفة) : ريشار، ريشار ارحمني وأشفق علي.
ريشار : لماذا تخافين من الطلاق؟ مع أننا نعيش الآن في حالة كحالته فهل ذلك لأنك تخافين كلام الناس؟
چاني : أنا لم أنظر إلى السلاح ولكني شعرت بطعنته.
ريشار : ولكنها طعنة يشفيها الزمان يا چاني، فإنك لا تزالين صبية، فأوا أحببت حبًّا آخر …
چاني (قاطعة كلامه) : حبًّا آخر؟ آه يا للعار، تقول حبًّا آخر؟ اقتلني ولا تهني، أنا أحمل عذاب القتل ولكني لا أحمل الإهانة.
ريشار : لا قتل ولا إهانة يا چاني، وما هذه سوى كلمات فارغة، وإشارات باطلة، لا ترجعيني عن غرضي.
چاني : إنه غرض فظيع.
غرض فظيع إن وصلت إليه لم
تسلم من التقريع والتأنيب
أتريد تطليقي كأني لم أكن
أدعوك قرة ناظري وحبيبي
أتريد حرماني من السند الذي
أرجوه عند الحادث المرهوب
ونسيت ما قد كنت تبدي من رضا
وعناية بي راجيًا تقريبي
هلا ذكرت مواثقًا أكدتها
لأبي وأمي يوم كنت خطيبي
هلا رئيت لزوجة مسكينة
محرومة من ناصر وقريب
وكفيتني نكد الحياة لأنني
لا أستحق مرارة التعذيب
ريشار : ومن قال إني أعذبك يا چاني؟ فإنني لا أدع أحدًا يعرف بأمر طلاقك، وإن كنت تخافين من تشهير المحكمة وتفاصيل المحاكمة فاعلمي أنني لا أرفع قضيتنا إلى المحكمة أبدًا؛ لأن ذلك يضر بمصلحتي.
چاني (متعجبة) : فكيف إذًا تريد الطلاق فإنني لم أعد أفهم شيئًا.
ريشار : إننا نتفق يا چاني معًا على الطلاق، ومتى رضيت به لم نعد في حاجة إلى محكمة طبقًا للقانون.
چاني (بأشد هياج) : ماذا؟ أتحسبني ضعيفة، لئيمة إلى هذا الحد؟ هل خطر في بالك أنني أوقع من تلقاء نفسي على صك أقول فيه أنني ساقطة، غير أهل لأكون زوجة للسير ريشار؟ إذا أنت لم تعد تعرف أخلاقي، فإن الدموع والمصائب قد غيرتها وجعلت في نفسي إرادة قوية قادرة على الصبر والثبات، وهذا من سوء معاملتك ونتيجة عملك. فلننظر الآن من منا الأقوى، أنا الضعيفة أم أنت القوي (بعظمة وحدة) أيها السير ريشار أنا أرفض ما طلبت.
ريشار : اذكري أيتها السيدة أنني لم أتخذ معك إلى الآن غير اللين والمسالمة.
چاني : جرب غير اللين إذا أردت.
ريشار (متقدمًا منها بغضب وهدو) : چاني.
چاني (متقدمة منه كما صنع) : ريشار.
ريشار : ويلك أيتها التعيسة، أتعلمين ماذا أصنع بك إذا أصررت على الرفض.
چاني : ربما حذرت ذلك.
ريشار : أولا ترتجفين إذا؟
چاني : أرتجف؟ ولماذا؟ انظر إلي (تحاول إظهار التبسم).
ريشار (يأخذ ذراعها ويشدها) : أيتها المرأة عودي إلى رشدك.
چاني (جاثية من عزم الضغط على يدها) : آه، يا ربي.
ريشار (ينهضها) : لماذا؟ أتجثين؟
چاني (ناهضة ورافعة يدها إلى السماء) : رفقًا به يا إلهي فإنه لا يعلم ماذا يصنع.
ريشار (بحدة وغضب ظاهر) : بل ادعي الله أيتها المرأة أن يرفق بك أنت لأنك أحق بالشفقة مني، أنا ذاهب، وهذا آخر عهدي بك.

(يهم بالذهاب فتهجم عليه چاني كاللبؤة وتمسكه بذراعها من عنقه معانقة إياه بشدة.)

چاني : بعيشك يا ريشار لا تذهب.
ريشار (يريد التخلص منها) : دعيني، دعيني.
چاني (لا تتركه) : ريشار، ريشار آه لو تعلم كم أحبك!
ريشار : برهني على حبك لي بخضوعك.
چاني : آه يا أمي لقد صدقت في قولك عن أخلاقه.
ريشار : والآن أسألك للمرة الأخيرة، أتتركيني أم لا؟
چاني : حبيبي، روحي، اسمع لي.
ريشار : اسمعي لي أنت أيضًا، ارضي بما طلبت وإياك أن تكتبي لي بعد اليوم كتابًا أو حرفًا واحدًا، أو يعرف أحد بوجودك، أودعك الآن.
چاني (هاجمة عليه مثل الأول) : لا لا تسافر.
ريشار (كمن فرغ صبره) : أف من هذا الدلال.
چاني : إنك لا تسافر ولو تقتلني.
ريشار (يدفعها عنه دفعًا شديدًا فتقع على الأرض ويصدم رأسها بالطاولة فيسيل الدم من رأسها) : اتركيني قلت لك.
چاني : آه، آه، لو لم أكن أحبك لما احتملت مثل هذا (تقول هذا وهي تستعد للقيام ولكنها لا تقدر فتقع مغمى عليها).
ريشار : أغمي عليها، جُرحت، يا لله. چاني، چاني (يحملها إلى كرسي) وهذا الدم الذي لا ينقطع (ينشفه بمنديله) أف، لقد أطالت إقامتي هنا، چاني، چاني ألا تجاوبين؟ إذًا أسافر أودعك الآن.

(يهم بالخروج فيدخل تومسون.)

المشهد الرابع

تومسون – ريشار – چاني (مغمى عليها)
ريشار : ما وراءك؟
تومسون : قد نظرت مبراي قادمًا من القرية إلى هنا.
ريشار : وما غرضه؟
تومسون : لعله للدفاع عنها حسب عادته.
ريشار (متنهدًا) : أف، يجب أن لا يراها هذا الرجل بهذه الحالة. چاني، چاني (يأخذ رأسها بين ذراعيه).
چاني (متنهنهة) : ريشار، ريشار، ماذا؟ أنا بين ذراعيك؟ فيا لسعادتي. آه، إن جبيني يدمي.
ريشار : چاني، إن رجلًا قادمًا إلى هذا المكان، فلا يجب أن يعلم شيئًا مما جرى.
چاني : ومن هو؟
ريشار : مبراي.
چاني (منتعشة) : آه، فليأت.
ريشار : ولكن لا تذكري له كلمة مما جرى فإنني آمرك بذلك.

المشهد الخامس

مبراي – چاني – ريشار – تومسون

(يدخل مبراي وهو ينظر إلى چاني ساكنًا.)

ريشار : ما جاء بك يا مبراي؟
مبراي : جئت لأسلي چاني في انفرادها لما علمت بسفرك من لندن.
ريشار : أصبت، وأنا أشكرك على ذلك.
مبراي : هل تأمر بأن أعود غدًا إلى لندن لآخذ جوابك عن الأمر الذي تحدثنا فيه.
ريشار : أظن أن حضوري الآن هنا هو خير جواب.
مبراي : فهل أرضيت چاني وسكنت روعها.

(چاني تنظر إلى ريشار، وريشار ينظر إليها فتنطرح بين ذراعيه.)

ريشار : نعم هي راضية.
مبراي : لا، لأنني أعلم أنها لا تكون راضية إلا متى أخذتها معك إلى لندن.
ريشار : ومن قال لك إنها ستبقى بعيدة عني؟
چاني (ماسكة ذراع ريشار) : أصحيح هذا القول؟
ريشار (بفتور) : نعم، إذا كنت تريدين ذلك، أما الآن، فأستودعكم الله لأني مسافر.
چاني : دون أن تأخذني معك.
ريشار : لا أقدر أن أنتظرك الآن فقد وعدت أحد الوزراء بمقابلته اليوم.
مبراي : سِرْ إذًا بأمان.
چاني : إلى الملتقى يا ريشار.
ريشار (خارجًا) : إلى الملتقى (لنفسه) ويل للوزراء على العناء الذي قاسيته في هذا المكان (يخرج هو وتومسون).
چاني : آه، ما أحلى الأمل في الراحة والهناء في هذه الحياة.
مبراي (بهيئة حزن) : چاني امسحي الدم أولًا عن جبينك وبعد ذلك أضم أملي إلى أملك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠