الفصل السادس

الدمقراطية والصناعة

١

لقد خطا فن الحكم بعض الخُطا في سبيل الرقي، والأمل كبير في أن يطَّرِد هذا الرقي في المستقبل، إن الدمقراطية قد وَفتْ بأغراضها في خلال القرن الماضي، وهي اليوم الدعامة الطبيعية لسياسة الرقي والتقدم، على الرغم من كل ما يوجَّه إليها من نقد، وما يستبدل في بعض البلاد بها من نظمٍ أخرى للحكم، لكن هذا القول لا يعني أننا راضون كل الرضا بما وصلنا إليه حتى الآن، سواء في النظم السياسية والاقتصادية القائمة أو في كيفية استخدام هذه النظم، بل كل ما قلناه حتى الآن لا يدل إلا على أن المبدأ الدمقراطي العام صحيح في ذاته؛ أي إن السياسة العامة يجب أن تقوم على أساس المناقشة الحرة، وأن مناقشة جميع أفراد الشعب في هذه السياسة وانتقادهم لها بعدَ وضْعها، يجب أن يجعلا تغييرها في الإمكان، ولكن أحدًا ممن يَدْعون إلى الدمقراطية بجد لا يمكن أن يقنع بالنظم الحاضرة، التي ورثناها من عهد التجارب الأولى في الحكم الدمقراطي؛ ذلك بأن النظم القائمة في هذا الوقت لإدارة الانتخابات والمناقشة العلنية وإصدار القرارات، لا تجعل لإرادة عامة الشعب، أو لآراء رجاله ونسائه، أثرًا كافيًا في السياسة العامة، بل إن هناك ما هو شر من ذلك، وهو أن هذه النظم لا تساعد على تكوين هذه الإرادة، أو هذا الرأي الذي يستحق أن يكون له ذلك الأثر؛ ولهذا كان أمام الحكم الدمقراطي الآن مشكلتان كلتاهما منفصلة عن الأخرى؛ أولاهما: كيف نجعل لإرادة الأهلين عامة أثرًا فعَّالًا، والأخرى: كيف نُوجِد إرادة أو رأيًا صالحًا أو صحيحًا؛ ولذلك يجب عند انتقاد النظم القائمة في الوقت الحاضر، أن يوجَّه النقد إليها من إحدى ناحيتين: هما فائدتها في التعبير عن إرادة الشعب، وقدرتها على إصلاح هذه الإرادة.

فأما من حيث التعبير عن إرادة الشعب، فإن الدمقراطية تستلزم من غير شك أن توضع القوانين إما بطريق الاقتراع العام المباشر؛ أي استفتاء الشعب، وإما بالطريق الثاني غير المباشر وهو طريق النواب؛ ولهذا يقول البعض إن السلطة التشريعية التي تمارسها هيئة شبيهة بمجلس اللوردات البريطاني، لا تتفق مع المبادئ الدمقراطية، فإذا كنَّا جادِّين في حرصنا على الحكم الدمقراطي، وجب علينا أن نُلغِيَ مثل هذه الهيئات، أو نجعلها إذا أبقينا عليها هيئات استشارية محضة، أو قائمة لمجرد الزينة والمراسم التقليدية، وإن من السخف حقًّا أن يُقال إن جماعة من الناس ورثوا حقوقًا تشريعية، أو مُنِحوا هذه الحقوق منحًا، يصلحون للتعبير عن إرادة الشعب أو آرائه، قد يكون رأي الشعب خاطئًا أو فاسدًا، ولكنه إذا لم يُعمَل به كان الحكم القائم هو الحكم الألجاركي غير الدمقراطي، وقد تكون هيئة موقرة١ جديرة بالبقاء، ولكن إذا كان بقاؤها يؤثر في طبيعة نظام الحكم القائم، فإننا نخدع أنفسنا إذا قلنا أو افترضنا أن مسألة الحقوق المخوَّلة لها ليست مسألة أساسية جوهرية، إننا نستطيع أن نتصور أن يكون المجلس الثاني المنتخب بطريقة من الطرق أيًّا كان نوعها مجلسًا دمقراطيًّا لا يتعارض وجوده مع مبدأ الحكم الدمقراطي، أما إذا وجدت هيئة غير منتخبة لها سلطة فعلية على التشريع والسياسة العامة، فإن وجودها يجعل قيام الدمقراطية الحقة مستحيلًا، نعم، إن مجلس اللوردات البريطاني قد ظل قائمًا؛ لأن البريطانيين لا يرغبون في «خلق المشاكل» إذا كان من المستطاع تجنبها، لكن السلطات المُخوَّلة لهذا المجلس في الوقت الحاضر لا تتفق مع المبادئ الدمقراطية في شيء، حتى بعد أن نقصت هذه السلطات بمقتضى القانون البرلماني الصادر في عام ١٩١١،٢ قد تكون الدمقراطية في رأي بعض الناس نظامًا بغيضًا، أما الذين لا يعتقدون أنها كذلك فإن الواجب يقضي عليهم بإلغاء جميع المجالس التشريعية غير المنتخبة.
ومن الإصلاحات الأخرى المقترحة انتخاب النواب لتمثيل الأعمال أو الجماعات، التي تؤدي أعمالًا اقتصادية، لا لتمثيل مناطق أرضية، ويلوح أن هذا الاقتراح قد نال إعجاب مُنشئ دولة الجماعات في إيطاليا،٣ وقد ورد في الكتب المُؤلَّفة عن الفاشية،٤ وصف الغرض الذي يرمي إليه هذا النظام، وهذا الإصلاح المقترح مأخوذ من نظام النقابات الفرنسي، وكانت الفكرة الأساسية التي بُني عليها أن عمل الإنسان في هذا العالم الحديث، أعظم شأنًا من المكان الذي يُقيم فيه، ونحن حتى إذا صرفنا النظر عن أن الدولة بطبيعتها إقليمية في أعمال شرطتها وأعمالها الصحية وغيرهما من الواجبات، فإننا نشك كثيرًا في أن روابط المِهَن هي خير أساس لتقرير السياسة العامة، نحن لا نعترف في هذا الكتاب بأن الدمقراطية هي مجرد توازن بين مصالح متنافسة، فإذا تقرر أنها ليست كذلك، بل كانت وسيلة للتعبير عن إرادة عامة لخيرٍ عام، توطد دعائمه ويشترك الكل فيه، فإن جيرة الإنسان لا زملاءه في حرفته البعيدين عنه، هم خير مَن يعرف منهم كيف يتعاونون على العمل للصالح العام، الذي يَرَوْنه بأعينهم ويلمسونه بأيديهم؛ ذلك بأنه لا شيء يمكن أن يحل محل الاتصال الشخصي في المجتمع وتقابل الأفراد وجهًا لوجه، بالرغم من وجود الهيئات النظامية الكبيرة العدد الواسعة النطاق؛ ولهذا كانت الدائرة الانتخابية الإقليمية خير أساس لانتخاب عضو المجلس النيابي، وكان خير مكان يَلِيق لوجود الهيئة المكونة على أساس الحرف أو الوظائف، هو المجالس الاستشارية أو مجالس الخبراء الأخصائيين، أو المؤتمرات العامة التي لا تمُتُّ بصِلةٍ إلى البرلمان أو مجلس النواب الأعلى المسيطر على شئون الدولة.

على أن هذا لا يعني أن المجالس النيابية القائمة في هذا الوقت، تفي بجميع الأغراض التي أُنشئت من أجلها، ذلك بأن العلم بدقائق الصناعة ضروري عند سَنِّ بعض القوانين، والمعلومات الخاصة المستمرة لازمة لتوجيه السياسة الخارجية وجهتها الصحيحة، ونظم التربية تتبدل من أساسها تبدلًا يجعل رجال السياسة القدماء يبدون فيها آراء خاطئة، وهذه الأسباب كلها تحتِّم إصلاح الطرق المتبعة لمناقشة الوسائل العامة، والفصل فيها في المجلس النيابي سواء سمَّيْته برلمانًا أو جمعية أو مجلس أمة، وزيادة على ذلك فإن كثرة ما يسن من القوانين واختلاف أنواعها، يُعَدُّ سببًا كافيًا لنقل بعض الواجبات التشريعية إلى غير المجالس النيابية، أو جعلها من اختصاص هيئات محلية، لكن ذلك كله إصلاح للدقائق والتفاصيل، لا يُستطاع بحثه في هذا الكتاب، وحسبنا هنا أن يُفهم المبدأ الدمقراطي العام، وهو أن إرادة الشعب يجب أن تكون هي الإرادة النافذة.

٢

على أن أشد ما يوجَّه إلى النظم الدمقراطية من النقد في هذه الأيام، سببه أثر النظام الاقتصادي في منع إرادة الشعب من السيطرة على الحكومة، ذلك أن من المسلَّم به بوجهٍ عام أن فئة قليلة من ذوي الثراء، قد تسيطر على تكوين الرأي العام عن طريق الصحف أو غيرها من الوسائل، ولكن الواجب علينا في هذه الحال هو أن نُعنَى ببحث النظم، التي تساعد على وجود هذا العيب وطريقة إصلاحها، وأهم هذه النظم كلها هو نظام المِلْكية الخاصة لرأس المال الصناعي، يقول البعض إن الدمقراطية السياسية لا تستطيع أن تقوم بعملها، حتى تُلغَى المِلْكية الخاصة لوسائل الإنتاج؛ أي حتى تحلَّ الاشتراكية محلَّ الرأسمالية، وهناك انتقاد أخص من هذا وأضيق منه دائرة، وهو أن النظم الدمقراطية يجب أن تؤدي إلى إشراف هيئات شعبية، على أهم ما يُستخدَم فيه رأس المال المنتج، ويجب أن نلاحظ هنا أن النزاع لا يقوم على المِلْكية الخاصة للقبعات أو الأحذية مثلًا، بل إن الذي يقوم عليه النزاع هو أن تؤدَّى عن الأرض أو الآلات أو القوى المُستخدمة في الإنتاج فوائد أو أرباح، تجعل لأصحابها السيطرة على مَن يستخدمونها.

وإذا نظرنا إلى أعم أشكال النقد الذي يُوجَّه إلى النظم الدمقراطية الحاضرة، والذي أساسه أنها لا تعطي السلطة في الحقيقة للأغلبية، وجدنا هذا النقد ينصبُّ على وجود العدد الجم من أصحاب المِلْكية الصناعية في المجالس النيابية ومَن أقاربهم في مصالح الحكومة، لكن أصدق من هذا وأشد وقعًا أن النساء والرجال الذين يعتمدون في كسب قوتهم على أصحاب رأس المال الصناعي ووكلائهم، لا يستطيعون أن يعبِّروا عن آرائهم تعبيرًا حرًّا، وقد لا يجدون الوسائل التي تمكِّنهم من أن يكون لهم رأي صحيح، والحق أننا يجب ألَّا نغترَّ بالظواهر، إن الشخص، رجلًا كان أو امرأة، الذي يكدح طول يومه ليحصل على الكفاف من العيش، ولا يجد الفراغ الذي يمكنه من التفكير، ويخشى على الدوام أن يفقد عمله وهو مورد رزقه الوحيد، إن هذا الشخص ليس هو المواطن الحر المساوي لغيره، والذي تُحدِّثنا عنه الكتب، حتى ولو خلا الانتخاب من جميع وسائل الإرهاب المباشر؛ ولذلك يقول النَّقَدة إن الخطوة الثانية التي يجب أن تخطوها الدمقراطية نحو المساواة والحرية، هي أن يُقضَى على قوة أصحاب رءوس الأموال، وليس الغرض الذي يرمي إليه هذا العمل هو جعل الحرية السياسية حقيقة واقعية فحسب، بل يُقصد به كذلك تحقيق المَثَل الدمقراطي الأعلى، وهو وجود مجتمع من الرجال والنساء، في استطاعتهم أن يستخدموا ما وهبهم الله من كفايات لمنفعتهم الخاصة.

وإذا شئنا أن نفهم المشكلة القائمة الآن في أوروبا الغربية وأمريكا، وجب علينا أن نستعيد إلى ذاكرتنا التاريخ الحديث لنظام الإنتاج والاستهلاك؛ وذلك لأن الحياة المتمدينة كلها تقوم على الإنتاج أيًّا كان نوعه، وعلى الانتفاع بالمنتجات، كما أن طرق تبادل السلع والخدمات ذات أثر اجتماعي عظيم في معظم المدنيات، وإذا كانت الحكومات تُشرِف الآن إشرافًا عامًّا على نظام النقد، وتُشرِف بعض الإشراف على نظام الائتمان، فإنها لا تُشرِف على الوسائل الفعلية المُتَّبَعة في إنتاج السلع وأداء الخدمات؛ لأنها أحدث عهدًا من نظامَيِ النقد والائتمان.

لقد كان من أثر الإنتاج الكبير بقوة الآلات، أن دخل النظام الصناعي منذ قرن من الزمان في مجتمعٍ تسيطر عليه العقائد العتيقة، التي ورثها دون أن يشعر من مدنية الاسترقاق القديمة، وكانت المسيحية في خلال العصور الوسطى، والمبادئ الإنسانية التي بعثها عهد النور في القرن الثامن عشر، قد أَدخَلا بعض التعديل على أحوال العمال اليدويين القديمة، وقلَّلا من اعتمادهم على أصحاب الأراضي وغيرهم من ذوي الأملاك، وانتشر في العالم شعور عام بأن الناس متساوون من بعض الوجوه «عند الله»، وإن لم يَقُلْ أحدٌ، حتى ولا الكنيسة نفسها إن الناس متساوون «عند الناس»، وكان الاعتقاد السائد أن أفضل حياة هي التي تتفق مع «الوضع الذي وضع الله فيه الإنسان»، ولا يَخفَى أن معظم الناس رجالهم ونسائهم قد وُضعوا في موضعٍ أقلَّ مما وُضع فيه غيرهم، وقد حدث بالفعل أنه حينما احتاجتِ الصناعة الجديدة إلى الأيدي العاملة أو المَهارة، أمكن الحصول على عددٍ كبير من الرجال والنساء والأطفال واتخاذهم وسائل للإنتاج، وكان هؤلاء هم «الطبقات السفلى» أو «الطبقات العاملة»، الذين لم يكن في مقدورهم أن يحصلوا على قُوتهم، إلا بالعمل أمام الآلات التي يَمْتَلكها غيرهم.

وإن من الخطأ وسوء الفهم أن نفسِّر هذه الحال بأنها استغلال مقصود متعمَّد للعمال اليدويين، كما أن أصحاب رءوس الأموال لم يَتَحَدَّوْا بعملهم حقوقًا معترفًا بها، بل إنهم هم «وعمالهم» قد افترضوا وجود مراتب أو طبقات منفصلة؛ أي إنهم كانوا يعملون حسب القواعد التي قامت عليها كل مدنيات الاسترقاق القديمة، ولربما كانوا لا يشعرون بأنهم يعملون بهذه القواعد، بل بدا لهم أن من الأمور الطبيعية، إذا لم نقل من الأمور الصادرة عن العناية الإلهية، أن «يُدعَى» بعض الناس إلى العمل؛ ليحصلوا على الكفاف من العيش،٥ وأن «ينعم» البعض الآخر بالفراغ والمتاع الزائد على الحاجة، ولا يزال كثيرون من ذوي السلطان السياسي والاقتصادي، يفترضون أن هذه هي الحال الطبيعية، وإن كان تاريخ استخدام العمل في المدنية يُثبت أن الحال التي وُجدت في النظام الصناعي الجديد، لم تكن أكثر انطباقًا على الحال الطبيعية أو المحتومة من أية حال اقتصادية أخرى وُجدت قبلها، وكل ما في الأمر أنها كانت نتيجة فروض وعادات قامت عليها مدنيات الاسترقاق في بلاد اليونان وروما، نعم، إن هذه الظروف قد عُدِّلت بعض التعديل بتأثير عواطف العصور التالية، ولكنها لم تكن بأية حالٍ من الأحوال نتيجة «المنافسة الحرة» أو «الإقدام الحر»، كما أن توزيع القوة بين أصحاب الأملاك والعمال اليدويين، لم يكن جزاء «العفة والقناعة»، أو نتيجة تطبيق مقياس الكفايات، بل تلك ألفاظ ما أنزل الله بها من سلطان، صاغها علم الاقتصاد الجديد؛ ليفسِّر بها سيطرة الأقلية الضئيلة على الأكثرية الساحقة في كل الهيئات الاجتماعية، وآمَن بهذه الألفاظ الخرافية كل الناس تقريبًا سواء أكانوا من ضحاياها أم من المنتفعين بمزاياها.

غير أن دخول التعابير الدمقراطية في لغة السياسة، والإحساس الجديد بالكرامة الإنسانية اللذين جاءت بهما الثورة الفرنسية، مع ازدياد الشعور بآلام الإنسانية، كل هذه العوامل بدأت تقوِّض دعائم الفروض التي قامت عليها الفوارق الاجتماعية القديمة، بعد أن عرف أن الناس إذا كانوا متساوين وأحرارًا بطبيعتهم في حقوقهم السياسية على الأقل، فلا بد من أن يكون هناك خطأ في النظام الاقتصادي القائم على انعدام المساواة، وعلى إلزام الأغلبية أن تكدح باستمرار، وبدا غريبًا على أية حال ألَّا يُبَاشر الإنتاج إلا في ظروفٍ تَحرِم الأغلبية الكبرى الراحة من عناء الأعمال، وتوجد «طبقة رافهة» تستمهد الراحة ولا تُفيد الإنتاج بشيء، فالدمقراطية من حيث هي نظام عملي للعلاقات الاجتماعية بين الناس، وعلى الأخص من حيث هي مَثَل أعلى يُراد تحقيقه، لا تتفق بحالٍ من الأحوال مع الوسائل التي كان يسير عليها التنظيم الصناعي الحديث، ذلك بأن من السخف والهذيان أن نقول إن الناس متساوون، في حين أن أغلبيتهم لا تكاد تحصل على الكفاف من العيش، وأن عددًا قليلًا منهم ينالون أكثر مما يستطيعون أن ينتفعوا به، لقد قال هذا وأكَّده كثيرٌ من الكُتَّاب في أوائل العهد الصناعي، وقاله أخيرًا كارل ماركس بعباراتٍ بليغة الأثر عظيمة الوقع في النفوس.

لكن المصلحين السياسيين في القرن التاسع عشر لم يعالجوا هذه المشكلة قط؛ لأنهم كانوا يفترضون عادة أن عدم المساواة الاقتصادية أمر لا خطر له، ما دام لكل رجل صوت في الانتخاب، وأنه ما دامت الأغلبية وهي من العمال ستقترع لمصلحتها، فإن في ذلك ما يكفي لأن تستقيم الأمور، ولا سيما إذا اعتقدت هذه الأغلبية أن مصلحتها تقضي بترك النظام الاقتصادي كما هو، وأدخل الاقتصاديون في رُوع الناس كلهم أن هذا النظام «من طبيعة الأشياء»، وأنه نتيجة «قوانين» سرمدية لا نتيجة عادات سيئة تؤدي إلى سيطرة البعض على البعض، أو اعتقادات رثَّة بالية في وجود نظام اجتماعي ثابت؛ ولذلك اقتصر العمل السياسي في الميدان الاقتصادي عادة على تخفيف الآلام الشديدة البارزة، وتلطيف حِدَّة ما كانت تسببه وسائل الإنتاج الجديدة من «احتكاك» في بعض الأحيان، نَعَم، إن ما سُنَّ من قوانين للمصانع، وما استُخدم أخيرًا من وسائل للتوفيق والمصالحة والتأمين من البطالة وتعويض العمال، من شأنه أن يجعل العلاقات الاقتصادية أكثر «دمقراطية» مما كانت، ولكن الفكرة التي بُنيت عليها هذه الإصلاحات، كانت فكرة المنح والتعديل داخل دائرة النظام القائم، نظام سيطرة البعض وخضوع البعض الآخر، ولم يكن يُلحَظ فيها أنها وسيلة لتقويض بنيان هذا النظام من أساسه، أما العامل السياسي الذي كان له أعظم أثر في الصناعة من الناحية «الدمقراطية»، فهو الاعتراف القانوني والسياسي بحق العمال في أن يؤلفوا النقابات؛ لأن ذلك كان بمثابة ثورة في العلاقات الأساسية بين العمال وأرباب الأعمال، فالعامل إذا أمكنه أن يضع بنفسه السياسة التي يسير عليها، لم يبقَ مجرد آلة مسخَّرة، لكن حق العمال القانوني في أن يؤلفوا باختيارهم جماعات لهم، لم يُعتَرَف به اعترافًا عامًّا في الولايات المتحدة؛ حيث لا تزال «الدمقراطية» من نوع الدمقراطية الفردية.

٣

ولم يكن الاعتراف بحقوق نقابات العمال في غير البلاد التي ذكرناها، إلا تسليمًا منها بحال جديدة قائمة بالفعل، وبذلك لم يكن أقوى عامل يدفع الأمم نحو الديمقراطية في الصناعة عاملًا سياسيًّا، بل كان هو اتحاد الصناع اليدويين باختيارهم ومن تلقاء أنفسهم، وتكوينهم نقابات يحمون بها أنفسهم ويدافعون بها عن مصالحهم،٦ وتلك هي الدمقراطية الحقيقية، وقد نشأت في العهد الصناعي بتأثير شعور الزمالة، والرغبة في تبادل المنافع بين العمال الرجال منهم والنساء، وقد بَعَثَ فيهم هذا الشعورَ وتلك الرغبةَ تجاربُهم العمليةُ في وسائل الإنتاج، بعدَ أن تبيَّن لهم أن أجورهم سوف تنقص، وأوقات عملهم سوف تطول كلما كان مستطاعًا أن تزيد الأرباح بمثل هذه الوسائل، مهما حسُنتْ نيَّات المسيطرين على الصناعات، وأتَى على الصناع حينٌ من الدهر أثبت فيه مَهَرة الاقتصاديين، وسرَّهم ما أثبتوا، أن هناك «رصيدًا»٧ تُؤدَّى منه الأجور، وأن هذه الأجور لا يمكن أن تزيد على ما بلغتْه في ذلك الوقت، وأثبتوا فوق ذلك أن حركة النقابات لا تستطيع أن ترفع هذه الأجور، لكن النقابات ازداد عددها، وارتفعت الأجور وتحسَّنتِ الأحوال في الصناعات الحسنة النظام، واعتقد العمال اليدويون على الأقل أن الفضل في ذلك، راجع للنقابات على الرغم من عقائد الاقتصاديين المقررة.

وقد استطاع العمال اليدويون بفضل الطريقة التي نشأت بها نقاباتهم، أن يجرِّبوا بأنفسهم أساليب الدمقراطية العملية، ولقد أخطئوا كثيرًا في تجاربهم، وقامت المنافسات والمنازعات في بعض الأحيان بين طوائف العمال المختلفين؛ لأن الحركات الجديدة بدأت على أيدي فئات قليلة العدد من العمال، كانت تلتقي كل منها بالأخرى؛ ولذلك لم يكن تاريخ النقابات في جميع البلاد هو تطبيق مبادئ معنوية مجردة، وإنما كان أعمالًا تجريبية في نواحٍ مختلفة، ترمي إلى تخليص العمال اليدويين من خضوعهم القديم، ولقد تعلَّم الملايين في هذه الحركة النقابية حقيقة المساواة في المنزلة، والعمل المشترك للصالح العام، والحرية في انتقاد ذوي السلطان، والإشراف على الوكلاء والمندوبين؛ أي إنهم تعلَّموا في الحركة النقابية حقيقة الدمقراطية العملية، وتخطَّتِ العواطف المشتركة حدود العمل والصناعة والدِّين والقومية، واتسعت دائرة هذه العواطف كما اتسع مجال التنظيم النقابي باستمرار.

ثم نشأت في بريطانيا العظمى وأوروبا الغربية في أواسط القرن التاسع عشر حركة تعاون المستهلكين، وذلك أن أصحاب الإيرادات الصغيرة، ومعظمهم من العمال اليدويين، نظموا لأنفسهم طرق الحصول على بعض السلع تنظيمًا يقلِّل من أثمانها، وينجيهم من عبء الأرباح التي كان يحصل عليها أفراد التجار، وكان المبدأ الذي قامت عليه هذه الحركة، هو استخدام رأس المال في غرضين: الشراء بالجملة والإشراف على البيع، وكانت النتيجة التي أدَّتْ إليها هي اتساع دائرة تجارب العمال في إدارة المشروعات التجارية الصغيرة ثم الكبيرة، التي يشترك فيها العمال ووكلاؤهم، وتلك أيضًا تجارب أخرى في الدمقراطية.

غير أن نمو حركتي النقابات العمالية وتعاون المستهلكين، لم يكن ليؤدي حتمًا إلى إيضاح الفروق بين هذه الحال الجديدة وبين النظام الاقتصادي القديم، ولم تكن حركة «العمال» من هاتين الوجهتين إلا وسيلة من وسائل الإصلاح داخل دائرة النظام المقرر، أما الخطوة التي تَلَت هذه الحركة فكان منشؤها اعتراف عدد قليل من المفكِّرين، بعضهم من بين طوائف العمال الأُجَراء وبعضهم من خارجها، بأن ثمة صراعًا في المبادئ بين النظام الاقتصادي المقرر وفكرة وجود مجتمع متساوي الأفراد، وقد أدَّى هذا إلى تأليف الأحزاب الاشتراكية، للسعي في إيجاد ممثلين للعمال في البرلمانات والمجالس النيابية، وسُمِّيت هذه الأحزاب في بعض البلاد بالأحزاب «الدمقراطية الاشتراكية»، كما سُمي الحزب الجديد في بريطانيا العظمى بحزب العمال، وهذه الأحزاب كلها متفقة في موقفها من الدمقراطية، وهو أن الحقوق السياسية التي حصل عليها العمال لا تَفِي بالغرض المقصود، ولكن الجدل قام ولا يزال قائمًا بين أعضائها، فمنهم مَن يقول إن الخطة التي اتُّبعت حتى الآن، يمكن استخدامها لنيل المساواة الاقتصادية، ومنهم مَن يعتقد أن المشكلة القائمة مشكلة عويصة متأصِّلة، وأن لا شيء يستطيع القضاء على سيطرة أصحاب رءوس الأموال الخاصة إلا الثورة العنيفة، ويسمَّى أصحاب الرأي الأول الآن بالاشتراكيين، كما يسمَّى أصحاب العقيدة الثانية بالشيوعيين، وقد ناقشنا آراء الشيوعيين من قبلُ، وعرفنا أنهم لا يكتفون بنقد النظم الدمقراطية القائمة، بل ينتقدون معها المبادئ الدمقراطية نفسها، فهي تدعو إلى العنف وإلى الحرب الأهلية، بحجة أن «غيرهم قد أوقد نارها أولًا».

لكن ما لنا ولهذا كله؟! إن هذا البحث مقصور على نقد النظم الدمقراطية، والمسألة التي نحن بصددها الآن هي: هل يمكن إصلاح هذه النظم القائمة؛ لكي نجعلها تساعد على المساواة الاقتصادية، أما أنها في حاجةٍ إلى الإصلاح فهذا ما يعتقده الجميع؛ لأنها قد سمحت من الوجهة العملية لأصحاب رءوس الأموال الخاصة، أن يؤخروا أو يمنعوا اتساع دائرة حق الانتخاب، ونشر التعليم بين العمال اليدويين، وتحسين أحوال المصانع، وتقرير المعاشات للعمال وتعويضهم مما يُصابون به من الأخطار، وتعيين الحد الأدنى القانوني للأجور، ونقص ساعات العمل، إلى غير ذلك من الإصلاحات التي لم يَنَلْها العمال إلا بعدَ أن استماتوا في الدفاع عنها، يُضاف إلى هذا أن ما كُشف أخيرًا من الفضائح الكثيرة، قد أَظهَر بجلاءٍ كيف يستطيع الأفراد المسيطرون على الإنتاج، أن يُفسدوا العمل ورءوس الأموال المستثمرة ويُسيئوا استخدامها، وما أقدَرَ الشركات الرأسمالية الكبيرة كلها على الاحتيال لنيل الإعانات وسلب الأموال! وأكثر هذه الشركات استهتارًا واندفاعًا في هذه السبيل هي شركات تجارة السلاح؛ ولهذا كان لا بد من إصلاح طرق الحكم، إذا أُريد أن يسود سلطان إرادة الشعب، ومن بين هذه الإصلاحات المنشودة تقليل نفقات الانتخابات، وإذاعة كل المعلومات المتصلة بالسياسة العامة، واتباع نظام الضرائب التصاعدية،٨ وتحديد حقوق الميراث، والتوسع في استخدام المذياع والخيالة لمقاومة تأثير الصحافة، لكن هذه الإصلاحات جميعها لا يُستطاع القيام بها، إلا إذا انتشرت في المجتمع الرغبة في المساواة أكثر من انتشارها في الوقت الحاضر، وهذا الانتشار موقوف على نظم التربية ووسائلها كما سنبيِّنه في الفصل التالي.

٤

على أن النظم التي يحتاجها المجتمع الدمقراطي، ليست هي النظم السياسية فحسب، كما أن شكل الحكم القائم الآن ليس هو وحده الذي يحتاج إلى إصلاح، ذلك بأن الصناعة في معظم نواحيها منظَّمة تنظيمًا يعوق سير الدمقراطية، وتُماثِلها في ذلك النظم الاقتصادية، نعم، إن هذه النظم كنظام المِلْكية العقارية أو الآلات الصناعية أو المواد اللازمة للإنتاج نظم سياسية من بعض الوجوه؛ لأنها تقوم على حقوقٍ قانونية، لكن النظام القائم الذي يخول صاحب المال أو وكيله الحق في أن يقرر ماذا يجب أن ينتج، وهل هناك ضرورة للإنتاج، ومَن من الناس يجب أن يستخدمهم في الإنتاج، هذا النظام نظام غير دمقراطي في جوهره وأساسه؛ وليس ذلك لأنه يعطل حرية الاختيار التي يجب أن يتمتع بها الناخبون فحسب؛ بل لأنه أيضًا يحطُّ من قدْر العمال، ويُعطي عددًا قليلًا من الأفراد حقوقًا استبدادية على السلع والخدمات النافعة للجميع؛ لذلك يقال إن المَثَل الدمقراطي الأعلى يتطلب أن يكون إصلاح هذه النظم بتغيير نظام الإنتاج من أساسه؛ لأن هذا النظام القائم في الوقت الحاضر، إن هو إلا تعديل لنظام الاسترقاق القديم، الذي يحقر من شأن العمل اليدوي والخدمات العادية التي تقوم عليها الحياة المتحضرة، ولا تكون هذه الخدمات استرقاقًا إلا إذا أعطَتْ أصحاب الأموال ووكلاءهم من الحقوق، ما يمكنهم من السيطرة على الإنتاج، ولن يشعر الناس بأن العمل اليَدَوي عمل شريف متحضِّر، يرفع من قدْر صاحبه، إلا إذا انتُزعت من هذه الطبقة تلك الحقوق الاستبدادية.

ولكن مهما يكن نوع الإصلاح الذي يتكفل به المصلحون عن قصدٍ وإرادة، فإن عليهم ألَّا يغفلوا ما حدث منذ أيام كارلس ماركس من تطورات «دمقراطية» غير مقصودة ولكنها مرغوب فيها، ومن هذه التطورات أن نقص أثمان الطعام والملبس ونفقات التعليم، قد جعل الفوارق بين الطبقات الاجتماعية أكثر تعقيدًا مما كانت عليه من قبل، فالطبقات القديمة آخذة في التبدل، وقد بدلت وسائل الإنتاج الحديثة العلاقة بينها، فلم تعد كما كانت في الماضي نزاعًا صريحًا بين مصالحٍ متنافسة، بل أصبح هذا النزاع أقل كثيرًا مما كان، كذلك أصبحت حرب الطبقات أبعد احتمالًا؛ لأن الحرب تتطلب فروقًا واضحة بين الطرفين المتحاربين، وقد أوجدت الظروف الحاضرة عددًا كبيرًا من المحايدين الذين لا ينتمون إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وتلك حال يصعب معها أن تدور رحى الحرب المركسية،٩ يُضاف إلى هذا أن المرافق العامة التي أقامتْها الحكومة المركزية، أو التي يُشرِف عليها ولاة الأمور المحليون في بعض البلاد، تسيطر الآن على مقادير كبيرة من رءوس الأموال؛ فمن ذلك أن نحو ثلثي المشروعات ذات رءوس الأموال الكبيرة في بريطانيا العظمى من الأملاك العامة، أو مما تشرف عليه بعض الإشراف هيئات حكومية عامة في الوقت الحاضر؛ ولهذا لا يبعد أن تكون العوامل التي تقوم عليها الدمقراطية الاقتصادية أو الصناعية في المستقبل، هي ازدياد قوة شراء المنتجات عن طريق «التنسيق» المقصود المدبَّر، وتخفيض نفقات الإنتاج الذي تُشرف عليه الهيئات الحكومية العامة، وقد يكون في قيام بعض المشروعات الجديدة مثل لجنة الكهرباء في بريطانيا العظمى، ما يُضعِف من سلطان الأفراد المضاربين في التجارة، فضلًا عن أنه قد اتضح الآن أكثر من ذي قبل لعددٍ كبير من الناس حتى بين أصحاب رءوس الأموال، أن للماليين ومنشئي الشركات الذين يعامَلون على اعتبار أنهم وكلاء لأصحاب الأموال، قد وضح أن لهؤلاء سلطات ومصالح تختلف كل الاختلاف عما للمساهمين، ولقد كان صاحب رأس المال يُعَدُّ فيما مضى عدو العمال، ولكن الظروف الحاضرة قد جعلتْه في بعض الأحيان ينحاز إلى جانب الأُجَراء، ضد الذين يحصلون على مكاسبهم عن طريق المضاربات المالية، وكذلك يتضح أن الحال الاقتصادية آخذة في التطور، ولسنا ننكر أن هذه التطورات تتيح فُرَصًا جديدة للشراهة الفردية أو المطامع الشخصية، ولكن منها ما يُعَدُّ بحقٍّ فُرَصًا سانحة للتقدم نحو الدمقراطية.

فإذا استفادت السياسة العامة من هذا الاتجاه الجديد، فإن قوى الإنتاج وأذواق المستهلكين الجديدة والطرق الجديدة لتنظيم وسائل الائتمان، كل هذه قد تزيد من حرية العمال اليدويين وسائر أصحاب الإيرادات الصغيرة المكتسبة، وتقلِّل الفوارق بينهم وبين غيرهم من الطبقات، فالمشكلة إذن هي كيف نَصِل إلى هذه السياسة، إننا إذا عرفناها كان رأي الأغلبية وإرادتها، وهي صاحبة الدخل القليل في جميع البلاد، أعظم قوةً وأبعد أثرًا؛ لأن أفرادها يشعرون عندئذٍ أنهم أكثر اطمئنانًا على أرزاقهم؛ ولأنهم سيكون لديهم من القوة والفراغ ما يستطيعون توجيهه للشئون العامة، والفارق الحقيقي بين هذه الحال الجديدة والحال الراهنة، أن معظم الناس في النظام الاقتصادي الحاضر لا يحصلون إلا على ما يكفي لبقائهم أحياء منتجين، في حين أن الأقلية تنال ما يزيد على حاجتها لتنفقه على مُتَع الحياة وزينتها، أما في النظام الاقتصادي المرجو، فإن جميع الأفراد تُتاح لهم الفُرَص ليتمتَّعوا بنصيبٍ من الفراغ الفائض والسلع والخدمات، أكثر مما يلزمهم للقيام بعملهم في الإنتاج، وفي هذا النوع الجديد من النُّظُم يمكن أن تقوم الدمقراطية، أما في النوع السابق فقيامها مستحيل، ولما كان النظام الاقتصادي القائم في وقتنا هذا أقرب إلى النوع الأول منه إلى النوع الثاني، فإنه لا يتفق مع النظم الدمقراطية ومُثُلها العليا، وعلى هذا الاعتبار لا يكون معنى المساواة الاقتصادية، باعتبارها من المُثُل الدمقراطية العليا أن يتساوى دخل الناس جميعًا، كما أن المساواة السياسية ليس معناها أن يتساوَى نفوذهم كلهم في السياسة، ولكن الذي تتضمنه هذه المساواة الاقتصادية، ألَّا يعتمد أي شخص في معيشته وفي حظِّه من نِعَم الحضارة على ما يكسبه شخصٌ آخَر، وهي تعني من غير شك التحرر الصريح من سيطرة أصحاب رءوس الأموال ووكلائهم.

ولقد كان وجود هذا التناقض بين النظام الاقتصادي القديم من جهة، والفكرة الدمقراطية من جهةٍ أخرى سببًا من أسباب الفاشية؛ ذلك أن أهم غرض ترمي إليه الفاشية، هو أن تمنع تطبيق المبادئ الدمقراطية على النظام الاقتصادي، وتنحصر سياستها الاقتصادية في تدعيم أركان النظام القديم، وتقوية الأفكار التي ورثها عن المدنيات الاسترقاقية؛ ولهذا فإن الفاشيين لا يكادون يسيطرون على مجتمعٍ من المجتمعات، حتى يحرموا نساءه حقَّ المساواة السياسية، ويقضوا على النقابات الصناعية، ويحرموا على العمال اليدويين أن يؤلفوا باختيارهم جمعيات نظامية أيًّا كان نوعها، ولقد قضى النظام الفاشي الإيطالي فضلًا عن ذلك على الحركة العمالية العظيمة الأخرى، وهي حركة الجمعيات التعاونية، وصادر أموالها، فعل ذلك «لمصلحة العمال الحقة»، التي تقول النظرية الفاشية إنهم لا يستطيعون أن يدركوها؛ ولذلك كان من صالح العمال أن يحرم عليهم عمل شيء لأنفسهم، ثم أنشأت الحكومة الدكتاتورية نقابات جديدة؛ لتَظهَر بمظهر الحرص على منفعتهم، وهذه النقابات الجديدة أحسن من النقابات السابقة نظامًا، وأقوى صلة، وأكثر خضوعًا لعواطف الفخار القومي، وإذعانًا واستسلامًا لسياسة الحكومة، فهي لا تشبه نقابات العمال الحقة إلا كما يشبه الفيلقُ النادي، أو كما يشبه السجن المدرسة، والحقيقة أن نقابات العمال الفاشية هي انتقاض على الدمقراطية، ورجوع بالصناع إلى تبعيتهم القديمة التي كانوا عليها في أيام المدنيات الاسترقاقية، والسبب واضح لا خفاء فيه، ذلك أن المساواة ليست من المُثُل العليا التي يعمل لها النظام الفاشي، وهذه هي الحال بعينها في الدكتاتورية الشيوعية، فمهما تكن النظرية الشيوعية وعلاقتها بالحركة العمالية، فإن نقابات الصناع في بلادها ليست جمعيات اختيارية، بل هي من عمل طائفة صغيرة من القائمين بالحكم في البلاد؛ ولذلك لا يُعَدُّ قيامها تسليمًا بمبادئ الدمقراطية، بل يُعَدُّ خروجًا عليها، وليس من أغراضنا هنا أن نقرر هل تكون الحال خيرًا مما هي عليه الآن أو شرًّا منه، إذا ما نهجت الشيوعية منهجًا صناعيًّا غير منهجها الحاضر، غير أن الحقيقة الواضحة التي تهمنا في هذا الجدل، أن نقرر أنه لا توجد نقابات للعمال من الطراز الدمقراطي، حيث لا يقوم العمال أنفسهم بإنشاء جمعياتهم بل يُنشئها لهم غيرهم.

وليست عداوة جميع الحكومات الأتقراطية للحركة النقابية اعتسافًا بعيدًا عن حكم العقل؛ ذلك بأن تضارب المصالح التي تعمل لها جمعات العمال المختلفة، وتباين الخطط التي تسير عليها، يبدوان كأنهما خطر على وحدة الأمة؛ ولذلك يرى دعاة الشيوعية أن نقابات الصناع المحلية أو الطائفية، من شأنها أن تقضي على السياسة العامة التي يراد وضعها لطائفة العمال بأجمعها، ولقد حصل بالفعل أن بعض زعماء نقابات العمال كانوا يعملون لخدمة أعضاء نقابتهم، ولو أضرَّ عملهم بمصالح المجتمع كله، بل ولو أضر بمصالح غيرهم من العمال، وتعمدت بعض نقابات العمال الماهرين أن تُلحِق الضرر بالنساء العاملات وبالرجال غير الماهرين، وحتى إذا لم تكن سياسة النقابات المرسومة هي السعي وراء المصالح الطائفية، فقد جرى أعضاء معظمها بالفعل على خطة إهمال المشاكل الكبرى التي تهم المجتمع كله، وهي خطة تجعل أعداء الحركة النقابية، يعدون النقابات عقبات في سبيل الدمقراطية لا دعائم تقوِّي صرحها؛ لأن الدمقراطية تتطلب من كل فرد ألَّا يحصر تفكيره في مصالحه وحدها، أو أن يجعل معظم تفكيره في هذه المصالح، ولا يمكن أن تكون الدمقراطية مجرد تطاحن وتسابق بين المتنافسين؛ ولهذا فإن سعي نقابات العمال وراء المصالح الطائفية قد يكون تناقضًا للدمقراطية.

لكن نقابات الصناع في المجتمعات الدمقراطية الراقية، قد أخذت في الاندماج والتحالف؛ لكي تؤلِّف من بَيْنِها جماعات كبرى ذات مصالح مشتركة، ولقد أظهرت نقابات العمال في بريطانيا العظمى وفرنسا على الأخص خلال السنين العشرين أو الثلاثين الأخيرة، أنها تشعر شعورًا راقيًا بما عليها من التبعة، التي تحتم عليها أن تسعى للصالح العام بمعناه الواسع غير المقصور على مصالحها الخاصة، فليس من السياسة «الطائفية» مثلًا ما تقترحه النقابات من تنظيم الصناعة تنظيمًا جديدًا، وليس منها أيضًا ما تبذله من الجهد لمنع الحروب، ولقد كان ازدياد قوة مَهَرة الصناع في الصناعات الحديثة كافيًا في حدِّ ذاته، لازدياد شعورهم بما عليهم من التبعة نحو المجتمع بوجهٍ عام، وقد يكون من سنن التدرُّج والنماء الطبيعي أن تقوم النقابات، التي بدأت على هيئة دمقراطيات صغيرة فتوسع دائرة أفقها، وتختط لنفسها خطة ترمي إلى فائدة جميع أعضاء المجتمع، فإذا فعلت ذلك كان فعلها أبلغ ردٍّ عملي على ما توجه إليها الدكتاتوريات من هجمات، ودليلًا قاطعًا على أن الجماعات الاختيارية تستطيع أن تعمل للصالح العام، كما تعمل له السيطرة الحكومية على العمال، لكن النقابات لم ترقَ بعدَ هذا الرقي في نظامها وسياستها، فإذا جاء الوقت الذي لا تسعى فيه الطوائف المؤلفة في داخل أي مجتمع من المجتمعات باختيارها، ومن تلقاء أنفسها إلى مصالحها الحزبية بل تعمل للصالح العام، إذا جاء هذا الوقت أمكن قيام الدمقراطية السياسية والاقتصادية بأوسع معانيها.

كذلك يتطلب التنظيم الدمقراطي الصناعي السير على خطةٍ جديدة في الانتفاع بالسلع والخدمات، ذلك بأن الذين يعملون في الصناعة والزراعة هم الكثرة العظمى، لمن يستهلكون معظم السلع وينتفعون بمعظم الخدمات، لكن هذه الكثرة لا تستهلك في العادة من السلع والخدمات إلا بقدر ما يمكن أفرادها من العمل في الإنتاج، مع أن القاعدة التي تقوم عليها السياسة الجديدة توجب ألَّا يُعامَل هؤلاء معاملة المنتجين فحسب؛ ولذلك تتطلب الدمقراطية الصناعية أن توزع قوة الانتفاع بالسلع والخدمات، توزيعًا يمكِّن كل فرد من أن ينال من الكماليات والمسرات فوق ما يحتاجه ليقوى به على الإنتاج، وبذلك وحده يستطيع الفرد رجلًا كان أو امرأة ألَّا يكون مجرد آلة ينتفع بها غيره، وقد رأينا فيما سبق كيف أدَّتِ الدمقراطية السياسية، إلى إنشاء خدمات اجتماعية عامة لتوزيع بعض السلع بين الناس حسب الحاجة، وإعطائهم منها أكثر مما يلزمهم لحفظ حياتهم، فإذا كان أحد لا يفكر في حرمان الفقير أو الصانع المسخَّر، خير ما يستطيع المجتمع أن يمدَّه به من الماء الصالح، ولا يقول إن الغرض من إنشاء الحدائق العامة والملاعب مقصور على مساعدة الناس على الإنتاج، فإن الفراغ وهو أثمن ما أنتجه النظام الصناعي الجديد، يمكن أن يوزع بين جميع الناس توزيعًا أقرب إلى العدالة والمساواة من توزيعه الحاضر.

وهناك مشكلة عويصة لم نتعرض لها بعدُ، فقد يسأل البعض أحيانًا: هل يحق لشخص أن يستمتع بخدمات الناس، من غير أن يؤدِّي هو نفسه خدمات لهم؟ ومن هذا القَبِيل ما يوجه من النقد الشديد لتوارث الثروة، ذلك النظام الذي يمكن الشخص من الانتفاع بخدمات الناس ولو لم يؤدِّ لهم أية خدمة، ومنه أيضًا ما يراه البعض من استحالة بقاء الطبقة المستريحة غير «العاملة»؛ أي ذلك النفر الذي لا يقوم بعملٍ قط، إذا أريد الوصول إلى المساواة؛ وذلك لأن الفراغ الذي يشترك فيه جميع مَن يعملون لكسب قوتهم — حسب هذه النظرية — هو القاعدة التي تجب مراعاتها في السياسة العامة، كل هذه مشاكل تُثار، لكن المشكلة الرئيسية ليست هي التحرر من القيود التي تفرضها على الصانع حاجات نظام الإنتاج القديم، وإنما المشكلة الرئيسية أن يجعل العمل الذي يُؤدَّى للمجتمع أساسًا لما يُعطَى للفرد من الحقوق، وليس كل ما تتطلبه الدمقراطية أن يستفيد الناس جميعًا من السياسة العامة، بل هي تتطلب أيضًا أن يعمل الناس جميعًا لحفظ كيان المجتمع، ولقد يُقال أحيانًا إن المواطنين جميعًا يعملون لهذه الغاية؛ لأنهم يشتركون في القيام بواجبٍ عام هو واجب الخدمة العسكرية، وأن هذا الواجب يرفع القائمين به إلى مراتب الشرف والفخار، ولكن يرد على هذا بأن تلك الخدمة ليست إلا نوعًا من أنواع الخدمات الاجتماعية الساذجة، وأن الواجب أن يعرف الناس أن مدَّ السكك الحديدية وعمل الخبز من الخدمات الاجتماعية، التي تكسب القائمين بها من الشرف ما يترتب عليه حقوق لهم، وهذا الاعتقاد من شأنه أن يمحو من عقول الناس اعتقادهم القديم، أن امتلاك الثروة هو أساس كل الحقوق، ولن يهدم هذا الاعتقاد بطبيعة الحال حقوق المِلْكية الخاصة للسلع ذات المنفعة الشخصية، لكنه سوف يجعل أساس الحقوق الوطنية كلها ما يؤدَّى من الخدمات، للوفاء بالحاجات العامة للمجتمع كله، وعندئذٍ تصبح إرادة الشعب (أو رأيه) معبِّرة عما يقوم به من العمل لحفظ كيان المدنية، ولا يكون في المجتمع طبقات «منحطة»؛ لأن أفراده كلهم سيصبحون من «الطبقة» العاملة.

ومن واجب التنظيم الصناعي أن يعمل لهذا النوع من المساواة والحرية (المساواة في الخدمة وإن لم تكن بالضرورة في قيمة الخدمة، وحرية الفرد في أن يستخدم كل كفاياته في التعاون الاجتماعي)، وليس في استطاعتنا هنا أن نشرح بالتفصيل أي اقتراح من الاقتراحات التي تُعرَض في هذه الأيام، للسير نحو المَثَل الدمقراطي الأعلى في الصناعة، وحسبنا أن نقول هنا إنه لا بد من وجود نظام اختياري للعمال، يجعل لهم أثرًا في سياسة الإنتاج؛ لأن الاقتصار على جعل العمال خُدَّامًا للدولة بدل أن يكونوا خُدَّامًا للشركة، قد لا يؤدِّي إلى الدمقراطية، إذا كان المقصود «بالدولة» إشراف المستهلكين على المنتجين، كذلك لا يكفي أن تكون الغاية التي يعمل لها، هي الوصول إلى الدمقراطية من طريق التوسع في المِلْكية الشخصية؛ لأن هذا التوسع لن يحل المشكلة الحقيقية، بل الذي يحلها هو تنظيم الإنتاج الكبير١٠ تنظيمًا واسع النطاق، يختلف كل الاختلاف عن نظام الحرف الذي كان قائمًا في العصور الوسطى؛ ذلك بأن العالم الذي يجب أن تقوم فيه الدمقراطية هو العالم الحاضر لا عالم تلك الأيام الخالية، ويجب أن يَظهَر أثر هذه الدمقراطية فيما يتمتَّع به المواطنون جميعًا، من نفوذٍ أقرب إلى المساواة في جميع المسائل التي تمس السياسة العامة.

٥

على أنه إذا فُرض أن إرادة الشعب ورأيه هما الإرادة العليا والرأي الأعلى، فقد بقي أن نعرف هل هذا الرأي وتلك الإرادة خير وصواب، ذلك بأن الدمقراطية لا تتطلب أن يفكر الناس كلهم فحسب، بل تتطلب أيضًا أن يكون تفكيرهم سبيلًا لفعل الخير، فكيف إذن تحل المشكلة الثانية؛ مشكلة إيجاد النوع الصحيح من «الإرادة»؟ وقبل أن نجيب عن هذا السؤال، نقول إن الغرض من السعي نحو المساواة الاقتصادية، هو تحرير عقول كثرة الناس من الاهتمام الضيق بوسائل العيش، ولقد كان لمعاشات كبار السن وتعويضات العمال وتأمينهم من البطالة، آثار عقلية أو «نفسية» هامة، فقد قلَّلت ما يساور المجتمع من خوفٍ وقلق، ولا يَخفَى أن الذين يأمنون على أنفسهم من غائلة الجوع، يكونون في العادة أصحَّ رأيًا وإرادة في المسائل الكبرى، تلك هي النقطة الأولى، والنقطة الثانية أن الاعتماد على السلطات العامة وعلى الحقوق التي ترعاها، بدل الاعتماد على إحسان الفئة المسيطرة القليلة العدد يخلق في الناس إرادة أو «رأيًا»، كلاهما أدلُّ على الشخصية والاستقلال والابتكار في منشئه، وإن كان ألصق بالمجتمع في كنهه أو في غرضه، ومن هذا يرى أن النظم الدمقراطية في الصناعة، تعمل على ترقية نوع الإرادة التي يعبِّر عنها أي مجتمع.

على أن من القواعد الأساسية التي يقوم عليها المَثَل الدمقراطي الأعلى، أن حرية التفكير واحتمال الخطأ هما أقرب السبل الموصِّلة إلى الحق والصواب، ولا شك في أن ازدياد الاستقلال الاقتصادي الذي تتمتع به كثرة أصحاب الإيراد القليل، سيجعلها أكثر عرضة للخطأ في السياسة العامة، ولكن هذا لا يبرِّر اعتقاد مَن هم أرقى من أفرادها درجة أن تعرضها للخطأ، لن يكون أيضًا وسيلة تكشف بها أشياء جديدة في السياسة العامة، إن ما يسمونه عقل الجماعة أو عقل القطيع يَقوَى في الجماعات المُستعبَدة الخاضِعة لحكم الاستبداد، نعم، يوجد في هذه الجماعات عدد قليل ممَّن يفكِّرون تفكيرًا فرديًّا، ولكن هذا لا يعني أن كل واحد منهم يفكر تفكيرًا مختلفًا عن غيره، وإذا سلَّمنا بأن هناك طريقين يمكن أن تسير فيهما السياسية العامة أحدهما صواب وثانيهما خطأ، فإن الاهتداء إلى الطريق الصواب يكون أسهل، إذا أمكن الناس كلهم أن يفكروا فيه بكامل حريتهم، وأن ينتقدوا كل مَن يتصدَّى لزعامتهم أو الحكم فيهم.

قد يلوح أن من السخف والوهم أن يتصور أحد في هذا العالم، الذي يسيطر عليه عدد قليل من الماليين ووكلاء أصحاب رءوس الأموال الصناعية، أن الأغلبية العظمى تستطيع أن تصل إلى الطمأنينة والمساواة الاقتصادية، ولكن ما كان يتصوره البعض أيام حكم الأشراف الممتازين، من أن الحكم يجب أن يعتمد على تأييد عامة الشعب، كان يلوح في تلك الأيام أكثر من هذا سخفًا، وقد يظن أيضًا أن لا شيء يبرر ارتباط الدمقراطية بالمساواة الاقتصادية؛ لأن الذين نالوا بفضل ممتلكاتهم ما يكفيهم من الدخل والطمأنينة، يعتقدون أن الواجب يقضي علينا بأن نقف عند الحد الذي وصلنا إليه، ظنًّا منهم أن الدمقراطية هي الحال التي نحن عليها، والنظم التي تمكنهم من أن يحتفظوا بما يمتلكون، وليست مَثَلًا أعلى يسعى العالم ليبلغه، أو نظمًا يفكر في ابتداعها، لكن الدافع السياسي، كما قلنا من قبل، لا يمكن أن يقضي عليه، حينما يؤدِّي إلى الغاية التي كان يعمل لها أنصاره الأولون، والدليل على ذلك أن الحقوق السياسية التي كانت تنادي بها ثورة الطبقات الوسطى في أواخر القرن الثامن عشر، كانت أيضًا حقوقًا اقتصادية من بعض الوجوه، فقد كان المالكون لعدد الإنتاج وأدواته يطالبون بحقِّهم في أن يستخدموا هذه العدد والأدوات استخدامًا أوسع وأتم؛ أي إنهم كانوا ينادون بحرية الإقدام والمغامرة والتحلُّل من القيود التي فرضتْها عليهم المِلْكية الإقطاعية أو العقارية، ولكن حق صاحب العدد في استخدامها يتغير معناه تغيرًا كبيرًا، إذا أصبحت «العدد» آلات ضخمة لا تحركها العضلات، بل تحركه «القوى» الآلية، وأصبحت المِلْكية نصيبًا في هذه الآلات التي لا تَقبَل التجزئة، ولم يبقَ حق المالك إلا وحدًا من عدة حقوق، والذي يهمنا الآن هو حق الذي يستخدم الآلات، فهل من العدالة أن يمنع المالك من استخدام الوسائل التي تمد الحياة المتمدينة بحاجياتها؟ إن استخدام الآلات الحديثة هو إنتاج واستهلاك معًا، إنتاج للقوة واستهلاك لمنتجاتها، وقد يكون لمالك العدد عمل يقوم به بين هاتين العمليتين، غير أن مركزه بطبيعة الحال لا يمكن أن يكون هو نفس المركز الذي كان يشغله منذ قرن من الزمان؛ ولذلك كان من الطبيعي أن تهتم الدمقراطية باستخدام الأدوات أكثر مما تهتم بملكيتها، وهي تبحث الآن في تعديل حقوق مالكها ومستخدمها تعديلًا جديدًا، وسيفرض على المِلْكية الشخصية للآلات الصناعية إذا قُدِّر لها البقاء، أن تؤدي أغراضًا اجتماعية ليست مما يفرض عليها أداؤه في الوقت الحاضر.

غير أنه لما كانت الدمقراطية تتطلب أن تحدد حقوق الناس بطريق غير طريق العنف والقوة، فإن الحقوق الجديدة التي تَسعَى لها تخضع كلها للمبدأ العام، وهو اتخاذ الإقناع وحكم الأغلبية الأساس الذي تقوم عليه الحياة الجديدة، ومهما عظمت العقبات القائمة في سبيل هذا الإصلاح، فإنها لا تبرر الخروج على الطريقة التي تحتم التقاليد الدمقراطية اتباعها في تذليل أية عقبة تقوم في سبيلها؛ وذلك لأننا نسعى لإيجاد مجتمع يقبل أعضاؤه القواعد الموضوعة طائعين، لا أن يُرغَموا على قبولها كارهين.

وينتج من هذا أن تطبيق المبادئ الدمقراطية على المشاكل الجديدة، واختراع أنظمة جديدة، يتطلبان في آخِر الأمر «روحًا» أو نزعة دمقراطية قوية، تستطيع أن تسلك سبلًا للعمل جديدة، وعليها في الوقت نفسه من الرقابة ما يمنعها من أن تلجأ إلى العنف والقوة، والذين يظنون أن هذه الروح لا تستطيع البقاء، إذا قام النزاع على الحقوق الأساسية التي يؤمن بها الناس الآن، وبخاصة على حقوق المِلْكية، إن الذين يظنون هذا الظن يدلون على أنهم قد فقدوا إيمانهم بالدمقراطية، قبل أن يحاولوا تطبيقها.

١  يشير إلى مجلس اللوردات البريطاني. (المُعرِّب)
٢  قانون عام ١٩١١ البرلماني: رفض مجلس اللوردات في عام ١٩٠٩ التصديق على قانون مالي أقرَّه مجلس النواب، فكانت نتيجة هذا الرفض أن صدر في عام ١٩١١ قانون عام، وافق عليه المجلسان يجعل لمجلس العموم السلطة التامة في المسائل المالية، فقد نص هذا القانون الجديد على أن كل مشروع قانون مالي، يُرسَل إلى مجلس اللوردات قبل اختتام دورته بشهرٍ على الأقل، ولا يقرره هذا المجلس من غير تعديل في خلال شهرٍ من تاريخ إرساله إليه، يرسل إلى المَلِك لتوقيعه ويُصبح بذلك قانونًا واجب التنفيذ، ولو لم يوافق عليه مجلس اللوردات، وقد وافق اللوردات أنفسهم على ذلك القانون، وبذلك رضوا بتقييد حقوقهم في المسائل المالية، وكان مجرد التهديد بأن يستعمل المَلِك حقَّه الدستوري فيزيد عدد اللوردات، بما يكفل إيجاد أغلبية في المجلس توافق على هذا القانون، كان مجرد هذا التهديد كافيًا لحمل المجلس على إقرار هذا المشروع. (المُعرِّب)
٣  سمَّى المؤلف إيطاليا دولة الجماعات؛ لأن مجلسها النيابي يمثل الجماعات الاقتصادية المختلفة، ولا يمثل المناطق الأرضية. (المُعرِّب)
٤  انظر كتاب «الفاشية» للميجر س. بارنز في هذه السلسلة.
٥  يشير المؤلِّف إلى النظرية المعروفة بنظرية الكفاف أو قانون الأجور الحديدي، التي وضعها الطبيعيون وأخذ بها آدم اسمث وغيره، ومضمونها أن العمل كالسلع بائعوه هم العمال ومشتروه أصحاب الأعمال، ولما كانت قيمة السلعة إذا اشتدت المزاحمة تُقَدَّر بنفقات إنتاجها، فكذلك إذا اشتدَّتِ المزاحمة بين العمال، قدرت أجورهم بالنفقات الضرورية لمعيشة العمال وإيجاد الأطفال الذين يحتاج إليهم المجتمع؛ لكي يحلُّوا محلَّ هؤلاء العمال عندما يعجزون عن العمل، وتلك بالطبع نظرية خاطئة مهما توسعنا في فهم عبارة الكفاف. (المُعرِّب)
٦  انظر كتاب «الدمقراطية الصناعية» لوب Webb.
٧  يشير المؤلف إلى النظرية الاقتصادية المعروفة بنظرية مخصص الأجور، وواضعها جون استيورت مل، ومضمونها أن متوسط سعر أجور العمال يحدد بعاملين؛ أولهما: ما يُخصَّص من النقود لدفع الأجور، وهو قدْر يتعين قبلَ البدء في الإنتاج لدفع أجور العمال، وثانيهما: عدد العمال، وبقسمة مخصص الأجور على عدد العمال ينتج متوسط سعر الأجر، واستنتج من هذا أنْ لا أمل في تحسين أجور العمال من طريق تأليف النقابات، وأن ليس للعمال إذا أرادوا أن يرفعوا أجورهم ويحسِّنوا أحوالهم، إلا أن يُهاجِروا أو أن يقلِّلوا نَسلَهم، أو أن يزداد مخصص الأجور بالاقتصاد، وهي نظرية خاطئة بالطبع. (المُعرِّب)
٨  الضريبة التصاعدية هي التي يزداد معدَّلها مع ازدياد الدخل، فإذا كان مَن دخلُه ألف جنيه يؤدِّي عنه ستين جنيهًا مثلًا بنسبة ٦٪ منه، فإن الشخص الذي يبلغ دخله ثلاثة آلاف جنيه يؤدِّي عنه حسب هذا النظام ثلاثمائة جنيه مثلًا بنسبة ١٠٪ وهكذا. (المُعرِّب)
٩  نسبة إلى كارلس ماركس. (المُعرِّب)
١٠  يقصد بالإنتاج الكبير الإنتاج بالجملة. (المُعرِّب)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠