الفصل الرابع والعشرون

مضى على هذه الحوادث عام، وأصبح البرنس ماربولوف الروسي يقيم الآن في قصره الذي شاده في الشانزليزه، ذلك القصر الفخم الذي لا يزال الباريسيون يضربون به الأمثال إلى الآن، وكان الفصل فصل صيف، ومن عادة الأمير أنْ يبكر بالنهوض فيركب جواده ويسير متنزهًا بين الغابات.

على أنه في ذلك اليوم لم يتنزه حسب عادته، وقد بلغت الساعة الثامنة وهو لا يزال بملابس البيت في غرفته، وراء نافذة تُشرف على ردهة القصر وعلى الشارع، وكان في الردهة جواد عربي كريم يصهل كأنه يدعو سيده بالصهيل وقد استبطأ قدومه.

وكانت أنظار البرنس تتجه إلى الشارع كلما سمع صوت مركبة، وكان كل ما فيه يدل على نفاذ الصبر، إلى أنْ مرت إحدى تلك المركبات الكبرى التي تنقل المسافرين عادة من المحلة، ووقفت عند باب القصر، فنسي البرنس مقامه ونادى البواب بنفسه من النافذة، وأمره أنْ يسرع بفتح باب حديقة القصر، فأسرع البواب إلى الامتثال وفتح مصراعي الباب، فدخلت تلك المركبة وفيها نحو اثنتي عشرة حقيبة من حقائب السفر، وفتح بابها فخرج منه رجل شيخ، نحيل الأعضاء، طويل القامة، يظهر عليه أنه عصبي المزاج، شديد القوة، براق العينين، غليظ الشفتين، تدل هيئته بجملتها على أنه من ذلك الجنس التتري.

أمَّا ملابسه فقد كانت شبه ملابس الشعوب التي تسكن شمال آسيا؛ أي إنه كان مرتديًا بمعطف مبطن بالفرو، وعلى رأسه قبعة كلها من فرو السمور، الثمين النادر الوجود، وفي صدره شارة تدل أنه متقلد وسام القديسة حنة، وقد استقبله البواب — وهو روسي — بملء الاحترام مما يدل على أنه من عظماء الروس.

أمَّا البرنس فإنه أسرع إلى استقباله، فعانقه معانقة الأهل أو الأصدقاء، وقال له: لقد وصل إليَّ تلغرافك وأنا أنتظرك منذ أمس بذاهب الصبر …

فقال له الشيخ: وأنا تلقيت كتابك يا مولاي، فهرعتُ إلى تلبية أمرك من فوري، وسافرت ساعة وصوله، فتأبط البرنس ذراعه ودخل به إحدى قاعات القصر، فجلس، وبقي الشيخ واقفًا فقال له البرنس: إني دعوتك لتنقذ فتى عجز جميع أطباء باريس عن شفائه وحكموا عليه بالموت.

فلم يجبه الشيخ. فقال له البرنس: إنَّ هذا الفتى صديقي، فرفع الشيخ يده إلى السماء دون أنْ يجيب. فقال البرنس: إنك أمهر طبيب في جميع روسيا.

قال: هذا الذي يقولونه عني غير أنه يوجد أمراض لا حيلة فيها للطب، ولا يفيد فيها العلم.

قال: هو ذاك، ولكن رجائي فيك وطيد.

قال: أين المريض؟

أجاب: هنا في منزلي، ولكن لا بُدَّ لي قبل أنْ تراه أنْ أروي لك عنه ما يجب أنْ تقف عليه. قال: إني مصغٍ إليك يا مولاي.

وقد كان هذا المريض — كما توقع القرَّاء — فيلكس نفسه، فروى البرنس للطبيب كل ما عرفه القرَّاء من حكايته، وبسط له اجتهاده، وبساطة عيشه، وشغفه بباكيتا، وكيف هاج ذلك الشقي أنيتور في قلبه عوامل الغيرة حتى أصيب بحمَّى أضلت صوابه، فحطم تمثاله، وحاول أنْ ينتحر. ثم قال للطبيب: وقد لبث بعد ذلك شهرًا ونحن قانطون منه، فقد أصيب بالجنون، ولكن صوابه عاد إليه بعد ذلك، فعادت إليه الرغبة في العمل، وأراد أنْ يعيد صنع تمثاله الذي كان يرجو أنْ يفوز فيه كل الفوز في المعرض.

وقد وهمتُ ووهمت المرأة التي يحبها وحسبنا أنه شُفي، ولكنا كنَّا منخدعين فقد كان وجهه يزيد اصفرارًا في كل يوم، وبان له خطان زرقاوان تحت عينيه، وكان يسعل سعالًا جافًّا يتمزق به صدره، إلى أنْ قال لنا الأطباء يومًا إنه مصدور، وإنَّ هذا المرض قد استعصى فيه حتى تعذر شفاؤه، فكان بعضهم يقولون: إنه لا يعيش أكثر من ستة أشهر، ويقول آخرون: إنه سيسقط بسقوط أوراق الخريف.

قال: إني أريد أنْ أراه.

فأخذ البرنس بيده وقال له: هلمَّ بنا إليه.

وكان هذا الطبيب يُدعى كوكلين — وهو آسيوي الأصل — وُلِدَ قِنًّا (عبدًا) في أرض البرنس ماكوبولوف.

وقد أعتقه من الرق جَدُّ البرنس؛ أي إنه مَنَّ عليه بعدم الاشتغال في الأرض، ومنع عنه تلك الضريبة التي كان لا بُدَّ لكل قِنٍّ من دفعها لسيده ولو اشتغل في غير أرضه، وذلك قبل أنْ يمتنع الرق من بلاد الروس.

وقد درس منذ حداثته الطب، وبرعَ فيه حتى بات أشهر طبيب في روسيا.

واتفق مرة أنه كان طبيب إحدى فرق الجيش فأسره الشركس، وأقام في أسرهم اثنتي عشرة سنة، فلم يكن هذا الأسر في بلاد تقرب من الهمجية ليبعده عن الاشتغال في العلم، بل إنه اكتشف كثيرًا من الأسرار الطبيَّة كانت مودعة في صدور أولئك الشراكسة، فلما عاد إلى روسيا تعاظمت شهرته حتى ذاعت في كل البلاد.

على أنَّ كوكلين لم يكن مشهورًا فقط بطبه وعلمه، بل اشتهر أيضًا بمروءته وكرم قلبه.

ولم يكن ينسى أنه خُلِقَ عبدًا لأسرة ماكوبولوف، وأنَّ جد هذه العائلة أعتقه من الرق، وعلمه بدلًا من أنْ يشغله بحراثة الأرض، فآلى على نفسه أنْ يخدم هذه الأسرة الكريمة ويخلص لها الولاء مدى الحياة، فقد كان مدينًا لها بالحرية والعلم.

وكان السبب في قدومه إلى باريس، أنَّ البرنس كتب إليه كتابًا بسيطًا يدعوه فيه إلى موافاته، فترك عملاءه وأشغاله ولبى الدعوة من فوره؛ كي لا يدع البرنس ينتظره ساعة أكثر مما يلزم لحضوره. أمَّا فيلكس فإنه نُقل إلى قصر البرنس في أوائل أيام مرضه؛ لأنه بات من أصدقائه المخلصين، ولم يمتنع عن قبول دعوته لاستحكام الصداقة بينهما، وقد أنشأ معملًا للتصوير في قصره، فكان فيلكس لا يخرج من هذا المعمل، وهناك كانت تراه أمه حين تزوره في كل يوم، فإنها بقيت في منزلها في أوتيل، وكذلك باكيتا فقد كانت تزوره هناك كل يوم، أمَّا شارنسون فقد بلغ من كرم البرنس أنه أكرهه على الإقامة في قصره وملازمة فيلكس؛ إذ كان يراه شديد الائتناس به.

فلما دخل البرنس بالشيخ الطبيب المعمل، وجد فيلكس عاكفًا على العمل، فقال له البرنس: إني أعرِّفك أيها الصديق بصديق لي جاء في هذا الصباح من روسيا لزيارتي، فصافحه فيلكس دون أنْ يخطر له أنَّ هذا الرجل من الأطباء، ثم عاد إلى عمله وجعل يحدثهما وهو يشتغل حسب عادته، فقال له الطبيب: اسمح لي يا سيدي أنْ أسألك سؤالًا لا بأس إذا دلَّ على سذاجتي، فإني تتري.

قال: سَلْ يا سيدي ما بدا لك.

– كم يقتضي لك من الزمن أيضًا لإتمام هذا التمثال؟

– ستة أشهر على الأقل.

وقد أجابه على سؤاله وعاد إلى العمل، بينما كان الطبيب يفحصه بالنظر أدق فحص، ثم خرج البرنس به فسأله قائلًا: كيف رأيت؟

قال: إنَّ مرضه شديد، ولكنه يبقى عائشًا ما زال تمثاله لم يتم. فانتفض البرنس وقال: ولكن ألا يمكن أنْ تنقذه؟

قال: إني لا أستطيع أنْ أتقيد بوعد يا مولاي.

قال: لماذا؟

أجاب: لأن مرضه ليس في صدره؟

قال: إذن أين هو؟ فوضع الطبيب سبابته على جبينه وقال: إنه هنا.

قال: إذا كان ذلك فإن شفاءه ممكن.

أجاب: لا أستطيع أنْ أجزم بشيءٍ.

ثم أطرق مفكرًا وسأله قائلًا: لعلك تعرفه يا مولاي من عهد بعيد؟

قال: منذ عام.

قال: أتعلم شيئًا من طباعه؟

أجاب: بل أعرفه حق العرفان.

قال: أكان قبل مرضه قوي الإرادة؟

أجاب: هذه أخص مميزاته فقد اشتهر بها.

قال: إذا كان الأمر كذلك فإني أتعهد بإنقاذه.

مضى ثلاثة أشهر والطبيب لا يزال في قصر البرنس يجتمع كل يوم بفيلكس، وفيلكس لا يعلم أنه طبيب، بل إنه لم يكن يكترث لشيء في الوجود إلَّا لتمثاله، وقد اتفق في تلك الليلة أنَّ جميع الأنوار أطفئت في القصر، ولم يبقَ نور إلَّا في القسم الذي كان خاصًّا بإقامة الطبيب في آخر الحديقة.

أمَّا فيلكس فإنه كان قد أطفأ مصباحه، ولكنه لم يكن قد نام بعد، وقد فتح نافذة غرفته أي نافذة محترفه (معمله) فإنه كان يأبى أنْ ينام إلَّا في المعمل، وجلس وراءها يتحدث مع صديقه شارنسون، إلى أنْ قال له شارنسون، أمَّا أنا فلا أريد ذلك، فظهرت علائم الاستياء على فيلكس وقال له: إنك لا تزال عاملًا على مخالفتي، فلماذا تريد أنْ تمنعني عن النزول إلى الحديقة؟

قال: لأن الهواء قد برد، والبرد يؤذيك.

أجاب: بل إني أشعر بالهواء محرقًا كأنه خارج من أتون.

– إذا كان لا بُدَّ لك من الذهاب إلى الحديقة فأذهب وإياك.

– كلَّا فإني أريد أنْ أكون وحدي، فناداه باسمه بلهجة المتوسل، فأجابه فيلكس قائلًا: إنك تعلم يقينًا بأني ماضي العزيمة وأن إرادتي لا تُغلب.

– وأنا أيضًا لي مثل قوة إرادتك ومضاء عزيمتك. فاتقدت عينا فيلكس ببارق من الغضب، وقال له: لو علمت أنك تخاطر بصداقتنا بهذا العناد لما أقدمت عليه.

قال: ما هذا الجنون؟

– أصغِ إليَّ واعلم أنك إذا لم تقسم لي بشرفك على أنْ تبقى هنا …

– ماذا يكون؟

– تكون هذه الساعة آخر العهد بيني وبينك.

– ولكن لماذا تلح الليلة بالخروج إلى الحديقة؟

– هذا سر لي ما أحب أنْ أبوح به. فاضطرب شارنسون، ولكنه لم يجسر بعد ذلك على إصراره، فتنهد تنهدًا طويلًا وسكت.

أمَّا فيلكس فإنه ألقى على كتفه وشاحًا وخرج حتى بلغ الباب المؤدي إلى الحديقة، فوجده مفتوحًا فقال في نفسه: لقد صحت ظنوني فإن البرنس لا شك عند هذا الرجل، وقد مشى في الحديقة رويدًا وهو يقف من حين إلى حين مصغيًا، ولا يسير إلَّا في الطريق المفروشة بالرمل؛ إخفاءً لصوت خطواته، فكان يسمع أصواتًا مختلفة شبه الهمس، تصل إلى أذنيه عن بعد.

وفيما هو على ذلك سمع بين هذه الأصوات صوت امرأة فخفق قلبه خفوقًا شديدًا؛ إذ أيقن أنَّ هذا الصوت صوت باكيتا، وقال في نفسه: إنها لا محالة مع البرنس، ولكن أي شأن لها عنده في هذه الساعة؟ وقد مشى إلى مصدر الصوت — أي إلى المكان الذي كان يقيم فيه الطبيب — فكانت الأصوات تقترب من أذنه، ولكنها كانت لا تزال بعيدة عنه فلا يستطيع أنْ يتبينها ويفهمها، حتى وصل إلى ما تحت النوافذ ووقف يصغي، ولكنه لم يفهم شيئًا أيضًا.

وكانت النوافذ عالية، وقد زرعت الأشجار الباسقة عندها، فتسلق شجرة كانت أغصانها ملاصقة للنافذة، وهناك انجلت له الأصوات، وبات يرى داخل تلك الغرفة التي كانت تضيء فيها الأنوار، فرأى في وسطها منضدة كبيرة كان عليها كثير من الكتب والأوراق، ومنضدة أخرى عليها القناني المختلفة وآلات كثيرة شبه آلات المشتغلين بالطبيعيات والكيمياء، ثم رأى كوكلين جالسًا قرب المستوقد وأمامه البرنس وهو مصفر الوجه مقطب الجبين، وقد أخذ يد باكيتا بين يديه والدموع تسيل من عينيها، فجمد الدم في عروقه، وجعل يصغي إلى الحديث أتم الإصغاء، وكان كوكلين يتكلم والاثنان مصغيان إليه، فكان مما قاله وسمعه فيلكس قوله:

لقد كان مرض صديقك يا سيدتي نفسانيًّا محضًا في بدئه، فإن هذه الرواية التي رويتها لي عنه أثرت فيه أبلغ تأثير، فقد فتكت نفسه بجسمه، وكان مثله مثل السيف الكثير المضاء يتلفه الغمد، فقال البرنس: ألا يمكن أن تكون مخطئًا يا كوكلين؟

– إني أتمنى أن أكون مخطئًا، ولكني واثق مما أقول لسوء الحظ.

– ولكنه ساكن هادئ منذ حين.

– ذلك لأنه يشتغل.

– ماذا تعني؟

– أعني أن له الآن غرضًا يسعى إليه، وهو إتمام التمثال الذي حطمه، فتتغلب إرادته على المرض وهي ستتغلب إلى أن يدرك هذا الغرض.

– ومتى أدرك هذا الغرض؟

– يكون ذلك اليوم بدء نزعه. فغطت باكيتا وجهها بيديها، وجعلت تبكي بكاءً مرًّا، ومضى الطبيب في حديثه فقال: نعم، إن ذلك اليوم يكون بدء أيام نزعه، فإن إرادته تتلاشى بعد إدراك غرضه، فترتخي أعصابه، وتخمد نظراته بالتدريج، ويحل الضعف محل القوة، ويسري مرض الجسم في مسراه إذ لا تبقى قوة من الإرادة توقف سيره، فيدركه الانحلال تباعًا حتى يموت دون ألم.

وكان البرنس يسمع أيضًا، فلما وصل الطبيب بقوله إلى هذا الحد، وقف البرنس فجأة وقال: أما سمعتما؟

فقال الطبيب: ماذا؟

قال: هنا وراء هذه النافذة قد سمعتُ حسًّا، ثم ذهب مسرعًا إلى النافذة، وأطل منها فلم يَرَ أحدًا، فقال الطبيب: ولكني لم أسمع حسًّا.

قال: أما أنا فإني سمعت، وأنا على اليقين.

– ماذا سمعت؟

– وقع خطوات.

– إن الجميع نيام في القصر.

وقد دنا الطبيب أيضًا من النافذة وأطل منها باحثًا، ونظر إلى جهة القصر، فلم يجد فيه أثرًا لأحد، فقال لقد خدعك سمعك يا مولاي.

قال: كلَّا، فلم أكن من المخطئين.

– ولكن ماذا تحسب؟

– تعال معي، فإني أتمنى أن أكون مخطئًا، ثم أخذ مصباحًا، وخرج إلى الحديقة، فتبعه الطبيب وباكيتا، وكانت السماء قد أمطرت في بدء الليل، فرطبت الأرض، فمشى البرنس إلى جهة النافذة وهو يصوب أشعة مصباحه إلى الشجرة الكائنة بجانب النافذة ويقول: لقد خيل لي أني سمعت صوت انكسار غصن، ثم جعل ينظر إلى الأرض المبتلة تحت الشجرة، فصاح فجأة قائلًا: انظرا! انظرا!

ذلك أنه رأى عند جذع تلك الشجرة آثار قدمين، ورأى غصنًا منكسرًا حديثًا ساقطًا إلى الأرض، وقد جعل ينظر إلى آثار القدمين نظرات تشف عن الرعب، فقالت له: باكيتا ماذا ترى؟

قال: أرى آثار قدمي فيلكس، فإنه يلبس حذاءً طويل الكعب كما تعلمين، ولا شك أنه كان جاثمًا فوق تلك الشجرة، وقد أصغى إلى حديثنا وسمع الحكم عليه بالموت.

فصاحت باكيتا صيحة خوف شديد، وسقطت بين ذراعي الطبيب، أما البرنس فإنه جعل يسير راكضًا إلى جهة القصر.

وقد ظهر له — وهو يركض — نور في معمل فيلكس، فأيد هذا النور ظنونه، فأمعن في الركض، حتى إذا وصل إلى السلم سمع صوتًا يشبه صوت وقع المطارق، فصعد درجات السلم أربعًا فأربعًا، وكان كوكلين قد تمكن من لحاقه وهو يحمل باكيتا بين ذراعيه، أما الصوت فقد كان يزيد وضوحًا كلما اقترب البرنس من المعمل، ثم سمع البرنس صوت شارنسون قد امتزج مع تلك الأصوات، وصحا خدم القصر، فتسارعوا من كل صوب حتى إذا وصلوا إلى باب المعمل سمعوا شارنسون يقول: ما هذا الذي تصنعه، لعلك جُننت؟!

وكان باب المعمل مقفلًا من الداخل، فدفعه البرنس بكتفه فانفتح وتجلى له عند ذلك منظر غريب، فإنه رأى فيلكس واقفًا أمام تمثاله وبيده مطرقة، وقد حطم بها للمرة الثانية ذلك التمثال، وأصابه بما أصاب به التمثال الأول بعد ما بذله من الجهد العنيف في إعادة صنعه بالرغم عن اعتراض شارنسون.

وقد وقف البرنس والطبيب وباكيتا حائرين منذهلين، ينظرون إلى فيلكس، وهم لا يشكون في أنه من المجانين.

أما فيلكس فإنه نظر إلى الطبيب وقال وهو يبتسم: لقد حكمت عليَّ يا سيدي الطبيب منذ هنيهة بالموت، وقلتَ: إن اليوم الذي ينتهي فيه صنع تمثالي يكون أول أيام نزعي ولذلك حطمت التمثال لأني لا أريد أن يتم؛ إذ إني لا أريد أن أموت.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠