الفصل السادس والعشرون

وقد كان مضى نحو ستة أشهر على حادثة نبوءة الطبيب التتري التي دفعت فيلكس إلى تحطيم تمثاله.

ومن ذلك العهد لم يعد يشتغل، فقد كان كل همه أن يعيش، وأن يتغلب على المرض حتى يعود إلى إجهاد قواه بالعمل، ويصبح من مشاهير المثَّالين، وينال ما يطمح إليه من المجد في هذا الفن، ولم يكن يريد من كل ذلك غير إسعاد باكيتا، فإنها لم تعد خطيبته، بل أصبحت امرأته، فقد تزوج بها منذ ستة أشهر …

وذلك أنها انتهت بالتغلب عليه، فقالت له يومًا بعد تلك الحادثة: أتريد أن تموت دون أن تدع لي اسمك؟ وإنما قالت له هذا القول؛ لأنها كانت تعلم العلم اليقين أن حبها أنجع دواء له، وكانت أمه تعرف ذلك أيضًا، فاستعانت بها عليه، وتمكنتا من إقناعه، فعقد زواجهما، وأخذ يتعافى منذ ذلك اليوم.

أما الأمير الروسي فقد تغلبت مروءته على غرامه، فاستبدل ذلك الحب القديم بوداد مكين، واقترح عليهما السياحة معه في جبال سويسرا فوافقاه، وكان يصحبهم شارنسون، ولكنهم أضاعوه في مدينة «باد»، وإليك بيان السبب؛ ذلك أنهم كانوا قد ذهبوا توًّا من باريس إلى ستراسبورج، ثم ذهبوا منها إلى باد أو «بادن».

وقد كان شارنسون في مدة السفر كثير الهواجس والتفكير، فسأله فيلكس مرارًا عن سبب هواجسه، فكان يلزم الصمت ولا يجيب، وعندما وصلوا إلى ستراسبورج دخلت باكيتا مرة إلى غرفته، فوجدته يكتب على ورق ألوفًا من الأرقام، ثم سافروا من ستراسبورج إلى باد، فبينما هم في القطار صاح شارنسون قائلًا: وجدتها! وجدتها!

فقالت له باكيتا: ما هذه التي وجدتها؟!

أجاب: الطريقة …

فابتسم البرنس إذ علم قصده، وذهل فيلكس وباكيتا، وقال شارنسون: نعم، إنها طريقة لا سبيل فيها إلى الخطأ، وهي طريقة تفليس بنك الروليت (لعبة من القمار).

فجعل كل من الحضور ينظر إلى رفيقه نظرات تدل على الشك، وقال شارنسون: إني خُلقت كسولًا لا أحب العمل، ومع ذلك فإني شديد الأنفة، ويعز عليَّ أن أعيش طول عمري بنفقاتكم، فعولت على أن أشتغل وأكسب ثلاثمائة ألف فرنك. فضحك الثلاثة، ووصلوا بعد ساعة إلى باد، وهناك جرب شارنسون طريقته، فنجحت بضعة أيام، ولم يتمكن من تفليس البنك ولكنه ربح كثيرًا.

ولما أراد رفاقه أن يواصلوا سفرهم امتنع عن الذهاب معهم، وقال لهم: سوف أوافيكم متى تم لي ما أريده من جمع الثروة … فسافروا وتركوه في باد، وهذا هو السبب في افتراقهم. فإن هذا الأبله أراد أن يكون غنيًّا من القمار.

ولنعد الآن إلى ما كنا فيه، فإنه بعد سفر ذلك الرجل الذي كانوا يلقبونه بالبارون، وصل فيلكس وباكيتا والأمير الروسي إلى فندق الملوك الثلاثة، وكان قد اختبأ صاحب الكلب الأسود — كما تقدم — كي لا يروه، ولكن فيلكس التفت، فرأى كلبه ينظر إليه محدقًا بعينيه الصفراوين، فقاوم فيلكس نظراته، وعند ذلك خرج صاحبه من مكمنه يريد الدخول في الفندق، فارتعش فيلكس، وتراجع خطوة إلى الوراء، غير أن ذلك لم يدُم غير لحظة، فابتسم ابتسامة الواثق من فوزه وقوة سلطانه على نفسه، ثم مشى إلى صاحب الكلب، وقال له: لقد عرفتك.

فضحك وقال: أحقًّا إنك عرفتني؟

قال نعم، فأنتَ علة مصائبي من حين كنت في المهد صبيًّا إلى الآن، فإني ما رأيتك مرة إلا أصبت بنكبة.

– هذا أكيد.

– إذن فاعلم أني لم أعد أخشاك.

– أحق ما تقول؟

– بل أنت الذي ستخشاني، فإن سلاحي أمضى من سلاحك.

– فقال له بلهجة المتهكم: ما هو سلاحك؟

– إن سلاحي هو «قوة الإرادة».

فطأطأ صاحب الكلب رأسه صاغرًا، أما كلبه فإنه أركن إلى الفرار، وقد لبثا هنيهة وصاحب الكلب خاضع صاغر لا يجسر أن يلقى نظرات فيلكس، ثم رفع رأسه ونظر إليه وقال له: أرى أنك غلبتني حقيقة أيها الفتى، فإن سلطاني العظيم الذي يسمونه «النحس» لا يقهره غير قوة واحدة؛ هي تلك القوة الهائلة التي يدعونها «الإرادة».

فابتسم فيلكس وقال: إذن أنت تعترف أنك مغلوب؟

– نعم!

– ألم يعد لنظراتك تأثير عليَّ؟

– كلَّا!

– وهل امتنعت عن التحديق إليَّ، فلا تقرب مني بعد الآن؟

– بل إنك تراني مرتين بعد.

– لماذا؟

– لأني أريد في المرة الأولى أن أخدمك خدمة جليلة، وفي الثانية أريد أن أقول لك من أنا. ثم حيَّاه وانصرف، يشيعه فيلكس بالنظر حتى توارى عنه وراء الأعمدة القائم عليها الفندق فوقف مطرقًا، وقد تاه في مَهَامِهِ التفكير، فلم ينتبه إلا لصوت يقول له: ما بالك تفكر يا فيلكس؟ وفي أي أمر تفكر؟ فالتفت فرأى الأمير الروسي، فقال له: لقد تغلبت عليه والحمد لله، وجعلته يهرب مني كما كنت أهرب منه قبلًا.

قال: من هذا؟

– هو صاحب الكلب الأسود الذي كنت أكلمه.

فذُهلت باكيتا وقالت: عجبًا! إننا ما رأيناك تكلم أحدًا!

وقال البرنس: ولا أنا.

فقال فيلكس: كيف ذلك ألم تريا ذلك الرجل الطويل القامة المرتدي بملابس سوداء؟

فنظر كل من البرنس وباكيتا إلى صاحبه نظرات حزن أليمة تدل على اعتقادهما بأنه مجنون.

وأدرك فيلكس سر هذه النظرات، فابتسم وقال لهم: كلَّا، لستُ بمجنون كما تتوهمان، فقد رأيته عشر مرات في حياتي، ولا شك أنه من الجن، أو أنه ذلك الذي يدعونه «قرينة»، ولكل إنسان قرينة — كما تعلمون — تظهر لأصحابها بأشكال مختلفة، وبعضها لا تظهر لصاحبها، ولكنها تناجيه في الخفاء، وإني أعجب كيف أنكما لم تريا الرجل وكلبه!

فقالت باكيتا: إني لم أَرَ شيئًا من هذا، ولكني أعتقد «بالقرينة»، وأذكر أن الكهنة يصلون صلاة خاصة لطردها، ألم تعد تخاف منها؟

أجاب: كلَّا، فقد غلبتها، فطوقت عنقه بذراعيها، فتركهما البرنس، ودخل الفندق ليهتم بإيجاد الغرف الصالحة له ولهما.

وفي المساء جلسوا إلى المائدة العمومية، وجعلوا يصغون إلى الحديث العام، فسمعوا السائحين يتحدثون بحكاية البارون، وكيف أن صاحب الكلب الأسود طرده بنظرة، وقد عرف فيلكس من كلامهم أنهم يعنون به صاحب الكلب، فكان بعضهم يعجَبون كيف أنه برح الفندق، وبعضهم يقولون: إنه وفى بعهده وسافر كما وعد.

ولكن فيلكس لم يقف بانذهاله عند هذا الحد، فإنه رأى حين انتهاء العشاء رجلًا دخل قاعة الطعام، وكان هذا الرجل صديقه شارنسون، وقد صاح الثلاثة صيحة دهش، فإن هيئة شارنسون كانت تحمل على الشفقة، حتى لم يجسر أحد منهم على الابتسام لقدومه، وبعد أن استقر به المقام سأله البرنس قائلًا: كيف أنت والطريقة التي وجدتها؟

– على أسوأ حال.

– ألم تتمكن من تفليس البنك؟

– بل هو الذي فاز بتفليسي، فإنكم بعد أن سافرتم خسرتُ كل ما ربحته، وكل ما كان معي.

– وكيف أتيت؟

– جاد عليَّ أصحاب البنك بنفقات السفر. فابتسم البرنس وقال: لقد كنت أتوقع لك ذلك، فإنه منذ إنشاء نوادي القمار التي كان يجب على الحكومات محاربتها وإغلاقها، ومعاقبة أصحابها وحسبانهم من أخطر المجرمين، والناس يفكرون في إيجاد الطرق للكسب، فكانوا يلقون ما لقيتَ من الخَسْر.

– أما أنا فلم أكن أتوقع هذا الفشل.

قال: مسكين يا شارنسون.

أجاب: بل إني لم أكن أتوقع أن أرى الشقاء ممثلًا في «بادن» كما رأيته.

قال: كيف ذلك؟

وقد حاول أن يروي ما رأى وما اتفق له، ولكن باكيتا همست في أذنه قائلة: لا يجب أن نخبر بأمرنا قومًا قد لا نراهم غير هذه الليلة؛ لأننا مسافرون في الغد إلى موسكو.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠