مقدمة

هذه رسائل وصفتُ فيها عصرًا من عصور الإسلام، قد أشرق به نور العلم، وجرت فيه أعمال عظيمة، قام بها رجالٌ كبراء ملئوا العالم بآثار جمالهم، وجعلتُ الكلامَ فيها لرحَّالة فارسيٍّ طوَّفْتُهُ معظم البلدان الإسلامية في المائة الثانية للهجرة، وطوَّقْتُهُ مناصب الدولة برعاية البرامكة، إلى أن نكبهم الرشيد كما تراهُ في موضعه من الكتاب.

فكان في النفس ومن عزم بعض خُلَّاني عليَّ أن أُبقي الحديث على لسانهِ إلى خلافة المأمون؛ لوصف ما هو حقيقٌ فيه بتجميل الإسلام من علمٍ وحلمٍ وعفاف، غير أني كنتُ أحرِص على التاريخ من أن أُدخل فيه حكاية لا يُحلِّي جِيدَها صواب، ولا يُرجَع بإسنادها إلى كتاب، إذا أبقيتُ للفُرْس مراتبهم بدولة العباسيين بعد نكْبة البرامكة؛ لأني أوجبتُ على نفسي أن أذكر الحقائق كما كانت واقتضتِ الحال أن تكون، غيرَ واصف الأشياء إلا بصُوَرها، ولا ممثل الحوادث والأخبار إلا بما كان معلَّقًا في الخواطر جاريًا على أذهان أهل ذلك الزمان، ولذلك لما أتيتُ على الأسباب التي عظَّمتِ المسلمين ونهضتْ بهم إلى فتوح العالم أعرضتُ عن ذِكْر ما دعاهم من بعدُ إلى التواني والانحطاط، كما أني وقفتُ فيما وصفت من علومهم عند حدِّ الخبر المجرَّد من غير أن أتتبع في آدابهم آثار الحكمة التي اقتبسوها من يونان، ولا أن أتقصَّى الغاية التي وصلوا إليها من الفنون والصناعات؛ لِمَا لا يخفى من حدوث ذلك كله بعد الرحلة، وما وجب عليَّ في تأليفها من النظر إلى عصر الرشيد لا إلى ما بعده من الأيام.

وقد اتخذتُ في الكتاب شواهد الإسناد للدلالة على ما وقع في حديث الرحَّالة من الموافقة لما بين أيدينا من كتب الأقدمين، وإني لأرجو أن ينتفع إخواني بما أروم لهم من الخير. واللهَ أسأل أن يرشدني وإياهم إلى الصواب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

هذا نصُّ ما كتبتُه في مقدمة الطبعة الأولى لهذا الكتاب، وقد بدا لي بعد ذلك ولبعض أفاضل المسلمين ضعفٌ في بعض الروايات التي كنتُ عوَّلتُ عليها، وتحريفٌ في ذكر بعض الوقائع الإسلامية يرجع عيبه إلى السند الذي أخذتُ عنه، فلزم أن أرجع إلى صفحات الكتاب بشيء من التهذيب والتنقيح وتبديل الروايات الضعيفة بما هو أصح وأثبت عند أئمة النقل، وإني أشكر إدارة جريدة المؤيد الغراء التي ساعدتْني في مراجعاتي لما ورد في هذه الرسائل من آداب الدين والمِلَّة قبل الشروع في هذه الطبعة الجديدة، فكان من وراء ذلك تهذيب تكفَّل بزيادة قبول الكتاب عند خاصة المسلمين وعلمائهم، ونفى عنه ما كان يؤخذ عليه من بعض الأسانيد الضعيفة.

فجاء الكتاب — والحمد لله — بعد هذا كله رَوْضة المُطالع، وعمدة العالِم والمتعلم والمُراجِع، وصح أن يؤخذ للدرس، كما يُقتَنَى لتنزيه النفس، وقد عقدت النية — إجابةً لرغبة علماء المسلمين ممن تفضلوا باستحسان هذا الكتاب — على متابعة سرد التاريخ الإسلامي في شكل هذه السلسلة من الروايات، وتنسيقها في مثل هذا السِّمْط من دُرَر الآيات البينات، والله يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، وهو وليُّ التوفيق والهادي إلى أقوم طريق.

جميل مدور

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤