الإنسان المعاصر في الأدب الحديث

١

كنت أتمنَّى أن أجد كاتبًا عربيًّا ممن عاشوا حياةً أدبية مديدة غزيرة خِصبة عميقة، يكتب لنا تاريخ الحركات الأدبية كما رآها من داخل، وكما شارَك فيها قارئًا وكاتبًا وناقدًا، فعندئذٍ يجيء حديثه شيئًا فريدًا، فلا هو يُشبِه البحوث الأكاديمية الباردة التي تقدِّم لنا موضوعات بحثها فلا يكون ثَمة فرق بين أن يكون الموضوع المعروض شاعرًا أو أن يكون تحليلًا كيماويًّا لقطرات من سائلٍ مجهول، كلا ولا هو يُشبِه الأحاديث التي يكتبها الناقدون في الصحف والمجلات، يقصدون بها إلى التسلية الخفيفة، فلا يعمدون في عرضها إلا إلى ما يلفت النظر، دون ما يمسُّ اللباب والأعماق، بل يجيء الحديث عندئذٍ أشبه شيء بترجمةٍ ثقافية لحياة الكاتب نفسه، فيستعرض القارئ مع الكاتب عصور الأدب ورجاله وآثاره، وكأنما هي جميعًا قِطع من حياة تجسَّدت في شخصية الكاتب. ولست أقول هذا لأستثقل البحوث الأكاديمية، ولا لأستخفَّ أحاديث الناقدين المقتضَبة العابرة، فلكلٍّ من هذين النوعين مهمةٌ يؤديها، ولا غَناء لحياتنا الثقافية عنها، لكنني أردت أن أقول إن ثَمة نوعًا ثالثًا، هو هذا الذي أشرت إليه، فتصوَّرْ كاتبًا كالدكتور «طه حسين» أو كالأستاذ «العقاد»، قد أخرج لنا كتابًا في الحركات الأدبية في هذا النصف الذي انقضى من القرن العشرين، كما عاشها هو، أفلا ترى عندئذٍ أن لمسةً شخصية تُضاف إلى الموضوع فتُكسِبه حياةً من نوعٍ جديد؟

لقد حاوَل هذه المحاولة بالنسبة لأدب الغرب، الكاتبُ الإنجليزي الروائي المسرحي «ج. ب. بريستلي» (وُلد سنة ١٨٩٤م)، فأخرج منذ عام واحد (١٩٦٠م) كتابًا أطلق عليه «الأدب والإنسان في الغرب»١ — وكلمة «الغرب» هنا تشمل أمريكا وأوروبا بما في ذلك الروسيا — وهو يقصر نفسه على ما هو «حديث» من ذلك الأدب، و«الحديث» عنده يشمل خمسة قرون كاملة، تبدأ في النصف الثاني من القرن الخامس عشر، حين استُخدمت الطباعة بأحرفٍ ممكنة التحريك والنقل لأول مرة في أوروبا، وهي الطباعة التي خلقت الكتاب كما نعرفه اليوم. ولئن كان المؤلف يتعقَّب في كتابه عصورًا تتوالى واتجاهاتٍ تتباين، ولا يظهر في صفحات كتابه من الأسماء — بطبيعة الحال — إلا أسماء الأدباء والمفكرين، أو أسماء الكتب التي أصدروها، إلا أنه على وعيٍ كامل بأن وراء هذه الأسماء مئات من الأجيال البشرية، كانت في حياتها تتَّسم بهذا الطابَع أو ذاك من أنماط السلوك، وتندفع بهذه المشاعر أو تلك، وبهذه الفكرة أو تلك، ولم يكن الأدب ليكون أدبًا ما لم تكن تلك الأنماط السلوكية وتلك المشاعر والأفكار قد وجدت سبيلها إلى صفحات هذا الأدب، فظهرت في أسطرها صريحةً أو مُضمَرة، ولقد لبث المؤلف نصف قرن كاملًا، يقرأ الأدب قراءة الخبير الذوَّاقة، ويُنتِج الأدب إنتاج الكاتب الأصيل المتمكِّن، فتكوَّنت عنده حصيلةٌ ضخمة من خبرةٍ أدبيةٍ حية، فهل يدعها تذهب بذهابه، أو يسجِّلها ليُشرِك معه فيها شبابًا ربما كانت ظروفه لا تُتيح له أن يقرأ بهذه السعة كلها، وبهذا العمق كله، وبهذا الانقطاع لحرفة الأدب كما ينقطع لحرفته كلُّ متخصِّص؟

أراد بريستلي بكتابه هذا أن يستعرض أدب الغرب كما تأثَّر به خلال قراءاته الطويلة ابتغاءَ الوصول إلى هدفٍ رآه جديرًا بالجهد الذي تكبَّده في إخراج هذا الكتاب، وهو أن يرسم «صورةً للإنسان» في العالم الغربي، كما عاش هذا الإنسان وكما فكَّر وكما شعر، فها هو ذا العالم اليوم يمرُّ بأزمةٍ استحكمت حلقاتها، وحلُّها مرهون بأن يعرف الإنسان — في الغرب — نفسه؛ ليقرِّر ما يقرِّره وهو على بيِّنة من دخيلة نفسه حتى لا يضلَّ سواءَ السبيل، وهذا هو نفسه الذي يجعلني — أنا القارئ العربي — أتمنَّى أن ينهض منا أديبٌ كبير فيعتصر لنا رحيق خبرته الأدبية؛ لعله هو الآخر أن يرسم لنا صورة الإنسان في هذه الرقعة من الأرض، مُستخلصًا هذه الصورة مما قد تناثر من أجزائها على صفحات الأدب.

وسأقصُر القول هنا على قسمٍ واحد — هو القسم الأخير — من الأقسام الأربعة التي يحتوي عليها كتاب بريستلي المذكور، وهو القسم الخاص بأدب القرن العشرين وإنسان القرن العشرين، مُحاولًا أن أعرض للأدب العربي خلال هذه الفترة نفسها، بحيث يجيء حديثنا بمثابة المقابلة السريعة بين الأدبين وما يعكسه الأدبان — هنا وهناك — من صورة للإنسان كما عاش وفكَّر وشعر في العالم الغربي من جهة، وفي الشرق العربي من جهةٍ أخرى.

٢

من السمات الملحوظة في تاريخ الفكر أن الأفكار النظرية وتنفيذها العملي يتناوَبان الظهور؛ ففترةٌ طابعها الغالب هو الإنتاج الفكري، وفترةٌ تليها يكون طابعها تحويل ذلك الفكر إلى عمل وفاعلية ونشاط. ويقول «بريستلي» إن القرن التاسع عشر في أوروبا هو الذي خلق الأفكار التي تناولها هذا القرن العشرون بالشرح والبسط والتحليل والنقد، فشاعت هذه الأفكار شيوعًا جعلها جزءًا أصيلًا من الحياة العملية كما يعيشها الناس.

ونستطيع من ناحيتنا أن نقول قولًا كهذا عن تعاقُب فترات الفكر والعمل في إقليمنا العربي، فانظر إلى هذه التواريخ الآتية: ١٧٩٨م، ١٨٨٢م، ١٩١٩م، ١٩٥٢م. انظر إليها في تاريخنا الحديث تجدها كمعالم الطريق، تفصل فترات من الزمن تتوالى فيها التعبئة الفكرية والتطبيق العملي؛ فثورة عرابي عام ١٨٨٢م هي الفعل الذي استمدَّ قوَّته من الشحنة الفكرية التي امتلأت بها العقول منذ قدوم الحملة الفرنسية سنة ١٧٩٨م، وثورة عام ١٩١٩م هي الفعل الذي أخرج الشحنة الفكرية التي اعتملت في نفوس الناس منذ الاحتلال البريطاني لمصر سنة ١٨٨٢م، ثم ثورة عام ١٩٥٢م هي التعبير بالعمل عما اختزنته الصدور في الفترة السابقة عليها.

وأول ما يُلاحظه «بريستلي» على خصائص عصرنا هذا من الناحية الفكرية، هو أن الأساس الفلسفي الذي نبني عليه في مجال الأدب وغيره من مجالات التعبير، لم يكن — على وجه الإجمال — من نتاج هذا القرن، بل كان وليد القرن التاسع عشر، بمن شهدهم من أعلام الفلاسفة: «هيجل» و«شوبنهور»، و«نيتشه».

وإن هذا ليصدُق علينا — في الشرق العربي — بصورةٍ أوضح وأجلى؛ فليس في أبناء القرن العشرين رجلٌ واحد تستطيع أن تقول عنه إنه قد أنتج في الفلسفة إنتاجًا أصيلًا، بحيث يُصادف عند الناس استجابة الرضا لما يجدونه فيه من إشباع لحاجاتهم، فلم يكن أمام أدبائنا بد من الارتداد إلى فلاسفة الماضي؛ فحركة النقل الفلسفي — بالترجمة عن الغرب وبالنشر عن المسلمين الأولين — قد اشتدَّت حتى أصبحت الأفكار الفلسفية في متناول الأدباء، حتى الأوساط من بينهم، على أن بيننا وبين الغرب اختلافًا جوهريًّا في هذا المجال؛ فبينما أدباؤهم يجترون فلسفة القرن التاسع عشر عندهم، فإن أدباءنا قد وجدوا أنفسهم إزاء فلسفتين؛ إحداهما نُقلت إليهم عن الغرب قديمه وحديثه، والأخرى نُشرت عليهم من تراث العرب الأقدمين، فكان من أثر ذلك أن ازدوجت صورة الإنسان الحديث عندنا، على حين لم تزدوج هذه الصورة عندهم، فأصبح للأدب عندنا وجهان: وجهٌ يُساير الملامح الأوروبية، وآخر يستقي من الماضي العربي، وهنالك بطبيعة الحال من تمتزج في أدبه الصورتان معًا. فمن الطراز الأول «توفيق الحكيم» و«محمود تيمور» و«نجيب محفوظ»، ومن الطراز الثاني «الرافعي» و«البشري» و«الزيات»، ومن الطراز الذي جمع بين الصورتين في أدبٍ واحد «طه حسين» و«العقاد».

كانت فكرة التطور من بين الأفكار الرئيسية التي أنتجها القرن التاسع عشر، فتسرَّبت منه إلى أدب القرن العشرين — في الغرب بصفةٍ أصيلة وعندنا بنسبةٍ أقل — لا سيَّما إذا نظرنا إلى فكرة التطور كما جاءت في فلسفة «برجسون» — بمعنى وجود دافع حيوي خلَّاق يدفع الكون إلى غاية، لا بمعنى الانتخاب الطبيعي الذي يجيء نتيجةً لظروفٍ عمياء — والحق أن برجسون وإن لم يكن ذا اتباع في المجال الفلسفي الصرف، فهو عميق الأثر في أدباء هذا القرن؛ فكثيرون هم الأدباء الذين يُديرون أدبهم حول مبدأ حيوي يسدِّد خُطى العالم في تطوره، من هؤلاء — مثلًا — «جورج سورل» في فرنسا، و«برنارد شو» في إنجلترا، ولا حاجة بنا إلى القول بأن أدباءنا في الشرق العربي يصدرون عن مبدأ كهذا؛ لا لأنهم على علم بفلسفة «برجسون» فحسب (وقد كُتِب عن برجسون في العربية كثيرًا حتى شاع العلم به)، بل لأنهم أساسًا يصدرون عن عقيدةٍ دينية تضع القصد والتدبير مكان المصادفة العشواء.

وإذا قلنا إن فكرة التطور أساسية في أدب هذا العصر (ومن أهم من يرجع إليهم الفضل في شيوعها عندنا سلامة موسى وإسماعيل مظهر)، فقد قلنا بالتالي إن العالم كما يتصوره الإنسان الحديث — عندهم بصفةٍ جوهرية وعندنا بنسبةٍ أقل — هو عالم في صيرورةٍ دائبة، وليس هو بالعالم السكوني الجامد، فتيَّار التغير دافقٌ سيَّال، وليس هناك من وضعٍ معيَّن يجوز أن يُقال عنه — كما كان يُقال في العصور السابقة — إنه هو الوضع الطبيعي للأمور، خصوصًا فيما يتصل بالأوضاع الاجتماعية للإنسان، والوسيلة التي في مُستطاعك أن تدرك بها حقيقة هذا التيَّار الدافق من مجرى الحياة، ليست هي أن تنظر إلى الأشياء بحواسك، ولا هي أن تنظر إليها بعقلك المنطقي الذي من طبيعته أن يجزِّئ الأشياء ويحلِّلها، بل الوسيلة الصحيحة للإدراك هي وسيلة المتصوِّف، وأعني بها الاتصال المباشر بالحقيقة المدرَكة، فانظر إلى نفسك من داخلٍ تجدها تيارًا مُتدفقًا ناميًا مُتطورًا، فما حاجتك بعد ذلك إلى حاسة أو إلى عقل تُقيم به البرهان؟

لكن إن صدق هذا فالأمر جِدُّ خطير في تصوُّرنا للإنسان وفي تصويرنا له؛ لأننا عندئذٍ سنتصوَّره وسنصوِّره كائنًا لا يهتدي في حياته ﺑ «العقل»، بل يسترشد بملَكةٍ أخرى، هي «الحدس الصادق» — كما يُسميه الفلاسفة — وهو أقرب شيء إلى غريزة الحيوان بعد أن هُذِّبت؛ فالإنسان كائنٌ «لا عاقل»، دافعُه في حياته العملية هو «وجدانه»، أو هو — بلغة «فرويد» التي جرت بها الألسنة والأقلام — «لا شعوره»، أو هو — إذا شئت لفظةً أكثر توقيرًا — «إيمانه». فاستعرِضْ ما شئت من شخصيات الأدب في القصص والمسرحيات (وفي هذه الشخصيات ما يصوِّر لنا إنسان العصر) تجد كثرتها الغالبة مدفوعة في مَسالكها بقوة الحب، أو الكراهية، أو الوطنية، أو الانتقام، أو غيرها مما يجري مجراها من الدوافع الوجدانية، ولا عَجب أن ترى «الإرادة» لا «العقل» هي عند فلاسفة القرن التاسع عشر مثل «شوبنهور» و«نيتشه»، المبدأ الأول. وقد يأخذنا في هذا الموضع شيءٌ من العَجب؛ إذ كيف نَصِف إنسان العصر الراهن باللاعقل، على حين أن أوضح ما يميِّز عصرَنا هو العلم، والعلم قائم على المنهج العقلي المنطقي الصرف؟ لكن العَجب يزول إذا تذكَّرنا حقيقةً هامة، وهي أن الصورة الثقافية في عصرنا تميل دائمًا نحو إيجاد التوازن بين عناصرها، فإن مال الجانب العلمي نحو العقل أكثر مما ينبغي، نهضت الفلسفة، ونهض معها الأدب والفن ليزيدا من عنصر الوجدان، وتلك هي حالنا اليوم.

ومن أهم ظواهر «اللاعقل» في عصرنا الفكري، هذه الفلسفة البراجماتية التي تسود الولايات المتحدة الأمريكية، وأعلامها الثلاثة الكبار هم «بيرس» و«وليم جيمس» و«جون ديوي»؛ ﻓ «الحق» عند البراجماتيين هو ما يراه الإنسان كذلك في ممارسته لمشكلاته العلمية والعملية، ومن الضلال أن يبحث الإنسان عن «حقٍّ» موضوعي مستقل عنه وعن حياته هو، وأهدافه هو.

ولسنا هنا بصدد الفكرة الفلسفية في حد ذاتها، لكننا نتلمَّس آثارها في أدبنا المعاصر وفي صورة الإنسان الحديث، فإذا هي فكرةٌ قد تسمو على أيدي أصحابها إلى الحد الذي يُبيح لأحدهم (وهو «وليم جيمس») أن يكتب كتابه الرائع الذي يفوح بعطر الإيمان الديني (وأعني كتابه «صنوف الخبرة الدينية»)، ولكنها أيضًا فكرة قد تتدهور حتى تصبح على أيدي كثيرين في أسوأ صورها، وهي أن يجعلوا «الحق» و«الدعاية» لفظَين مُترادفين، أفليس الحق هو ما ينفعك ويحقِّق لك أهدافك؟ إذن فكل ما ييسِّر لك سُبُل المنفعة وتحقيق الهدف هو الحق عندك، ولا شك أن هذا الجانب الضعيف من البراجماتية هو طابعٌ يميِّز إنسان العصر كما يتبدَّى على صفحات الأدب، عندنا وعندهم على حدٍّ سواء.

وإذا انحرفت معايير «الحق» إلى هذا الحد الذي يخلط بين الحق والمنفعة، فلا عَجب أن يتنبَّأ المتنبِّئون بالانحلال والتدهور للحضارة بأسْرها، وهذا هو ما حدث لكثيرين ممن كتبوا فلسفة التاريخ في عصرنا، وعلى رأسهم «شبنجلر» في كتابه المعروف «تدهور الغرب»، وليس المهم في حالة كهذه أن يصدق الكاتب أو أن يضلَّ عن الصواب، بل المهم هو كيف يقع كتابه من أنفس القُراء، فإذا لقي رواجًا وقبولًا جاز لنا الحكم بأن إنسان العصر قلِقٌ على قيمه الحضارية، مُشفقٌ عليها من الزوال، وماذا يكون موقف من يتوقَّع أن ينهدم على رأسه البناء؟ إحدى اثنتين: فإما أن يهمَّ بالإنقاذ، وإما أن يأخذه اليأس فينهار. فإن كانت الأولى تحمَّس لنظريةٍ مذهبية حتى ليدفعه الحماس إلى التطرف يمينًا أو يسارًا، وإن كانت الثانية آثَر لنفسه حياةً مُستهترة يُشبِع بها كل عواطفه وكل حاجاته الراهنة العابرة. وإنك لتجد كل هؤلاء معًا في مجتمع العصر، وترى صورهم جميعًا مُنعكسةً على صفحات الأدب، فهذا يتطرَّف في إيمانه بالديمقراطية الغربية، وذاك يتطرَّف في إيمانه بالشيوعية الروسية، وثالثٌ يضرب بهذه وتلك عُرْض الحائط لأنهما بغير جدوى، والمهم عنده هو أن يعبِّر عن حياته الفردية في «وجودية» تحقِّق طبيعته هو قبل أن يفرغ الأجل. ولا بد لنا أن نُشير ها هنا إلى رد الفعل عندنا نحن أبناءَ الشرق العربي لهذا كله كما يظهر في أوساطنا الفكرية والأدبية، فنقول إنك قد تجد من الوجهة النظرية أنصارًا لهؤلاء وأولئك، وأتباعًا لمن يرفض أولئك وهؤلاء ويُنادي بوجوديةٍ فردية، لكننا «جميعًا» نُحسُّ الفرحة في أعماقنا أن قد آذنت حضارة الغرب بتدهور وانحلال، ولا يسعنا إلا أن نعبِّر عن هذه الفرحة في أدبنا، إما بالاتهام المباشر لمن يصطنع في حياته وفكره صورة الغرب، أو بالدفاع عن روحانية الشرق ومُثُله العُليا، وأحسب أن أدباءنا لم يشغلهم موضوعٌ بمِثل ما شغلهم تصوير القيم العربية الإسلامية كما قد تجسَّدت في نبيِّ الإسلام، وفي خلفائه الراشدين، وفي أبطال الحياة العربية الإسلامية بصفةٍ عامة.

وكان من أهم العُمد في ثقافة الغرب الأدبية، الشاعر الإسباني «أونامونو» الذي أصدر «جانب المأساة من الحياة» سنة ١٩١٢م، لكنه لم يصبح ذا أثر ملحوظ إلا في العشرينيات، بعد أن تُرجِم إلى اللغات الأوروبية الأخرى، فها هنا ترى تعبير الشاعر قد بلغ أقصاه؛ تعبيره عن الصراع العنيف في نفس الإنسان المعاصر بين إيمانه وعقله. إن الشاعر يضع القيمة العليا في الفرد الحي ذي «اللحم والعظم»، لا في هذه التجريدات التي تحوِّل الأفراد إلى أرقامٍ إحصائية فتُفقدهم وجودهم الحقيقي، والإنسان الفرد ذو اللحم والعظم متعطِّش للخلود، فليقُل بعد ذلك أصحاب المذاهب ما يقولون، فإذا اصطرع في الإنسان عقله وإيمانه، كان في ذلك جانب المأساة من حياته، ولكن على هذه المأساة نفسها يستطيع أن يُقيم بناءه من جديد؛ فمن اليأس يستخرج الرحمة بالآخرين، ومن الرحمة يستخلص الحب؛ حب الإنسانية جمعاء، وهي التي تُشاركه آلام الفناء كما تُشاركه الرغبة في الخلود، وحب الله الذي إليه وحده يكون الدعاء أن يردَّ للإنسان سكينة نفسه، فيكون العقل نصيرًا للإيمان في الخروج من مأساة الحياة.

فماذا عندنا نحن — أبناء الشرق العربي — من هذا الصراع بين العقل والإيمان الذي يميِّز إنسان الغرب اليوم؟ إننا كثيرًا ما نذكر هذا الصراع، لكنني أعتقد أنه ذِكر من السطح، وليس هو بالذي يمسُّنا في الأعماق؛ لأننا في الحقيقة لا نُحسُّه إحساسًا حيًّا. لماذا؟ لأننا — فيما أعتقد أيضًا — لم نبلغ بعدُ من التأثر بالمنهج العقلي العلمي حدًّا تكون له الخطورة على وجداننا الديني؛ ومن ثَم فلا إشكال، وإذا كان ثَمة صراعٌ حي في أنفسنا، فليس هو بالصراع القائم بين العقل والإيمان، بل هو صراع بين إيمان وإيمان، فهل «نؤمن» بقيم الحضارة الغربية، أو «نؤمن» بقيم الحضارة الشرقية؟ ذلك هو الصراع الحي الكائن في نفوسنا، والذي — بغير شك — قد وجد سبيله إلى إنتاجنا الأدبي.

لكن مشكلة الصراع بين العقل والإيمان في الغرب مشكلةٌ حقيقية وحادَّة، تراها منعكسةً في تيَّارات الفكر والأدب، فلعلَّ أقرب الاتجاهات الفلسفية إلى جانب العلم وجانب العقل من الحضارة الراهنة، هو اتجاه الوضعية المنطقية — كما أُطلقَ عليه عند أول ظهوره في «فينا» في العشرينيات من هذا القرن — وهو نفسه اتجاه التجريبية العلمية، كما يُطلَق عليه عادةً الآن، وهو اتجاهٌ ينزع نحو تحليل المعنى تحليلًا يجعل معيار الحق هو شهادة الحواس، ويُكمِل هذا الاتجاهَ الفلسفي نفسه — ولا أقول يتطابق معه — اتجاهٌ تحليلي آخر ظهر في إنجلترا، وفي جامعة كيمبردج بصفةٍ خاصة، على أيدي «جورج مور» و«برتراند رسل»، ونقطة الالتقاء بين مدرسة فينا ومدرسة كيمبردج هي تحطيم البناءات الفلسفية التي شُغف بإقامتها الفلاسفة السابقون، فلم يعُد الأمر عندهم أمر إقامة صرح عظيم كفلسفة «أفلاطون» مثلًا أو فلسفة «هيجل» يُحاول أن يشمل الكون كله بنظرةٍ واحدة، فذلك عند أصحاب التحليل طُموحٌ لا يسوِّغه العقل الصرف وإن أشبع جانب الوجدان. هذه الاتجاهات الفلسفية المعاصرة دعوةٌ صريحة إلى الارتكاز على العقل وحده، ولكن هيهات أن تجد دعوة كهذه صدًى قويًّا في نفوس «عامة» المثقَّفين، لا سيَّما وأسلوبها في عرض مادتها هو أسلوب المتخصِّص يُخاطب به المُتخصصين، فلا نصيب للقارئ العادي فيه، وإذا كانت هذه الدعوة العقلية الصارمة لم تجد في الغرب آذانًا مُصْغية إلا عند صفوة المتخصِّصين، فهي عندنا لا أمل لها حتى عند هؤلاء الصفوة، فكاتب هذه الأسطر من أشياعها ودعاتها، لكنه يكاد يكون في الميدان وحيدًا، يتكلَّم لغير سامع، ويكتب لغير قارئ؛ لأن الدعوة إلى العقل الصرف لا تجد في أنفسنا صدًى، وذلك للسبب الذي أسلفته، وهو أن الصراع بين العقل والإيمان ليس إشكالًا لنا، وإنما الإشكال هو المفاضلة بين إيمان وإيمان.

لكن كان من حظ أحد أئمة الاتجاه العلمي العقلي في الفلسفة — وهو «برتراند رسل» — أنه لم يقتصر على المجال الفلسفي الصرف، بل استخدم كل قُواه التحليلية والعقلية، كما استخدم ما عُرِف به من شجاعةٍ أدبية في الدفاع عن قيمٍ يهتمُّ لها المعاصرون جميعًا، هي قيم الحرية ومحاربة الطغيان في شتَّى صوره؛ فهو داعية إلى الإخاء الإنساني بمعناه الحقيقي العميق، وهو حريص على مدنية الإنسان أن تنهار بحمق الساسة الذين يلهون بأسلحة الدمار؛ لهذا تراه مقروءًا في العالم كله بكتبه غير الفلسفية، مثل: «الطريق إلى الحرية»، و«القوة»، و«مستقبل الحضارة الصناعية»، و«تحقيق السعادة» — وقد تُرجِم معظمها إلى العربية — لكنه حتى في هذه الكتب لا يُرخي قبضته أبدًا عن الحجة العقلية الصارمة، ولا يجرفه تيَّار «اللاعقل» السائد عند غيره من المؤلفين، ومؤدَّى هذا كله أننا ينبغي أن نكون على حذر ونحن نَصِف إنسان العصر بهذه الصفة أو بتلك، إلا أن يكون ذلك على سبيل الإجمال.

ولا نترك الحديث عن «فينا»، وما قد أنتجته للعالم المعاصر من اتجاهٍ فلسفي علمي جديد، دون أن نذكر لهذه المدينة نفسها فضلَها في أن أخرجت للعالم علماء في ميدان «علم النفس»، هزُّوا البناء الثقافي كله هزًّا عنيفًا، هم «فرويد» و«آدلر» و«يونج» (وهذا الأخير سويسري)، فأظنُّك لا تكاد تسمع إنسانًا حتى من أنصاف المثقَّفين أو أرباعهم — ودَعْ عنك رجال الفكر والأدب — إلا وقد أصبح من عُملته الفكرية الجارية على لسانه «اللاشعور»، و«عقدة النقص»، و«الانطواء» عند بعض الأشخاص، و«الانبساط» عند الآخرين، وهكذا وهكذا، وهي كلها ألفاظ قد تسرَّبت إلينا من هؤلاء العلماء الذين أفاضوا الحديث في تحليل النفس الإنسانية إفاضةً جعلت حديثهم ذاك مقروءًا مسموعًا مدروسًا محفوظًا في كل أدب، وفي كل نقد، وفي كل حلقات السَّمر، وسواءٌ كانت تحليلاتهم تلك من العلمية بحيث تصدُق على الإنسان في كل عصر وفي كل الظروف، أم كانت من الخصوصية بحيث تصوِّر إنسان العصر الحديث وحده، فهي على كل حال قد قدَّمت لنا صورةً عن إنسان العصر لا بد من تسجيلها في هذا السياق، وهي أنه إنسانٌ لا عاقل، دوافعه إلى العمل تضرب بجذورها إلى طبقاتٍ دفينة من النفس ترجع إلى الطفولة، أو إلى ما قبل الطفولة الفردية إلى حيث ماضي الجنس البشري كله، لكنها على كل حال ضئيلةُ الصلة بمنطق العقل.

٣

كان من أبرع الملاحظات التي وردت على لسانِ ناقدٍ فرنسي، أنك — إذا ما تناولت بالدرس أديبًا ما — فإنما تصل إلى مفتاح أدبه لو أنك وقعت على الكلمة التي ما تنفكُّ تتردَّد في أدبه أكثر من سواها، فإذا جعلنا هذا المِعيار أداتنا في النفاذ إلى صميم روح العصر كما يتبدَّى في أدبه، وجدنا أوسع الكلمات شيوعًا في أدب الغرب من أول القرن إلى نشوب الحرب العالمية الأولى سنة ١٩١٤م، هي كلمة «حديث» و«جديد»؛ مما يدل على أن القوَّامين على الحياة الأدبية والثقافية كانوا يتحرَّقون رغبةً لتغيير القيم التي سادت إبَّان القرن الماضي، وإقامة قيم جديدة تصلح للعصر الجديد في حياته الجديدة، فلم يعُد الفن كما عُرِف في الماضي ليُرضي فنَّان هذا العصر، ولم تعُد الأخلاق التي كانت حميدة في الماضي لتُرضي معيار الأخلاق في هذا العصر، ولم يعُد المجتمع كله كما عُرِفت أوضاعه في الماضي ليُرضي أبناء المجتمع الجديد، لا، بل إن لفظة «الجديد» أو «الحديث» سرعان ما فقدت قوَّتها عند الشباب الطامح بسرعة التغير، فابتكرت كلمة «المستقبلية» لتصف لونًا من الفن ومن الأدب، لا يرضى بالموقف الراهن مهما يكن جديدًا، ويتشوَّف المستقبل قبل وقوعه، وألَّف فريق من الشعراء — من بينهم «عزرا باوند» — عندئذٍ (قُبَيل قيام الحرب العالمية الأولى) مذهبًا أسمَوه «الدوَّامة»، كنايةً عما يريدونه بقُرائهم، وهو أن يضعوهم فيما يُشبِه الدوَّامة حتى تدوخ رءوسهم فينسلخوا عما هو مُحيط بهم، إلى ما هو جديدٍ مبتكَر.

وأحسب أني لا أقول للقارئ جديدًا عن أدبنا العربي الحديث، إذا قلت إننا كذلك لو حلَّلناه لوجدنا أكثر الكليات شيوعًا فيه هي الدالة على جِدة وعلى حداثة، مُضافًا إليها كلمة «الحرية»، فلا شك أن الإشادة بما هو جديد ومن شأنه أن يحرِّرنا من القيود التي رسفنا فيها زمنًا طويلًا، موضوعٌ لا يكاد يخلو منه أثرٌ أدبي واحد من آثارنا التي أنتجناها منذ عام ١٨٨٢م إلى يومنا هذا، على اختلاف الأدباء بعد ذلك في نوع «التحرر» الذي ينشُدونه؛ فهنالك التحرر السياسي، والتحرر الفني، والتحرر في شئون الحياة العملية، وتحرر المرأة، والتحرر من التقاليد المعوِّقة … وهلمَّ جرًّا. وقد قام كل أديب بنصيبه في الدعوة إلى هذه الحرية التي تخلِّصنا من الأوضاع التي أردنا تغييرها وتبديلها بأخرى جديدة، وإذن فصورة الإنسان الحديث في أدبنا وفي أدبهم على السواء تشتمل على رغبةٍ جامحة في التغيير السريع، وهي رغبةٌ تتناسب مع فلسفة التطور التي أشرنا إليها فيما سبق؛ تلك الفلسفة التي حطَّمت السكونية، وأحلَّت محلَّها ديناميةٌ نشيطة فعَّالة لا تكاد تستقرُّ على حالٍ واحدة لحظتين مُتواليتين، كأنما أرادت أن تحقِّق صورة «هرقليطس» عن الحقيقة بأنها كنهرِ الماء الدافق، لا تستطيع أن تضع قدمك فيه مرتين مُتتاليتين؛ لأن ماءه في المرة الثانية غير مائه في المرة الأولى. ولقد ودَّع الإنسان الحديث بهذا التغير السريع حياته المُستكنَّة الهادئة، حتى لتسمعه يصرخ اليوم من هذا الانزلاق السريع الذي لا يدعه في راحةٍ مطمئنَّة كالتي ألِفها أسلافه، لكن صراخه يذهب أدراج الرياح هباءً؛ لأن دفعة التغيير عارمةٌ هيهات أن تقفها صرخة صارخ.

أقول ذلك لأن الأدب الحاضر — عندنا وعندهم — إنما يصوِّر هذا التغير السريع على صورتين تختلفان باختلاف مزاج الأديب؛ فهنالك الأديب الساخط على هذه الحياة الجارفة التي لا جمال فيها ولا سكينة نفس، وهنالك الأديب الراضي عن الأمر الواقع، حتى لقد أراد لنفسه أن يكون أحد العوامل التي تدفعه في جريانه السريع؛ ومن ثَم انقسم الأدباء طائفتين؛ طائفة الجماليين الذين يريدون الفن لِذاته بغضِّ النظر عن هذه الدوَّامة المُحيطة بهم، وطائفة أخرى تنغمس في مُحيطها لتصوِّره كما هو قائم أو لتزيد من دفعته. الطائفة الأولى المُنسحبة قد يجيء انسحابها كانسحاب الرهبان في صوامعهم، أو قد يجيء انسحابها كانسحاب المُتشردين الساخطين على أوضاع المجتمع الخارجين على القانون. وفي ظني أنه لا يجوز في النقد الأدبي أن نطبِّق معيار هؤلاء على أولئك؛ إذ كيف تنقد راهبًا آثَر التأمل الهادئ بأنه لم يضرب بمجاديفه في عُباب المجتمع الصاخب، أو كيف تنقد أديبًا شارَك المجتمع في نشاطه بأنه لم يسخط ولم ينسحب؟ الحق أن لكلٍّ من هؤلاء معيارًا، ولا ينبغي أن تُقاس أهمية الفنَّان بكثرة قُرائه أو بشيوع اسمه بين الناس؛ فقد تجد الأديب الممتاز في فنه ولكنه محدود الشهرة، أو قد تجد واسع الشهرة الذي لا امتياز في فنه.

على أن ﻟ «الجديد» معنًى آخر يألَفه المتتبع لتاريخ الأدب والفن، وهو أننا كلما استنفدنا القيم الجالية القائمة ظهر لنا أديب أو فنَّان بقيمٍ جمالية جديدة؛ لا لأن الجديد هنا «أفضل» من القديم، بل لأننا على مائدة الطعام جالسون، وقد فرغنا من طبق وننتظر طبقًا يليه مختلفًا في صنفه وفي طريقه طهوه، وسرعان ما نفرغ من هذا وننتظر مرةً أخرى ما يليه وهلمَّ جرًّا، أو قل إن رجال الأدب والفن — وهم المسئولون عن تغذية حسَّاسيتنا بالجمال — يشغلوننا دائمًا بدرَّةٍ جديدةٍ مغطَّاة بصدَفتها، فنأخذ في إزالة الصَّدفة لنكشف عنها، وليَبْهرنا جمالها حينًا، ريثما يقدِّمون لنا صَدفةً جديدة فيها درةٌ جديدة. وأيًّا ما كان الأمر، فطلب «الجديد» قد شغل عصرنا وشغل أدبنا، حتى ليصح أن نجعله طابعًا مُميزًا للإنسان الجديد.

٤

وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها، ونشأت طائفة من الشباب المتأدِّب القارئ في العقد الثالث من هذا القرن — في العشرينيات — أرادت أن تصمَّ آذانها عن الحرب، وعن كل ما قد أدَّى إلى قيامها. فإذا كان هنالك أدباء مهَّدوا لها، فهم عند هذه الطائفة الجديدة أدباء لا يستحقُّون منهم احترامًا، كلا، ولا تستحق الحياة التي مثَّلوها في أدبهم نظرةً واحدة من التفاتٍ جاد، فلا هؤلاء الأدباء ولا الحرب التي مهَّدوا لها بأدبهم جديرة بنقد الناقدين، وعلى الأدب الجديد أن ينحو نحوًا جديدًا؛ فكل معيار كان يُقاس به الأدب والأدباء قبل نُشوب الحرب، قد أصبح في عين هذه الطائفة الجديدة من الشباب المتأدِّب القارئ معيارًا باطلًا؛ فلم يعُد «برنارد شو» عندهم هو ذلك العملاق الذي كان، على الرغم من أنه لم يتحمَّس للحرب، وعلى الرغم من أن بعض مسرحياته ظلَّت بعد الحرب تجتذب الأنظار، وعدَّ «أناتول فرانس» كأنه مات ولم يعُد له أدب تدبُّ فيه الحياة، على الرغم من أن كتبه لبثت حينًا تُطبَع مرةً بعد مرة، لا، لم يعُد عمالقة الأدب فيها قبل الحرب يستحقُّون عند هذا الشباب الساخط الثائر شيئًا، فماذا يريدون؟ يريدون أدبًا جديدًا في كل شيء؛ في شكله ومضمونه، في مَبعثه ومَرماه، يريدون أدبًا يعبِّر لهم عن السخط بأية صورة ممكنة، سواء كان تعبيرًا عن طريق السخرية الضاحكة الهازئة، أو عن طريق المَقت الأسود الجاهم. وما دام هو يعبِّر عن خيبة الرجاء وضيعة الأمل، فلا بد بالضرورة أن يكون أدبًا مُنطويًا على نفسه؛ أدبًا يلتفت إلى داخل النفس لا إلى خارجها، أدبًا يُساير أو قل إنه يشقُّ الطريق أمام سحرة العصر العلمي الجديد، وأعني بهم جماعات التحليل النفسي الذين ألقَوا في الميدان بمصطلحاتهم التي جذبت أنظار المثقَّفين جذبًا يتميز بحرارة العاطفة المتحمِّسة أكثر مما يتميز بدقة العلماء.

أراد متأدِّبو العشرينيات أدبًا ينكمش على نفسه ليكون مِلكًا للخاصة وحدهم، ولا يُبعثر نفسه على عامَّة القُراء، فلم تعُد هذه العامة هدفًا مقصودًا، لا، بل لعل الأدباء عندئذٍ أرادوا مُتعمدين أن يجيء أدبهم على صورةٍ يعجز عامة القُراء دون فهمها، فلا عليهم إن فهمتهم أو أُعجِبت بهم دهماء المُتعلمين (ولعل هؤلاء الأدباء قد فاتهم أنهم كلما باعدوا بين أدبهم وبين عامة القُراء، اشتدَّ انجذاب هذه العامة إليه؛ ليتَّخذوا سمات الخاصة). ومهما يكن من أمر، فقد ساد الاعتقاد في الدوائر الأدبية أن الكاتب فنَّان، وليس هو مَنوطًا بتسلية الجماهير؛ ولذلك فواجبٌ عليه أن يضع أدبه في صورةٍ عسيرة الفهم، لا يدري أوساط القُراء كيف يقرءونه، لا لأنه يضع في أدبه فكرًا أصيلًا، ويعبِّر به عن مشاعر لطيفة دقيقة فحسب — فذلك قد صنعه كل الأدباء من قبلُ — بل لأن واجب الأديب الجديد عندئذٍ قد أصبح يحتِّم عليه أن يُقيم حاجزًا بين فنه وبين ذوي العقول البليدة والأنفُس الخفيفة الرعناء، وكان من أهم العوامل التي زادت الأديب الجديد عنادًا وإمعانًا في التعالي على مستوى الدهماء، تلك الوسائل الآلية التي جاءت مع العصر العلمي الجديد — كالسينما والإذاعة — مما أوشك أن يُخضع الإنتاج الثقافي إلى قواعد الإنتاج الكبير، فتصبح الكتابة كتابةً بالجملة، والقراءة قراءةً بالجملة، ومعايير النقد معايير بالجملة، والقيم الفكرية كلها قيمًا بالجملة؛ فلا أقل — إذن — من أن يحمي الأديب نفسه من هذا الهجوم الفاتك، ووسيلته إلى هذه الحماية الواقعية هي أن يجعل من الأدب المألوف أدبًا مُستعصيًا إلا على الدارسين؛ وبهذا تغيَّر موقف الأديب الجديد من أساسه، فبعد أن كان المَثل الأعلى دائمًا هو «السهل المُمتنع» — السهل على جملة القارئين، ولكن إنشاءه مُمتنع عليهم — أصبح المَثل الأعلى الآن هو «المُمتنع المُمتنع»؛ فهو مُمتنع على جمهور القارئين إنشاءً وفهمًا على السواء، كأنما أراد الأديب الجديد لأدبه أن يكون كالحرم المقدَّس، لا تطؤه إلا الأقدام المطهَّرة، حتى وإن جاء ذلك على حساب تضحية كبيرة من الشهرة والمال، ولك أن تُراجع قائمة الآيات الأدبية التي ظهرت عندئذٍ لترى كيف تلتقي كلها في هذا التعسير على جمهرة المثقَّفين: «يولسيز» لجيمس جويس، و«الأرض اليباب» لإليوت، و«مسز دالواي» لفرجينيا وولف، و«الجبل المسحور» لتوماس مان، و«القلعة» لكافكا، وغيرها.

وسِمةٌ أخرى ميَّزت أدب العشرينيات غير صعوبته المتعمَّدة، وتلك هي أنه لم يعُد أدبًا قوميًّا، بل ولا إقليميًّا، كأنما هو ردُّ فِعل لتلك الحرب الضَّروس التي أشعلتها الحماسة الوطنية ذات الأفق الضيق والآمال التافهة، وجاء الأدب عندئذٍ ليعلو على هذه الحماقة وهذا الجنون، وباتت الشهرة الأدبية مرهونة بمُجاوَزة الأديب هذه القيود المكانية وتحليقه في أجواز تعمُّ الإنسانية جميعًا؛ ولذا ترى الأنماط التي يصوِّرها الأدباء عندئذٍ هي تلك التي قد تُصادفها في أي بقعة من بقاع الأرض، وليست هي الأنماط المصطبِغة بالألوان المحلية المُميزة، وفي هذا تفسير لكَونِ أدباء ذلك العهد لم يتخذوا أوطانهم الأصلية مكانًا لإقامتهم؛ فهذا «رلكه» يتنقَّل بين باريس والنمسا، وهذا «بروست» يُقيم في باريس، ولكنك مع ذلك لا تقرؤه لتقرأ شيئًا عن باريس، ولا لتقرأ شيئًا عن الفرنسيين عامة. نعم إن «جيمس جويس» لا يكتب إلا عن بلده دبلن، لكنه مع ذلك لا يقدِّم إلينا قصةً يُقال عنها إنها معبِّرة عن الروح الإيرلندية، و«كافكا» لا يحدِّثك عن براج، و«إليوت» لا يكاد يُعطيك الإشارة الدالة على قوميته.

فماذا كان موقف أدبنا العربي في العشرينيات؟ هل شارَكنا أدباء الغرب في اتجاههم نحو التصعيب والتخصيص والانطواء والنزعة الدولية؟ كلا؛ لأن ظروفنا عندئذٍ كانت على نقيض ظروفهم؛ فلو استثنينا أمثلةً قليلة من الميل نحو البعد عن عامة الجمهور القارئ — كما يبدو ذلك — مثلًا — في قصيدة «العقاد» «ترجمة شيطان» — لوجدنا على مسرحنا أدبًا سياسيًّا يشتعل حماسةً، ويريد أن يُشعل النفوس نارًا. أي نفوس؟ لا نفوس الخاصة وحدهم، بل نفوس العامة من الفلَّاح في القرية فصاعدًا إلى أستاذ الجامعة؛ فالشعر وطني، والمقالة سياسية، والقصة ريفية، والمسرحية اجتماعية، وهكذا؛ فالحرية هي الهدف، وكل سبيل مُوصِل إليها هو سبيلٌ مشروع.

الحق أن موقف الغرب في القرن العشرين إزاء نفسه وإزاء العالم، مختلفٌ كل الاختلاف عن موقفنا في الشرق العربي، وإن تكن هنالك بيننا وبينهم ظروفٌ مشتركة تجعل منا ومنهم أبناء عصر واحد. وهذا الاختلاف العميق فيما بيننا كثيرًا ما يجعل قارئ أدبهم — أعني القارئ العربي — يُحسُّ وكأنما هو يقرأ عن شيءٍ لا يمتُّ له بصلةٍ على الإطلاق، وأحسب أن من أعمق مواضع الاختلاف أن إنسان الغرب قد أصبح يُحسُّ هوةً عميقة بين شعوره من ناحية ولا شعوره من ناحيةٍ أخرى، فما يراه بعقله الواعي يُنكره عليه ما هو دفين في نفسه اللاواعية، فأحدث هذا التجاذب فيه تمزقًا شديدًا ظهرت آثاره في أدبه؛ في شعره، وفي شخصيات قصصه ومسرحياته، فثَمة إحساسٌ قوي بالخيبة وبالغربة؛ لأن الإنسان قد انفصل عن طبيعته وفقد التوازن بين مقوِّماته؛ فهو ذو شخصية مُنشقَّة إلى نصفين، ما يُرضي هذا الجانب منه لا يُرضي الجانب الآخر، فإلى أين يتَّجه الأديب ببصره؟ إنه في أغلب الحالات عندهم يتَّجه إلى الأعماق الدفينة التي تكمن وراء الأسطح الظاهرة في حياة عصره. وبعبارةٍ أخرى، إنه يتَّجه بكل قوَّته وعبقريته نحو «اللاشعور» الخبيء ليُخرِجه إلى النور، وبمقدار ما يُوفَّق إلى ذلك، يُوفَّق أيضًا في إبراز حقيقة العصر الذي يعيش فيه، وكذلك يُوفَّق إلى إرجاع التوازن المفقود بين العقل الواعي والنفس اللاواعية، فتعود للإنسان وحدته التي تمزَّقت، لكنه لكي يفعل ذلك كله فلا بد أن يجعل من أدبه أدبًا ذا جانب واحد، هو جانب الغوص في اللاشعور — تاركًا مسائل الجانب العاقل من الإنسان — فيجيء أدبًا انطوائيًّا يتحسَّس طريقه في الشعاب المُعتِمة من متاهة النفس، وهي الشِّعاب التي من خيوطها تنسج الشخصية آخر الأمر؛ فلا عَجب أن قد أصبح الأدب — كما أسلفنا — أدبًا للخاصة وحدهم، وهم الخاصة الذين يحيَون بدَورهم حياةً انطوائية تُشبِه حياة الأديب، وأما بقية الناس من أوساط المثقَّفين ومن هم فوق الأوساط، فيرَونه أدبًا «صعب الفهم»، أو يرونه أدبًا يكشف عن «مرضٍ نفسي» عند أصحابه أكثر مما يكشف عن الحق الأبدي الخالد؛ فلئن كان هذا الأدب دالًّا على عبقرية مُبدعه، فليس هو بالأدب الذي يسدُّ حاجة القُراء بصفةٍ عامة؛ لأن هؤلاء القُراء يرون الظروف السياسية والاجتماعية الراهنة تبتلع شخصياتهم الفردية ابتلاعًا، فهم بحاجة إلى أدبٍ يعوِّض لهم ما قد فقدوه في ميدان السياسة والاجتماع، وذلك لا يكون بأن تقدِّم إليهم أدبًا كقطعة الحجر الصلد يحتاج إلى معالجة وصبر في تحليله ودراسته، بل يكون بأن تُعطيهم أدبًا شفَّافًا يُخاطب القلب مخاطَبةً مباشرة، فكيف يكون ذلك؟

إنه يكون بأدب «الجنس» عند فريق، وبأدب «الإيمان الديني» عند فريقٍ آخر، ذلك كله حق بالنسبة لإنسان الغرب، أما نحن في الشرق العربي فلم يحدُث لنا أن بعدت الشُّقَّة بين شعورنا ولا شعورنا؛ وبالتالي لا نُحسُّ بالتمزق النفسي بنفس المعنى الذي يُحسُّه به إنسان الغرب، أفليس عجيبًا — إذن — أن نجد كثيرين من أدبائنا ومن نُقادنا يُعالجون آثارنا الأدبية وحياتنا بصفةٍ عامة كما لو كنا في الأزمة النفسية ذاتها، فيحدِّثوننا عن «اللاانتماء»، وعن «القلق»، والذي يتحدث عنه الوجوديون، وما إلى ذلك؟ لقد وجد الأديب الغربي نفسه مُضطرًّا إلى الانطواء، لكن أديبنا تدعوه ظروف حياتنا أن ينبسط ولا ينطوي، ووجد الأديب الغربي نفسه مُضطرًّا إلى إقامة سد بينه وبين عامة القُراء، لكن هذه الجفوة لم تتوافر أسبابها هنا؛ ومعنى ذلك كله — عندي — أن من هو نموذج للعبقرية الأدبية عندهم — مثل «إليوت» و«جويس» — لا يجوز أن يكون هو نموذج العبقرية الأدبية عندنا؛ لأن حاجتنا غير حاجتهم، وأديبنا غير أديبهم.

عقيدتي أنه لو كان في تاريخ الأدب الغربي عصرٌ أقرب شَبهًا في ظروفه النفسية إلى عصرنا هذا في شرقنا العربي — وبالتالي فلا بد أن يكون أدبه أقرب إلى نفوسنا من أدب الغرب في القرن العشرين — هو أدب النهضة الأوروبية، الذي جاء في أعقابِ عصورٍ وسطى، وعلى عتبةِ عصرٍ علمي جديد، فعندئذٍ أحسَّ الإنسان في الغرب إحساسَ من فُكَّت عنه الأغلال التي كانت تقيِّد خُطاه، وعندئذٍ أيضًا صادَفته الآلة الجديدة — المطبعة — فراح يطبع ويطبع، وينشر وينشر، وصادَفه عصر الكشف الجغرافي، فراح يجوب الأرض والبحر، يكشف المجهول، فملأه هذا كله نشوةً كنشوة الصِّبيان فُتحت لهم أبواب المدرسة ظُهْر الخميس، فأخذوا يَعدُون عَدوًا؛ لأن المشي البطيء لا يُسعِف؛ فالفرحة الداخلية تُساير فرحةً خارجية، والعقل الظاهر يُماشي العقل الباطن، فلا شد ولا جذب ولا تمزق، والدفعة نحو الحياة الجديدة قوية، فلم يكن الأديب عندئذٍ انطوائيًّا، وكيف ينطوي على نفسه وقد كشفت له آفاق الأرض والسماء — نعم والسماء؛ لأنه لم يكن محض مصادَفة أن يجوب الكاشفون أرجاء الأرض في نفس الوقت تقريبًا الذي كان العلماء الفلكيون — «جاليليو» و«كبلر» و«نيوتن» — يجوبون السماء بمناظيرهم وبعملياتهم الرياضية — لا لم يكن الأديب عندئذٍ انطوائيًّا، كلا، ولم يكن مُسرفًا في انبساطه، كأنما أراد أن يقف موقفًا مُتزنًا بين داخله وخارجه، فجاء أدبه يُخاطب النفس ويصوِّر الخارج معًا؛ ولذلك جاء أدبًا للخاصة وللعامة على السواء. فإذا كان «هاملت» يُرضي أذواق الخاصة بتأمُّلاته، ﻓ «فولستاف» يُرضي العامة بمرحه ونِكاته. وإذا كان «دون كيشوت» يُشبِه خاصة الحالمين، فمعه «سانكو بانزا» الذي يُشبِه العامة في نظرته العملية الساخرة.

كان الناس عندئذٍ في الغرب — كما هم الناس اليوم في شرقنا العربي — على أبوابِ عصرٍ علمي يكشف لهم عن لغز الكون بدرجات، فلا يعود هو نفسه العالم المُغلَق الذي كان في العصور الوسطى، كلا، ولا هو العالم الذي أُزيلَ عنه الستر ففقد سحره كما أوشكت أن تكون الحال مع أبناء الغرب اليوم. ويُخيَّل إليَّ أننا في الشرق العربي في مرحلة كالتي كان فيها الغرب في القرن السابع عشر من هذه الناحية؛ فلا نحن في غفلة الماضي، ولا نحن قد بلغنا من التقدم العلمي ما يقتل الروح؛ وإذن فهذا عاملٌ آخر يجعل الأدب الأوروبي في القرن السابع عشر أقرب إلى نفوسنا وأجدر باستلهامه من أدب الشباب الساخط في عصرنا، ومن أدب الوجودية القلقة. بعبارةٍ أخرى، فأدب العقل الواعي أقرب إلى حاجتنا النفسية من أدب العقل الباطن، والانبساط أشبع لرغباتنا من الانطواء، والأمل المُشرِق أنسب لموقفنا من اليأس والقنوط. كانت «المَلهاة» في أدب الغرب عندئذٍ أعلى شأنًا من «المأساة»، وهكذا يجب أن تكون عندنا اليوم؛ وكانت القصة الواقعية الخارجية أقرب إلى الأذواق من القصة النفسية التحليلية الباطنية، وهكذا يجب أن تكون عندنا اليوم؛ فنحن أحوج إلى الحياة الإيجابية منا إلى الأنَّات والعَبرات.

١  “Literature and the Western Man” by: G. B. Priestly.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤