الأدب في عصر العلم والصناعة

في نوفمبر من سنة ١٩٦١م انعقدت ندوةٌ أدبية دولية في نيودلهي عاصمة الهند للاحتفال بالذكرى المئوية لشاعر الهند رابندرانات طاغور، حضرتها وفودٌ من مختلف أقطار العالم، وقد حضرها من البلاد العربية الدكتور يحيى الخشاب مندوبًا عن جامعة الدول العربية، والدكتورة سهير القلماوي مندوبةً عن جامعة القاهرة، وكاتب هذه السطور مبعوثًا من المجلس الأعلى لرعاية الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية، وقد ألقى هؤلاء كلماتهم بمناسبة الذكرى المحتفَل بها، ولكن الهيئة المُشرِفة على هذا الاحتفال — وهي المجلس الهندي للعلاقات الثقافية — رأت أن تخصِّص يومًا لمناقشة موضوع عام، هو «الأدب في حياتنا الراهنة»، وبصفةٍ خاصة فيما له علاقة من هذه الحياة بالعلم والصناعة، ووجَّهت الدعوة قبل موعد الاحتفال بمدةٍ كافية إلى نفرٍ قليل من أعضاء الندوة؛ ليُدلي كلٌّ برأيه في هذا الموضوع، بحيث توضع الآراء المطروحة موضع المناقشة، وهؤلاء هم: أولدس هكسلي، وكاتب هذه السطور، لتكون كلمتاهما موضوع أولى حلقات المناقشة، ولويس أونترماير الأديب الأمريكي، وإيفانوف الكاتب الروسي، ونوساك من ألمانيا الغربية، ونارايان الكاتب، وجوشي الشاعر، وكلاهما من الهند.

استهلَّ هكسلي كلمته بسؤاله: كيف يؤثِّر الأدب في الحياة؟ وكيف تؤثِّر الحياة في الأدب؟ هذان سؤالان إذا أردنا الإجابة عنهما كان لا بد لنا بادئَ ذي بدء من تحديد معنى كلمة «أدب» في هذا السياق، ومن تحديد من نعنيهم من الأحياء حين نقول إن الأدب يؤثِّر في حياتهم، ثم مضى هكسلي يُجيب عن سؤالَيه قائلًا إن مجرى التاريخ يتأثر بعوامل كثيرة، لعل أهمها ضروب التقنيات المستخدَمة في الصناعة القائمة، والنُّظم الاقتصادية السائدة، وأوجه النشاط التي يُبديها أصحاب النفوذ والسلطان في توجيه المجتمع، والأفكار التي يعرضها المفكرون فيما يكتبون أو يُذيعون، وهي المقصودة بكلمة «أدب».

غير أن تعريف الأدب بهذا المعنى الواسع الذي يشمل كافة الأفكار التي أُتيحَ لها أن تُنشَر مكتوبةً أو منطوقة، يجعل الأدب أوسع نطاقًا مما قد يُراد له في سياق هذا الحديث؛ فليس من شكٍّ أن ما كتبه أمثال لوك وهيجل وماركس ولينين قد أثَّر في مجرى التاريخ؛ ومن ثَم كان له أثره في حياة الملايين من البشر، ومع ذلك فمن الإسراف أن نُطلِق على أمثال هذه الكتابات الفلسفية والسياسية الاسم نفسه الذي نُطلِقه على كتابات من ضربٍ آخر، كالتي عبَّر بها شيكسبير — مثلًا — عن مشاعره وأفكاره فيما هو متصل بالإنسان وحياته، أو التي عبَّر بها وردزورث عن مشاعره وأفكاره فيما هو متصل بالطبيعة، ويجمُل بنا أن نقصُر حديثنا على هذا الضرب الثاني وحده دون الأول. وليس يعني ذلك أن كتب الأدب التي نعنيها لا تشتمل — فيما تشتمل عليه — على تعبيرٍ بليغ عن أفكارٍ فلسفية وسياسية من شأنها أن تشكِّل مجرى التاريخ؛ ومن ثَم فمن شأنها أن تؤثِّر في حياة الأفراد بما تغيِّره من البيئة الاجتماعية التي يعيشون فيها، فما فتئ الشعراء وكُتاب المسرحية والقصة والمقالة يستخدمون ملَكاتهم الأدبية في عرض أفكار كهذه من خلال نتاجهم الأدبي، فيُصيبون النجاح أحيانًا ويُخطئونه أحيانًا؛ فالأفكار السياسية التي ساقها روسو في كتابته الأدبية — مثلًا — قد تركت أثرها في مجرى التاريخ، بينما لم تترك الأفكار السياسية التي قصد إليها دانتي مثل هذا الأثر. وخذ مثلًا آخر من الأدب الحديث: ﮬ. ج. ولز، الذي ربما كان أكثر كُتاب عصره شيوعًا، وأوسعهم ترجمةً إلى اللغات الأخرى، وأوفاهم نصيبًا من إعجاب الناس في شتَّى أقطار الأرض في عصره؛ إذ قرأ كتبَه ملايينُ القُراء، ومع ذلك فلم تترك دعوته إلى مجتمعٍ دولي أثرًا محسوسًا في مجرى التاريخ إبَّان هذا القرن العشرين، وحسبُنا أن نذكر أنه هو القرن الذي اشتدَّت فيه النزعة القومية، لكن ولز إن فاته النجاح في بث أفكار سياسية بعينها عن طريق أدبه، فقد نجح نجاحًا عظيمًا في قصصه القائمة على غرابة الخيال، وهي القصص التي حاوَل فيها أن يؤكِّد النتائج الممكنة التي تترتَّب على الكشوف العلمية الحديثة.

من هذا يتضح أن الموهبة الأدبية لا تطَّرد دائمًا مع عمق الأثر الذي يتركه النتاج الأدبي الذي يتركه صاحب تلك الموهبة في تغيير وجهات النظر عند الناس؛ أي إن عبقرية الخَلق الأدبي وحدها لا تكفل إحداث الأثر الفعلي في حياة الناس، حتى حين يكون قوام ذلك الخلق الأدبي أفكارًا مما من شأنه أن يُحدِث التغيير في أنظار الناس. لا، بل إن عبقرية الأديب قد تكون هي نفسها العامل الذي يصدُّ الناس عن قبول فكرته الجديدة؛ إذ إن قبول الفكرة وشيوعها لا يتوقَّفان على جمال عبارتها، ولا على رقة المشاعر المُتجسدة فيها، ولا على لطافتها أو طرافتها أو عمقها، بقدر ما يتوقَّف القبول والشيوع على تكرار الفكرة تكرارًا يصوغها في عبارةٍ مُبهَمة عامة، فيسهل حفظها ودورانها على الألسن، برغم خلوها من التفصيلات التي تجعلها ذات معنًى محدَّد؛ ولهذا كثيرًا ما نجد الفكرة العبقرية الأصلية محكومًا عليها بالعزلة، حتي يتناولها شارحون يُفقدونها لُبَّها وجوهرها في سبيل صياغتها صياغةً يسهل قبولها، عندئذٍ فقط يُقبِل عليها الناس، ولكن بعد أن تصير قشرةً جوفاء.

إن الكلمة اللاتينية Vates تعني «شاعرًا»، كما تعني «نبيًّا» أو صاحب دعوة؛ مما قد يوحي بأن قول الشعر — أو الأدب بصفةٍ عامة — والدعوة إلى مُثلٍ عليا معيَّنة، شيءٌ واحد، لكننا إن وجدنا في تاريخ الأدب طائفةً من أعظم الشعراء الذين كانوا بشعرهم دُعاةً لمُثلٍ عليا، هُداةً للخير والفضيلة، وعداة للشر والرذيلة، إلا أن الخَلق الشعري في أساسه مختلفٌ كل الاختلاف عن الدعوة إلى أفكار بعينها؛ لأن مِثل هذه الدعوة إنما تنشُد ما «ينبغي أن يكون» في مجال الأخلاق أو العقيدة أو الفكر، أما الشعر — والأدب عامة — فلا يهمُّه «ما ينبغي أن يكون»، بل يهتمُّ بما هو «كائن» إذا كان هذا «الكائن» الفعلي مَحوطًا بالألغاز والسر. همُّ الأدب هو ما يفعله الناس في مسالكهم من خير ومن شر؛ فمن عَجبٍ أن الإنسان في وسعه أن يعلو إلى أسمى مدارج الفضيلة، كما في وسعه أيضًا أن يسفل إلى أحطِّ مهاوي الرذيلة. همُّ الأدب هو هؤلاء الناس أنفسهم كما يسلكون فعلًا، وكما يشعرون فعلًا، وكما يفكرون فعلًا؛ فمن الناس من يلمع ذكاءً مُتوقدًا مُشرِقًا، ومنهم من انطفأت فيه جذوة الفكر انطفاءً غشاهم بعتمةٍ من الغباء المُظلِم؛ منهم من يسمو حتى ليصل إلى منزلة الشهود عند المُتصوفة، ومنهم من يهبط حتى يكاد يندرج في مقولةٍ واحدة مع الحيوان الأعجم؛ فلا غرابة إن كانت هذه هي الطبيعة الإنسانية بمُتناقضاتها أن يُلحَّ كثيرون من أصحاب الدعوة الروحية على أن يعرف الإنسان نفسه، ومهمة الأدب الحقيقية هي أن يُعاون الإنسان على هذه المعرفة؛ على معرفة ذاته على حقيقتها.

مهمة الأدب الأولى هي الكشف عن حقيقة الإنسان كما هي واقعة. نعم، إن الشاعر أو الأديب قد يتعرَّض هنا وهناك لدعوات في سبيل الله، أو في سبيل المجتمع، أو في سبيل العلم، وما إلى ذلك، ولكنه إذا لم يكن قبل كل شيء رائدًا يرود جوانب النفس البشرية كما تتمثَّل في ذاته هو، وإذا لم يكن إلى جانب ذلك صاحب موهبة يستطيع بها أن ينقل إلى الآخرين لمحات بصيرته التي نفَذ بها إلى خبيئة ذاته، حيث شهد خبراته النفسية في أعماقها التي تضطرب بالمتناقضات، أقول إنه إذا لم يتوافر فيه هذا فقد يُعَد خطيبًا فصيح البيان، أو إمامًا مُصلِحًا، لكنه لن يكون شاعرًا ولا أديبًا.

إن الأثر الأدبي الرفيع هو دائمًا بمثابة تقرير يُبين به صاحبه حقيقةً واقعة في خلجات نفسه؛ حقيقةً من ذاك النوع الذي وإن يكن مُبهَمًا في طبيعته، إلا أنه ما يكاد يُعلَن على الناس حتى يُدركوا صِدقه، بل إنهم عندئذٍ ليَعجَبون كيف تأخَّر الكشف عنه؛ فالأدب الرفيع كله تعبير عن مشاعر أولئك الأفذاذ الذين ارتادوا جوانب ذواتهم من داخل ومن الأغوار، فكشفوا عن المستور منها، وطالَعوا حقيقة ما يُفكرون فيه وما يهتزُّون له، فألمُّوا بذلك بالمصادر الأولى التي عنها ينبثق سلوكهم الظاهر، ثم يجيء القارئون لهذا الأدب، فتتحرك فيهم الرغبة أن يرتادوا أنفسهم بدورهم كما ارتاد الكاتب جوانب نفسه، وعندئذٍ يجد القارئ أن ما يكمن في حنايا نفسه هو بعينه ما قد سبق للأديب أن يتصيَّده وأن يُعلِنه، معبِّرًا بذلك عن مشاعره إزاء الناس من حوله، وإزاء النُّظم الاجتماعية القائمة، وإزاء الثقافة السائدة.

هكذا يكون الأدب الرفيع تربيةً للقارئ في فهمه لنفسه (ويكون الأدب الرديء تربيةً له في سوء فهمه لنفسه)، فلئن كان داعية الأخلاق يُغْري الناس أن يأتوا الفضيلة ويجتنبوا الرذيلة، فالأديب الحق يفتح أعيُننا على منابع الفضيلة والرذيلة في أنفسنا. على أنك تستطيع أن تقول إن الأديب الحق بفتحه لأعيننا على حقائق النفس كما هي واقعة، فهو إنما يفعل خيرًا بأكمل معاني هذه الكلمة؛ لأن مجرد وعي الإنسان بما هو حقٌّ هو في ذاته خير، لا سيَّما إن نتج عن هذا الوعي تطوير لشخصيته، وتعميق لإدراكه، وتسديد لخُطاه.

الأدب الرفيع مُحايد، يُلقي الضوء على جوانب الخير والشر معًا، يُصور العبقري والأبله على السواء؛ فهو كالشمس تُشرِق على الأشياء بغير تمييز. وخذ مسرحيةً من مسرحيات شيكسبير، خذ مثلًا مسرحية «ترويلس وكرسيدا» تجد حشدًا من الأشخاص مُختلفي النزعة، فلا تدري أيُّهم يَلقى القبول عند الشاعر وأيُّهم يُثير فيه السخط؛ أهو ترويلس العاطفي الساذج، أم هو هكتور الفارس الأريحي، أم هو يولسيز الواضح الفكر والخبير بشئون الحياة، أم هي كاسندرا التي ترى الكون مليئًا بالقسوة خاليًا من الرحمة، تُسيره دوافع القدَر الذي لا يعبأ بالقيم، أم هما هلين وكرسيدا اللتان كانتا في ربيع الحياة فلم ترَيا في الكون إلا الحب؟ إن شيكسبير لا ينصر أحدًا على أحد في وجهة نظره، ولا ينتهي إلى حكمٍ يقول فيه إن هذا أصاب وذلك أخطأ؛ لأنه لم يكتب ليدعو إلى شيء، إنما كتب ليكون شاعرًا؛ أي ليرتاد ويستكشف ويُسجل في حيادٍ ما هو كائن. إنه لا يُنادي بما ينبغي أن يكون، ولا يُحاول إغراء القارئ بقبول هذا دون ذاك من ضروب الفعل الإنساني؛ إذ يكفيه أن يضع أمام أبصارنا ما قد لاحظه في نفسه، ونتائج تحليلاته للذَّات الإنسانية، ثم يتركنا أحرارًا فنتولَّى تربية أنفسنا على ضوء ما قد عرفناه من أسرار النفس البشرية بالطريقة التي نريد.

ولكن ماذا نعني بقولنا إن الأديب هو ذلك الذي يخبُر ذات نفسه ليراها على حقيقتها؟ إننا نعني بذلك أنه يغوص إلى ما هو كائن تحت مستوى التعبير اللفظي؛ فهنالك دائمًا حالات لم تجد بعدُ طريقها من عالم اللالفظ — وهو ما قد يُسمى باللاشعور — إلى اللفظ، وهو عالم الوعي والشعور الذي ندركه بالعقل، والذي نصوغ مدرَكاته وتصوراته بألفاظٍ محدَّدة المعنى إلى حدٍّ كبير. ولما كان اللفظ هو الوسيلة الوحيدة التي نستطيع بها أن نُخرِج ما هو دفين في النفس البشرية، كان لا بد للأديب من أن يتصيَّد العبارة الدقيقة التي تُلائم الحالة التي عثر عليها كامنةً بين جوانحه، وإنها لحالةٌ تتَّصف بكثير من اللطافة وانبهاهم الحدود؛ ولذلك كانت مهمة الأديب في صياغتها لفظًا مهمةً عسيرة. فنحن لا نحتاج إلى قصَّاص أو إلى شاعر ليُخبرنا كيف يكون الشعور بوجع الضرس، وكيف يكون شعورنا بالخوف إذا ما دهمنا وحشٌ كاسر في الفلاة؛ لأنها حالات قد تكون مما يعيه العقل الواعي، ومما يسهل وجود اللفظ الذي يعبِّر عنه، لكننا بحاجة إلى القصَّاص وإلى الشاعر ليعبِّر لنا باللفظ عن الحالات التي هي أكثر تعقدًا وأقل وضوحًا، كحالة الحب — مثلًا — أو حالات الخجل والإحساس بالذنب؛ فتلك حالاتٌ ذات أضواء وظلال لطيفة، ولا بد لنا من أديبٍ نافذ البصيرة ليفتح أعيننا على حقيقة انفعالاتنا في حالات الخبرات المبهَمة الغامضة؛ فما أكثر ما تكون الدوافع النفسية عندنا أخلاطًا عجيبة بين المشاعر المتناقضة، فيختلط شعورنا بالرأفة بشعورنا بالنفور، ويختلط الإعجاب بالحقد أو الحسد، ويختلط الحب بالكراهية، ولا أحد سوى الأديب يستطيع أن يحلَّ هذا المركب المعقَّد، حتى إذا ما بسط خيوطه أمامنا جاءت عبارته وكأنها المفتاح الذي يفتح لنا مجاهل الجانب اللاشعوري اللالفظي من أعماق النفس، وليس المقصود بمعرفة الإنسان لنفسه إلا معرفة هذا الجانب اللالفظي العميق. على أن الطريق إلى الجانب اللالفظي هو اللفظ، ولكن ذلك لا يكون إلا على أيدي الأدباء.

هكذا يُعيننا الأدب على إدراك أنفسنا وفهم خبراتنا، لكننا لا بد أن نتنبَّه إلى أن خبرات النفس هذه إنما تتوقَّف إلى حدٍّ ما على بِنية الشخص الخابر ومزاجه الموروثَين وإلى حدٍّ ما على طبيعة البيئة التي تُحيط به؛ فرجلٌ قوي البنية لا يخبر الحياة من حوله كما يخبرها رجلٌ ضعيف البنية، والمُتفائل الضَّحوك لا يتأثر بما حوله كما يتأثَّر به المُتشائم العابس؛ وإذن فالحياة تؤثِّر في الأدب بتأثيرها أولًا في أشخاص الأدباء الذين يُنتجون ذلك الأدب، وهؤلاء الأدباء إنما يستجيبون للضغوط والمُثيرات المُحيطة بهم؛ ولذلك فلا يجمُل بنا أن نُعمم القول عن «الأدب المعاصر» وعن «الحياة المعاصرة» كأنما هذه أو ذلك كلٌّ واحدٌ مُتجانس؛ فالأدباء في مجتمعاتنا «أفراد»، ولكل فرد منهم خصائصه الفريدة؛ وبالتالي فله طُرقه الخاصة في الاستجابة للحياة التي تُحيط به.

وبهذا الحذر فلنتحدَّث عن الطُّرق التي تؤثِّر بها البيئة المعاصرة المُتغيرة على الأدب المعاصر.

فما هي الخبرات الجديدة المفروضة علينا بحكم البيئة الجديدة التي نعيش فيها اليوم؟ ها هي ذي بعض النتائج السيكولوجية التي ترتَّبت على كون الإنسان يعيش في القرن العشرين، لا في القرن الثامن عشر مثلًا، وأولها: الحالة النفسية التي نتجت عن كون الإنسان مُعاصرًا للقنبلة الهيدروجينية، ومُعاصرًا للحرب الباردة؛ فالنفس يملؤها قلقٌ مُبهَم مُقيم، يُصاحبه عادةً إحساسٌ بعبث الحياة، وانعدام المسوِّغ لبذل الجهد وللتدبر وللطموح في عالم قد يُباغته الدمار.

وثانيتها: هي الحالة النفسية التي نتجت عن كون الإنسان مُعاصرًا لطرائق الإنتاج والتوزيع على النطاق الواسع في عالم الصناعة الحديث؛ فكل تقدم في التقنيات (الوسائل الفنية) يُسايره حتمًا تقدمٌ مُماثل في التنظيم الاجتماعي، وإن جوانب كثيرة من النُّظم الاجتماعية الحديثة قد وُجدت أولًا لتُلائم طرائق الإنتاج والتوزيع الحديثَين، وكان على الإنسان بعدئذٍ أن يُوائم بين نفسه وبينها؛ ولذلك فإن الشعور النفسي عند الفرد بقلة حيلته وضعف حوله — من حيث هو شخصٌ واحدٌ فرد — يزداد اتساعًا وعمقًا.

وثالثتها: هي الحالة النفسية التي نتجت عن زيادة سكان العالم زيادةً كبيرةً مُفاجئة؛ فقد كان سكان العالم في القرن الأول الميلادي يُقدَّرون بمائتين وخمسين مليونًا، ثم ضُوعِف هذا العدد في ستة عشر قرنًا، على حين أن عدد السكان اليوم — وهو ثلاثة آلاف مليون نسمة — يُقدَّر له أن يُضاعَف في أربعين عامًا فقط، وترتَّب على هذا التفجر البشري الهائل نموٌّ فظيع في كُبرَيات المدن؛ ومعنى ذلك أن عددًا كبيرًا من الناس أصبحوا يعيشون في بيئةٍ حضرية بعد أن كان العدد الأكبر من أسلافنا يعيشون في بيئةٍ ريفية طبيعية، وكان من نتائج ذلك أن ملايين وملايين من أطفالنا لا يعلمون شيئًا عن الطبيعة؛ لا يعرفون كيف يكون القمح في حقوله، ولا كيف تكون شجرة الفاكهة، بل إن ملايين منهم لم يرَوا في حياتهم بقرةً إلا في الصور.

فما النتائج النفسية لهذا كله؟ أولًا: تضيق دائرة الخبرة بالطبيعة ضيقًا شديدًا. وثانيًا: يفقد الإنسان شعوره بالانتماء، فيُحسُّ بالضياع؛ لأنه دائمًا في زحمة المدن بغير روابط عميقة الجذور؛ ولذا فهو يُحسُّ بالعزلة رغم تكاثر الناس من حوله. وثالثًا: قد يضطرُّ الإنسان إلى ضبط النسل ليحدَّ من زيادة السكان؛ فعَلى مر الزمن ينفصل الحب بين الجنسين عن عملية الإنسال؛ ولذلك فقد تتغير وتتحول الخبرة النفسية بين الجنسين التي كانت مَعينًا لأدبٍ ذي طابع خاص، وقد يكون التغير إلى أحسن، ولكنه تغيُّر على كل حال.

كل هذه النتائج لا بد من ارتيادها، والكشف عن خفاياها النفسية، ثم تحويلها إلى أدب؛ فالحياة الحديثة تؤثِّر في صانعي الأدب، ثم يجيء الأدب الحديث بدَوره فيُعِين قُراءه على تبين ما لم يكونوا يتبيَّنونه من عوامل القلق، والإحساس بالعبث، وضعف الحيلة بالنسبة للفرد الواحد، والشعور بالمرارة تبعًا لذلك، وانعدام الروابط الانتمائية، والشعور بالعزلة رغم تكاثر الناس.

•••

فرغ أولدس هكسلي من إلقاء كلمته في موضوع «الأدب والحياة الراهنة»، فدُعِيت لإلقاء كلمتي، فأوجزت رأيي قائلًا إنه لمن تحصيل الحاصل أن نُعِيد القول ها هنا بأن حضارتنا الحديثة حضارةٌ علمية في أساسها، فلم يحدُث قطُّ في تاريخ البشر أن تغلغل العلم في حياة الإنسان اليومية بمثل ما يتغلغل اليوم في حياته، وإذا كان هذا هكذا فمُحال أن تمضي هذه الظاهرة دون أن تَسِم الأدب بطابعها الذي لا يُخطئه بصر.

إن أهم مميزات العلم هو أنه يبحث عن الاطراد في ظواهر الطبيعة؛ فليس الذي يعنيه هو الحادثة الفذَّة الفريدة التي لا تكرار لها، بل الذي يعنيه هو التشابه بين مجموعة من الظواهر، بحيث يجوز إدراج المجموعة المُتشابهة كلها تحت قانون واحد. وأما الحادثة الواحدة أو الكائن المفرد الواحد، فلا يهمُّ العلمَ إلا من حيث هو حالة من بين مجموعة الحالات التي تخضع كلها على السواء لتعميمٍ واحد. نعم إن لكل حادثة واحدة أو فرد واحد طابعًا مُميزًا له دون سائر الحادثات أو الأفراد، منه تستمدُّ الحادثة أو الكائن المفرد هُويته الكيفية، لكن هذه الهوية الكيفية للأشياء لا قيمة لها عند العلم، وإنما القيمة كل القيمة هي للجانب الكمي الذي تضيع فيه فردية الفرد بحيث تتلاشى في بحر التعميم مع سائر أشباهها. وليس معنى ذلك بالطبع اختفاء الجانب الكيفي من فردية الفرد الواحد، كلا، بل هو موجود، لكنه لا يكون موضع نظر العلماء في بحوثهم العلمية الخالصة.

ونحن إذا تناولنا الإنسان نفسه بالبحث العلمي على الأساس المذكور، كان شأنه شأن سائر الأشياء، من أن فردية الفرد بما فيها من طابعٍ كيفي مُميز لا تكون بذات شأن في مجرى البحث العلمي، ويصبح الفرد الواحد من الناس حالةً من بين مجموعة الحالات التي يصدُق عليها هذا القانون أو ذاك. ولو كان من خصائص الأدب — كما يُقال أحيانًا — أنه يعكس ما هو واقع فعلًا، لوجب أن يجيء الأدب في عصرنا — عصر العلم — مُحاكيًا لهذا العلم السائد في اطِّراحه للتمايزات الكيفية بين أفراد الناس، والنظر إلى هؤلاء الأفراد كأنهم أعضاءٌ مُتشابهون من مجموعةٍ واحدةٍ مُتجانسة، لكن الأدب — لحسن الحظ — قد لا يضطلع دائمًا بتصوير الواقع كما يقع تصويرًا مِرآويًّا؛ إذ نراه أحيانًا يتمرَّد على الواقع بذِكر نقيضه ليُحدِث شيئًا من التوازن، وكم من مثلٍ في تاريخ الفكر الإنساني يُبين لنا في جِلاءٍ هذه الحركة البندولية، التي تقفز من النقيض هنا إلى نقيضه هناك. وإن حركة الأدب المعاصر لشاهدٌ جديد يُساق هنا؛ فمن إطار التفكير العلمي الذي يسود المعامل والمصانع، وثب الأدب إلى إطارٍ آخر هو من إطار العلم على طرفَي نقيض، لكنه كان في وثبته تلك مُتعدد الوسائل والسُّبل.

فمن وسائل فِراره من ميكانيكية العلم التي تعمل على محو الفوارق الفردية دعوتُه إلى العودة إلى القيم الروحية المُتمثلة في الديانات بصفةٍ خاصة، وكثيرون هم قادة الفكر في أوروبا وأمريكا الذين يدعون أقوامهم إلى الأخذ بشيء من روحانية الشرق؛ فهذا هو أولدس هكسلي يمجِّد روحانية المدنية الهندية في كتابه «لا بد من وقفة في سير الزمن»، وفي كتابه «الفلسفة السرمدية»، وفي مجموعة مقالاته المعنوَنة «غدًا وغدًا وغدًا»؛ ففي هذه الكتب تراه — من قبيل رد الفعل للنظرة العلمية التي تنطوي على تفتيت الوحدة الكونية — يدعو إلى نوع من الصوفية يجمع أشتات ما تفرَّق على يد العلم من أشلاء الحقيقة الكونية الواحدة، وكذلك نرى دعوة كهذه في قصة سومرست موم «حد الموسى».

لكن ذلك إن لاءم أدباء الغرب، فماذا عسانا أن نقول عن أدبائنا نحن الذين يجدون أنفسهم حمَلةً للتراث الروحي من جهة، ومهدَّدين بزوال الفردية الإنسانية بتأثير العلم والصناعة من جهةٍ أخرى؟ لقد فرَّ أدباء الغرب من علمهم وصناعتهم، فلاذوا بمُثلٍ عليا وجدوها في حضاراتٍ شرقية قديمة، فماذا يصنع أدباؤنا إذا هم أحسُّوا الإحساس نفسه بإزاء الروح الإنساني المهدَّد بالتفكُّك والضياع؟ إن المفرَّ هنا لا يكون بالانتقال إلى حضاراتٍ أخرى؛ لأن التراث الحضاري المحلي فيه ما يكفي، بل يكون المفرُّ إلى الماضي نَحيى مُثُله العليا الروحية، لا لنُلغي بها العلم والصناعة؛ لأننا في أشد الحاجة إلى علم وإلى صناعة، بل لنُساير بها آثار العلم والصناعة، بحيث يكون لنا من كل جانب من الجانبين ما يكفل ألا يُسرِف الجانب الآخر إلى حد الشَّطط؛ فلا الوضعية العلمية ينبغي أن تُنسينا القيم الروحية العليا، ولا الانغماس في الحياة الروحية يجوز له أن يُنسينا العيش الرغد في هذه الدنيا بفضل العلم والصناعة.

فلا غرابة أنْ وجدنا شطرًا كبيرًا من إنتاجنا الأدبي (في البلاد العربية) في الحقبة الأخيرة من تاريخنا الأدبي مُنصرفًا إلى نوع من «النهضة» (الرنيسانس) المُرتكزة على إحياء التراث القديم، وها هم أولاء أدباؤنا جميعًا، طه حسين، والعقاد، وتوفيق الحكيم، وغيرهم، قد شغلوا أنفسهم جادِّين في إحياء المُثل العليا التي تتمثَّل في تراث الأقدمين، سواءٌ أحيَوها بنشر ذلك التراث، أو أحيَوها بأن تمثَّلوها هم في أنفسهم ثم جسَّدوها في إنتاجهم الأدبي الأصيل.

على أن فرار الأدباء من ضرورات العلم والصناعة إلى مُثلٍ عليا روحية كانت تسود قبل عصر العلم والصناعة، ليس هو الملاذ الوحيد الذي لجئوا إليه؛ فقد ترى من الأدباء الثائرين على ضياع الفردية الإنسانية تحت ضغط الحياة العلمية المُعاصرة، من لا ينتقل من مكانه؛ فلا يذهب إلى حضارةٍ بعيدة في المكان إن كان من أدباء الغرب، ولا يذهب إلى مُثلٍ عليا بعيدة في الزمان إن كان من أدباء الشرق، بل تراه يلجأ إلى الغوص في أعماق نفسه هو؛ ليكون في ذلك تثبيت لشخصه وإقرار بوجوده الفردي. وخذ مثلًا لذلك أديبًا مثل جيمس جويس، أو من شئت من الأدباء المعاصرين الذين يغضُّون النظر عن الأشياء الخارجية وما بينها من علاقات، فتلك لا تعنيهم بقدر ما يعنيهم خواطر ذواتهم وما بينها من روابط، حتى وإن جاءت الصورة آخر الأمر على غير ما تألَفه الأبصار والأسماع؛ فالمهم عندهم هو مجرى الشعور، لا مجرى الحوادث الخارجية. وهكذا تجد الفرد الإنساني في مِثل هذا الأدب قد انتقم لفرديته أشدَّ انتقام؛ إذ جعل من نفسه دنيا بأسْرها، بدل أن يكون جزءًا من كلٍّ؛ فالحقيقة الذاتية هنا — لا الحقيقة الموضوعية — هي مَدار الحديث. الحقيقة الكيفية الشعورية، لا الحقيقة الكمية المجردة، هي العماد الأول والأخير؛ فلا العقل بمنطقه، بل ولا ألفاظ اللغة بما قد اصطُلح لها من معانٍ، بذات شأن. وأي شأن يكون لها ما دام الفرد الواحد قد أصبح كالجزيرة المُنعزلة عن بقية أجزاء العالم، يحلم من داخل ثم يروي حلمه كيفما جاء، ومن شاء فليفهم، ومن لم يشأ فعليه هو الخسار. ذلك كله عند أدباء أوروبا وأمريكا، والحمد لله عندنا نحن أدباء الجمهورية العربية أن لنا ما يشغلنا من نهوضنا الاجتماعي مما يجعل الأديب مغموسًا إلى أذنَيه في الأوضاع الاجتماعية الجديدة، حتى لينسى مجرى شعوره الخاص الذي قد يجعل منه جزيرةً معزولة في خِضم الحياة، بكل ما تستتبعه تلك العزلة من مرارة وألم.

لكن من أدباء العالم المُعاصر من لا يتيسَّر له أن يُغمض عينَيه عن حضارة العلم والصناعة ليرتحل بخياله إلى حضاراتٍ بعيدة في المكان أو في الزمان، وكذلك لا يتيسَّر له أن يغضَّ النظر عن الروابط الاجتماعية التي تربطه بالعالم الخارجي المُحيط به بحيث يغوص في أغوار نفسه ليعيش على خواطره وأحلامه، فلا يجد أمامه إلا أن يجلس مكانه عابسًا مُتشائمًا، وها هي ذي قصيدة إليوت «الأرض اليباب» — التي يجعلها نُقادٌ كثيرون رمزًا للأدب المعاصر — دليلٌ قائم على روح التشاؤم التي تغلب على هذا الفريق من الأدباء كلما نظروا إلى الحضارة العلمية الصناعية مُمسكةً بخناقهم مُضيقةً لصدورهم، واقرأ إن شئت أمهات القصص الحديثة، وتتبَّعْ أشخاصها، تجد عددًا كبيرًا منهم يحيا حياةً قلقة تعسة شقيَّة، سواء حقَّق أهداف حياته أو لم يحقِّقها، حتى لقد تجد من جمع المال بالملايين، وشيَّد من المصانع ما لا حصر لإنتاجه، ولكنه يجد نفسه آخر الأمر وحيدًا بغير صديق، فيأخذه الشعور بالخيبة رغم نجاحه الخارجي، وقد ينتهى أمره إلى الانتحار.

ولا يسعنا ونحن في هذا الصدد إلا أن نُشير إلى جماعتين من الأدباء الشُّبان؛ إحداهما في إنجلترا، وتُعرَف باسم «الشباب الغاضب»؛ والأخرى في الولايات المتحدة، وتُعرَف باسم «الحوشيين الكواسر». فأما الشباب الغاضب في إنجلترا فيَنبذون الماضي والمستقبل — في الحياة الفعلية وفي الأدب على السواء — ليعيشوا اللحظة الراهنة عيشًا غزيرًا، وهم ساخطون على كل ضروب السلطة التي قد تسدُّ أمامهم مسالك العيش الحر الذي ينشُدونه. وأما الحوشيون الكواسر في الولايات المتحدة، فهمُّهم الغوص في التجربة الحاضرة بكل أعماقها، لا يعبَئون بمستقبل، ولا بغيرهم من الناس؛ لأن هؤلاء الناس ليسوا في أعينهم إلا وسائل يحقِّقون بها طبائعهم، فلا قيمة لأحد عند هؤلاء الكواسر إلا بمقدار ما هو أداة لتحقيق أغراضهم الراهنة. فكلتا المجموعتين من أدباء الشُّبان تتَّفقان على نبذ الماضي والمستقبل، والوقوف عند تجربة اللحظة الحاضرة، إلا أن الشباب الغاضب في إنجلترا يختلف عن مجموعة الكواسر في الولايات المتحدة في أن الأولين يهمُّهم أن تكون لهم منزلةٌ اجتماعية في الحاضر، على حين لا يعبأ الكواسر بشيء كهذا.

لكن هذه الأصداء المُتشائمة في أدباء الغرب يُقابلها عند أدبائنا (في الجمهورية العربية) أصداءٌ مُتفائلة، برغم أن هؤلاء وأولئك جميعًا مُحاطون بعناصر واحدة ومُتشابهة من حياة العلم والصناعة، وعلة ذلك أن الغرب في انحدار بسبب العلم، والشرق (آسيا وأفريقيا) في صعود بسبب العلم أيضًا؛ فالأمل هناك قد استنفدت مصادره، والأمل هنا ما يزال في أول مدارجه. المستقبل هناك عابس، والمستقبل هنا مُزدهر. فلا أظن أن أحدًا من كُتاب القصة أو المسرحية أو المقالة عندنا يزدري الماضي والمستقبل كما يزدريه الشباب الغاضب والشباب الحوشي في إنجلترا وأمريكا. نعم، لا أظن أن أحدًا من كُتابنا يكتب وهو غير عابئ بالقيم، أو وهو غير عابئ بما يُصيب إخوانه في الإنسانية من خير ومن شر، ولا أظن أن شخصيةً من شخصيات القصة الحديثة عندنا تنجح في عملها ثم تيئَس فتنتحر كأنما النجاح هو نفسه الإخفاق، كما حدث للمليونير في قصة أوهارا التي عنوانها «من الشرفة».

ومؤدَّى ذلك كله أنه من قبيل التعميمات التي تطمس الفوارق ذات المعنى، أن نتحدَّث عن «الأدب في الحياة الراهنة» كأنما الأدب كله على غِرارٍ واحد في أرجاء العالم كله، وكأنما الحياة الراهنة تحمل طابعًا واحدًا عند الناس أجمعين؛ فالأدب في عصر العلم والصناعة هذا يتَّسم بالعبوس والتشاؤم في بلادٍ فقدت عِزَّها حين فقدت مستعمَراتها، والأدب في عصر العلم والصناعة يتَّسم بالبِشر والتفاؤل في بلادٍ استردَّت عِزَّها حين طردت المستعمِر من أرضها.

•••

كان هانز إريك نوساك هو الذي يمثِّل بلاده — ألمانيا الغربية، و«نوساك» هذا شاعر وقصصي وكاتب مقالة — فاستهلَّ كلمته بسؤالٍ ألقاه، وهو: هل استطاع الأدب في كل تاريخه أن يمنع حربًا؟ ثم أجاب عن سؤاله بنفيٍ قاطع؛ فليست مهمة الأدب المباشرة أن يخوض في مشكلات الساعة؛ لأن هذه المشكلات مصيرها إلى حل وزوال، وهي إذا زالت لم يعُد ما كُتِب عنها بذي قيمة إلا من الناحية التاريخية وحدها. وإنه لمِن تناقُض القول أن نَصف كتابًا معيَّنًا بقولنا إنه «أدب»، ثم نقول عنه في الوقت نفسه إن قيمته قد ذهبت بذهاب المشكلات التي تعرَّض لحلها؛ لأن نضارة الأدب ربيعُها دائمٌ على مر الزمن، وعلى اختلاف الأمم.

لكن الأديب إذا لم يتعرَّض لمشكلات يومه، ففِيمَ يكتب؟ إنها مفارَقةٌ تتطلب منا إمعان النظر؛ لأنها هي نفسها المفارَقة التي قسَّمت النُّقاد فئتين؛ إحداهما تقول بوجوب أن يكون الأدب هادفًا، والأخرى تقول بضرورة أن يُترَك الأدب حرًّا من قيود الأهداف. والظاهر أن جذور الخلاف كائنة في خلط الناس بين مفهومين مُتميزين: مفهوم «الإنساني»، ومفهوم «الاجتماعي». ولو أدركنا في وضوحٍ أن «الاجتماعي» وسيلة تحقِّق لنا «الإنساني» لزالت عن المشكلة عقدتها. لو أدركنا أن كل ظواهر المجتمع بشتَّى صورها السياسية والاقتصادية إنما جاءت أو جيء بها لتخدم الإنسان — والإنسان لا يكون إلا فردًا — لأدركنا تبعًا لذلك أن الأدب لا بد أن يكون هادفًا، لكن هدفه لا بد أن يكون هو الإنسان المُتعيِّن المجسَّد، فإذا شغل الأديب نفسه بأحداث عصره، فإنما يشغلها بها من الجانب الذي يصوِّر لنا وقفة الإنسان إزاء هذه الأحداث، بحيث إذا زالت الأحداث واختفت أزماتها، بقيت صورة الإنسان حيةً في كل عصر وفي شتَّى الظروف، أما إذا انغمسنا في الأحداث لِذاتها، نتعقَّبها ونحلِّلها ونسجِّلها، فإننا عندئذٍ نكون بمثابة من ضحَّى بالغاية من أجل الوسيلة، فجعل الوسيلة غايته.

إن من شأن الكل الاجتماعي أن ينظر إلى الأفراد الأعضاء، ومن زاوية القيمة الإحصائية وحدها، فلا يهمُّه زيد لأنه زيد، ولا عمرو لأنه عمرو، بل إن زيدًا وعمروًا كليهما من الآحاد التي تتجانس عند العد والحساب. وبعبارةٍ أخرى، فإن الإنسان الفرد يفقد خصائصه المُتعيِّنة ليصبح تجريدًا من التجريدات الإحصائية مطلوبة وضرورية؛ لأنها هي الوسيلة المُعينة لنا على تخطيط مشروعاتنا وتنفيذها، لكن الهدف دائمًا ينبغي أن يكون حياة الإنسان، وإلا لأحسَّ هذا الإنسان بالضياع النفسي الذي يُذيبه في متاهات الأرقام.

ونعود إلى الأدب ومهمته فنقول: إنها هي هذا الإنسان آخر الأمر؛ فلا هي الظروف السياسية ولا الحالات الاقتصادية، ولا حتى القيم الأخلاقية؛ لأن هذه كلها هي «الوسائل الاجتماعية» التي خُلقت خلقًا لتهيِّئ للإنسان حياته خِصبةً غزيرة. إننا لا نقول بهذا إنه لا ينبغي لأحدٍ أن يكتب في السياسة والاقتصاد والأخلاق، لكننا نقول إن مثل هذه الكتابة — على ضرورتها — لا تُعَد أدبًا بديعًا. ولنُلاحظْ أن معيار النقد للنوع الأول من الكتابة ليس هو معيار النقد للنوع الثاني؛ فالنوع الأول يُقاس بما فيه — أو بما أعوزه — من سداد الاستدلالات المنطقية من الفروض النظرية أو من الأرقام الإحصائية، وأما النوع الثاني فمقياسه مدى صلته الحميمة بنفس الإنسان ونوازعه بكل ما فيها من كمال ونقص. النوع الأول لا يحتمل أن يكون في الصورة عيوب، والنوع الثاني يريد أن يرى الصورة الحية بعيوبها.

وعلى ضوء هذا التقسيم يتبيَّن لنا أن قسمة الأدب المألوفة إلى «أدبٍ خالص» و«أدبٍ هادف» هي قسمة على غير أساس صحيح؛ ولذلك فهي مضلِّلة؛ فالأدب كله هادف، ولكن الهدف يتحتَّم أن يكون هو الإنسان وحياته، لا الوسائل الاجتماعية التي أنشئت وخُططت ونُفذت من أجل ذلك الإنسان وتلك الحياة. وإن شئت فاقرأ أي أثر من آثار الأدب الخالد في أي لغة من لغات الأرض، وسَلْ نفسك: ماذا في هذا الأثر الأدبي مما جعله يمسُّني برغم القرون التي تفصل بين عصري وعصره؟ إن أحداث العصر الذي أُنشئَ فيه مِثل هذا الأثر الخالد كانت بغير شك شديدةَ التباين مع أحداث عصرنا، وصورة المجتمع القديم كانت شديدة الاختلاف عن صورة مجتمعنا، لكني — هكذا ستقول لنفسك وأنت تقرأ — لكني أجد شيئًا في هذا الأثر الأدبي القديم يمتِّعني، فماذا عسى أن يكون؟ إني أجد فيه من النشوة ما أجده عند صديق حميم يحدِّثني الآن عن مشكلات عصري.

ها هنا سيجد القارئ الفكرة الضالَّة، سيجد أن ما قد أمتعه في الأثر الأدبي القديم ليس هو تفصيلات الأحداث الماضية، ولا هو «الأخبار» التي قد تَرِد في سياق القطعة الأدبية، لكن الذي أمتعه هو البقية التي تبقى بعد طرح المسائل التاريخية كلها، وما هذه البقية الباقية إلا «الإنسان» — سواءٌ كان هو مؤلِّف القطعة الأدبية، أو كان شخصيةً أوردها المؤلف في قطعته هذه — البقية هي الإنسان في مواجهته لظروف عصره، فهل غلبته تلك الظروف أو غلبها؟ وكيف كان النصر أو كيف كانت الهزيمة في حياته الجارية؟ وهذا كله لا يكون بالنسبة للإنسان العام المجرد، بل يكون بالنسبة لهذا الفرد أو ذاك ممن عاشوا فعلًا، أو ممن خلقهم خيال الأدب وأعاشهم في ظروف عصرهم.

•••

وتحدَّث الشاعر والكاتب الهندي «أوماشانكار جوشي» في الموضوع نفسه — موضوع الأدب في حياتنا المعاصرة — فقال: إن من شأن الأدب أن يحوِّل الحياة فيجعلها فنًّا جميلًا، فإلى أي حد تخضع الحياة المعاصرة لمِثل هذا التحول؟ وسؤالٌ آخر لا بد من الإجابة عنه، وهو: إلى أي حد يستطيع الأدب أن يؤثِّر في الشخصية الإنسانية أو في المجتمع بصفةٍ عامة في مثل الحياة المعاصرة التي نحياها؟

لقد أبرزت الحياة في العصر الحديث قيمتين إبرازًا واضحًا، وهما: الحرية، والعقلانية. ففي خلال المائة العام الأخيرة تعرَّضت هاتان القيمتان لأعنف الهجمات؛ فهذان هما «فرويد» و«يونج» قد نبَّها الناس إلى ما في الطبيعة الإنسانية من اللاعقلانية، وذلك هو ماركس يعرض نظريةً مؤدَّاها الحد من الحرية الفردية. نعم، إن العلم الذي يسود عصرنا كان من شأنه أن يؤكِّد روح العقلانية والحرية الإنسانية، لكن العلم قد تولَّد عنه ولد — هو التقنية (التكنولوجيا) — فجاء هذا الولد الشيطاني ليضع سلطانًا لا يُحَد في أيدي المُمسكين بأزمَّة الأمور، والذين بحكم أوضاعهم المكتبية (البيروقراطية) قد حوَّلوا أفراد الناس في مخططاتهم وفي إحصاءاتهم إلى نكراتٍ تُعرَف بالرقم والعدد؛ مما أدَّى في كثير من الأحيان إلى أن فقد هؤلاء الأفراد حرياتهم الشخصية إلى حدٍّ كبير، كما خضعوا إلى نوازع اللاعقل أحيانًا كثيرة. صحيحٌ أن التقنية في حد ذاتها عقلانية الطابع، لكنها من وجهةٍ أخرى قد تؤدي إلى أن تكون القوة الاجتماعية والسياسية في أيدٍ تتحرَّك بالهوى دون العقل بمنطقه السليم.

من أجل هذا كان الأدباء اليوم في مأزقٍ عسير، كلما أرادوا تحويل خبراتهم التي مارَسوها في عصر التقنية هذا إلى فنٍّ أدبي؛ فلقد ألِفْنا في التاريخ الأدبي أن نجد العمل الأدبي العظيم يلخِّص عصره كله، كما نرى مثلًا عند هومر في اليونان القديمة، وفيرجيل في الرومان، وكاليداسا في الهند، ودانتي في طلائع النهضة الأوروبية، فكلٌّ من هؤلاء قد استطاع أن يعبِّر عن خبرات مجتمعه كلها من أدناها إلى أقصاها، بما في ذلك جانبها الجمالي وجانها العقلي وجانبها الديني على السواء، أما اليوم فقد تشعَّبت جوانب الحياة تشعبًا لا يُتيح للأدب أن يجمع هذا الشتيت في منظورٍ واحد، مع أن مِثل هذا التجميع للمتفرِّقات في منظورٍ واحد هو الذي يمكِّن الأديب من لمح الحقائق الخالدة خلال لحظة زمنية واحدة؛ فأحداث عصرنا تتدفَّق تدفقًا سريعًا، بحيث يكاد يستحيل على الفنَّان أن يُمسِك منها بأكثر من شريحة هنا وشريحة هناك دون أن يضمَّ الجميع في بناءٍ مُتكاملٍ واحد، فلا غرابة أن تعدَّدت مدارس الأدب والفن تعددًا لم يسبقه نظير في التاريخ.

ولقد كان للعمل الأدبي العظيم قديمًا قوةٌ جارفة على المجتمع الذي نبع فيه ذلك العمل، كإلياذة هومر، و«رامايانا» و«ماهابهارتا» في الهند، فأعمالٌ كبرى كهذه كانت كالنَّبع الفيَّاض بالإلهام لشعوبها، أما اليوم فقد فقدَ الأدب سلطانه إلى حدٍّ كبير، وذهب العهد الذي كان صدور العمل الأدبي العظيم مفخرةً قومية لأهله، ولم تعُد القصيدة الكبرى ولا القصة العظيمة لتقع من أنفس الناس — من ناحية الشعور بالعزة القومية — بمثل ما كانت تقع الأعمال الأدبية قديمًا، ولعل أقرب شيء في حياتنا المعاصرة إلى الوقع النفسي الذي كان للأعمال الأدبية فيما مضى، هو العنوان الكبير في صدر الصحيفة اليومية؛ فقد أصبحت الصدارة اليوم للسياسة ولم تعُد للشعر.

•••

تلك كلماتٌ أربع في موقف الأدب من حياتنا المعاصرة، طرحها للمناقشة متكلِّمون من أقطارٍ مختلفة: أولدس هكسلي من العالم الأنجلوسكسوني، وكاتب هذه السطور من العالم العربي، و«نوساك» من ألمانيا الغربية، و«جوشي» من الهند. وقد كاد الجميع يتَّفقون على نقاط بعينها، في مقدمتها خشيتهم على إنسانية الإنسان من مقتضيات الصناعة وتقنياتها مع حرصهم على تقدم تلك الصناعة وتقنياتها؛ مما يضع على الأديب مهمةً مضاعَفة في سبيل توكيد الجانب الإنساني من حياة الإنسان حتى تزدهر إنسانيته في هذا الوسط الصناعي الجديد نفسه. وقد كان همايون كبير وزير الثقافة في حكومة الهند هو الذي يرأس الجلسات، فختم المناقشة بكلمةٍ عميقة نافذة؛ إذ قال: إننا إذا فكَّرنا في الحيوان أنواعًا أنواعًا، فلا يجوز أن نفكر في الإنسان إلا أفرادًا أفرادًا، وعبقرية الأديب كفيلةٌ أن تتحسَّس ما تضطرب به نفوس الأفراد من مشاعر وأفكار، فيجسِّدها ويُبلورها في عمله الأدبي. وأما سيطرة الآلات في عصرنا هذا الصناعي، فهو لا يراها مشكلة، بل إنه ليرى فيها وسيلة لتحرير الإنسان؛ لأنها تزيد من الثروة فتقلِّل من العَوز والحاجة، وإن الناس ليتقاتلون حيث العوز والحاجة. إنهم لا يتقاتلون على الماء — إلا حيث يندر الماء — ولا يتقاتلون على الهواء، وأملنا في عصر الإنتاج الآلي الكبير أن يزيد للناس من الطعام والثياب فتمتنع أسباب الحروب، ثم لا خوف على الروحانية من مادية الحياة الصناعية؛ فالروحانية من شأنها أن تزداد عمقًا وخصوبة كلما أنفقت منها، وإذا أنت يسَّرت للإنسان صعوباته المادية، كنت كمن يُزيل الحاجز بين المادة والروح؛ فمزيد من العلم والصناعة والإنتاج معناه مزيد من الكرامة الإنسانية، وهذه بدَورها معناها مزيد من الإخاء ومزيد من الحرية والعدل بين الناس، ومهمة الأديب المعاصر في هذا كله هي أن يصوغه في كلماتٍ جميلة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١