الفصل السادس عشر

السيلولويد والرايون: العاج الصناعي والحرير الصناعي

(١) السيلولويد

كان أول نوع ناجح ظهر من البلاستيك الصناعي هو السيلولويد، الذي تم تطويره كبديل للعاج المستخدَم في تصنيع كرات البلياردو. وفي عام ١٨٦٣، كان هناك نقص في العاج — وهو المادة التي كانت تُستخدَم في صناعة كرات البلياردو — بسبب قلة قطعان الفيلة البرية في أفريقيا. (أليس من المدهش أن نعرف أن ما يمثِّل مشكلةً مهمة اليوم كان بالفعل محل اهتمام منذ مائة عام؟!) ومن ثمَّ، عرض أحد كبار مصنِّعي كرات البلياردو جائزةً لمن يقدِّم بديلًا للعاج يمكن استخدامه في تصنيع تلك الكرات.

بدأ عامِلُ طباعةٍ من نيو جيرسي يُدعَى جون ويسلي هايت وأخوه آيزايا في إجراء تجارب على العديد من المواد حتى يجد المادة التي يمكن استخدامها في تصنيع كرات البلياردو، ومن تلك المواد مزيج من النشارة والورق اللذين يتم إلصاقهما معًا بالغراء. وعندما حدث قطع في إصبع هايت وهو منهمك في العمل، توجَّه إلى الخزانة لإحضار بعض الكولوديون لإيقاف النزيف. (كان الكولوديون، الذي هو شكل من أشكال نترات السليولوز المذاب في إثير أو كحول، شائعَ الاستخدام لهذا الغرض في ذلك الوقت. وثمة تجربة مماثلة لألفريد نوبل، جعلته يخترع مادة الجلجنيت المتفجِّرة، وهذه التجربة عُرِضَتْ في الفصل الخامس عشر.) اندهش هايت حين وجد زجاجة الكولوديون مقلوبةً وقد انسكبت كلُّ محتوياتها وتبخَّرت المادة المذيبة، تاركةً طبقة صلبة من نترات السليولوز على الرَّف؛ فأدرك حينها أن تلك المادة قد تكون مادة لاصقة أفضل من الغراء الذي كان يستخدمه لمزيجه المكوَّن من النشارة والورق.

بعد عدة تجارب، وجد هايت وأخوه أن نترات السليولوز والكافور عند مزجهما بالكحول وتسخين المزيج بالضغط نتجت مادة بلاستيكية بَدَا أنها مناسبة لصناعة كرات البلياردو. ولقد صنع ألفريد نوبل مادة الجلجنيت المتفجِّرة من نترات السليولوز بعد مزجها مع النيتروجليسرين، فلا بد أن مادة الكافور قد غيَّرت إلى حد كبير من الطبيعة التفجيرية لنترات السليولوز، وذلك مع أن كرات البلياردو المصنوعة من السيلولويد كانت تنفجر أحيانًا.

fig30
شكل ١٦-١: إعلان عن ياقات مصنوعة من السيلولويد، يرجع تاريخه تقريبًا إلى عام ١٨٧٥.

لم يربح هايت وأخوه الجائزةَ الخاصة بكرات البلياردو الصناعية؛ ربما لأن الكرات التي صنعاها كان تنفجر أحيانًا، لكنهما حصَلَا على براءة اختراع لكرتهما المصنوعة من نترات السليولوز والكافور في عام ١٨٧٠ تحت اسم «السيلولويد»، وقد شاع استخدامها في أغراض أخرى. وفي أواخر القرن التاسع عشر، استُخدِمت في صناعة الياقات والأكمام للقمصان الرجالي، وفي صناعة أطقم الأسنان ومقابض السكاكين والنرد والأزرار وأقلام الحبر. وقد حلَّ محلَّ السيلولويد على نطاق كبير أنواعُ البلاستيك الحديثة، لكني أذكر أنني تعرَّفت عليها وأنا فتًى صغير على أنها المادة المصنوعة منها بطاقات التقويم الصغيرة؛ وذلك من خلال رائحة الكافور.

(٢) الرايون

إن انسكاب زجاجة من الكولوديون كان أيضًا مصدرَ الإلهام الذي أدى إلى إنتاج أول بديل ناجح للحرير؛ فعندما كان باستير يحاول إنقاذ صناعة الحرير في فرنسا بسبب حدوث وباء مدمِّر لديدان القز، استعان بكيميائيٍّ شاب اسمه إيلير دو شاردونيه، ونظرًا لخبرته بمشكلة ديدان القز، اقتنع شاردونيه بأن إيجاد بديل صناعي للحرير أصبح ضرورة مُلحة. وبينما كان يعمل في غرفته المظلمة الخاصة بتظهير أفلام الصور مع الألواح الفوتوغرافية في عام ١٨٧٨، سكب زجاجة كولوديون. ولم يُزِل على الفور آثارَ الكولوديون المسكوب، وعندما فعل وجَدَ سائلًا لَزِجًا دبقًا تكوَّنَ بفعل التبخُّر الجزئي للمادة المذيبة، وأنتج خيوطًا طويلة ورفيعة من الألياف أثناء إزالته. وكانت تلك الأليافُ تشبه الحريرَ بدرجة كبيرة شجَّعت شاردونيه على إجراء مزيدٍ من التجارب على الكولوديون.

في غضون ست سنوات من حادثة السَّكْب العَرَضية، كان شاردونيه قد أنتج الحرير الصناعي، وقد استخلص الكولوديون من لب أوراق التوت (وهو الغذاء الطبيعي لديدان القز!) بعد إذابته في إثير أو كحول، واستخرج خيوط الألياف وعقدها معًا في هواء ساخن. ولاقَى القماشُ المصنوع من الحرير الصناعي الجديد نجاحًا كبيرًا حين عُرِض في معرض باريس في عام ١٨٩١، لدرجة أن تمويلَ تصنيعه قد تمَّ الحصول عليه على الفور. وقد أُطلِق على النسيج الجديد اسم «الحرير الصناعي» حتى عام ١٩٢٤ تقريبًا عندما غُيِّرَ اسمه إلى «الرايون».

تعقيب

كان نسيج الرايون الذي اخترعه شاردونيه ذا قابلية كبيرة للاشتعال. واخترِعت لاحقًا عمليات أخرى لتحويل القطن إلى ألياف شبيهة بالحرير لم تكن قابلةً للاشتعال. ولم تَعُدْ نترات السليولوز، التي هي أصل الرايون، تُستخدَم كألياف نسيجية. وقد كانت نترات السليولوز تُستخدَم أيضًا لتصنيع أفلام الصور الفوتوغرافية، سواء الفيلم الثابت العادي أو الفيلم السينمائي التجاري، لكن قابليتها للاشتعال كانت سببًا في حدوث العديد من الحرائق المدمِّرة في دُور السينما؛ فإذا حدث عطل في جهاز العرض بحيث يبقى الفيلم متوقِّفًا في مسار الضوء المكثَّف لأكثر من بضع دقائق، فإن النيران كانت تُضرَم فيه ويشتعل. وكان «الفيلم غير القابل للاشتعال» الذي حلَّ محلَّ هذا الفيلم بعد عدة سنوات مصنوعًا من أسيتات السليولوز.

يكمن الاختلاف الأساسي في شكل الأنسجة القطنية والحريرية في الخيوط المنسوج منها كلٌّ منهما؛ فخيوط القطن مجعَّدة، في حين أن خيوط الحرير ناعمة، تمامًا مثل تلك التي تنتجها ديدان القز، وتلك الخيوط الناعمة هي التي تعطي الملمس الأملس للحرير. وكان نسيج الرايون الذي ابتكره شاردونيه يحاكي الحرير؛ لأنه تم تحويل السليولوز (الألياف القطنية أو الخشبية) إلى شكل مختلف كيميائيًّا (نترات السليولوز)، يمكن إذابته في إثير أو كحول، ثم يمكن بعد ذلك سحب الخيوط الناعمة وإخراجها من المحلول اللزج.

إن أكثر أنواع الرايون الحديثة نجاحًا هما رايون الزنتات ورايون الأسيتات. ويرجع اسم رايون الزنتات إلى العملية التي يتم فيها تحويل السليولوز إلى شكل مختلف كيميائيًّا وقابل للذوبان (وهو زنتات السليولوز)، ويتم إخراج المحلول اللَّزِج لزنتات السليولوز عبر ثقوب دقيقة على هيئة خيوط ناعمة في حمام كيميائي يحوِّل زنتات السليولوز مرة ثانية إلى السليولوز. والهدف من هذا هو تغيير شكل ألياف السليولوز المجعَّدة إلى ألياف ناعمة شبيهة بالحرير، وهذا النوع من الرايون هو شكل معدَّل من السليولوز.

يشبه رايون الأسيتات كثيرًا الرايونَ الأصلي الذي ابتكره شاردونيه. فيتم تحويل السليولوز إلى إستر الأسيتات وهو قابل للذوبان مثل إستر النترات، ويمكن تحويله إلى خيوط ناعمة، ولكن أسيتات السليولوز، على عكس نترات السليولوز، غير قابل للاشتعال. وتستخدم صناعة النسيج الآن الاسم العام «الأسيتات» للإشارة إلى رايون الأسيتات لمنع حدوث التباس بينه وبين نوع الرايون الرئيسي الآخَر وهو رايون الزنتات، فإذا كان الاسم مجرد «رايون» فقط، فقد تكون المادة رايون الزنتات. وربما يكون من الملائم هنا أن أوجه تحذيرًا بهذا الشأن إلى أي شخص يعمل في معمل تُستخدَم فيه مواد مذيبة عضوية مثل الأسيتون، فمادة «الأسيتات» قابلة للذوبان إلى حدٍّ ما في تلك المواد المذيبة؛ ولذلك يجب عدم ارتداء الملابس المصنوعة منه في البيئات التي يمكن أن يحدث فيها تلامس مع تلك المواد. أما «الرايون» العادي (رايون الزنتات)، فهو مطابق كيميائيًّا للقطن، وبالتالي غير مُنفِذ للمواد المذيبة العضوية.

منذ ذلك الحين، طُوِّرت العديد من الألياف الصناعية التي تشبه الحرير أكثر من الرايون، بل ربما تكون أفضل من الحرير في بعض الجوانب أيضًا، ومن هذه الألياف النايلون الذي ابتكره والاس كروثرز ومجموعته في شركة دو بونت في ثلاثينيات القرن العشرين، وقد طُوِّرت أجيال جديدة من النايلون والألياف الصناعية الأخرى مثل أنواع البوليستر التي حلت محل الرايون في كثير من الاستخدامات المرتبطة بصناعة النسيج. (يعرض الفصل الخامس والعشرون قصة اكتشاف النايلون، ويذكر أيضًا نوعَي البوليستر المتمثلين في التريلين والداكرون.) أما الحرير الصناعي الذي اخترعه شاردونيه، فدخلَ في محاولاتٍ لمضاهاة النسيج المصنوع من الحرير الطبيعي أو تحسينه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤