الفصل السابع عشر

فريدل وكرافتس: ظهور كيمياء صناعية جديدة

سُمِّي تفاعل فريدل-كرافتس على اسم الكيميائيَّيْن شارل فريدل وجيمس إم كرافتس، اللذين لاحَظَا نتيجةً غير متوقَّعة لتجربة في معمل فريدل في باريس في عام ١٨٧٧. أدرك فريدل وكرافتس الأهميةَ العملية المحتمَلة لاكتشافهما العَرَضي، وحصَلَا على براءات اختراع في فرنسا وإنجلترا للطرق الخاصة بتحضير الهيدروكربونات والكيتونات. كان تقديرهما دقيقًا، وربما لم يكن ثمة تفاعل عضوي آخَر له أهمية عملية مثل تفاعلهما. وتُعَدُّ العمليات الأساسية لإنتاج البنزين العالي الأوكتين والمطاط الصناعي والبلاستيك والمنظِّفات الصناعية تطبيقات لما يُطلَق عليه «كيمياء فريدل-كرافتس».

وُلِد جيمس ماسن كرافتس في عام ١٨٣٩ في بوسطن، وبعد تخرُّجه في جامعة هارفرد وهو في التاسعة عشرة من عمره، قضى كرافتس عامًا في دراسة هندسة التعدين، وأثناء دراسته لعلم المعادن في فريبورج بألمانيا أصبح مهووسًا بالكيمياء؛ فعمل في معامل روبرت فيلهلم بُنسن في هايدلبِرج وشارل أدولف فورتز في باريس. وفي معمل فورتز، قابَلَ شارل فريدل وبدأ الاثنان العمل معًا في عام ١٨٦١.

في عام ١٨٦٥، عاد كرافتس إلى الولايات المتحدة، وبعد العمل لفترة قصيرة كمفتش تعدين في المكسيك وكاليفورنيا، أصبح أستاذًا للكيمياء في جامعة كورنيل التي كانت قد افتُتِحت لتوِّها. وبعد ثلاثة أعوام، انتقل إلى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا حيث أدخل العديد من التحسينات على المعامل وطريقة التدريس. وفي عام ١٨٧٤، ونظرًا لصحته الهزيلة، عاد إلى باريس حيث استأنف تعاوُنَه مع فريدل في معمل فورتز.

عندما ترك كرافتس معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، توقَّعَ أن يعود بسرعة، ولكن نظرًا للمناخ المختلف أو ربما بسبب تحمسه للاكتشاف الذي توصَّلَ إليه مع فريدل، تحسَّنَتْ حالته الصحية إلى حدٍّ كبير وبقي في باريس لمدة ١٧ عامًا. وبين عامَيْ ١٨٧٧ و١٨٨٨، أنتج هو وفريدل أكثر من ٥٠ ورقة بحثية وبراءة اختراع متعلِّقة بتفاعلات كلوريد الألومنيوم مع المركبات العضوية.

عندما تُوفي فورتز في عام ١٨٨٤، خَلَفه فريدل أستاذًا للكيمياء العضوية، وأصبح مديرًا للبحث في جامعة السوربون، وأسَّس الجمعية الفرنسية للكيمياء، وظلَّ لأربع دورات رئيسًا لها.

في عام ١٨٩١، عاد كرافتس إلى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا حيث أُعِيد تنصيبه أستاذًا، وفي عام ١٨٩٧ انتخِب رئيسًا له. وسعى إلى أن يجعل من المعهد منافِسًا للمؤسسات الجامعية الأوروبية؛ وذلك بتطوير طرق التدريس ووضع معايير للبحث. وبعد ثلاثة أعوام ترك منصبه الإداري ليتفرَّغَ لعمله البحثي الذي داوم عليه حتى موته في عام ١٩١٧ عن عمر يناهز ٧٨ عامًا.

دَعْنا نَعُدْ إلى الحدث البحثي العَرَضي الذي بسببه حُفِرَ اسما فريدل وكرافتس في التاريخ العلمي والصناعي على نحو فاق ما كان في المناصب الأكاديمية والإدارية التي كانا يتقلَّدانها. كان فريدل وكرافتس يحاولان تحضير يوديد الأميل عن طريق معالجة كلوريد الأميل بالألومنيوم والنشادر؛ فأنتج التفاعل كميات كبيرة من كلوريد الهيدروجين، والهيدروكربونات على نحو غير متوقَّع. وعندما جرَّبا كلوريد الألومنيوم بدلًا من الألومنيوم، وجَدَا أنه يعطي نفس النتائج غير المتوقَّعة. وكان كيميائيون سابقون قد أشاروا إلى نتائج مشابهة بعض الشيء من تفاعلات الكلوريدات العضوية مع فلزات معينة (الزنك، على سبيل المثال)، لكنهم لم يشرحوا تلك التفاعلات أو يشيروا إلى أن كلوريد الفلز هو المادة المحفِّزة أو المُتفاعِلة. وكان فريدل وكرافتس أول مَن أثبَتَا أن وجود كلوريد الفلز كان ضروريًّا.

في وصفهما لاكتشافهما لدى الجمعية الفرنسية للكيمياء، قالَا: «عند مزج الكلوريد والهيدروكربون، تتكوَّن الهيدروكربونات في نتاجٍ جيد من متخلفات الهيدروكربون مع نزع ذرة الهيدروجين H، ومن متخلفات الكلوريد مع نزع ذرة الكلور Cl. وهكذا تم الحصول على إثيل البنزين وأميل البنزين والبنزوفينون وغيرها.»

وجد فريدل وكرافتس أن النتيجة غير المتوقَّعة التي توصَّلَا إليها كانت تبشِّر بإمكانية تصنيع مجموعة متنوعة من الهيدروكربونات والكيتونات (البنزوفينون من أمثلة الكيتونات التي تُعَدُّ ثاني أهم فئة من المركبات التي يمكن تصنيعها من خلال تفاعل فريدل وكرافتس الجديد)، وأثبَتَا ذلك بالتجربة. وفي الأعوام التالية لذلك، فتحت الأوراقُ البحثية الضخمة التي أعدَّها فريدل وكرافتس وبراءات الاختراع المتعلقة بها مجالًا نظريًّا وعمليًّا جديدًا في الكيمياء العضوية، وكانت أساسًا لبعض أهم العمليات الكيميائية الصناعية الحديثة.

ربما تبدو كيمياء فريدل-كرافتس متخصصة ومعقَّدَة، ولكنها أثرت في حياتنا بالعديد من الطرق المهمة. قال ونستن تشرشل، مشيرًا إلى انتصار بريطانيا في الحرب بفضل طيَّارِيها المقاتلين: «لم يحدث في تاريخ الصراع الإنساني أن دانَ عددٌ كبيرٌ من الناس بالكثير جدًّا لعدد قليل منهم.» فلم يكن الانتصار في المعركة الجوية نتيجةً لمهارة الطيارين البريطانيين وشجاعتهم فحسب، وإنما أيضًا للجودة العالية للبنزين المستخدَم في الطائرات المقاتِلة التي كانوا يستخدمونها. وصحيحٌ أن الطائرات المقاتِلة الألمانية كانت أكثر تطورًا من نظيراتها البريطانية والأمريكية، لكنَّ وقودَها لم يكن كذلك، فالوقود الذي كان يستخدمه البريطانيون والأمريكيون في طائراتهم أعطاهم ميزةً كبيرة على الألمان مما جعل أداءَهم أفضل. وكان هذا الوقود نتيجةً مباشِرةً لكيمياء فريدل-كرافتس؛ إذ كان يحتوي على التولوين بالإضافة إلى هيدروكربونات أروماتية قلوية أخرى.

على نحو مماثل، كان المطاط الصناعي مهمًّا للمعارك والعمليات البرية في الحرب العالمية الثانية بعد أن قُطِعت على الحلفاء الطريقُ إلى مصادر المطاط الطبيعي. وكانت الإطاراتُ ضرورية للسيارات والشاحنات والطائرات، ونظرًا للتعاون بين المسئولين الحكوميين والعلماء الأكاديميين والصناعيين والفنيين، تم إنتاج المطاط الصناعي بسرعة كبيرة، وقد تم تصنيعه من مادة الستيرين، وأُطلِق على هذا النوع من المطاط الصناعي «جي آر إس» (GRS الذي هو اختصار ﻟ Government Rubber Styrene؛ أيْ مطاط الستيرين المنتَج من قِبَل الحكومة). ولم يكن سوى بوليمر مشترك من الستيرين والبيوتاداين C4H6، والبوليمر المشترك هو جزيء ضخم ينتج عن بلمرة مزيج من اثنين من المونومرات؛ والستيرين والبيوتاداين هما المونومران في هذه الحالة.
ثمة الكثير من الاستخدامات للبوليمر المصنوع من الأكريلونتريل C3H3N والبيوتاداين والستيرين؛ فهو يتميز بمتانة البوليمر المشترك المكوَّن من الستيرين والأكريلونتريل، وبشيء من مرونة البوليمر المشترك المكوَّن من الستيرين والبيوتاداين. ومن أمثلة استخدامات البوليمر المصنوع من الأكريلونتريل والبيوتاداين والستيرين: إنتاجُ الأمتعة الخفيفة وقطع غيار السيارات.

يمكن للستيرين بلمرة نفسه، ويتميز هذا البوليمر — المسمَّى البوليستيرين — بأنه متعدد الاستخدامات للغاية، ويمكن تشكيله على هيئة علب للراديوهات والبطاريات والألعاب وكل أنواع الحاويات. ونظرًا لخصائص رغوة البوليستيرين (الستيروفوم) العازلة وخفتها، فإنها تُستخدَم كعامِل عازل في المباني، ويتم تشكيلها على هيئة صناديق ثلج وأكواب للاستعمال مرةً واحدة للمشروبات الساخنة والباردة. وثمة تطور حديث في هذا الشأن، وهو استخدام الستيروفوم في أعمال النحت في مجال الإعلانات الخارجية. وقد تم إنتاج ما يزيد عن أربعة مليارات رطل من منتجات البوليستيرين في عام ١٩٨٢.

لقد غيَّرت المنظِّفات الصناعية من الطريقة التي نعيش بها اليوم؛ فنحن نغسل الأطباق والملابس بها، وعلى عكس الصابون، فهي تعمل جيدًا في الماء العَسِر، وتُعَدُّ مكونًا أساسيًّا في الشامبوهات. ومن الأمثلة الأساسية للمنظِّف الصناعي القابل للتحلُّل الحيوي دوديسيل بنزين سلفونات الصوديوم. إذ ترتبط السلسلة الجانبية المكوَّنة من ١٢ ذرة كربون بجزيء بنزين عن طريق تفاعل الألكلة فريدل-كرافتس.

يتم إنتاج الفينول المستخدَم في صناعة الأسبرين (انظر الفصل التاسع والعشرين) من أيزوبروبيل البنزين (الذي يُعرَف أيضًا بالكيومين)، والذي يُحضَّر باستخدام تفاعل فريدل-كرافتس من البنزين والبروبلين. ويتم إنتاج ما يزيد عن ٤٠ مليون رطل من الأسبرين كل عام في الولايات المتحدة، بما يعادل ٣٠٠ قرص لكل رجل وامرأة وطفل.

كانت هذه بعض الأمثلة على الاستخدامات العملية التي ظهرت في القرن الماضي بعد المصادفة المعملية التي لاحَظَها شارل فريدل وجيمس إم كرافتس في عام ١٨٧٧، وفسَّرَاها من خلال فطنتهما لتصبح اكتشافًا عظيمًا. كتب مؤلِّفَا كتاب «تفاعل فريدل-كرافتس والتفاعلات المرتبطة به» (١٩٦٣)، وهما جي إيه أُولاه وآر إي إيه ديير، عن اكتشاف فريدل وكرافتس يقولان: «لا يمكن إنكار حقيقة أن العديد من الاكتشافات العلمية المهمة تمت بالمصادفة، ولكنَّ المهم أن يتمتَّعَ الشخص القائم بالبحث بقدرة عالية على الملاحظة والإبداع حتى يتسنى له التوصل إلى أي اكتشاف، وإلا فسيبقى غير معلوم أو يتم تجاهله.»

تعقيب

بعد بضعة أعوام من الْتِحاقي بالكلية في جامعة تكساس في أوستن، قضيتُ الصيف في معمل أوك ريدج القومي أتعلَّم كيفية استخدام الكربون المشع 14C كأداة بحثية في الكيمياء العضوية. وهذا النوع من الكربون هو منتج فرعي لبرنامج الطاقة الذرية، ويمكن إدخال ذراته في الجزيئات العضوية، ويمكن لأدوات خاصة الكشف عن وجود تلك الجزيئات وأيضًا عن مواقعها بسبب نشاطها الإشعاعي.

عندما عدتُ إلى الجامعة في أوستن، استخدمتُ تلك التكنولوجيا الجديدة في بحثي. وكان الموضوع الذي اخترته لتجربة الكربون المشع كمادة كاشفة هو أحد تفاعلات فريدل-كرافتس التي ذكرها الكيميائيون الألمان في عام ١٨٩٢؛ فبناءً على التفسيرات الحديثة لتفاعلات فريدل-كرافتس، بَدَتْ نتائجهم محل نظر، ولم يكن الدليل التجريبي الذي قدَّموه مُقنِعًا على نحو كبير. وأتيحت لي الفرصة للتأكيد على صحة نتائجهم أو دحضها باستخدام الطرق التجريبية الحديثة، ومن تلك الطرقِ التحليلُ باستخدام الأشعة تحت الحمراء والتحليل الكروماتجرافي الغازي؛ فكلاهما كان سيقدِّم إجابةً شافيةً لتلك المسألة، وكلاهما أبسط من التحليل الإشعاعي الكيميائي باستخدام الكربون المشع. لكن، نظرًا لإعجابي بطريقة التحليل بالكربون المشِعِّ الجديدة (بالنسبة إليَّ)، قرَّرتُ استخدامها لتحديد مدى صحة نتائج العلماء الألمان. ووافق ستانلي براندنبيرجر، أحد طلبة الدراسات العليا، على إجراء التجارب.

إذا كنَّا قد استخدمنا الطريقتين الأخريين للقيام بالتجربة، المتمثلتين في التحليل باستخدام الأشعة تحت الحمراء والتحليل الكروماتجرافي الغازي، فكنا سنجد أن نتائج العمل الأصلي صحيحة. لكن باستخدام طريقة الكربون المشع، اكتشفنا إعادةَ تنظيم جزيئيٍّ غير واضح. ومع كون هذا الاكتشاف مثيرًا، فإنه لم يكن له أهمية عملية؛ لأن الجزيئات الموسومة بالكربون المشع التي استخدمناها لم تكن موجودة في الهيدروكربونات الأروماتية العادية. ولكن بعد تنبُّهِنا إلى اكتشافنا من خلال الجزيئات الموسومة بالكربون المشع، بحثنا عن حالات إعادة تنظيم جزيئي مماثِلة في الجزيئات الهيدروكربونية الأروماتية العادية ووجدناها، بالإضافة إلى بعض الأهمية العملية لذلك.

استطعنا تصحيح بعض الإفادات غير الصحيحة في المصادر الكيميائية وتفسير بعض النتائج المحيِّرة، وقد شغلتنا دراسة «إعادة تنظيم ألكايل البنزين» التي اكتشفناها بالمصادفة منذ عدة سنوات، وزادت من اهتمامي المستمر بالتعرُّف على مزيد من الأمثلة في مجال السرنديبية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤