خاتمة روكامبول

١

في الساعة العاشرة من الصباح أقبل رجل إلى مكتب المحامي سيمون، وهو شاب جميل الوجه متأنق في لباسه فسأل البواب قائلًا: أليس هنا مكتب المحامي سيمون؟

– نعم، غير أن سيمون قد مات وخلفه في إدارة مكتبه المستر جمس كوكلام.

– إني أحب أن أراه.

– إن هذا محال يا سيدي الآن؛ فإنه يرافع في المجلس.

– لا بأس فسأعود غدًا.

فقال له البواب: إنك قادم في قضية يا سيدي دون شك، فإذا كان ذلك فإن سكرتير المستر جمس كوكلام يقضي لك ما تريد، لأنه واقف على جميع أشغال المحامي.

فتردد الشاب هنيهة، ثم قال في نفسه: لا أجد بأسًا من مقابلة السكرتير وسبر غوره فقد أقف منه على ما يفيدني.

ثم قال للبواب: ماذا يُدعى هذا السكرتير؟

– سلمون بيردت.

– سِرْ أمامي إليه.

فامتثل البواب وأوصله إلى السكرتير.

فوجده جالسًا عند منضدة كبيرة، وهو كبير الشَّارِبَيْنِ كثيف الشعر، وقد ستر عينيه بنظارتين من الزجاج الأزرق.

فحياه الشاب وقال له: إني كنتُ أود — يا سيدي — أن أرى المستر كوكلام.

فأجابه سلمون: إني وإياه واحد؛ لأني أدير جميع أعماله.

– لا شك عندي بما تقول، غير أن القضية التي جئت من أجلها قديمة العهد تتصل بزمن المحامي سيمون.

– هو ما تقول، بل إنها منذ عدة شهور.

فعجب الفتى لقوله، وقال له: كيف عرفتَ هذا يا سيدي، في حين أني لم أذكر لك اسمي، ولم أقل لك شيئًا عن القضية التي جئتُ من أجلها؟

– كنتُ أستطيع أن أجيبك أني من السحرة، غير أني أؤثر أن أقول لك: إني أعرفك، فإنك تُدْعى مسيو بيتافن، وأنت فرنسي، وقد رأيتك أمس في جنازة امرأة فقيرة تُدعى بيتزي، وهي امرأة رجل يُدعى توما، أُعدم شنقًا لأنه قتل اللورد أفندال، وأزيدك على ذلك أنك قادم لمحادثتي في قضية اللورد باميلتون، الذي يُدعى الآن ولتر بريس.

فدُهش الشاب دهشة عظيمة وقال: ولكن كيف عرفتَ ذلك، يا سيدي؟

فلم يجبه السكرتير على سؤاله، وقال: إن بيتزي، التي دُفنت أمس، جاءت منذ ثلاثة أشهر إلى المستر كوكلام، ومعها الأوراق التي تتضمن كسب القضية.

فقال مرميس، وكان هو بعينه: ولكن هذا المحامي أبى أن يتولى القضية.

– لقد كان مصيبًا في رفضه فإن المستر كوكلام لا يزال في مقتبل الشباب وهو فقير لا يستطيع أن يتحمل نفقات هذه القضية الكبرى، ولم يكن لدى بيتزي شيء من المال.

فقال مرميس: ولكن، الذين ينوبون عنها، في مقاضاة أسرة باميلتون أغنياء.

فهز سلمون رأسه وقال: ليس الفقر وحده الذي منعه عن تولي القضية، بل إن هناك سببًا آخر وهو أنه عُيِّنَ مُصفيًا لتركة اللورد أفندال.

فأجفل مرميس لهذا النبأ، وجعل ينظر إليه بحذر.

فقال له السكرتير: وفوق ذلك، فإن المستر كوكلام يخاف مقاومة الجمعية الإنجليكانية، فإن قوتها في إنكلترا تشبه قوة الجزويت في فرنسا.

فنهض مرميس عند ذلك يحاول الخروج، وقال: أسألك العفو يا سيدي فقد أضعتُ وقتك الثمين فيما لا يفيد.

فأوقفه سلمون وقال له: إني غير المستر كوكلام، وبوسعي أن أسديك نصيحة، وهي أنك تخطئ خطأً رهيبًا إذا قاضيت هذه الأسرة أمام المحاكم.

ولكني لا أجد غير هذه الطريقة.

– ثم يجب أن تعلم أن القضايا كثيرة الإسهاب في هذه البلاد.

– إني أعرف ذلك حق العرفان، ولكني شديد الصبر، كثير المال.

– ثم يجب أن لا تنسى أنك تلميذ روكامبول.

فتراجع مرميس منذعرًا إلى الوراء وقال: أتعرف هذا أيضًا؟

– بل أعرف أنك أبله.

ثم رفع نظارته عن عينيه فذهل مرميس انذهالًا غريبًا، وقال في نفسه: إن العينين عينا روكامبول ولكن الوجه غير وجهه، ثم قال له بصوت يتهدج: كلا إن هذا محال … كلا … إنك لست …

– إني لا أزال أشد منك بدليل أنك لم تعرفني.

وعند ذلك سقط شاربه وشعر رأسه المستعار، فلم يبق لدى مرميس شيء من الشك إذ رأى أن الرجل الذي يكلمه هو روكامبول نفسه، وقد كان يحسبه من الأموات.

وكان تأثر مرميس قويًّا، حتى إنه أكب على روكامبول يعانقه ودموع السرور تنهل من عينيه.

أما روكامبول، فإنه أعاد شاربيه وشعر رأسه، ووضع النظارتين على عينيه.

ثم قال لمرميس: كفى بلاهة يا بني، فقد يتفق دخول أحد علينا ونحن في هذه الحال فنفتضح.

وبقي مرميس على تأثره ينظر إلى روكامبول كأنه لا يصدق أنه يراه ويقول: أنت. أنت روكامبول؟

– نعم أنا هو روكامبول الذي يبدأ فيقول لك: إن من كان مثلنا لا يلجأ بأعماله إلى المحاكم.

٢

وقد عاد روكامبول إلى تنكُّره فكان مرميس ينظر إليه نظرات الانذهال ويرى أنه لا يمكن أن يعرفه أحد وهو على هذا التنكر.

أما روكامبول فإنه ابتسم وقال له: إنك لم تكن تتوقع يا بُني أن تراني هنا.

– هذا لا ريب فيه.

– ألعلكم حسبتوني ميتًا؟

– أما أنا فلا، وأما فاندا، فإنها جعلت تبكي آناء الليل وأطراف النهار.

فارتعش روكامبول ارتعاشًا لم يخف على مرميس؛ فإنه كان يعلم منزلة فاندا من قلب روكامبول.

أما روكامبول فإنه حاول أن يخفي اضطرابه، فضغط على زر كهربائي، وبعد هنيهة دخل إليه أحد الموظفين فقال له: إني أتحدث مع حضرة هذا الزائر، بشأن خطير، فلا تدع أحدًا يدخل إليَّ، مهما اتفق.

فانحنى الموظف وهمَّ بالانصراف، فأوقفه روكامبول، أو المستر سلمون، وقال: إلا إذا جاء الأسقف بترس توين، فأدخله إلى قاعة الاستقبال، وأخبرني بقدومه.

وبعد انصراف الموظف قال روكامبول لمرميس: لقد خلا بنا المكان الآن فأخبرني كيف كان خروجكم من الدهليز.

– إن شوكنج أنقذنا.

ثم قص عليه جميع ما اتفق لهم، مما عرفه القراء في رواية (روكامبول في السجن).

وذكر له كيف أنهم تبعوا أثره وأثر ميلون إلى النافذة المطلة على النهر، وكيف أن فاندا كانت ولا تزال تعتقد أنه غرق، وأنه أي مرميس كان واثقًا في معتقده أنه لا يزال في قيد الحياة، وأنه لم يحتجب عن العصابة إلا لشأن خطير.

فلما أتم حكايته قال روكامبول: لقد أصبت في اعتقادك يا بني؛ لأني احتجبت لسبب بالغ الخطورة، ولذلك أريد أن أبقى ميتًا مؤقتًا في عُرف الجميع ما عداك.

– وفاندا؟

– وفاندا أيضًا.

فتنهد مرميس وأجاب: مسكينة فاندا … إني أخشى أن يقتلها اليأس.

– إنها قوية فلا أخاف عليها، ولكني أخشى أن تحاول أن تراني إذا علمت بوجودي وفي ذلك خطر هائل.

– ليكن ما تريد أيها الرئيس، ولكن ألا تريد أن تساعدنا في مهمة اللورد وليم؟

– ما هذه البلاهة يا مرميس؟ … وما شأني في هذا المكتب إلا لهذا الغرض؟

– ولكن … إذا كنت تريد أن تكون ميتًا، فكيف تستطيع مساعدتنا؟

– إذا كنت أنا ميتًا، فإنك لا تزال حيًّا لدى العصابة، ألقي إليك الأوامر فتنفذها.

– لقد أصبت فسأعمل حسب ما تريد.

– إذن، اعلم أنه لو لم يكن شأننا إلا مع اللادي باميلتون وأبيها السير أرشيبالد لكانت مهمتنا سهلة، ولكن عدونا قوي هائل.

– أتعني به الأسقف بترس توين؟

– هو وعصابته السوداء، فإنها تشبه جيشًا من البوليس، وهم لا يغفلون في الليل والنهار من البحث والتنقيب عن الرجل العبوس المحكوم عليه بالشنق كما تعلمون.

– ولكني أرى أنك تعرِّض نفسك للخطر بوجودك هنا.

فابتسم روكامبول ابتسامة تدل على استخفافه بالأخطار وقال: إذا كنت أنت لم تعرفني فكيف تخشى أن يعرفوني بهذا التنكر؟

– إني لا أراك مصيبًا في رأيك؛ فإن شعر رأسك وشاربيك قد يسقط اتفاقًا في ساعة سوء؛ فيفتضح أمرك وينكشف سرك.

– إنه يجدر بك بدلًا من أن تحدثني بهذه البلاهة أن تسألني كيف دخلت إلى هذا المكتب بهذه الصفة.

– إني مصغٍ إليك يا حضرة الرئيس.

– لقد قلتُ لك: إن المستر كوكلام صاحب هذا المكتب خلف المحامي سيمون قد عُيِّن مصفيًا لتركة اللورد أفندال.

– نعم أذكر ذلك.

– إن هذا الرجل لا يزال في مقتبل الشباب، وهو شريف الخُلق نقي القلب، ولكن الأسقف بترس توين، لا يريد أن تكون له هذه الصفات الحسنة.

– لماذا؟

– لأن اللورد أفندال، قبل قتله، وقَّع على صك بمبالغ طائلة لهذا الأسقف، مقابل إنقاذه من أخيه اللورد وليم، ومعاونته على سلب حقه، ولا بد للمستر كوكلام أن ينصر امرأة اللورد على الأسقف، فلما أيقن الأسقف من طهارة ذمة هذا المحامي، أراد أن يعين معه رجلًا يكون من أتباعه.

– ومن هو هذا الرجل؟

فأجابه روكامبول ببرود: هو أنا!

فقال مرميس بلهجة المنذهل: أنت هو؟!

فضحك روكامبول ضحكًا شديدًا، وقال: نعم أنا يا بني.

فأُعجب مرميس بدهائه، وقال: إننا مهما تَقَدَّمْنَا في حلبة الاختبار، ومهما عاركنا الدهر فإنك لا تزال رئيسنا الأعظم الذي نأتمر به.

فابتسم روكامبول وقال: أما هذا الأسقف فإنه من أهل الذكاء والدهاء والإقدام، ولكن ثقته بي شديدة، فهو ينصاع لي كل الانصياع، ويمتثل لكل ما أريد.

– ولكن …

فقطع عليه روكامبول الكلام قائلًا: اسكت.

ذلك أنه رأى الموظف قد فتح الباب، فدخل إليه وقال: إن الأسقف قد أقبل وهو في قاعة الانتظار.

– حسنًا فادخل به إليَّ.

فخرج الموظف وأسرع روكامبول ففتح بابًا في الغرفة التي هو فيها، يؤدي إلى غرفة أخرى وقال لمرميس: ادخل إلى هذه القاعة وأصغِ إلى حديثنا؛ فإن جدارها رقيق لا يحول دون سماعك ما نقول.

ثم رجع إلى مجلسه بعد أن أقفل الباب برفق، فدخل إليه الأسقف بعد هنيهة، وقال بعد التحية والسلام: ماذا ارتأيتَ؟

– إني تمعنتُ مليًّا بالأمر منذ أمس فرأيتُ أنه لا يمكن نزع أموال اللادي باميلتون على ما تظنه من السهولة.

– ولكن الأوراق التي بيدي قانونية لا ريب فيها.

– هو ذاك ولكن هذا السلاح الذي نتقلده قد نصاب به نحن.

– ماذا تعني بذلك؟

– اسمح لي يا سيدي في البدء أن أبسط الحالة التي نحن فيها.

– تكلم.

– إنك ساعدت اللورد أفندال على أخيه، وأنت تطلب الآن أجرة عملك بعد فوزك.

– دون شك.

– وأرى أنك تطلب مقادير عظيمة، تكاد تجرد اللادي باميلتون من ثروتها.

– نعم …

– ألا تخاف أنه إذا رأت هذه اللادي باميلتون الخراب بضياع ثروتها أن تتفق مع اللورد وليم المسجون في مستشفى بدلام؟ إنك أصبت بسجن هذا اللورد ستة أشهر، وأما الآن، فإن بقاءه في المستشفى خطر من أشد الأخطار.

– إني لا أفهم ما تقول.

– أصغِ إليَّ يا سيدي، تعلم جميع ما أعنيه، وأني لم أقل غير الصواب، فإنه يوجد في ذلك المستشفى رجل أدخل إليه مجنونًا، وهو الآن ليس من المجانين.

– مَن هو هذا الرجل؟

– هو إدوار كوكري.

– نعم.

– وهذا الرجل لم يُشْفَ فقط من الجنون، بل هو الآن من أشد الناس إخلاصًا للورد وليم.

– ماذا تقول؟

– أقول الحقيقة.

ثم أخذ دفترًا أمامه وأخرج منه مذكرة كتبت بالأرقام فقال: سأقرأ لك هذه المذكرة، وسوف ترى.

فقطب الأسقف حاجبيه، أما مرميس فلم تفته كلمة، من هذا الحديث.

٣

وكانت خلاصة هذه المذكرة كما يأتي:

إن المجنون ولتر بريس والمجنون إدوار كوكري، يعيشان في أتم ولاء، ويختليان سرية وهما يذكران في بعض الأحيان بصوت منخفض اسم بيتزي.

وأنتم تعلمون أن بيتزي قد هربت من المستشفى.

ومن المرجح أنهما لا يعرفان هذه المرأة، ولكنهما واثقان أنها استولت على إقرار برسي.

وقد ختمت هذه المذكرة أنهم بحثوا بحثًا دقيقًا في منزل بيتزي بعد موتها عن هذا الإقرار فلم يجدوا له أثرًا.

فلما أكمل روكامبول تلاوة هذه المذكرة نظر إليه الأسقف، وقال له: ماذا ترى؟

– أرى أنه قد يتفق أن يخطر للادي باميلتون، أن تتفق مع اللورد وليم، شقيق زوجها، على مبلغ معين من المال، فيتنازل لها تنازلًا قانونيًّا لا يرد.

– وبعد ذلك يخرج اللورد وليم من المستشفى فيكون لنا عدوان بدلًا من واحد.

– ألا تجد سبيلًا لاتقاء هذا الخطر؟

– لديَّ طريقة صالحة للتفريق بين اللورد وامرأة أخيه، فلا يجتمعان إلى الأبد؟

– كيف يتيسر لك ذلك؟

– إن حبس اللورد وليم لم يذهب بصوابه، كما كنتَ تتوقع، لأني موقن أن إحدى أخوات السجون تقابله وتطمئنه على امرأته وولديه، وعندي أنه يجب أن نسهل له أسباب الفرار من المستشفى.

– وبعد ذلك؟

– نعطيه خمسة آلاف جنيه، ونرسله إلى أستراليا مع باخرة يجد فيها امرأته وولديه.

– إن إطلاق سراحه سهل ميسور لديَّ، فلماذا تريد أن نسهِّل له أسباب الفرار؟

– لأنهم لو أطلقوا سراحه كما تقول، شكك في نياتنا، واتفق مع إدوار على إزعاجنا، أما إذا أيقن أنه خرج من المستشفى هاربًا فلا يبقى له إلا السعي لإيجاد امرأته وولديه.

– ومتى بات مطلق السراح أتظن أنه يوافق على السفر؟

– إني أتعهد بتسفيره.

– كيف تصنع؟

– أحمله على التوقيع على تسوية مزورة بينه وبين اللادي باميلتون.

– وهذه التسوية أيكون لها شأن؟

– على الإطلاق.

– ويسافر إلى أستراليا؟

– بحوالة مزورة على أحد صيارفة سدني، لأن مفاد هذه التسوية المزورة أن يقبض في أستراليا مدى الحياة خمسة آلاف جنيه في كل عام.

– وهذا الإيراد السنوي أيدفع له؟

– يدفع مرة واحدة في العام الأول فقط، وأما في العام الثاني فإنك تكون قد نلت من أموال هذه الأسرة ما أردت، ومتى بلغت قصدك فليفعل اللورد وليم وامرأة أخيه ما يريدان.

– الحق أنك من كيال الرجال، فقل لي الآن كيف تمهد وسائل الفرار للورد وليم.

– بكلمة بخطك تكتبها إلى مدير المستشفى، فهل تأذن لي يا سيدي الأسقف أن أملي عليك فتكتب؟

– أفعل.

ثم أخذ معدات الكتابة، وأملى عليه روكامبول ما يأتي:

رئيس الرسالة الإنجليكانية التي أنت أحد أعضائها السِّرِّيين يدعوك إلى مساعدة حامل هذه السطور في كل ما يريده.

فلما أتم كتابتها قال: وَقِّعْ عليها الآن بتوقيعك الخاص.

فكتب الأسقف في ذيل الرسالة الحرف الأول من اسمه، ورسم تحته شكل صليب وثلاث نقط، فأخذ روكامبول الرسالة ووضعها في جيبه.

فقال الأسقف: متى تذهب إلى المستشفى؟

– لا أذهب أنا بل أرسل رجلًا أثق به كل الثقة.

– ومتى نتقابل؟ وأين؟

– هنا بعد غد.

– ألا يكون هنا المحامي كوكلام؟

– كلا بل يكون في المجلس للمرافعة.

فنهض الأسقف وحاول الذهاب فمشى خطوة إلى الباب، ثم رجع روكامبول فقال: ألم يبلغك شيء عن الرجل العبوس؟

– الشائع أنه غرق.

– أتظن الإشاعة صحيحة؟

– إني لا أصدق شيئًا من هذه الإشاعات، ولا أزال أخشى الرجل العبوس، فإن توما لقيه في سجن نوايت، وأخبره بكل شيء، ولذلك لا هَمَّ لي الآن إلا أن أرى قريبًا، اللورد وليم وعائلته مسافرين إلى أستراليا.

– لقد أصبت يا سلمون، فإن الرجل العبوس هو الرجل الوحيد الذي أخشاه.

– وأنا أيضًا.

– أما عرفت تاريخ هذا الرجل الغامض؟

فقال روكامبول: إن ملخص ما عرفته عنه أن أمه كانت نورية، من أخبث أهل الشر والفساد، وأن أباه كان فرنسيًّا من أهل السلامة والخير فخرج في بدء أمره شريرًا فاسد الأخلاق كأمه، ثم رجع إلى أخلاق أبيه بعد أن ملأ الأرض شرورًا، وتاب توبة صادقة، فبات من أصدق أهل الصلاح.

– ألا تزال أمه في قيد الحياة؟

– كلا فقد ماتت في أواخر عهد الثورة أفظع موت.

فتنهد الأسقف وقال: إذن، أسرع ومهد سبل الفرار للورد.

– كن مطمئنًّا يا سيدي فما رائدنا إلا النجاح.

فودعه الأسقف وانصرف.

فلما بات خارج المكتب فتح روكامبول باب الغرفة التي كان فيها مرميس ودعاه إليه قائلًا: أسمعتَ الحديث؟

– لم تفتني كلمة منه فأعجبت بك كما أعجب بك الأسقف، غير أنه أشكل عليَّ أمر مما قلته للأسقف حين سألك عن الرجل العبوس فهل كانت أمك حقيقة من النور؟

– نعم فقد كانت من أفظع النساء وجميع ما قلته عنها أكيد، وسأخبركم بتاريخ هذه الأم الهائلة.

– أما الآن وقد سمعت حديثي مع الأسقف فقد علمت بلا ريب أني سأرسلك أنت بدلًا مني إلى مستشفى بدلام.

– أنا؟ ولكني لا أعلم شيئًا عن هذا المستشفى، ولم أفهم شيئًا من أسرار المهمة التي تعهد بها إليَّ.

فابتسم روكامبول وقال: سأعطيك التعليمات اللازمة.

ثم أقفل الباب بالزلاج كي لا يدخل إليهما أحد.

٤

كانت الساعة الثامنة من المساء وقد ادلهمَّ الظلام، واشتد الضباب وتكاثف بحيث لم تستطع أنوار الغاز النفوذ منه.

وكان رجلان يسيران بالقرب من بدلام، وهما مرميس وشوكنج.

وكان شوكنج يقول لمرميس: إن جميع ما قلته لي غريب نادر.

– كيف ذلك يا شوكنج؟

– ألا تعلم إذا كان الرجل العبوس ميتًا فيبكى أم حيًّا فيرجى؟

– كلا إني لا أعلم شيئًا من أمره.

– ولكنك ذهبت اليوم إلى مكتب المحامي كوكلام، كي تعهد إليه بالقضية.

– هو ذاك.

– إذن، فما بالك رجعت عن هذا القصد؟

– لأني وجدت طريقة أفضل من طريقة المقاضاة.

– إن جميع ما تقول يحملني على الظن أن الرجل العبوس حي.

– أية علاقة بين الرجل العبوس والمحامي كوكلام؟

– وجه العلاقة أنك رأيت الرجل العبوس وهو الذي حملك على الرجوع عن القضية.

– أصغِ إليَّ أيها الصديق، ألم يكن الاتفاق بيننا أنه حين غياب الرئيس تكون الزعامة لي ويجب عليكم الامتثال؟

– هو ذاك.

– إذن، فاصدع بما آمرك به، ولا تهتم إلا بما أقول لك.

– سأمتثل لكل ما تريد فقل ما يجب أن أصنع.

– يجب أن تذهب إلى كنيسة سانت جورج فتقابل بوابها الشيخ، وتخبره أنك آت من قبل توما.

– ولكن توما قد مات.

– لا بأس فإنها كلمة متفقون عليها.

– ماذا أقول له؟

– لا تقل شيئًا غير تلك الكلمة فمتى قلتها أعطاك حبلًا فتضع الحبل في جيبك وتأتي إليَّ.

– أين أراك؟

– إني أنتظرك حيث أنا الآن.

فذهب شوكنج إلى الكنيسة، وقال لبوابها ما لقنه إياه مرميس، فأعطاه الحبل قائلًا: أتدري ما هذا الحبل؟

– كلا.

– إنه الحبل الذي شُنق به توما وقد أعطاه للرجل العبوس؛ لأن حبل المشنوق يجلب السعادة، فتركه الرجل العبوس عند الأب صموئيل، ولو كان لي لكنت الآن من الأغنياء.

– كيف ذلك؟

– ذلك لأن مدير مستشفى بدلام الثاني ويدعى جوهن بيل دفع خمسة آلاف جنيه فما رضي الكاهن أن يبيعه.

– ماذا يرجو هذا المدير فوق ما له من أسباب الهناء في مركزه؟

– لا أعلم ولعل له به حاجة، وأنت يا شوكنج فماذا تريد أن تصنع بهذا الحبل؟

– لا أعلم فإني لم أطلبه لنفسي بل أمرت أن أحضره.

فتنهد البواب وأعطاه الحبل، فوضعه شوكنج تحت ثوبه، ورجع به إلى مرميس.

فعلم مرميس شوكنج ما يجب أن يصنع.

وبعد ربع ساعة كانا عند باب مستشفى بدلام، فتقدم شوكنج وقرع الباب، وقال مرميس: إني في انتظارك.

أما شوكنج فقد كان مرتديًا بتلك الملابس التي كان يلبسها حين كان يدعوه روكامبول اللورد ويلموت كما تقدم في الأجزاء السابقة، فلما فتح البواب باب المستشفى قال: ماذا تريد أيها المستر؟

فكبر ذلك على شوكنج وقال: إني لست مستر بل أنا لورد، فنادني بلقب اللوردية.

فاعتذر البواب ورجع إلى السؤال عما يريد، فأجاب: إني أريد أن أرى مدير المستشفى.

– أي المديرين تريد مقابلته يا حضرة الميلورد، فإن لهذا المستشفى مديرين.

– أعلاهما رتبة.

– إنهما متساويان.

– إذا كان ذلك فَسِرْ بي إلى أيهما شئت.

– أظن أن أحدهما، وهو المستر جوهن بيل، قد خرج لبعض الشئون فسأذهب بك إلى المدير الآخر، وهو المستر بلويت.

– كما تشاء.

ثم تقدمه البواب فسار في أثره حتى وصلا إلى غرفة المدير فقال البواب: تَفَضَّلْ يا حضرة الميلورد وقل لي اسمك كي أذكره للمدير.

فأجابه شوكنج بملء العظمة والجلال: إني أُدْعَى اللورد ويلموت.

فدخل البواب إلى غرفة المدير، ووقف شوكنج يُحَدِّثُ نفسه فيقول: إني سأفعل كل ما أمرني به مرميس، وأقول كل ما لقنني إياه، ولكن الحق أن هذا الغلام يعبث بي كما يشاء؛ فإني لم أفهم شيئًا من هذه الألغاز.

وعند ذلك فتح باب الغرفة، وخرج المدير نفسه لاستقبال شوكنج، فدخل به إلى قاعة الاستقبال.

ولما خلا بهما المكان قال المدير: بماذا يأمر سيدي اللورد فإني خادمه المطيع؟

– إني يا حضرة المدير غني بقدر ما أنا شقي تعس، فإني أرمل، ولم تلد لي امرأتي بنين غير أن لي ابن أخ كفلته وربيته فكان كولدي، وقد عرفت دون شك السبب بقدومي لزيارتك.

فنظر إليه المدير نظر المشفق وقال له: ألعله مجنون يا سيدي اللورد؟

– هو ذاك، واأسفاه، فقد أدبته خير تأديب، وعلمته خير علم، فهو يتكلم بجميع لغات أوروبا، وهو من الشعراء المجيدين في لغتنا الإنكليزية التي جعلها شكسبير من اللغات الخالدة.

– ولكن كيف جنونه يا سيدي؟

– إن جنونه بل ذهوله قد بدأ في باريس حين إقامته في تلك العاصمة، فقد كنت عينت له راتبًا سنويًّا قدره عشرة آلاف جنيه، فعاش عيش رخاء، بل عيش طيش أدى به إلى هذا الجنون، وكان السبب في جنونه كثرة تردده إلى الأوبرا.

– ألعله من أصحاب الأمزجة العصبية فأثرت به الموسيقى هذا التأثير؟!

– كلا، ولكنه كان يهوى إحدى المعنيات في الأوبرا، وقد أنفق عليها الملايين، وكان أحد الممثلين يهواها أيضًا، فاتفق ليلة أنه بينما كان جالسًا في لوجه فتح الستار فظهر هذا الممثل المنكود مشنوقًا بحبل.

فقال له المدير: ألعل دوره بالتمثيل كان يقضي عليه أن يشنق؟!

– كلا، بل شنق نفسه حقيقة ليأسه.

– وهذا الحادث أثر على ابن أخيك، إذ كان هو السبب في انتحار ذلك المنكود فجن؟

– كلا، فإن الناس يعتقدون أن حبل المشنوق يجلب السعادة فتهافتوا على شراء الحبل، فأصاب ابن أخي قطعة منه، وكان من المولعين بالمقامرة فاتفق أنه ربح مرارًا حتى يئس منه اللاعبون، وتآمروا عليه فسرقوا الحبل منه لاعتقادهم أنه السبب في ربحه، كما اتفق أنه خسر بعد سرقة الحبل.

فتنهد المدير وقال: إن لابن أخيك يا سيدي شبيهًا في جنونه.

– ألعله يوجد لديك مصاب بهذا النوع من الجنون؟

– كلا يا سيدي، ولكن المصاب به زميلي في الإدارة وهو المستر جوهن بيل. إنك يا سيدي قد تعجب لهذا الأمر، ولكن مدير مستشفى المجانين نفسه مجنون.

والغريب أنه لا يوجد من يصدق جنونه؛ فإني ذهبت إلى اللورد المحافظ، وقصصت عليه الأمر سرًّا، فقال: لا بد لي من فحصه.

ثم جاء إلى المستشفى وباحثه مليًّا، فظهر أمامه بأتم مظاهر العقل، حتى إن اللورد حين انصرافه قال لي: إن كان يوجد بينكما مجنون، فأنت هو ذلك المجنون، ولا شك أنك اتهمته هذه التهمة كي تستقل في إدارة المستشفى.

فقال له شوكنج: إذن، إن جنونه منحصر بحبل المشنوق.

– هو ذاك، فإذا حدثته بغير هذا الحديث، فلا تجد منه غير العقل المتزن الرجيح.

– ومن أين أتاه هذا العارض؟

– إنه إرلندي الأصل، ولكنه ولد في لندرا، وهو يعتقد أنه من الأشراف وأن أسرته من أغنى الأسرات، غير أنه بروتستانتي مثلنا، وهو يقول إن الإرلنديين قد اضطهدوا جده فاضطر إلى الفرار من إيرلندا بعد أن دفن ثروة طائلة في أراضيه الواسعة.

وقد رسخ هذا الاعتقاد في ذهن جوهن بيل زميلي في الإدارة، حتى إنه سافر منذ ثلاثة أعوام إلى إرلندا باحثًا عن تلك الثروة المدفونة في أراضي أسرته، فوجد أن الأراضي قد بيعت، فالتمس من صاحبها الجديد أن يأذن له بالبحث فيها، فأذن له وبحث بحثًا دقيقًا فلم يجد شيئًا، فرجع إلى لندرا، وكاد ينسى أمر هذه الثروة.

غير أنه لنكد طالعه اشتهر في تلك الأيام رجل صناعته التنويم ومعرفة الغيب، وقرأ عنه في الجرائد أخبارًا غريبة نادرة، فذهب إليه وسأله أن ينومه ويسأله عن تلك الثروة.

فقال شوكنج: وماذا أجابه؟

– أكد له لسوء بخته أن الثروة موجودة، وأنها فوق ما كان يقدرها، ويوجد مع المال المدفون أوراق تثبت حقه بهذا المال، وله الحق أيضًا بلقب اللوردية، ولكن لا يتيسر له إيجاد هذه الثروة إلا إذا كان لديه حبل مشنوق، وقد بدأ جنونه منذ ذلك اليوم.

– ولكني لا أجد الحصول على الحبل صعبًا إلى هذا الحد.

– إنك منخدع يا سيدي، فإن الشنق في سجن نوايت نادر، وفوق ذلك فإذا شُنق مجرم تسابق الأغنياء إلى شراء الحبل الذي شُنق به بالمزايدة.

وليس زميلي من الأغنياء، ومن ذلك أنهم شنقوا حديثًا رجلًا يدعى توما، فأفرغ جوهن بيل جهده كي يتحصل على قطعة من هذا الحبل، فذهبت مساعيه أدراج الرياح، لأن هذا الجبل كان لدى بواب كنيسة سانت جورج، وقد طلب ثمنه خمسة آلاف جنيه.

فابتسم شوكنج عند ذلك ابتسامة معنوية.

فقال له المدير: لماذا تبتسم يا سيدي؟

– أتم حديثك فسأخبرك بعد فراغك عن السبب.

– أما جوهن بيل فلم يستكثر الثمن ولكنه فقير، ليس له غير راتبه، غير أن العالم لا يخلو من أهل البلاهة في كل مكان، فقد وجد من يسلفه هذا المبلغ بشرط أن يرده إليه أربعة أضعاف حين يجد الثروة التي ينشدها.

فقال شوكنج: إذن، تمكن من شراء الحبل؟

– كلا، يا سيدي، فإنه حين عاد بالمال إلى بواب الكنيسة أبى أن يبيع الحبل.

– لماذا؟

– أنت تعلم يا سيدي اللورد تعصب الإرلنديين، إن رئيس هذا البواب أمره أن لا يبيع الحبل إلا لأمثاله من الكاثوليك.

فضحك شوكنج أيضًا …

أما المدير فإنه قطب حاجبيه وقال له: لماذا تضحك يا سيدي هذا الضحك؟

– ذلك لأني أعرف قصة هذا الحبل، وأعرف البواب الذي باعه بسبعة آلاف جنيه بدلًا من خمسة.

– لمن؟

– لي أنا.

ثم أخرج الحبل من جيبه فدهش المدير، وقال: أتعتقد أنت يا سيدي ما يعتقده سائر الناس بحبل المشنوق؟

– إني لا أعتقد بشيء من هذا على الإطلاق.

– إذن، كيف اشتريت الحبل يا سيدي بهذا المبلغ الجسيم؟

– لأن لي خطة أحب أن أوقفك عليها، وأرجو أن تفيدني في شفاء ابن أخي …

– إني مصغ إليك يا سيدي.

– إنك عارف بطبع المجانين، بلا ريب، فهل تظن أنه إن امتلك ابن أخي الحبل، ووثق أنه حبل مشنوق أيشفى من الهوس؟

– لا أظن يا سيدي …

– إذن، قد ذهب المال الذي أنفقته ضياعًا.

– هذا الذي كنت أخشاه.

– ولكني أرجو أن أستفيد من هذا الحبل بعض الاستفادة.

– كيف ذلك يا سيدي؟

– إني أجعله وسيلة لإدخال ابن أخي إلى المستشفى.

– بأية طريقة؟

– إنه لا يوافق على الإقامة في مستشفى المجانين لاعتقاده بسلامة عقله، وإني أشفق من استعمال القوة، فاسمع ما خطر لي.

– إني كلي آذان للسمع يا سيدي.

٥

قبل أن يبدأ شوكنج الحديث قال له المدير: ألعلك واثق أن هذا الحبل حبل مشنوق؟

– كل الثقة فانظر، إن العقدة التي عقدها كالكراف الجلاد لا تزال على حالها، وفوق ذلك، فإن بواب الكنيسة ليس من المخادعين.

– إذن، ستحضر غدًا ابن أخيك إلى هنا …

– بل أحضره الآن فإنه ينتظرني في المركبة عند الباب الخارجي، فإني لم أتمكن من إحضاره إلا بالحيلة.

– كيف فعلت؟

– إن ابن أخي كان يعلم أن الحبل في حوزة بواب الكنيسة، وقد قلت له: إني ذهبت إلى البواب كي أشتري الحبل، وإني أتيت بعد فوات الأوان؛ فإن مدير مستشفى بدلام قد سبقك واشتراه.

فقال لي ابن أخي: يجب أن تشتري الحبل من المدير وأن تدفع له قدر ما يشاء.

فقلت له: سأفعل كل ما تريد، وجئت به إلى هنا بحجة شراء الحبل من المدير، وهو لا يعلم أن الحبل في جيبي، ولما كنت أريد أن أخلو بك في البدء وأطلعك على الحقيقة فقد أبقيته في مركبتي عند الباب.

– لقد أحسنت، والآن فكيف رأيت أن تدخله؟

– سأقول له: إنك متردد في بيع الحبل وأدعوه ليدخل إليك فيساومك عساك تقبل …

– إنها طريقة صالحة لإدخاله، ولكن كيف يبقى في المستشفى؟

– لقد وجدت طريقة صاحة أيضًا، وهي أن زميلك جوهن بيل خارج المستشفى كما قلت لي، أليس كذلك؟

– بلى.

– إذن، تظهر الحبل لابن أخي حين يجتمع بك وتقول له: إنك لا تستطيع الموافقة على البيع إلا بعد موافقة زميلك، فمتى علم أنه غائب فهو ينتظر دون شك إلى أن يرجع.

– إنها خير طريقة يا سيدي، فمتى تجيء به؟

– في الحال …

ثم خرج شوكنج فشيعه المدير إلى الباب، وبعد أن انصرف دعا اثنين من حرس السجن وقال لهما: إنهم سوف يأتوننا بمجنون فاختبئا في هذه الغرفة المجاورة لغرفتي إذ لا نعلم ما يكون.

أما شوكنج فإنه ذهب إلى مرميس، فقال له مرميس: ماذا حدث؟

– قُضِيَ الأمر.

– أهم ينتظرونني؟

– دون شك.

– مع أي المديرين كان حديثك؟

– مع المستر بلونت.

– إذن، إن الأمور تجري من نفسها.

– كيف ذلك؟

فقال له مرميس: اقنع أيها الصديق بتنفيذ ما أقوله لك، ولا تهتم بما بقي، فاعتبر شوكنج أنه أهين وقال: ولكني أرى أمورًا لا أفهمها.

فأجاب بجفاء: لا يجب أن تفهمها.

وأطرق شوكنج برأسه ودخل الاثنان إلى المستشفى. كان مرميس طلق المحيا باسم الثغر، فلما لقي المدير قال: أخبرني عمي اللورد ويلموت يا سيدي أنك أبيت أن تتخلى لنا عن الحبل الذي لديك.

ففحصه المدير باعتناء وقال: ذلك لأني وزميلي جوهن بيل قد اشتريناه بثمن جسيم.

– كم هو هذا المبلغ الجسيم؟

– خمسة آلاف جنيه.

– وأنا أدفع لكم عشرة آلاف، فهل يرضيك هذا الثمن؟

– إنه ثمن موافق، ولكن …

– ولكن ماذا، ألا تزال تتردد؟

– نعم ولا سيدي.

– كيف ذلك؟

– ذلك أني رضيت البيع، ولكني لا أعلم ما يكون من شريكي، إذ لا أستطيع أن أبيعه دون مصادقته.

– لقد عرفت ذلك، ولكن شريكك لا يبطئ في الرجوع إلى المستشفى.

– دون شك ولا بد أن يكون هنا بعد ساعة.

– حسنًا فسأنتظره إن أذنت لي.

ثم نظر إلى شوكنج وقال: موعد فتح البرلمان قد حان يا عمي العزيز، ولا أحب أن تتأخر عن حضور الجلسة.

– أأبقيك وحدك هنا؟

– لا بأس يا عماه فإني حين أشتري الحبل أوافيك.

– ليكن ما تريد.

ثم قام فودع المدير وهو يبتسم ابتسامة معنوية وانصرف.

فلما خلا المكان بالمدير وبمرميس قال له المدير: أتأذن لي يا سيدي أن أقدم لك الشاي.

– مع الشكر؛ فإني أحب أن أحدثك هنيهة يا سيدي المدير.

– مر بما تشاء …

فغير مرميس لهجته، وقال: إن عمي يا سيدي المدير من أهل الحماقة والبلاهة؛ فإنه قد مثل الدور الذي عهدت إليه أن يمثله أمام زميلك.

فاضطرب المدير وقال: ماذا تعني بذلك؟

– إنه أحضر لك الحبل.

فدهش المدير وأخرج مرميس عند ذلك من جيبه الكتاب الذي أعطاه إياه روكامبول بخط الأسقف فعرضه عليه وقال: أتعرف هذا الخط والتوقيع؟

فأخذ المدير الرسالة، وقرأ ما يأتي:

إن الجمعية التي أنت أحد أعضائها السريين تأمرك أن تسهل لحامل هذه الرسالة كل ما يريد.

فلم يكد يقرأها ويرى التوقيع حتى ارتعش، ونظر إلى مرميس نظرة الإعجاب فقال: إذن، أنت يا سيدي لست بمجنون؟

فضحك مرميس وقال: كلا فإني سليم العقل بحمد الله، ولا أشتري هذا الحبل بثلاثة شلنات، ولكني كنت في اضطرار إلى الاجتماع بك والاتفاق معه.

– على أي شيء يا سيدي؟

– أولًا على الطريقة التي نستطيع بها أن نتصرف بزميلك جوهن بيل كما نشاء، وهذا الحبل خير طريقة.

– وبعد ذلك؟

– إني أريد تمهيد سبيل الفرار لأحد المسجونين في هذا المستشفى، وهذه الرسالة تأمرك أن تطيعني، أليس كذلك؟

– دون شك يا سيدي، فسأمتثل لك كل الامتثال.

٦

ولم يدر أحد ما جرى بين مرميس والمدير، غير أن المدير أصدر أمره بعد ساعتين إلى حارسين من حراس المستشفى، فأخذا مرميس إلى إحدى غرف المجانين، وأمرهما أن يراقباه أتم المراقبة.

فلم يبد من مرميس أقل مقاومة غير أنه طلب أن يلف حبل المشنوق حوله وسطه.

وكان المستر بلونت أمر الحراس أن يخبروه حين قدوم زميله جوهن، وأن بين هذين المديرين تحاسدًا غريبًا ولَّده حب الاستقلال، فإن كلًّا منهما كان يقول في نفسه: إن إنكلترا تحكمها ملكة واحدة فلماذا هذا المستشفى يتولاه مديران؟ أليس من الأفضل أن يعزل زميلي وأن أستقل بالإدارة وحدي؟

ولم يكونا يجتمعان إلا في الشئون الخطيرة، فبعد ساعة حضر جوهن، فذهب إليه بلونت وقال له: إني آسف لخروجك من المستشفى اليوم.

– لماذا؟

– لأنه دخل إليه مجنون جديد.

– ألم تدخله إليه؟

– بلى.

– إذن، فما وجه الأسف؟

– هو رجل خطير، فهو ابن أخ اللورد ويلموت.

– إني لم أسمع هذا الاسم بين أسماء اللوردية.

– لا عجب في ذلك فإنه يوجد في لندرا ستمائة لورد، ولكن هذا اللورد من أعظمهم ثروة فإنه دفع عشرة آلاف جنيه ثمن حبل مشنوق.

فوقف جوهن وقد اضطرب لهذا الخبر وسأل: ماذا تقول؟

– الحقيقة.

– اللورد ويلموت اشترى الحبل الذي شنق به توما؟

– ليس هو الذي اشتراه، بل ابن أخيه.

– ألعله مجنون؟

– بل في أتم العقل.

– إذن، كيف أدخلته إلى المستشفى؟

– لأن أسرته أكبرت شراءه قطعة حبل بهذا المبلغ الجسيم.

– إذن، هو عمه الذي أدخله إلى المستشفى.

– نعم …

– ولكننا لا نستطيع ارتكاب هذه الفظاعة زمنًا طويلًا فإن هذا المستشفى خاص بالمجانين فلا يسجن به العقلاء مراعاة لعائلاتهم.

– لا أنكر ذلك ولكن الأطباء يظنون أنه مجنون.

– إذا كان ذلك فأنا أيضًا من المجانين.

– إني لا أقول عنك هذا القول.

– ولكنك تعلم شدة ميلي إلى شراء هذا الحبل فممن اشتراه؟

– من بواب كنيسة سانت جورج.

– ولكن هذا المنافق أقسم لي أنه لا يبيعه لأحد.

– هذا ما اتفق، فإن الحبل بات الآن في قبضة السير أرثير أي ابن أخي اللورد ويلموت.

– ألعل الحبل معه الآن؟

– إنه طوق به وسطه لشدة حرصه عليه.

فأطرق جوهن هنيهة مفكرًا ثم قال: إني أحب أن أرى هذا الرجل.

– إنه نائم وستراه غدًا.

– كلا فسأوقظه إذا كان نائمًا كما تقول، ففي أية غرفة وضعته؟

– في الغرفة التي نمرتها ١٧.

فخرج عند ذلك ذاهبًا إليها لا يلوي على أحد.

أما المستر بلونت فإنه ابتسم بعد انصراف زميله وقال: إنه بات أشد جنونًا من جميع من لدينا من المجانين.

•••

وذهب المستر جوهن إلى الغرفة التي يقيم فيها مرميس فوجده لا يزال ساهرًا، وقد جلس يكتب فوق منضدة فقال: أأنت الذي يدعى السير أرثير؟

فنظر إليه مرميس دون اكتراث، وقال: نعم أنا هو.

– وأنا أدعى جوهن بيل أحد مديري المستشفى.

– ولكن هذا المستشفى خاص بالمجانين، وأنا لست بمجنون.

– وأنا أرى ما تراه يا سيدي.

فبرقت عينا مرميس بأشعة الفرح وقال: أحقًّا ما تقول؟

وكان الحراس واقفين، فجعلوا يضحكون؛ لتعودهم سماع مثل هذه الأقوال، فقال لهم بلهجة الآمر: اذهبوا في شئونكم فليس لي بكم حاجة.

٧

فلما انصرف الحارس وبقي وحده مع مرميس قال له: إني أرى يا سيدي أنك لست بمجنون.

– دون شك.

– ومع ذلك فإن عائلتك أدخلتك إلى هذا المستشفى، فلو كنت مكانك لطلبتُ إطلاق سراحي عن يد القضاء.

– إنه يوجد في إنكلترا بين المجانين من يعرف أن يثبت الجنون، وإن عائلتي قد اتخذت احتياطها دون شك.

فضرب جوهن الأرض برجليه مغضبًا، وقال: إني لا أطيق أن أكون شريك المجرمين بهذا الإثم.

فتنهد مرميس وقال: واأسفاه يا سيدي إني لا أجد طريقة للخروج من هنا إلا بالفرار.

فاضطرب جوهن وقال: الفرار؟ إن هذا محال يا سيدي.

– لماذا؟

– لأني إن أذنت لك بالفرار أكون مخلًّا بواجباتي.

فضحك مرميس وقال: ولكنك معتقد كما أرى أني لست بمجنون.

– هذا لا ريب فيه عندي.

– أما أنا فإني أعتقد أن حبل المشنوق يجلب السعادة، فلا بد لي إذن من النجاة لأني أحمل هذا الحبل.

– أحقيقة أن لديك هذا الحبل؟

– هذا هو.

ثم فتح ثوبه وظهر الحبل ملتفًّا على وسطه.

أما جوهن فإنه حملق بعينيه وقال: حبذا لو كان هذا الحبل لي، فقد كنت أغدو به أغنى الأغنياء.

– كيف ذلك؟

فقص عليه جوهن عند ذلك خبر الثروة المدفونة في إرلندا وما قاله له ذلك الرجل المشتغل في التنويم، وهو أنه لا يتمكن من إيجاد الثروة المدفونة إلا إذا كان له حبل مشنوق.

فقال له مرميس: أأنت واثق من فائدة الحبل؟

– كما أثق بأشعة الشمس، ألا تتفضل عليَّ يا سيدي بإعارتي هذا الحبل؟

– كلا، إنه لن يفارق وسطي ما زلت في قيد الحياة.

– إذن، بعني إياه.

– إنك لو دفعت لي به مائة ألف جنيه لما بعته.

فصاح جوهن صيحة يأس وهمَّ بالانصراف، غير أن مرميس أوقفه وقال: أصغ يا سيدي فقد يمكن لنا أن نتفق.

فعاد الرجاء إلى قلب المدير وقال له: كيف ذلك؟

– كم راتبك في العام؟

– ألف جنيه.

– إنه راتب قليل لا يكاد يكفي نفقاتك.

– هو ذاك، ولكني سأستقيل حين أجد الثروة الضائعة.

– ولماذا لا تستقيل الآن؟

– ذلك لأني لم أجد الثروة.

– وإذا أعطيتك الحبل الذي معي؟

– أجد الثروة دون شك.

– إذن، لنهرب معًا من هذا المستشفى.

– وبعد ذلك؟

– نذهب معًا إلى إرلندا ونبحث عن هذه الثروة فإن لم نجدها عدت معك إلى المستشفى.

فتمعن جوهن هنيهة ثم قال: إن ما تقترحه عليَّ محال، ولكن يوجد طريقة صالحة لبلوغ المراد، وهي أن الأطباء قرروا أن الأسفار تفيد غالبًا في شفاء المجانين، وقد التمست الإذن مرات كثيرة بالسفر مع بعض الذين كنت أرجو لهم الشفاء من المجانين، فكانوا يأذنون لي.

– إذن، ستلتمس هذ الإذن الآن للسفر معي.

– هو ذاك.

– إنما يجب أن لا تعلم عائلتي بشيء من هذا، ثم إن الوقت غير متسع لدينا، فإننا نسافر غدًا.

– ما تعني بذلك؟

– أعني أنه يوجد في هذا المستشفى مجنون لي معه شأن خاص، وأحب أن يصحبنا في هذه الرحلة.

– أية فائدة ترجوها؟

– إني أصغيت إلى حديثك، ورجائي أن تصغي إلى حديثي.

فقال له المدير: قل يا سيدي ما تشاء.

وقد كان معولًا على تضحية كل ما يستطيع تضحيته بشرط أن ينال الحبل.

فقال له مرميس: إنك تعلم يا سيدي المدير أن هذا الحبل الذي معي قد شنق به رجل يدعى توما، وأن توما وهب حبله قبل شنقه إلى بواب كنيسة سانت جورج.

– نعم أعلم ذلك، وأن البواب قد باعك الحبل.

– ولكنه لم يبعني إياه إلا بشرط، وهو أن أُخرج من المستشفى رجلًا منكودًا يدعى اللورد باميلتون.

فظهرت علائم الرعب على وجه المدير وقال: إن ما تطلبه مستحيل.

– لماذا؟

– لأن اللورد وليم حقيقة مجنون.

– لا أنكر ذلك.

– وإن الذين أدخلوه إلى هنا من أشد الناس هولًا.

– تريد أنك لا تتحمل هذه التبعة.

– كلا.

– إني أمهلك فتمعن بالأمر.

– لا فائدة بالتمعن فإن ذلك لن يكون …

– يسوءني أن أرى منك هذا الإباء، فإني تعهدت لبواب الكنيسة أن أُخرج هذا الرجل المظلوم من محبسه.

– ولكني، إن وافقتك فيما تريد، أخللتُ بواجباتي، بل كنتُ من المجانين.

– شأنك وما تريد، غير أنك إن لم توافقني لا تنال الحبل.

فجعل العرق البارد ينصبُّ من جبين المدير، وقد ظهرت عليه علائم اليأس.

فقال له مرميس: لقد حان وقت الرقاد يا سيدي فأذن لي أن أنام، وتمعن في الأمر كما قلتُ لك.

٨

وفي اليوم التالي نزل مرميس إلى الساحة التي يجتمع فيها المجانين، وكان قد تنكر حين دخوله إلى المستشفى بحيث لم يعد يعرفه أحد، فأجال نظر الفاحص بين أولئك المجتمعين، فرأى رجلًا لا يزال في مقتبل الشباب قد اعتزلهم وجلس وحده على مقعد، وقد حمل رأسه بين يديه وتاه في مهامه التفكير.

فقال مرميس في نفسه: أظن أنه الرجل الذي أبحث عنه.

ثم رأى رجلًا آخر قد دنا منه، فلما رآه الرجل الجالس بش إليه، وبرقت أسرَّة وجهه.

وتبودلت التحية بين الاثنين، فسمع مرميس أحدهما دعا رفيقه باسم إدوار، والآخر حياه بلقب ميلورد، فلم يعد لديه شك.

وجلس الرجلان يتحدثان بصوت منخفض.

فدنا منهما مرميس، فلما رأياه يدنو منهما أجفلا، وحاولا أن يذهبا.

غير أن مرميس أسرع إليهما وقال لأحدهما: أسألك المعذرة يا حضرة الميلورد.

فارتعش اللورد وقال: إنك مخطئ يا سيدي، فما أنا بلورد، بل إني أدعى ولتر بريس ليس إلا.

– أنت تدعى الآن ولتر بريس، كما كنتَ تُدعى من قبل اللورد وليم باميلتون.

وكان مرميس يكلمه بلهجة تشف على الاحترام الشديد، فقال له اللورد: من أنت أيها الرجل الذي يعرفني؟

– إني صديق يا سيدي اللورد.

فأجابه بلهجة القانط: ليس لي أصدقاء.

– إنك مخطئ يا سيدي اللورد، فإن توما قد أرسلني.

– إن توما قد مات.

– هو ذا، ولكنه أخبرني بكل شيء قبل موته.

فخفق قلب اللورد حين تذكر اسم توما وقال: أين اجتمعت بتوما؟

– إني لم أره، ولكني رأيتُ امرأته بيتزي.

– أعرفت بيتزي؟

– عرفتُها يا سيدي قبيل وفاتها.

فصاح اللورد وإدوار صيحة يأس عند مفاجأتها بهذا الخبر وقال إدوار: هو ذا آخر شعاع من أشعة رجائنا قد انطفأ.

فأجابه مرميس إنك مخطئ باسترسالك إلى اليأس، فإن بيتزي قد تحصلت قبل موتها على الأوراق التي كانت مخبوءة في منزلك.

فنظر إدوار بحذر وقال: كيف عرفت هذا؟

– إن الأوراق عندي، وقد عرفت منها كل حكاية اللورد وليم.

فقال له اللورد: قل لنا من أنت؟

– إني يا سيدي رجل دخل إلى هذا المستشفى لإخراجك منه.

فدُهش اللورد، وقال: تخرجني أنا؟

– نعم يا سيدي.

فأجابه اللورد بصوت مختنق: إن الهزء بالتعساء إلى هذا الحد منكر من أشد المنكرات.

فقال مرميس: إني لست من الهازئين، يا سيدي، كما أنك لستَ من المجانين.

– دون ريب.

– وهذا رفيقك إدوار دخل إلى المستشفى مجنونًا، ثم شُفي من جنونه.

– هو ما تقول.

– إذن، أحدقا بي، أتجدان بين ملامحي ما يدل على الجنون؟

– كلا، ولكنك مع ذلك في مستشفى المجانين.

– إني دخلت إليه بملء خاطري خصيصًا لأجلك.

– لأجلي أنا؟

– نعم إني أتيت لأنقذك.

– ولكن …

فقطع مرميس حديثه قائلًا: بل لأجمعك بزوجتك وولديك.

فلم يكد هذا اللورد المنكود يسمع ذكر زوجته وولديه حتى هاجت به عاطفة الحنان وسالت دموعه.

وتابع حديثه قائلًا: لا تبكي يا سيدي اللورد، فإن زوجتك وولديك في مأمن من كل طارئ.

– أحقًّا ما تقول … أتقسم لي؟

– إني أقسم لك يا سيدي أنهم في أتم هناء.

فرفع اللورد عينيه إلى السماء وشكر الله.

– وستكون قريبًا بينهم.

فاختلج اللورد وقال: أظن أني من الحالمين.

– بل هي الحقيقة يا سيدي اللورد، فأرجوك أن تخفف روعك، وتصغي إليَّ.

– ولكن قل لي: من أنت؟

– ألم تسمع يا سيدي باسم الرجل العبوس.

– كلا.

فقال إدوار: أنا أعرفه، وأعرف أن الأسقف بترس توين لم يكن يخاف إلاه.

– إذن، فاعلما أن الرجل العبوس لقي توما في السجن، ووعده أن ينقذ اللورد وليم.

فقال اللورد: رباه أهذا من الممكنات؟

– إنه لا يريد أن ينقذك فقط، بل هو يريد أن يرجع إليك ثروتك ولقبك.

فقال له إدوار: أحقًّا ما تقول يا سيدي، إن الرجل العبوس يتولى أمرنا؟

– أقسم لكما أني صادق فيما أقول، وأنا آت من قبله.

فالتفت إدوار إلى اللورد، وقال له: إذن، أبشرك يا سيدي بالفوز، فإن هذا الرجل العبوس، لم يقدم على شيء، إلا وكان فيه من الفائزين.

٩

ورجع مرميس إلى الحديث فقال: إن الرجل العبوس هو الذي أرسلني.

وكرر اللورد السؤال قائلًا: من أنت؟

– إن اسمي لا يفيدك شيئًا يا سيدي، فاكتف أن تعلم أني أخضع كل الخضوع لهذا الرجل الذي يدعوه الإنكليز الرجل العبوس، ونسميه نحن الفرنسيين باسم آخر.

– إذن، هو الرجل العبوس الذي أرسلك؟

– نعم يا سيدي، وإنما أرسلني كي أبلغك أن تكون على استعداد للخروج من هنا.

فهز وليم رأسه وقال: لقد حاول كثيرون الخروج من هذا المستشفى، بل بالحري من هذا السجن فما وجدوا لذلك سبيلًا.

– ولكننا نحن نخرج منه.

– كيف؟

– نخرج من الباب الكبير وفي طالعة النهار.

– بأية طريقة تخرج؟

– إني لا أستطيع اليوم أن أزيد حرفًا على الذي قلتُه، كي لا أخالف الرجل العبوس.

وكان إدوار لا يزال مشككًا في أقواله فسأل: ولكن من يضمن لنا يا سيدي أنك آت من قِبل الرجل العبوس؟

– أتريدون برهانًا على ذلك؟

فقال اللورد: نعم، وبعد هذا البرهان نمتثل لك في كل ما تريد.

فمد يده إلى جيبه، وأخرج خاتمًا وأراه لإدوار، فلما رآه عرفه، وقال: إن هذا خاتمي.

– نعم، وهو ذلك الخاتم الذي أعطيته إلى بيتزي أليس كذلك؟

– بلى، وأنا واثق بك الآن كل الثقة.

أما اللورد فإنه قال له: ومن الذي يضمن لنا أن بيتزي لم تكن أسيرة في يدي أعدائي؟

– إذا صح ما تقول، فقد وجب أيضًا أن تكون الأوراق بأيدي أعدائك، وهي الأوراق التي تُرجع لك ثروتك المسلوبة، وأية فائدة لهم أن يخرجوك من سجنك؟

فلم يستطع اللورد أن يدحض هذا البرهان، فمد يده إليه قائلًا: إني واثق بك، وأنا منذ الآن أفعل كل ما تريد.

وعند ذلك أقبل المدير جوهن بيل، فقال لهما مرميس: إني ذاهب لأحيي المدير.

– احذر منه فهو شديد العنف والقسوة، وقد حاولت مرة أن أحكي له حكايتي فغضب عليَّ، وأمر أن يضعوني في السجن.

وقال إدوار: وأنا شرحتُ له شأني فأمر بجلدي.

فضحك مرميس وقال: أمَّا أنا فسوف ترون أنه لا يحدث لي شيء من ذلك.

ثم تركهما وسار إلى المدير.

كان جوهن يسير مطرق الرأس مفكرًا مهمومًا، فلما رأى مرميس يحييه ابتسم له وقال: أهذا أنت يا سير أرثر؟

– نعم يا سيدي المدير فهل تمعنت فيما اقترحته عليك البارحة؟

فظهرت علائم الغضب عليه وقال: إني سأؤدب بواب الكنيسة شر تأديب فقد مكر بي.

– إنه لم يمكر بك، ولكنك دفعتَ خمسة آلاف جنيه ودفعتُ له أنا عشرة آلاف فباعني إياه، فأين هو وجه المكر؟ إن كل إنسان في مكانه يفعل فعله، وعندي أنه خير لك أن تتمعن فيما اقترحتُه عليك بدلًا من أن تغضب.

فتنهد وقال: واأسفاه إن هذا محال.

– لماذا؟

فخفض جوهن صوته، وقال: أراك رجلًا شريفًا يا سيدي لا تخل بما تتعهد به، فهل تتعهد لي أن لا تبوح بما سأقوله لك؟

– إني أقسم بشرفي على الكتمان.

– إذن، اعلم أن هذا الشخص الذي نريد إخراجه من المستشفى، هو اللورد وليم باميلتون حقيقة، وما هو بمجنون، ولكنه مقضي عليه أن يموت في هذا السجن.

– من قضى عليه هذا القضاء؟

– جمعية البعثات الإنجليكانية، وأنت تعلم ما لها من النفوذ بلا ريب.

– نعم إنها تشبه الجزويت في فرنسا، ألعلك تخشى هذه الطائفة؟

– أخافها كما أخاف الموت.

فضحك مرميس وقال: إذا كان هذا الحائل بينك وبين الحبل، فهو لك.

– ماذا تعني بذلك؟

وقد اتقدت عيناه ببارق الأمل، فقال له مرميس: أعطني معدات الكتابة.

– وبعد ذلك؟

– أكتب كتابًا، وأعطيك إياه فترسله إلى صاحبه.

– ولكن …

– هذا كل الذي أستطيع أن أقوله، وسوف ترى النتيجة.

– إذن، تعال إلى مكتبي.

ثم تأبط ذراعه دون كلفة، وسار وإياه.

١٠

وقد دُهش المجانين دهشًا عظيمًا، حين رأوا مرميس يسير مع المدير متأبطًا ذراعه.

وأما مرميس فإنه دخل برفقة المدير إلى المكتب، ثم أخذ ورقة وكتب فيها سطورًا كثيرة، والمدير واقف وراءه ينظر إلى ما يكتب، ولا يفهم شيئًا.

فسأل: ما هذه اللغة الغريبة التي تكتب بها الآن؟

– إنهم يسمونها اللغة الجافانية.

– ولكن إلى من تكتب؟

– سوف ترى.

ولمَّا فرغ من الكتابة أخذ غلافًا، وكتب فوقه هذا العنوان:

بتر نوستر ١٧، المسيو بيردث سكرتير المحامي كوكلام.

ثم وضع الكتاب في طي الغلاف، وأعطاه للمدير قائلًا: إذا وصل هذا الكتاب إلى صاحبه فرجائي وطيد أننا نسافر غدًا.

– أنصحب معنا اللورد وليم أم نبقيه هنا؟

– بل نأخذه هو وإدوار كوركي أيضًا.

– ولكن أية فائدة من إخراج هذا الرجل أيضًا؟

– هذا الذي أريده، فإما أن تقبل فتأخذ الحبل، أو ترفض فيبقى الحبل لي.

فاضطرب المدير في أمره وقال: ولكن أية علاقة بين سكرتير المحامي كوكلام وبين شركات البعثات الإنجليكانية؟

– سوف ترى في هذا المساء.

ثم تركه وانصرف.

أما المدير فقد كان عرضة للهياج الشديد، فكان يسير ذهابًا وإيابًا بخطوات غير متزنة ويقول: الحبل … الحبل … لا بد لي من نيل الحبل.

وبعد أن مضت ساعة على إرسال الكتاب الذي كتبه مرميس إلى روكامبول، فتح باب غرفة المدير جوهن بيل فجأة، ودخل إليه المدير الثاني زميله، وهو مضطرب فقال: إني لديَّ الآن شأن خطير يجب أن أباحثك فيه.

– ما عسى أن يكون هذا الشأن؟

– تعلم أن لدينا سجينًا يجب علينا أن نحرص عليه حرصًا خاصًّا.

– لدينا كثيرون من أمثاله.

– أنا أعني ولتر بريس.

– بل تعني اللورد وليم باميلتون.

– سمِّه كما تشاء، فإن ناظر الحقانية أصدر إلينا أمرًا مشددًا بأن لا ندع أحدًا يراه من الخارج، فإذا أهملنا شيئًا من هذه الأوامر، قضي علينا بالعزل.

– وبعد ذلك؟

– أقبلت الآن امرأة تلحُّ في مقابلة اللورد وليم أتعلم من هي هذه المرأة؟ إنها اللادي باميلتون امرأة أخي اللورد وليم.

فذهل جوهن بيل وقال: أهذا ممكن، وبماذا أجبتها؟

– إني أبيت أن آذن لها بمقابلته.

– ولكن هذه المرأة وزوجها هما اللذان أدخلا اللورد وليم إلى هذا المستشفى، فلا أجد مانعًا من إدخالها إليه.

– ولكني أحببت أن لا أبتَّ في شأنها قبل أن أستشيرك.

وبينما المديران يفكران دخل إليهما أحد الحراس يحمل رقعة زيارة الأسقف بترس توين.

فاضطرب جوهن وقال: ماذا عسى أن يريد منا؟

وكان كلاهما يعرفان منزلة هذا الأسقف، فأسرعا إلى استقباله بملء الاحترام.

أما الأسقف فإنه قال لهما بعد أن جلس بينهما: إني أرسلت إليكما منذ حين أمرًا مشددًا من ناظر العدلية يقضي بمراقبة ولتر بريس.

ثم نظر نظرة خاصة إلى جوهن بيل وقال: إن هذا الرجل يدَّعي أنه اللورد وليم باميلتون، مع أن هذا اللورد مات كما يعلم الجميع، ولكن هذا الشقي يحاول مقاضاة أسرة اللورد أفندال، وقد أرسل مذكرة إلى اللادي باميلتون، لا أعلم كيف تمكن من إرسالها، فذعرت اللادي لما رأت فيها من الإنذار، وفوق ذلك، فقد أثرت عليها هذه المذكرة حتى أوشكت أن تزعزع اعتقادها.

ولا يبعد أن تزور هذا الرجل وتقف منه على حقيقة ما قرأته في مذكرته من المختلقات الغريبة.

فقال بلونت: ولكنها أتت يا سيدي.

فتظاهر الأسقف بالاضطراب وقال: أحقًّا ما تقول؟

– نعم يا سيدي، فقد أتت من نصف ساعة.

– وهل اجتمعت به؟

– كلا فقد حلت دون قصدها؛ لأن الأوامر كانت قد وردت إليَّ، ولكنها سوف ترجع غدًا.

– احذر أن تراه.

– بل يصعب عليَّ أن أمنعها بعد الآن.

– كيف ذلك؟

– إنها سترجع إليَّ بأمر من ناظر العدلية.

فقطب الأسقف عند ذلك حاجبيه وقال: إنها تستطيع الحصول على الأمر، ولكن كيف العمل، ألا يوجد طريقة تمنع اجتماعهما؟

فقال جوهن عند ذلك: يوجد طريقة صالحة يا سيدي وهي أن آخذ هذا الرجل.

– إلى أين؟

– إن الأسفار تفيد في شفاء المجانين بعض الأحيان، وقد اعتدت أن أسافر ببعضهم كل عام، وسيكون هذا الشخص بين الذين أسافر بهم من المجانين.

– وتسافر غدًا؟

– بل أسافر الليلة إذا شئت.

– إذن، ليكن سفرك في المساء.

فاتقدت عينا جوهن ببارق السرور، وذكر الحبل وأنه سيناله دون أن تقع عليه تبعة فرار اللورد وليم.

غير أنه حاول التفصيل نهائيا فقال للأسقف: ولكني أجد بعض الخطر في تحقيق ذاك القصد.

– أي خطر تعني؟

– إني سأسافر بالمجانين إلى إرلندا، وليس لي هناك سلطة عليهم كما لي في إنكلترا.

– ماذا تعني؟

– إن ولتر بريس هذا رجل شديد العزم قوي البنية ثابت الإرادة، فقد يتمكن هناك من الفرار وأكون أنا المسئول عنه.

– لا تخف تبعة فراره، وفوق ذلك فإني أؤثر أن يهرب على أن يجتمع باللادي باميلتون، فلا تخف، وسافر به وبمن شئت في المساء.

وبعد هنيهة خرج الأسقف فأوصله المدير بلونت إلى الباب، فابتسم الأسقف وقال: مسكين رفيقك فلم يطل وقت سقوطه في الفخ.

– ذلك لأن الرجل الذي أرسلته إلينا كان من الماهرين النابغين.

– يظهر أنه كما تقول.

– كيف تقول ذلك ألم تعرفه يا سيدي؟

– كلا.

– إذن، من الذي أرسله إلى هنا؟

– رجل حازم أعتمد عليه في أعمالي.

– إذن، لم تره؟

– كيف أكون رأيته وقد قلت لك إني لا أعرفه.

– أتريد أن تراه؟

– لا فائدة من ذلك لأن الوقت غير فسيح لديَّ الآن.

ثم انصرف وهو فرح القلب مما رآه من حسن النتائج.

١١

وبعد أن ذهب الأسقف أسرع جوهن بيل إلى مرميس والفرح يملأ قلبه فقال: لديَّ نبأ عظيم سأرويه لك.

– ما هو؟

– هو أنه لم يعد يبقى لدينا حائل دون السفر ولا شيء يمنعني أن أصحب معي ولتر بريس.

– تريد أن تقول اللورد وليم.

– نعم.

– بقي سؤال ألقيه إليك، وهو أني أحب أن أقف على رأيك بهذا الرجل.

– رأيي أني واثق من صدق حكايته وأنه من العار أن تحدث هذه الفظائع الشائنة في بلاد الحرية والعدل والدستور.

– ولكنك كنت آلة في يد تلك الأسرة، التي ظلمت ذلك اللورد النبيل.

– لست أنا يا سيدي الذي أخدمها في أغراضها السافلة، بل هو ناظر العدلية ولا بد لي من الخضوع له مكرهًا، واأسفاه.

– إذن، ناظر العدلية الذي أذن لك أن تصحب معك اللورد وليم.

– بل الأسقف بترس توين ولكنهما واحد.

ففتح مرميس سترته بغير اعتناء فرأى جوهن الحبل مشدودًا في وسطه فزاد هياجه وقال: أتعلم أننا مسافرون في هذه الليلة بقطار ليفربول؟

فأجاب ببرود: أحقًّا ما تقول؟

– نعم وإنما اخترت طريق ليفربول لأنها أقرب الطرق إلى إرلندا.

– وأنا مستعد الآن للسفر وإياكم.

فلما فرغ جوهن من قص النبأ المفرح عاد إلى أماني نفسه فقال: إني أثق بما قاله لي المنوم على الحبل كما أثق بأشعة الشمس.

فابتسم مرميس وقال: ابحث عن غير هذه الاستعارة في التعبير عن ثقتك فإن أشعة الشمس يندر وجودها في هذه البلاد.

– لقد أصبت، وإنما أردت أن أقول إن ثقتي به شديدة، فسأجد كنوز آبائي بفضل ذاك الحبل.

– وأنا أعتقد اعتقادك.

– بل إنني سأجد أيضًا، دون شك، مع تلك الكنوز البراءة المثبتة أني من اللوردية، فيكون لي الحق، عند ذلك، بالعضوية في المجلس الأعلى، وأدافع عند ذلك عن إرلندا خير دفاع، وأحمل على ناظر العدلية حملات منكرة.

– إذن، لقد عولت على الأخذ بناصر اللورد وليم.

– دون شك.

فعض مرميس شفتيه كي لا يضحك وقال في نفسه: لقد أخطأ روكامبول بتخوفه من أن لا نستطيع ضم هذا الرجل إلينا، في حين أنه يخدمنا أكثر مما نخدم أنفسنا.

وعاد جوهن إلى الحديث فقال: إذن، لقد تم الاتفاق على أن نسافر في هذه الليلة.

– دون شك.

فحك جوهن أذنه وقال: لم يعد يشغلني غير شيء واحد.

– ما هو؟

– كيف نحتال على اللورد وليم، فإني أخشى أن لا يوافقنا على السفر.

– أنا أتعهد به.

– وإدوار ألا تزال مصرًّا على إخراجه أيضًا؟

– لست أنا الذي أصر على ذلك، فليس لي به أقل شأن، ولكن هو بواب الكنيسة صاحب الحبل، فقد جعل ذاك الشرط من أخص شروطه، حين باعني إياه.

– إذن، سنصحبه معنا، بل إني أفعل كل الذي تريده، من أجل ذاك الحبل.

وقد غلب السرور فجعل يرقص في الغرفة، فلم يوقفه عن الرقص غير سماعه خطوات أحد الحراس.

فقال مرميس في نفسه: ما أليق هذا الرجل لإدارة مستشفيات الجنون فإنه أشد جنونًا من المجانين الذين يتولى شفاءهم.

وعند ذلك طرق الباب، ففتحه جوهن فرأى أحد الحراس يحمل بيده رقعة زيارة اللورد ويلموت أي شوكنج.

فقال لمرميس: إني أخشى أن يخطر لعمك أن يخرجك الآن من المستشفى.

– وإذا أخرجني منه؟

– إذا أخرجك منه فكيف تسافر معنا الليلة؟

– بل أسافر، فأنت تجدني في الساعة الثامنة، أنتظرك في محطة شارع كروس.

– أتعدني بذلك؟

– بل أقسم لك فاطمئن.

١٢

وكان شوكنج ينتظر في قاعة الاستقبال، فلما دخل إليه مرميس رأى علائم الاضطراب بادية في وجهه، فضحك وقال: لم أكن أتوقع زيارتك.

– وأنا لم يكن في نيتي الحضور.

ثم نظر نظرة الفاحص إلى ما حواليه وقال: ألعلنا وحدنا، فلا يسمع حديثنا أحد؟

– نعم، فقل ماذا حدث؟

– لا أعلم شيئًا فقد فعلت أمس كل ما أمرتني أن أفعله، ولكني أقول لك إني أعمل عمل الآلة وأنقل ما تلقيه إليَّ، فشأني معك شأن الببغاء، ولكني لا أفهم شيئًا من كل الذي يحدث.

– ذلك لأنه لا يجب أن تعلم شيئًا، فقل الآن ماذا حدث.

– حدث شيء بسيط بالظاهر، وهو أني كنت أتنزه في ستراند فشعرت بيد وضعت على كتفي، فرأيت رجلًا لم أكن رأيته قبل هذه المرة.

– اذكر لي ملامح الرجل وشكله.

– إنه أشقر يضع على عينيه نظارة زرقاء ويحمل محفظة أوراق، وهو من رجال القضاء دون شك.

فابتسم مرميس إذ علم أن ذاك الرجل هو روكامبول وقال له: أأنت واثق أنك لم تر الرجل قبل الآن؟

– كل الوثوق، فلماذا تسألني هذا السؤال؟

– لأني ظننت أنك قد تكون رأيت الرجل، فإني عرفت من ذكرته لي من شكله.

– من هو؟

– هو سكرتير المحامي كوكلام، فماذا قال لك؟

– قال لي كلمة دُهِشْتُ لها فإنه ناداني بلقب لورد مع أني كنت لابسًا ثيابي العادية، فنظرت إليه منذهلًا، وقلت له: أتهزأ بي أيها الرجل، فإني لست لوردًا بل إن اسمي شوكنج؟!

– هو ذاك ولكنك تدعى أيضًا اللورد ويلموت.

– كيف عرفتَ ذلك؟

– بل إنك سَجَنْتَ أمس ابن أخيك السير أرثر.

– هذا أكيد ولكن كيف عرفت ذلك؟

– ذلك لا يفيدك، ولكني أحب أن أعهد إليك برسالة.

– لمن أللسير أرثر؟

– للسير أرثر أو لمرميس، فإن كليهما واحد، أرأيت كيف أني واقف على الحقيقة؟

فقال مرميس: وهل أعطاك الرسالة؟

– نعم وعهد إليَّ أن أسرع في إيصالها إليك، وهذه هي.

فأخذها مرميس، وكانت مكتوبة باللغة الجافانية فقرأ ما يأتي:

أرسلت إلى السجن امرأة من أتباعي بصفة أنها اللادي باميلتون، فذعر الأسقف لاعتقاده أنها اللادي باميلتون حقيقة، فأذن لجوهن بيل بالسفر مع اللورد وليم.

فإذا سافرتم هذا المساء فاشتر من محطة شرنج كروس جريدة البال مال غازيت من بائع الكتب المقيم في المحطة، فإنك تجد في الجريدة رسالة، وفي الرسالة التعليمات التي يجب أن تجري عليها.

وكان شوكنج يذوب شوقًا لمعرفة ما تضمنته تلك الرسالة.

ولكن مرميس لم يجد فائدة من إيقافه على مضمونها: فطواها ووضعها في جيبه.

فقال له شوكنج: أتأذن أن أسألك سؤالًا.

– إني أجيبك عنه إن استطعت فسل.

– كيف أن ذاك الرجل، الذي لم أره في حياتي، عهد إليَّ بمثل تلك المهمة؟

– لأن هذا الرجل يعرفك كما تعرفه أنت أيضًا.

– ولكني قلت لك إن هذه أول مرة رأيته فيها.

– وأنا أقول لك عكس ما تقول فقد عرفته حق العرفان.

فارتعش شوكنج، أما مرميس فإنه ابتسم وقال له: بل إنك تعرفه، وعشت معه زمنًا طويلًا.

فاضطرب شوكنج وقال: كلا، إن هذا محال … كلا، لا يمكن أن يكون …

وقد كاد يذكر اسم روكامبول فأسكته مرميس، وقال له: اذهب الآن من حيث أتيت.

– متى يجب أن أعود.

– لا تعد إليَّ بعد الآن فإني سأخرج من بدلام في المساء.

– إلى أين تذهب؟

– إلى محطة لفربول مع اللورد وليم وإدوار.

فزادت دهشة شوكنج وقال: وبعد ذلك؟!

– نسافر إلى لفربول ومنها إلى إرلندا.

– وأنا وفاندا ماذا يجب أن نصنع؟

– يجب أن تبقيا في لندرا إلى أن أكتب لكما إذا وجبت الكتابة.

فصغرت نفس شوكنج في عينيه، وكبرت عليه تلك الأسرار فقال: أرى أن خدمتكم باتت مزعجة بعد التكتم الغريب.

فلم تظهر على وجه مرميس علامات الاستياء لهذا التقريع بل قال له: إني إذا كنت أتكتم أيها الصديق، ذلك لأني أجهل تلك الأسرار كما تجهلها أنت، وإني أتلقى الأوامر غامضة كما تتلقاها.

فصاح شوكنج صيحة فرح وقال: لقد عرفت الآن من هو ذاك الرجل الذي أرسلني إليك.

فأسكته مرميس بجفاء، وأمره أن ينصرف لفوره.

فانصرف شوكنج ورجع مرميس إلى اللورد وليم وإدوار، وأخبرهما أن السفر سيكون في المساء.

وفي الساعة السابعة والنصف كانت مركبة ضخمة واقفة على باب المستشفى وقد نقلت أمتعة جوهن بيل، ثم خرج ذلك المدير من المستشفى يتبعه اللورد وليم وإدوار ومرميس.

وكان المدير الثاني المسيو بلونت خرج لوداع زميله، وكلاهما يفيض وجهه بشرًا، هذا لانطلاق يده في إدارة المستشفى بعد سفر زميله، وذاك لاعتقاده أنه سيظفر بملايين آبائه بعد أن ظفر بضالته المنشودة وهي حبل المشنوق.

ثم سارت بهم المركبة إلى محطة ليفربول، حتى وصلت إليها.

وبينما كانوا يشتغلون بنقل الأمتعة من المركبة إلى القطار، ذهب مرميس إلى مكتبة المحطة كي يشتري الجريدة كما أوصاه روكامبول، فرأى صاحبها جالسًا حول منضدة، وعلى عينيه نظارات سوداء، وقد وضع رأسه بين يديه وهو تائه في مهامه التفكير.

فأيقظه مرميس من هواجسه وقال: ألعله بقي لديك يا سيدي نسخة من جريدة البال مال غازيت؟

فارتعش الرجل، وأزاح النظارة عن عينيه، فلما رآه مرميس صاح صيحة دهش وقال: ميلون؟

فأجابه ذلك الشيخ خادم روكامبول الأمين: نعم أنا هو كما ترى، إذ لا أزال في قيد الحياة.

ثم أعاد النظارة إلى عينيه.

١٣

وعند ذلك أعطاه ميلون الجريدة ونظر إلى الساعة وقال: لا يزال لدينا نصف ساعة لسفر القطار فلنتحدث.

– قل أيها الصديق …

– لقد علمت دون شك أنه لم يكتب رسالة في تلك الجريدة.

– كيف ذلك؟ ألا يوجد رسالة فيها؟

– كلا.

– إذن، أين أجد تلك التعليمات؟

– في الجريدة.

– كيف ذاك؟

– إنك تبحث في صفحاتها فتجد بين سطورها كلمات متفرقة وضع تحتها خطوط حمراء، فإن جمعت هذه الكلمات ورتبتها حسب ورودها مبتدئًا من أول الجريدة تألف منها رسالة تجد فيها التعليمات التي يجب أن تسير عليها.

– لقد فهمت.

– وقد اتخذ الرئيس هذا الاحتياط وهو يخشى أن تصلوا إلى المحطة حين سفر القطار فلا أستطيع مباحثتك، ولكن الوقت لا يزال فسيحًا لدينا فاسمع خلاصة التعليمات.

إنك ستبلغ لفربول غدًا صباحًا فتجد هناك باخرة ستسافر قبل جميع البواخر الراسية إلى دبلين، واسم الباخرة كريمي، وربانها من أصحابنا.

– إذن، سنسافر إلى إرلندا.

– كلا بل تذهبون إلى جزيرة مان.

– وهناك ما نصنع؟

– إني لا أستطيع أن أقول لك كل شيء الآن، فإني أرى جوهن بيل يدنو منا، ولكني أخبرك أنه يوجد في الجزيرة امرأة تشتغل بالتنويم.

– أيجب أن نذهب إليها؟

– نعم، وهي تخبركم أين تجدون الكنوز التي يبحث عنها جوهن بيل.

– ولكننا غير ذاهبين إلى إرلندا كما تقول.

– كفى فإنك تعلم البقية من الجريدة.

وعند ذلك وصل إليهما جوهن بيل، فدفع مرميس ثمن الجريدة ووضعها في جيبه.

ثم تأبط ذراع جوهن بيل، وقال له وهو يسير: إنني حادثت صاحب هذه المكتبة فأخبرني بأمر لم نكن نعرفه.

– ما هو؟!

– أن الباخرة التي سنسافر عليها لا بد لها أن ترسو في جزيرة مان مثل جميع البواخر المسافرة إلى إرلندا، وأنه يوجد في هذه الجزيرة امرأة اشتهرت شهرة غريبة في عجائب التنويم.

– أي فائدة بقيت لنا من المنومين بعد أن حصلت على الحبل؟!

– ولكنها تعيننا على إيجاد كنوزك، فإن شهرتها بعيدة، ويقال: إنها وجدت كثيرًا من الكنوز المدفونة.

– أحقًّا ما تقول؟!

– هذا ما قاله لي بائع الكتب.

فأطرق جوهن مفكرًا، ولم ينتبه من هواجسه إلا حين سمع الجرس المؤذن بسفر القطار إليه مع رفاقه.

وفي الساعة السابعة من صباح اليوم التالي وصلوا إلى أدمبرج، فوجدوا أن الباخرة كريمي ترفع مراسيها في الساعة التاسعة، وأنها مسافرة قبل جميع البواخر الراسية في الميناء، فأسرعوا إليها جميعهم.

ولما أقلعت السفينة أخذ مرميس الجريدة، وفحص ما فيها، حتى إذا حل رموزها ذهب يبحث عن رُبَّان السفينة.

أما جوهن بيل فإنه كان يحلم بسعادته المقبلة، وقد اختلى بغرفته وجعل يناجي نفسه بتلك الكنوز.

١٤

ولنعد الآن إلى الأسقف بترس توين، فإنه بعد أن خرج من مستشفى بدلام ذهب توًّا إلى مكتب المحامي كوكلام فلم يجده فيه، بل وجد سكرتيره بليدت أي روكامبول.

فاستقبله روكامبول مبتسمًا وقال له: إني أعلم ما تريد أن تقوله لي.

– ما تعلم …؟

– إن اللادي باميلتون خرجت إلى مستشفى بدلام.

فعجب الأسقف وقال: أعرفت هذا …؟

– بل عرفتُ كل شيء فإنها طلبت مقابلة اللورد وليم، ولكن المديرين أبيا أن يأذنا لها بمقابلته.

– هو ما تقول.

– وإن اللادي عزمت على العودة غدًا، ولكنها لا تجده، فإن جوهن بيل فر به هذا المساء.

– إننا نجونا منه والحمد لله.

– ولكنك تعلم أن هذا اللورد سليم العقل وأن المجنون هو ذلك المدير الذي يصحبه.

– أعلم ذلك يقينًا فما تريد به …؟

– أريد أن جنون المدير يسهل فرار اللورد.

– ليفر إلى أين شاء بشرط أن لا يعود إلى إرلندا.

– ولكنه إذا ما تمكن من الفرار، فلا شك أن أول خاطر يخطر له العودة إليها.

ورأى روكامبول أن الأسقف قد قطب حاجبيه فقال له: ولكني قد اتخذت الاحتياطات، وأعطيت التعليمات اللازمة لذلك الرجل الذي يمثل دور السير أرثير.

– ألعلك رأيته اليوم؟

– كلا، بل أرسلت إليه تعليماتي.

فاطمأن بال الأسقف وقال له: لندع الآن اللورد وليم وجوهن بيل، ولنتحدث بأمر آخر، فإن اللادي باميلتون قد ذهبت إلى بدلام، وفي ذلك دليل على أنها تريد الاتفاق معه وتأبى أن تدفع لي.

– دون شك، ولكني أستطيع إكراهها على الدفع بالمقاضاة.

– كم ينبغي لذلك من الزمن؟

– إن المحامي العادي لا يستطيع إنجاز هذه المهمة قبل عامين، أما أنا فإني أتمها بمدة ثلاثة أشهر.

– أتعدني بذلك؟

فبرقت أسرَّة وجهه ثم عاد إلى التقطيب فقال: إني إذن أعتمد عليك كل الاعتماد، فإني مسافر إلى فرنسا حيث أقيم فيها بضعة أيام.

– أتأذن لي يا سيدي، بسؤالك عن السبب الذي يدعوك إلى زيارة فرنسا؟

– إني أحاول الوقوف على أثر رجل لا أخشى سواه في هذا الوجود وهو الرجل العبوس فإنه الخصم الوحيد القوي الذي لقيته في حياتي.

– أتظن أنه سافر إلى فرنسا؟

– نعم، فقد أكد لي ذلك أحد رجال بوليسي السري ولي به ملء الثقة.

– إذن، سافر يا سيدي، وأنا أشرع بالحصول على إرث اللورد أفندال.

وعند ذلك ودعه وانصرف، فابتسم روكامبول وقال: إنك لم تظفر به أيها الأبله وقد ظفر بك.

أما الأسقف فإنه ركب مركبته، وأمر السائق أن يسير به إلى المنزل.

ولما وصلت به المركبة إلى أكسفورد تقابلت مع مركبة أخرى، فسمع الأسقف صوتًا يناديه، فعرف أنه السير أرشيبالد والد اللادي باميلتون.

أما السير أرشيبالد فإنه نزل من مركبته وأسرع إلى الأسقف فقال له بعد التحية: إلى أين أنت ذاهب يا سيدي؟

– إني عائد إلى منزلي.

– أرجو أن تأذن لي بمرافقتك، فإن لديَّ أمورًا كثيرة أحب أن أحدثك عنها.

ثم صعد إلى المركبة فجلس بجانبه وأمر السائق أن يسير.

ودار بين الاثنين الحديث الآتي: قال السير أرشيبالد: إني عائد يا سيدي من إيكوسيا فإني رافقت ابنتي اللادي باميلتون إليها.

فذهل الأسقف وقال: أنت ذهبت بابنتك اللادي إلى إيكوسيا؟

– نعم يا سيدي الأسقف …

– متى سافرتما إليها؟

– منذ خمسة أيام.

– ومتى عدت منها؟

– اليوم.

– وابنتك أعادت معك؟

– كلا، بل بقيت هناك.

فنظر إليه الأسقف نظرة إنكار وقال: أراك تجرؤ على الهزء بي.

فاهتز السير أرشيبالد لكلام الأسقف وقال: كيف خطر لك أني أهزأ بك؟ ولِمَ هذا الهزء؟

– لا أعلم، ولكني أثبت ما قلته، فإن اللادي باميلتون ليست في إيكوسيا كما تقول بل في لندرا.

– إنك مخطئ يا سيدي الأسقف.

– كلا، بل إني أثبت ذلك بالبرهان.

– إذا كان ذلك فأنت الذي تهزأ بي يا سيدي، ولستُ أنا، فإني أعيد عليك ما قلته فإن اللادي باميلتون بعيدة مائة مرحلة عن إرلندا.

فهز الأسقف كتفيه وقال: أرى يا سيدي أنه يجدر بك أن تكلمني بجلاء؛ فإن الجلاء أصلح في هذه الشئون.

– قل يا سيدي فإني مصغ إليك.

– إنك وابنتك تعلمان يقينًا أني أنا الذي أنقذتكم من ولتر بريس.

– نحن شاكرون لك هذا الصنيع.

– ثم إنك تعلم أن هذه الجمعية العظيمة التي أتولى رئاستها العليا لا تخدم الناس لمجرد حب الله، وأن اللورد أفندال تعهد لي كتابة بمبلغ من تلك الثروة التي حفظتها له.

– نحن مستعدون لدفع ما تعهد به اللورد.

– أحقًّا ما تقول؟

– كل الحق يا سيدي، فإنك تعلم أني من كبار الأغنياء وأني لم أطمع بمال اللورد حين صاهرته، بل بجاهه.

– إذن، أنت عازم على أن تدفع لي تلك المبالغ الجسيمة التي تعهد لي اللورد أفندال بدفعها؟

– دون شك.

فانذهل الأسقف لما رآه من التناقض.

ثم أطرق رأسه هنيهة وقال: إذن، قل لي لماذا أرادت اللادي باميلتون مقابلة ولتر بريس، أي اللورد وليم؟

– لا أعلم أنها خطر لها هذا الخاطر.

– إذن، قد كان ذلك دون أن تعلم.

– دون شك ولذلك أدهشتني بهذا الخبر الغريب، فمتى حاولت مقابلته؟

– اليوم.

– ولكن هذا محال يا سيدي، فقد قلت لك إنها في إيكوسيا منذ خمسة أيام وما أنا من الكاذبين.

وتبين الأسقف دلائل الصدق الأكيد من لهجته وحار في أمره فقال له: ولكني أؤكد لك أن امرأة ذهبت اليوم إلى بدلام فقالت: إنها اللادي باميلتون وإنها تريد مقابلة ولتر بريس.

– إني لا أستطيع حل هذا اللغز، ولا أدري أية شقية تجاسرت على انتحال اسم ابنتي.

فلم يجبه الأسقف بشيء، ولكن مر في باله خاطر سريع وجفت له أعضاؤه، فقد تذكر أن حاكم سجن نوايت كان قد وضع الرجل العبوس حين كان سجينًا في غرفة واحدة مع توما قبل إعدامه وقال في نفسه: لا بد أن يكون أخبر الرجل العبوس بحكاية اللورد وليم، وأن الرجل العبوس تولى الانتصار له، ودليل ذلك أن امرأة تنكرت باسم اللادي، وأرادت مقابلة اللورد، فلا بد أنه يوجد من يهتم لهذا الرجل، وقد يكون هذا من صنع الرجل العبوس.

غير أن الأسقف لم يجاهر بمخاوفه أمام السير أرشيبالد بل قال: إني وثقت بكلامك يا سيدي، ولكني أؤثر ألف مرة أن تكون خدعتني.

– لماذا يا سيدي؟

وكانت المركبة وقفت عندها أمام باب منزل الأسقف فقال له: هلم بنا إلى منزلي فأخبرك بكل شيء.

ولما دخلا أسرع أحد الخدم إلى الأسقف وقال له: إن البوليس سكوتوي قد خرج الآن بعد أن انتظرك مدة طويلة، وقد ترك لك رسالة يا سيدي.

– أين هي؟

– على المستوقد في غرفتك.

فذهب الأسقف إلى غرفته، وقرأ الرسالة فقرأ ما يأتي:

لقد وجدت أثر الرجل العبوس فاطمئن.

إنه، يا سيدي، يضع فوق عينيه نظارة زرقاء ويلبس شعرًا مستعارًا أشقر، وهو يسمي نفسه، بليدت سلمون، ويشتغل في مكتب المحامي كوكلام.

إني أنتظر أوامرك.

فسقط الكتاب من يد الأسقف وقد اصفر وجهه حتى بات كالأموات فقال: لا شك أني لست من رجال هذا الشيطان المريد، فإنه يهزأ بي منذ خمسة عشر يومًا ويلعب بي كما يلعب الصبيان بالكرة.

ثم سقط على كرسيه واهن القوى وقد كاد يغمى عليه.

١٥

وجعل كل من الاثنين ينظر إلى الآخر، أما الأسقف فقد كان خائر القوى منخلع القلب، أما السير أرشيبالد فلم يكن قد فهم شيئًا من ذلك الكتاب، ولكنه أيقن مما رآه من انقلاب الأسقف أنه حدث أمر هائل.

فقال له: ماذا حدث يا سيدي؟

فانفجر الغضب في قلب الأسقف وقال: أتريد أن تعلم ما حدث؟

– نعم …

– إذن، فاسمع … إنك كنت تعتقد بي إلى الآن أني من أهل الذكاء والمهارة ولكنك منخدع يا سيدي.

ثم ضحك ضحكًا مغضبًا وقال: بل إني أبله ضعيف العقل، فإني منذ ثلاثة أسابيع اصطفيت رجلًا، وجعلته موضع ثقتي، فكان يعبث بي كما يشاء دون أن أعلم، فإن هذا الرجل كان ألد عدو لي وأنا أحسبه خير صديق، أتريد الآن أن تعلم ما حدث؟

إن اللادي باميلتون لم تذهب إلى المستشفى كما كنت أعتقد، واللورد وليم خرج من ذلك المستشفى.

فاضطرب السير أرشيبالد وقال: كيف خرج؟ وإلى أين ذهب؟

– إنه الآن في الطريق إلى لندرا.

ثم جعل يمشي في الغرفة ذهابًا وإيابًا بخطوات غير موزونة.

فسأله السير أرشيبالد: ما أصابك فإني أراك كالمجانين؟

– إني لم أجن بعد ولكني سأجن.

– ولكن كيف يمكن اللورد مبارحة المستشفى؟

– … لأني فتحت له بابه.

فنظر إليه أرشيبالد بملء الانذهال وقال: أنت أطلقت سراحه بيدك؟

– نعم … فإن هذا الرجل الذي وثقت به قد خدعني شر خداع ثلاثة أسابيع متوالية بحيث وثقت به كل الثقة، وبت لا أحيد عن رأيه، وهذا الرجل قد آلى على نفسه أن يرد للورد وليم ثروته وألقابه.

– إن هذا محال.

– ولكنه الحقيقة.

– وعند ذلك طرق الباب فسكت الأسقف، وأمر الطارق أن يدخل، ففتح الباب ودخل منه ذلك البوليس السري، وقال: أسألك المعذرة يا سيدي لقدومي إليك الآن، فقد رأيت مركبة وقفت عند بابك، فما أخطأ ظني أنها تقلك وأتيت أخبرك …

– حسنًا فعلتَ بقدومك فإني كنت أنتظرك.

– أقرأت الكتاب؟

– نعم، فهل أنت واثق أن الرجل العبوس وبرديت واحد؟

– كل الثقة، وهو يقيم في زقاق ضيق في شارع باترنوستر، فإن دخل إلى منزله في المساء نزع شعره المستعار.

– أيقيم وحده في المنزل؟

– كلا، بل مع رفيق له ضخم الجثة يدعى ميلون، وهو يبيع الجرائد في محطة شارنج كروس، وقد كان بوسعي أن أقبض عليه، غير أني ما أردت أن أفعل شيئًا قبل أن أتلقى أوامرك، فإن القبض عليه سهل ميسور سواء في منزله، أو في مكتب المحامي الذي يشتغل فيه.

– ألعلك اتخذت الاحتياطات اللازمة للقبض عليه؟

– إني أعددت كل شيء.

– كم رجلاً أعددتَ؟

– ثمانية.

– أأنت واثق أنه لا يوجد منفذ في المنزل الذي هو فيه؟

– كل الثقة …

– أمن السهل تطويق المنزل؟

– نعم فإنه في زقاق.

فاتقدت عينا الأسقف ببارق من نار وقال: إن الساعة الثامنة الآن من المساء، ولا يجب أن نصبر إلى الغد.

– أتريد إذن يا سيدي القبض عليه في هذه الليلة؟

– بل في هذه الدقيقة، إن كان هذا من الممكنات.

– إذن، اطمئن يا سيدي، فسيعود إلى نوايت قبل منتصف الليل.

– وبعد غد يشنق.

وكان السير أرشيبالد يسمع الحديث فسأل: أي رجل تعنون …؟

– إن له اسمًا غريبًا فإنه يدعى الرجل العبوس.

ثم قال في نفسه: إن الرجاء لم يفقد بعد ما زال الرجل العبوس سيشنق.

١٦

لقد كان البوليس صادقًا في قوله فإن روكامبول كان يقيم حقيقة في الزقاق الذي أشار إليه، وإنما اختار روكامبول هذا المنزل، لأنه كان يعرفه فإن مس ألن كانت مستأجرة غرفة فيه، فكانت تأتي إليها حين تريد تغيير ملابسها واستبدالها بملابس أخوات السجون.

وكان لديه مفتاح هذه الغرفة، فلما نجا من السرداب مع ميلون في تلك الليلة التي بسطنا تفصيل حوادثها في رواية روكامبول في السجن وألقى نفسه من النافذة إلى النهر مع ميلون ذهب به توًّا إلى تلك الغرفة وهو يقول لرفيقه: إنهم دون شك لا يبحثون عنا في هذا المكان.

ومن أخلاق أهالي لندرا، بل الإنكليز عامة عدم الفضول، فإن المرء لا يهتم إلا بمشاغله، وإن العائلة قد تجاور العائلة في منزل واحد أعوامًا دون أن تتعارفا.

وبعد ثمانية أيام من إقامتهما في هذه الغرفة، اشترى ميلون مكتبة في محطة شانج كروس، فأقام فيها، ودخل روكامبول إلى مكتب المحامي، فكان يذهب إلى عمله في الساعة السابعة من كل صباح، وروكامبول في الساعة الثامنة.

وفي الساعة السادسة ينصرف روكامبول من المكتب فيذهب إلى ميلون ويسير به متنزهًا، إلى زمن العشاء، فيتعشيان ويعودان إلى الغرفة قبل انتصاف الليل.

ففي اليوم الذي عرف فيه البوليس روكامبول وكتب عنه إلى الأسقف بترس توين، كان روكامبول خارجًا من المطعم مع ميلون في الساعة التاسعة وقد تأبط ذراعه وسار وإياه يتحدثان.

فقال له ميلون: أرأيت هذا الشخص الذي كان يتعشى في الفندق على المائدة المقابلة لمائدتنا؟

– نعم، وأظنه أحد المستخدمين.

– نعم، وأنا أظنه جاسوسًا من الفرنسيين، فقد رأيته في باريس، وقد رأيت منه ما رابني، وأخاف أن يكون جاسوسًا علينا.

– أتظن ذلك؟

– بل أؤكد.

ثم ضغط على يده وقال: انظر.

والتفت روكامبول دون أن يتوقف عن السير وقال: لقد أصبت، فإنه يقتفي أثرنا فهلم نلهو به قليلًا فليس لنا ما نعمله الآن وأسرع الخطى.

فقال ميلون: إني كنت أؤثر أن نتخلص منه.

– هذا الذي سنفعله وسوف ترى.

وقد كان روكامبول متنكرًا أتم التنكر بحيث إن رجال عصابته أنفسهم لم يعرفوه.

وكذلك ميلون فقد كانت ملامحه تدل على أنهما من الإنكليز.

وكانا يسيران وهذا الرجل يتبعهما وميلون مضطرب البال.

فقال روكامبول: إني لا أنكر أن هذا الرجل جاسوس علينا، ولكني أريد أن أتحقق فإن بوليس لندرا يعتقد في اعتقادين مختلفين: أحدهما أني متُّ تحت أنقاض الدهليز، والآخر أني غير مقيم في لندرا، ولذلك لا أخشى غير رجل واحد وهو السير بترس توين، وكيف يعتقد هذا الأسقف أني الرجل العبوس وهو يحادثني كل يوم ويمتثل لي في كل ما أرتئيه.

– ولكن انظر فإنه لا يزال في أثرنا.

– سوف ترى فادخل معي إلى هذا الدكان لشراء سكاير.

فدخلا إليها وعندها رأيا الرجل قد انتقل من رصيف إلى آخر وظل واقفًا بإزاء الدكان إلى أن خرجا منها، فلم يعد شك لدى روكامبول وذهب توًّا إلى الرجل فرفع النظارة عن عينيه، ونظر إليه تلك النظرات المكهربة، وقال له باللغة الفرنسية: ما تفعل أنت في لندرا؟

فاضطرب الرجل لتلك النظرات وقال: أسألك العفو يا سيدي فإني أشتغل بما يقوم بأودي.

– إنك فرنسي مثلنا؟

– نعم …

– إذن، لم تتجسس أحوالنا وتقفو أثرنا؟ أيطيب لك أن تخدم الأغراب على مواطنيك؟

فتلعثم الرجل وقال: إنهم يدفعون لي جنيهًا كل يوم لأقفو أثركما وأنا معدم فقير.

– من الذي يدفع لك بهذا السخاء؟

– هو بوليس سري يدعى سكوتوي.

وكانت نظرات روكامبول ومباغتته لهذا الجاسوس قد أثرت به تأثيرًا عظيمًا فقال له: أتعرف من أنا؟

– كلا، ولكن يظهر أنك الرجل العبوس الذي فر من سجن نوايت.

– هو ذاك.

ثم مد يده إلى جيبه فأخرج قبضة من الذهب فدفعها إلى الجاسوس وقال: خذ هذا المال فهو يغنيك الآن عن إيذاء مواطنيك وانصرف.

فاعتذر الجاسوس وأخذ المال وانصرف.

أما روكامبول فإنه ضحك وقال لميلون: بورك بهذا الجاسوس الذي يبوح بكلمة عما يعلم.

ثم واصل السير مع ميلون.

فقال له ميلون: أرى أنك تريد العودة إلى الغرفة، وعندي أن المبيت فيها خطر.

– لماذا؟

– لأن البوليس بات عارفًا بأمرنا.

فأجابه روكامبول ببرود: إن البوليس لا يعلم شيئًا عني، ولا أكترث للبوليس.

فقال له ميلون بلهجة المستسلم: إن هذا سيان عندي فقد تعودت أن أذهب معك حيثما ذهبت.

ثم سار الاثنان حتى وصلا إلى الغرفة فنزع روكامبول شعره المستعار، وعاد إلى هيئته الأصلية.

أما ميلون فإنه أشعل سيكارة وذهب إلى النافذة فجعل يدخن، وهو على فرط استسلامه لا يزال مضطرب البال.

وفيما هو يدخن مسترسلًا إلى هواجسه حانت منه التفاتة من النافذة فاضطرب وتراجع منذعرًا إلى الوراء.

وكان روكامبول قد رآه فقال: ما حدث؟

– حدث أنهم طوقونا، ولا أجد مناصًا هذه المرة.

فقام روكامبول إلى النافذة فرأى كثيرًا من الجنود يطوقون المنزل.

فابتسم ابتسام الاستخفاف، أما ميلون فإنه قال بلهجة القانطين: لقد قطع كل رجاء.

١٧

وقد رأى القراء كيف أن الأسقف بترس توين لم يضع الوقت سدى، فإنه بعد أن اجتمع ببوليسه على ما تقدم خرج مسرعًا إلى ناظر الحقانية وأخبره بما أبلغه إياه البوليس.

ثم ذهب إلى مدير سجن نوايت، وكان هذا المدير المنكود الذي لم يكن يلقى غير باسم الثغر طلق المحيا قد انقلبت سحنته بعد فرار الرجل العبوس من سجنه، فبات شديد السويداء كثير الهمّ والتفكير.

فلما زاره الأسقف قال له المدير: ألعلك جئت يا سيدي لتأنيبي على فرار ذلك الشيطان الرجيم، فإن كان ذلك يا سيدي، فقد كفاني ما لقيت، فإن الرجل الذي كنت أحسبه من الأشراف قد قيدني كما يقيد المجرمون، وإن هؤلاء الإرلنديين كادوا ينسفون السجن بي وبعائلتي، حتى إني أدفع كل مالي في سبيل القبض على هذا المجرم الأثيم.

فابتسم الأسقف وقال: إنه سيعود إليك دون أن تدفع درهمًا، ولكني أرجو أن لا تعامله هذه المرة بمثل تلك المجاملة.

– أضعه في أصفاد الحديد، وأنزع من قلبي معه كل رحمة وإشفاق.

– ألا تزال الغرفة التي كان مسجونًا فيها فارغة؟

فنظر إليه المدير نظرة المنذهل وأجاب: نعم.

– إذن، تَعَزَّ فسيعود الرجل العبوس إليها في هذه الليلة ويملأ فراغها.

فصاح المدير صيحة فرح وقال: أقبضتم عليه؟

– لم نظفر به بعد، ولكننا سنقبض عليه.

فتجهم وجه المدير بعد هذا الإشراق وقال: واأسفاه إني أخشى أن لا تنالوا منه مرادًا فليس هذا الرجل من البشر.

– هيئ له السجن، وما تريد من أسباب التعذيب، ورجائي أن أعود إليك به في أقرب حين.

ثم تركه وانصرف دون أن يزيد في الإيضاح.

وقد ركب مركبته وسار توًّا إلى كنيسة سانت بول، وهناك وافاه البوليس سكوتوي فقال له الأسقف بلهف: ما حدث؟

– إن الرجل العبوس ورفيقه صاحب المكتبة لا يزال البوليس يتعقبهما.

– أين هما الآن؟

– في الطريق إلى المنزل.

– أتظن أنهما يعودان إليه؟

– دون شك.

– وكيف تعلم بعودتهما؟

– إني عينت رقباء يخبرونني حين عودتهما، وفيما هو يقول هذا رأى رجلًا قد مر بهما فناداه البوليس وسأله: ألعلك قادم من هناك؟

– نعم.

– أعاد الرجلان إلى المنزل؟

– إنهما عادا إليه، فأسرعتُ لأخبرك.

فاضطرب الأسقف وقال: يجب أن لا نضيع الوقت.

– إني أعددت كل شيء يا سيدي فاطمئن.

– أين وضعت رجالك الذين تحت أمرك؟

– إني أقمت ستة منهم في خمارة في ذلك الزقاق، فإن صفرت لهم صفيرًا اصطلاحيًّا خرجوا منها في الحال.

– وبقية رجالك؟!

– إنهم في موضع آخر من الزقاق.

– إذن، هلم بنا.

فهمس البوليس عند ذلك بضع كلمات في أذن الرجل الذي أخبره بعودة روكامبول إلى المنزل، فانطلق يعدو كالريح، لتنفيذ ما أمره به.

وبعد ذلك بربع ساعة، كان المنزل الذي يقيم فيه روكامبول قد طوقته الجنود وكان ميلون يتراجع منذعرًا ويقول لروكامبول: قضي علينا الآن ولم يبق لنا مناص.

أما الأسقف فإنه لم يكتف بنجاح البوليس ووثوقه من فوزه في مهمته إلى النهاية، بل أراد أن يتولى أمر القبض عليه بنفسه، ولذلك ذهب مع البوليس حتى إذا وصلا إلى المنزل قال الأسقف: أأنت واثق أنه لا يوجد منفذ في هذا المنزل؟

– كل الثقة، وفوق ذلك، فإنه يوجد رجل من رجالنا على السلم.

– ولكن الباب الخارجي مقفل؟

– إني أعرف طريقة فتحه.

– هل رجالك مسلحون؟

– إنهم مدججون بالسلاح.

– إذن، هلم بنا.

فسار الأسقف والبوليس سكوتوي في طليعة الجنود، وبقي قسم من الجند في الزقاق.

ففتح البوليس الباب بمفتاح خاص، وصعد مع الأسقف السلم والجند وراءه إلى الغرفة التي يقيم فيها روكامبول وميلون.

وكان يوجد عند بابها جندي وضعه البوليس للمراقبة، فقال له بصوت منخفض: ألا يزالان في الغرفة؟

– نعم …

فطرق البوليس الباب فلم يجبه أحد، فهلع قلب الأسقف وقال: إنهما لا يجيبان.

– ولكنهما في الغرفة دون شك ألا ترى المصباح الذي هو في الداخل تنبعث أشعته من خلال قفل الباب.

– إذن، نكسر الباب؟

– لا حاجة إلى ذلك إن المفتاح فيه.

ثم أمر الجند أن يشهروا سلاحهم، وفتح الباب بعنف وهو يتوقع أن يسمع دوي الرصاص.

ولكنه لم يسمع غير صوت الأسقف قد صاح صيحة ذعر ويأس، لأن الغرفة كانت خاوية خالية والمصباح لا يزال يضيء على المستوقد، وروكامبول وميلون قد اختفيا.

ولا يستطيع قلم أن يصف الذي أصاب ذلك الأسقف من تأثير الخذلان، فإنه بعد أن صاح تلك الصيحة المنكرة، وقف جامدًا مبهوتًا كالصنم لا يتحرك.

أما البوليس فإنه نادى الرقيب الذي على السلم وقال له: ألم ترهما حين خروجهما من الغرفة؟

– كيف أراهما يا سيدي وهما لم يخرجا منها، إني أقسم لك بشرف الجندية أن باب هذه الغرفة لم يُفتح.

فتركه البوليس ونزل إلى حيث كان الجنود، وسألهم عما رأوه، فأكد له بعضهم أنهم رأوا رجلًا ضخم الجثة يدخن، وهو واقف عند النافذة.

ورجع البوليس إلى الغرفة، وبحث فيها بحثًا دقيقًا.

ولم يجد فيها ما يشير إلى وجود منفذ غير خزانة مقفلة، ففتحها فلم يجد ذلك المنفذ.

فوقف مضطربًا منذهلًا وهو يقول: لا شك أن ذاك الرجل من الأبالسة.

أما الأسقف بترس توين فإنه أفاق من سباته وقال: يستحيل أن يكون هذان الرجلان خرجا من غير هذا الباب.

فقال البوليس: إذا كان ذلك فلا بد أن يكونا باقيين في المنزل.

– يجب أن نفتشه تفتيشًا دقيقًا.

– ولكنك تعلم، يا سيدي، أن النظام في إنكلترا لا يجيز مهاجمة المنازل.

– تعال معي ودع المسئولية عليَّ.

فخرجا من غرفة روكامبول وطرق باب الغرفة المجاورة، ففتح لهم الذي يقيم فيها.

فقال الأسقف: إننا نبحث عن رجل شرير من أولئك الإرلنديين الذين كادوا ينسفون لندرا في هذه الأيام.

فأجاب: ولكن هذا الرجل لا يكون عندي يا سيدي، فإني من البروتستانت.

– لا بأس فأذن لنا بتفتيش منزلك.

ثم أعطاه خمسة جنيهات فكف عن الاعتراض ودخلوا جميعهم ففتشوا المنزل تفتيشًا دقيقًا فلم يقفوا على أثر.

فزاد اضطراب الأسقف، ولكنه لم يفقد رشده فقال للبوليس: إننا إذا لم نجد هذا الشيطان المريد فلا بد لنا من إيجاد أوراقه.

وقد خطر للأسقف أنه لما كان الرجل العبوس والمستر بريدت واحدًا فلا بد أن يكون قرار برسي المسجل في سفارة إنكلترا في باريس موجودًا لديه في مكتب المحامي كوكلام، فإذا عثر بهذه الأوراق فلا يعود يخشى الرجل العبوس.

وعند ذلك برح المنزل بعد أن يئس من وجود روكامبول فيه، وذهب مع البوليس توًّا إلى مكتب المحامي كوكلام.

وكان المكتب مقفلًا في تلك الساعة فنادى الأسقف البواب وسأله أن يفتح الباب بأمر ناظر العدلية.

فأبى، فبذل جهده في الحيلة والوعود، ولكن البواب أصر على الإباء وقال: إنه لا يفتح المكتب، ولا يأذن لأحد بالدخول إليه إلا بأمر سيده المحامي.

فأمر الأسقف البوليس أن يحيط المكتب بجنوده وينتظر إلى أن يعود، وذهب مسرعًا إلى بيت المحامي كوكلام.

وكان المحامي يعرف منزلة الأسقف حق العرفان، فحكى له الأسقف جميع ما اتفق، وهذا المحامي من أنصار اللادي باميلتون فإنه كان مصفيًا لتركتها، كما يذكر القراء.

ولذلك تمكن الأسقف من إقناعه على الذهاب معه إلى مكتبه للتفتيش في غرفة الرجل العبوس عن تلك الأوراق، فإن العثور بها يفيد تلك الأسرة التي يتولى أمورها.

وبعد ساعة رجع الاثنان إلى المكتب، وبحثا بحثًا دقيقًا في غرفة الرجل العبوس، أو المسيو بريدت، فلم يجدوا بين أوراقه أثرًا لتلك الأوراق، بل وجدوا أن جميع الأوراق الخاصة بقضية اللورد وليم، قد اختفت.

فغضب الأسقف عند ذلك غضبًا شديدًا حتى إن الزبد كان يخرج من شدقيه، وخرج من المكتب خروج القانطين.

فلما دخل إلى الشارع وهو لا يكاد يبصر ما حوله لفرط غيظه، جاءه رجل وأعطاه رسالة وقال له: إن رجلًا لقيه في الطريق، فعهد إليه أن يسلمه إياها.

فأخذ الأسقف الرسالة ففضها بيد ترتجف وتلا ما يأتي:

إنك أجهدت نفسك في هذه الليلة، فلم تظفر بالأوراق، ولم يتيسر لك القبض عليَّ، فاسمح لي، على أمل اللقاء القريب، أن أقدم لك فروض التعازي.

الرجل العبوس

فصاح الأسقف صيحة مؤلمة، وقد كاد يذهب عقله من القهر، فإن الرجل العبوس، لم يكتف بما ناله من الفوز بالفرار، بل إنه كتب إليه يهزأ به.

١٨

ولنذكر الآن كيف تَمَكَّنَ الرجل العبوس من الفرار مع ميلون من تلك الغرفة، بعد أن طوقها الجند، وأصبح الفرار منه ضربًا من المحال، فإنه حين قال له ميلون: لقد طوقنا الجند، وليس لدينا سلاح، فلا سبيل للفرار.

فابتسم روكامبول وقال له: خذ هذا المسدس كي تطمئن، ولكن لن تحتاج إليه.

– كيف ذلك؟

– إن الوقت يضيق بي الآن عن أن أوضح لك بالتفصيل، ولكن لا بد لي من إخبارك ببعض الأمر كي تكون على بينة فلا تهفو، فاعلم أني كنت أتوقع حدوث ما جرى.

– إذا كان ذلك فكيف عدت إلى الغرفة؟

– كان لي بذلك مأرب لا تعلمه.

– ولكن الجند قد طوقتنا وسوف يقبضون علينا.

– اسكت الآن وأصغ، ألم تر حين وصولنا إلى هذه الغرفة أن رجلًا كان يقتفي أثرنا وقد اختبأ الآن عند السلم؟

– كلا.

– أما أنا فقد رأيته وهو يقيم الآن وراء الباب.

– إذن، سيحول دون خروجنا من الغرفة.

– كلا وسوف ترى الآن فاتبعني.

ثم فتح الباب وخرج فتبعه ميلون، ورآهما الرجل الكامن فهمَّ أن يصيح، غير أن روكامبول بادره بإشارة سرية فوجم ودنا منه روكامبول وقال له: أنا هو الرجل العبوس.

فانحنى الرجل ولم يفه بحرف.

وعند ذلك أقفل روكامبول باب الغرفة التي خرج منها، وأبقى المفتاح في قفله، ثم صعد وتبعه ميلون سلمًا انتهى بهما إلى غرفة لا أثاث فيها فدخل الاثنان إليها.

وكان في تلك الغرفة نافذة عالية مفتوحة تشرف على سطح المنزل فقال روكامبول لميلون: احملني إليها.

فحمله ميلون حتى إذا صار فيها مد له ساقه فتعلق ميلون بالساق وصعد، فخرج الاثنان إلى السطح.

وكانت سطوح ذلك الزقاق متلاصقة، فما زال روكامبول يسير من سطح إلى سطح وميلون يتبعه، حتى انتهى إلى سطح وقف عنده ونقر بيده فوق مكان معين منه ثلاث مرات، ففتحت في الحال كوة في ذلك السطح، فنزل الاثنان إلى غرفة مظلمة، وأقفلت الكوة من نفسها حين نزولهما.

فأجفل ميلون لما رآه من هذه الغرائب وقال: أين نحن الآن؟

– إننا في بيت صديق لي، وأنت تعلم أن لي كثيرًا من الأصدقاء.

– أهو الذي فتح لك نافذة السطح؟

– كلا بل أنا.

– ولكنك قرعت السطح ثلاث مرات.

– إني طرقت هذه الطرقات كي أدير لولبًا.

– إذن، نحن الآن في أمان من كل خطر؟

– دون شك ونستطيع أن نتحدث.

– إذن، ستخبرني الآن ماذا فعلت بالرجل الذي كان كامنًا لنا عند باب الغرفة حتى أذن لنا بالذهاب دون أن يعترضنا.

– ذلك أني عرفت هذا الرجل حين دخولنا إلى الغرفة، فهو من الإرلنديين، ولولا ذلك لخرجت من منفذ سري في الغرفة، فإني كنت أتوقع كل حين هذه المباغتة، وتأهبت لها كل التأهب، فلما أيقنت أن الرجل إرلندي فضلت الفرار من طريق السطح وأشرت إلى ذلك الإرلندي إشارة الرؤساء السرية.

– لقد فهمت ولكني أعتقد أننا خاطرنا مخاطرة عظيمة.

– هو ذاك ولكني لم أجد بدًّا من المخاطرة.

– ولماذا؟

– لأني أريد أن أبرهن للأسقف أني لا أخافه.

– إذا كان ذلك فأنت مصيب، ولكن ماذا فعلت بالأوراق؟

– أية أوراق؟

– أوراق اللورد التي كانت في مكتب المحامي.

– إنها ليست فيه، فقد أخذتها في المساء وهي الآن في جيبي.

فتنهد ميلون تنهد المرتاح ثم قال: لكن الأسقف يعلم من أنت.

– دون شك.

– وهو سيرسل أوامره إلى لندرا للقبض على مرميس.

فابتسم روكامبول وقال: لا تخف، فلا تصاب عصابتي بسوء، وأنا في قيد الحياة.

١٩

أما الأسقف فإنه بعد أن اطلع على الرسالة التي كتبها إليه الرجل العبوس، مزقها وألقى بها مغضبًا إلى الأرض، ثم لم يلبث أن أخمد نار غيظه وجعل يمعن الفكرة في ما صار إليه، فقال في نفسه: لم يبق شك أن الرجل العبوس يتولى شأن اللورد وليم، ولا يجب التهامل لحظة مع مثل هذا الخصم الشديد.

وماذا صنع بي هذا الرجل خلال انخداعي بإخلاصه وثقتي به.

إنه أقنعني بوجوب إخراج اللورد وليم من المستشفى، فامتثلت له وهو الآن سائر في طريق إرلندا.

وهناك ينجو بسهولة من جوهن بيل، ويعود بملء السكينة إلى لندرا. إذن، يجب أن أهتم بالقبض على اللورد في القريب العاجل.

ولما أقر على هذا القرار نظر إلى البوليس سكوتوي وقال له: يجب عليك أن تسافر الليلة.

– إلى أين؟

– إلى إرلندا.

– وماذا يجب أن أصنع فيها؟

– تلقي القبض على ثلاثة، أحدهم مدير مستشفى بدلام، والاثنان من المجانين.

– إني أعرف شيئًا من أمر هذا المدير، أما هو جوهن بيل؟

– هو بعينه.

– ولكن لا يصحبه اثنان كما تتوهم بل أربعة.

– كيف عرفت أنه يصحبه أربعة؟

– عرفته من أحد رجالي فقد كان في المحطة حين سفرهم وأحد هؤلاء الأربعة السير أرثر وهو صاحب حبل المشنوق.

– هو ذاك، ويجب أن تسافر في الحال إلى إرلندا، وتقبض عليهم جميعًا.

– وماذا أصنع بعدها هل أعود بهم إلى إرلندا؟

– كلا بل تضعهم في مستشفى دبلين وترجع إليَّ، فنعود إلى البحث عن الرجل العبوس.

– ولكني لا أرى حاجة للذهاب إلى إرلندا فإن البواخر التي تسافر من لفربول إلى دبلين لا بد لها من الوقوف في جزيرة مان، وجوهن بيل لم يسافر إلا من ساعة، بل ربما كان باقيًا في الميناء.

– إني لم أفهم قصدك.

– قصدي هو أن ترسل تلغرافًا إلى قومندان ميناء تلك الجزيرة، فيوقف المركبة المقلة جوهن بيل ورفاقه عن السفر، إلى حين صدور أوامر جديدة.

– وأية فائدة لنا من ذلك؟

– فائدتنا أنه يوجد في جزيرة مان مستشفى للمجانين، من يدخل إليه لا يخرج منه، ثم إننا قد نجد في دبلين من الخطر ما لا نجده في تلك الجزيرة.

– كيف ذلك؟ صرح لي.

– إني عارف بحقيقة الأمر يا سيدي، فإن الذي يهمك القبض عليه من أولئك الخمسة هو اللورد وليم دون سواه، وإن لهذا اللورد الآن نصيرًا من أشد الأنصار.

– بل هو شيطان في صورة إنسان.

– وإن هذا الشيطان يا سيدي من زعماء الإرلنديين كما تعلم، فلا بد أن يكون له كثير من الأنصار في إرلندا.

– دون شك.

– وإن دبلين عاصمة إرلندا، فلو سافر اللورد وليم إليها، لما عدم الرجل العبوس واسطة، تمكنه من إنقاذ اللورد وليم، بواسطة الإرلنديين.

وإن هؤلاء الإرلنديين مستخدمون في جميع المصالح وبينهم كثيرون من رجال البوليس.

– ولهذا أرى أن الأفضل أن يقبض عليهم في جزيرة مان.

– وأنا أرى رأيك. غير أنه لا بد، لإيقاف الباخرة في الميناء، من صدور أمر ناظر البحرية، وكيف يتيسر لنا الحصول على هذا الأمر في مدة ساعة؟

– بواسطة السير أرشيبالد فإنه من كبار رجال البحرية.

فقال له الأسقف: لقد أذكرتني ما كانت ناسيًا، وها أنا ذاهب إليه لفوري.

– أما أنا فإني واثق من حصولك على هذا الأمر، ولذلك سأذهب لفوري أيضًا إلى المحطة وأسافر إلى ليفربول.

ثم افترق الاثنان.

وركب الأسقف مركبته، وسار بها مسرعًا إلى قصر باميلتون، حيث كان يقيم السير أرشيبالد.

أما البوليس فقد سار إلى المحطة.

وكانت الشمس عندئذ قد تعالت، والباخرة المقبلة لجوهن بيل خارجة من حوض ليفربول.

٢٠

ولنبرح الآن لندرا إلى ليفربول، حين صعد جوهن بيل ورفاقه إلى الباخرة.

ويذكر القراء أنه بعد أن رفعت الباخرة مرساها، وبعد أن قرأ مرميس في الجريدة ما كتبه له روكامبول ذهب لمقابلة الربان فحياه وقال له: إني أدعى يا سيدي السير أرثر.

فانحنى الربان دون أن يجيب.

– وإني يا سيدي ابن أخ اللورد ويلموت، ولا بد أن يكون أحد أصدقاء عمي قد كتب إليك يوصيك بي أليس كذلك؟

– هو ما تقول يا بني.

– وإن لهذا الرجل الذي أوصاك بي اسمًا، لا أجد فائدة من التصريح به.

– لقد عرف كل منا الآخر وهذا يكفي، فأذن لي الآن أن أراقب سير الباخرة حين خروجها من الحوض.

ثم تركه وانصرف.

فقال مرميس في نفسه: إنه قليل الكلام، ولكن دلائل صدق العزم بادية بين عينيه بحيث إني واثق من إمكان الاعتماد عليه.

وصفرت الباخرة ثم سارت في الحوض، فلم تسر هنيهة، حتى أمر الربان بإيقاقها.

فشعر مرميس أن السفينة قد وقفت بعد سيرها، وأسرع إلى الربان وقال: ماذا حدث؟

فأشار الربان بيده إلى المنارة وقال: انظر.

– ما هذا؟

– إشارة تأمرنا بإيقاف الباخرة.

– لماذا؟

– لا أعلم بعد، ولعل ذلك نبأ برقي وارد من لندرا.

فاصفر وجه مرميس، أما الربان فإنه ابتسم ابتسامة معنوية وقال له: لا تخف شيئًا.

– بل إني أخاف كل شيء، فقد يمكن أن يكون ذلك النبأ أمرًا صادرًا إليك وهو بإرجاعنا إلى البر.

وقد يكون الأسقف بترس توين استصدره، فإذا كان ذلك فقد ضاع كل رجاء.

فلم يجبه الربان بشيء بل أخذ نظارته وجعل ينظر بها إلى الميناء.

وبعد هنيهة خرج قارب من الميناء وسار إلى جهة الباخرة، ولم يمر نصف ساعة حتى وصل إليها.

وأخذ الربان التلغراف من الذي جاء بالقارب، فنظر فيه وقال لمرميس: إن هذا التلغراف ليس لي بل هو لك.

فأخذ مرميس التلغراف بلهف وفضه، فوجده ممضيًا بتوقيع بريدت، فإن روكامبول كان قد سبق الأسقف كما نرى.

أما التلغراف فقد كان متضمنًا ما يأتي:

افتضح أمر بريدت وهو في أمان، ولكن الأسقف على حذر … فاحذروا أنتم أيضًا، وستردكم تعليماتي.

بريدت

فلما قرأ مرميس الرسالة قال: إنها لا تدل على شيء وتدل على كل شيء في حين واحد.

وبعد مداولة الربان مع مرميس استنتجا أن الأسقف بترس توين عرف الرجل العبوس وأنه بات واثقًا من خطئه بتسهيل خروج اللورد وليم من مستشفى بدلام، فهو دون شك قد اتخذ التدابير اللازمة لمنع اللورد وليم من الوصول إلى لندرا.

فقال الربان: إني أؤثر أن يكون الأمر كذلك، فلنسافر الآن إذ لا بد لنا من السفر.

– وما كنت تفعل لو كان هذا النبأ واردًا من الأميرالية، يتضمن إرجاعنا إلى البر؟

– كنت أعصي الأميرالية.

ثم تركه وانصرف إلى مراقبة السفينة.

٢١

ولنعد الآن إلى البوليس سكوتوي، فقد كان هذا الرجل من أمهر رجال البوليس السري وأشدهم حذقًا، ولم يغلبه إلى الآن غير روكامبول، ولكنه تعزى لخيبته، وعلل نفسه بالأخذ بالثأر، فركب القطار من لندرا إلى ليفربول.

ولبث تلك المدة الفاصلة بين المدينتين، وهي اثنتا عشرة ساعة، على أحر من النار.

فلما وصل إلى لفربول استقصى عن مدير مستشفى بدلام، فعلم أن الباخرة قد أقلعت به وبرفاقه في الصباح، وأنها وصلت إلى جزيرة مان، ولا تزال راسية فيها.

وذهب إلى إدارة التلغراف، فعلم منها أن الأميرالية البحرية أرسلت إلى قومندان ميناء الجزيرة هذا التلغراف الوجيز:

أوقفوا، إلى حين صدور أوامر جديدة، الباخرة التي يدعى ربانها روبرت والاس، وراقبوا جميع المسافرين فيها.

فلما اطلع البوليس على التلغراف قال في نفسه: إن الأسقف لم يضع الوقت سدى فلأقتدِ به.

وعند ذلك عزم على السفر إلى تلك الجزيرة، ولكنه لم يجد باخرة مسافرة إليها.

فاستاء كل الاستياء من هذا التأخير، لأنه كان واثقًا أن الرجل العبوس يعمل في لندرا على تخليص اللورد وليم، وأنه لا بد أن يكون أرسل تعليماته إلى ركاب السفينة.

وكان البحر شديد الاضطراب، ولولا هياجه لكان سافر على قارب صغير غير مكترث للأخطار.

ولكنه لم يجد نوتية يجسرون على السفر إلى الجزيرة بالقوارب، في مثل هذه الأنواء الثائرة، فلم يجد بدًّا من الصبر إلى صباح اليوم التالي.

ثم ذهب إلى خمارة في الميناء، كان يتردد إليها البحارة، فأقام فيها إلى أن يحين وقت الرقاد.

وفيما هو جالس يشرب شيئًا من الخمر، دخل نوتي جثل الشعر لوحت وجهه الشمس، فبات لونه كألوان أهل الشرق، فطلب زجاجة شراب، فلما شرب الكأس الأول التفت إلى الحاضرين وقال: إني مسافر الليلة على سفينتي إلى جزيرة مان فهل بينكم من يريد السفر؟

فارتعش البوليس ولكنه لم يفه بحرف.

وكان أحد النوتية جالسًا يشرب مع رفاقه، فلما سمع صوت الرجل قال: هذا أنت يا بنيتن؟

– نعم، وقد أتيت أشرب كأسًا قبل سفري عَلِّي أجد في الخمارة من يود السفر.

– إلى أين أنت مسافر؟

– إني مسافر إلى إرلندا.

– متى؟

– بعد ساعة.

– أتسافر على سفينتك فكتوريا؟

– نعم، إنها صغيرة كما تعلم ولكنها تقاوم الأمواج كالمدرعات.

– ولكن البحر شديد الاضطراب الليلة.

– هو ذاك، غير أن اضطراب البحار لا يروع أمثالي، وأنت تعرف مهارة بحارتي، وفوق ذلك فإني مضطر أن أسافر الليلة إلى جزيرة مان لأشغال خطيرة، والريح موافقة فإنها تهب من الشمال الشرقي.

– إني أرجو لك سفرًا سعيدًا موفقًا، ولكني لست من المسافرين.

فأفرغ النوتي بقية الزجاجة في كأسه، فشرب ما بها ثم حيا الجماعة وهمَّ بالخروج.

فاستوقفه البوليس سكوتوي عند ذلك، وقال له: أحقيقة أنك مسافر الليلة؟

– دون شك.

– أتذهب إلى جزيرة مان؟

– نعم يا سيدي.

– كم تأخذ مني أجرة سفري في سفينتك؟

– جنيهين ونصف.

– إذن، أسافر معك، وهذه الأجرة أدفعها لك سلفًا.

فقال النوتي: إذا كان ذلك فهلم معي الآن، وهات أمتعة سفرك.

– ليس لديَّ غير هذه الحقيبة.

ثم أخذ حقيبته وخرج من الخمارة في أثر النوتي، وكان النوتيون يعجبون لجرأته النادرة، فإن البحر كان شديد الاضطراب وهو يسافر مسافة شاسعة في فلك صغير.

وبعد ذلك بساعة كانت تلك السفينة تخترق عباب الريح، وترقص فوق الأمواج.

وكان البوليس ممسكًا بحبال السفينة حذرًا من أن تقذفه الرياح إلى البحر لشدتها، والربان وبحارته يراقبون سير الفلك، دون اكتراث للأخطار.

غير أن هذا البوليس لم يلبث أن ندم، لشدة ما لقيه من العناء، وفيما هو على ذلك دنا منه رجل كان نائمًا في أرض السفينة وقال له: ألا ترى يا سيدي أن البحر شديد الاضطراب وأننا في خطر؟

فارتعش سكوتوي وذكر أنه سمع ذلك الصوت.

ولكنه لم يذكر أين، وحاول أن يرى وجه محدثه، فحال دون ذلك اربداد الظلام.

٢٢

ثم دنا الرجل المجهول من البوليس حتى التصق به ووضع يده فوق كتفه، فخيل للبوليس أنها يد من حديد وقال له: ماذا تريد مني؟

– إني مسافر في هذه السفينة مثلك، وقد رأيت اضطراب البحر فجئت أسألك رأيك.

– عن أي شيء؟!

– أتظن أن هذه السفينة الصغيرة، تتحمل مواصلة السير وتستطيع بلوغ الميناء؟

– لا أعلم.

ثم قال في نفسه لا شك أني سمعت هذا الصوت، ولكن أين؟!

أما الرجل فعاد إلى الحديث وقال: يظهر لي أنك غير خائف.

– ومم الخوف فإن حياتنا بيد الله؟!

فضحك الرجل بسخرية وقال: أتعتقد أنت بالله؟!

– ولماذا لا أعتقد به؟!

– لأنك تمتهن مهنة لا تنطبق على إرادته، ولا يمتهنها من يعتقد به.

فرجع البوليس خطوة إلى الوراء منذعرًا وقال: ماذا تعني بذلك …؟

فأجابه بلهجة الهازئ: أعني أنك من رجال البوليس الذين يشتغلون بالجاسوسية.

– وإذا كان ذلك، ماذا يعنيك أمري؟

– إنك اكتشفت أول أمس اكتشافًا جميلًا في لندرا يدل على توقد ذكائك.

فاستدل البوليس من هذه الكلمات على كل شيء، وحاول أن يتخلص من الرجل وقال له: انظر إليَّ فلعلك تعرفني الآن.

فلم يكد البوليس يراه، حتى صاح صيحة ذعر، وقال: الرجل العبوس.

– نعم، هو بعينه، وقد أيقنت يا سيدي أنك دون ما بلغته من الشهرة، فقد قيل عنك إنك من أذكياء رجال البوليس، ولكنك سقطت في الفخ الذي نصب لك دون احتراس.

فذعر البوليس ذعرًا شديدًا، وجعل يصيح مستغيثًا …

فأسرع إليه الرُّبَّان وقال: ما حدث …؟

أما روكامبول فإنه أشار إلى الرُّبَّان وقال للبوليس: لا بد أن تكون عرفت أيضًا هذا الرجل النوتي الذي تستجير به، فإنه صاحب المكتبة في المحطة، أي ميلون.

فاسطكت أسنان البوليس من الرعب، وأيقن أنه بات مقضيا عليه.

وعند ذلك جعل روكامبول وميلون يتحدثان بلغة لم يفهمها البوليس حتى إذا فرغا من حديثهما، التفت روكامبول إلى البوليس وقال له: إني مخيرك الآن في أمر.

– بم تخيرني؟

– بالطريقة التي تريد أن تموت فيها، ثم أخرج مسدسًا من جيبه فصوبه إليه وقال: أتريد أن أقتلك بالرصاص، أم تؤثر أن ألقيك في البحر، فتأكلك الأسماك؟

فجثا البوليس على ركبتيه وقد مُلئ فؤاده رعبًا وقال: ألتمس منك العفو يا سيدي عن حياتي، فلي امرأة وبنون لا مُعين لهم سواي.

فضحك روكامبول وقال: لنفترض أنك تمكنت من القبض عليَّ تلك الليلة ألعلك كنت ترجع عن الذهاب بي إلى سجن نوايت، حين لا يكون جزائي فيه غير الشنق.

فلبث البوليس راكعًا وقال: العفو والرحمة يا سيدي.

– إنك تعرف المثل القائل: اقتل الذئب خيرًا من أن يفترسك، ولكني أقول: إني على فرط إساءتك إليَّ لم أحمل عليك حقدًا، ولم أضمر لك شرًّا، ولكني إن أبقيت عليك أخطأت خطأ لا يغتفر، وندمت أشد الندم.

– أقسم لك يا سيدي أنك لا تخطئ ولا تندم.

– أيها الغاشم أتحسب أني أغتر بأقسام أمثالك؟

– إني أقسم لك يا سيدي حلفة صادقة أنك إذا عفوت عني لا أسيء إليك في حياتي، ولا أكون عليك في شأن من الشئون.

فعاد روكامبول إلى المحادثة بتلك اللغة السرية مع ميلون كأنما يتشاوران، وبقي البوليس راكعًا ينتظر القضاء عليه.

إلى أن فرغ من المحادثة فقال روكامبول: إنك تدعى جاك سكوتوي، أليس كذلك؟

– نعم يا سيدي.

– وأنت من رجال البوليس السري؟

– نعم.

– إذن، لا بد أن يكون لديك أوراق تثبت وظيفتك.

– نعم.

– ولا بد أيضًا، أن يكون لديك كتاب توصية، من الأسقف بترس توين.

– نعم …

– إذن، هات هذه الأوراق وهذا الكتاب.

– وإن أعطيتك إياها يا سيدي، أتعفو عني؟

– إن العفو عنك منوط بك، فأعطني الأوراق الآن.

ففتح البوليس سترته، وأخرج من جيبه محفظة ودفعها لروكامبول، فأخذها روكامبول وقال لميلون: احرص على هذا الرجل.

ثم اقترب من المصباح، ففتح المحفظة وجعل يفحص ما فيها من الأوراق.

٢٣

وكانت هذه المحفظة محتوية على أوراق كثيرة، كل واحدة كافية لإثبات مهمة البوليس سكوتوي وبينها جواز غريب في بابه، وهو الذي كان يبحث عنه روكامبول …

لأنه جواز سري مكتوب على ورق أصفر، وفي وسطه صليبان رُسما بالحبر الأحمر، وقد كُتب تحتهما بحبر بنفسجي هذا الحرفان ر. ب فكان للبوليس سكوتوي بفضل هذا الجواز، سلطة لا حد لها، إذ كان يستطيع به أن يذهب إلى حيث شاء، ويجمع قدر ما يشاء من أولئك الرجال، ذوي الملابس السوداء المنتمين إلى الجمعية الإنجليكانية، برئاسة الأسقف بترس توين.

فلما فحص روكامبول هذا الجواز، وضعه في جيبه وعاد إلى سكوتوي، الذي كان يخفره ميلون، ولم يكن ميلون ينتظر غير إشارة من روكامبول كي يحمله ويلقيه في البحر.

أما روكامبول فإنه التفت إلى سكوتوي وقال له: إن الموقف خطير، وإن سلامتك موقوفة على صدقك في القول.

– سل يا سيدي ما تشاء أجبك.

– أبدأ بسؤالك: إلى أين كنت مسافرًا؟

– إلى جزيرة مان.

– بأية مهمة؟

– بمهمة القبض على جوهن بيل، مدير مستشفى بدلام ومن معه من المجانين …

– وبعد ذلك؟

– أضعهم في مستشفى المجانين في جزيرة مان وأدعهم فيه.

– ألم تكن متفقًا مع الأسقف على أن تكتب إليه حين تقبض عليهم؟

– نعم …

– إذن، تعال معي، واكتب إليه رسالة أمليها عليك.

فلم يجد البوليس بدًّا من الامتثال حذر القتل، وجلس حيث أمره روكامبول، فأحضر له ميلون أدوات الكتابة وأعطاه إياها.

فقال البوليس لروكامبول: إني سأكتب كل ما تمليه عليَّ، ولكن كتابتي ستكون مضطربة لشدة هياج البحر.

فابتسم روكامبول وقال: لا تهتم بذلك واكتب.

فأخذ القلم وكتب بإملاء روكامبول ما يأتي:

سيدي الأسقف …

إن جوهن بيل واللورد وليم، وبقية الرفاق قُبض عليهم، ولكني لا أعود الآن إلى لندرا، فإن جوهن مجنون، ولا ريب في جنونه، غير أن جنونه منحصر في كنوز أجداده وهذه الكنوز موجودة حقيقة فلا أستطيع الإيضاح أكثر من ذلك الآن …

إني أكتب إليك هذه الرسالة وأنا في سفينة صغيرة تتقاذفها الأمواج وهي ذاهبة إلى لندرا …

وقد قضيت المهمة التي انتدبتني إليها فبت حرًّا، ولكني أحب أن أقترح عليك أمرًا، وهو أني واثق من إيجاد تلك الكنوز المدفونة التي يبحث عنها جوهن بيل، فهل تريد أن نقتسمها بيننا؟

إذا راقت لك القسمة فاركب أول باخرة مزمعة على السفر، واحضر بها إلى كورك، فإن حضرت فإنك تجد في مينائها فندقًا عنوانه زنبقة الحقل، وإني أنتظرك فيه.

خادمك المطيع
سكوتوي

ولما فرغ من كتابة الرسالة قال له روكامبول: إنك مصطلح دون شك على أن تضيف إلى توقيعك علامة سرية.

– هو ذاك …

– إذن، ضع هذه العلامة، واحذر أن يجول في خاطرك خديعتي فلا يكون جزاؤك غير الموت.

ثم أشار روكامبول إلى عرض البحر وقال للبوليس: انظر إلى هذا النور المتألق في البحر، إنه نور سفينة خاصة بالإرلنديين، وكلهم مخلصون لي، وستأتي إلينا عند الصباح فيأخذك ربانها ويحبسك في عنبرها إلى أن يرد تلغراف يشير إلى أن الأسقف بترس توين برح لفربول إلى إرلندا، وعلى هذا فإن كان توقيعك صحيحًا فلا بد للأسقف أن يحضر، وإن لم يحضر كان التوقيع مزورًا فتصبح طعامًا للأسماك.

فأخذ البوليس القلم دون أن يجيب، ورسم تحت توقيعه صليبين.

فقال له روكامبول: لقد أحسنت، فاكتب الآن العنوان.

فامتثل البوليس، وعند ذلك، أخذ روكامبول الكتاب ووضعه في جيبه.

وظلت السفينة سائرة، إلى أن أشرق الصباح، فرأى روكامبول تلك الباخرة التي أخبر عنها روكامبول البوليس، وأمر أن يشير لها براية بيضاء، ولم تكد تمضي ساعة حتى التقتا فنقل البوليس إليها، وسجن في عنبرها.

ووصلت سفينة روكامبول سيرها إلى جزيرة مان، وقال روكامبول لميلون: لقد ظفرنا الآن، بهذا الأسقف كل الظفر، ولم يبق له مناص هذه المرة.

٢٤

ولنعد الآن إلى الباخرة التي كانت تقل جوهن بيل ورفاقه، فإنها حين وصلت إلى ميناء دوغلاس، في جزيرة مان، وألقت مراسيها، كان أول من صعد إليها ضابط إنكليزي فاجتمع بربانها وقال له: كم عزمت على الإقامة في هذه الميناء؟

– إني أقيم فيها إلى أن يتم نقل الركاب.

– ولكني قادم إليك بنبأ من الأميرالية سيغير خطتك.

ثم أعطاه الأمر ففضه الربان وقرأ ما يأتي:

نأمر الربان روبرت والاس أن يبقى في جزيرة مان بباخرته إلى أن ترد إليه التعليمات.

فقال الربان بعد أن اطلع على التلغراف: ولكن يوجد في باخرتي كثيرون من المسافرين إلى إرلندا.

– أعرف ذلك.

– وهم لا يطيقون الصبر إلى أن ترد التعليمات.

– لقد توقعت الأميرالية ذلك، فإنه يوجد الآن باخرة في الميناء متأهبة للسفر إلى دبلين.

– ألعلها تنقل المسافرين في باخرتي؟

– هو ذاك، ما عدا خمسة منهم …

– من هم هؤلاء الخمسة؟

– المستر جوهن بيل مدير مستشفى بدلام، ورجل من المجرمين يدعى ولتر بريس، وآخر من رجال الشرائع يدعى إدوار كوكري، ورجل آخر من الأعيان يدعى السير أرثير.

– وهؤلاء أيجب أن أبقيهم في باخرتي؟

– نعم إلى أن ترد أوامر جديدة بشأنهم.

– وإن أرادوا أن يخرجوا منها إلى المدينة للنزهة؟

– تأذن لهم بشرط أن تكون مسئولًا عنهم.

– سأمتثل للأمر، وسأأذن لهؤلاء الذين اخترتهم بالنزهة وتحمل تبعتهم. فودعه الضابط وانصرف.

وكان مرميس واقفًا بعيدًا عنهما يصغي إلى حديثهما فلما انصرف الضابط دنا من الربان وقال: ماذا حدث؟

فأطلعه الربان على الأمر الصادر من الأميرالية، فلما وقف عليه مرميس قال: ماذا عولت أن تفعل؟

– عزمت على الطاعة والامتثال، فإن الرجل العبوس يشتغل بأمرنا دون شك.

– وإن جاء أعوان الأسقف قبل الرئيس؟

فأجابه الربان ببرود: إن اتفق ذلك ننظر حينئذ فيما يجب أن نصنعه.

أما جوهن بيل، فكان يسير على ظهر السفينة ذهابًا وإيابًا، وقد راعه ما رآه من إطفاء نور السفينة، ووقوفها في الميناء من غير حراك، فدنا من الربان وقال له بعنف: ما هذا الوقوف؟ وما هذا البطء؟ أتظن أن الوقت متسع لديَّ؟

– إننا ننتظر، يا سيدي، تلك الباخرة الراسية في طرف الميناء فإنها مسافرة قريبًا.

– ولماذا ننتظرها؟

– لأنها ستجيء إلينا.

– لماذا؟

– لنقل الركاب الذي معنا إليها، وتذهب بهم إلى إرلندا.

فاضطرب جوهن بيل وقال: ولكن لماذا لا تنزل إلى دوغلاس، فإنك تعلم يقينًا أني أريد أن أستشير فيها تلك المرأة المشهورة بفن التنويم.

– سوف تنزل مع رفاقك.

– ومتى أستأنف السفر إلى إرلندا؟

– متى فرغت من استشارة تلك المرأة.

وعادت السكينة إلى جوهن بيل وقال: إن كان كذلك فلا بأس من الانتظار.

وبعد هنيهة دخلت الباخرة ونُقل إليها المسافرون.

•••

ولما تم النقل جاء ربان الباخرة التي نُقل إليها المسافرون إلى ربان الباخرة التي نُقلوا منها، وقال له باللغة الإرلندية الاصطلاحية: وأنا أيضًا وردني تلغراف كما وردك.

– ممن؟

– من لفربول وهو وارد إليك.

ثم أعطاه التلغراف وقرأ ما يأتي:

وصلت مع ميلون إلى ليفربول، خبروا مرميس، سيرد إليكم أمر بالبقاء في جزيرة مان، فلا تقلقوا لذلك، إن الأمور جارية خير مجرى.

ر…

ولما قرأ الربان هذا التلغراف دفعه لمرميس فأشرق وجهه بعد انقباضه، وأيقن أن الرئيس ساهر عليهم فقال للربان: أنستطيع النزول إلى البر؟

– دون شك فقد تحملت تبعتكم.

– متى ننزل؟

– بعد ساعة.

فاطمأن مرميس خلافًا لجوهن بيل فقد غضب لهذا التسويف وقال: إني أرى في جميع ذلك مكيدة هائلة، كادها لي زميلي، كي يستقل في الإدارة، ولكني سأجد كنوزي وأصير لوردًا، وعند ذلك أعزله من منصبه شر عزل.

وما زال مرميس يطيب خاطره وهو لا يزيد إلا هياجًا، وسوء ظن، حتى أمر الربان بإنزال قارب إلى البحر.

وقال له مرميس: أرأيت يا سيدي أن الربان كان صادقًا، وأنه لا أثر للمكائد، فهلم بنا الآن فقد دنا زمن استشارة المنومة التي سترشدنا إلى مواضع الكنوز.

٢٥

ولنرجع الآن خطوة إلى الوراء فقد تركنا السير أرشيبالد والد اللادي باميلتون، منذعرًا لما رآه من اضطراب الأسقف، حين علم بوجود الرجل العبوس في لندرا، وأنه كان يخدمه منذ أسبوعين، فلم يستطع من اضطرابه أن يتفكر بما دار بينه وبين الأسقف من الحديث.

غير أنه لما خلا بنفسه، وزالت دهشة ذلك النبأ أخذ يتمعن في حديث الأسقف، ويفحص كل كلمة خرجت من فمه، فذكر أن الأسقف قد أظهر استياء شديدًا، حين كان يعتقد أن اللادي باميلتون ذهبت إلى مستشفى بدلام.

وأنه كان يعتقد أيضًا أن أسرة باميلتون تحاول نقض ما تعهد به اللورد أفندال للجمعية الإنجليكانية، فقال في نفسه بعد التفكير والتمعن: إن هذا الأسقف لم يسهل للورد وليم سبيل الخروج من المستشفى إلا لخوفه أن تجتمع به اللادي باميلتون.

وإنما خشي هذه المقابلة حذرًا من اتفاق الاثنين فيحرم عند ذلك من المال الذي تعهد به له اللورد أفندال، إذن، فلا بد أن تكون هذه المبالغ التي يطمع بها الأسقف ويخاطر من أجلها هذه المخاطرة جسيمة جدًّا، وإلا لما باع ذمته وضميره بيع السلع.

ولم يكن السير أرشيبالد يعلم قيمة هذه المبالغ، ولم يدر بشيء من مفاد تعهد صهره، فعوَّل على مقابلة الأسقف ومباحثته بجلاء في هذا الشأن.

فإن وجد أن المبالغ جسيمة نقض التعهد، واتفق مع اللورد وليم.

وعند ذلك خرج من منزله وذهب إلى منزل الأسقف فلم يجده فيه، فبحث عنه في كل مكان يذهب عادة إليه فلم يظفر به، فعاد إلى منزله وهو عازم عزمًا أكيدًا على المفاوضة بأتم الجلاء مع هذا الأسقف الطامع.

ولم يكد يستقر في منزله حتى دخل إليه الخادم برقعة زيارة مكتوب عليها هذا العنوان:
الكونتس فاندا

فقال للخادم: من هذه السيدة فإني لا أعرفها؟

– إنها سيدة بارعة في الجمال وهي تلح يا سيدي بمقابلتكم.

– إذن، لتدخل.

فخرج الخادم ودخلت فاندا، فخف السير أرشيبالد لاستقبالها، وقد بهر بما رآه من جمال صديقة روكامبول.

وكان السير أرشيبالد في الخامسة والخمسين من عمره، ولكنه كان كثير التأنق، فلا يحسب من رآه أنه قد تجاوز الحلقة الرابعة من العمر.

أما فاندا فقد تأنقت تأنقًا عظيمًا بملابسها حتى باتت فتنة للناظرين، فلما دخلت إلى السير أرشيبالد ورأت من نظراته دلائل الإعجاب بجمالها ابتسمت له ألطف ابتسام، وقالت: العفو يا سيدي فقد تجاسرت بقدومي على زيارتك دون سابق معرفة لأني جئتك بشأن خطير.

فاضطرب السير أرشيبالد للطفها وقدم لها كرسيًّا ولبث واقفًا أمامها وقال لها: ما هي الظروف السعيدة، التي جعلتني أحظى بهذه الزيارة، يا سيدتي؟

– إني أعرف كثيرين يا سيدي يعبثون الآن بك وبابنتك اللادي باميلتون وأولهم الأسقف بترس توين.

فارتعش السير أرشيبالد وقال: كيف ذلك؟

– ويوجد رجل أيضًا يهتم بشأنك وهو الرجل العبوس الذي أقام لندرا وأقعدها منذ شهر، وإني قادمة إليك من قبله يا سيدي …

فأجفل وقال: أنتِ قادمة إليَّ من قِبل الرجل العبوس؟

– نعم … فإنه قد برح لندرا في هذا الصباح، وعهد إليَّ أن أراك.

فزاد اضطراب السير أرشيبالد وقال: اسمحي لي يا سيدتي أن أقول لك إني لا أعرف الرجل العبوس وما رأيته في حياتي.

– إني أعرف هذا حق العرفان، ألعلك معجب كيف أنه يرسلني إليك وأنت لا تعرفه؟

– هو ذاك …

فابتسمت فاندا وقالت: ولكن … متى أصغيت إليَّ يا سيدي، يبطل عجبك.

فجلس السير أرشيبالد بقربها وقال: تفضلي إذن يا سيدتي، فإني كلي آذان للسمع.

فتكلفت فاندا هيئة السكينة التامة وقالت: أرجو أن تأذن لي يا سيدي بالقول إني عارفة بحقيقة ولتر بريس، الذي يقول إنه يدعى اللورد وليم.

فاهتز السير أرشيبالد في كرسيه اهتزازًا عنيفًا، فقالت له فاندا: رويدك يا سيدي، واسمح لي أن أتم حديثي، فإن الرجل العبوس قد أخذ على نفسه الانتصار لهذا اللورد المنكود، ومتى انتصر الرجل العبوس لمظلوم فلا يكون حليفه غير النصر.

فاصفر وجه السير أرشيبالد اصفرارًا شديدًا، ولكن فاندا لم تكترث له فمضت في حديثها وقالت: ولا بد أن تكون عالمًا يا سيدي أن المرحوم اللورد أفندال قد عهد بأموره إلى الجمعية الإنجليكانية.

وقد أمضى دون تمعن تعهدًا لا يكون بعد تنفيذه غير دمار أسرة باميلتون وتجريدها من معظم ثروتها.

– أحقًّا ما تقولين؟

– كل الحق، فإن الأسقف بترس توين رئيس هذه الجمعية المخطرة وضع هذا التعهد الذي أعطاه إياه اللورد أفندال في مكتب المحامي كوكلام، وكان لهذا المحامي، سكرتير يدعى المستر بريدت، وهو والرجل العبوس واحد يا سيدي.

– لقد عرفتُ ذلك يا سيدتي.

– بقي أمر لم تعرفه وهو أن الرجل العبوس قد اختفى فاختفت معه تلك الأوراق التي كانت سلاح الأسقف ضدكم بحيث بات هذا الأسقف دون سلاح.

فاتقدت عينا السير أرشيبالد ببارق من الفرح وقال: أهذا أكيد؟

فابتسمت فاندا وقالت: هذا أكيد لا ريب فيه، ولكن لا تتسرع بالسرور؛ فإنك لا تكسب شيئًا من اختفاء هذه الأوراق.

– كيف ذلك؟

– إن خصمك قد تغير، ليس إلا، فبدلًا من أن يكون الأسقف، صار الرجل العبوس.

– ولكن ماذا يريد مني الرجل العبوس؟

– إني قادمة إليك باقتراحاته.

– تفضلي يا سيدتي بعرضها عليَّ لننظر فيها.

– إن الرجل العبوس يا سيدي تولى رئاسة جمعية أشد بأسًا من الجمعية التي يتولاها الأسقف.

– ألعله زعيم الإرلنديين؟

قالت: ربما، وقد آلى الرجل العبوس على نفسه أن يبدأ بإطلاق سراح اللورد وليم.

– إني لا أعارض في ذلك.

– ثم يرد إليه ثروته.

فلم يجب بحرف.

قالت: ثم يرد إليه اسمه ولقبه.

– ولكن هذا مستحيل يا سيدتي …

– لماذا؟

– لأن اللورد وليم قد مات في عُرف الحكومة والناس.

– ولكنه في عُرفك لم يمت.

– هو ذاك يا سيدتي، ولكن يستحيل رد اسمه إليه.

– بل إن الأمر سهل ميسور.

– كيف ذلك؟

– بواسطة إقرار الضابط برسي، فإن أوراق إقراره محفوظة وهي مسجلة في سفارة إنكلترا في باريس.

– ولكن، هذه الأوراق قد تكون مفقودة.

– كلا، يا سيدي، بل هي محفوظة عند الرجل العبوس.

فتجهم وجه السير أرشيبالد وقال: إذن، سيئول الأمر إلى المرافعات في القضايا.

فابتسمت فاندا وقال: إنك منخدع يا سيدي، فإن الرجل العبوس ما تَعَوَّدَ أن ينال حقًّا بواسطة القضاء، وفوق ذلك فهو محكوم عليه بالإعدام في إنكلترا، فكيف يستطيع الظهور أمام القضاء؟

– إن كان ذلك كما تقولين، فما نخاف إذن أنا وابنتي؟

– تخافان من الطرق التي يستعملها الرجل العبوس لنيل حق اللورد وليم، وإن طرقه هائلة في بعض الأحيان.

وكانت فاندا تقول هذا القول بلهجة الوعيد حتى إن السير أرشيبالد خاف وعيدها، فاغتنمت فاندا فرصة خوفه وقالت له: إنك تحب ابنتك دون شك يا سيدي، فاسمح لي أن أسديك نصيحة.

– ما هي يا سيدتي؟

– إن أوراق تعهد اللورد أفندال لو بقيت في يد الأسقف لتمكن من تجريد ابنتك من معظم أموالها، ولكنك أنت واسع الثروة، فلا تبالي بخسارة هذه الأموال، ويبقى للادي باميلتون اسمها، ولأولادها لقب أبيهم، والآن فاعلم أنك إن رفضت اقتراحات الرجل العبوس فإن اللادي باميلتون لا تخسر ثروتها واسمها فقط، بل قد تفقد حياتها.

فارتعد السير أرشيبالد وقال: ماذا يقترح هذا الرجل؟

– التخلي عن ثروة باميلتون لصاحبها اللورد وليم.

– ولكن هذا محال.

– وهو لا يقتصر على استرجاع الثروة وحدها بل يطلب أن تعترفوا بأن اللورد وليم رئيس أسرة باميلتون.

– وهذا لا يكون.

فأجابته فاندا ببرود: إن الرجل العبوس أمرني أن أمهلك يومين لتتمعن في اقتراحه، وسأعود إليك بعد يومين.

ثم نهضت وهي تبتسم له ألطف ابتسام، فاضطرب قلبه لابتسامها على ما هو فيه من الشواغل فودعها إلى الباب، وهو منشغل بجمالها.

ولما أصبح وحده وضع رأسه بين يديه، وقال في نفسه: إني أخاف هذه المرأة أكثر مما أخاف الرجل العبوس.

ذلك أنه شعر بعاصفة حب وحشي قد هاجت في فؤاده فشغلته عن ابنته وعن أسرة باميلتون.

٢٦

إن مدينة دوغلاس، وهي عاصمة جزيرة مان، ضيقة الشوارع واطئة المنازل يطوفها السائر فيها بنصف ساعة.

وقد تركنا مرميس وجوهن بيل ينزلان من الباخرة إلى البر، فلما رست السفينة ونزلا، جعل جوهن بيل يسير سير المستعجل، ومرميس في أثره.

فأوقفه مرميس وقال له: أية فائدة من السرعة في السير إذا كنا لا نعلم أين نسير؟

– إننا ذاهبان إلى المنومة.

– هو ذاك، ولكن أتعلم أين تقيم هذه المنومة؟

– كلا.

– إذن، دعني أستعلم عن مكانها.

وإنما قال مرميس هذا القول لأنه رأى حين نزوله من الباخرة رجلًا يتبعه وينظر له نظرات خاصة، فأيقن أن لهذا الرجل شأنًا معه، فانفصل عن جوهن بيل، وذهب توًّا إليه فقال له: أتأذن لي، يا سيدي، أن أسألك سؤالًا؟

فابتسم الرجل وقال: سل يا سيدي ما تشاء.

– ألا يوجد منومة في دوغلاس؟

– نعم.

– أين تقيم؟

– اتبعني أدلك عليها.

وكان جوهن بيل قد سمع الحديث فقال له: إني أكافئك بجنيه على أن تسرع الخطى.

– أهي بعيدة؟

– كلا فاتبعاني.

وسار الرجل وجوهن في أثره ومرميس إلى جانبه فقال له الرجل: أأنت الذي يدعونه السير أرثر؟

فابتسم مرميس وقال: إني أدعى في الوقت الحاضر بهذا الاسم.

– إذن، خذ هذه الرسالة فقد عُهد إليَّ أن أطلعك عليها.

– ما هي هذه الرسالة؟

– تلغراف.

– من أين؟

– من لفربول وقد ورد من ساعة.

ففتح مرميس التلغراف وقرأ ما يأتي:

إلى جورج بلاك في دوغلاس

دع المنومة تبقي عندها جوهن بيل، ودع السير أرثر ينتظرني.

الإمضاء «ر.»

فنظر مرميس إلى الرجل، وأشار إليه إشارة إرلندية أجابه بمثلها فقال له مرميس: إن توصية الرئيس لا فائدة منها لأننا أسرى في الجزيرة، ولا بد لنا من البقاء فيها.

– إني لا أبالي بأسركم، فلو لم تكن إرادة الرئيس أن تبقوا في الجزيرة لأخرجتكم منها بالرغم عن المستر وجوربيم.

وكان مرميس قد سمع هذا الاسم أول مرة، فقال له: ومن هو هذا الشخص؟

– هو وكيل الجمعية الإنجليكانية في جزيرة مان وسأريك إياه.

فقال له مرميس: إن التعليمات، التي وردت إليَّ، تفيد أن المنومة من أشياعنا.

– هو ذاك.

– أهي عارفة حقيقة بفن التنويم؟

فابتسم الرجل وقال: هي كذلك عند الاقتضاء.

وقد كان جوهن بيل يتقدم رفاقه وهو يود لو كان له أجنحة فيطير بها إلى تلك المرأة، ومرميس ومحدثه يسيران جنبًا إلى جنب ووراءهما اللورد وليم وإدوارد.

وبعد هنيهة وصلوا إلى تلك المرأة المنومة، فصعد بهم الرجل إليها.

وهناك نقده جوهن بيل ما وعده به من المكافأة، وأطلق سراحه.

وهمس الرجل، في أذن مرميس قائلًا: سنلتقي عند الميناء، في هذا المساء.

ثم انصرف.

ثم دخلوا جميعهم إلى تلك المرأة، وهي عجوز شمطاء.

ووجدوها جالسة على كرسي كبير، في غرفة تكاد تكون مظلمة لكثافة ستائرها.

فاستقبلتهم العجوز بلطف وقالت لهم.

– ما أسعدني بقدومكم!

فرد جوهن بيل: إننا قادمون إليك للاستشارة.

– ألعلكم تريدون معرفة مستقبل مريض؟

– كلا.

– أتبحثون إذن عن مفقود؟

– هو ذاك.

– إذن، ادفع لي خمسة جنيهات سلفًا، وضعها فوق المائدة.

فامتثل جوهن ووضع المال حيث أمرته.

وقالت: والآن اجلس بجانبي، وانتظر إلى أن أنام.

ثم اضطجعت على كرسيها وأطبقت عينيها.

فجعل قلب جوهن ينبض نبضًا عنيفًا حتى خشي أن يخرج من صدره.

٢٧

إن للتنويم المغناطيسي طريقتين: إحداهما أن المرء القابل للتنويم ينام بضغط منوم خبير، والثانية أن القابل للتنويم ينام من نفسه بمحض إرادته.

ويظهر أن هذه العجوز كانت من أهل الطريقة الثانية، فإنها أغمضت عينيها، ولبثت بضع دقائق دون حراك.

ثم أحنت رأسها برفق إلى جهة كتفها الأيسر، وتحركت شفتاها فتمتمت قائلة: إني أرى.

فكاد جوهن بيل يجن من سروره وقال: أترين؟

– نعم، فسلني عما يجول بخاطرك.

فقال لها المدير: أتعلمين من أنا؟

– نعم، إنك لورد نبيل.

ونظر جوهن إلى رفاقه نظرة انتصار، وقال لهم: أرأيتم كيف عرفت الحقيقة، وكيف أنه يوجد من الكنوز المدفونة ما يثبت أني من اللوردية.

واستمرت العجوز في حديثها فقالت: إنك تبحث عن كنوز.

– نعم …

– وهي كنوز مدفونة.

– لقد أصبت، ولكن هل أجد تلك الكنوز؟

– ستجدها.

– متى؟

– بعد ثمانية أيام.

– في أي مكان ألعلك ترين؟

– نعم …

فاتقدت عينا جوهن وقال: ما بالكِ ساكتة؟ تكلمي.

فلم تجبه بحرف.

فهمس مرميس في أذنه قائلًا: إنها تعبت فاصبر عليها.

فصبر جوهن مكرهًا على أحر من نار الجمر، إلى أن عادت العجوز إلى الكلام، فقالت: إني أرى وراء عُرض البحر أرضًا، وهذه الأرض جزيرة.

– ألعلها إرلندا؟

– ربما. بل نعم … نعم إرلندا، وستسافرون وتنزلون في ميناء صغير من هذه الجزيرة واقع في الجنوب.

– ألعله ميناء كورك؟

– ربما.

– وبعد ذلك؟

– تسيرون في طريق ممتدة وراء الميناء، وتصعدون إلى قمة، وتسيرون نحو ساعتين.

– وبعد ذلك أنقف؟

– إنكم تصلون إلى غابة واسعة، زرعت فيها أشجار السنديان منذ قرنين أو أكثر، وهذه الكنوز التي تبحثون عنها مدفونة عند جذع إحدى تلك الأشجار.

– أية شجرة؟

فسكتت العجوز وجعل العرق البارد ينصب من على جبين جوهن وأخذ يلح عليها بالسؤال وهي لا تجيب.

فصبر عليها جوهن بإيعاز مرميس إلى أن تستريح.

ثم رآها انتفضت فجأة وعادت إلى الكلام فقالت: أرى بينكم رجلًا قد شد حبلًا على وسطه.

فدهش جوهن وقال: هذا أكيد.

– وأن الحبل حبل مشنوق.

فاضطرب جوهن لهذه الحقائق، وجعل يسير في الغرفة ذهابًا وإيابًا بخطوات غير موزونة.

فقالت العجوز: وإني أرى بجانب هذا الشخص الذي عقد الحبل على وسطه شخصًا آخر، فيجب عليك حين تبحث عن كنوزك أن تصحب معك هذين الشخصين إلى الغابة التي ذكرتها لك.

وكان الرجل الذي أشارت إليه اللورد وليم.

فقال لها: حسنًا سأفعل.

– إن حبل المشنوق سيفيدك فائدة كبرى، ولكن هذه الفائدة لا تتم إلا إذا دخل إلى الغابة هذان الشخصان، وكان كل منهما ممسكًا طرفًا من طرفي الحبل.

– سيفعلان، والآن قولي لي كيف أستطيع أن أعرف الشجرة التي دفنت تحتها الكنوز؟

– لا أستطيع أن أقول لك اليوم.

– لماذا؟

– لأني لا أرى!

– إذن، سنبحث تحت جميع أشجار الغابة.

– إنك تضيع الوقت سدى، إذ يوجد في تلك الغابة نحو ألفي شجرة وكلها متشابهة.

فظهرت على محيا جوهن علائم اليأس وقال: إذن، كيف نعمل؟

– أنا أرشدك إلى طريقة، وهي أنه يجب أن تدع أحد المجانين يلمس هذا الحبل.

– لماذا اخترت أن يكون مجنونًا دون سواه؟

– لا أستطيع أن أقول لك ولكن ذلك لا بد منه.

– وبعد ذلك؟

– تسافر إلى كورك وتسير في الطريق الذي أرشدتك إليه، ثم تذهب إلى غابة السنديان فتدخل إليها مع الرجلين ويكون كل منهما ممسكًا بأحد طرفي الحبل، ويجب عليهما أن لا ينظرا نظرة إلى الأرض بل تكون أبصارهما شاخصة إلى السماء.

– وبعد ذلك؟

– وبعد ذلك يعثر أحدهما، فتقف عند المكان الذي عثر فيه، وتبحث تحت أقرب شجرة من الشخص الذي عثر، فتجد تحتها ما تبحث عنه.

فصاح جوهن صيحة فرح صحت لها العجوز، فنظرت إلى من حولها نظرًا تائهًا، إلى أن استقر على جوهن فقالت له: أأنت الذي كان يسألني حين كنت نائمة؟

– نعم.

– ألعلك كنت راضيًا؟

– كل الرضا.

– لا تؤاخذني بسؤالي، فإني حين أستفيق لا أذكر شيئًا مما قلته، حين نومي.

فأعطاها جوهن جنيهين وقال: يجب أن نسافر في الحال.

ثم خرج من الغرفة وتبعه رفاقه.

فلما صاروا في الشارع، قال له مرميس: لا أرى الأمر سهلًا، كما تراه يا حضرة المدير.

فحملق جوهن بعينيه وقال: كيف ذلك؟

٢٨

– ذلك أنه يجب قبل كل شيء أن تظفر بمجنون يلمس الحبل بيده، كما قالت العجوز.

– أليس اللورد وليم معنا؟

– نعم ولكنك تعلم يقينًا أنه سليم العقل.

– وإدوارد؟

– إنه مثله لا أثر في عقله للجنون.

– ولكنه كان مجنونًا.

– إنما المراد أن يمسك الحبل شخص به مس الجنون، فإذا كان إدوارد مجنونًا من قبل فهو الآن سليم العقل.

– إذن، ماذا نعمل؟

– يجب أن نبحث عن مجنون.

– ذلك سهل أيضًا فإنه يوجد في دوغلاس مستشفى للمجانين.

– أتعرف مديرها؟

– كلا فإني لم أره، ولم يرني، غير أننا تراسلنا وأن العلائق كثيرة بين مستشفانا في لندرا ومستشفاه.

– أتعلم أين هو هذا المستشفى؟

– كلا.

وكان ذلك الشخص الذي أرشدهم إلى منزل العجوز المنومة مارًّا في ذلك الحين فناداه وسأله أن يرشده إلى المستشفى.

فامتثل وسار أمامهم وهم في أثره.

فلما قربوا من المستشفى وقف مرميس فجأة وقال لجوهن: أتأذن لي يا سيدي بإبداء ملاحظة؟

– ما هي؟

– يجب أن ننهج مناهج الحكمة ونتمعن في كل أمر.

– ماذا تعني؟

– لقد قلت لي إن مدير هذا المستشفى لم يعرفك.

– هو ذاك فإنه لم يرني ولم أره.

– إذن، أصغ إليَّ أيها الصديق. إنك تعتقد بحبل المشنوق، كما أعتقد أنا به أيضًا، ولكن كثيرين من الناس لا يعتقدون هذا الاعتقاد، بل قد يوجد بينهم من يندهش، حين يعلم اعتقادك، وأنت من أطباء المجانين، وفوق ذلك، فإنك متأثر بهذا الحبل، تأثرًا عجيبًا، يبدو عليك لأول وهلة.

– ذلك لأن صبري كاد ينفد، وأود لو طرت بأجنحة، إلى تلك الغابة.

– هو ذاك، ولكن مدير المستشفى يندهش حين يرى منك هذا التسرع، وعندي أنه يجب أن تخبره بزيارتك من قبل.

– من يتولى إخباره؟

– أنا فإني أشد سكينة منك.

فتنهد جوهن وقال: ولكن ذلك يدعو إلى التأخير.

– إنه يؤخرنا ربع ساعة وهو خير من تأخير ثلاثة أيام.

فارتعش جوهن وقال: كيف ذلك؟

– ذلك أن المدير قد يندهش مما يراه من اعتقادك بالحبل، وطلبك أن يمسه مجنون، ويعجب من تأثرك وحكاية كنزك.

فيتزعزع اعتقاده بعقلك، فيكتب إلى إرلندا بشأنك ويبقيك عنده حتى يأتيه الجواب.

فاصفر محيا جوهن وقال: افعل ما تشاء، وادخل وحدك إلى مستشفى المجانين.

– أتنتظرني عند الباب؟

– نعم.

فواصلوا سيرهم، وكان الرجل الدليل يمشي بجانب مرميس، فقال له مرميس: ليفعل مدير المستشفى به ما يشاء، أما أنا فإني أجري حسب تعليمات الرئيس.

– ما هي تعليماته؟

– هي أن ألقى طريقة أبقي فيها جوهن بجزيرة مان.

– ألعلك لقيت الطريقة؟

– نعم، وراقب أنت جوهن بيل لأني داخل وحدي إلى المستشفى.

وكانوا قد وصلوا إلى المستشفى، فوقفوا جميعهم بعيدًا، وتقدم مرميس إلى البواب وقال له: هل المدير في المستشفى؟

– نعم يا سيدي.

– قل له إذن، إن زميله جوهن بيل، مدير مستشفى لندرا، قادم لزيارته.

فانحنى البواب وتقدم أمام مرميس إلى غرفة المدير، وهو يعتقد أنه جوهن بيل نفسه.

٢٩

كان هذا المدير يدعى وادامان، وهو مناقض أتم التناقض لزميله جوهن بيل، من حيث الطباع والأخلاق؛ إذ كان يشبه أكثر الإنكليز بالسكينة والجمود.

وكان يعتقد أن كل شخص يمشي، لما يجد من اللذة بالمشي، وكل شخص يتكلم دون أن يسفر حديثه عن نتيجة، فهو دون شك، من المجانين.

فلما دخل عليه مرميس كان جالسًا على منضدة، عليها كثير من الكتب والأوراق.

فلم ينهض لقدومه بل مد إليه يده مسلِّمًا وقال له: لقد آن لنا أن نتعارف بالوجوه يا زميلي العزيز بعد طول تعارفنا بالكتابة.

فأجابه مرميس، بنفس بروده: لقد أصبت، فقد تبودلت بيننا رسائل كثيرة.

– ما أسعدني بقدومك فإني لم أكن أتوقع زيارتك!

– إني جئتك في مهمة ألتمس قضاءها فإني مسافر إلى إرلندا مع ثلاثة مجانين من مستشفى بدلام.

وإن بينهم شخصًا يدعى ولتر بريس قد نال الشفاء تقريبًا، وكنت أتمنى أن يتم السفر شفاءه.

– ألعله انتكس؟

– وأي انتكاس، فإنه بعد أن خرجنا من لندرا عاوده الجنون، ولكن بشكل غريب فإنه نسي اسمه الحقيقي، وبات يعتقد أنه يدعى جوهن بيل أي أنا.

فلم يضحك المدير وقال: إنك تحسب هذا النوع من الجنون فريدًا في نوعه، ولكن قد اتفق منذ ستة أعوام، حادثة تشبه هذه الحادثة تمامًا في هذا المستشفى، فهل أتيت أيها الصديق تستشيرني في أمر هذا الشخص؟

– بل أتيت أسألك معاونتي فإني مسافر إلى لندرا ولي فيها مشاغل خاصة، فإذا بقي معي هذا المنكود ولتر بريس بعد انتكاسه شغلتني مراقبته عما سافرت من أجله.

– إذن، تريد أن أبقيه عندي في المستشفى إلى أن تعود؟

– هو ذاك، فهل أثقل عليك بهذا الطلب؟

– كلا فأرسله لي.

– إني ذاهب لإحضاره.

– ألعله في مكان قريب؟

– إنه واقف على الباب، ولا بد لي أن أخبرك بأنواع جنونه قبل إحضاره، فإنه لا يعتقد فقط أنه أنا، بل هو يعتقد أن لديه كنوزًا مدفونة، وأنه سيظفر بهذه الكنوز بواسطة حبل مشنوق.

– إن هذا الجنون أيضًا كثير الشيوع …

وهمَّ أن يروي له حادثة تشبهها.

فقاطعه مرميس وقال له: إني ذاهب لإحضار هذا المنكود، فهو واقف عند الباب.

ثم خرج مرميس إلى جوهن ووجده ينتظره بفارغ الصبر فقال له: هلم معي فقد أخبرت المدير بقدومك فهو يستقبلك خير استقبال، وتختار أي مجنون شئت من مستشفاه ليمس الحبل كما قالت العجوز.

فدخل جوهن مع مرميس إلى غرفة المدير، فلم ينهض المدير لاستقباله، ولكن جوهن هجم عليه فجعل يعانقه ويقول: ما أسعدني بلقائك، أيها الزميل العزيز!

فرد المدير بمثل تحيته وهو يبتسم.

– وإني أحسب نفسي سعيدًا باجتماعي بك، لأني سأعتزل المهنة وأنت في منصب الرئاسة.

– كيف ذلك؟

– ذلك لأني لورد أيها الصديق وسأغدو من كبار الأغنياء.

وكان من عادة هذا المدير أنه لا يناقض المجانين في شيء من أقوالهم فقال: لقد أخبروني بذلك فأهنئك.

أما جوهن بيل فإنه لم يكن يطيب له غير التحدث بثروته ولورديته وحبله، فقال: إن السير أرثر قد أحضر الحبل الذي طالما بحثت عنه.

– من هو أرثر هذا؟

فغمز مرميس المدير بعينه وقال: هو أنا يا سيدي.

فقال له المدير: وماذا تريد أن تصنع بهذا الحبل؟

– أريد أن يلمسه أحد المجانين عندكم.

– سأفعل كل ما تريد.

ثم ضغط على زر كهربائي فجاءه اثنان من الممرضين: فقال لهما: سيرا به إلى جوناتهام.

فالتفت جوهن إلى مرميس، وقال له: هات الآن الحبل، فقد قضي الأمر.

فأعطاه مرميس ذلك الحبل الذي شنق به توما.

فسار به مع الممرضين وبقي مرميس مع المدير.

فقال له المدير: إنهما سيصبان عليه الماء البارد، فيهدأ ثائر جنونه.

وعض مرميس شفته، كي لا يضحك، وقال: إنه محتاج إلى هذا العلاج.

•••

وكان مرميس باش الوجه، غير أن تلك البشاشة لم تدم، فقد فتح الباب عند ذلك، ودخل أحد الخدم وقال: إن المستر وجوربيم بالباب، يا سيدي.

فارتعش مرميس لسماعه هذا الاسم.

أما المدير فإنه أسرع لاستقباله، فإن هذا الزائر كان وكيل الجمعية الإنجليكانية في الجزيرة.

ودخل الوكيل فقال للمدير: ألم يزرك المستر جوهن بيل مدير مستشفى بدلام في لندرا؟

فدله المدير على مرميس وقال: هذا هو يا سيدي.

فجعل الوكيل ينظر إلى مرميس نظرات الشك، حتى إنه اضطرب لنظراته على كونه تلميذ روكامبول.

ثم بادره الوكيل بالحديث فقال له: أأنت هو المستر جوهن بيل؟

فتشدد مرميس وقال: نعم، أنا هو.

– إنك لم تحضر وحدك إلى الجزيرة، بل أحضرت معك مجنونًا يدعى ولتر بريس.

فقال المدير: قد أدخلناه الآن إلى المستشفى.

وقال مرميس: أما الآخر فإنه ينتظرني عند الباب.

فأخرج الوكيل دفترًا من جيبه فنظر فيه وقال: لقد حضر معك أيضًا شخص يدعى السير أرثر فأين هو؟

– إنه ينتظرني مع إدوارد.

– إني أحب أن أرى الاثنين.

فنهض مرميس وقال: إني ذاهب لإحضارهما.

– حسنًا تفعل، ولكن لا بد لي من القول لك إنه وردني تلغراف من لندرا بشأنك، وهذا التلغراف وارد من إدارة البوليس يقضي عليك أنت وجوهن بيل بالسجن مع رفاقك في المستشفى.

فتظاهر مرميس بالدهشة وقال: أنا جوهن بيل مدير مستشفى بدلام يُحكم عليَّ بالسجن مع المجانين؟ إنك مخطئ!

– كلا، فإن الأمر صريح.

فقال له مدير مستشفى الجزيرة، وقد راعه هذا الحُكم: افتكر يا سيدي أن هذا الرجل زميلي وأني لا أستطيع سجنه عندي إلا إذا كان مصابًا بالجنون.

– هو ذاك، ولكن الأمر الوارد إليَّ صريح، كما قلت لكم وهذا هو التلغراف:

إن جوهن بيل مدير مستشفى بدلام سافر من لندرا مع مجنونين أحدهما يدعى ولتر بريس، والآخر كوكري، ومع رجل عاطل يدعى السير أرثير فاقبضوا على الأربعة، واسجنوهم في مستشفى جزيرة مان، وألقوا تبعة الاحتفاظ بهم على مدير مستشفى مان، إلى أن يصل إليكم البوليس سكوتوي فيتصرف بهم كيف شاء، ويكون له عليهم مطلق السلطان.

فقرأ مرميس التلغراف أيضًا، ثم رده إلى الوكيل وقال: إن الأمر صريح يا سيدي، لا سبيل إلى نقضه، ولكن لا بد لي من أن أوضح لك أمرًا تجهله.

فَسُرَّ مدير المستشفى لقوله وقال: أوضح أيها الزميل العزيز فإني لا أطيق أن أراك متهمًا بتهمة الجنون.

فابتسم مرميس وقال: إنهم لا يتهمونني بالجنون بل بالمؤامرة مع المجانين.

فقال الوكيل: ماذا تعني بذلك؟

فقال مرميس في نفسه: أرى أن الاثنين يجهلان الحقيقة.

ثم التفت إلى المدير وقال له: إنك تعلم أيها الزميل العزيز أن مستشفيات المجانين يتفق لها كثيرًا أن تكون شريكة في جرائم سرية، فإن ولتر بريس هذا الذي يسافر معي ليس من المجانين، أو أنه لم يكن مجنونًا حين أدخل إلى مستشفى بدلام.

– إذن، لماذا أدخلوه؟

– لسبب سياسي، فإن ولتر بريس حين كان متمتعًا بقواه العقلية كان معاديًا للشركة الإنجليكانية التي ينوب عنها المستر وجوربيم، ولم تكن الشركة تعلم أن ولتر بريس قد بات مجنونًا حقيقة، بل كانت تعتقد أنه لا يزال سليم العقل.

فلما علمت الشركة أني سافرت به حسبت أني أحاول أن أسهل له سبل الفرار فلا بد لي أن أبقى أسيركم إلى أن تتضح الحقيقة فترد أوامر جديدة.

فقال المدير: إني أرجو أن لا يطول زمن انتظار ورودها.

وقال الوكيل: أظنها ترد مع البوليس سكوتوي.

فقال مرميس: متى يحضر البوليس؟

– غدًا وربما حضر اليوم.

– إنك عالم دون شك يا سيدي، أنهم حين أرسلوا إليك الأوامر بالقبض عليَّ، أرسلوا مثل هذه الأوامر إلى إدارة البوليس وإلى ربان الباخرة التي جئت فيها وإلى قومندان الميناء.

– هو ذاك.

– ولذلك بات فراري مستحيلًا إذا أردته.

– لا أظن أنك تحاول الفرار، فإن حقيقة أمرك لا تلبث أن تتضح فيفرج عنك.

– إذن، فاسمح يا سيدي أن ألتمس قضاء أمر.

– إنه يجاب إن كان في وسعي فعل ما تشاء.

– إني تركت عند الباب السير أرثير وإدوار وهو لا يزال مجنونًا ولكنه أخذ بالشفاء.

أما السير أرثير فهو بأتم العقل وقد سافر معي طائعًا مختارًا، وهو الآن يقبض عليه ويسجن مع المجانين.

– ما تريد بذلك؟

– إن هذا الرجل صديق لي وهو من الأشراف، وإنما سافر معي لمجرد خدمتي في بعض الشئون، فهل تأذن لي يا سيدي، أن أخبره بما اتفق لنا فأعزيه عن نكبته!

– لا بأس فأخبره.

– إني مضطر إلى استعمال الحيلة مع إدوار كي أتمكن من إدخاله إلى المستشفى.

– افعل ما بدا لك ويقيني أنه لا يخطر لك الفرار ببال فإني أحضرت معي ثلة من الجند وهي تطوق المستشفى.

فابتسم مرميس وقال: أرجو أن تطمئن يا سيدي، فإن الفرار يضيع حقي، وأنا أرجو أن أنال تعويضًا عظيمًا من الحكومة عن إساءتها إليَّ.

– إذن، فاذهب إليهما.

فخرج مرميس من تلك الغرفة إلى الباب الخارجي، حيث كان اللورد وليم وإدوار والدليل الإرلندي ينتظرونه فدنا منهم وقال لهم: إن الوقت ضيق لا يسمح لي بإيضاح فاعلموا أننا أسرى.

فاصفر وجه اللورد وليم فقال له مرميس: اطمئن يا سيدي اللورد فإن الرجل العبوس لا يلبث أن يحضر فينقذنا، فاعلم الآن أنك ستدخل وإدوار معي إلى هذا المستشفى وإني لا أدعى السير أرثير، بل جوهن بيل مدير مسشتفى بدلام.

فقال له اللورد: ولكن …

فقطع مرميس عليه الكلام وقال له: سأوضح لك فيما بعد فاعلم الآن أنك تدعى السير أرثير.

وكان الدليل الإرلندي يسمع الحديث فقال لمرميس: لا تخف يا سيدي فإني مع إخواني ساهرون عليكم.

وعند ذلك تأبط مرميس ذراع اللورد وليم، ودخل به إلى الوكيل مع إدوار فقال له: هذا هو، يا سيدي السير أرثير الذي أخبرتك عنه.

٣٠

بعد ذلك بساعة كان اللورد وليم ومرميس أسيرين في المستشفى أحدهما باسم جوهن بيل، والآخر باسم السير أرثير، وكان وكيل الجمعية قد انصرف فجعل مدير المستشفى يعتذر لمرميس، وهو يحسبه زميله ويطيب خاطره، فقال له مرميس: أرجو أن لا تستاء أيها الصديق لما أصابك، فإن البوليس سكوتوي لا يلبث أن يحضر فتتضح الحقيقة.

وكان المدير قد بالغ في إكرامهما تلطيفًا لنكبتهما، أما إدوار فقد وضع بين المجانين.

وكذلك جوهن بيل فإنه كلما صاح صبوا عليه الماء المثلج، حتى رأى أن لا حيلة له في إثبات صحة عقله فاستسلم للقضاء، وكف عن الصياح.

وفي صباح اليوم التالي دخل مدير المستشفى إلى غرفة مرميس وقال له: أبشرك بقدوم سكوتوي.

ولم يكد يتم حديثه حتى دخل سكوتوي، فلم يكد مرميس يراه حتى اهتز وكاد يفتضح أمره، فإن سكوتوي هذا إنما كان روكامبول بعينه، ولم يكن قادمًا وحده، بل كان يصحبه وكيل الجمعية الإنجليكانية، فإن هذا الوكيل كان واثقًا كل الوثوق أن روكامبول هو سكوتوي البوليس الذي أرسله إليه الأسقف.

•••

وكان روكامبول قد دخل إلى ميناء دوغلاس منذ ساعة، فكان أول من استقبله الدليل الإرلندي.

وكان روكامبول واثقًا أن وكيل الجمعية لا يعرف سكوتوي، لكنه تزيا بشكله من قبيل الاحتياط.

ولم يعرفه الدليل الإرلندي حين رآه، ولكن روكامبول عرفه بنفسه وقال له: أين رجالي؟

– إنهم في مستشفى المجانين، فإن وكيل الجمعية قد سجنهم فيه.

– كلهم؟

– نعم، غير أن السير أرثير عبث بهم جميعًا.

فظهرت على روكامبول دلائل الإعجاب بتلميذه وقال: كيف ذلك؟

وأخبره الدليل بجميع ما اتفق.

ولما أتم حكايته قال روكامبول: أتعرف منزل وكيل الجمعية؟!

– نعم.

– سر بي إليه.

فسار به إليه وأخبره الوكيل وهو يحسبه سكوتوي بجميع ما فعله.

فقال روكامبول: لا نية لي بحبس جوهن بيل والسير أرثير، لأن الأسقف أمر في البدء بالقبض عليهم جميعًا حذرًا من فرار ولتر بريس.

– والمجنون الآخر الذي يدعى إدوار!

– إن هذا سأعود به إلى بدلام حين عودتي إلى لندرا.

– إذن، يجب أن تبقي هنا اللورد وليم.

فأجابه روكامبول بجفاء: لا تذكر أبدًا هذا الاسم، واعلم أنه لا يوجد في الوجود رجل يدعى اللورد وليم، وأن هذا السجين يدعى ولتر بريس، وهو من المجانين.

– إذن، سندع ولتر بريس.

– نعم إلى أن يرد أمر جديد.

– وجوهن بيل أتطلق سراحه؟

– إني سأعود به إلى لندرا وهناك ينال ما يستحقه من التوبيخ.

– إذن، إنه سيكون أقل جزائه العزل.

– هذا لا ريب فيه.

وعندها ذهب الاثنان إلى مستشفى المجانين ودخلا إلى غرفة مرميس كما تقدم، وكان مرميس يمثل دور جوهن بيل أتقن تمثيل، فإنه جعل يوبخ روكامبول ويتوعده بالمقاضاة.

وكان روكامبول يمثل دور سكوتوي فيعتذر إلى مرميس عما حدث من الخطأ لسجنه.

وذكر له أن الحكومة لا بد أن تعوضه عن هذه الإساءة، غير أنه لامه لومًا لطيفًا وختم لومه بقوله: إنك تعلم حرص الحكومة على ولتر بريس وأنه شديد الخطر، ولذلك كان خطؤك عظيمًا بإخراجه من المستشفى، لأنه لو تمكن من الفرار لما نجوت من العقاب الصارم.

فقال له المدير: ألعلك عازم يا سيدي على إبقاء هذا المجنون عندي؟

– نعم فاحذر أن يفر.

– لا تخف فإن المجانين لا يستطيعون الفرار من هذا المستشفى.

•••

وبعد ذلك بساعتين كان روكامبول ومرميس واللورد وليم وإدورد كوكري وهيلون على ظهر الباخرة.

وقال مرميس لروكامبول: إلى أين نسير أيها الرئيس؟

– إلى إرلندا.

– ماذا نصنع فيها؟

فضحك روكامبول وقال: نبحث عن كنوز جوهن بيل.

ثم أقلعت بهم الباخرة سائرة إلى إرلندا.

٣١

يذكر القراء أن السير أرشيبالد كان قد ذهب إلى الأسقف، فلم يجده، لأن هذا الأسقف كان منهمكًا في كثير من المشاغل فلم ينم في منزله، في ذلك اليوم.

وفي اليوم التالي وردت إليه رسالة سكوتوي، وهي تلك الرسالة التي أملاها عليه روكامبول في السفينة.

فلما قرأها الأسقف سر سرورًا عظيمًا للقبض على وليم، ولما ذكر له سكوتوي من أمر الكنز.

وكان توقيع هذا البوليس صحيحًا وهو توقيع اصطلاحي سري متفق عليه بينه وبين البوليس.

ولم يجل الشك في خاطر الأسقف، وعقد النية على السفر إلى كورك، وهي ذلك الميناء الإرلندي الذي دعاه إليه سكوتوي بالرسالة كما يذكر القراء.

وفي الحال وضع شيئًا من الثياب في حقيبة فركب مركبة وسار بها إلى محطة لفربول، فركب القطار إليها.

ثم ركب البحر منها إلى كورك متخذًا أقرب الطرق إليها.

وكان البحر شديد الهيام فأقام الأسقف في غرفته في الباخرة لا يذوق طعامًا، ولبث على ذلك إلى أن ظهرت أرض إرلندا، وكان قد سكن بعض السكون، فشدد عزيمته وصعد إلى ظهر السفينة.

وكانت الشمس قد أشرقت فبينما هو واقف يتنشق نسيم الصباح دنا منه أحد المسافرين وحياه باحترام.

فقال له المسافر: أرى أن سيدي لم يعرفني.

فحدق به الأسقف وارتعش ثم قال: أظن أني رأيتك، ولكني لا أذكر أين.

– إني أدعى يا سيدي شوكنج.

فوقع هذا الاسم على الأسقف وقوع الصاعقة، إذ ذكر في الحال أن شوكنج رفيق الرجل العبوس.

أما شوكنج فإنه قال له: أسأل سيدي المعذرة فإني خُلقت كثير الكلام من طبعي، وقد رأيتك في هذه السفينة.

فقاطعه الأسقف بجفاء وقال: وبعد …

– إني ذاهب إلى إرلندا كما أنك ذاهب أنت.

ولم يجبه الأسقف بشيء بل أدار له ظهره ومشى، وقد تمكن الرعب من قلبه، وجعل يسائل نفسه في السبب في وجود شوكنج معه في السفينة، فاستنتج من ذلك أن الرجل العبوس قد جعله جاسوسًا عليه كي يقتفي آثاره.

وكانت السفينة أوشكت أن تصل إلى الميناء فجعل المستر توين يراقب شوكنج بطرف خفي، فيرى أنه لا يكترث له أقل اكتراث.

وبعد ساعة رست الباخرة في الميناء، ونزل المسافرون إلى البر وبينهم توين، وكان يرجو أن يرى البوليس سكوتومي قادمًا لاستقباله، ولكن ساء ظنه فإنه لم ير له أثرًا.

وفيما هو واقف يبحث عنه دنا منه رجل بملابس البحارة وقال: ألست يا سيدي بحضرة الأسقف بترس توين؟

– نعم.

– إن المستر سكوتوي قد أرسلني إليك بهذه الرسالة.

فأخذ الأسقف الرسالة وقرأ ما يأتي:

ليس جوهن بيل وحده الذي يبحث عن الكنوز، فقد تألفت هنا شركة من الإرلنديين للبحث عنها أيضًا، ولكنهم لم يهتدوا إليها بعد، أما أنا فقد اهتديت.

غير أني وجدت أنه لا بد من الاحتياط الشديد في هذا المقام، ولم أر من الحكمة أن أنتظرك في كورك كي لا أنبه إلينا الأنظار.

أما الكنوز فإنها مدفونة في مكان يبعد ستة أميال عن مدينة كورك، وأنا أنتظرك في منتصف الطريق، فاتبع الشخص الذي يعطيك رسالتي هذه فإنه من رجالي وهو من أهل الثقة.

سكوتوي

ففحص الأسقف الخط والتوقيع فوجد أنهما خط سكوتوي وتوقيعه، فنظر إلى الرجل الذي جاءه بالرسالة، فرآه بمقتبل الشباب، وهو بملابس البحارة، غير أنه لو دقق النظر في يديه لعلم من نعومتهما أن الرجل كان متنكرًا بهذه الملابس، وأنه لا يمكن أن يكون من رجال البحار.

وعند ذلك قال له: أأنت من رجال سكوتوي؟

– نعم، يا سيدي.

– إني متأهب للسير معك.

ثم نظر إلى ما حواليه نظرة الخائف باحثًا عن شوكنج، فإنه بات واثقًا أنه لم يسافر إلى إرلندا إلا للتجسس على أحواله، فلم يره فاطمئن بعض الاطمئنان، وسار في أثر الرجل حتى وقف به عند باب فندق فقال له الأسقف: ما عسى أن نصنع في هذا الفندق؟

– نقضي فيه بقية النهار يا سيدي، فقد رأى سكوتوي أنه ليس من الحكمة أن نخرج من كورك في رائعة النهار.

– لقد أصاب، وسأصبر إلى الليل.

– وقد جئت بك إلى هذا الفندق لبعده عن المدينة، وفنادقها غاصة بالغرباء، فلا يخطر لأحد أنك مقيم فيه.

فلم يعترض الأسقف، ودخل إلى ذلك الفندق، وهو فندق حقير ينتابه البحارة فيأكلون ويسكرون فيه ويتخاصمون ويعربدون، بحيث لا ينتبه أحد منهم من يدخل إليه من المسافرين أو غيرهم.

وصعد البحار المتنكر، أمام الأسقف إلى إحدى غرف الفندق فأدخله إليها وقال: يجب أن تبقى فيها إلى الليل، أما أنا فإني منصرف عنك لإعداد معدات السفر.

ثم انصرف، وأقام الأسقف سجينًا في تلك الغرفة إلى أن أقبل الليل فجاءه ذلك البحار وقال له: لقد آن يا سيدي أوان السفر فهلم بنا.

فخرج الأسقف معه خارج الفندق فوجد جوادين قد أعدهما البحار، فامتطى كل منهما جوادًا، وسار بهما الجوادان ينهبان الأرض إلى حيث كان يقودهما البحار.

٣٢

يكثر المسافرون في مدينة كورك بحيث ألف سكانها النظر إليهم فلم يعودوا يكترثون لهم، ولذلك لم ينتبه أحد لسفر الأسقف ومرشده.

وبعد أن خرجا من المدينة واجتازا بضعة فراسخ وصلا إلى قمة عالية، وكان الجوادان يصعدان إليها بعناء، غير أن الأسقف كان ماهرًا بركوب الجياد كسائر إخوانه الإنكليز.

فلما وصلا إلى أعلى القمة وقفا وكان الظلام حالكًا، والضباب كثيفًا فكانا يريان من ورائهما أنوار الغاز التي في المدينة تظهر صغيرة كالنجوم، وأمامهما تمتد السهول والغابات والوديان.

فالتفت البحار المتنكر إلى الأسقف وقال له: يجب أن ننتظر هنا.

– لماذا؟

– لأني أنتظر إشارة.

– ممن؟

– من المستر سكوتوي.

– إني لم أفهم شيئًا.

– إنه سيشير إلينا إشارة خاصة، فإما أن نتقدم بعدها أو نرجع.

– كيف ذلك؟

– إنه إن رأيناه وأشار إلينا أن نتقدم كان ذلك دليلًا على أن كل شيء قد تهيأ للتنقيب عن الكنوز.

– وإن لم تكن هذه المعدات قد تمت؟

– نعود عند ذلك إلى كورك.

فارتعش الأسقف، وتذكر شوكنج فقال له البحار: ولكني أرجو أن تكون الإشارة مؤذنة بالتقدم.

– إذن، لا بد أن يكون سكوتوي قريبًا منا.

– بل هو على مسافة ثلاث مراحل من هذا المكان الذي نحن فيه.

– إن كان ذلك فكيف يستطيع أن يشير إلينا؟

فمد البحار يده إلى ناحية البحر وقال: انظر ألا ترى نورًا يضيء في الأفق ويخترق الضباب كالنجم؟

– نعم.

– إنها نيران أوقدتها يد إنسان.

– إذن، هي الإشارة فلنتقدم.

– كلا، بل يجب أن ننتظر نيرانًا أخرى تضاء بجانب هذه النيران التي نراها الآن.

– إذن، لنصبر إلى أن نرى هذه الإشارة.

غير أن صبرهما لم يطل فإنه لم تمض هنيهة حتى ظهرت نار ثانية بجانب تلك النار.

فقال له البحار بلهجة المستبشر: هلم بنا الآن يا سيدي إلى الأمام.

ثم أطلق العنان لجواده فسار توين في أثره.

ولبثنا نحو ساعة وهما تارة يصعدان قمة، وتارة ينزلان إلى وادٍ، وطورًا يسيران في سهل.

إلى أن أوقف الدليل جواده فجأة فاقتدى به توين، ونظر إلى الأمام، فرأى رجلين قادمين إليهما.

وكان البحار قد رآهما فقال: هو ذا المستر سكوتوي، فإنه قادم لمقابلتك.

فتنهد الأسقف تنهد الارتياح.

وبعد هنيهة وصل الرجلان إليهما وقال أحدهما: أأنت هو يا سيدي الأسقف بترس توين؟

فعرف الأسقف من صوته أنه سكوتوي.

فدنا منه وصافحه وقد رأى معه رجلًا يصحبه فلم يستطع أن يتبين وجهه لشدة الظلام.

ولكنه لم يكترث له لاطمئنانه بعد أن رأى سكوتوي فقال: أرأيت أني لبيت دعوتك في الحال؟

– أشكرك.

وقد قال هذا القول بلهجة تشف عن الكآبة، فأنكر الأسقف هذه اللهجة وقال في نفسه: لا شك أنه لم يهتد إلى موضع الكنز.

أما البوليس فقد قال: لنتقدم يا سيدي.

ووضع جواده بإزاء جواده وسار وإياه وهو لا يفوه بحرف.

غير أن الأسقف أجفل لسكوته فقال: ما بالك حزينًا؟ ألعلك فشلت؟

– كلا، وما أنا بحزين.

– ألعل المكان الذي نسير إليه بعيدًا؟

– نعم.

وعاد إلى السكوت والتفكير.

فاشتد قلق الأسقف لما رآه من سكوت البوليس وارتياحه إلى الإيجاز في الحديث، كما أنه قلق أيضًا لسكوت ذلك الرجل الذي كان يصحب البوليس وقال في نفسه: لا بد أن يكون في الأمر سر؛ فإني ما تعودت من البوليس هذا المنهج.

وعند ذلك طرق أذنه خبب جياد كثيرة من محل بعيد، فوضع الرجل الذي كان يصحب البوليس إصبعيه في فمه وصفر صفيرًا اصطلاحيًّا.

فوجف قلب الأسقف، وبدأ يضطرب دون أن يعلم سبب هذا الاضطراب.

٣٣

وبعد هذا الصفير أتى فارسان فانضما إلى الجماعة، وواصلوا السير دون أن ينبس أحدهم بكلمة.

فقال بترس توين في نفسه: لا شك أن هذين الفارسين من رجال سكوتوي.

ثم ساروا نحو عشر دقائق، فصفر الشخص نفس الصفير الأول، وأتى على أثر الصفير فارسان، فانضما إلى الجماعة دون أن يتكلما، وواصلوا جميعهم السير.

فكبرت تلك المعميات على بترس توين وقال لسكوتوي: أما آن أن توضح لي هذه الألغاز.

فتظاهر سكوتوي أنه لم يسمع.

فعاد بترس توين إلى السؤال وقال له: من هؤلاء الرفاق فإننا كلما سرنا بضع خطوات ينضم إلينا اثنان، ألعل ذلك يدوم؟

– كلا يا سيدي فقد انتهينا.

وقد قال له هذا القول كمن تنبه من ذهول عظيم، ثم عاد إلى ذلك الذهول.

وظلوا سائرين حتى انتهوا إلى قمة، فعثروا عندها على آثار تلك النيران، فعيل صبر بترس توين لسكوت البوليس وقال له: ما هذا السكوت وما هذا التكتم، ألسنا ذاهبين للبحث عن الكنز؟

– نعم.

– وما شأن هؤلاء الفرسان أيذهبون جميعهم معنا للبحث عنه؟

– نعم.

وقد حار بترس توين في أمره، وحاول أن يحمل البوليس على الكلام، فلم يستطع.

فعاد إلى الدليل الذي أتى به من مدينة كورك وقال له: ألا تقول لي أيها الصديق ماذا أصاب المستر سكوتوي فإنه كثير الهم والتفكير؟

– لم يصب بشيء، ولكن هذه الأعراض تحدث له كثيرًا.

– ألعلك تعرفه؟

– عرفته حق العرفان فقد اشتغلنا معًا في كثير من الشئون.

– والآن ألعلنا اقتربنا من المكان الذي نسير إليه؟

– أظن.

– كيف تظن ألست واثقًا؟

– كلا فإن المكان لا يعرفه غير سكوتوي.

– ولكن ما شأن هؤلاء الفرسان معنا؟

– يظهر أن سكوتوي محتاج إليهم.

– لماذا؟

– للتأمين على الكنوز، فإنه يخشى الإرلنديين كما يظهر.

فكف بترس توين عن السؤال، وتابع الجميع سيرهم في القمة، حتى انتهوا إلى أعلاها.

فأمر رفيق سكوتوي الجماعة بالوقوف، وكانت هذه أول كلمة خرجت من فمه في هذه الرحلة.

فوقف بترس توين، وأخذ ينظر إلى المكان الذي هو فيه نظر الفاحص، فلم ير لاشتداد الظلام، غير آثار النار التي كانت موقدة في مرتفع القمة فقال في نفسه: ربما كانت الكنوز مدفونة في هذا المكان.

وعند ذلك أمر رفيق سكوتوي الفرسان أن يترجلوا، فامتثلوا جميعهم لأمره حتى سكوتوي نفسه فقد كان يظهر أنه خاضع لأوامر هذا الرجل.

فلم يخف ذلك على الأسقف وأوجس خيفة لا سيما حين رأى على نور تلك النار رجالًا نائمين على الأرض فوق تلك القمة.

فنادى الأسقف سكوتوي وقال له بلهجة تشف عما داخل فؤاده من الرعب: ما الفائدة من هذا الجمع الكثير ألعلنا في حاجة إليهم؟

– يظهر ذلك.

وكان الفرسان قد نزعوا الأعنة من الجياد وأطلقوا سراحها.

فانطلقت ترعى ذلك العشب الذي كان يغطي وجه الأرض خلافًا لجواد الأسقف فإنه لم يترجل عنه.

إلى أن جاءه الدليل وقال له: ما بالك يا سيدي لا تترجل؟!

– لماذا ألعل إقامتنا هنا تطول؟

– إننا نبيت في هذه القمة إلى الصباح.

– لماذا؟

– لأننا لا نستطيع مواصلة السير في الليل.

– كنت أحسب أن المكان قريب من هنا.

– هو ذاك، ولكنه في الجانب الآخر من هذه القمة وادٍ عميق، كما قال لي سكوتوي.

وهذا الوادي تكتنفه الأدغال من كل جانب بحيث يستحيل الدخول إليه في ظلام الليل.

وبينما كان الدليل يوضح للأسقف ما كان يسأله عنه، كان رفيق سكوتوي قد ألقى في النار بضع قطع من الأخشاب، فعادت إلى الشبوب وأضاءت ما حولها.

فنظر الأسقف إلى ذلك الرجل السري، وتبين وجهه على نور الوقود فلم يعرفه، ولكنه نظر إلى عينيه فذعر ذعرًا عظيمًا، والتفت إلى سكوتوي فأطرق سكوتوي برأسه إلى الأرض، وبدت علائم اليأس على وجهه فكان كمن حكم عليه بعقاب سري هائل.

٣٤

بعد أن جدد رفيق سكوتوي إيقاد النار اضطجع بقربها فوق العشب، فاقتدى به الجميع فالتف كل منهم بردائه، وحاول أن ينام.

وكانت مخاوف الأسقف أخذت بالازدياد، فإن كل ما كان يراه كان يحمل على الظنون.

غير أن ثقته بسكوتوي كانت قوية فاقتدى بالمضطجعين، وجعل يفكر بالحالة التي هو فيها فيقول في نفسه: إن سكوتوي قد ائتمن على سر الكنز نحو عشرة رجال، فهل يحتاج إلى مثل هذا العدد الكثير للتنقيب عن هذا الكنز؟

ثم هل يكون لهؤلاء الجماعة نصيب نسبي من الأموال المدفونة أم أن شأنهم معنا شأن العمال.

إذا كان ذلك فما بال سكوتوي يتكتم عني إلى هذا الحد، بل ما شأن هذا الرجل الذي أقبل معه لاستقباله، فإني أرى من لهجة سيادته أنه الزعيم الأكبر لهذه العصابة، وأنه الآمر الناهي، حتى سكوتوي يمتثل له صاغرًا.

وقد جالت جميع هذه الأفكار في خاطر الأسقف، فكانت تتمثل له أحاجي ومعميات لا يرى من خلالها غير الخطر، حتى إنه ندم لحضوره من لندرا، وعد عمله تسرعًا وطيشًا.

ثم إنه خطر له خاطر زاد في قلقه واضطرابه، وهو أنه إذا كان سكوتوي قد ظفر بهذا الكنز على فقره، فلماذا أراد أن يقتسمه مع الشركة الإنجليكانية.

وبينما كان الأسقف يتصور هذه التصورات ويضرب أخماسًا لأسداس في حل هذه المعميات، حانت منه التفاتة فرأى اثنين من رجال العصابة واقفين في مواقف الحراس، بينما كان الجميع نيامًا، فقال في نفسه: إنهم يتوقعون خطرًا دون شك، ولولا ذلك لما وضعوا الحراس.

وكان سكوتوي مضطجعًا بجانب الأسقف وهو يحاول الرقاد فلا يستطيع، فلما عيل صبر الأسقف هز كتف سكوتوي ففتح عينيه، وقال له بصوت منخفض: ماذا تريد؟

– إني أوشك أن أجن مما أراه وأنت لا توضح لي شيئًا، والذي أريده منك الآن أن توضح لي الحقيقة بما عهدته بك من الإخلاص، فقل لي: لماذا بتنا هنا بدلًا من أن نواصل السير؟

– ذلك لأنه يظهر لي أن الوادي عميق وأن النزول إليه في ظلام الليل شديد الخطر.

– إنك تخدعني يا سكوتوي على فرط إحساني إليك وثقتي بك، وما عهدي بك من المنافقين.

فلم يجبه البوليس بحرف.

فقال الأسقف: إنك دفعتني إلى السقوط في الفخ الذي نصب لي.

وقد أراد بهذا القول أن يحمله على الكلام وأن ينفي عنه هذه التهمة.

غير أن البوليس جعل يتمتم بكلمات لا تفهم.

فقال الأسقف بلهجة الأمر: أوضح كلامك، فإني لا أفهم ما تقول، وأجبني على سؤالي.

– لا أستطيع يا سيدي.

ثم زحف إليه ووضع فمه عند أذنه وقال له همسًا: احذر أن تصبح أو تبدو منك بادرة وإلا هلكنا.

وشعر الأسقف أن العرق البارد ينصب من جسمه.

وكان رفيق سكوتوي ذلك الرجل ذو النظرات النافذة مضطجعًا في مكان بعيد عنهما بحيث لا يستطيع سماع الحديث.

فقال للبوليس: كيف ذلك، وما حدث؟

– إني أسير يا سيدي، وقد أكرهت على الكتابة إليك والمسدس مصوب إلى رأسي.

فرعب توين رعبًا عظيمًا وقال: والكنز؟

– لا أعلم إن كان يوجد كنز، وإنما كتبت إليك عن هذا الكنز، ودعوتك إلى الحضور لأني كنت مكرهًا على كتابة ما أُملي عليَّ، ونحن الآن أسيران.

فقال الأسقف بصوت مختنق: ولكن من هو الذي أسرنا وكاد لنا هذه المكيدة؟

– إننا أسرى لدى هذا الرجل؟

– من هو هذا الرجل؟

فسكت البوليس ولم يجب.

وعند ذلك ذعر الأسقف ذعرًا شديدًا، إذ جال في خاطره الرجل العبوس، وفيما هو يمسح عرق اليأس المنصب من جبينه، رأى رجلًا من النيام قد نهض منذعرًا كمن صحا وقد أصابه الكابوس فنظر توين إلى وجهه على نور النيران المشبوبة فرأى أنه شوكنج.

وعند ذلك لم يبق لديه شك أنه في قبضة الرجل العبوس ما زال شوكنج مع العصابة فإنه من رجاله.

غير أن هذا الأسقف كان عازمًا صبورًا شديد التأني في مواقف الخطر فلم يسترسل إلى اليأس، بل إنه دنا من سكوتوي وهمس في أذنه قائلًا: ألم تجد وسيلة في جزيرة مان للنجاة من قبضتهم؟

– إني لم أذهب إلى الجزيرة.

– أهذا ممكن؟

– هي الحقيقة يا سيدي.

– إذن، لقد كاد لنا الرجل العبوس ونحن في قبضته الآن.

– هو ذاك يا سيدي، واأسفاه، فإن هذا الرجل ليس من البشر بل هو شيطان في صورة إنسان.

– أتعلم ما يريد أن يصنع بنا؟

– أما أنا فقد وعدني أن يعفو عني.

– وأنا؟

– لا أعلم.

٣٥

وساد السكوت بين الاثنين، فكان البوليس يضطرب من خوفه أن يصحو رئيس العصابة، وكان الأسقف يمعن الفكر فيما صار إليه، ويدبر حيلة للخروج من موقفه الحرج.

فقد كان يعلم قوة خصمه، وجعل يتكهن عن المستقبل ويبحث في الماضي.

وأول ما جال في خاطره التفكر في ما أعده الرجل العبوس من الانتقام، وذكر ماضي هذا الرجل وما اشتُهر به من صدق التوبة والصلاح، فأيقن أنه يقدم على قتله، ولا يسفك دمًا بشريًّا، وما زال آمنًا الموت فلا سبيل إلى القنوط من النجاة.

وقد التفت فرأى أن جميع العصابة ورئيسها نيام.

فخطر له خاطر الفرار، ودنا من البوليس وقال له همسًا: ألا ترى أننا نستطيع الفرار؟

فارتعش البوليس ثم هز رأسه قانطًا وقال: إن هذا محال.

– لماذا؟

– لأن هؤلاء النيام قد يستيقظون، ولأن الحراس ساهرون.

– لم يبق من الحارسين غير واحد، فإن أحدهما قد غلبه النعاس فنام.

– ألا يكفي حارس واحد لإيقاظ النائمين؟

– ولكنه سوف يقتدي برفيقه فينام.

– ولو افترضنا ذلك فإن فرارنا غير مضمون.

– لماذا؟

– لأننا أولًا في بلدة منعزلة.

– وماذا يضيرنا ذلك؟

– إنهم متى استيقظوا لا يصعب عليهم إدراكنا.

– ولكن خطر لي خاطر، فلنفرض أن الحارس الثاني قد نام كما نام الحارس الأول، وأننا نستطيع أن نزحف فوق هذا العشب زحف الأفاعي إلى حيث ترعى الجياد.

– نعم.

– إذن، نمتطي جوادين منها ونعود بهما إلى مدينة كورك.

فابتسم البوليس ابتسام المشكك بالفوز وقال: إني أحب أن أحاول الفرار معك، لكن رجائي بالفوز ضعيف.

– كم الساعة الآن؟

– أظنها تبلغ الثانية بعد منتصف الليل.

– يبقى أربع ساعات لطلوع الصباح فلينم الحارس الثاني، وأنا أضمن الفوز بالفرار.

وكأنما وثوق الأسقف من الفوز قد ولد الأمل في نفس البوليس فقال له: إني أوافقك على الفرار فلنصبر.

وعند ذلك انقطعا عن المحادثة وتظاهرا بالرقاد مع الراقدين.

وكان الحارس يسير ذهابًا وإيابًا وكان السير بترس توين يراقبه من حين إلى حين.

وظل الحارس على ذلك نحو ساعة، ثم اضطجع على العشب ونام، وكان الأسقف يراقبه فهز كتف البوليس وقال له: أرى أن الفرصة قد حانت فإن الحارس قد نام.

– لنصبر هنيهة إلى أن يغفو.

فصبرا نصف ساعة، ثم جعلا يزحفان على بطنيهما فوق العشب حتى وصلا إلى موقف الجياد، فهمَّ الأسقف أن يمتطي أحدهما، فمنعه البوليس وقال له: إننا إذا ركبناها هنا فقد تعدو بنا فيستيقظ النيام لوقع حوافرها، فلنقدها بأعنتها ولنسر بها برفق إلى حيث لا يُسمع لحوافرها صوت فنمتطيها.

– لقد أصبت …

ثم أخذ كل منهما بعنان جواد وجعلا يسيران سيرًا خفيفًا، وكلما تقدما بضع خطوات التفتا إلى الوراء كي يريا إن كان أحد من رجال العصابة قد صحا.

وما زالا على ذلك حتى بعدا عن العصابة، فوثب الأسقف إلى ظهر جواده، واقتدى به البوليس.

ثم أطلقا لجواديهما العنان فاندفعا بهما فوق تلك المروج الخضراء اندفاع الرياح.

وكان الأسقف يترنح طربًا فوق جواده ويقول: لقد نجوت اليوم من الرجل العبوس، ولكنه لا ينجو مني الغد.

ولم يمر بهما بضع دقائق حتى اجتازا القمة وباتا في سهل متسع فسارا به وهما لا يدريان أين يسيران لاشتداد الظلام.

ولم يسمعا حسًّا من ورائهما، فكانا واثقين أن عصابة الرجل العبوس نائمة، وأنه لم يفطن أحد إلى فرارهما.

وكان الليل حالك الظلام بحيث كان الجوادان يسيران حسب أهوائهما.

غير أن توين لم يكترث بشيء من ذلك، بل كان همه منصرفًا إلى السرعة والابتعاد عن الرجل العبوس ورجاله، فقال للبوليس: إننا إذا سرنا هذا السير ربع ساعة أيضًا فقد نجونا دون شك.

– قد تصدق هذه الأمنية، ولكن إلى أين نحن سائران؟

– إننا عائدان إلى مدينة كورك.

– ألعلك واثق أننا عائدان إليها؟!

– إني لا أشك بأننا سائران في نفس الطريق التي جئت فيها من تلك المدينة.

– قد تكون مخطئًا فإن الطرق تتشابه في هذه السهول.

– وفوق ذلك، فقد لاحظت أني أمتطي نفس الجواد الذي جئت عليه من كورك.

– وما يفيد ذلك؟

– يفيد أن الجواد متى أطلقت له الحرية عاد بالسليقة إلى مربطه، ولما كان هذا الجواد من كورك فهو عائد إليها دون شك.

– ولكن من يضمن أن جوادي أنا مستأجر من كورك؟

– لا بأس في ذلك فإن جوادك يقفو أثر جوادي منذ فرارنا إلى الآن.

فسكت البوليس، ولكنهما لم يسيرا بضع خطوات حتى شعرا أن حوافر الجوادين تقع على حجارة صلبة، ولم يكن في الطريق من كورك إلى القمة مثل هذه الحجارة.

فتنهد سكوتوي وقال: لقد كنت متوقعًا هذا الخطأ.

– أي خطأ تعني؟

– ألا تشعر أن حوافر الجوادين تقع فوق الحجارة.

– ماذا يفيد ذلك؟

– يفيد أننا ضللنا السبيل، فإننا لم نجد من كورك إلى القمة التي كنا فيها غير العشب.

– وما علينا من ضلالنا فإننا إن لم نصل إلى كورك وصلنا إلى سواها.

– هو ما تقول، بشرط أن لا نصل إلى قرية من قرى الإرلنديين.

فارتعد الأسقف لذكر الإرلنديين، وكان جواداهما يسيران في منحدر، فشعر سكوتوي أن الانحدار قد زاد فحاول الوقوف غير أن توين لكز بطن جواده وقال: الفرار.

وعند ذلك سمع صوتًا يلعلع فوق رأسيهما، وخيل لهما أنه ضاع بين الغيوم وهو صوت صفير قوي.

فالتفت البوليس إلى ورائه علَّه يقف على سر هذا الصفير فرأى أن السماء قد احمرت فوق المنحدر الذي كانوا نزلوا منه، فذعر وقال: إنها آثار النيران ولا شك أنهم شعروا بفرارنا.

– إذن، لنسرع العدو فإننا نتقدمهم بمسافة كبيرة.

ثم دفع جواده في ذلك المنحدر الذي كان يظهر أنه لا نهاية له، وكان الجوادان ينطلقان انطلاق السهم، وسكوتوي يلتفت من حين إلى حين إلى الوراء ثم يرفع عينيه إلى السماء متفقدًا الوهج فيراه على ازدياد.

ومما زاد في شقائهما أنهما لم يكونا عالمين إلى أن يسيران، فكان الشرطي ملأ قلبه اليأس خلافًا للأسقف، فإنه كان يعلل نفسه بالفوز ويقول: لا بد لنا أن نصل إلى مكان نأمن فيه الخطر.

وفيما هما سائران رأيا شعاعًا قد تألق فجأة في أسفل المنحدر يشبه ذلك الوهج الذي رأياه في كبد السماء وراءهما فأوقف بترس توين جواده وقال لسكوتوي: انظر.

– ماذا تصنع؟

– أرى أنه يجب أن نتقدم فلا بد أن يكون هذا الشعاع من منزل في أسفل المنحدر أو من حقل.

– إذن، يجب التقدم؟

– هذا ما أراه.

– وإذا كان أصحاب هذا النور من الإرلنديين؟

– يفعل الله ما يشاء.

– إذن، لنسر على بركات الله.

وكان النور الذي يبدو لهما من أشعة المنحدر يتعاظم فكانا يريان من حولهما أشباحًا سوداء تمثلها لهما الصخور الضخمة والقمم.

ولما رأى ذلك سكوتوي أوقف جواده وقال: أرى أننا ضللنا مرة ثانية، أتعلم أين نحن الآن؟

– كلا.

– إننا ننزل إلى واد عميق.

– وهذا النور الذي تراه؟

– إنه مضاء في الفضاء وليس في منزل.

– لقد أناره الرعاة دون شك.

– أو عصابات الإرلنديين.

فذعر الأسقف لخوفه من الإرلنديين وقال: إذن، لنرجع على أعقابنا.

فاستسلم البوليس للقضاء وقال: أية فائدة بقيت من الرجوع؟

ثم لكز جواده فانطلق في ذلك المنحدر، وتبعه جواد بترس توين بالرغم عن فارسه، فإنه بذل جهده في سبيل إيقافه فلم يستطع.

وعند ذلك سمعًا صفيرًا شديدًا كالصفير الأول وانطفأت في أثره تلك الأنوار التي كانت تضيء في أسفل المنحدر.

٣٦

وكأنما الجوادان قد أجفلا لهذا الصفير فانطلقا انطلاق السهم، وجمحا فلم يستطع الهاربان كبح جماحهما.

ثم رأى الفارسان أن المنحدر قد ضاق بعد اتساعه، وأن على جانبيه هوتين هائلتين، فقال سكوتوي: لقد قضي علينا.

وقد أصيب الأسقف بمثل ما أصيب به رفيقه من الرعب، ولكنه لم يقنط بل أمسك بشعر جواده كي لا يسقط عنه، وكان المنحدر يضيق كلما نزلا فيه حتى بات عرضه لا يزيد عن ثلاث أذرع.

ثم سمعا صفيرًا آخر فزاد جماح الجوادين، وكبا جواد سكوتوي فسقط عنه ولكنه لم يسقط في أرض المنحدر، بل اندفع إلى الهاوية، وبعد أن صاح صيحة رعب منكرة.

وقد مسع الأسقف صيحته، ثم لم يعد يسمع بعدها شيئًا، فأيقن أنه سقط في الهاوية، وأن الهاوية عميقة جدًّا، حتى إن صوت سقوطه لم يصل إلى مسمعه.

ثم رأى جواد سكوتوي يسير بجانب جواده دون فارسه، فلم يخطر له في تلك الساعة أن ينجو من قبضة الرجل العبوس، بل كان يحاول أن لا يصاب بما أصيب به سكوتوي.

فبذل جهده كي يوقف جواده، فلم يستطع، فأمسك جيدًا بشعره وتركه يسير كما يشاء، بعد أن لم يجد سبيلًا لكبح جماحه واستمر الجواد في ركضه، والظلام محيط به.

ثم رأى أن ذلك النور الذي كان يضي في أسفل المنحدر قد انطفأ فجأة، ثم عاد فجأة أيضًا إلى الإضاءة، ولكنه كان هذه المرة قريبًا جدًّا من الأسقف بحيث لم يبعد عنه أكثر من مائة متر.

وقد فاجأ هذا النور عينيه في الظلام الدامس فاضطر إلى إطباقهما، ثم فتحهما ونظر إلى ما حوله فرأى أنه لم يكن يسير في منحدر بل في منجم حفرته أيدي العمال تحت الأرض.

وكان الحفر ممتدًّا من أعلى القمة، فلما وصل الأسقف إلى أسفل المنحدر رأى على ذلك النور الساطع رفيقه سكوتوي المنكود وهو جثة جامدة لا حراك فيها.

وعند ذلك وقف جواده فخف اضطرابه، وزال ما كان عنده من اليأس ولم يعد يروعه غير موت رفيقه سكوتوي فإنه كان يعتقد أنه بات بعيدًا عن الرجل العبوس، وإن رجال هذا المنجم لا علاقة لهم بعصابات الإرلنديين، فهو سيلجأ إليهم ويهتدي منهم إلى الطريق فيعود آمنًا إلى كورك ويسافر إلى لندرا.

غير أن سكينته لم تطل لنكد حظه فإنه سمع صفيرًا من ورائه، ثم صفيرًا آخر يشبهه من المنجم، وتلا هذا الصفير صوت وقع حوافر جياد قادمة من المنحدر فعاوده الخوف، وأيقن أنهم يطاردونه وأنه لم يبق له سبيل للفرار.

وكان جواده يسير الهويناء فوقف عند جثة سكوتوي وهي غارقة بالدماء، فنظر إليها نظرة القنوط، وقال: يا ليتني مت هذه الميتة فإنها خير من الرجوع إلى أسر الرجل العبوس.

٣٧

وفيما هو على ذلك سمع صفيرًا آخر رن صداه في تلك الهاوية التي كان فيها، ورأى الأشعة تتماوج منها وتتحرك وهي تدنو منه، فعلم أن هذا الصفير لم يكن إلا إشارة اصطلاحية، وأن هذه الأنوار المتحركة التي كانت تدنو منه لم تكن إلا مصابيح يعلقها عمال المناجم عادة في رءوسهم كي يسترشدوا بأنوارها.

وكانت المصابيح تدنو منه من الأمام والجياد تقترب إليه من الوراء، وهو سجين بينهما لا يجد منفذًا للخروج.

وقد وصل إليه عمال المناجم قبل وصول الفرسان.

فرأى بترس توين عشرة رجال عراة الأبدان إلى الوسط، وعلى رأس كل منهم مصباح يضيء.

فأحاطوا به جميعهم، وأمروه أن ينزل عن جواده ففعل، وعند ذلك تقدم أعظمهم جثة من توين وقال له باللغة الإنكليزية: من أنت وما أتيت تعمل هنا؟

– إني مسافر ضللت السبيل.

فضحك الجميع لجوابه ضحكًا عاليًا، وقال زعيمهم: ألست أسيرًا هاربًا؟

فأشار له الأسقف إشارة سلبية، لأن لسانه لم ينطق بالكلام لما أصابه من الرعب.

ثم سمع وقع حوافر جياد فالتفت فرأى ستة فرسان قادمين إليه من ذلك المنحدر العميق وهم يسيرون اثنين اثنين.

ورأى في طليعتهم ذلك الرجل الذي كان يتولى زعامة العصابة فوق القمة التي كان فيها قبل الفرار.

ثم وصل الفرسان وترجلوا عن جيادهم فحياهم عمال المناجم بملء الاحترام.

وعند ذلك دنا الزعيم ذو النظرات النافذة من الأسقف فوضع يده فوق كتفه وقال له: إنك من الفرسان الماهرين يا سيدي، ولكنك قد تكون أخطأت بعدم اختيارك الميتة التي مات بها المستر سكوتوي.

فذعر الأسقف لهذه اللهجة ولهذا الصوت ولكنه لم يجب.

وعاد الرجل إلى الحديث فقال: إن سكوتوي المنكود قد أخطأ لفراره فإني لم أقتصر على العفو عنه، بل إني وعدته أن أذهب به إلى فرنسا حين أتمم أشغالي في بلادكم.

وكان توين ينظر إليه وهو يكلمه ويقول في نفسه: إنه لا يستطيع أن يقول مثل هذا القول غير الرجل العبوس، ولكن هذا الوجه ليس وجهه؟

وكأنما الرجل قد أدرك ما يجول في خاطره فضحك وقال له: ألم تصدقني يا سيدي الأسقف؟

فتراجع منذعرًا وقال: ما هذا الصوت؟

– إنه صوت المستر بريدت فكيف لم تعرفني يا سيدي وقد تشرفت بعشرتك أسبوعين؟

وعند ذلك تجلد الأسقف واستسلم إلى القضاء فوضع يده فوق صدره وقال له: نعم، فقد عرفتك الآن، وإني لا أنتظر منك عفوًا ولا مرحمة، فقل ماذا تريد مني؟

فقال الرجل العبوس وقد كان هو بعينه: لقد أصبت يا سيدي فإنك كدت تنزع الرحمة من قلبي.

فقال له توين بلهجة شفت عن توقعه الموت بملء السكينة: قل ماذا تريد؟

– إن كلينا يا سيدي يسعى إلى غاية، وقد التحمت الغايات، ونحن في عراك دائم منذ أسبوع، وقد انتصرت عليَّ مرة، فلما وضعتني في سجن نوايت حسبت أن الحرب قد وضعت أوزارها.

– وبعد ذلك؟

– إني لو بقيت بضع ساعات في ذلك السجن لقرت عيناك برؤيا الرجل العبوس معلقًا من عنقه، وعلى ذلك فإنك تأخرت بضع ساعات.

فقال له الأسقف بكبرياء: ولكن، قل لي ماذا تريد أن تصنع بي فإني يئست من هذه الحياة؟

فضحك الرجل العبوس وقال: إنك لا تفتكر بما تقول يا سيدي، ثم أنك تعلم أن الإرلنديين، وأنا أحد زعمائهم، لا يسفكون الدماء إلا حين لا يجدون بدًّا من سفكها، ولذلك لا أحكم عليك بالموت.

فاطمئن توين لهذا التصريح، لأنه كان يطمع بالنجاة والإفلات من قبضته بعد أن أبقى على حياته، وكما أن الرجل العبوس تمكن من الفرار من سجن نوايت وظفر به، فهو لا يعدم وسيلة للفرار من الرجل العبوس والظفر به أيضًا.

فنظر إلى روكامبول وقال بلهجة الملتمس: أسألك بالله أن لا تطيل جزعي وأن تخبرني أي نوع من أنواع الأسر أعددت لي.

– إني حكمت عليك يا سيدي بالسجن المؤبد ولا بأس عليك في ذلك، فإن كثيرين من أتقياء رجال الدين أمثالك كانوا يحكمون على أنفسهم بمثل هذا السجن المؤبد طائعين مختارين.

– أين تريد سجني؟

– في قلب هذا المنجم.

فذعر توين لهذا السجن الرهيب وقال: احذر من العاقبة فلا شيء يدوم في هذا الوجود.

– إن سكنك سيكون مؤبدًا يا سيدي إلا إذا أصبت خلال مدة سجنك بحادثة تمنعك عن الضرر أو الإيذاء في مستقبل الأيام، وتجعلك في عيون الناس أهلًا للرحمة والإشفاق، فبعد ذلك يطلق سراحك.

فجمد الدم في عروق توين، وهو لم يعلم حقيقة ما أراد روكامبول، ولكنه توقع حوادث هائلة.

وعند ذلك أمر روكامبول رفاقه أن يمتطوا صهوات جيادهم، وأمر عمال المناجم أن يحملوا السير بترس توين ويضعوه فوق جواده ففعلوا، ودخل روكامبول ورجاله إلى ذلك المنجم العميق.

٣٨

إن هذا المنجم الذي دخل إليه روكامبول ورفاقه كان مدخله عريضًا وعاليًا فدخلوه بجيادهم.

وكانت مركبات النقل مصطفة فيه على الجانبين، وفي كل مسافة عشرة أمتار مصباح كبير معلق في القبة، وفي الجملة فإنه كان يشبه نفقًا تسير فيه القطر الحديدية تحت الأرض.

وكان الأسقف يسير فوق جواده تحيط به عصابة روكامبول، أما روكامبول فكان يسير في طليعة رجاله.

وقد حاول توين مرارًا أن يقف، ولكن العصابة المحيطة به كانت تمنعه عن الوقوف، فكانوا يسيرون تارة بين المصابيح المضيئة، وتارة يكتنفهم الظلام الدامس.

وداموا على ذلك نحو ربع ساعة مرت بتوين مرور الأدهار إلى أن أوقف روكامبول جواده وقال: قفوا. فأوقفوا جيادهم.

وعند ذلك ترجل عن جواده فاقتدى به الجميع وأسرع العمال إلى الأسقف فأنزلوه عن جواده.

وقد اصفر وجهه حتى بات كالأموات، ولكن اصفراره لم يكن عن خوف بل عن تأثر عصبي، فقد كان شجاع القلب، وقد ذهب عنه اليأس حين علم أنه لم يحكم عليه بالموت.

فاقترب الرجل العبوس عند ذلك منه وتأبط ذراعه دون كلفة وقال له: تعال معي يا سيدي، فإننا مضطرون إلى مواصلة السير على الأقدام وهي فرصة نغتنمها للمحادثة.

وكان يكلمه بلهجة تشف عن السلامة وأنه يطوي له خير النيات.

فسار الأسقف معه حتى دخلا في رواق ضيق.

فالتفت قبل دخوله في الرواق، فرأى أن رجال العصابة لا يتبعونهما ما خلا اثنين من العمال كانا يتقدمانهما ليرشداهما إلى الطريق. إن الرواق كان مظلمًا إذ لم يكن فيه مصابيح.

بدأ روكامبول الحديث مع الأسقف فقال: لا شك أنك مستاء أشد الاستياء يا سيدي مما أصابك، إنك على فرط ذكائك ودهائك خُدعت كما يُخدع الأطفال.

فأجابه الأسقف وقد استنكر هذا التهكم: إنني في قبضة يدك وحسبك هذا الفوز فلا سبيل إلى الهزء.

– إني لا أهزأ بك يا سيدي، ولكني أقول الحقيقة، وسأثبت لك أيضًا أني بعيد عن الهزء لأني مخبرك بما أعددته لك.

– إني أنتظر أن أسمع حكمك.

– لقد تقدم لي القول أني حكمت عليك بالسجن المؤبد، إلا إذا أصبت بما يمنعك عن إيذاء الناس فأطلق سراحك.

فأجابه الأسقف وقد تنبهت فيه عاطفة الكبرياء: أو إذا أنقذوني.

– إن ذلك صعب، ولكني لا أمنعك عن التعلل بهذا الرجاء.

وعند ذلك وقف العاملان المرشدان فجأة، فرأى الأسقف أن الدهليز الذي يسيرون فيه قد انتهى عند قبة، ووجد تحت هذه القبة شيئًا غريبًا استلفت أنظاره، وظهر لعينيه لأول وهلة بشكل صندوق يبلغ ارتفاعه ست أقدام وعرضه أربع.

ولكنه عندما اقترب منه ورآه وجد أنه قفص مصنوع من قضبان ضخمة من الحديد.

فقال له روكامبول عند ذلك ببرود: هذا هو السجن الذي أعددت لك يا حضرة الأسقف.

فجمد الدم في عروق الأسقف، وحاول أن ينزع يده من يد روكامبول فلم يستطع، قال له روكامبول: إن مقاومتك لا فائدة منها.

فكاد الأسقف يتميز من غيظه، وقال له: إنك سافل دنيء.

فلم يجبه روكامبول، ولكنه أشار إشارة إلى العاملين فأطبقا عليه.

وحاول الأسقف أن يدافع عن نفسه فلم يمهلاه، فحملاه وأدخلاه إلى ذلك القفص وأغلقا بابه الحديدي.

وكان يوجد في القفص كرسي ومائدة فقال روكامبول: إنهم سيحضرون لك الطعام كل يوم.

وأودعك الآن يا سيدي، وعسى أن تذكر أنك من الأساقفة فتلقى الله تائبًا نادمًا عما اقترفته من الآثام.

ثم تركه وانصرف.

فهاج توين هياج الأسود الضارية، وهجم على تلك القضبان الحديدية يريد كسرها، ولكنه عاد عنها بالخيبة وهو يصيح صياح المجانين.

ثم وقف ينظر إلى العاملين يسيران بمصباحهما حتى خرجا من الدهليز، وساد الظلام.

وبقي وحده في ذلك القفص الضيق المظلم عدة ساعات وهو يستغيث فلا يجيبه غير الصدى.

ثم يهيج ويندفع هاجمًا على باب القفص، فيصدمه صدمًا عنيفًا، ويقع على الأرض من شدة الصدمة حتى أعياه الأمر، ورأى أن ما يفعله ضرب من الجنون فاضطجع في أرض القفص وهو يؤثر الموت على هذا الأسر.

وفيما هو على ذلك والظلام الدامس يكتنفه من كل صوب سطع نور شديد تبلغ قوته عشرات أضعاف قوة الشمس لدى من يحدق بها.

فسطع هذا النور الغريب وكشفت ستائر كانت موضوعة على جدران القبة، فظهر أن تلك الجدران قد وضعت فوقها المرائي البراقة وهناك آلة ضخمة تعكس الأنوار الكهربائية.

فشعر توين بألم شديد في عينيه كأنما أصيبتا بحديد محمي بالنار فأطبق عينيه، وعلم ما كان يعنيه روكامبول بقوله: «سيكون سجنك مؤبدًا إلا إذا أصبت بما يمنعك عن إيذاء الناس.»

وذكر ما روي عن دنيس الظالم، الذي كان يعاقب أسراه بالعمى، فيضعهم في الظلمات الدامسة، ثم يطلق عليهم فجأة الأنوار البازغة، فيفقدون البصر.

وعندها، أيقن أنه حكم عليه بالعمى.

٣٩

ولم يحاول الأسقف أن يبحث عن النور فإنه حين سطع فجأة صاح صيحة ألم وأطبق عينيه اتقاء لحرارته المؤلمة.

غير أن هذا الحذر لم يفد، فإن النور قد نفذ إلى عينيه فأثر تأثيره فيها.

ودام تألقه نحو عشر دقائق، ثم انطفأ فجأة كما سطع، فعادت الظلمات إلى الدهليز.

وبينما هو يفكر في طريقة يتقي فيها آلام هذا النور وأخطاره، سمع وقع أقدام، فعلل نفسه بالرجاء.

فإن رجال الشر يثقون غالبًا برأفة غيرهم من الناس.

فعلق الرجاء بقلب هذا الوحش الضاري الذي لم يعرف الرحمة، وقال في نفسه: إن الرجل العبوس قد اشتُهر شهرة بعيدة بالرفق والإصلاح ومكارم الأخلاق، فهو لا يرتكب جريمة إعمائي دون شك، وإنما فعل فعله من قبيل الإرهاب.

– وعند ذلك وقف في قفصه، واتكأ على قضبانه الحديدية، وأدار رأسه إلى الجهة التي سمع فيها وقع الأقدام فرأى نورًا.

وكان هذا النور مصباحًا يحمله رجل بيده ويدنو من القفص، فقال توين في نفسه: لا شك أنه الرجل العبوس وأنه قادم ليعفو عني مقابل إرجاع ثروة أسرة باميلتون للورد وليم.

فلما قرب الرجل منه وتبين وجهه ذهب ذلك الرجاء الذي علل به نفسه، فإن هذا الشخص لم يكن روكامبول، بل كان شوكنج ذلك المتسول القديم الذي احتقره بترس توين حين كلمه في الباخرة وأبى أن يجيبه.

وكان شوكنج يحمل بإحدى يديه مصباحًا وبالأخرى سلة فيها طعام.

فدنا من القفص وحيا الأسقف، ولكن بترس توين جعل ينظر إليه ولم يرد التحية.

فقال له شوكنج بلهجة المسكنة: ألا تزال متكبرًا عليَّ يا سيدي؟

– إني لا أتكبر على أحد.

– إن كان كذلك فإننا نستطيع المحادثة.

– ألديك ما تقوله لي؟

– أولًا إني قادم إليك بالطعام.

ثم أخرج من السلة ما كان فيها من خبز ولحم وخمر، وقال له: أسألك المعذرة يا سيدي، فإني لم أحضر لك سكينًا لتقطع اللحم لأن الرجل العبوس لا يريد.

– لماذا لا يريد؟

– إنه يخشى أن يتمكن منك اليأس فيؤدي بك إلى الانتحار.

– لقد أخطأ الرجل العبوس.

– وأنا أرى ما تراه يا سيدي الأسقف من خطئه، لأن من كان مثلك لا يتناوله هذا الضعف.

فأخذ بترس توين الطعام من شوكنج، ووضعه على المائدة دون أن يأكل منه.

فقال له شوكنج: ألست جائعًا يا سيدي؟

– لم أجع بعد؟

– ولكنك إن لم تأكل الآن اضطررت أن تأكل في الظلام لأني أفارقك وأذهب بالمصباح.

– لا بأس فإني أؤثر الظلمة.

– ولا سيما حين يتلوها مثل ذلك النور الساطع الذي فاجأ عينيك منذ حين.

فنظر الأسقف نظرة غريبة إلى شوكنج وقال له: أتعرف هذا النور أيضًا؟

– نعم.

– وهذا النور؟

– سيفاجئك في كل ساعة يا سيدي على التوالي …

فأجابه بصوت مختنق: ولكن لماذا؟

– إنك ما زلت اليوم تكلمني برفق يا سيدي دون استكبار فإني موضح لك ما أعلمه، فاعلم أن هذا النور الذي كاد يحرق عينيك منذ هنيهة قد اخترعه جوهن أوبريان، وهو إرلندي عريق بالإرلندية، وأحد كبار زعمائهم.

– ولأية غاية؟

– لتعذيب من يقع في يد الإرلنديين من أعدائهم.

– وماذا يحدث من توالي هذا التعذيب؟

– لقد جربوه مرارًا فاتضح لهم أن من يحكم عليه به، يفقد بصره بعد ثلاثة أيام، وأن كثيرين أصيبوا بعد ذلك بالجنون.

فارتعدت فرائص بترس توين وقال: ألعلهم حكموا عليَّ بهذا العقاب؟

– نعم يا سيدي، ولكن نجاتك موكولة إليك.

– كيف ذلك؟

– ذلك أني لست قادمًا إليك لإحضار الطعام فقط، بل لأكون سفيرًا لديك.

– أهو الرجل العبوس الذي أرسلك؟

– نعم.

– حسنًا، فماذا يريد مني؟

– صبرًا يا سيدي فلا بد لي أن أوضح لك بعض الأمور.

– إني مصغ إليك.

– إن الرجل العبوس قد اتفق مع زعماء الإرلنديين، وهو يرجو إنهاء ما لديهم من المهمات في مدة شهرين.

– وبعد ذلك؟

– وهو واثق من رد ثروة اللورد وليم إليه في أقرب حين، وهذه فرصة لك تغتنمها للقبول باقتراحات الرجل العبوس، أو لرفضها، فإن رضيت باقتراحاته خرجت من هنا بعد شهرين سليم البصر.

– وإن أبيت؟

– تصبح أعمى قبل ثمانية أيام.

فسكت الأسقف سكوتًا دل على مبلغ عنائه واضطرابه.

٤٠

أما شوكنج فإنه سكت وصبر عليه إلى أن يجيب من تلقاء نفسه.

وبعد هنيهة عاد توين إلى الحديث فقال: إذن، قد تقرر فقد بصري إن أبيت قبل ثمانية أيام؟

– نعم.

– وإن رضيت؟

– يطلق سراحك حين يفرغ الرجل العبوس من جميع مهماته ولا يعود يخشى ضررك.

– وفي خلال هذه المدة أين أقيم؟

– تبقى في هذا القفص.

فعاد الأسقف إلى السكوت، ثم استأنف الحديث فقال: إن الرجل العبوس قد فوضك تفويضًا مطلقًا كما أظن.

– دون شك.

– إذن، اعرض عليَّ اقتراحاته.

– إنك يا سيدي من أعظم الناس نفوذًا في إنكلترا، وإنك تقود جيشًا كبيرًا من رجال الملابس السوداء يدعونهم بكهنة الإنجليكان، وإن للجمعية الإنجليكانية التي تتولى رئاستها سلطة لا حد لها، حتى إنها تستطيع قلب الحكومة إذا خطر لها هذا الخاطر.

– ربما، وبعد ذلك؟

– لقد خطر للرجل العبوس خاطر غريب، وهو أنه يريد أن يستولى على هذه السلطة لمدة معينة.

– إني لا أفهم شيئًا مما تقول.

– تفضل يا سيدي، وأصغ إليَّ فإني موضح لك ما أشكل عليك، وافترض أنك كولونيل فرقة من الجيش.

– نعم.

– ثم افترض أن الوزارات قررت أنك لا تحسن إدارة الجنود الذين تتولى رئاستهم؛ فعينت رئيسًا عليك جنرالاً.

– وبعد ذلك؟

– يصبح الأمر للجنرال وتجب عليك الطاعة.

– لقد بدأت أن أفهم.

– إذن، فاعلم أنه خطر للرجل العبوس أن تكون له الرئاسة العليا على الجمعية الإنجليكانية إلى أن يقضي مهماته.

– ولكن … ذلك مستحيل.

– لماذا؟

– لأنهم لا يخضعون للرجل العبوس.

– هو ذاك، ولكنهم يخضعون لك.

– دون شك.

– وأنت يا سيدي تخضع للرجل العبوس، وترسل إلى رجالك الأوامر التي يصدرها إليك.

فاستغرق السير بترس توين بالضحك وقال: أيخطر للرجل العبوس على ذكائه هذا الخاطر الغريب؟

– قد يكون غريبًا ولكنه يرجو تنفيذه.

فأجابه بلهجة المستكبر المستعظم: إني أسير الرجل العبوس فله أن يفعل ما يشاء في جسمي وحياتي، وأما نفسي وإرادتي فلا تؤسران.

– إذن، ترفض هذا الاقتراح؟

– كل الرفض.

– أنت وشأنك فافعل ما تشاء.

ثم أخرج شوكنج من جيبه نظارة مطلية الزجاج فوضعها على عينيه، ووضع إصبعه في فمه وصفر بعد أن أطفأ مصباحه ووضعه على الأرض.

فساد الظلام في القفص والدهليز وصبر بضع دقائق فبزغت تلك الأنوار الكهربائية المحرقة فجأة.

فصاح الأسقف صيحة شديدة وقد كاد يحرق النور عينيه وانقلب على ظهره إلى الأرض.

وقد وضع يديه فوق عينيه وكانت آلامه شديدة حتى إنه كاد يخال أن ألوفًا من الإبر تخز عينيه.

فصبر شوكنج عليه إلى أن انقطع صياحه فقال له: إني لم يصبني ما أصابك يا سيدي الأسقف بفضل النظارة المطلية التي حجبت بها النور عن عيني فإن أردت عدنا إلى الحديث.

– إنكم لصوص سفاكون، بل وحوش ضارية، فتبًّا لكم ولأحاديثكم.

فصفر شوكنج مرة أخرى فانطفأ النور، وشعر الأسقف بشيء من الراحة فقال له شوكنج: هذه هي المرة الثانية التي أطلق فيها على عينيك، وسترى نتيجتها فانظر …

ثم أخرج من جيبه علبة من الكبريت الشمعي، وأنار بها مصباحه وقال للأسقف: أنظرت؟

وكان السير بترس توين قد سمع احتكاك الكبريت، ولكنه لم ير النور، فقال له: إن هذا الكبريت لا ينفع.

– أتظن؟

– بل أؤكد فلو كان مفيدًا لكنت أنرت به المصباح.

– إن المصباح مضاء يا سيدي.

– لقد كذبت.

– بل أظن أنك فقدت بصرك … ولكن الذنب ذنبك فأنت أردت.

فصاح توين صيحة منكرة خرجت من صدره كزئير الأسود، وسقط على الأرض وهو يشتم ويسب أقبح السباب.

٤١

غير أن الأسقف لم يكن قد فقد بصره تمامًا كما توهم في البدء فإنه فتح عينيه بعد هنيهة فرأى مصباح شوكنج يضيء على قرب منه كما يضيء النجم البعيد.

فعلم أن النور الكهربائي قد أثر بعينيه تأثيرًا عظيمًا فعاد إلى الهياج.

فلما سكن تأثره بعض السكون قال له شوكنج، يستحيل يا سيدي أن تكون عميت من مرتين فقط، على أن بصرك، وإن يكن قد ضعف ضعفًا شديدًا كما تحققت ذلك بنفسك، فإن شفاءك ميسور.

فأعادت هذه الكلمات الرجاء إلى قلبه ووقف قائلًا: نعم، إني لا أزال أرى.

– أترى مصباحي؟

– نعم.

– كيف تراه؟

– كمصباح غازي خلال ضباب كثيف.

– إن لدى الرجل العبوس مرهمًا إذا وضع مدة خمس دقائق على عينيك عاد نظرهما إلى ما كان عليه.

– أحقًّا ما تقول؟

– نعم.

– ولكن هذا الرجل لا يريد أن يشفيني فهو شقي أقسم لإهلاكي.

فأجابه صوت غير صوت شوكنج قائلًا: إنك مخطئ يا سيدي.

فصاح السير بترس توين صيحة دهش لأنه عرف من الصوت أن صاحبه الرجل العبوس.

فقال له روكامبول: إنك ما زلت لم تفقد البصر تمامًا فإني أستطيع أن أشفيك.

– أتشفيني حقيقة؟

– إني أشفيك في الحال.

فحدق الأسقف فلم ير غير نور المصباح ولكنه لم ير شوكنج ولا الرجل العبوس، إنه لم يكن بينه وبينهما غير مسافة متر.

وعاد الرجل العبوس إلى الحديث وقال له: أغمض عينيك.

فامتثل، وعند ذلك شعر أن يدًا مبتلة مرت فوق عينيه، وأحس بأنهما بردتا بردًا شديدًا كما لو وضع فوقهما قطعة من الثلج.

وقال له: لا تفتح عينيك إلا حين أقول لك؛ إذ يجب أن تصبر بضع دقائق كي ينفذ مفعول الدواء، وفي خلال ذلك نتحدث.

فأجابه بصوت يضطرب: ماذا تريد مني؟

– إن شوكنج أخبرك قبل قدومي بما أريده وأنك ستفتح عينيك بعد هنيهة فتجدهما سليمتين، كما كانتا قبل أن يفاجئهما النور، على أن هذه المفاجأة إن تكررت أيضًا ثلاث أو أربع مرات، فإن دوائي لا يعود يفيد عينيك، بل لا يعود يفيدهما دواء.

– ألعلك عازم على تكرار هذه المفاجآت؟

– ذلك منوط بك.

– ولكن الذي تطلبه مني يستحيل أن أجيبك إليه.

– إذن، لا تنكر عليَّ الاستفادة من نوري، فإنك لو فزت عليَّ لما رحمتني.

– إني لا أستطيع أن أخون الجمعية التي أتولى رئاستها.

– كما تريد فافتح الآن عينيك.

ففتح الأسقف عينيه فرأى النور، ورأى شوكنج والرجل العبوس وعاد بصره كما كان.

فقال له روكامبول: إنك قد وجدت بصرك بعد فقده، وعلمت حقيقة لذة النظر، والآن فاعلم يا سيدي أنه يوجد في لندرا رجل يدعى المستر سكوت وهو ساعدك الأيمن.

فدهش الأسقف وقال: أتعرف هذا أيضًا؟

– وأعرف أيضًا أن المستر سكوت يتظاهر أنه لا يعرفك لأسباب أعرفها أنا كما تعرفها أنت، حتى إنكما إذا تقابلتما في مجلس لا تتبادلان التحية، ولكنك إذا برحت لندرا فإنه يتولى عنك قيادة جيشكم السري.

– وما الذي تريد بما ذكرته لي الآن؟

– أريد أن تكتب كتابًا إلى المستر سكوت.

– ما معنى هذا الكتاب؟

– إني أمليه عليك فتعلم القصد.

– أَمْلِ ما تريد فإنني سأرى بعد ذلك.

٤٢

وقد كان الأسقف منذ هنيهة يؤثر الموت على خيانة الجمعية التي يتولاها.

ولكنه، ظهر الآن، أنه عازم على الرضوخ لكل ما يريده الرجل العبوس!

أما الرجل العبوس فقد أشار إشارة إلى شوكنج، فأخرج من السلة التي أحضر فيها الطعام ورقًا وأدوات الكتابة، وأدخلها إلى الأسقف من خلال قضبان الحديد.

ووضع الأسقف تلك الأدوات فوق المائدة فتنهد تنهدًا طويلًا، ثم نظر إلى الرجل العبوس وقال له: إني في قبضة يدك، وأرى أنه لا بد لي من الامتثال.

فقال له روكامبول: ثق يا سيدي أني لا أستخدم سلطتك لأمور دينية بل لمهامي الخاصة ومهام من يهمني أمرهم.

فلم يجبه الأسقف بشيء بل أخذ القلم بيده وتأهب للكتابة.

فقال روكامبول: إني عالم يا سيدي بكل عاداتك مع عمالك، فإنك حين تسافر من لندرا لا تخبر أحدًا منهم بسفرك حتى ولا المستر سكوت.

– كل هذا أكيد، ولكن ماذا تريد مني الآن؟

– تفضل إذن بكتابة ما أمليه عليك.

– قل!

فأملى عليه روكامبول ما يأتي:

عزيزي سكوت …

إني أكتب لك من إيكوسيا، فقد برحت لندرا فجأة دون أن أتمكن من إخبارك بالسبب الذي سافرت من أجله فأقصر الآن على إخبارك أن رحلتي ستأتي بخير فائدة للجمعية.

وسأسافر غدًا إلى جزائر سرفي للبحث عن كنز فيها، ولا أعلم متى أعود، فقد تكون رحلتي قصيرة، وقد تطول إلى عدة أسابيع، فاعلم الآن أن حامل هذا الكتاب هو أحد عمالي الثقاة، وهو يخبرك بسر رحلتي لوقوفه عليه، وإنما أرسلته إلى لندرا لشأن خطير، وهو نائبي فيها فاخضعوا له خضوعًا مطلقًا في كل شأن كما تخضعون لي.

وهنا توقف روكامبول عن الإملاء، فتوقف بترس توين عن الكتابة وقال: أهذا كل ما تريد؟

– نعم، فلم يبق عليك غير التوقيع.

فتنهد وكتب اسمه تحت السطور.

فأخذه روكامبول وتمعن فيه، ثم ابتسم وقال: يظهر أن اضطرابك كان شديدًا يا سيدي، حتى إنك نسيت أن تضيفه إلى توقيعك.

– أية إضافة تعني بكلامك هذا؟

– أعني إضافة صليبين؛ فإن توقيعك إذا لم يكن مذيلًا بهما لا يعتبره نائبك، بل يعلم أنك أكرهت على الكتابة.

فارتعش الأسقف ولم يجب بشيء.

أما روكامبول فإنه رد إليه الكتاب، وقال: تفضل يا سيدي، وضع هذه العلامة.

– كلا … فإن ذلك لن يكون.

– لقد توقعت منك هذا العناد.

ثم التفت إلى شوكنج وقال: هلم بنا فإن حضرة الأسقف يؤثر العمى كما يظهر لنا من إصراره وعناده فأطفئ مصباحك، ولنضع النظارات على عيوننا فإن الأشعة ستعود إلى الظهور.

فذعر الأسقف وصاح بروكامبول قائلًا: قف لا تفعل.

– لماذا لا أفعل ألعلك خفت؟

– إني أضيف العلامة إلى التوقيع، وأفعل ما تريد بشرط أن تعدني بقضاء أمر.

– ما هو؟

– هو أن لا يصاب المستر سكوت بأذى.

– أتعهد لك.

– وأن تخرجني من هذا القفص في أقرب ما يمكن.

– أعدك بذلك أيضًا.

فأخذ عند ذلك الكتاب، ووضع العلامة الاصطلاحية تحت توقيعه.

فقال له روكامبول: اكتب الآن العنوان فوق الغلاف.

ففعل ودفعهما لروكامبول، فأخذهما ووضعهما في جيبه، ثم قال للأسقف: إلى اللقاء يا سيدي.

وانصرف …

ووضع الأسقف رأسه بين يديه، وبدت عليه علائم اليأس الشديد فقال له شوكنج: أظننت يا سيدي أنك تغلب الرئيس؟

فلم يجبه الأسقف، فوضع شوكنج المصباح على الأرض وانصرف، فشيعه الأسقف بنظرات تشف عن مبلغ همه حتى توارى عن الأنظار.

٤٣

ولنعد الآن إلى لندرا فقد تركنا السير أرشيبالد مضطرب القلب لخوفه من الرجل العبوس ولافتتانه بجمال فاندا.

وكان إذا ذكر الرجل العبوس تذكر ما رآه من رعب الأسقف بترس توين، حين علم أن الرجل العبوس يخدعه، فيهلع قلبه، ثم يذكر ما أنذرته به فاندا، وهو أنه إذا أصر على المكابرة والعناد كان الخطر شديدًا على حياة ابنته.

وكان يذكر جميع ذلك بعد أن فارقته فاندا ويخاف خوفًا شديدًا.

ثم يرى أن الرجل العبوس ليس لديه برهان غير تلك الأوراق المسجلة في سفارة باريس، وهي برهان قاطع وسلاح ماض، لا سيما في يد ذلك الرجل لمقدرته على الإنفاق، ولكنه كان يشكك في وجود هذه الأواق حقيقة لديه، ويظن أن الرجل العبوس كان عارفًا بأمره، وأنه يدعي أنها لديه من قبيل الإرهاب والوعيد فيهدأ خاطره ويطمئن بعض الاطمئنان.

ثم يعاوده الخوف مما قالته فاندا، وهو أن الرجل العبوس لا يقرع أبواب المحاكم، ويذكر شهرة هذا الداهية وتفننه بالحيل فيعود إلى الاضطراب والجزع.

ولبث هذا دأبه يومًا وليلة، وهو تارة يتمكن منه الخوف فيعول على الاستسلام، وتارة يطمئن فيعزم على الإباء.

ويذكر القراء أن فاندا فارقته على أن تعود إليه في اليوم التالي، وأنها أمهلته يومًا للتفكير والإمعان، فلما دنا موعد قدومها كان لا يزال مترددًا في أمره، لا يعلم أين يستقر.

ثم جاءته فاندا وهو على الحالة التي تقدم لنا وصفها، فنسي كل ما فيه؛ لما تولاه من الدهشة بجمالها.

وخف لاستقبالها وهو يضطرب غرامًا ويتلعثم، فلا يجد للتعبير عن فرحه بلقائها كلامًا.

ثم جلست فاندا، وهي على أتم التأنق، فجلس بجانبها.

حتى إذا زالت دهشة اللقاء، بدأت فاندا الحديث، فقالت له وهي تبتسم: أي حضرة السير أرشيبالد، هل تمعنت في ما اقترحته عليك باسم الرجل العبوس؟

فبدت على وجه السير أرشيبالد علائم الانقباض لذكر اسم هذا الشخص الهائل وقال: نعم يا سيدتي لقد فكرت مليًّا في هذه المشكلة العويصة فما فتحت منها بابًا حتى سد بدلًا منه ما وراءه من الأبواب.

– كيف ذلك؟

– إنك تسألينني التنازل عن جميع ثروة اللورد أفندال لأخيه اللورد وليم من نقد وعقار ومقتنيات.

فابتسمت فاندا وقالت: أليس ذلك حقًّا ولمن هذه الأموال أما هي أموال اللورد وليم؟

ورد قائلًا: هو ذلك يا سيدتي، غير أني أرى تحقيق تلك الأمنية محال. ولو كنت تطلبين المال النقد لسهل الأمر، وأما عقار القاصرين فلا يمكن بيعه.

– ومال القاصرين كيف يسهل دفعه؟

– إني أدفعه من مالي ولكن العقار لا يباع.

– إني لا أسألك البيع، فإن اللورد وليم لا يريده، ولكني أسألك التنازل!

– وكيف يتيسر هذا التنازل إلا إذا أثبتنا حقيقة أن اللورد لا يزال في قيد الحياة؟

– ألعلك نسيت يا سيدي أن الرجل العبوس يريد أن يرد إلى اللورد وليم ثروته ولقبه.

– ولكن هذا محال لن يكون.

– بل يكون إذا تدبرت، وأحسنت التمعن في عاقبة الرفض، وأشفقت على ابنتك، وذكرت ما يتهدد حياتها من الأخطار.

فابتسم السير أرشيبالد ابتسام المشكك وقال لها: أراك تتوعدين كثيرًا يا سيدتي.

– إني لا أتوعد من تلقاء نفسي، بل إني رسول، وليس على الرسول إلا البلاغ، وقد نقلت هذه الأقوال كما تلقيتها.

– وهل تظنين أن هذا الوعيد صدق وأن الرجل العبوس قادر على إنفاذه في بلاد لا تنام فيها عيون رجال الأمن.

فضحكت فاندا وقالت: لقد غفلت عيون رجال الأمن عن الرجل العبوس حين خرج آمنًا من سجن نوايت ليلة الحكم عليه بالإعدام.

وغفلت عيون رجال الأمن عنه، حين طوق الأسقف بترس توين منزله.

وغفلت عيون رجال الأمن عنه حيث عبث بذلك الأسقف، كما يعبث الهر بالفأر.

وماذا عسى أن يصنع رجال الأمن مع هذا الشخص الهائل الذي أقام لندرا وأقعدها؟

إنك يا سيدي مخطئ بما تظهره من عدم الاكتراث، مسيء لابنتك، مسيء لولديها، مسيء لنفسك، وإنما أقول لك ذلك من قبيل الإشفاق، وأنت مخير في قبول النصيحة.

فأطرق السير أرشيبالد هنيهة مفكرًا وقال: إني أشكرك لنصحك، يا سيدتي، ولكنك لو كنت في مكاني لهانت عليك الأخطار في جانب تلك المطالب الفادحة، فإن الرجل العبوس، أي اللورد وليم يريد أن يحرم ابنتي وابنتها من كل شيء.

– إنه لا يحرم أحدًا يا سيدي، بل إنه يسترجع حقه.

– ولكن أخاه إذا كان قد أذنب بإغواء أبيه فأي ذنب جنته امرأته وبنوه فيعاقبون بهذا الحرمان؟

– قد تكون مصيبًا بعض الإصابة يا سيدي، ولكن اللورد وليم ليس من أهل الشر والانتقام، فمتى نال حقه الصريح فهو لا يهمل امرأة أخيه وأولادها.

فكبر هذا القول على السير أرشيبالد، وعظم عنده أن تكون بنته في موقف المتسولات.

فهاجت كبرياؤه وقال لفاندا: لا أدري بأي سلاح يريد أن يحاربنا هذا الرجل العبوس، ولا أدري كيف يريد اللورد وليم أن ينال ما يطمع به ثم يقف معنا في موقف المتبرعين المحسنين؟

وقد رأت فاندا أن عينيه قد اتقدتا وأنه بات أقرب إلى المشاكسة والعناد منه إلى المسالمة واللين.

فابتسمت له ألطف ابتسام وقالت له: إني ما جئت يا سيدي غير رسول، ويسوءني أن يكون لكلامي هذا الوقع الأليم منك، فإني لا أريد لك إلا الخير، غير أني أراك كثير التشبث في رأيك، قليل الاكتراث بما يتهددك من الأخطار، فهل تريد أن أقنعك بوجود هذه الأخطار؟

– هذا كل ما أريده يا سيدتي.

وقالت له فاندا: وإذا أقنعتك يا سيدي، أتوافق الرجل العبوس في ما اقترحته لك؟

– إني أنظر عند ذلك في اقتراحاته نظرة أخرى.

– إنك سألتني، يا سيدي، عن سلاح الرجل العبوس، وسلاح اللورد وليم.

– هو ذاك.

– أما سلاح الرجل العبوس، فهو فوزه على أبناء سيوا في الهند، وعلى الإنجليكان في لندرا، وكفى بذلك سلاحًا يحملك على الخوف إذا كنت من المتبصرين، وأما سلاح اللورد وليم فهو إقرار برسي المسجل في السفارة الإنكليزية.

– وأين هذا الإقرار؟

– لدى العبوس.

فابتسم السير أرشيبالد ابتسام المشكك وقال: وما يضمن لي صحة هذا القول؟

– يضمن لك الاطلاع على هذه الأوراق.

وكانت فاندا تقول هذا القول بلهجة الواثق المطمئن وقد تبين السير أرشيبالد الصدق من لهجتها.

فاضطرب وأفحمه البرهان، ولكنه حاول المراوغة فقال: لنفرض أن هذه الأوراق موجودة حقيقة لدى العبوس، فكيف يستطيع المجاهرة بها وهو محكوم عليه بالإعدام؟

– لقد قلت يا سيدي، إن الرجل العبوس لا يلجأ إلى المحاكم في نيل حق.

ولكن لنفرض كما فرضت أنه عاجز عن نيل حق اللورد وليم بالدهاء والحيلة فإنه يعطي الأوراق للورد وليم.

– إن ذلك يحتاج إلى المقاضاة.

– وما يمنعه عنها؟

– أولًا المال.

– إن العبوس ينفق عن سعة ولا يعوزه المال.

– ثم البرلمان نفسه؛ فإنه لا يؤذن بمثل هذه الفضيحة، ولا يسمح بمحاكمة هذه الأسرة.

– إن القضاة فوق البرلمان، والمال في بلادكم فوق القضاء، وفوق البرلمان.

– ولكن هناك قوة لا تعلمينها وهي فوق جميع ما ذكرناه.

– ما هي؟

– هي نفوذ الجمعية الإنجليكانية.

– بمن يقوم نفوذ هذه الجمعية السرية؟

– بعميدها ورئيسها الأسقف بترس توين.

فابتسمت فاندا وقالت له بلهجة المتهكم: إنك تبحث يا سيدي منذ يومين عن هذا الرئيس ألعلك وجدته؟

فذعر السير أرشيبالد لما سمعه وقال: هو ذاك فكيف عرفت أني أبحث عنه وأين هو الآن؟

– أما إني عرفت أنك تبحث عنه، فذلك مما يثبت لك أن عين العبوس غير غافلة عنك.

وأما بترس توين فلا أدري أين هو، ولكن لنفرض أنه في قبضة الرجل العبوس، وأنه اضطر إلى أسره كي لا يكون عثرة في سبيل ما يريد قضاءه من المهمات.

فأجفل السير أرشيبالد وقال: ماذا أسمع منك يا سيدتي، أيمكن ذلك أن يكون؟

– كل شيء ممكن للرجل العبوس، فما أراد أن يكون فهو كائن، وقد نصحتك، ولا أزال أكرر عليك النصح، فإن مسالمة هذا الشخص خير من معاداته، ولأن تنيله ما يريد بالرضا خير من أن يناله منك بالكره والاغتصاب.

– ولكنك لم تخرجي بعد يا سيدتي عن حد الافتراض، فكيف أستطيع التسليم والرضوخ وأنت تقولين لنفرض أن الأوراق بيد العبوس، ولنفرض أن بترس توين في أسره.

– تريد أنك لا توافق الآن على اقتراحاتنا إلا عندما ترى تلك الأوراق ويثبت لك أسر بترس توين.

– هو ذاك ومتى ثبت ذلك نظرنا معًا في تعديل تلك الاقتراحات، فإن تحقيقها بجملتها محال.

– إذن، أستمهلك يومين فأثبت لك الأمرين.

– أتريني الأوراق وتثبتين لي أسر بترس توين.

– نعم.

– وعندها ننظر في اقتراحكم.

وردت فاندا قائلة: بل تنظر فيه الآن على افتراض أن البرهان موجود كي لا يطول زمن المخابرات، فإن أشغال الرجل العبوس تقضي عليه بسرعة الذهاب.

– ألعلك مفوضة عن العبوس بإبرام الاتفاق؟

– كلا، وإنما أعرض عليه ما اقترحته من التعديل بلسان البرق، فإذا رضي به فلا توقع على الاتفاق إلا بعد أن تستوثق من تلك البراهين، فقل الآن ماذا تريد أن تقترح؟

– إني أبسط اقتراحي يا سيدتي وأنا أرجو أن تكوني لي عونًا في تنفيذه فإني أراك من نساء الخير وخير النساء.

فانحنت فاندا شاكرة وقالت له: ثق يا سيدي، إني سأكون عونًا لك فيما تريد.

– إن أشد مشكلات هذه القضية التنازل عن اللقب؛ فإن في ذلك فضيحة لا يخلق أن توصم بها تلك الأسرة العريقة بالنسب.

أما الفضيحة فهي أن اللورد وليم ميت في عيون الحكومة والناس، فإذا أعدنا إليه اسمه فلا بد من إظهار حقيقة الجناية، وأية فضيحة أعظم من فضيحة اللورد أفندال إذ ظهرت جنايته على أخيه.

ثم إن هذا العار لا يلحق باللورد أفندال الميت، وأولاده وامرأته الأحياء فقط، بل إنه يشمل أسرة باميلتون، ويلطخ هذا البيت بوصمة لا يمحوها كرور الأدهار.

وبعد، فأية فائدة للورد وليم من المحافظة على اسم أسرة تلطخ بعار الجنايات؟

إن المرء يحافظ على اسم أسرته ما زال نقيًّا من العيوب، سالمًا من الشوائب …

أليس خير للورد وليم أن يبقي على شرف هذه الأسرة، وينتحل لنفسه ما أراد من الأسماء بفضل ما يقبضه من المال الكثير؟

– ليس من شأني الحكم في هذا الشأن فقد يكون للعبوس واللورد وليم غير هذا الرأي.

– ولكنك وعدتني يا سيدتي بالمساعدة.

– لم أزل على وعدي، فقل لي بقية ما تريده من التعديلات، حتى إذا رأيت من التساهل ما يفسح لي مجال المداخلة تداخلت، وكنت لك خير معين.

– لم يبق غير أمرين وهما إرجاع الثروة وابتعاد اللورد عن لندرا.

أما الثروة فقد تقدم لي القول إني أدفع له منها المال النقد، فإن عقار القاصرين لا يباع، والتنازل محال، ما زال اللورد ميتًا في أعين الناس.

وأما ابتعاده عن إرلندا فذلك لا بد منه تجنبًا للفضيحة إذ قد يراه بعض أصحابه القدماء فيعرفونه.

فابتسمت فاندا ابتسام المتهكم وقالت: أهذا هو التعديل الذي تريد أن تحمل به اللورد على التنازل عن لقبه ولديه بإثباته أمضى سلاح؟

– ماذا تريدين؟

– إني لا أريد شيئًا، ولكني أشير عليك أن تتنازل عن الثروة بجملتها فإن اللورد يأنف من أسرته بعد تلك الجناية الهائلة، وقد ينفر من الإقامة في لندرا، بعد ما لقي فيها تلك الآثام، ولكني لا أخاله يتنازل عن درهم من ثروته.

– ولكن العقار لا يباع وأصحابه قاصرون.

– ولكن قيمته تعرف.

– ماذا تعنين بذلك؟

– أعني به أن ثروتك تبلغ أربعة أضعاف ثروة أسرة باميلتون، وأنت لا وارث لك غير ابنتك وبنيها.

ثم أنت من أشد الناس رغبة بالجاه والنفوذ، فإذا أردت استبقاء الجاه، واتقاء الفضيحة، والاحتفاظ بذاك اللقب، لأبناء ابنتك، فلتثمن موجودات أسرة باميلتون بأسرها، فإذا عرفت قيمتها، دفعتها أنت من نقودك.

فذعر السير أرشيبالد وصاح مستنكرًا: إن هذه الثروة تبلغ عشرين مليونًا، أتريدين أن أدفع من مالي ذاك المبلغ الجسيم؟

– أليس خيرًا أن تدفع بالرضا، بدلًا من أن تدفع بالإكراه؟ وقد عرفت يا سيدي سلاح العبوس، فهل تجعل بك المكابرة بعد ذاك العرفان؟

– ولكن هذه البراهين لم تثبت لي يا سيدتي، ولا تزال في حد الافتراض!

– دون شك، ولكنك لا تدفع المال إلا بعد أن تستلم الأوراق، أي بعد أن يصبح ذاك السلاح بيدك، على أني أعيد عليك ما قلته وهو أني لا أضمن رضا العبوس، ولكني أتوسط لديه، وأرجو أن أتمكن من حمله على القبول.

فأطرق السير أرشيبالد إطراق المهموم وقد أيقن من وجود البراهين وهي أمضى سلاح ضد ابنته.

وراعه احتجاب الأسقف، وهو معينه الوحيد، وخشي أن ينتزع الرجل العبوس لقب اللوردية من أبناء بنته، وهو يحتقر كل مال في جانب هذا اللقب.

ثم إنه كان من أعظم أغنياء الإنكليز، ومن أشدهم احتقارًا للمال، فلما رأى أنه بات كالطير قص جناحاه لم يجد بدًّا من القول، فالتفت إلى فاندا وقال لها: متى أرى البراهين يا سيدتي؟

– أية براهين؟

– براهين الأوراق وبراهين الأسقف.

– بعد يومين.

– وإذا دفعت المال بجملته أستلم الأوراق؟

– دون ريب.

– ويتعهد اللورد وليم أن لا يقيم في لندرا!

– إذا رضي باسترجاع الثروة دون اللقب فلا بد له من الرضا بالابتعاد، وإنما شأني بينكما شأن الوسيط، فسأعرض على العبوس اقتراحك، فإذا رضي به بلغتك رضاه.

– وإذا لم يرض؟

– يعود إلى العمل لاسترجاع اللقب بالقوة، ويعود اللورد إلى استرجاعه بالأحكام.

فاصفر محيا السير أرشيبالد وقال: إذن، تفضلي بعرض اقتراحي على الرجل العبوس.

– إنه يتضمن إعادة الثروة بجملتها من نقد وعقار؟

– هو ذاك.

– وأما العقار فيثمن، وتحول قيمته إلى نقد، وتدفع أنت المال على الفور.

– بعد أن أستلم الأوراق.

– هذا لا ريب فيه.

فتنهد السيد أرشيبالد وقال: إذن، افعلي ما تشائين، فقد ألقيت عليك اعتمادي.

– وأنا معتمدة في قضاء هذه المهمة على ما لي من الدلالة على العبوس، ورجائي أن أتمكن من إقناعه.

– متى أراك يا سيدتي؟

– بعد يومين، فإما آتيك نذير حرب أو أكون رسول سلام.

– إنك حمامة وديعة يا سيدتي، ولم تكن الحمائم إلا رسل السلام.

•••

وبعد حين ودعته فاندا، وانصرفت رأسًا إلى مكتب التلغراف، وأرسلت إلى روكامبول بجمل اصطلاحية التلغراف الآتي:

مضى بعد الجهد بإعادة الثروة بجملتها من ماله الخاص دون اللقب … إنه مصيب، فإن إحياء اسم اللورد وليم يظهر الحقيقة، ويشين الأسرة.

وهو يشترط استلام تقرير برسي، وإثبات أسر الأسقف بترس توين، وابتعاد اللورد عن لندرا … وعدته بالجواب بعد يومين … فمر بماذا يجب أن أجيب.

فاندا

وبعد أن أرسلت هذا التلغراف إلى روكامبول، عادت إلى منزلها بعد أن تركت عنوانها وأقامت فيه تنتظر الرد.

فجاءها بعد ساعة هذا التلغراف:

سأكون أنا الجواب وسنتفق.

روكامبول

٤٤

لقد تركنا الأسقف سجينًا في قفص الحديد، وهو يعض البنان حسرة وندمًا لما أصابه من الفشل، ولوقوعه في قبضة الرجل العبوس، بعد أن كاد يظفر به في لندرا، ويرده إلى سجن نوايت، وينال منه مراده.

وقد كان أشد ما لقيه من الهم أنه اضطر إلى خيانة الجمعية التي يتولى رئاستها بذلك الكتاب الذي أملاه عليه روكامبول.

وقد ندم بعد فوات الأوان، وبات يؤثر العمى، وكل ضروب التعذيب والتنكيل.

ولكنه ندم بعد فوات الأوان، فكان يأسه لا يوصف، لا سيما حين كان يجول في خاطره ما يمكن أن يناله الرجل العبوس والإرلنديون بواسطة هذا الكتاب، فإنه كان يئن أنين المتوجعين، ويزأر في ذلك القفص زئير الوحوش.

أما روكامبول فإنه بعد أن أخذ الكتاب من الأسقف ذهب إلى عصابته فقال لهم: لقد قضي الأمر، وحمله الخوف على التسليم.

ثم حدثهم بأمر الكتاب وقال له مرميس: إني لا أرى في الكتاب فائدة لك بل كل الفائدة للإرلنديين.

– بل لي ولهم.

– إني أعجب أيها الرئيس كيف تخدم الإرلنديين مثل هذه الخدمة الجليلة وهم جحدوا نعمتك، وأنكروا فضلك حين كنت في السجن.

– ألم يحاولوا إنقاذي؟ وما عليهم أن يفلحوا فإن على المرء أن يسعى وليس عليه أن تتم المقاصد.

– ولكنهم ما حاولوا إنقاذك من أجلك بل من أجل مس ألن.

– قد يكون ذلك، غير أن غايتهم نبيلة، لا تضيع فيها جلائل الأعمال.

– ولكن جحودهم نعمتك لوث هذه الغاية، ولو كان أمرهم بيدي لتركتهم وشأنهم وما جازيتهم بعد الإساءة بالإحسان.

فابتسم روكامبول ابتسام الحزين وقال: أهذا ما أخذته عني يا مرميس بعد التلمذة؟

ألا تدرى أنك تعمل بمبدأ الشر بالشر وأنت لا تدري … وإذا تخليت عن نصرة المظلوم وانتشاله من براثن أهل الشر حين تستطيع، ألا تكون شريكًا لهؤلاء الأشرار؟

ومتى علمتك أن تكون من أهل الشر؟

إن المرء خُلِقَ جحودًا كافرًا بالنعمة، يذكر السيئة ويتغاضى عن الحسنة، فإذا تخلقت بأخلاقهم فكيف تمتاز عنهم؟

وإذا لم تكن لك ميزة عليهم فكيف تفيدهم، وإذا أحببتم من يحبكم فأي فضل لكم؟

فأطرق مرميس مستحييًا وقال: عفوك أيها الرئيس فقد دفعني حقدي على الإرلنديين إلى قول ما قلته، فقد أثر بي رفضهم إنقاذك تأثيرًا شديدًا لا تزال آثاره إلى الآن في داخل صدري.

– وما نطقت به الآن هفوة أخرى أود أن لا تعود، فإن النفوس الشريفة لا تضمر الأحقاد.

وكأنما قد أشفق على تلميذه من الاستحياء، فالتفت إلى اللورد وليم وقال له: بقيت لهذا الكتاب فائدة أخرى، قلت لمرميس إنها لي والحقيقة أنها لك.

– كيف ذلك أيها الرئيس؟

– ذلك لأني أرجو أن أقنع به السير أرشيبالد أن الأسقف في قبضتي كي أحمله على التساهل في أمرك إذ لا نصير له غير الأسقف فمتى عرف أنه في قبضتي، لم يبق له نصير، كما عرف أن إقرار برسي بيدي فهو يتساهل كل المساهلة دون شك.

– كيف عرف أن الإقرار بيدك؟

– إني قد عهدت إلى فاندا بمخابرته، وربما تكون قد لمحت له عن وقوع الأسقف في قبضتي، فقد كلفتها بذلك أيضًا.

– إذن، لم يبق لدينا ما نعمله الآن هنا فلنعد إلى لندرا.

– كلا فإني أنتظر تلغرافًا من فاندا عما أفضت إليه المخابرات، إذ ربما احتجت إلى كتاب آخر أمليه على الأسقف السجين.

•••

بينما كان روكامبول يحادث اللورد وليم وتلميذه بما تقدم كانت فاندا تخابر السير أرشيبالد بما تقدم لنا بيانه في الفصل السابق.

فلم تمض ساعة حتى ورد إلى روكامبول ذلك التلغراف المتضمن خلاصة المخابرات.

وعاد روكامبول إلى الاجتماع باللورد وليم والمداولة معه فيما اقترحه السير أرشيبالد من التعديل، وهو إرجاع الثروة بجملتها إلى اللورد وإبقاء اللقب لأبناء أخيه وسفره من لندرا.

وقد كان من رأي روكامبول الإصرار على استرجاع اللقب والثروة معًا.

ومن رأي اللورد، الاكتفاء بالثروة حذرًا من الافتضاح، وإشفاقًا على أسرة باميلتون من العار.

وفوق ذلك فإنه أنف العودة إلى هذه الأسرة بعد تلطخها بهذه الوصمة الشائنة فرضي بما اقترحه السير أرشيبالد من التعديل.

وكذلك روكامبول فإنه علم أنه إذا لم يفز على السير أرشيبالد بالدهاء والحيلة فاز عليه بالمقاضاة.

لكن مثل هذه القضية الكبرى يقتضي لها عدة أعوام، لا يستطيع في خلالها مفارقة اللورد وليم، لا سيما وأن اللورد رضي بما قسم له فاضطر إلى موافقته.

وعند ذلك أرسل إلى فاندا ذلك التلغراف ويقول فيه: «سأكون أنا الجواب».

ثم جمع عصابته فأمرها أن تتأهب للرحيل ونادى شوكنج وقال له: إننا سنسافر دونك، وستبقى في هذا المنجم، وتكون مهمتك حراسة القفص الحديدي ومن يسكنه.

– أيطول عهد سجن هذا الأسقف؟

– إني لا أظنه يمتد أكثر من شهر واحد.

– وبعد ذلك ماذا أعمل؟

– تطلق سراحه.

– بأمر من؟

– بأمري أو بأمر من الكاهن صموئيل.

– وبعد إطلاق سراحه؟

– تبرح هذه البلاد وتعود توًّا إلى باريس حيث تلقاني فيها.

– ألا خطر عليَّ من الأسقف بعد إطلاق سراحه؟

– كلا، حيث يصبح عاجزًا عن الإيذاء بأحد، وأحوج منك إلى الخوف واتقاء الأخطار.

– سأمتثل يا سيدي لما تريد، فسر آمنًا على السجين.

وبعد ساعة سافر روكامبول وعصابته واللورد وليم وإدوار عائدين إلى لندرا، بعد أن كتب إلى رئيس مستشفى الجزيرة يأمره بإطلاق سراح جوهن بيل أو ولتر بريس؛ إذ لم تبق لهم فائدة من أسره.

ولما وصلوا إلى لندرا اجتمع روكامبول وفاندا بالسير أرشيبالد وأيقن السير أرشيبالد من صدق ما قالته له فاندا.

وتم الاتفاق بينه وبين اللورد وليم أن يبرح لندرا فلا يرجع إليها احتفاظًا بالسر، وأن يتخلى عن لقبه، وأن يقبض نقدًا قيمة جميع ثروة أسرة باميلتون.

ففضت هذه المشكلة العويصة رحلة روكامبول، وكان الخصمان راضيين أتم الرضا، هذا لاحتفاظه بالجاه والنفوذ، وذاك لاقتصاره على المال وابتعاده عن أهل الشر والنفاق.

٤٥

لقد مضى بنا عهد طويل دون أن نذكر شيئًا عن مس ألن ابنة اللورد بالمير ولا بد أن يكون القراء تواقين إلى معرفة أمرها، بعد عودتها من باريس إلى لندرا فنقول: إن أباها كان يحبها حبًّا شديدًا فلم يكن يحن إلا لصوتها، ولا يرق فؤاده إلا لحديثها، ولا يعرف قلبه الضعف إلا حين ينظر إليها.

وقد عادت مس ألن إلى منزله وهي واثقة كل الوثوق من استرضائه، بل إنها كانت واثقة أيضًا من حمله على موافقتها في التشيع للإرلنديين بعد أن انضمت إليهم بفضل روكامبول.

وقد نالت كل ما أرادت من ذلك القلب الأبوي الضعيف فغفر لها فرارها من منزله.

ولم يمض بها بضعة أيام حتى أرجعته إلى مذهب آبائه وهو الكثلكة فبات لوردًا بروتستانيًّا بالظاهر وفي الباطن إرلندي كابنته.

وكان روكامبول يزورها بعد خروجه من السجن متنكرًا، وقد راعه ما رآه من تهورها في غرامه، فكان يحاول أن يصرف قلبها عن هذا الحب الذي لا رجاء فيه بما أوتيه من الدهاء والحيلة، ولكنها لم تكن تزداد إلا هيامًا به وتعلقًا برجاء زواجه حتى خشي عاقبة هذا التهور، وعول أن يلجأ معها إلى التصريح بدلًا من التلميح.

وكانت مس ألن تدرك معاني تلميحه وترى من مناهجه أنه يحبها حبًّا أبويًّا طاهرًا فيكبر عليها أمره، ثم يمر بخاطرها اسم فاندا فتكاد تفترسها الغيرة منها، ولكنها لا تذكر شيئًا من غيرتها لروكامبول أنفة واستكبارًا.

فلما فرع روكامبول من قضاء مهمة اللورد وليم، لم يبق عليه غير مهمتين وهما توديع الأب صموئيل وتسليحه بكتاب الأسقف بترس توين، وتوديع مس ألن ونزع هذه الأميال من فؤادها بما تفتقه له الحيلة في تضاعف الحديث، إذ جاهر لسانها بما كانت تجاهر به عيناها من معاني الغرام.

وقد بدأ بزيارة مس ألن فسار إليها وقلبه يضطرب لما كان يتوقع أن يلقاه في ساعة التوديع.

فاستقبلته في القاعة الكبرى، ثم نزلت به إلى الحديقة وجلست وإياه على مقعد في ظل شجرة باسقة فأقام معها نحو ساعتين لم يعلم أحد ما دار بينهما من الحديث في خلالهما.

غير أنهما حين افترقا كانت مس ألن مصفرة الوجه متقدة العينين، وكان روكامبول مضطرب البال تبدو آثار القلق من عينيه.

ولم يذهب بعد افتراقهما إلى مقر العصابة، بل سار توًّا إلى الكنيسة التي يقيم فيها الأب صموئيل، فلقيه وأخبره بجميع ما اتفق له مع الأسقف، إلى أن أخبره بأمر الكتاب الذي أملاه عليه وكتبه بخطه وتوقيعه، فكاد يطير فؤاد الكاهن سرورًا وقال: إنك خدمت الإرلنديين خدمة لا ينسونها أبد الدهر، فإننا سنبلغ من الجمعية الإنجليكانية ما نشاء بفضل هذا الكتاب.

– وإذا كنتم محتاجين إلى المال فإن خزائنها الآن بين أيديكم على أن تحسنوا الحيلة.

– ولكن الكتاب يتضمن تفويضًا مطلقًا وطاعة لحامله لا حد لها.

– وماذا عليك من هذا الإطلاق؟

– إني أخشى أن يريبهم ذلك فلا ندرك كل مقاصدنا.

– إن شعرتم بشيء من الريبة فاعمدوا إلى التخصيص.

– كيف ذاك؟

– ذلك أن الأسقف لا يزال سجينًا في القفص، وشوكنج يعرف أسرار الآلة الكهربائية فأملوا عليه ما تشاءون، فيكتب لكم، وإن أبى هددوه بالنور؛ فقد لقي من عنائه وآلامه ما يضطره إلى الإذعان.

– وبعد ذلك ما تريد أن نصنع به؟

– إني كنت أود أن أطلق لكم الحرية في أمره، ولكني وعدته بإطلاق سراحه حين نفرغ من مهمتنا ونصبح جميعنا في أمن من كيده، أما أنا فإني قد قضيت الآن مهمتي فأسرعوا الآن أنتم في قضاء ما تبتغون منه.

– ولمن عهدت إطلاق سراحه؟

– لك، فإن شوكنج لا يطلقه إلا إذا ورده أمر منك أو مني، وأنا مسافر فلا أتداخل في أمره بعد الآن.

– وأين أجد شوكنج؟

فأرشد روكامبول إلى مكانه، ثم ودع ذلك الكاهن الجليل بعد أن أقام عنده مدة طويلة وانصرف إلى مقر العصابة وهو مشتت البال وعلائم الحزن بادية عليه.

فلما وصل إلى حيث يقيمون كان أول ما نطق به سؤاله عن فاندا لأنه لم يرها بينهم.

فقال له مرميس: إنها خرجت من المنزل منذ ساعتين ولم تعد بعد.

– إلى أين ذهبت؟

– إلى مس ألن فإنها أرسلت تدعوها برسالة قالت فيها إنها محتاجة إليها لشأن خطير فلم يسع فاندا إلا الإسراع بالذهاب مع الرسول.

فلم يكد روكامبول يسمع هذا القول حتى امتقع لون وجهه وبدت علائم الرعب بين عينيه فهب منذعرًا وخرج من المنزل وهو لا يلوي على أحد.

فأجفل مرميس ورفاقه وحاولوا أن يتبعوا الرئيس، فعاد إليهم وأمرهم بالبقاء في المنزل، ثم خرج وهو يقول: قوتلت الغيرة، فإني أخشى أن تكون دفعت تلك الفتاة إلى الكيد بفاندا، بل قوتلت أنا فقد غفلت عما يجره نزق الشباب.

ثم اندفع ينزل درجات السلم أربعًا أربعًا وهو يود لو كان له أجنحة فيطير بها إلى مس ألن لفرط إشفاقه على فاندا ورجال العصابة وقوف في أعلى السلم وهم منذعرون، فإنهم عاشروا الرئيس دهرًا طويلًا، ومارسوا معه أفدح الخطوب فما رأوه مرة أصيب بمثل هذا الرعب ولم يتعودوا منه غير السكينة وثبات الجأش.

أما روكامبول فإنه لم يكد يخرج من الباب حتى صاح صيحة فرح وقال: فاندا!

فأجابته فاندا بصيحة مثلها وقالت: روكامبول!

ثم هجمت عليه فعانقته والدموع تذرف من عينيها، ذلك أنه كان خارجًا من الباب، وكانت داخلة إليه، وكان خائفًا عليها، وكانت خائفة عليه كما سنبسطه للقراء.

٤٦

كانت مس ألن قد علقت بروكامبول وفتنت به أي افتتان حتى باتت تراه في مقتبل الشباب وهي تعلم أنه تجاوز عهده، ورأته مثيلًا لها في النبل والنسب على عرفانها بأنه وجد لقيطًا ونشأ لصًّا وترعرع سفاكًا، ولكن الغرام جعل كهولته شبابًا ناضرًا، وحطة مولده نسبًا طاهرًا.

فكانت إذا ذكرت آثامه شفع فيها أنه ندم وتاب، وإذا رأت وخط الشيب في شعره قالت إنه استبدل حمامة بغراب، وإذا خطرت لها حطة نسبه قالت: إن عرش الغرام لا يرقى إليه بسلم الأنساب.

الغرام الغرام إنه آفة البصائر والألباب، فلا يسمع فيه غير حديث القلوب، ولا لغة له غير لغة الوجدان، ولا رأي فيه لعقل وصواب.

ذلك كان حال تلك الفتاة، وهي في ربيع العمر وزهرة الشباب، قد نفذت إلى قلبها أشعة الغرام، فملأت وعاء ذلك القلب، وعشقت في الثامنة عشرة من عمرها، وهي عروس الشعر كهلًا تجاوز الأربعين فتجاوز عنه الشعراء.

ولقد زادت في اتقاد جذوة غرامها استخفاف روكامبول بذلك الغرام، ووثوقها أنه يحب فاندا، ولذلك كانت إذا ذكرت ما بينها وبين مزاحمتها من التباين في الجمال والصبى والمقام، ثم رأت ميل روكامبول إلى خصيمتها فيه، هاجت فيها عوامل الغيرة وأكبرت رغبته بها عنها، على وجود ذلك التباين، وهي لا تدري أن أعظم مفرق بينها وبينه إنما هو هذا التباين نفسه، فما رأت العقلاء جناية أبلغ من جناية زواج تباينت فيه الأقدار والأعمار إلى حد تباينها بين هذين.

غير أن مس ألن على وفرة ذكائها لم تكن تصغي إلا لصوت قلبها، فلما انصرف روكامبول من منزلها تمثلت لها فاندا وكادت تفترسها الغيرة، وقد أضل الغرام صوابها، وخطر لها أن تدعو إليها فاندا وتبوح لها بمكنونات قلبها وتمنحها ما تشاء من أموالها في مقابل التخلي لها عن ذلك العشيق، كأنما العشق يباع ويشترى.

ولكن الغيرة ذهبت بذكائها، فقامت إلى منضدة، وكتبت إلى فاندا رسالة تسألها فيها الحضور إليها، وبعثت رسالتها مع إحدى خدامها، ثم ذهبت إلى غرفة زينتها فتبرجت أحسن تبرج، ولبست أفضل ما لديها من الملابس والمجوهرات فباتت فتنة للناظرين، وأقامت تنتظر قدوم فاندا على أحر من النار.

وقد عرف القراء من حب فاندا لروكامبول، ما لم يبق سبيل معه لوصف، فهي شريكته في سرائه وضرائه، وهي التائبة من أجله أصدق توبة، وهي التي كانت تقتبس نور الحياة من نور عينيه، وتخاطر بالموت من أجل أن يحيا، وهي التي امتزجت نفسها بنفسه، حتى سارتا نفسًا واحدة ذات شعور واحد ووجدان واحد.

وهي التي اتفقت وإياه في المقام والسيرة والمنزلة والروح، ومثل هذا الحب لا يوصف، وأنى لأقلام الكتاب أن تجول فيه.

غير أن فاندا، على فرط ثقتها بروكامبول، وعلى توقد ذهنها كان يأخذ الغرام في حالاته من ثقتها وعقلها بقدر ما كان يأخذ من عقل مس ألن، فإن الحب يضعف الأحلام.

ولذلك كانت إذا علمت بالتقاء روكامبول مع تلك الفتاة خلت في غرفتها، وبكت بكاء الأطفال، ليس لخوفها من أن تنفذ نظرات مس ألن إلى قلب الرئيس، فقد كانت تعلم أن هذا القلب العظيم لا موضع فيه للخيانة، ولكنها كانت تحزن لهذا اللقاء دون أن تعلم السبب في هذا الحزن، ولعل ذلك لشدة حرصها على غرامه، ولفرط افتتانها به على اعتقادها بصدق ولائه، فكان مثلها مثل الطفل إذا دنوت من ألعوبته صاح وبكى دون أن تمسها.

تلك هي حالة هاتين المتزاحمتين في حب ذلك الرجل الكبير، وتلك حال روكامبول بينهما.

فلما وصل كتاب مس ألن إلى فاندا وجف قلبها، كأنما قد توقعت مصابًا، ولكنها لم تجد بدًّا من الذهاب إليها، فسارت إلى ذلك القصر الفخيم مكرهة وهي كأنها تسير إلى موقف عقاب.

وكانت مس ألن قد أخفت اضطرابها، حتى إذا أقبلت فاندا استقبلتها بالبشر والترحاب، وآنستها كل الإيناس، وجعلت تنتقل معها من حديث إلى حديث حتى بلغت إلى حديث عزم العصابة على السفر.

فأخبرتها بصوت مضطرب، أن روكامبول جاءها مودعًا، وأنه فارقها منذ حين.

فاصفر وجه فاندا لما رأته من اضطراب مس ألن حين ذكرت اسم روكامبول، ونظرت كلتاهما إلى الأخرى نظرة تشف عما يخالج قلبهما من الغيرة.

وكأنما هذا الاصفرار والاضطراب منهما قد فتح بينهما باب التصريح، وأطلقت الألسنة بمكنونات الفؤاد، فكانت مس ألن البادئة بالحديث، فابتسمت ابتسام المتهكم وقالت لفاندا: أرى وجهك قد اصفر أيتها الحسناء، فهل راعك أن يزورني روكامبول مودعًا قبل السفر؟

فأجابتها فاندا بمثل ابتسامها وقالت: لم ترعني زيارته لك يا سيدتي فقد طالما زارك، وإنما راعني اضطراب شفتيك حين خرج منها اسم روكامبول.

– وماذا فهمت من هذا الاضطراب؟

– كما فهمت أنت من ذلك الاصفرار.

– نعم … إن قلبي يضطرب حين يجول رسمه في خاطري، ويتلعثم لساني حين ينطلق باسمه، نعم إني أهواه، ولا أخشى في هواه لومة لائم، فقد جرى حبه في قلبي مجرى دمي في مفاصلي، فعصيت من أجله أبي، وفررت من بلدي، وتركت مذهبي، وخنت أمتي، فكيف أخاف التصريح بهواه وقد برح حبه بي هذا التبريح؟

فامتقع وجه فاندا لما سمعته من هذا التصريح الجلي، ولكنها تجلدت وتذرعت بالسكينة والحكمة فابتسمت وقالت لها: يسوءني يا سيدتي أن أرى منك هذا الاندفاع في حب رجل لا فائدة لك من هواه، وأية فائدة من غرام لا يسفر عن القران؟ إنه لا يكون منه غير العذاب.

فاهتزت الفتاة وهاجت بها عوامل الكبرياء فقالت: ولماذا لا يسفر حبي له عن القران؟ ألعلي لست من أكفائه؟

– إنه ليس من أكفائك يا سيدتي، فإن ما بينكما من تباين المقام يحول دون هذا الغرام؛ إنك يا سيدتي في الحلقة الثانية من العمر، وهو قد تجاوز الرابعة، وأنت يدعونك اللادي بنت فلانة وفلان، وهو لقيط لا يعرف اسم أبيه، ولا يعرف عن أمه إلا أنها كانت وصيفة نورية في أيام الثورة عند إحدى النبيلات، وكيف يكون التباين أعظم مما بينكما، وكيف يخطر لك خاطر الزواج ببال.

تمعني أيها الحبيبة تجدي أن زواجك به محال، وإذا كنت قد جريت في حبه هذا الشوط البعيد، فصبرًا إنك سوف تتدرجين بسلوانه كما تدرجت بحبه، ويكون البعاد خير شفيع للسلوان.

وكانت مس ألن تسمع حديث فاندا والدموع تكاد تجول في عينيها لوثوقها أن فاندا لا تحاول إقناعها بهذه البراهين العقلية، إلا لتواله قلبها فيه، ولكنها تكلفت السكينة أيضًا، كما تكلفتها فاندا، وأرادت دحض برهانها بالبرهان فقالت: تقولين: إنه تجاوز عهد الصبى، وإن الشيب قد وخط شعره، ولكنه إذا شاب رأسه فإن قلبه لم يشب، وكفى بإقدامه دليلًا على أنه من أهل الشباب، وأما أنه نشأ بين اللصوص فكفاه نسبًا أنه ابن نفسه، وأنه أشرف أهل الأنساب، وماذا يشين المرء أن يكون لقيطًا، وأي عدل يقضي أن يؤخذ الولد بذنب أبويه.

وأما أنه كان من اللصوص الآثمة فأنت تعلمين أنه تاب توبة صادقة لا رجعة فيها، وأن بين جنبيه قلبًا كبيرًا لا متسع فيه لغير النبل والشرف وجلائل الأعمال، فأي تباين بقي بيني وبينه، وماذا يمنعني عن هواه؟

– ولكنه يا سيدتي محكوم عليه بالإعدام في لندرا، ومحكوم عليه بالسجن المؤبد في باريس فهو يعيش ما يحيا وأين وجد متنكرًا حذرًا لا يأمن في كل ساعة أن ينقض البوليس عليه.

– إن بلاد الله واسعة فأهرب به إلى آخر الأرض، إني أحب منه «هو»، هو أينما كان وكيف كان.

ورأت فاندا أن إقناعها بالبرهان مستحيل فقالت: إذا كان ذلك كذلك يا سيدتي يبقى إلا أن يقنع هو اقتناعك.

– ولهذا دعوتك إليَّ يا فاندا.

– وأي شأن لي في إقناعه، ألا تعلمين أنه الرئيس المطلق علينا وأنه ليس بيننا من يجسر على اعتراضه في ما يريد حتى بالفكر والتصور.

فابتسمت الفتاة ابتسامة حزن وكآبة وقالت: كفى يا فاندا مواربة فقد تدفعت بالتصريح حتى لم أعد أجد بدًّا من البلوغ به إلى أبعد غاياته …

إنك ترينني يا فاندا أتمتع بملذات الحياة وترين الجواهر تتألق فوق صدري، ولكني لا أمتع النفس بهذه الملاذ إلا لألطف ذلك الشعاع الذي يملأ قلبي وجميع حواسي، فكوني لي أختًا صادقة أفتح لك خزائني وأشركك في ثروتي ونعيمي، بل أمنحك كل ما لديَّ بشرط أن تتخلي عن روكامبول.

فابتسمت فاندا ابتسام الحزن وقالت: ليس الحب يا سيدتي بمتاع … ومتى كانت قلوب المحبين تشرى وتباع؟

… وبعد، فهل لديك من أسباب السعادة ما يفيض عنك، فتفرقي منه على الناس، ولو اقترحت عليك أن نتبادل بالقلبين وبالمحظين مهما بلغت من الفقر وبلغت من النعيم، ألا ترضين هذا التبادل؟

– إني أراك شديد الاغترار بجمالك، فهل تظنين أن زهرة هذا الجمال تدوم نضرتها ولا يعتريها الذبول، إنك الآن وجمالك كالحلية تسترها أوراق الذهب فماذا تصنعين متى أسقط العمر تلك الأوراق بيد من تحبين؟

– أشكر هذا المحب، الذي لم يشتر الحلية إلا لما يحيط بها من أوراق الذهب …

– إن لكل امرأة مرآتين إحداهما من زجاج، تنظر فيها إلى نضرة جمالها، والثانية من وجه من تحب، تنظر فيها إلى أمالي الهوى، فإذا كسرت مرآة الغرام، فهل تنظرين في المرآة الصحيحة غير آثار تلك النضرة الزائلة؟

– وأنت إذا كسرت تلك المرآة فكيف تنظرين بمرآتك الصحيحة إلى هذه اللآلئ المضيئة على صدرك؟

– ما أحلى ذلك اليوم الذي يأتي فيه روكامبول فيقول إن بريق دموعك في عينيك أشد لمعانًا من بريق اللآلئ على صدرك … إني ذلك اليوم أطرح الملاذ، وألقي تلك الجواهر، وأكون عبدة لهذا الحبيب، فأفر به إلى آخر حدود الأرض، يوارينا تيهًا الغرام على عيون البشر. نعم، أحبه … أحبه ولا أخشى عارًا في هذا الإقرار، إن حبه تعاظم في قلبي حتى ضاق به وخرجت منه تلك الأسرار، وإنه يناجي قلبي فيحرقه، وما أصدق من وصف الحب بالنار.

وكانت فاندا تسمعها وهي تزيد اصفرارًا وتقول في نفسها: ويلاه إنها بنت ثمانية عشر، أي في أول دور من أدوار الحياة حين تنفذ إلى القلوب فيه أشعة الغرام، وترقى النفس فيه إلى عرش الحب الأول. ويلاه لا يمكن أن تتلاقى الأشعة من هذين القلبين.

ثم عادت مس ألن إلى الحديث ومسحت دمعها فقالت: قلت لك يا فاندا إني سأبلغ بالتصريح إلى أبعد غاياته، وقد علمت من إقراري أن هذا الحب قد تمكن من قلبي فلا سبيل إلى انتزاعه، وقد بقي أن تعلمي أني عالمة بما بينك وبين الرئيس وبأنك تهوينه منذ أمد بعيد.

فوجف قلب فاندا، وعلمت أن ساعة النزاع قد دنت، وأنه لا سبيل مع هذه الفتاة المتدلهة إلى لغة العقل، فعولت على التصريح.

قالت: نعم أهواه فوق ما تهوينه، وقد طفت معه البلاد، وخاطرت من أجله بالحياة، وامتزجت نفسه بنفسي فهو عندي بمنزلة الروح، فلا يحق لسواي هواه! فأصغي إليَّ يا سيدتي، إنك طاهرة القلب عظيمة النفس وقد أوقفت …

فامتعضت نفس مس ألن، وتغلبت فيها عواطف الشر فقالت: أرى أنك لا يدفعك إلى هذا القول غير ما تدعينه من الجمال …

– بل هو صوت أرفع وأشد، وهذا الصوت يوحي إليَّ أن أقول إن في العالم أمورًا يجب الحذر منها فهي لا تورث غير الندم وتقريع الضمير.

– إني لم أفهم ما تريدين.

– أريد أن أقول أيتها السيدة إن ضميرك سيقرعك أشد التقريع حين تحولين بيني وبين من أحب.

إني إذا بليت بالضعف في حبه فلا أرتكب ذنب الخداع في إخفاء هذا الحب. نعم، إني أعبده ولا أرى في هذا القول كفرًا ولا إلحادًا، فإني قبل أن أراه لم أكن أفتكر بغير الله، ثم رأيته فصرت أفتكر به وحده دون الله. ألا ترين أنه عندما نرى رسمًا جميلًا كيف نمدح الرسم ونغفل عن امتداح الراسم، أفلا نكون بامتداح الرسم قد امتدحنا الراسم، لأنه مرجع الفضل إليه في ذلك الرسم. وكذلك روكامبول، فإن الله قد جعله على هذا المثال الجميل، فإذا غفلت عن ذكر الصانع فلافتتاني بجمال المصنوع، وإذا عبدت روكامبول فأنا أعبد الله، وإذا كان هذا مبلغ حبه من قلبي ألا يكون انتزاعه كجناية، على أنه لا ينتزع من قلبي إلا بانتزاع ذلك القلب.

فعضت مس ألن شفتها من القهر وقالت في نفسها: ويلاه إنها كلمات مُرة ولكنها حق.

وعادت فاندا إلى الحديث فقالت: إن تعرضك لي في هذا الحب يا سيدتي عدوان محض، وإساءة بينة، وأنا لم أسئ إليك في شيء، فقد أحببته قبل أن يكون في قلبك موضع للغرام، وبعد فهل تظنين إذا رجعت عن حبه أحبك أكثر مني؟

– ربما لن أكون سعيدة معه ولكني أمنعه أن يكون سعيدًا معك، ومع سعادة العدو سعادة.

– أتعدين شقاء الناس سعادة أيتها اللادي؟

فاضطربت مس ألن وقالت: إني لا أرى سعادة بعد سعادتي، فاحذري أن أكون من أعدائك.

– أتحسبين أني أخشى انتقامك يا سيدتي، كلا فقد بلغ بي الشقاء منتهاه، فلم أعد أخشى مزيدًا ولا وعيدًا، وأنت تريدين أن أترك لك روكامبول فأقول خذيه، إن الموت والحياة عندي ذلك الرجل الذي تريدين أن تسلخيه من نفسي القانطة، فإن هناء الغرام لا يدوم أيتها اللادي، وضعي على رأسه بيدك إكليل الزفاف.

ولكن لا تنسي أيتها اللادي أن تنظري إلي خيالي الدموي، فهو سيكون بينكما عند أول ليلة تتبادلان قبلات الغرام.

ثم خرجت فاندا وعلى وجهها علائم القنوط، وقد نادتها مس ألن مرارًا فلم تجب.

أما مس ألن فقد أثر فيها كلام فاندا أشد تأثير، حتى إنها وقفت بعد انصرافها جامدة ساهية.

ثم انتفضت وجعلت تكلم نفسها فتقول: ماذا تقول هذه المنكودة … أحلم ما رأيت … كلا فإن كلماتها لا تزال ترن في أذني وتقرع في قلبي … الخيال الدموي … قبلات الغرام … إكليل الزفاف … خذيه … ويلاه بأي صوت كانت تقول خذيه وبأي نظر متقد كانت تنظر إلي … خذيه … كلا فغير ابنة بالمير تغتصب القلوب …

والآن فقف أيها القلب الخفوق الدامي واحرق بوقيد نارك دموع عيني فامنعها أو تسيل، وأنت يا أماني الغرام وأحلام الهناء ارقدي بسلام آمنة، فما أنت ثائرة بعد هذا الحين.

وعند ذلك جلست على كرسي ووضعت رأسها بين يديها، وتاهت في مهامه التفكير كأنها حاولت الإقدام على أمر جليل فأخذت تفكر فيه.

٤٧

ولنعد الآن إلى فاندا فإنها لم تقل قولها الأخير لمس ألن إلا لتصيب غرضًا من غرضين، وهما: إما أن تتأثر تلك الفتاة من كلامها وظواهر بأسها فتهزها الأريحية وتنثني عن ذلك الغرام.

وإما أن تعتقد أنها، أي فاندا، قد تخلت لها حقيقة عن روكامبول فلا تقدم على الانتقام.

وإنما خشيت انتقامها، لأنها كانت تعلم أنها واقفة على جميع أسرار روكامبول، فخشيت أن يحملها نزق الشباب على الانتقام، بإفشاء تلك الأسرار.

وقد رأت من ملامح مس ألن، حين كانت تكلمها، أن حيلتها قد جازت عليها، فلم تجب نداءها حين نادتها، وانصرفت وهي تتظاهر بأشد حالات اليأس.

حتى إذا باتت خارج المنزل ذهبت أعراض اليأس، ولكن ظواهر التأثر والانفعال كانت لا تزال بادية عليها، حتى وصلت إلى منزل العصابة ولقيت روكامبول خارجًا من الباب، فعانقته ودموع الفرح تنهال من عينيها، كما تقدم في الفصل السابق.

أما روكامبول فقد علم من اضطرابها أنه قد جرى بينها وبين مس ألن أمور خطيرة، فسألها أن تقص عليه بالتفصيل كل ما جرى.

فروت له فاندا عند ذلك كل ما دار بينهما من الحديث، وأخبرته بحيلتها الأخيرة وأنها ترجو أن تكون قد جازت على الفتاة.

فأطرق روكامبول هنيهة ثم قال: لم يبق بد من السفر في هذه الليلة، فإن الغيرة ونزق الشباب قد يدفعانها إلى فعل ما لا تريد أن تفعله وخير لنا اتقاء الخطر.

ثم صعد مع فاندا إلى المنزل، وكان اللورد وليم ورجال العصابة ينتظرون عودته بفارغ الصبر، وقد وجفت قلوبهم خوفًا لما رأوه من اضطرابه حين برحهم.

فلما رأوه عائدًا مع فاندا فرحوا واستبشروا.

ثم نادى روكامبول مرميس وقال له: هل استأجرت الباخرة التي تنقلنا إلى فرنسا؟

– نعم.

– أين هي الآن؟

– في مرساها.

– كيف اتفقت مع الربان؟

– على أن يكون موعد السفر بعد غد كما أمرتني.

– كلا فإننا مسافرون بعد ساعة فأسرع إلى الربان، وقل له يتأهب، وابق في الباخرة فإننا ذاهبون في أثرك.

فأسرع مرميس إلى تنفيذ أوامر الرئيس، وأخذ رفاقه يتأهبون للسفر، فلم تمض ساعة حتى كانوا جميعهم في الباخرة.

فأمر روكامبول الربان أن يسير، فرفعت المراسي وصفرت السفينة، فأجابها أصوات رجال العصابة الهتاف قائلين: ليحيا الوطن! ليحيا روكامبول!

ثم سارت الباخرة باللورد وليم ورجال العصابة وهم ينظرون إلى روكامبول وفاندا ويبتسمون ابتسام الاستبشار.

أما فاندا فكانت متكئة على روكامبول تنظر إليه نظرات الدلال وتقول له: أما آن لنا أيها الحبيب أن نستريح؟

وكان روكامبول ينظر إليها نظرات تشف عن الحب الصادق، والحنان الشديد، فتكاد تطير سرورًا لأنها أول مرة جاهر فيها روكامبول بحبه لفاندا هذه المجاهرة.

٤٨

وبعد يومين كان اللورد وليم مقيمًا في قصر أسرة باميلتون في باريس مع امرأته وأولاده، ومرميس مقيمًا في منزله، وميلون يتفقد أعماله، وجواني الجزار في حانوته، وبوليت وامرأته عند أمه، وفاندا مع روكامبول.

وقد ارتاحوا جميعًا مما لقوه من العناء، واعتصبوا جميعهم على روكامبول يحاولون تزويجه بفاندا.

وكان يقطب حاجبيه عندما يذكرون له الزواج ويقول: إني لم أكفر عن ذنوبي بعد، ولا يحق لي أن أستريح.

ولما رأت العصابة ما كان من إصراره، وما تولى فاندا من اليأس خافت على الرئيس أن يعود إلى الأسفار والأخطار، وخافت على فاندا أن يحملها اليأس على الانتحار.

فخطر لمرميس أن يستعين عليه بباكارا والكونت أرمان دي كركاز، فزارهما والتمس منهما مساعدته على إقناع الرئيس.

وفي اليوم التالي جاء رسول إلى روكامبول، يدعوه إلى زيارة أرمان دي كركاز.

فأسرع إلى تلبية الدعوة معجبًا لها، ووجد عنده باكارا.

ولم يعلم أحد ما دار بينهم من الحديث. غير أن روكامبول خرج بعد خلوة ساعات، منخفض الرأس مغلوبًا، فإنهما أقنعاه على الزواج، وعيناه بعد أسبوع.

فلما عاد إلى المنزل الذي كان يقيم فيه مع فاندا، وجد جميع العصابة، فأيقن أنهم كانوا عالمين بسر دعوة الكونت أرمان له، فنظر إليهم نظر المؤنب، وقال لهم: أيكم الذي خان الرئيس؟

ثم نظر إلى مرميس نظرة خاصة، فلم يطق مرميس احتمالها وقال له: أنا هو يا سيدي … فإني خشيت أن تعود إلى المخاطرة وأنت أحوج إلى الراحة بعد ما لقيته من العناء. أليس في باريس من الأعمال ما يشغلنا عن سواها من البلدان؟ ألا تحب أن تقر عيون رجالك بولد يرث عنك تلك المبادئ الجليلة؟

فابتسم روكامبول ابتسامًا ذهب بخوف مرميس، وقال له: لقد شفع بهفوتك حسن قصدك، فاحذر أن تعود إلى مثلها.

ثم نظر إلى فاندا، وقال لها مبتسمًا: لقد حكم عليَّ الكونت وباكارا ورجالي بالزواج، فهل أنت راضية بهذا الحكم؟

فلما سمع رجال العصابة كلامه أيقنوا أنه رضي بالزواج فهتفوا هتافًا: ليحيا روكامبول! ولتحيا فاندا!

٤٩

وفي اليوم الثاني ذهب روكامبول إلى المستشفى الذي وضع فيه المركيز دي مورفر، وهو ذلك المركيز الذي عذبته البستانية الحسناء عذابًا أفضى به إلى الجنون، ووجده قد شفي من جنونه فأخرجه منه وأعاد إليه ثروته وولده، فكان سرور هذا المركيز بمنقذه ومنقذ ولده لا يوصف.

ثم تفقد ابن صديقه الرجاه الهندي فوجده على خير حال.

وذهب إلى حنة، والدة ابن إرلندا، فأخبرها بانضمام اللورد بالمير، شقيق زوجها، إلى الإرلنديين، وبغل يد الأسقف. وأنه ينتظر ورود كتاب من الكاهن صموئيل كي يرسلها مع ولدها إلى إرلندا، فتقيم فيها آمنة كيد المعتدين.

ومرت أيام ذلك الأسبوع، ورجال العصابة يهتمون بإعداد معدات الزفاف، وهم كلما خلوا بفاندا اتفقوا على مداعبتها وممازحتها، حتى إذا أقبل الرئيس كفوا عن المزاح ووقفوا في مجلسه وقد رهبوا رهبة التلامذة بحضور الأستاذ.

إلى أن انقضى ذلك الأسبوع، ودنا ذلك اليوم العظيم الذي طالما حنت فاندا إليه، فذهب بها روكامبول إلى الكنيسة يحيط بها رجال العصابة، كما يحاط الأمير بحراسه.

حتى إذا وصلوا إليها وجدوا فيها الكونت أرمان دي كركاز والكونت دي أرتوف وامرأته باكارا، والمركيز دي مورفر وابنه واللورد وليم وامرأته، وحنة الإرلندية وولدها، وجميع الذين أحسن إليهم هذا الرجل العظيم صاحب الزفاف ووقاهم كيد الأشرار.

وقبل أن يشرع الكاهن بصلاة الإكليل، دخل رجل يحمل بيديه علبتين ورسالتين فدفعهما إلى روكامبول.

وظهرت علائم السرور على وجوه رجال العصابة، فإن هذا الرجل كان شوكنج.

أما روكامبول فإنه فض إحدى الرسالتين ووجدها مذيلة بتوقيع الكاهن صموئيل فقرأ فيها ما يأتي:

إلى ولدي الحبيب روكامبول

يصل إليك شوكنج في اليوم الذي تعين لزفافك المبارك، إن شاء الله، وقد علمت من مس ألن خبر هذا الزفاف الميمون، فأسرعت إلى تهنئتك، وإني أهنئك بلسان كل إرلندي عرف نبل نفسك، وشهامة قلبك، وأسأل الله أن يجعل زفافك سعيدًا هنيئًا، محفوفًا باليمن والخير والبركات.

ولقد أقر رأي الزعماء في جلسة عقدت خصيصًا أن يغتنموا هذه الفرصة ويرسلوا إليك أجل تذكار مقدس عندهم يحفظ عندك دليلًا على اعتراف إرلندا والإرلنديين بما لك عليهم من المنة والفضل.

هذا التذكار صليب مرصع، أهداه الإرلنديون لأول أمير منهم بدأ بالجهاد، فأصبح هذا التذكار وطنيًّا مقدسًا، بعد استشهاد الأمير، وبقي محفوظًا في مركز الزعامة الكبرى إلى أن قررت اليوم إهداءه إليك فاقبله يا بني، إنه خير من أوسمة الملوك فإن الوسام يهدى من واحد، وهذا التذكار قد أهدي إليك من ملايين.

نعم، أرسلت إليك هذا الكتاب مع شوكنج، لأني قضيت بفضلك كل ما كنا نبتغيه من الجمعية الإنجليكانية، وأطلقت الأسقف من قفصه الحديدي.

ولكنه لم يخرج منه إلا بعد أن ذهب عقله، وهو الآن في ذلك المستشفى الذي وضع فيه ولتر بريس من قبل، وقد أمن الناس أذاه.

فأرسل يا بني ابن إرلندا، زعيمنا الأكبر، مع أمه، فلا خوف عليه بيننا بعد الآن …

وفي الختام، أسأل الله لك ولعروسك كل خير وهناء.

الكاهن صموئيل

فاغتم روكامبول لجنون الأسقف، إذ لم يكن يريد أن يبلغ به العقاب إلى هذا الحد، ولكنه تعزى بأن أذاه قد امتنع عن الناس.

ثم فض الكتاب الثاني بيد تضطرب، إذ علم من خط عنوانه أنه من مس ألن، فقرأ ما يلي:

إلى أخي روكامبول وأختي فاندا

يصل إليكما كتابي هذا وأنتما في خير ما ترجوانه من نعيم الحياة، وقد بلغ قلباكما الطاهران ما طالما تمنياه.

وستقرآنه ونحن جميعًا في أقدس موقف، فأنتما في الهيكل المقدس يعقد إليكما الكاهن إكليل الزفاف، وأنا جاثية في غرفة من غرف الدير، أدعو لكما دعاء مستجابًا بإذن الله، فإن دعاء الإخلاص يبلغ إلى ذلك العرش العالي.

نعد لقد أوحى إليَّ جل جلاله أن أكون من خدامه، فدخلت الدير لا قنوطًا من السعادة في هذه الدار بل ابتغاء لها في الأخرى.

فادعوا لي كما أدعو لكما، فإنكما خير من أحببت في هذا الوجود.

ولقد أرسلت مع شوكنج علبة تحتوي على جميع ما كنت أتزين به من المجوهرات.

ورجائي من الحبيبة فاندا أن تتكرم بقبولها هدية زفاف، بل هدية من التي كانت تدعى من قبل مس ألن وهي الآن تدعى الأخت.

ماري

فأدمعت عينا روكامبول حنوًّا وسره هذا الانقلاب، فإنه كان يتوقع لها غير هذا المصير.

ثم دفع المجوهرات إلى فاندا وسألها أن تتزين بها، وعلق هو صليب الإرلنديين في عنقه. وعندها بدأت صلاة الإكليل.

وانتهت حفلة الإكليل، وهنأ الجميع ذلك البطل الخالد وعلائم البشر بادية في ثنايا الوجوه.

فهمَّ روكامبول بالانصراف مع عروسه وعصابته إلى منزله، فحالت باكارا دون قصده، ودعت الجميع إلى مأدبة أعدتها للعروسين وللضيوف، فلبوا الدعوة.

غير أن باكارا لم تذهب بهم إلى قصرها، بل سارت بهم إلى منزل لم يكن روكامبول يعرفه من قبل.

وكان كل ما في هذا المنزل من الأثاث والرياش جديدًا من أتقن ما جادت به يد الصناعة.

وهناك بسطت الموائد فأكل المدعوون ما لذ وطاب، ثم جاء دور الأنخاب.

فنهضت باكارا وكأسها بيدها فشربت نخب العروسين، وقالت: إن بيني وبين روكامبول اتفاقًا في السيرة من البدء إلى المصير، وائتلافًا في الحياة من المبدأ إلى الغاية.

ولذلك أسأله بحق هذا الاتفاق أن يقبل مني هذا المنزل وما فيه هدية زفاف أرجو أن يكون سعيدًا بإذن الله.

ثم وضعت حجة المنزل أمامه فابتسم ولم يجب.

ووقف بعدها المركيز دي مورفر فشرب نخب العروسين، وقال: إنكم تعلمون جميعًا أني مدين لهذا الكريم بثروتي وعقلي وحياتي وحياة ولدي، فلا أجسر على مكافأته فليس لعمله جزاء يفي حق فضله في هذه الديار، ولكني أقتسم هذه الثروة التي ردها إليَّ بيني وبينه وبين ولدي، وأرجو أن يقبل حظه من القسمة هدية زفاف.

ثم وضع أمامه محفظة محشوة بالأوراق.

فابتسم روكامبول ولم يجب.

ووقف بعده اللورد وليم فشرب النخب وقال: إني لا أقل عن حضرة المركيز امتنانًا لمنقذي، فإني مثله مدين له بالثروة والحياة وإنقاذ العقل والبنين، فأنا أقف لك نصف ريع ثروتي الطائلة ولأولادك من بعدك، وأرجو من سيدي روكامبول أن يكون حظ هذه القسمة القبول.

ثم وضع أمامه حجة الوقف.

وعند ذلك وقف الكونت دي كركاز وهمَّ أن يتكلم، فسبقه روكامبول إلى الكلام وقال: من الأمثال المأثورة يا سادتي أن الإحسان يطلق اللسان، ولكن هذه الأمثال لا تنطبق علي، لأني لا أجد كلامًا يعرب عما يخالج قلبي من الامتنان.

لقد عرفتم أيها السادة تاريخ حياتي التي سودتها الجرائم والآثام، إلى أن قدر الله لذاك اللص أن يتوب ولذاك السفاك أن يندم، ويرجو أن يلقى الله بوجه لا يسود.

وكيف ألقاه بهذا الوجه إذا لم أكفر عن تلك الذنوب؟ وإذا قبلت من الكونتس أرتوف تلك الهبة، ورضيت أن أقتسم ثروة اللورد والمركيز فكيف أكون كفرت عن ذنوبي؟

إني ألتمس منكم أن أرفض هذه الهبات شاكرًا ممتنًا، فما أنا من طلاب المال والعقار، ولم يبق لي مأرب في الحياة غير التكفير والاستغفار، على أني أقبل هبة واحدة، وهي هبة ألتمسها التماسًا من الكونت أرمان دي كركاز.

إن لسيدي الكونت بوليسًا سريًّا في باريس، يرشده إلى كل منكود وإلى كل ظالم محتال، وإلى كل من أناخ به الدهر وجور المعتدين.

وقد كان لهذا البوليس رئيس يخدع الكونت، وكنت من عصابة ذاك الرئيس في عهد الشر والغواية.

فأنا ألتمس من سيدي الكونت أن يجعلني رئيسًا لبوليسه الخيري وهذا كل ما أبتغيه.

فأكبر الحضور علو نفسه وأعجبوا بشهامته، ورأوا من لهجته أن لا سبيل إلى إثنائه عن عزمه، فاسترجع كل على الكره منه ما وهب.

وتفرقوا، يلهجون بمواهب هذا الرجل الكبير، وكلهم منه بين الإعجاب والعجب.

وأرجع روكامبول ابن إرلندا وأمه إلى الكاهن صموئيل، وأعاد رجال عصابته إلى الانضمام تحت لوائه، وتقلد رئاسة بوليس الكونت أرمان أعوامًا طويلة.

واستعان بأموال مرميس فأنشأ منها محافل للبر والمعروف، لا تزال آثارها باقية إلى الآن.

وقد مضى على عهد زواجه ثلاثون عامًا لم يرزقه الله ولدًا، فكان ولده تلميذه مرميس.

٥٠

إن الشيخ الهزيل هرم وتشنج جلده نحولًا.

قلب عليه الدهر مجنه، فعاضه من نضارة عوده ذبولًا، واعوجت قناته فتوكأ على العصا.

إنه كالنسر من قمة إلى قمة يرقى، وأين له همة النسور وقد فصمت منه العرى؟

•••

وإن في أثره كهلًا وخطه الشيب، وهو يسير سير الفتى، وما فتئ مفتول الساعد جزل القوى، وقد ومض الذكاء من عينيه برقًا، إنه يستوقف الشيخ فلا يريد الرجعى.

يقول: قف يا أبتاه حسبك وكفى، إن شدتك قد ولت وإن عظمك قد دق، وهذا السير يهد منك القوى.

– سر يا بني إنها دقائق معدودة فأستريح أبدًا.

– إلى أين تريد البلوغ من هذه القمة العالية؟

– إلى هوة الأبد القصيا، إن الناس ينزلون إلى قبورهم وأنا أذهب إلى القبر صعدًا.

– علو في الحياة وفي الممات أيضًا … إنها معجزة، ما متع الدهر بها أحدًا.

وتأبط الشيخ ذراع الكهل فاستعان به على ارتقاء الذرى.

وهناك شجرة باسقة خرجت أغصانها من سقف قبة ولها فروع تتدلى، وتكاثفت أوراقها فغطت جوانب القبة الناصعة بياضًا.

•••

أشرف الشيخ من فوق القمة وقال: سلام على الأرض ومن فيها، إنها آخر نظرة إلى الوجود، ثم يأكل لحمي الدود.

سبحانك اللهم إني تماديت في الغي وتهت في الضلالة، وهذا عبدك قد تاب وارعوى.

اللهم أقلني عثرتي، وتجاوز عن ذنبي، إنك أرحم من أغضى.

اللهم إني استكملت مدتي، وبلغت الميقات، فانقلني إلى دار كرامتك، إن عبدك قد أودى.

•••

وفتح الشيخ باب القبة وقال: تعال يا بني، هنا ولدت لأموت، وهنا أموت لأحيا.

فاجأ أمي المخاض عند جزع هذه الشجرة، وكانت امرأة سوء بغيًّا، هنا ولدتني بالإثم، فكفلتني بغي مثلها، فخرجت لصًّا شقيًّا.

ألقني يا بني فوق هذا العشب، إنه فراش الموت وأنعم به فراشًا وثيرًا، ولا تلقني في قبر ضيق الأرجاء، بل تحت هذه القبة الزرقاء في فسيح الخلاء أموت قريرًا، سعة في الفناء لم تدرك في البقاء، ولو بت طعم طير السماء ووحش الفلاء.

واعلم يا بني أنك بت بعدي فريدًا أوحدًا.

فاعمل بما علمتك، واحْيَ للناس تلق رشدًا، واعمل ليومك كأنك تعيش أبدًا، ولغدك كأنك تموت غدًا.

هذه وصيتي، يا بني، فاركع وادع لي الله يحشرني بين عباده الصالحين تنل ثوابًا.

•••

فبكى الكهل حتى اخضل عارضاه، وجزع الشيخ فقال: علام البكاء؟ أعلى الحياة وهي من بنات الموت؟ أم على نفسي وهي من بنات الخلود؟

لا تبك يا بني من مات بل ابك من بقي حيًّا، وأطبق الآن عيني فقد دنت الساعة وآن لي بهذا الموت أن أحيا …

وانقطع صوت الشيخ، وأخذت الروح تحشرج في صدره، فتخرج زفيرًا.

•••

وكان هذا آخر العهد به، فخرج الكهل من القبة تكاد تبيض عينيه من البكاء والحسرات، فأقفل الباب وكتب فوقه:
هذا الذي مات بالحياة، وعاش بالممات.

إن هذا الشيخ كان روكامبول، وهذا الكهل مرميس، إذ لم يبق من عصابة روكامبول في عهد موته غير تلميذ روكامبول.

وإن من زار قرية بوجيال وصعد إلى قمتها العالية، يجد في أعلى تلك القمة قبة جعلها الناس مزارًا، وقد رسم على بابها روكامبول وعصابته.

فرحم الله تلك الأرواح الطاهرة، ورحم من ترحم عليها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١