الفصل الثاني

أدلة بحثية تُبرهن على نجاح التدريس المُتمركِز حول المتعلم

يبرهن عدد كبير من الأبحاث على فاعلية أساليب التدريس المُتمركِز حول المتعلم. لقد نُشر الكثير من الأبحاث منذ صدور الطبعة الأولى من هذا الكتاب، بل في الواقع، كان تَزايُد مجموعة الأدلة الداعمة لفاعلية هذه الأساليب هو ما أقنعني في النهاية بمزايا إصدار طبعة ثانية. سيُلخِّص هذا الفصل عيِّناتٍ من تلك الأبحاث، ويستعرض المستجدات التي طرأت على ما أُلقي الضوء عليه في الطبعة الأولى ويُقدِّم النتائج الجديدة.

أستطيع أن أتخيل عددًا من أعضاء هيئات التدريس وهم يقرءون افتتاحية هذا الفصل ويرَون أنه يُمكن تخطِّي قراءته؛ فمُعظم أعضاء هيئات التدريس لا يستمتعون بقراءة الأبحاث العلمية ما لم تكن هذه الأبحاث في مجال تخصُّصهم الدراسي، أو تتناول موضوعًا جديرًا بالاهتمام. وفي حالة الأبحاث العلمية المتعلقة بالتدريس والتَّعلُّم، سواء تلك التي تُجرى في مجال التعليم أو التي يُجريها ممارسو العملية التعليمية في مُختلِف التخصُّصات الدراسية، ثَمَّةَ سبب آخر لعدم قراءة الأبحاث؛ حيث إن الكثير من أعضاء هيئات التدريس لا يعتقدون أن الأبحاث على درجةٍ عالية من الجودة، ولا يَعتقدون أن بإمكانهم أن يجدوا الكثير مما قد يُفيدهم داخل قاعة الدراسة.

من الممكن تفهُّم إغفال قراءة الأبحاث المتعلقة بالتدريس والتَّعلُّم إلى حدٍّ ما؛ فالأبحاث التربوية، مثل الأبحاث الأخرى في كل مجالاتنا، لا تتسم جميعها بالجودة. وتُعَد منهجية الأبحاث العلمية، الزاخرة دومًا بالتفاصيل المرهقة والكثير من المصطلحات المتخصصة، غيرَ مألوفةٍ غالبًا، كما أن آثار نتائج هذه الأبحاث غير موضَّحة عادةً. وهذه الأبحاث، شأنها شأن غالبية ما يَجري داخل مجالات تخصُّصاتنا الدراسية، تفيد الأبحاث التالية عليها أكثر من كونها تفيد الممارسات العملية. ولكنني لا أظن أن هذا يُبرر الإغفال عن قراءة الأبحاث المتعلقة بالتدريس والتَّعلُّم.

إليك بعض الفوائد الناتجة عن الإلمام ببعض المعرفة بالأبحاث المتعلقة بطُرق التدريس المُتمركِز حول المتعلم، وإذا لم تكن تستخدم أيًّا من استراتيجيات هذا النوع من التدريس، فلعلَّ نتائج الأبحاث تُقدِّم لك أدلةً تُقنعك بتجربة بعضٍ من هذه الأساليب المتبَعة للتدريس. وإذا كنتَ تستخدم بعضًا منها بالفعل، فإن فهم المزيد عن سمات التصميم التي تُنجِح هذه الأساليب ونواتج التَّعلُّم التي تُؤثِّر عليها هذه الأساليب قد يَزيد من فعالية استخدامك لهذه الأساليب والاستراتيجيات. وإذا كنتَ تؤمن بأساليب التدريس المُتمركِز حول المتعلم وترغب في تأييدها، حتى إن كان ذلك بمجرَّد التوصية غير الرسمية بها لزميلٍ آخر؛ فإن تأييدك لها سيكون أكثر فاعليةً إذا كنتَ تعرف شيئًا عن كيفية اختبارها ونوعية الأدلة التي تَدعم مدى فاعليتها ونجاحها.

ثَمَّةَ فائدتان أخيرتان تنطبقان على نطاقٍ أوسع، إلا أنهما لا تزالان وثيقتَي الصلة بطرق التدريس المُتمركِز حول المتعلم. فنظرًا لأن الأبحاث المتعلقة بطرق التدريس والتَّعلُّم لا تزال تَحظى بقدرٍ قليل جدًّا من الشهرة، فإن الكثير من الممارسات المتعلقة بمهنة التدريس لا تستند إلى الأدلة والبراهين. وهذا أمر مثير للمفارقة داخل الثقافة الأكاديمية؛ حيث تحظى الأدلة والبراهين بالاحترام والتوقير. فمهنة التدريس لا تُقدَّر حق قدرها، وتتعرض عملية التَّعلُّم للخطر عندما لا تستند الممارسات المهنية إلى المعرفة، بما يجعل كلًّا من التدريس والتَّعلُّم فعَّالًا. وقد يُحفِّز الإلمام بالأبحاث العلمية نوعية التغيرات التي ستجعل مهنة التدريس مُعتمِدة أكثر على الأدلة والبراهين. وفي النهاية، ربما تُقنعك قراءة الأبحاث التربوية المتعلقة بأساليب التدريس المُتمركِز حول المتعلم بأن ثَمَّةَ أبحاثًا أخرى أُجريت على التدريس والتَّعلُّم تستحق أن تَقضيَ وقتًا في قراءتها. وإلى جانب هاتين الفائدتين، هدفي من هذا الفصل هو تقديم ملخَّص موجز ومثير للاهتمام وغير مُتخصِّص لتلك الأبحاث، ملخص سيجعلك واعيًا بالموضوع ومهتمًّا به.

لا يتضمَّن هذا الفصل استعراضًا شاملًا لجميع الأبحاث التي أُجريت على أساليب التدريس المُتمركِز حول المتعلم؛ فلم يتبقَّ لي وقتٌ كافٍ في حياتي المهنية لإعداد هذا النوع من المراجعة الاستعراضية الشاملة. فالأبحاث التي تُبرِّر استخدام هذه الأساليب للتدريس أُجريت على كل المجالات بمُختلِف أنواعها، بدايةً من التربية والتعليم والمجالات المتنوعة المندرجة تحتهما، ونهايةً بالأبحاث التربوية للممارسين المهنيين التي تُجرى حاليًّا في جميع التخصُّصات الدراسية تقريبًا. واكتشاف كل شيء — أو اكتشاف معظم الأشياء — يُعَد مهمة مرهقة. وأنا على يقينٍ بالغ بأنني قرأت عن هذا الموضوع أكثر من أغلب الناس، وما زلت أجد باستمرارٍ أشياء لم أقرأها وينبغي لي معرفتها.

بالإضافة إلى وجود الأبحاث في كثيرٍ من النطاقات المختلفة، توجد أنواع متعددة من الأساليب والاستراتيجيات والطرق المختلفة التي تَندرج تحت مظلة طُرق التدريس المُتمركِز حول المتعلم. سأكتب في موضعٍ لاحق من هذا الكتاب عما إذا كان هذا التعريف الفضفاض يُسبِّب صعوبةً في تحديد ما إذا كان أسلوب التدريس مُتمركزًا حول المتعلم أم لا. وفي هذا الموضع تتعلَّق المسألة بتحديد ما سوف نُدرجه في استعراض الأبحاث حين تكون أمامنا مثل هذه المجموعة المتنوعة من الخيارات. لقد اخترتُ الأبحاث المهمة والمثيرة للاهتمام ذات الجودة العالية، وفي الواقع، وجدتُ أن الكثير مما سأكتبه في هذا الفصل مشوِّق، إلا أن المرء يجب أن يكون حذرًا من المبالغة في الكتب ذات الطابع الأكاديمي.

عادةً ما تُضمِّن مراجعات الأبحاث النتائج بالاستعانة بمناهج وأدوات البحث الكمي؛ مثل التحليل التلوي، إلا أن الأبحاث المتنوعة المتعلقة بطرق التدريس المُتمركِز حول المتعلم تَستبعد أي نوعٍ من التحليلات الكمية. ولقد استُعين بعددٍ كبير للغاية من المناهج البحثية المختلفة. والهدف من معظم المراجعات التي تَستعرض الأبحاث هو دمج ما هو معروف كوسيلةٍ لتوضيح ما هو غير معروف؛ ومن ثَمَّ تقديم المساعدة في توجيه أجندة الأبحاث. ليس هذا ما يحتاج الممارسون إلى معرفته عن الأبحاث التي أُجريت على طرق التدريس المُتمركِز حول المتعلم، بل إنهم بحاجةٍ إلى فهم نوعية الأسئلة التي تتناولها الأبحاث، والإجابات التي يتمُّ التوصُّل إليها — وهو ما يعني دومًا، بالنسبة إلى الأبحاث التربوية التي تتَّسم بالافتقار إلى النتائج الحاسمة، أن الإجابة يجب أن تكون مدعومةً بالحُجج القاطعة — والأهم من ذلك أنهم بحاجةٍ إلى فهم ما ينبغي لهم القيام به حيال النتائج. وهذه هي الأسئلة التي من المفترَض أن يُجاب عنها بنهاية هذا الفصل.

(١) مستجدات الأبحاث

ألقت الطبعة الأولى من هذا الكتاب، الصادرة عام ٢٠٠٢، الضوءَ على الأبحاث التي أُجريت على ثلاثة جوانب تستحقُّ التعرف على مُستجَداتها، ألا وهي: التَّعلُّم العميق والتَّعلُّم السطحي، وتوجُّهات أعضاء هيئات التدريس نحو طُرق التدريس، والتَّعلُّم الذاتي التنظيم. لقد أُجريت الأبحاث الخاصة بكل جانبٍ من هذه الجوانب في مجال التربية والتعليم والمجالات المرتبطة به، وهي ليست أبحاثًا عن أساليب التدريس المُتمركِز حول المتعلم في حد ذاتها، وإنما هي أبحاث تُركز على المبادئ التي تمثلها تلك الأساليب.

(١-١) التَّعلُّم العميق والتَّعلُّم السطحي

بدأ هذا البحث، الشهير إلى حدٍّ ما بين أعضاء هيئات التدريس (رغم أنه بالنسبة إلى الأغلبية، لا تتعدى المعرفة في هذا المقام مجرد الإلمام بالاختلافات بين أسلوبَي التَّعلُّم هذين)، بدراسةٍ مهمة ومؤثرة أجراها مارتون وسالجو (١٩٧٦، وحدَّثها وحلَّلها مارتون وهاونسيل وإنتويسيل، ١٩٩٧)، وقد جعل الباحثان الطلاب يقرءون جزءًا من كتابٍ أكاديمي، ثم طلَبا منهم أن يَصِفوا ما قرءوه. ولقد لخَّص رامسدن (١٩٨٨، ص١٨) — وهو باحث آخر مُهم يعمل في هذا المجال — بإيجازٍ تلك النتائجَ الأولية قائلًا: «لقد وجَدا أدلة على وجود اختلافات «نوعية» في حصيلة القراءة لدى الطلاب. لم تكن الاختلافات مرتبطةً بمقدار ما استطاع الطلاب تذكُّره؛ وإنما مُرتبطة بالمعنى الذي حاول المؤلف توصيله؛ حيث فهم بعض الطلاب النقاش المطروح فهمًا كاملًا، وكانوا قادرين على الربط بينه وبين الأدلة المستخدمة لدعم النقاش، في حين أن بعض الطلاب فهموا رسالة المؤلف فهمًا جزئيًّا، بينما لم يستطع طلابُ آخَرون سوى ذكر بعض التفاصيل التي يتذكرونها.»

وعندما ركز الطلاب على استظهار الحقائق، وركَّزوا على العناصر غير المترابطة الخاصة بعملية القراءة، وفشلوا في التمييز بين الأدلة والمعلومات، ولم يستغرقوا في تأمُّل ما يقرءونه، واعتبروا المهمة عبئًا خارجيًّا، وصف مارتون وسالجو أسلوب تعلمهم بأنه تعلم «سطحي». وعندما ركز الطلاب على ما يعنيه المؤلف، وربطوا بين المعلومات الجديدة وما يعرفونه وجرَّبوه بالفعل، وعملوا على تنظيم المحتوى وترتيبه، واعتبروا القراءة مصدرًا مهمًّا للتعلم: وصَف مارتون وسالجو أسلوب التَّعلُّم بأنه «عميق». يستفيض رامسدن (١٩٨٨، ص٢٣) في تلخيص الاختلافات بين الأسلوبين؛ فبالنسبة إلى الطلاب الذين يتبعون أساليب التَّعلُّم السطحي، «كانت الكتب الدراسية بمنزلة مشهد مُنبسط من الحقائق يتعيَّن عليهم حفظه، بدلًا من كونها مساحة شاسعة تتناثر عليها معالم بارزة تُمثِّل مبادئَ أو حُججًا تنبسط من حولها سهول من الأدلة والبراهين.»

كما يلاحظ رامسدن (١٩٨٨، ص٢٧١) أيضًا الروابط القائمة بين التَّعلُّم العميق والتَّعلُّم التحويلي: «ينبغي أن يُنظر إلى عملية التَّعلُّم باعتبارها تغييرًا نوعيًّا في الطريقة التي يرى بها المرء ويختبر ويفهم ويتصوَّر شيئًا ما على أرض الواقع؛ بدلًا من اعتبارها تغييرًا كميًّا في كمية المعرفة التي يكتسبها المرء.» فالتَّعلُّم العميق هو ما يساعد الطلاب على تحقيق أهم الأهداف التعليمية وأشملها. «التعليم العالي ينبغي أن … يُركز على مساعدة الطلاب على تنمية المهارات والتوجهات، واكتساب المعرفة والفهم الذي سيكون له قيمة قُصوى تتعدى الحدود الأكاديمية؛ ليس لمجرد الاستعداد لدخول سوق العمل الخاص بمهنةٍ معينة وحسب، بل للاستعداد الفعَّال للعيش في القرن الحادي والعشرين أيضًا» (إنتويسيل، ٢٠١٠، ص٢٠).

«منذ إجراء التجربة الأصلية الأولى، لقيَ الاختلاف بين أسلوبي التَّعلُّم العميق والتَّعلُّم السطحي تأكيدًا واسع النطاق عبر معظم المجالات التي خضعت للدراسة»؛ وذلك وفقًا لإنتويسيل (٢٠١٠، ص٢٤). ويأتي هذا التأكيد من وسائل تقيس بجدارةٍ إلى أي مدًى يستعين الطلاب بأساليب التَّعلُّم العميق أو أساليب التَّعلُّم السطحي (بيجز، وكيمبر، ولونج، ٢٠٠١؛ أو تيت، وإنتويسيل، وماكيون، ١٩٩٨، وأُعيد طبعه باسم إنتويسيل، ٢٠١٠، ص٥٣-٥٤). ويستطيع المعلمون أن يستعينوا بهذه الأدوات ليَمنحوا الطلاب تقييماتٍ ويُشجعوهم على استكشاف المزيد من الأساليب المثمرة الخاصة بالتَّعلُّم العميق.

وجدت الأبحاث التي أُجريت على التَّعلُّم العميق والتَّعلُّم السطحي استحسانًا لدى أعضاء هيئات التدريس، ومعظم هذه الأبحاث تلاحظ أن عددًا كبيرًا جدًّا من الطلاب يُركزون على حفظ المادة التعليمية دون أن يفهموا ما يحفظونه بالكامل، أو دون أن يفهموه على الإطلاق. يؤدي اتباع أساليب التَّعلُّم السطحي إلى حفظ المادة التعليمية لفترةٍ وجيزة، وقد لاحظ ذلك معظم أعضاء هيئات التدريس من واقع خبراتهم المباشرة. إذَن، السؤال المطروح هو: هل أساليب التدريس المُتمركِز حول المتعلم تُشجِّع التَّعلُّم العميق؟ وتوجد الأدلة الأكثر إقناعًا، التي تُبرهن على ذلك، في الأبحاث التي أُجريت على توجُّهات أعضاء هيئات التدريس نحو طرق التدريس.

(١-٢) توجهات أعضاء هيئات التدريس نحو طرق التدريس

أظهرت إحدى الدراسات، التي يرجع تاريخها إلى عام ١٩٨٨ (جرينسون)، وجود علاقة بين أساليب التدريس المُتمركِز حول المعلم أو المُتمركِز حول الطالب، وبين نوعية الخبرات التعليمية التي ذكرها الطلاب. وفي تلك الدراسة حظيت الأساليب التعليمية المُتمركِزة حول الطالب بأفضليةٍ عبر عددٍ من المتغيرات المختلفة. وقد حظيت هذه النتائج المبكرة بتأكيداتٍ مستمرة، بدايةً من دراسة كيمبر وجاو (١٩٩٤) عن المدرسين والطلاب داخل مُختلِف الأقسام. إن نتائجهما «تُشير إلى أن طرق التدريس التي تبنَّاها المعلمون، والمهام التعليمية التي حدَّدوها، والواجبات المنزلية التي واجبوها، وعبء العمل الذي حدَّدوه؛ تأثَّرت تأثيرًا قويًّا بالتوجه المتبع نحو طرق التدريس؛ ففي الأقسام التي يسودُ فيها توجُّه نقل المعرفة، من المرجح أكثر أن يكون لتصميم المناهج وطُرق التدريس تأثيرٌ غير مرغوب على أساليب التَّعلُّم التي يتبعها الطلاب. بينما الأقسام الأكثر ميلًا نحو تيسير عملية التَّعلُّم تميل على الأرجح إلى تصميم مواد دراسية وتوفير بيئة تعليمية تُشجِّع التَّعلُّم الهادف» (ص٦٩).

في أواخر تسعينيات القرن العشرين، طوَّر تريجويل وبروسر — بالتعاون مع العديد من زملائهم — «استبيان أساليب التدريس» (عدَّله بروسر وتريجويل، ٢٠٠٦) الذي يُحدِّد إلى أي مدًى يكون المعلم موجهًا نحو نقل المعلومة والتركيز على المعلم، أو موجهًا نحو تغيير المفاهيم والتركيز على الطالب؛ وحسب المصطلحات المستخدَمة في هذا الكتاب، يُحدِّد هذا الاستبيان ما إذا كان المدرس يتبع أسلوبًا متمركزًا حول المعلم، أم متمركزًا حول المتعلم. وفي عام ٢٠١٠، أعدَّ تريجويل تقريرًا عن خمس دراسات بحثية قدمت هذه الوسيلة لأعضاء هيئات التدريس في الوقت نفسه الذي انتهى فيه طلابهم من استبيان أساليب التَّعلُّم (مثل استبيان بيجز، وكيمبر، ولونج، ٢٠٠١) ثم قارَن النتائج. كان عددٌ كبير من هذه الدراسات كبير الحجم على نحوٍ مثير للإعجاب؛ إذ اشتملت إحداها على ٤٦ مُدرسًا جامعيًّا لمادة العلوم في ٤٨ قاعة دراسة و٣٩٥٦ طالبًا (تريجويل وبروسر ووترهاوس، ١٩٩٩)، واشتملت أخرى على ٥٥ مادة دراسية لطلاب الفرقة الأولى، يُدرِّسها عدة معلمين في مجموعةٍ من التخصصات الدراسية، واستقت البيانات من ٤٠٨ معلمين و٨٨٢٩ طالبًا (تريجويل وبروسر ورامسدن ومارتن، ١٩٩٩).

ويكتب تريجويل (٢٠١٠) عن نتائج كل هذه الدراسات قائلًا: «تشير هذه الدراسات مجتمِعة، مع اعتبار قاعات الدراسة وحدة التحليل، إلى أن أسلوب التدريس القائم على نقل المعلومة/المُتمركِز حول المعلم مرتبط بقوةٍ وقطعيًّا بأسلوب التَّعلُّم السطحي وغير العميق، وأن أسلوب التدريس القائم على تغيير المفاهيم/المُتمركِز حول الطالب مُرتبط قطعيًّا بأسلوب التَّعلُّم العميق وغير السطحي» (ص١٢١). ويُقدِّم تريجويل وصفًا للتوجُّه المُتمركِز حول الطالب يؤكِّد فيه أنه الأسلوب الذي يُشير إليه هذا الكتاب بأسلوب التدريس المُتمركِز حول المتعلم: «عندما يُصرِّح المدرسون بأنهم يَعتبرون الطلاب بؤرة تركيز أنشطتهم؛ حيث يكون ما يفعله الطلاب وما يتعلمونه أهم مما يقوم المعلم بتغطيته، وعندما يكون المدرس هو من يُشجِّع التَّعلُّم الموجَّه ذاتيًّا، … حيث يثير المدرس النقاش ويَستغرق الكثير من الوقت في التحقُّق من أفكار الطلاب، وفتح «حوار» مع الطلاب أثناء المحاضرة، حينئذٍ يكون طلابه أقلَّ عرضةً لتبنِّي أسلوب التَّعلُّم السطحي، وأكثر عرضةً لتبنِّي أسلوب التَّعلُّم العميق» (ص١٢١).

يقدم هذا البحث توصيةً مقنعة للاستعانة بطُرق التدريس المُتمركِز حول المتعلم. فعند الاستعانة بهذه الأساليب، يمكن تبرير الزعم القائل بأنها تُشجِّع نوعًا مختلفًا وأعمق وأفضل من التَّعلُّم. إنه التَّعلُّم الذي يدوم؛ التَّعلُّم الذي يُمكِّن التعليم العالي من تحقيق بعض أهدافه الأشمل والأسمى.

(١-٣) المتعلمون المستقلون الذين يتَّسمون بالتوجيه الذاتي والتنظيم الذاتي

في مرحلة مبكرة من مشواري المهني لتنمية مهارات أعضاء هيئات التدريس، صادفتُ فكرة التَّعلُّم الذاتي في كتاب بوود (١٩٨١)؛ حيث وصفَت مقالاته المُجمَّعة في كتاب مُنقَّح كيف يَصنع التعليم من الطلاب عادةً متعلمين متواكلين للغاية؛ إذ إنهم يتَّكلون على المعلم كي يُحدِّد لهم ما يحتاجون إلى تعلُّمه، ويصف لهم أساليب التَّعلُّم، وفي النهاية يُقيِّم لهم ما تعلموه ومدى جودة تعلُّمهم إياه. والكثير من الطلاب يدخلون قاعة الدراسة راغبين في أن يُخبرهم المعلمون بكل شيءٍ تقريبًا؛ مثل عدد الكلمات التي ينبغي أن تحتويَ عليها أبحاثهم، وشكل الخط الذي ينبغي لهم استخدامه، وعدد المراجع التي يجب أن يحتويَ عليها البحث، وعرض الهوامش التي ينبغي أن يستخدموها في صفحة البحث. وإذا لم تُحدَّد هذه التفاصيل، فإن الطلاب سيسألون عنها وسيشعرون بالإحباط إذا اضطُروا إلى اتخاذ هذه القرارات بأنفسهم.

ونظرًا لأننا نادرًا جدًّا ما نرى متعلمين يتَّسمون بالتوجيه الذاتي داخل قاعات الدراسة في جامعاتنا، فإننا ننسى مدى الفاعلية التي يتعلم بها بعض الأفراد اعتمادًا على أنفسهم. وسواءٌ أكان المتعلم بستانيًّا علَّم نفسَه بنفسِه، أم حائكًا محترفًا، أم مُراقبًا هاويًا للطيور، أم بَنَّاء قوارب في مرآب، فإن بعض المتعلمين يَرتقون بمهنتهم إلى مستوياتٍ أعلى من المعرفة والمهارة. ولقد تمَّ تحديد عدة سمات خاصة بالمتعلمين المستقلين عن طريق بحثٍ يُحلِّل طريقة تصرُّف المتعلمين الذين يعتمدون على التَّعلُّم الذاتي. وقد لُخص هذا البحث وأبحاث أخرى في كتابٍ ألَّفه كاندي عام ١٩٩١ بعنوان «التوجيه الذاتي وعلاقته بالتَّعلُّم مدى الحياة». وتستعين الأبحاث بملحقٍ يحتوي على «توصيف المتعلم ذاتيُّ التَّعلُّم» الذي ابتكَره كاندي ليَسرد أكثر من مائة «خاصية وسمة وصفة وقُدرة» (ص٤٥٩) يتسم بها المتعلم ذاتي التَّعلُّم. وقد صار هذا الملحق ملخَّصًا متميزًا للأبحاث، وقدم توصيفًا مناسبًا للطالب «المثالي»؛ الطالب الذي نودُّ جميعًا التدريس له.

ويُقدِّم زيمرمان (٢٠٠٢)، الذي أجرى أيضًا أبحاثًا شاملةً في هذا المجال، تعريفًا واضحًا لما يُسمِّيه التَّعلُّم ذاتي التنظيم، والذي يصفه بأنه «ليس قدرة ذهنية أو مهارة خاصة بالأداء الأكاديمي، وإنما هو بمنزلة عملية قائمة على التوجيه الذاتي يَستعين بها المتعلمون ليُحوِّلوا قدراتهم الذهنية إلى مهاراتٍ أكاديمية» (ص٦٥). وتتنوَّع تسمية هذه السمات الخاصة بالمتعلمين ما بين: المتعلمين ذوي التوجيه الذاتي، والمتعلمين ذوي التَّعلُّم الذاتي، والمتعلمين المستقلين. وتُدمَج الاختلافات، وهي أشبه بالفوارق الدقيقة أكثر من كونها اختلافاتٍ جوهريةً صريحة، فيما يَصفه زيمرمان (٢٠٠٨) بأنه سؤالٌ بحثيٌّ شامل؛ ألا وهو محاولة فهم «كيف يتأتَّى للطلاب التحكم في عملية تعلُّمهم» (ص١٦٦).

يُقدِّم مقال زيمرمان المنشور عام ٢٠٠٢ نظرةً دقيقة وواضحة للأبحاث التي أُجريت على التَّعلُّم ذاتي التنظيم. ويَجدر بالباحث الرجوع إلى هذا المقال إذا كان هذا المجال يقع في دائرة اهتمامه؛ حيث يُحدِّد زيمرمان ثلاث نتائج خرجت بها الأبحاث؛ أولًا: «يشتمل التَّعلُّم ذاتي التنظيم على ما هو أكثر من المعرفة التفصيلية لإحدى المهارات؛ فهو يَشتمل على الوعي الذاتي، والتحفيز الذاتي، والمهارات السلوكية الضرورية لتطبيق هذه المعرفة تطبيقًا صحيحًا» (ص٦٦). ثانيًا: تؤكد الأبحاث أيضًا على أن التنظيم الذاتي ليس سِمةً يتحلى بها البعضُ ويفتقدها الآخرون. ثالثًا وأخيرًا: سواءٌ أكان الطالب مُحفَّزًا أم غير مُحفَّز؛ فإن التَّعلُّمَ ذاتيَّ التنظيم يَعتمد على المعتقدات الخاصة بالكفاءة الذاتية والاهتمام الحقيقي.

كما هي الحال مع التَّعلُّم العميق والتَّعلُّم السطحي، طوَّر الباحثون بضع أدواتٍ واستخدموها لتحديد مدى تَحَلي الطلاب بالتنظيم الذاتي. تشتمل هذه الأدوات على استبيان استراتيجيات التَّعلُّم والمذاكرة (فاينشتاين، وشولت، وبالمر، ١٩٨٧)، واستبيان استراتيجيات دافعية التَّعلُّم (بينترتش وسميث، وجارسيا، وميكياتشي، ١٩٩٣)، ومقياس تقييم التَّعلُّم ذاتي التنظيم عن طريق المقابلات الشخصية، الذي يستعين بمقابلةٍ شخصية منظَّمة تضع الطلاب الحاليين في مواجهةٍ مع ست مشكلات دراسية يَستجيبون لها شفهيًّا (زيمرمان ومارتينيز بونز، ١٩٨٦، ١٩٨٨). وكما هي الحال مع الأدوات المستخدَمة في تقييم التَّعلُّم العميق والتَّعلُّم السطحي، تُعَد هذه الأدوات مصادرَ رائعةً للمعلمين. وإذا أنهى الطلاب واحدةً من هذه الأدوات، يستفيد المعلمون منها في تحديد مدى استعانة طلابهم باستراتيجيات التَّعلُّم ذاتي التنظيم، ويستفيد الطلاب بالقدر نفسه، إن لم يكن بقدرٍ أكبر، عن طريق الوعي بالاستراتيجيات التي يستعينون بها والبدائل الأكثر فاعليةً لها.

وقد لخَّص زيمرمان (٢٠٠٨) الأبحاث في أربعة أسئلة تخضع حاليًّا للاستكشاف العملي والتجريبي. حتى وقتٍ قريب، اعتمد الباحثون على ما يقوله الطلاب من تلقاء أنفسهم بخصوص ما يقومون به أثناء المذاكرة، أما الآن، فثَمَّةَ برامج حاسوبية تُمكِّن الطلاب من استخدام عدة استراتيجيات مُرتبطة بالتنظيم الذاتي، وهذه البرامج تُتيح للباحثين تتبُّع الاستراتيجيات التي يستعين بها الطلاب أثناء المذاكرة. والسؤال هو: هل ثَمَّةَ تَطابُق بين ما يقوله الطلاب واستخدامهم الفعلي للاستراتيجيات؟ وإلى الآن النتائج متباينة. والسؤال الثاني هو: إذا كان الطلاب يَستخدمون استراتيجيات التَّعلُّم ذاتي التنظيم في المنزل أو في المكتبة، مثلًا، فهل يُحسِّن هذا من مستوى تحصيلهم الأكاديمي بوجهٍ عام؟ تردُّ الأبحاث الأولية عن هذا السؤال بالإيجاب. أما السؤال الثالث، فهو مُرتبط على وجه التحديد بأهداف التدريس المُتمركِز حول المتعلم؛ فهل يستطيع المعلمون تعديل ما يقومون به داخل قاعات الدراسة بطُرق تُشجِّع التَّعلُّم ذاتي التنظيم بين الطلاب؟ والإجابة هي: نعم، يستطيعون ذلك. وأخيرًا: ما الدور الذي تلعبه المشاعر التحفيزية والمعتقدات الراسخة لدى الطلاب في إحداث التغييرات في أسلوب تعلُّمهم المُنظَّم ذاتيًّا وفي الإبقاء عليها؟ وتشير الأبحاث في الوقت الحالي إلى وجود علاقة وطيدة بين عمليات التَّعلُّم ذاتي التنظيم ومصادر الدافعية والتحفيز.

وكنتيجةٍ للأبحاث التي أُجريت على التَّعلُّم المُوجَّه ذاتيًّا، يقترح الكثيرون في الوقت الحالي أنه ينبغي لخبرة التعليم النظامي أن تُمكِّن المتعلمين من تحديد ما يَحتاجون إلى معرفته ومن اتخاذ القرار بشأن الطريقة التي سيتعلمون بها؛ سواءٌ أكانوا يواجهون مهمة تعليمية داخل قاعة الدراسة، أم في المنزل، أم في العمل، أم طوال الحياة فيما بعد. ومع ذلك، أشار زيمرمان (٢٠٠٢) إلى أنه بالرغم من أن نتائج الأبحاث تُظهِر على نحوٍ قاطع أن التنظيم الذاتي يؤدِّي إلى نجاحٍ أكاديمي أكبر، فإن «عددًا قليلًا من المعلمين يُعِدون الطلاب على النحو الذي يؤهلهم للتعلم عن طريق الاعتماد على أنفسهم» (ص٦٤). ويَستفيض قائلًا: «نادرًا ما يُمنَح الطلاب خياراتٍ بشأن المهام الأكاديمية المفروضة، أو أساليبَ لأداء الواجبات الدراسية المعقدة، أو شُركاء للمذاكرة. وقليلٌ من المعلمين يُشجِّعون الطلاب على وضع أهدافٍ محددة لعملهم الأكاديمي، أو يُدرِّسون استراتيجيات مذاكرة واضحة. كما أنه من النادر أيضًا أن يُطلَب من الطلاب تقييم عملهم تقييمًا ذاتيًّا أو تقدير مدى كفاءتهم في الاضطلاع بمهام جديدة» (ص٦٩).

وهذه الأساليب التي تُعِد الطلاب للتعلم عن طريق الاعتماد على أنفسهم بمنزلة جزءٍ متأصل في التدريس المُتمركِز حول المتعلم، الذي يُشرك الطلاب في عملية اتخاذ القرارات الخاصة بالتَّعلُّم، ويُشجِّع التعاون، ويُقدِّم إرشاداتٍ واضحةً بخصوص مهارات التَّعلُّم، ويُوفِّر الفرص من أجل إجراء التقييم الذاتي وتقييم الأقران. إن قيمة تمكين الطلاب من التَّعلُّم اعتمادًا على أنفسهم ليست بشيءٍ يحتاج أعضاء هيئة التدريس إلى إثبات صحته عن طريق الأبحاث. إننا نعرف أن طلابنا سيُغيِّرون وظائفهم، وأن الكثيرين منهم سيفعلون ذلك أكثر من مرة، وأن التعليم المستمر سيكون جزءًا من كل وظيفةٍ يعملون بها، بل وأنه جزء من الحياة بشكلٍ عام. ومن الواضح أن نجاح طلابنا يَعتمد على قدرتهم على التَّعلُّم مدى الحياة.

إن نتائج الأبحاث التي أُجريت على التَّعلُّم العميق والتَّعلُّم السطحي، وتوجُّهات أعضاء هيئة التدريس نحو طُرق التدريس، والتَّعلُّم ذاتي التنظيم، جميعها تدعم الاستعانة بأساليب التدريس المُتمركِز حول المتعلم. وتُؤكِّد الأبحاث التي أُجريت على توجهات أعضاء هيئة التدريس نحو طُرق التدريس أنه إذا كان تركيز المعلمين الأساسي على تغطية المحتوى، فإن ردَّ الطلاب سيكون عن طريق حفظ المواد التعليمية، عادةً بقدرٍ قليل من الفهم أو بلا فهمٍ على الإطلاق. وعندما يتبع المعلمون التدريس المُتمركِز حول المتعلم، ويُركزون على فهم المادة التعليمية، ويلتزمون بمساعدة الطلاب في التحكم في عمليات التَّعلُّم خاصتهم، فإن الطلاب يتعلمون المادة على مستوًى أعمق، ويسيطرون على عملية تعلمهم بطرق تقودهم إلى التحلي بالاستقلالية والاعتماد على الذات كمتعلمين.

(٢) مراجعات أبحاث جديرة بالاهتمام

تُلخِّص مراجعات الأبحاث النتائج وتدمجها؛ مما يعطي صورةً أوضح لحجم المعرفة التي تمَّ التوصل إليها في نطاقٍ معين. في أغلب الوقت، تُكتب المراجعات لمن يُجرون تلك الأبحاث أو لمن يهتمون بموضوعاتٍ ذات صلةٍ بتلك الأبحاث. ونادرًا ما تَستعرض هذه المراجعات آثار النتائج، بل ومن النادر أكثر أن تُكتب هذه المراجعات خصوصًا للمُمارسين العمليين، إلا أن المراجعات الثلاث الموجودة في هذا الجزء تُمثِّل استثناءاتٍ جديرةً بالذكر في هذا المقام، وجميع المراجعات الثلاث تَستعرض الأبحاث ذات صلة بالتدريس المُتمركِز حول المتعلم.

(٢-١) مراجعة الأبحاث التي أُجريت على الدافعية والتحفيز

يعاني معظم أعضاء هيئات التدريس من سلبية الطلاب المنتشرة على نطاقٍ واسع. كيف يمكن لهؤلاء الطلاب أن يكونوا طلابًا جامعيين ومع هذا يفتقرون إلى الحافز الذي يدفعهم نحو التَّعلُّم؟ يجب على كل مَن يعمل منا في مجال التدريس للطلاب الذين يفتقرون إلى الحافز أن يطَّلِع بقدر الإمكان على الأبحاث التي تناولت هذا الموضوع، وقد نَشر بينترتش (٢٠٠٣) مراجعةً متميزة في هذا الصدد. وبينترتش باحث تعليمي مشهور بأبحاثه على موضوع الدافعية والتحفيز. ويستعرض بينترتش الأبحاث التي تتناول سبعة أسئلة رئيسية تدور حول موضوع الدافعية والتحفيز:
  • (١)

    ماذا يريد الطلاب؟

  • (٢)

    ما الذي يُحفِّز الطلاب داخل قاعة الدراسة؟

  • (٣)

    كيف يحصل الطلاب على ما يريدون؟

  • (٤)

    هل يعرف الطلاب ما الذي يريدونه وما الذي يُحفِّزهم؟

  • (٥)

    كيف يقود التحفيز إلى المعرفة وكيف تقود المعرفة إلى التحفيز؟

  • (٦)

    كيف يتغير التحفيز ويتطوَّر؟

  • (٧)

    ما الدور الذي يلعبه السياق والثقافة؟

وعلى عكس عددٍ كبير جدًّا من المراجعات، أوضح بينترتش النتائج التعليمية الخاصة بالأبحاث التي أُجريت على موضوع الدافعية والتحفيز. على سبيل المثال، ردًّا على سؤال: ما الذي يُحفِّز الطلاب داخل قاعة الدراسة؟ حدَّد بينترتش مجموعةً من التعميمات التي تدعمها الأبحاث، بدايةً من أن «عمليات العزو القابلة للتعديل والمعتقدات الخاصة بإمكانية التحكم تُحفِّز الطلاب» [داخل قاعات الدراسة] (ص٦٧٣). وفي تلخيص بينترتش للبحث الذي يدعم هذا الزعم، يقول: «الاتجاه العام هو أن الطلاب الذين يعتقدون أنهم يتمتعون بقدرٍ أكبر من التحكم في عملية تعلُّمهم وسلوكياتهم يكونون أكثر عرضةً لتحقيق النجاح وإحراز مستوًى أعلى من التحصيل الدراسي مقارنةً بالطلاب الذين لا يشعرون بالتحكم والسيطرة» (ص٦٧٣). إذَن، ما هي مبادئ «التصميم» التي يُنصح بها استنادًا إلى هذه النتائج؟ «وفِّر [للطلاب] فرصة الاختيار وممارسة التحكم والسيطرة.» وهكذا فإن ما لاحظه الكثيرون منا داخل قاعات الدراسة، التي يُتبع فيها التدريس المُتمركِز حول المتعلم، تدعمه الأبحاث؛ فعندما يستطيع الطلاب اتخاذ بعض القرارات بخصوص طريقة تعلُّمهم، وعندما يمارسون قدرًا من التحكم والسيطرة على عمليات تعلُّمهم، يزداد حافزهم للتعلم.

هناك الكثير والكثير في مراجعة بينترتش، ومع ذلك، لن أكون صادقةً إذا قلتُ إنها مراجعة تسهل قراءتها؛ فهي ليست كذلك، لكن إذا كان اكتساب فهمٍ أفضل لدور التحفيز في عملية التَّعلُّم أمرًا يثير اهتمامك، فلن تجد مصادرَ كثيرةً واضحة ومحددة مثل هذه المراجعة. وستجني مقابل الجهد المبذول في قراءة هذه المراجعة على صورة مُقترحات واضحة بشأن ما ينبغي اتخاذه تجاه نتائج الأبحاث.

(٢-٢) مراجعات الأبحاث التي أُجريت على التَّعلُّم النشط

تغطي الأبحاث التي أُجريت على التَّعلُّم النشط نطاقًا واسعًا، وهي متنوعة وغير مُرتبة وكأنها بساط منسوج من أقمشة متنوعة التشكيلات ومختلفة الألوان. تنبع المشكلات من كثرة التعريفات المختلفة لمفهوم التَّعلُّم النشط، وتتفاقم المشكلات بسبب الاستراتيجيات المختلفة التي يُلصق بها اسم التَّعلُّم النشط. أيضًا، توجد طرق عديدة مستخدَمة لدراسة آثار تجارِب التَّعلُّم النشط. وأخيرًا، أُجريت بعض الدراسات الخاصة بالتَّعلُّم النشط في جميع التخصصات الدراسية تقريبًا. ومَن الذي سيُحاول ولو حتى استعراض الأبحاث التي أُجريت في هذا النطاق؟

لم تُجرَ المراجعتان اللتان بصدد أن أُلقيَ الضوء عليهما على يد باحثين تربويين قد يزعم المرء أنهم أفضل مَن يحاول إعداد مثل هذا النوع من المراجعات، وإنما أجراهما مهندس كيميائي وطبيب نفساني بكلية الطب. ولا تُعَد أيٌّ منهما نموذجًا مثاليًّا للمقالات التي تَستعرض مراجعات الأبحاث، بل لكل واحدةٍ منهما نسق مختلف تمامًا عن الأخرى. وكلتاهما موجَّهتان للجمهور من أعضاء هيئات التدريس، وبالرغم من أن أسلوبيهما مختلفان، فإن كلتيهما توصلتا إلى النتيجة نفسها. وإذا كان هناك أي شكوك حول إنجازات التَّعلُّم النشط أو إذا كان هناك أحد من الزملاء ما زال بحاجةٍ إلى الاقتناع بأن هناك أدلةً تدعم المزاعم المعتادة الخاصة بالتَّعلُّم النشط، فإن هاتين المراجعتين تَحسمان هذه القضية. كلتا المراجعتين تستحقان المزيد من المناقشة؛ وذلك لأن التَّعلُّم النشط والتدريس المُتمركِز حول المتعلم وجهان لعملةٍ واحدة.

تبدأ مراجعة برينس (٢٠٠٤) بالتعريفات، وتتبعها مناقشة رائعة لما يجعل إجراء الأبحاث على التَّعلُّم النشط موضوعًا من الصعب جدًّا أن تُلقيَ عليه نظرةً إجمالية؛ فعلى سبيل المثال: هناك مشكلة تحديد ما يخضع للدراسة، ويستعين برينس بالتَّعلُّم القائم على حل المشكلات كمثال. إنه أسلوب مستخدَم وخاضع للدراسة على نطاقٍ واسع، إلا أنه ليس هناك إجماع على العناصر الأساسية الخاصة بهذه الاستراتيجية؛ مما يُصعِّب الخروج بتعميمٍ واحد من أبحاث عدة. بعد ذلك، تأتي مشكلة تقييم «ما يؤتي ثماره»؛ وهو تقييم «يتطلب فحص مجموعة كبيرة من نواتج التَّعلُّم، وتفسير البيانات بعناية، وقياس أهمية أي تحسينات تم تسجيلها، وتكوين فكرة عما يحافظ على تلك التحسينات «المهمة»» (ص٢٢٥).

وعن طريق استخدام التعريفات الواضحة وترسيخ المعايير المحدَّدة، يُلقي برينس الضوء على تصنيفين رئيسين للأبحاث التي أُجريت على التَّعلُّم النشط؛ أولًا: استراتيجيات التَّعلُّم النشط التي تُشرك الطلاب في المحاضرات، وثانيًا: أنشطة مشاركة الطلاب، بما في ذلك التَّعلُّم التعاضُدي، والتَّعلُّم التعاوني، والتَّعلُّم القائم على حل المشكلات. ومراجعاته للأبحاث التي أُجريت على كل مجالٍ من هذه المجالات واضحة وسهلة الفهم. وبخصوص النتيجة الإجمالية يكتب برينس: «على الرغم من تفاوت النتائج في قوتها، وجد هذا البحث دعمًا لجميع أشكال التَّعلُّم النشط التي خضعت للدراسة» (ص٢٢٩). وفي موضع لاحق، يقول برينس: «لا يُمكن اختزال التدريس في صيغة معادلات ولا يُعَد التَّعلُّم النشط دواءً شافيًا لجميع المشكلات التعليمية. ومع ذلك، ثَمَّةَ تأييد واسع النطاق لعناصر التَّعلُّم النشط التي نُوقشت على نحوٍ أكثر شيوعًا في أدبيات الأبحاث التربوية وخضعت للتحليل هنا» (ص٢٢٩).

بدأت مراجعة مايكل (٢٠٠٦) أيضًا بالتعريفات؛ أي تعريفات التَّعلُّم النشط والتدريس المُتمركِز حول المتعلم. ويُشير تعريف التَّعلُّم النشاط، المأخوذ عن «قاموس جرينوود للمصطلحات التربوية»، إلى أنه عبارة عن «عملية إشراك الطلاب في بعض الأنشطة التي تُجبرهم على تأمل الأفكار وكيفية استغلال تلك الأفكار.» ويذكر التعريف قائمةً بأمثلةٍ على التَّعلُّم النشط؛ إذ «يتطلَّب من الطلاب بصفةٍ منتظمة تقييم درجة استيعابهم ومهارات تعامُلهم مع المفاهيم أو المشكلات في تخصصات دراسية معينة، وتحصيل المعرفة عن طريق المشاركة أو المساهمة، والحفاظ على إبقاء الطلاب في حالة نشطة من الناحية الذهنية، والبدنية عادةً، أثناء التَّعلُّم؛ وذلك من خلال الأنشطة التي تُشركهم في جمع المعلومات والتفكير في المشكلات وحلها» (ص١٦٠).

هذا التعريف جدير بالاهتمام لبضعة أسباب؛ أولًا: يميل أعضاء هيئات التدريس إلى الاعتقاد بأن التَّعلُّم النشط مُرتبط بالأنشطة؛ أي جعْل الطلاب منشغلين بفعل شيءٍ ما. فما يفعله الطلاب أقل أهميةً من حقيقة أنهم لم يعودوا خاملين وسلبيين. وهذا التعريف يُوضح أنه حين تدمج كلمة «نشط» مع كلمة «تعلُّم»، فإن ما يقوم به الطلاب يُمثِّل أهمية؛ حيث ينبغي لهم الاشتراك في أنشطة تتضمَّن التأمل والتقييم وتعلُّم المهام المرتبطة بإتقان المادة التعليمية. وبعبارةٍ أخرى: لا يُركز كل ما يُسمى بالتَّعلُّم النشط على التَّعلُّم في حد ذاته. ويهتمُّ المعلمون الذين يتبعون طرق التدريس المُتمركِز حول المتعلم بتلك الأنشطة المُتمركِزة حول التَّعلُّم.

ويضم مايكل (٢٠٠٦، ص١٦٠–١٦٥) في مراجعته أدلةً من علوم التَّعلُّم والعلوم الإدراكية وعلم النفس التربوي. ويلخِّص مايكل الأبحاث المأخوذة من هذه المجالات في خمسة مبادئ يَصفُها بأنها «نتائج رئيسية» تدعم التَّعلُّم النشط:
  • يتضمن التَّعلُّم مُشاركة المتعلم على نحوٍ نشط في تكوين معانٍ خاصة به، ويُكوِّن المتعلمون المعانيَ عن طريق دمج ما يعرفونه في الوقت الحالي مع المعلومات الجديدة التي يكتسبونها، وهذا يجعل التَّعلُّم عملية ذات طابعٍ شخصي، ويَستبعد أي أفكار تَعتبر التَّعلُّم مجرد نقلٍ للمعرفة وحسب.

  • تعلُّم الحقائق وتعلُّم إجراء شيءٍ ما عمليتان مختلفتان، وهذا يفسر كيف يستطيع الطلاب تعلم الحقائق ورغم ذلك لا يستطيعون استغلال تلك المعلومات.

  • بعض الأشياء التي يتم تعلُّمها محددة بالمجال أو السياق (موضوع أو مادة دراسية) الذي جرت فيه عملية التَّعلُّم، في حين أن ثَمَّةَ أشياءَ تُنقَل بسهولةٍ أكبر إلى مجالاتٍ أخرى. ومن أجل نقل المعرفة بنجاحٍ من موقفٍ لآخر، على الطلاب أن يُمارسوا ما يتعلمونه.

  • حين يتعلم الأفراد برفقة آخرين فمن المرجح أن يتعلموا المزيد مقارنةً بما إذا كانوا يتعلمون بمفردهم.

  • التَّعلُّم الهادف يُيسره ترديد الشرح والتفسير، سواءٌ أكان ذلك لنفسك أم للأقران أم للمعلمين. وتكوين هذه التفسيرات يُدرِّب الطلاب على استخدام لغة التخصصات الدراسية.

وتتضمَّن مراجعته جزءًا يُلقي الضوء على الأدلة التي تشير إلى نجاح التَّعلُّم النشط في مجال العلوم، ويشرح كيف أن الأبحاث التربوية تختلف عن الأبحاث التي تُجرى في مجال العلوم، ولماذا يصعب دراسة الظواهر الخاصة بالتدريس والتَّعلُّم. ويختتم قائلًا: «ثَمَّةَ أدلة تُبرهن على أن التَّعلُّم النشط وأساليب التدريس المُتمركِز حول الطالب المستخدَمة لتدريس مادة علم وظائف الأعضاء تُحقِّق نجاحًا [الأدلة التي استعان بها تدعم هذه النتيجة باعتبارها نتيجةً عامة]، وهذه الأساليب تُحقِّق نجاحًا أفضل من الأساليب الأكثر سلبية» (ص١٦٥).

(٣) الأبحاث القائمة على التخصصات الدراسية الداعمة لأساليب التدريس المُتمركِز حول المُتعلِّم

تشتمل بعض أفضل الأبحاث القائمة على التخصُّصات الدراسية الداعمة لأساليب التدريس المُتمركِز حول المتعلم على ثلاثة أشكال للعمل الجماعي ذي المستوى التنظيمي العالي، وأغلب الأبحاث التي أُجريت على فاعلية هذه الأساليب أُجريت في مجال تدريس العلوم. يَصف أحد المقالات الرائعة هذه الطرق التربوية القائمة على المشاركة الطلابية ويُقارن بينها؛ ألا وهي: التَّعلُّم القائم على حل المشكلات، وأسلوب التَّعلُّم الاستقصائي الموجَّه نحو إتقان المهارات العملية، والتَّعلُّم القائم على فريق يقوده الأقران (إيبرلاين وكامبماير ومايندرهويت ومووج وبلات وفارما-نيلسون ووايت، ٢٠٠٨). وهذه الأساليب بأي حالٍ من الأحوال هي الأساليب الجماعية الوحيدة التي تشتمل على استراتيجياتٍ متمركزة حول المتعلم. ويقدم برينس وفيلدر (٢٠٠٦ و٢٠٠٧) مراجعتين شاملتين لما سمَّياه الطرق الاستنباطية للتدريس والتَّعلُّم، والتي تشتمل — بالإضافة إلى الأساليب الثلاثة الجماعية التي أُلخِّصها هنا — على التَّعلُّم القائم على تنفيذ المشروعات، والتدريس القائم على دراسة الحالة، والتَّعلُّم بالاكتشاف والتدريس القائم على استغلال وقت الدرس بفاعلية. ويزخر مقالا برينس وفيلدر بالمراجع التي تَصف برامج تستعين بكل هذه الأساليب الجماعية، وكذلك الدراسات التجريبية التي تُبرهن على فعاليتها.

استُخدم أسلوب التَّعلُّم القائم على حل المشكلات لأول مرة في دراسة الطب؛ حيث يتعامل مجموعة من طلاب كلية الطب مع مشكلةٍ ليس لها حل واحد حاسم؛ عادةً ما تتمثل المشكلة في مريضٍ تظهر عليه عدة أعراض محيرة. في التَّعلُّم القائم على حل المشكلات، تأتي المشكلة في المقام الأول؛ وهذا يعني أن الطلاب يتعلمون المحتوى على أساس قدر المعرفة التي يحتاجون إليها. وقد تطوَّر أسلوب التَّعلُّم القائم على حل المشكلات ليصير نهجًا للتدريس غير مُعتمِد على المحاضرات التقليدية. وخلال السنوات التي تلت ابتكاره، استُخدم هذا النوع من التَّعلُّم على نطاقٍ واسع في العديد من المجالات، غير مجال الطب. وبالنسبة إلى الطلاب الجامعيين، تتمثل المشكلات في مواقف مُربِكة وواقعية تستلزم من الطلاب أن يدمجوا المعرفة عبر مواد دراسية مختلفة وأحيانًا من مجالات مختلفة. ولقد شجَّع أيضًا الاستخدام الأوسع لهذا النوع من التَّعلُّم على تطوير أشكالٍ مختلفة منه؛ مما صعَّب المقارنة بين نتائج الأبحاث.

ابتُكر أسلوب التَّعلُّم الاستقصائي الموجَّه نحو إتقان المهارات العملية لأول مرة في مجال دراسة مادة الكيمياء؛ وهو يتضمَّن تعاون الطلاب معًا أثناء المحاضرة للعمل على مواد تعليمية مصمَّمة خصوصًا لأغراضٍ معينة؛ إذ يعمل الطلاب على مجموعةٍ من الأسئلة المَصوغة بإتقان — أسئلة الاستقصاء الموجَّه — التي تلي «دورة التَّعلُّم» المكونة من ثلاث مراحل؛ بدايةً يستكشف الطلاب، ثم يَبتكرُون، وفي النهاية يُطبِّقون. ويمكنك أن تجد أمثلة على المواد التعليمية الخاصة بالتَّعلُّم الاستقصائي الموجَّه نحو إتقان المهارات العملية، وكذلك مراجع ومصادر أخرى على الموقع الإلكتروني: www.pogil.org. ويؤدي المحاضرون في هذا المقام وظيفة مُيسِّري العملية التعليمية؛ حيث يُقدِّمون الدعم للمجموعات الطلابية بطُرق متنوعة، ويُقدمون المادة التعليمية في شكل محاضراتٍ من آنٍ لآخر. يُمنح الطلاب أدوارًا مثل: المدير أو الكاتب أو المتحدث أو أمين المكتبة. ويُستخدم هذا الأسلوب للتعلم مع الطلاب الجامعيين الذين يَدرسون الكيمياء والفيزياء والرياضيات وعلوم الحاسب الآلي والهندسة وعلم البيئة والتعليم وعلم التشريح وعلم الوظائف والتسويق.

ابتُكر أسلوب التَّعلُّم القائم على فريقٍ يقودُه الأقران لأول مرة في مجال دراسة مادة الكيمياء أيضًا. ويشتمل هذا الأسلوب على الاستعانة بطلاب مُدرَّبين على القيام بدور مُيسر العملية التعليمية؛ وهم طلاب أنهَوا تعلُّم المادة الدراسية بتقديراتٍ عالية. ويَلتقي هؤلاء الطلاب المُيسرون للعملية التعليمية — أو القادة الأقران — مرة كل أسبوع لمدة ساعتين بطلاب يتراوح عددهم بين ستة وثمانية طلاب مُسجَّلين حاليًّا لدراسة هذه المادة. يعمل الطلاب على حل مشكلات أعدَّها أعضاء هيئة التدريس، مشكلات ذات صلة بالمادة العلمية الموجودة في الكتاب الدراسي والمحاضرات والواجب المنزلي. ويشجع القادة الأقران الطلاب في مجموعات على الاستعانة بأساليب التَّعلُّم التعاضُدي، مثل: العصف الذهني وحل المشكلات باستخدام جدول زمني محدد، والطرح المتبادل للأسئلة بين المُيسر والطالب، وغيرها من أشكال التفكير الثنائي التبادُلي. في بعض الحالات، تُعقَد جلسات التَّعلُّم القائم على فريق يقودُه الأقران خارج قاعة الدراسة بالكامل، وأحيانًا تحلُّ هذه الجلسات محل الحلقات الدراسية النظامية، وفي حالاتٍ أخرى تُلغى إحدى المحاضرات الأسبوعية لتُفسح المجال أمام جلسة التَّعلُّم القائم على فريقٍ يقودُه الأقران.

ويحتوي مقال إيبرلاين وكامبماير ومايندرهويت ومووج وبلات وفارما-نيلسون ووايت (٢٠٠٨) على جدولٍ مُفصَّل يقارن ويوازن بين هذه الأساليب الثلاثة للتعلم. ويقولون عن هذه الأساليب الثلاثة: «يشتمل التَّعلُّم القائم على فريقٍ يقوده الأقران على أقل قدرٍ من الاختلاف مع طُرق التدريس التقليدية، بينما يشتمل التَّعلُّم القائم على حل المشكلات على أكبر قدرٍ من الاختلاف مع طُرق التدريس التقليدية» (ص٢٧٠). وبعد الاطلاع على خصائص التدريس المُتمركِز حول المتعلم، تُصنَّف هذه الأساليب الثلاثة على أنها أساليب متمركزة حول المتعلم، رغم أن هذه التسمية لا تُلازمها باستمرارٍ في نطاق أدبيات الأبحاث التربوية. ينخرط الطلاب على نحوٍ نشط في المادة التعليمية، ويتمتَّعون بمستوياتٍ متنوعة من التحكم والسيطرة فيما يخص العمليات التعليمية؛ فهم لا يتعلمون المادة التعليمية وحسب، بل يتعلمون كيف يتعامل العلماء مع المشكلات ويحلونها. وقد خضع كل أسلوب من هذه الأساليب للدراسة التجريبية والعملية، وفيما يلي ملخَّص لنتائج هذه الدراسات.

(٣-١) التَّعلُّم القائم على حل المشكلات

التَّعلُّم القائم على حل المشكلات هو الأسلوب الأقدم والأكثر استخدامًا على نطاقٍ واسع، والأكثر خضوعًا للأبحاث من بين الأساليب الثلاثة للتعلم الجماعي. وقد نُشرت عدة مقالات تستعرض مراجعات الأبحاث التي أُجريت على التَّعلُّم القائم على حل المشكلات، من بينها مقال فيرنون وبليك (١٩٩٣) الذي ألقى نظرةً على خمسٍ وثلاثين دراسةً معنية باستخدام هذا الأسلوب للتعلم في كليات الطب في الفترة ما بين عامَي ١٩٧٠ و١٩٩٢. أيضًا، استعرض ألبانيز وميتشل (١٩٩٣) الأبحاث المنشورة عن التطبيقات والنتائج في مجال تدريس الطب. كما أجرى دوشي وسيجرز ودِن بوسا وجيجبلز (٢٠٠٣) تحليلًا تلويًّا لثلاثٍ وأربعين دراسةً عن التَّعلُّم القائم على حل المشكلات، من بينها عدد من الدراسات التي أُجريت في تخصُّصات دراسية غير الطب.

في أدبيات الأبحاث التربوية، تتشابه التعريفات الخاصة بالتَّعلُّم القائم على حل المشكلات إلى حدٍّ ما بعضها مع بعض؛ لكن عند مرحلة التطبيق تظهر الكثير من الاختلافات. ويشرح برينس (٢٠٠٤) السبب وراء اعتبار هذا الأمر مشكلة: «إن الاختلافات الهائلة في التطبيقات الخاصة بأسلوب التَّعلُّم القائم على حل المشكلات تجعل تحليل فعاليته أكثر تعقيدًا؛ فالكثير من الدراسات التي تُقارن بين تطبيقات هذا الأسلوب لا تتحدث عن الشيء نفسه بكل بساطة. ولكي تُبرِز التحليلات التلوية لهذا الأسلوب أيَّ فرقٍ ملموس مقارنةً بالبرامج التقليدية، لا بد أن تتفوَّق الإشارات الواضحة الصادرة عن العناصر المشتركة لهذا النوع من التَّعلُّم على التشوُّش الناتج عن الاختلافات في تطبيق كلٍّ من أسلوب التَّعلُّم القائم على حل المشكلات، والأسلوب التقليدي لتدريس المناهج» (ص٢٨٨). ينبغي أن يؤخذ هذا التحذير في الاعتبار، سواءٌ أكنَّا نُفكر في الدراسات الخاصة بالتَّعلُّم القائم على حل المشكلات على نحوٍ إجمالي أم في كل دراسةٍ على حِدَة، كما أنه يساعد في تفسير تناقض نتائج الأبحاث.

ورغم ذلك، ينبغي عدم تجاهل نتائج الأبحاث؛ لأنها تُوثِّق النواتج المهمة التي يُسفر عنها تعاون الطلاب لحل المشكلات. ويذكر فيرنون وبليك (١٩٩٣) تحسُّن توجهات الطلاب تجاه برامجهم الدراسية، علاوةً على وجود تحسُّن ملموس من حيث الدلالات الإحصائية في أداء الطلاب الذين يتبعون التَّعلُّم القائم على حل المشكلات داخل التجارب؛ على الرغم من اختلاف البعض على تلك النتيجة. وتتوصَّل مراجعة دوشي وسيجرز ودن بوسا وجيجبلز (٢٠٠٣) إلى وجود «أثر إيجابي قوي للتعلم القائم على حل المشكلات على مهارات الطلاب»؛ إذ يزيد تردُّد الطلاب على المكتبة، وتزيد قراءتهم للكتب الدراسية، وتزداد معدلات حضورهم، ويستذكرون من أجل استيعاب المعاني لا حِفظها. ويصف برينس وفيلدر (٢٠٠٦) النتائج التي تَوصل إليها تحليل دوشي وسيجرز ودن بوسا وجيجبلز بأنها «جلية؛ حيث وجدت ١٤ دراسة أثرًا إيجابيًّا، ولم تجد أيٌّ منها أثرًا سلبيًّا … ويتجلى الأثر الإيجابي للتعلم القائم على حل المشكلات في تنمية المهارات، بصرف النظر عما إذا كان التقييم يُجرى في الوقت نفسه الذي تُجرى فيه عملية التدريس أم يؤجَّل لوقت لاحق» (ص١٢٩). ليس من المُستغرَب أن يُنميَ التَّعلُّم القائم على المشكلات المهارات بكفاءةٍ كبيرة؛ فالطريقة المُتمركِزة حول المتعلم هي ما يجعل الطلاب يتحمَّلون قدرًا أكبر من المسئولية تجاه عملية تعلمهم.

لكن ليست جميع النتائج المتعلقة بالتَّعلُّم القائم على حل المشكلات نتائج إيجابية؛ فبعض الأبحاث (سبعة أبحاث من أصل عشرة أبحاث مذكورة في مراجعة ألبانيز وميتشل (١٩٩٣)) تَذكُر أن الطلاب المسجلين في برامج التَّعلُّم القائم على حل المشكلات أحرزوا درجاتٍ أقل من الطلاب المسجلين في البرامج التقليدية، وذلك في اختبارات المعرفة العلمية (تذكَّر أن المرجع في هذا المقام هو التعليم الطبي). يَذكر دوشي وسيجرز ودن بوسا وجيجبلز (٢٠٠٣) نتائج مُشابهة؛ إلا أنهم يصفون التأثير الإجمالي لهذا النوع من التَّعلُّم على اكتساب المعرفة بأنه «غير قوي» (ص٥٣٣). ويستفيض برينس وفيلدر (٢٠٠٦): «عند إدراج الاختبارات العشوائية الحقيقية فقط، يختفي تقريبًا الأثر السلبي — للتعلم القائم على حل المشكلات — على اكتساب المعرفة، وحين يُجرى تقييم للمعرفة بعد مرور بعض الوقت على عملية التدريس، يكون تأثير التَّعلُّم القائم على حل المشكلات إيجابيًّا. والنتيجة النهائية هي أن الطلاب قد يكتسبون المزيد من المعرفة على المدى القصير حين يكون أسلوب التدريس تقليديًّا، في حين أن الطلاب الذين يُدرَّس لهم بأسلوب التَّعلُّم القائم على حل المشكلات يحتفظون بالمعرفة التي اكتسبوها لوقتٍ أطول» (ص١٢٩).

ويُقدِّم برينس (٢٠٠٤) هذا الملخص لإجمالي الأبحاث التي أُجريت على التَّعلُّم القائم على حل المشكلات: «على الرغم من عدم توافُر الأدلة التي تُبرهن على أن التَّعلُّم القائم على حل المشكلات يُعزِّز التحصيل الدراسي الذي تقيسه الاختبارات؛ فإن هناك أدلةً تشير إلى أن هذا النوع من التَّعلُّم «يناسب» تحقيق نواتج أخرى مهمة للتعلم؛ فتشير الأبحاث إلى أن التَّعلُّم القائم على حل المشكلات يُطوِّر توجهاتٍ أكثر إيجابيةً لدى الطلاب، ويُعزِّز أسلوب تعلم أعمق، ويساعد الطلاب على حفظ المعرفة لوقتٍ أطول مقارنةً بأساليب التدريس التقليدية» (ص٢٢٩).

(٣-٢) التَّعلُّم الاستقصائي الموجَّه نحو إتقان المهارات العملية

يَستخدم أكثر من ألف معلم أسلوب التَّعلُّم الاستقصائي الموجَّه نحو إتقان المهارات العملية. ويتلقى هذا الأسلوب تمويلًا من مؤسسة العلوم الوطنية بمبلغ مليونَي دولار بالإضافة إلى مِنَح الدعم الأخرى. وتضمُّ الأبحاث، التي أُجريت على هذا النوع من استراتيجيات التَّعلُّم الجماعي المُتمركِز حول المتعلم، قائمةَ نتائج رائعة على نحوٍ متساوٍ. بدايةً، يُحسِّن هذا النوع من التَّعلُّم مستوى الأداء الأكاديمي، وفيما يلي بضعة أمثلة على ذلك؛ ففي مقرر الفرقة الأولى لمادة علم التشريح وعلم وظائف الأعضاء (جيه بي بي براون، ٢٠١٠)؛ حيث حلَّت أنشطة التَّعلُّم الاستقصائي داخل قاعة الدراسة محلَّ ٥٠ بالمائة من المحاضرات؛ زادت الدرجات الإجمالية للمادة من متوسط ٧٦ بالمائة إلى ٨٩ بالمائة، وزادت درجات اختبار نهائي للاختيار من متعدد من متوسط ٦٨ بالمائة إلى ٨٨ بالمائة، وكذلك انخفض معدل حصول الطلاب على تقديرات «ضعيف» و«راسب» انخفاضًا مهولًا. وفي أحد مقررات مادة الكيمياء الدوائية (إس دي براون، ٢٠١٠) حيث يقضي الطلاب حوالي ٤٠ بالمائة من وقتهم في العمل الجماعي على مواد تعليمية تعتمد على التَّعلُّم الاستقصائي الموجَّه، كان متوسط درجات الطلاب في جُزأي الاختبار اللذَين يعتمدان على التَّعلُّم الاستقصائي الموجَّه أعلى بنسبة ٣ بالمائة من درجات الطلاب في الجزء الخاص بالأسئلة التقليدية، وكانت التقديرات النهائية في هذين الجُزءَين تتراوح بين ممتاز وجيد، مقارنةً بالجزء الآخر الذي تراوحت تقديراته بين جيد ومقبول. وأخيرًا، في أحد مقررات التسويق، وتحديدًا مادة البيع الاحترافي، أثبَت الباحثون من أعضاء هيئة التدريس (هيل ومولن، ٢٠٠٩) هذه النتائج: «لقد خفَّضَت هذه الطريقة المبتكَرة للتدريس معدل الغياب، وحفزت الطلاب لكي يصيروا متعلمين نشطين، ورَفعَت مستوى أداء الطلاب داخل قاعاتنا الدراسية» (ص٧٣).

يُفيد الباحثون بأن توجُّهات الطلاب حيال هذا الأسلوب من التَّعلُّم هي توجُّهات إيجابية؛ ويؤكد على ذلك تصريح الطلاب بأن التعاون مع طلاب آخرين للعمل على المواد التعليمية ساعدهم على استيعاب المحتوى بصورةٍ أفضل. وفي دراسة من الدراسات (سترومانيس وسيمونز، ٢٠٠٨) أُجريت على أكثر من ألف طالب في عدد من المؤسسات التعليمية المختلفة، تبنَّت نسبة أقل من ٨ بالمائة من الطلاب توجُّهًا سلبيًّا حيال هذا الأسلوب التعليمي. وقُورنت هذه النسبة بنسبة ٣٠ بالمائة من الطلاب الذين أفصحوا عن تبنِّيهم توجُّهًا سلبيًّا حيال المحاضرات التقليدية. وفي دراسةٍ تحليلية أخرى (مايندهاوت ولورتشاير، ٢٠٠٧)، أعرب ٨٠ بالمائة من الطلاب أن ثَمَّةَ جوانب في تجربة التَّعلُّم الاستقصائي الموجَّه نحو إتقان المهارات العملية ساعدتهم على التَّعلُّم بالفعل.

ويُلخص جيه بي بي براون الأمر قائلًا: «على الرغم من أن التَّعلُّم الاستقصائي الموجَّه نحو إتقان المهارات العملية يتطلب بذلَ جهد كبير وتوخيَ الحذر عند تطبيقه على الطلاب الذين قد تُساورهم الشكوك حيال الخبرات التعليمية الجديدة وغير المألوفة؛ فمن الصعب الاختلاف على فوائد هذا الأسلوب» (٢٠١٠، ص١٥٥).

(٣-٣) التَّعلُّم القائم على فريق يقوده الأقران

يُستخدم هذا الأسلوب للتعلم، منذ ظهوره في أوائل تسعينيات القرن العشرين، على نطاقٍ واسع في مجموعةٍ متنوعة من المؤسسات التعليمية من بينها: كليات المجتمع وجامعات البحث العلمي. ويكتب جوسر وكامبماير وفارما-نيلسون (٢٠١٠)، أول من طوَّر هذا الأسلوب، قائلين إنهم في النهاية: «عجزوا عن إحصاء عدد التطبيقات الخاصة بالتَّعلُّم القائم على فريق يقوده الأقران، إلا أن ثَمَّةَ تقديرًا متحفظًا يفيد بأن ٢٠٠ عضو على الأقل من أعضاء هيئات التدريس بأكثر من ١٥٠ مؤسسة تعليمية يُطبِّقون التَّعلُّم القائم على فريقٍ يقوده الأقران، بها ٢٠٠٠ قائد مُدرَّب على تنظيم ورش عمل لأكثر من ٢٠ ألف طالب كل عام» (ص٣٧٦). وفي مرحلةٍ مبكرة، قيَّم المطوِّرون فعالية هذا الأسلوب الجماعي للتعلم عن طريق مراقبة مستويات النجاح التي أحرزها الطلاب خلال دراسة مقرر مادة الكيمياء العامة الذي طُوِّر من أجله هذا الأسلوب، وقد ارتفعت نسبة الطلاب الذين أحرزوا تقديرات ممتاز أو جيد أو مقبول في تلك المادة من ٣٨ بالمائة إلى ٥٨ بالمائة. وقد تتبع الكثيرون ممن يُطبِّقون هذا الأسلوب تأثيرَه على مستويات نجاح الطلاب، ويبلغ إجمالي متوسط زيادة النسبة المئوية للطلاب الذين أحرزوا تقديرات ممتاز أو جيد أو مقبول ١٤ بالمائة.

وتُعَد النتائج التي خلصت إليها مجموعة متنوعة من الأبحاث التجريبية المصمَّمة بعناية (مثل: تيان وروث وكامبماير، ٢٠٠٢؛ بايز-جالب وكولون-كروز وريستو وربين، ٢٠٠٥؛ لويس ولويس، ٢٠٠٥؛ ماككريري وجولدي وكوسك، ٢٠٠٦؛ فامسر، ٢٠٠٦؛ هاوكينجز ودي إنجيليس وفيري، ٢٠٠٨؛ ليون ولاجوسيكي، ٢٠٠٨) أكثر إقناعًا من زيادات التقديرات الدراسية المسجَّلة. وتفيد جميع هذه الأبحاث بوجود نتائج إيجابية بالنسبة إلى الطلاب الذين شاركوا في جلسات يقودها الأقران.

تُعالج الأبحاث الخاصة بهذا الأسلوب الجماعي للتعلم أحد أكبر الاعتراضات التي يُثيرها أعضاء هيئات التدريس عند التفكير في أساليب التدريس المُتمركِز حول المتعلم؛ ألا وهو: «لن أتمكَّن من تغطية المحتوى؛ وهذا يعني أن الطلاب لن يتعلموا الكثير.» وفي الجزء الذي عنوانه «الدروس المستفادة» من مقال جوسر وكامبماير وفارما-نيلسون (٢٠١٠)، خلصوا إلى أنه «يُمكن تقليص عدد المحاضرات دون الإخلال بالمحتوى إذا تمَّ قضاء الوقت في أنشطةٍ تُشجِّع المشاركة النشطة والتعاون بين الطلاب في الموضوع محل الدراسة» (ص٣٧٨). والأبحاث التي تمَّت الإشارة إليها فيما سبَق تدعم هذا الافتراض بعدة طُرق مختلفة. إليك مثالًا توضيحيًّا على ذلك؛ إذ استعان كلٌّ من سكوت لويس وجينيفر لويس (٢٠٠٥) بنموذج التَّعلُّم القائم على فريق يقودُه الأقران لتدريس مادة الكيمياء العامة. بالنسبة إلى المجموعة التجريبية، حضر ١٠٠ طالب محاضرتَين تقليديتَين بصفةٍ أسبوعية، مدة كلٍّ منهما ٥٠ دقيقة، وحلقة دراسية مدتها ٥٠ دقيقة يقودها أحد الأقران. وبالنسبة إلى المجموعة الضابطة، حضر ١٩٠ طالبًا ثلاث محاضرات تقليدية، مدة كلٍّ منها ٥٠ دقيقة. خضعَت كلتا المجموعتين لنفس الاختبارات الأربعة والاختبار النهائي ذاته. وأحرز طلاب المجموعة التجريبية متوسطًا أعلى للدرجات في كل اختبارٍ من هذه الاختبارات، من بينها الاختبار النهائي: «أثبت في هذا البحث أنه لا أساس من الصحة للمخاوف التي تزعم أن الطلاب الذين تلقَّوا عددًا أقل من المحاضرات التقليدية قد يحظَون بقدرٍ أقل من التَّعلُّم» (ص١٣٩). وعندما أُتيحَ للطلاب اختيار مواصلة حضور الحلقات الدراسية التي يقودها الأقران للمادة نفسها في الفصل الدراسي الثاني، صرَّح ٨٥ بالمائة من الطلاب أنهم سيُواصلون حضورها، وكان لدى ٧٦ بالمائة منهم اعتقاد بأن العمل في مجموعاتٍ كان ذا فائدةٍ بالنسبة إليهم. وصرَّح خمسة طلاب فقط (من المجموعة التجريبية) بأن مجموعة الأقران عرقلتهم عن إحراز التقدم.

قبل أن أختتم هذا الجزء، أودُّ أن أُلقيَ الضوء على بحثٍ آخر أُجريَ على التعاون داخل المجموعات غير النظامية. استعرض هذا البحث، الذي أُجريَ على دراسة مادة الكيمياء (كوبر، كوكس، ناماوز، كَيس، ٢٠٠٨)، كيف أثَّر العمل في مجموعاتٍ على استراتيجيات حل المشكلات والقدرات المعنية بذلك. واستعان البحث بأحد نُظُم البرمجة التي أتاحت للباحثين متابعة كيف مضى الطلاب قُدمًا نحو حل المشكلة ووضْع نموذج للتقدُّم الذي يُحرزونه أثناء عملهم على مشكلات متعددة. واستنادًا إلى أبحاثٍ سابقة، أدرك هذا الفريق من الباحثين أن الطلاب «يستقرون» أو يَثبتون على استراتيجيةٍ أو أسلوبٍ بعد أن يعملوا على خمس نُسَخ من المشكلة تقريبًا. وأراد الباحثون أن يُحددوا ما إذا كان من شأن العمل في مجموعاتٍ أن يُغير الاستراتيجيات «المستقرة» التي يتبعها الأفراد؛ لا سيما الاستراتيجيات الأقل فاعلية.

كانت النتائج لافتةً للنظر للغاية؛ فبالاستعانة ببيانات أداء ٧١٣ طالبًا في حل أكثر من ١٠٠ ألف مشكلة، «لاحظنا أن بإمكاننا تحسين أداء الطلاب في حل المشكلات عن طريق جعْلهم يتعاونون في مجموعات. ظلَّت هذه التحسينات قائمةً حتى بعد انتهاء العمل في مجموعات، وهي تُقدِّم المزيد من الأدلة على الآثار الإيجابية لجعْل الطلاب يعملون في مجموعات» (ص٨٧١). وَجد الباحثون أن أداء معظم الطلاب تَحسَّن بمعدل ١٠ بالمائة تقريبًا، ومن بين هؤلاء الطلاب كثيرون ممن كانوا قد استقروا فيما سبق على استراتيجياتٍ غير فعَّالة.

ما السبب وراء وجود أثرٍ إيجابي للعمل مع الآخرين على حل المشكلات؛ أثرٍ قويٍّ بالدرجة الكافية ليستمر حتى بعد أن يعود أعضاء الفريق إلى العمل على حل المشكلات بمفردهم؟ وللإجابة عن هذا السؤال، يقترح الباحثون بعض الأسباب؛ أولًا: داخل المجموعات، يُضطر الطلاب أن يَشرح بعضهم أشياء لبعض؛ وهذا الشرح يُساعد من يسمعونه ومن يُقدِّمونه على حدٍّ سواء. وداخل المجموعات يجب على الطلاب أن يستفيضوا في الشرح وينتقد بعضهم بعضًا، وهذا التحليل المستفيض يُساعد على الفهم والاستيعاب.

•••

وتُقدِّم النتائج التي أُلقي الضوء عليها هنا، والمزيد من النتائج الشبيهة بها، أدلةً مقنعةً على أن بإمكان الطلاب أن يتعلم بعضهم من بعض، وبعضهم مع بعض، داخل أشكالٍ متنوعة من المجموعات الطلابية. والكثير من النتائج يُثبت المكاسب المُحرَزة في سبيل استيعاب المعرفة التي يُقدِّمها محتوى المادة الدراسية. وتُثبت جميع النتائج تقريبًا المكاسب المهمة المُحرَزة في سبيل تنمية المهارات مثل طرح الأسئلة واتباع التفكير النقدي وحل المشكلات ودمج المعرفة وتطبيقها. وهذه الأدلة تجعل من الصعب شرح الأسباب وراء عدم اتِّباع أعضاء هيئات التدريس للأساليب المُتمركِزة حول المتعلم كهذه الأساليب.

(٤) الأبحاث الخاصة بتدريس مقررات دراسية منفصلة باتباع الأسلوب المُتمركِز حول المتعلم

يُلقي هذا القسم الضوء على الأبحاث الخاصة بمقررات دراسية منفصلة طُبِّقت عليها مجموعة من الاستراتيجيات المختلفة المُتمركِزة حول المتعلم، والتي خضعت أيضًا للتحليلات التجريبية. وفي مُعظم الحالات، يمكن المقارنة بين الجزء الذي اتُّبع فيه أسلوبُ التدريس المُتمركِز حول المتعلم في تدريس المقرر الدراسي والأجزاء السابقة والحالية التي لم يُتبع فيها هذا الأسلوب. وتُوضِّح الأبحاث أيضًا أنواع المقررات الدراسية المختلفة التي استُخدم في تدريسها الأساليب المُتمركِزة حول المتعلم، كالمقررات الدراسية التي يَدرسها عددٌ كبيرٌ من الطلاب مثلًا.

(٤-١) ستة أبحاث خاصة بالمقررات الدراسية لمادة الأحياء

أُجريَ عدد ضخم من الأبحاث على المقررات الدراسية التمهيدية لمادة الأحياء ذات عدد كبير من الدارسين عمومًا، وهذه الأبحاث مُصمَّمة جيدًا بحيث يجدر أخْذ نتائجها على محمل الجد. عادةً ما يتجاهل أعضاء هيئات التدريس الأبحاث التربوية التي لم تُجرَ في مجال تخصُّصهم الدراسي، وعلى الرغم من أننا فعلًا لا نستطيع الجزم بأن الطُّرق المُجربة في مجالٍ ما ستنجح مع محتوًى مختلف، ومُعلم مختلف، وطلاب مختلفين، فإن الطُّرق المستخدَمة في هذه الأبحاث طُرق شائعة؛ أي طُرق مستخدَمة في مُختلِف أنواع المقررات الدراسية. الجانب الآخر المُشجِّع للغاية لهذه الأبحاث التي أُجريت على الأحياء هو إجابتها عن سؤالٍ شائع يَطرحه أعضاء هيئات التدريس يتعلق بما إذا كان بإمكانك الاستعانة بأساليب التدريس المُتمركِز حول المتعلم في المحاضرات ذات العدد الكبير. وتتناول أبرز النقاط المختصَرة التالي ذِكرُها أعداد الدارسين، ونظرةً عامة على الاستراتيجيات المُتمركِزة حول المتعلم، والأساليب المستخدَمة، والنتائج المُحرَزة.

يصف أرمبروستر وباتل وجونسون وفايس (٢٠٠٩) سلسلةً من التغييرات التي طُبِّقت على مقرراتٍ دراسية تمهيدية تَراوح عدد طلابها بين ١٧٠ و١٩٠ طالبًا لمادة الأحياء والمواد التخصُّصية الطبية التمهيدية. تكوَّن التصميم المعدَّل للمقرر الدراسي الذي ابتكروه من ثلاثة عناصر؛ حيث أعادوا ترتيب محتوى المادة بحيث يُمكن تدريسه على صورة مفاهيم شاملة بقدر الإمكان، وقدَّموا أساليب التَّعلُّم النشط (من بينها تقنية الإجابة الإلكترونية ذات نقاط المشاركة المحسوبة بِناءً على الإجابة) والحل الجماعي للمشكلات في كل محاضرة، كما أنهم عملوا على خلق بيئة تعليمية تَعتمد أكثر على التَّعلُّم المُتمركِز حول الطالب ذات أهداف دراسية، وتتوافر بها مذكرات بالمصطلحات المفيدة واختبارات تقويمية أسبوعية. حسَّنتْ هذه التغييرات من مستوى رضا الطلاب عن دراسة المادة بدرجةٍ كبيرة، بما في ذلك من مستويات الاهتمام بالمادة العلمية الخاصة بالمقرر الدراسي والتَّعلُّم القائم على تقييم المتعلم لمستوى تحصيله الدراسي، وتقييم العروض التقديمية داخل قاعة الدراسة من حيث كونها محفِّزة أم لا، علاوةً على التقييم الإجمالي للمُحاضر. وبالنسبة إلى قياس الأداء الأكاديمي، تمت الاستعانة بنفس أسئلة الاختبار النهائي المستخدَمة في الجزء الذي لم تُطبَّق عليه هذه التغييرات من المقرر الدراسي. وقد وصَل أداء الطلاب في المقرر الدراسي المعدل لمستوياتٍ أعلى كثيرًا من الناحية الإحصائية. «توضِّح نتائجنا الإيجابية إلى أيِّ مدًى قد تؤدِّي التغييرات في أسلوب تدريس إحدى المواد، من دون تغييراتٍ إجمالية في محتوى المادة، إلى تحسين توجُّهات الطلاب ومستوى أدائهم» (أرمبروستر وباتل وجونسون وفايس، ٢٠٠٩، ص٢٠٤).

وفي مقرر دراسي لمادة الأحياء العامة المسجل لدراستها مائة طالب، ابتكرت أستاذة المادة (باروز، ٢٠٠٣) عددًا من استراتيجيات التَّعلُّم الجماعي؛ من بينها أنشطة نظامية لحل المشكلات في مجموعات طلابية تتم خلال المحاضرة، ونظام لخوض الاختبارات يُجري فيه أحد أعضاء المجموعة الاختبارَ نيابةً عن المجموعة كلها، والاختبارات المعادة للمجموعة الطلابية مع وجود حافز صغير مُتمثِّل في درجاتٍ تشجيعية، وعدد من التغييرات الأخرى تضمَّنت طريقة تقديم محتوى المادة داخل قاعة الدراسة. قُورنت المجموعة التجريبية مع مجموعةٍ تتألف من العدد نفسه ويُدرَّس لها باستخدام أسلوب المحاضرات التقليدية. وقد حقق طلاب المجموعة التجريبية تفوُّقًا كبيرًا إحصائيًّا على طلاب المجموعة الضابطة في الاختبارات الثلاثة جميعها. كما أنهم تفوَّقوا تفوُّقًا كبيرًا إحصائيًّا على طلاب المجموعة الضابطة في حل الأسئلة التي تقيس استيعاب المفاهيم؛ مما جعل أستاذة المادة تَخلص إلى أن «ممارسة أساليب حل المشكلات داخل قاعة الدراسة تُساعد في تنمية مهارات التفكير العلمي» (باروز، ٢٠٠٣، ص٤٩٨). لقد تحسَّن أداؤهم في نشاط الاختبارات المُعادة، وكان توجُّههم نحو مادة الأحياء أفضل كثيرًا من طلاب المجموعة الضابطة.

اختبر فريمان وهاك وفيندروت (٢٠١١) ما إذا كان بإمكان تصميم المقرر الدراسي المتسم بدرجة عالية من التنظيم، الذي يشتمل على اختبارات قراءة قصيرة وأنشطة شاملة قائمة على التَّعلُّم النشط تُجرى داخل قاعة الدراسة واختبارات عملية أسبوعية، أن يُقلل معدَّل الرسوب في المقررات الدراسية التمهيدية لمادة الأحياء التي تُدرَّس لسنوات التخصص. قُدِّم المقرر الدراسي أربع مرات في العام، وسجَّل فيه حوالي ٢١٠٠ طالب في العام الذي أُجريَ فيه البحث. قورنت هذه المجموعات التجريبية مع المجموعات التي كانت تَعتمد بالأساس على المحاضرات التقليدية وعدد أقل من الاختبارات. «عندما أخضعنا التفاوت بين الطلاب من حيث القدرات للضبط، انخفضَت معدلات الرسوب في المقررات الدراسية المصمَّمة بدرجةٍ متوسطة من التنظيم، وانخفضت معدلات الرسوب انخفاضًا مهولًا في المقررات الدراسية المصممة بدرجةٍ عالية من التنظيم» (ص١٧٥). كما أفادوا بأنهم «لم يَجدوا أي أدلةٍ تشير إلى أن أنشطة التَّعلُّم النشط تُبالغ في التقديرات أو تُقلِّل من تأثير الاختبارات على التقديرات النهائية» (ص١٧٥).

غيَّر نايت وَوود (٢٠٠٥) إلى حدٍّ ما في المقرر الدراسي لمادة علم الأحياء اﻟﻨﱠﻤﺎﺋﻲ التي تُدرَّس في محاضرات السنوات النهائية. ظلت المحاضرات التقليدية باقيةً بنسبةٍ تتراوح بين ٦٠ و٧٠ بالمائة من وقت تدريس المادة؛ أما في باقي الوقت فكان الطلاب يحلُّون المشكلات مُستعينين بنموذج التَّعلُّم التعاوني. وبالنسبة إلى النتائج التي توصَّلا إليها، تشير نتائجهما إلى «أن مجرد التحول جزئيًّا نحو نموذجٍ يعتمد على قدرٍ أكبر من التفاعل والتعاون لتدريس المادة قد يؤدي إلى زيادة المكاسب التعليمية للطلاب بدرجةٍ كبيرة» (ص٣٠٤).

وقد استعانا بهذه النتائج في «طرح نموذج عام لتدريس مقررات مادة الأحياء لعددٍ كبير من الطلاب تتضمَّن المشاركة التفاعلية والعمل الجماعي بدلًا من المحاضرات التقليدية، مع الإبقاء على محتوى المادة الدراسية؛ عن طريق المطالبة بتحميل الطلاب قدرًا أكبر من مسئولية التَّعلُّم خارج قاعة الدراسة» (ص٢٩٨).

يشير أوكارت وآدامز ولوك (٢٠١١) إلى تصميمٍ مُعدلٍ على نحوٍ كبير لتدريس المقررات الدراسية الأساسية لمواد التخصص؛ يضمُّ مقرر مادة الأحياء هذا تسعة آلاف طالب في الفصل الدراسي الخريفي، وخمسة آلاف طالب في الفصل الدراسي الربيعي. يُدرِّس المادة مجموعةٌ متنوعة من المحاضرين، ويُقسَّم الطلاب على مجموعاتٍ يتراوح عددها بين ثلاث وخمس مجموعات. تضمَّنت المهام الخاصة بالتصميم المُعدَّل تطويرَ خطة المنهج المعتادة، وجدولَ مُواصفات (يحدد المفاهيم الأساسية، والمستوى المرغوب للمهارات، والوقت المخصص لكل مفهوم)، وأداةً لتقييم المادة. استُخدمت مجموعة متنوعة من الأنشطة المُتمركِزة حول المتعلم؛ من بينها التفكير الثنائي التبادُلي، وتقنية الإجابة الإلكترونية، والعمل في مجموعات صغيرة؛ وكل هذا تم وصفه بالتفصيل في المقال. وقد جمع أوكارت وآدامز ولوك بيانات ثلاث سنوات تسبق هذا التغيير، وثلاث سنوات تلت هذا التغيير، وأجرَوا لها تحليلًا. انخفضت نسبة الطلاب الذين رسبوا في هذه المادة انخفاضًا كبيرًا إحصائيًّا، وزادت نسبة الطلاب الذين حصلوا على تقديرات ممتاز وجيد زيادةً إحصائيةً كبيرة، وقد استخدموا لوصف عملية التعديل هذه الصفات: «طويلة» و«بطيئة» و«صعبة».

اهتم ديرتينج وإيبرت-ماي (٢٠١٠) بسؤالٍ بحثي من نوعٍ مختلف: «هل دمْج مقرَّرَين دراسيَّين تمهيديَّين جديدَين في مرحلةٍ مبكرة من منهج الطلاب، كلاهما قائم على مبادئ التَّعلُّم الاستقصائي المُتمركِز حول المتعلم، مرتبطٌ بالاستيعاب الطويل المدى للمفاهيم البيولوجية ولعلم الأحياء، باعتبارها عمليةً للتقصي العلمي؟» (ص٤٦٣). وقد لاحظا أن معظم الأبحاث التي حلَّلت التأثير الخاص بتنقيح المقررات الدراسية المُتمركِزة حول المتعلم تُركز على التغيرات القصيرة المدى. هل تحسَّنت درجات الاختبارات النهائية، أم هل وجدت أدلة على تنمية المهارات، أم هل تغير توجُّه الطلاب تجاه المقرر الدراسي؟ قام ديرتينج وإيبرت-ماي ﺑ «دراسة منهج منقَّح لمادة علم الأحياء نُفذ في بداية التخصص بعلم الأحياء» (ص٤٦٣). اشتمل المنهج تطوير مقرَّرَين دراسيَّين جديدَين، كلاهما يستعين بعددٍ من الأساليب القائمة على التَّعلُّم النشط والتَّعلُّم الاستقصائي. وفي أحد المقررات الدراسية طَرَحَ الطلابُ الأسئلة البحثية والفرضيات الخاصة بهم، وطوَّروا خطةً بحثية وانتقدوا الخطط البحثية الخاصة بأقرانهم، وجمعوا بياناتٍ وحللوها وقدَّموا نتائجهم.

استعان الباحثان بأداتَين للتقييم؛ وذلك من أجل التحقق من تأثير المقررات الدراسية الجديدة خلال فترةٍ امتدت خمس سنوات. وقد قيَّما استيعابَ الطلاب لمادة علم الأحياء، باعتبارها عمليةً للتقصِّي العلمي (باستخدام «استبيان الآراء حول تعلم العلوم الخاص بمادة علم الأحياء»)، ومعرفةَ الطلاب بالمفاهيم البيولوجية في نهاية مادة التخصُّص (باستخدام نسخةٍ من «اختبار مجال التخصُّص لمادة علم الأحياء»). لنقُلْ ببساطةٍ إن نتائجهما «أظهرت أن التعرُّضَ لتجربة تعلُّم مكثفة قائمة على الاستقصاء ومتمركزة حول المتعلم في مرحلةٍ مبكرة من دراسة منهج علم الأحياء مُرتبطٌ بتحسيناتٍ طويلة المدى في عملية التَّعلُّم» (ص٤٦٢). «إن التغيير الجذري للمناهج التمهيدية لمادة علم الأحياء … عن طريق التدريس المُتمركِز حول المتعلم والقائم على التقصِّي العلمي قد يتمتَّع بالقُدرة على التأثير بعمقٍ في عملية تعلُّم الطلاب جميعهم، وقد يصير نقطة تَحوُّل لإحداث التغييرات داخل الأقسام» (ص٤٧١).

(٤-٢) بحث خاص بالمقررات الدراسية لمادة الجبر

في كليات جامعة ميزوري بسانت لويس، تَحظى مادة الجبر بمعدلات نجاح تصل إلى ٥٥ بالمائة (تيل وبيترمان وبراون، ٢٠٠٨)؛ ومادة الجبر مادة إجبارية لدراسة عدة تخصُّصات أخرى؛ فهي شرط أساسي لدراسة حساب التفاضُل والتكامُل، ومقرر دراسي أساسي لطلاب مادة الرياضيات والعلوم وإدارة الأعمال، ومجموعة متنوعة من برامج المهنيين المساعدين. عدَّل أعضاء هيئة التدريس تصميم المقرر الدراسي؛ فخُفضت المحاضرات الثلاث، ذات الخمسين دقيقة، إلى محاضرةٍ واحدة، وحلَّ محل المحاضرتين الأخريين جلستان دراسيتان تُعقَدان في معمل الكمبيوتر؛ حيث تعلم الطلاب مادة الرياضيات عن طريق حل المسائل الرياضية. وداخل المعامل استخدم الطلاب برامج اشتملت على توضيحاتٍ ومجموعاتٍ تعليمية خاصة لشرح المادة، ومسائل عملية، وحلول موجَّهة. كان بإمكانهم أيضًا تأدية الواجبات المنزلية في المعمل؛ بحيث يتعاونون مع الطلاب الآخرين، أو يلتمسون مساعدة المُحاضر أو طلاب الدراسات العليا أو الزميل المدرس (بحيث كان أحد هؤلاء موجودًا أثناء الجلسات الدراسية النظامية المعقودة في المعمل). خضع الطلاب أيضًا لاختبارٍ قصيرٍ يُعقد أسبوعيًّا عبر شبكة الإنترنت، وأربعة اختبارات أخرى، واختبار نهائي شامل.

«لقد غيَّر التصميم المعدل دور المحاضرين ومساعدي المدرسين بدرجةٍ كبيرة. لقد اعتادوا قضاء أوقاتهم في إلقاء المحاضرات وكتابة الواجبات وتحضير الاختبارات ووضع التقديرات؛ أما الآن فإنهم يُركِّزون على إرشاد الطلاب عبر المقرر الدراسي عن طريق الاجتماعات الأسبوعية في قاعة المحاضرات، ثم العمل مع الطلاب كلٍّ على حِدَة في مراكز تعليمية [مراكز تكنولوجيا الرياضيات]. ويمثل التأكيد الأكبر على التدريس الفردي لكل طالبٍ على حِدَة والتفاعل المباشر مع الطلاب نوعًا من التغيير يَعتبره معظم المحاضرين أمرًا مجديًا للغاية» (ص٤٦-٤٧).

أما على صعيد النتائج، فقد تحسَّنت نسبة نجاح الطلاب من ٥٥ بالمائة إلى ٧٥ بالمائة خلال فترةٍ امتدت ثلاث سنوات، وذلك «دون انخفاض مستوى الصرامة والجدية الأكاديمية للمادة الدراسية، كما تبين من درجات الطلاب في الاختبار النهائي الذي اشتمل على نفس نوعية المسائل قبل فترة العمل بالتصميم المعدل وأثناء العمل به» (ص٤٦).

(٤-٣) أبحاث خاصة بالمقررات الدراسية لمادة الفيزياء

قبل بضع سنواتٍ من إجراء أي أبحاثٍ عن الأساليب المُتمركِزة حول المتعلم، لا سيما أساليب التَّعلُّم عن طريق الأقران، غيَّر إريك مازور (٢٠٠٩) من الطريقة التي كان يُدرس بها تغييرًا جذريًّا، وأخذ يجمع البيانات الخاصة بتأثير هذه الطريقة. وهو يصف طريقته بأنها تمنح الطلاب «الفرصة للتغلب على الفهم الخاطئ للمفاهيم، والعمل معًا على تعلُّم الأفكار والمهارات الجديدة داخل التخصُّص الدراسي» (ص٥١). ومن واقع نتائج عمله وعمل أولئك الذين حاكَوا طريقته، كتب قائلًا: «أظهرت البيانات التي جمعتُها من محاضرتي ومحاضرات الزملاء من مُختلِف أنحاء العالم، في نطاقٍ واسع من المؤسسات الأكاديمية ونطاقٍ واسع من التخصصات الدراسية، أن عملية التَّعلُّم تُحقِّق مكاسب مضاعفة بمقدار ثلاث مراتٍ تقريبًا عن طريق الأساليب التي تُركِّز على الطالب وعلى التَّعلُّم التفاعُلي» (ص٥١). ويتضمَّن هذا المقال القصير، الذي يتناول التغيير الجذري الذي تحقَّق عن طريق أسلوبه التعليمي، مَراجع للأبحاث التي تدعم مزاعمه الخاصة بنواتج التَّعلُّم المحسَّنة بدرجةٍ كبيرة.

ومن أجل دراسة مثال محدد للغاية للأسلوب المُتمركِز حول المتعلم المستخدَم لتدريس مادة الفيزياء، انظر هذا البحث الذي أُجريَ على مجموعتين كبيرتين (عدد المجموعة الأولى: ٢٦٧ طالبًا، وعدد المجموعة الثانية: ٢٧١ طالبًا) من طلاب الفرقة الأولى ممن يدرسون سلسلةً من المواد الأساسية للتخصُّص في علم الفيزياء أثناء الفصل الدراسي الثاني. خضعت المجموعتان للمقارنة لرؤية ما إذا كانت «الممارسة العملية المدروسة» تُحسِّن من عملية تعلُّم الطلاب (ديلوريال، وشيلوو، وويمان، ٢٠١١). أخذت الممارسة العملية المدروسة (مفهوم مأخوذ من علم النفس المعرفي) في هذا المقرر الدراسي شكل «مجموعة من الأسئلة والمهام الصعبة تُجبر الطلاب على ممارسة التفكير وحلِّ المسائل، مثلما يفعل علماء الفيزياء، وذلك خلال وقت المحاضرة، مع تقديم تقييمات من آنٍ لآخر» (ص٨٦٢). استعان طلاب المجموعة التجريبية بالممارسة المدروسة لمدة أسبوع؛ حيث درسوا نفس المحتوى الذي تمت تغطيته في محاضرات المجموعة الضابطة. «وجدنا زيادةً في نسبة حضور الطلاب، ونسبة أعلى من المشاركة، وزيادة في نسبة التَّعلُّم بمقدار الضِّعف في المجموعة التي دُرس لها باستخدام الأسلوب القائم على إجراء التجارب» (ص٨٦٢).

توضِّح الأبحاث التي تناولناها في هذا الجزء ما يحدث حين تُدمَج مجموعة متنوعة من الاستراتيجيات المُتمركِزة حول المتعلم في المقرر الدراسي. وقد سُجلَت نتائج إيجابية بخصوص نواتج التَّعلُّم الخاصة بالمواد ذات الأعداد الطلابية الكبيرة، والمواد التمهيدية، والمواد ذات معدلات الرسوب العالية، والمواد الإجبارية. وكانت النتائج إيجابية حتى حين طُبق عددٌ صغيرٌ من التغييرات، وكانت النتائج مُستدامة حين أُجريت تغييرات جوهرية على تصميم المقررات الدراسية.

(٥) ما الذي يقوله الطلاب عن الأساليب المُتمركِزة حول المتعلم؟

يواجه أعضاء هيئة التدريس الذين يستعينون بأساليب التدريس المُتمركِز حول المتعلم مقاومةً من جانب الطلاب، وهو موضوع يستفيض الفصل الثامن في تناوُله. في البداية، يريد الطلاب من المعلمين الذي يتبعون هذه الأساليب أن يفعلوا ما يفعله المعلمون في كثيرٍ من المواد الأخرى؛ أي يخبرونهم بكل شيءٍ يتعيَّن عليهم معرفته عن المحتوى والواجبات الدراسية خاصتهم. هل يُغير الطلاب آراءهم على الإطلاق؟ عند مرحلةٍ ما، هل يُدركون أن ما يُحاول المعلمون القيام به يساعدهم في تعلُّم المادة العلمية؟ فيما يتعلق بالأبحاث التي جاء ذكرها في الجزأين السابقين، طلب الكثير من الباحثين من الطلاب التعبير عن استِجاباتهم بشأن مميزات هذه الأساليب المتنوعة المُتمركِزة حول المتعلم، وكانت استجابة الطلاب إيجابيةً في المجمل. وفي الكثير من الحالات، أفاد الطلاب بأنهم في البداية لاقَوا صعوبةً في التعامل مع هذه الأساليب الجديدة، ولكن مع تراكم تَجارِبهم مع تلك الأساليب وجدوا أنها مفيدة فعلًا.

ثَمَّةَ تحليلٌ وصفي (تيرنزيني، وكابرارا، وكولباك، وبارنتي، وبيوركلوند، ٢٠٠١) يدعم تلك الاستجابة، ولكن بمزيدٍ من التفصيل؛ حيث قارن تجارب طلاب الهندسة المسجَّلين في المواد الدراسية التي شكلت جزءًا من مشروع مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية (اتحاد كليات الهندسة من أجل التفوق في التعليم والقيادة) بتجارب طلاب الهندسة المسجَّلين في المواد النظامية لدراسة الهندسة. ويهدف البرنامج إلى تحسين مستوى المواد الدراسية الهندسية للطلاب الجامعيين عن طريق تضمين تجارب التَّعلُّم النشط والتَّعلُّم التعاضُدي.

جُمعتْ بيانات استطلاع الآراء من ٣٣٩ طالبًا مُسجلين في سبع عشرة مادة دراسية تابعة لمشروع ائتلاف كليات الهندسة في ست مؤسسات تعليمية مختلفة، ومن ١٤١ طالبًا مُسجلين في ست مواد دراسية غير تابعة للمشروع. ومن بين أسئلة أخرى استفسر استطلاع الآراء عما إذا كان الطلاب يؤمنون أنهم أحرزوا تقدُّمًا في مجالات متنوعة للتعلم وتنمية المهارات كنتيجةٍ لدراسة مادة بعينها أم لا.

وبالفعل أعرب الطلاب المسجَّلون في المواد الدراسية الخاصة بمشروع اتحاد كليات الهندسة عن تحقيق فوائد مهمة: «أعرب طلاب مشروع اتحاد كليات الهندسة عن تحقيق فوائد تعليمية في ثلاثة مجالات؛ مهارات التصميم التعليمي، ومهارات التواصُل الاجتماعي، ومهارات العمل الجماعي. وكانت الفوائد التي تمتَّع بها طلاب المشروع ملموسةً وذات أهمية إحصائية» (ص١٢٩). على سبيل المثال، ذكر طلاب المشروع أنهم حققوا مكاسب تعليمية في مجال مهارات التواصل الاجتماعي بنسبةٍ أعلى بمقدار ١١ بالمائة من أقرانهم المسجَّلين في مواد دراسية غير تابعة للمشروع. وأما بخصوص مهارات التصميم التعليمي، فقد أفاد طلاب المشروع بأنهم حققوا مكاسب تعليمية أعلى بنسبة ٢٣ بالمائة. وفيما يتعلق بمهارات العمل الجماعي أفاد الطلاب بأنهم حققوا مكاسب تعليمية أعلى بنسبة ٣٤ بالمائة. «لم تتغير هذه الفوائد التعليمية عندما تمَّ تحييد أثر الاختلافات الخاصة بالسمات الشخصية للطلاب قبل دراسة المادة» (ص١٢٣).

(٦) خاتمة

أحيانًا يكون من الأفضل أن تدع البراهين والأدلة تتحدث عن نفسها، وربما يكون هذا الفصل خير مثالٍ على ذلك. لقد تناولنا في هذا الفصل عددًا كبيرًا من النقاط المهمة، واستكشفنا ما يبدو في نظري مجموعة مُقنِعة من الأدلة التي تدعم أساليب التدريس المُتمركِز حول المتعلم التي ندعو إلى اتباعها في هذا الكتاب. إنني سعيدة بترك البراهين والأدلة تتحدَّث عن نفسها، واثقة من أن بإمكان القراء من أعضاء هيئات التدريس أن يستعرضوا هذه البراهين والأدلة وينتقدوها ويُقيِّموها بأنفسهم.

ومع ذلك، لن أُنهيَ هذا الفصل دون أن أُثير تساؤلًا طرحتْه مجموعة رائعة من المختصين بتدريس المواد العلمية، ومجموعة من القادة الأكاديميين (هاندلسمان، وإيبرت-ماي، وبايكنير، وبيرنز، وتشانج، وديهان، وجينتيلا، ولوافر، وستيوارت، وتيلامان، وَوود، ٢٠٠٤) في الإصدار الشهير من مجلة ساينس؛ وهي مجلة جمهورها من العلماء، إلا أن بإمكان أي باحثٍ أكاديمي أن يطرح ذلك السؤال أيضًا، وهو: «لماذا يواصل العلماء البارزون، الذين يلتزمون باستخدام أدلة صارمة لإثبات ما جاء في أبحاثهم العلمية، الاستعانةَ بطُرق تدريس لا تتسم بكونها الأكثر فاعلية، ويُدافعون عنها استنادًا إلى الحدْس وحده؟» (ص٥٢١). وقد اقترحتُ بعض الإجابات في مقدمة هذا الفصل، منها: أنهم ربما لا يعرفون أن هناك أبحاثًا بالفعل، أو لعلهم لا يقرءون تلك الأبحاث، أو لعلَّهم حاولوا القراءة ووجدوا أنه من الصعب فهم هذه الأبحاث، أو لعلَّهم لا يظنون أن مستوى هذه الأبحاث جيد بالقدر الكافي. وقد سعى هذا الفصل إلى كشف خطأ تلك الأسباب حتى يُحقِّق هذا التساؤل النتائجَ المرجوَّة ويحث على إحداث تغييرات على أرض الواقع.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢