الفصل السابع

الغرض من التقييم والعمليات المرتبطة به

لكي نجعل التقييم مُتمركزًا أكثر حول المتعلم، يجب أن يتغير كلٌّ من الغرض من إجراء التقييم والعمليات المُرتبطة به، فمن حيث الغرض، علينا أن نوازن بصورة أفضل بين السببَيْن اللذَين يَدفعانِنا نحو تقييم عمل الطلاب؛ حيث يتحمَّل المعلمون المسئولية المهنية المُتمثِّلة في التصديق على مستوى إجادة الطلاب للمادة العلمية. ولقد صار هذا الغرض مُسيطرًا على تفكير كلٍّ من أعضاء هيئات التدريس والطلاب بخصوص تقييم الخبرات التعليمية، إلا أنَّ ثمة سببًا ثانيًا لتقييم المعلمين للعمل الذي يُنجِزه الطلاب، ألا وهو أن التقييم يُحفِّز عملية التَّعلُّم في حدِّ ذاتها. يُؤثِّر التصميم الخاص بالواجبات الدراسية فيما يتعلمه الطلاب، ومدى إتقانهم لما تعلموه، ونوعية المهارات التي نمَّاها الطلاب أثناء عملية تعلمهم، وكل هذا يَقودُنا إلى الفكرة الرئيسية التي يناقشها هذا الفصل. ويُمكن تصميم الأنشطة والواجبات الدراسية لتحقيق المزيد من النتائج المرجوة لتحفيز عملية التَّعلُّم، وللأسف، كثيرًا ما يكون أهم شيء بالنسبة إلى الطلاب والمعلمين هو التقديرات الدراسية، لا تَجربة التَّعلُّم في حد ذاتها. ويُحاول أسلوب التدريس المُتمركِز حول المتعلم تدارُك اختلال التوازن بين الأنشطة والواجبات الدراسية واستراتيجيات التقييم التي تتضمَّن المزيد من التركيز الفعال والمَدرُوس على عملية التَّعلُّم.

أما بالنسبة إلى عمليات التقييم، فيجب أن تتضمَّن إشراك الطلاب، هذا لا يَعني أن يتخلى المعلمون عن مسئوليات وضع التقديرات الدراسية وتركها في أيدي الطلاب؛ ففي القاعات الدراسية التي تُطبِّق أسلوب التدريس المُتمركِز حول المتعلم، لا يزال المعلمون يتحمَّلون مسئولية وضع التقديرات الدراسية، ولكن يشترك الطلاب في أنشطة تُنمِّي لديهم مهارات التقييم الذاتي وتقييم الأقران. إنَّ إقصاء الطلاب عن هذه العملية يُقلل فرصة تنمية هذه المهارات المهمة أثناء الدراسة الجامعية، وأفضل طريقة لتنمية مهارات التقييم الذاتي وتقييم الأقران تكون من خلال تدريسها مباشرةً وإتاحة الفرصة للطلاب لكي يُمارسوا هذه المهارات.

يتناول هذا الفصل التغييرات الخاصة بالغرض من وراء التقييم والعمليات المُرتبطة به بنفس نسق الفصلَين السابقَين، والذي صار مألوفًا الآن؛ حيث أبدأ بطرح المشكلة تحت عنوان: ما الذي يحتاج إلى التغيير، ولماذا لم يتغيَّر بعد؟ ثم يأتي وصف تفصيلي للتغيرات وأمثلة موضَّحة عليها. وفي النهاية، نُلقي نظرة على مشكلات التطبيق التي تَستحِق التفكير فيها بإمعان.

(١) ما الذي يحتاج إلى التغيير ولم يتغيَّر بعد؟

التقديرات الدراسية مُهمة، ولا شك في ذلك؛ فهي تؤدي وظيفة أشبه بوظيفة حرس بوابة الدخول إلى مؤسسات التعليم ما بعد الثانوي، والخروج منها أيضًا، وكلما زادت المعايير الانتقائية التي تضعها الكلية أو الجامعة، ارتفع التقدير التراكُمي المطلوب للالتحاق بها. وفي الوقت الحالي، تتحكَّم الكثير من المؤسسات التعليمية في التسجيل بمواد التخصص، ويتوقف القبول بها على التقدير التراكمي إلى حد بعيد، وفي النهاية يلعب التقدير التراكمي الذي يتطلبه الالتحاق بالمرحلة الجامعية دورًا مُهمًّا في تحديد فرص التعليم ما بعد الثانوي، بما في ذلك إمكانية القبول في البرامج الدراسية الخاصة بكليات الدراسات العليا وكليات الطب وكليات الحقوق، وغيرها من الكليات المهنية. ويستعين الكثير من أرباب العمل بالتقدير التراكمي لتحديد من يستحق فرصة إجراء مقابلة عمل ومن لا يستحقُّ. فالتقديرات الدراسية تُمثِّل أهمية، ولا يُدلي أحد بتصريحات مخالفة لذلك سوى أعضاء هيئات التدريس الحديثي العهد بالمهنة، إلا أن التعليم يُمثِّل أهمية أكبر، خاصةً على المدى الطويل. متى كانت آخر مرة سألك أحدهم عن تقديرك التراكُمي؟

بالتأكيد، التقديرات الدراسية ذات أهمية، ولكن لا يزال من الصعب تبرير مستوى الأهمية المرتبط بها؛ وذلك لعدة أسباب مختلفة: فالتقديرات الدراسية لا تقيس جميع أنواع التَّعلُّم بالتساوي، فهي تُوثِّق بدقة ما إذا كان الطالب قد تعلم مجموعة من الحقائق في وقت محدَّد أم لا، ولكنها لا تُثبت ما إذا كان يستطيع تذكر هذه الحقائق أو تطبيقها خارج قاعة الدراسة. وتستطيع التقديرات الدراسية أن تقيس مستوى التفكير النقدي والقدرة على حلِّ المشكلات، ومهارات الاستنتاج المنطقي، والقُدرة على دمج المعلومات، والقدرة على التقييم. ولسوء الحظ، فإنَّ الأسئلة التي تَرِد في معظم الامتحانات لا تقيس مستوى مهارات التفكير العليا (مومسين ولونج ووايز وإيبرت-ماي، ٢٠١٠). ونادرًا ما تعطي التقديرات الدراسية مؤشرًا على مدى إجادة الطلاب للعمل الجماعي، أو مدى التزامهم بمُستوًى عالٍ من المعايير الأخلاقية، أو مدى تقديرهم لقيمة المشاركة الاجتماعية.

وتُشير التقديرات الدراسية على نحوٍ فعال للغاية إلى أيِّ مدًى يُجيد الطلاب الحصول على الدرجات، ولا يزال ما كتَبه بوليو وهمفريز عام ١٩٨٨ صحيحًا: «يتفوق التقدير الدراسي على الألعاب والمسابقات الرياضية التي تُعقد بين الكليات وعلى مستوى الجامعات باعتباره اللعبة الأكثر شيوعًا داخل الحرم الجامعي؛ حيث تُقام في جميع المواسم، ويتعين على الجميع أن يلعبوا في مركز أو آخر» (ص٨٥). والحصول على تقدير دراسي دون استحقاق يُؤثِّر بالسلب على نزاهة التقديرات الدراسية، وقد تتراجع نزاهة التقديرات الدراسية عندما يشعر الأساتذة المُثقَلون بأعباء العمل بالإرهاق؛ ومِن ثم يتأثَّرون بشعورهم حيال أحد الطلاب، أو يتأثرون بما يودون قراءته في ورقة الإجابة، أو بطريقة توقُّعهم لاستجابة الطلاب للتقديرات الدراسية المنخفضة.

هذه بعض الأسباب التي تُفسِّر لماذا لا ينبغي أن تكون التقديرات الدراسية بنفس الأهمية التي هي عليها الآن، وعلى الرغم من ذلك، فإن القيمة الكبرى الممنوحة للتقديرات الدراسية لا تتناقص، وحتى إذا حاول المعلمون الذين يتبعون أساليب التدريس المُتمركِز حول المتعلم أن يُغيِّروا من قدْر الأهمية المتعلقة بالتقديرات الدراسية، فإنَّ فُرَص نجاحهم في هذا الصدد ليست كبيرة، ولكن بإمكانهم أن يعملوا بكدٍّ لمُقاومة الآثار السلبية الثلاثة للتقديرات الدراسية على عملية التَّعلُّم والتغلب عليها.

في البداية، وكما يَعرف أعضاء هيئات التدريس جيدًا، إن التأكيد على أهمية التقديرات الدراسية يجعل الطلاب يعملون من أجل الحصول عليها، وليس من أجل التَّعلُّم ذاته، أو على الأقل ليس من أجل التَّعلُّم العميق والمستمر كمُرادف للفهم والاستيعاب؛ فأعضاء هيئات التدريس ليسوا واعين بأنَّ بعضًا من تصرفاتهم يُعزِّز تحفيز الطلاب على هذا النحو الخاطئ. ويُثبت بحث أجراه تشيرش وإليوت وجابل (٢٠٠١) أن الطلاب أكثر عرضة لتبني أهداف الأداء المعنية أكثر بالمحصِّلة النهائية (كما هي الحال مع إنجاز المهام من أجل الحصول على التقدير الدراسي) بدلًا من تبني أهداف الإجادة والتميز (كما هي الحال مع إنجاز المهام المُرتبطة بالتَّعلُّم العميق) عندما يُؤكِّد أستاذ المادة على أهمية التقديرات الدراسية، وعندما تُعتبَر التقديرات الدراسية ذات صعوبة مفرطة.

ويُؤكِّد أعضاء هيئات التدريس على أهمية التقديرات الدراسية بطُرق غير ملحوظة كثيرًا؛ فلقد سمعتُ مُعلمين في عدة محاضرات يسألون الطلاب عن محتوًى درَسوه في جزء سابق من المادة، قائلين: «أتتذكرون حين تحدثنا عن «س»؟» ويظهر الارتباك على وجوه الطلاب، وتتباطَأ استجابتُهم؛ ومِن ثمَّ يُحفِّزهم المعلم بقوله: «لقد تحدثنا عن هذا الأمر قُبَيل أول اختبار.» هكذا فإنَّ ذاكرة الطلاب لا تُنشَّط عن طريق تذكر موضع هذا المحتوى بالنسبة إلى محتوًى آخَر في المنهج الدراسي أو عن طريق ربطه بمفاهيم أكبر مذكورة بالمنهَج، وإنما تُنشَّط عن طريق ربط المحتوى بما وَرَدَ في الاختبار. بالطبع، هذا ليس جرمًا خطيرًا، ولكنه يُوضِّح إلى أي مدًى تَستحوذ أهمية فعاليات التقييم، مثل الاختبارات، على تفكيرنا. إننا «نحدد أهمية» المحتوى بناءً على هذه التقييمات.

وكما نُوقش في الفصل السادس؛ فقد ابتكرنا أنظمة معقَّدة لتوزيع الدرجات تُحدِّد قيمةً تقديرية لكل شيء يفعله الطلاب (أو لا يَفعلونه) داخل قاعة الدراسة. ولقد صمَّمنا هذه الأنظمة لنُوضِّح التوقعات المرجوة من الطلاب، وهي تُؤدِّي هذا الغرض فعلًا، لكن هذا لا يأتي دونَ حصيلة ثانوية غير مرغوب فيها؛ أي اللهاث وراء تحصيل عدد مهول من الدرجات، فبإمكانك أن تدفع الطلاب للقيام بأي شيء تقريبًا من أجل الحصول على درجة. ولقد اشتهرتُ بأنني أدخل المحاضرة وأعرض على الطلاب درجات إضافية مقابل تأدية واجب دراسي قيمته ثلاث درجات، وأتساءل قائلة: «هل من أحد مُهتمٍّ بتأدية هذا الواجب؟» لأجد أيادي تُلوِّح بحماس في كل مكان بقاعة الدراسة. وفي اليوم التالي، أعرض درجتَين إضافيتَين مقابل تأدية واجب آخر، لأرى أنه ما زال يوجد الكثير من المتطوِّعين، وأستمر في ذلك، وفي النهاية حين أصل إلى عرض نصف درجة، يتساءَل بعض الطلاب عما إذا كنتُ أحاول إثبات وجهة نظري، التي تقول إن الطلاب مُستعدون لعمل أي شيء في سبيل الحصول على درجة أو جزء من الدرجة! وقد اعتدت الإشارة مازحةً إلى أن الطلاب يلهثون وراء أي درجة أو درجتَين إضافيتَين، بل قد يُحاولون «شراءها» أيضًا. ولكن ذات يوم ظهر في صندوق بريدي ظرف يحتوي على مبلغ ٢٠ دولارًا مرفَق معه طلب الحصول على ثلاث درجات إضافية.

لا شكَّ أن الطلاب يُركزون على التقديرات الدراسية على نحو مبالَغٍ فيه، والكثير منهم يرى أن قيمتهم كبشرٍ مُستمدَّة من التقدير الدراسي الذي يَحصلون عليه، ويبدو أنهم غير قادرين على الفصل بين مستوى الأداء والشخص في حدِّ ذاته. علينا أن نُساعدهم على اكتساب رؤية سليمة أكثر حيال التقدير الدراسي، ولكن تُشير بعض الأبحاث إلى أن الطلاب يظنُّون أن أعضاء هيئات التدريس يُركِّزون على التقدير الدراسي مثلهم تمامًا، وعن تلك النتيجة، يكتب بوليو وبيك (٢٠٠٠، ص٩٨): «يبدو في الموقف الحالي أن كلًّا من الطلاب والأساتذة يحتاجون لإجراء التغييرات نفسها — تأكيد أقوى على عملية التَّعلُّم، وتأكيد أقل على التقديرات الدراسية — ويبدو أن كِلا الجانبين يُحمِّل الآخر مسئولية التسبُّب في الموقف الحالي الذي يتسم بكونه غير مثالي.» وللأسف، بينما تزداد أهمية التقديرات الدراسية، يتناقص دورها في تشجيع الطلاب على التَّعلُّم، وكنتيجة لذلك، لا يخرج بعض الطلاب بشيء من المواد التي يَدرسونها إلا بالتقديرات الدراسية.

إنَّ المبالغة في الاهتمام بالتقديرات الدراسية يؤدِّي إلى استجابة ثانية لدى الطلاب تُؤثِّر بالسلب على عملية التَّعلُّم. وتُؤكِّد التقديرات الدراسية على ما يظنه الكثير من الطلاب: أن القدرة (وأحيانًا الحظ) هي ما يُحدِّد التقدير الدراسي، وليس المجهود ولا عادات المذاكرة الجيدة ولا العمل بكدٍّ. فإما أنهم يتمتَّعون بالقُدرة على تعلم الرياضيات أو لا يتمتَّعون بها. وإما أنهم يتحلون بالقدرة على الكتابة أو مَحرومون تمامًا من مهارات الكتابة. وتُفسِّر نظرية العزو السبَبي (التي ناقشناها في الفصل الأول) هذا الأسلوب المُتَّبع في التفكير، وتُوثِّق الأبحاث إلى أي مدًى يُساوي الطلاب بين التقديرات الدراسية والقدرات. طلب كوفينجتون وأومليك (١٩٨٤) من الطلاب أن يُقيِّموا قدرتهم على التعامل مع محتوًى درَسوه أثناء الفصل الدراسي السابق، ويُقدِّروا الجهد الذي بذلوه، ويُسجِّلوا التقدير الدراسي الذي حصلوا عليه. شكَّلت التقييمات الخاصة بالقدرات ٥٠ بالمائة من المتغيرات، بينما جاء التقدير الدراسي والجهد المبذول في المرتبة الثانية أو الثالثة. ووجَد بيري وماجنوسون (١٩٨٧) أن حتى وجود مُعلِّم استثنائي لم يتمكَّن من زعزعة النتائج المذهلة التي تتحقَّق حين يعتقد الطلاب أن النتائج الأكاديمية تُحدِّدها سلفًا عوامل غير خاضعة لسيطرتهم، مثل قدراتهم الفطرية.

إن قاعات الدراسة التي توضع فيها تقديرات الطلاب وفقًا لنظام مُنحنى الدرجات لها آثار ضارة جدًّا على معتقدات الطلاب بخصوص قدراتهم، والحافز الذي يدفعهم نحو التَّعلُّم. ومع وجود عدد محدود من التقديرات الممتازة، سرعان ما يستسلم الطلاب الذين يرون أنفسهم أقل ذكاءً من الآخرين ويتلقون تقديرات دراسية تُؤكِّد على مدى افتقارهم للكفاءة على نحو مُحزِن. وعلاوة على ذلك، تخلق البيئة التنافسية داخل هذه القاعات الدراسية مانعًا قويًّا يَحول دون التعاون، مما يُقلِّل احتمالية أن يتعلم الطلاب بعضهم من بعض وبعضهم مع بعض. وينتهي الحال بعملية التَّعلُّم لأن تكون نشاطًا فرديًّا منعزلًا، الأمر الذي يضر كثيرًا أولئك الطلاب الذين يُجِيدون التَّعلُّم مع الآخرين. وينبغي تصميم سياسات قاعة الدراسة والتمارين والأنشطة والواجبات الدراسية لإظهار إلى أيِّ مدًى يُحدِث بذل الجهد فارقًا، وإلى أي مدًى يتطلَّب التَّعلُّم العمل بكدٍّ على نحو شبه دائم، ولإظهار أن ما يتعلَّمه الطلاب يدوم طويلًا أكثر من التقدير الدراسي الذي يَحصُلون عليه جراء القيام بذلك.

وأخيرًا، فإنَّ الضغط الذي ينشأ من السعي للحصول على التقدير الدراسي يحث الطلاب على الغش، بالطبع يغش الطلاب، بالرغم من الجهود الحثيثة التي يبذلها أعضاء هيئات التدريس للتصدِّي لهذا الاعتداء على النزاهة الأكاديمية. ولقد أثبَت عدد كبير جدًّا من الأبحاث أن الطلاب يغشُّون. وفي أغلب الدراسات، تراوحَت نسبة الطلاب الذين صرَّحوا بأنهم يغشُّون في الاختبارات بين ٤٠ و٦٠ بالمائة، وأفادوا بأن أقرانهم يغشُّون أكثر منهم. ويؤمن ألين وفولر ولوكيت (١٩٩٨) أن إبلاغ الطلاب بنفسِهم عن حالات الغش يَنزع إلى بخس العدد الحقيقي والنسبة الحقيقة للطلاب الذين يغشُّون في الامتحانات.

منذ إصدار الطبعة الأولى من هذا الكتاب، زادت سهولة الوصول إلى المعلومات عبر شبكة الإنترنت من حجم السرقات الأدبية. «لقد أظهَرت الدراسات أن الطلاب لا يَعتبرون أن نفس مبادئ حقوق الملكية الخاصة بالمواد العلمية المنشورة بالوسائل التقليدية تَسري أيضًا على المصادر المتاحة عبر شبكة الإنترنت» (مكجوان ولايتبودي، ٢٠٠٨، ص٢٧٣). وبالاستعانة بتصميم الأبحاث النوعية التي جمعَت البيانات عن طريق مجموعات التركيز الطلابية ومُقابلات شخصية، أفادت لوري باور (٢٠٠٩) أنَّ الطلاب يعرفون أن السرقة الأدبية فعلة لا يَرغب أساتذتهم في رؤيتهم يفعلونها، إلا أن الطلاب لا يَملكون دومًا رؤية واضحة بخصوص ما يَندرج تحت بند السرقات الأدبية، ويُفيدون بأنهم لا يَعرفون كيف يتفادون القيام بذلك. إنَّ استخدام خاصية القص واللصق أسهل من تكبُّد مشقة صياغة أفكار الآخَرين بكلماتك الخاصة.

لقد درَس جينيرو وماكلويد (١٩٩٥) الظروف الأكثر تأثيرًا في اتخاذ القرارات العفوية والمَدروسة للغش، وكان الاعتماد على التقدير الدراسي من أجل الحصول على مساعَدة مالية وتأثير التقدير الدراسي على الأهداف طويلة المدى من ضمْن أعلى خمسة أسباب لاتخاذ كلا القرارَين. وبالوضع في الاعتبار حقائق وضعنا المالي حاليًّا، لا يسع المرء سوى تخيُّل إلى أي مدًى يُؤثِّر هذان السببان بفاعلية على اتخاذ القرارات في الوقت الراهن. ثمة نتائج من دراسة أُجريت عام ٢٠٠٤ على سلوكيات الغش بين طلاب كلية إدارة الأعمال «تُظهر بوضوح أنَّ الطلاب يَعرفون ماهية الغش، وأنهم يؤمنون بأنه خطأ من الناحية الأخلاقية، إلا أنهم يُواصلون الغش؛ لأنهم يَشعرون بأن الفوائد تفوق التكاليف المحتمَلة، كما أنهم يؤمنون بأن الغش هو «العرف السائد»» (تشابمان وديفيز وتوي ورايت، ص٢٤٦). وكما علَّق طالب أجروا معه مقابلة شخصية: «الطلاب لا يعتبرون الغش شيئًا سيئًا حقًّا. ونظرًا لأنَّ الجميع يفعلون هذا الأمر بين الحين والآخر، فإنه صار أشبه بتخطي حدود السرعة المسموحة بها أثناء قيادة السيارة؛ فالجميع يعرف أنه مُخالف للقوانين، ومع ذلك لا يزالون يقترفونه» (ص٢٣٦).

ولا يدرك الطلاب أنه فضلًا عن أن للغشِّ تأثيرًا سلبيًّا على نزاهة المنشأة التعليمية، فإنه يضرُّهم أيضًا؛ حيث إنهم لا يتعلمون المُحتوى الذي يحتاجون إلى معرفته، ولا يُنمُّون المهارات التي يحتاجون إليها، ولا يكونون صادقين مع أنفسهم ومع الآخَرين بشأن ما يَعرفونه وما يُمكنهم إنجازه، كما أنهم لا يُنمُّون شعورهم بالثقة التي تأتي من إتقان المادة العلمية وإظهار براعة التحلِّي بالمهارات. يجب أن يتغيَّر الاعتقاد بأن الغشَّ لا يُمثِّل مشكلة خاصةً إذا جعلك تحصل على تقديرٍ دراسيٍّ أفضل، وتتصدَّى القاعات الدراسية، التي تَعتبر عملية التَّعلُّم على نفس قدر أهمية التقديرات الدراسية، لتلك الأعراف السائدة المُضرة والافتراضات الخاطئة.

بالإضافة إلى إحداث توازُن أفضل بين أهمية التقديرات الدراسية وأهمية عملية التَّعلُّم، يجب علينا أن نمنح الطلاب دورًا في عملية التقييم. وحتى هذه اللحظة، تكون مشاركة الطلاب في عملية التقييم قليلة أو مُنعدمة، وفي معظم المواد الدِّراسية لا يُطلَب منهم إلقاء نظرة نقدية على العمل الخاص بهم، أو العمل الخاص بأقرانهم، والبعض قد يُجادل بأن هذا يَحدث لأسباب وجيهة. وبالنظر إلى الحافز الشديد الذي يَدفع الطلاب نحو الحصول على التقديرات الدراسية ونزعتهم نحو الغش، كيف يتسنَّى لنا أن نتوقع منهم الاضطلاع بدور في هذه العملية المهمَّة مع تحلِّيهم بأي نوع من النزاهة أو الموضوعية؟ علاوةً على ذلك، أليس من ضمن مسئوليات المعلم أن يُصدِّق رسميًّا على إتقان الطلاب للمادة العلمية؟ أجل، هي كذلك، ولكن السؤال هو: هل من الممكن أن يُحافظ المعلم على نزاهة عملية وضْع التقديرات الدراسية، وفي الوقت نفسه يشرك الطلاب في الأنشطة التي تُنمِّي لديهم مهارات التقييم الذاتي وتقييم الأقران؟

تُقدِّم الأبحاث التي أُجريت على التقييم الذاتي بعض الإجابات، ومن الجدير بالملاحظة أنه بالرغم من أن الطلاب يُمنَحون فُرصًا قليلة لتقييم أعمالهم، فإن اهتمام الأبحاث بالتقييم الذاتي ظل قائمًا لفترة طويلة، وقد لُخِّصت الأعمال السابقة في تحليل تلوي أجراه فالشكوف وبود (١٩٨٩)، تحليل لا يَزال يُشار إليه في المراجع باستمرار. يَشتمل هذا الاستعراض التحليلي لثمانية وأربعين دراسة على بعض النتائج المتوقَّعة: تتراجع العلاقات الطردية بين التقديرات الدراسية، التي يَمنحها الطلاب لأنفسهم والتي يَمنحُها لهم المعلمون، إذا كانت المادة أساسية وإجبارية. ولكن إذا كانت المادة مادة تخصُّص في سنوات الدراسة النهائية، وإذا كانت عملية وضع الدرجات تتمُّ وفقًا لمعايير محدَّدة، وإذا مُنح الطلاب فرصةَ مقارنة التقييم الخاص بهم مع التقييم الخاص بمعلمهم، فإن العلاقات الطردية تكون واعدةً جدًّا.

تُؤكِّد الدراسات التي أُجريت في الآونة الأخيرة أن الطلاب يستطيعون، في ظل ظروف معينة، أن يُجروا تقييمًا ذاتيًّا يتمتَّع بقدر من الموثوقية. دَرَست كارولَين كارداش (٢٠٠٠) أربع عشرة مهارةً من مهارات البحث العلمي يُزعَم أنها تُنمَّى عن طريق تجارب البحث العلمي التي يخوضها الطلاب الجامعيون. وقَيَّمَ الطلاب أنفسهم في هذه المهارات قبل وبعد إجراء إحدى تجارب البحث العلمي أثناء الدراسة الجامعية، وقَيَّمَ مرشدوهم من أعضاء هيئة التدريس هذه المهارات أيضًا. وأفادت كارولَين كارداش (٢٠٠٠، ص١٩٦) بوجود «تشابهات لافتة للنظر» بين التقييمات؛ حيث أعطى كلٌّ من أعضاء هيئة التدريس والطلاب أعلى التقييمات للخمس مهارات نفسها. دَرَس كروهن وفوستر وماكليري وإسبرانتي ونالز وكويلفين وتايلور ووليامز (٢٠١١) عن كثب نظامًا سجَّل عن طريقه الطلاب إسهاماتهم الشفهية داخل قاعة الدراسة على بطاقة مصمَّمة خاصة لهذا الغرض، وسلموها بعد ذلك من أجل الحصول على درجات مقابل المشاركة، ولم يَعرف الطلاب أن ثمة مُراقبين في قاعة الدراسة سجَّلوا تعليقاتهم. «وُجد عمومًا درجة عالية من التوافُق بين ما سجَّله الطالب والمراقب بخصوص المشاركة الفردية، ولم يُبالغ الطلاب في تسجيل تعليقاتهم في حالة الحصول على الدرجات» (ص٤٣). لقد طور إدواردز (٢٠٠٧) نظامًا يُصحِّح به الطلاب واجباتهم المنزلية واختباراتهم، وراجع إدواردز الدرجات، وأفاد بأن «الأغلبية العظمى من الطلاب صحَّحوا مسائل الواجب المنزلي تمامًا مثلما كنتُ سأُصحِّحها لهم، أو بطريقة مشابهة للغاية» (ص٧٣). والأمر نفسه يَنطبق على اختباراتهم: «فلم تتغير أغلبية الدرجات عند مُراجعتي لها» (ص٧٣). استجاب الطلاب على نحو إيجابيٍّ للغاية لنظام وضع التقديرات للذات الذي ابتكَره إدواردز، مع تعليق الكثيرين منهم على قدرِ ما تعلَّموه من تصحيح أخطائهم بأنفسهم. وعندما سأل إدواردز الطلاب عن عدد حالات الغش التي ظنوا أنها حدثت داخل قاعة الدراسة، قال ٨٨ بالمائة منهم: إنه «لم تحدث حالات غش.» أو «ليس عددًا كافيًا لإثارة القلق.» وتثبت تقارير كهذه وغيرها من التقارير الأخرى أن في بعض المواقف وفي ظل ظروف معينة يُقيِّم الطلاب أعمالهم بأمانة، ولا يعطون أنفسهم دومًا التقييم الذي يودُّون الحصول عليه سواء أكانوا يستحقُّونه أم لا.

وبالوضع في الاعتبار إمكانية إشراك الطلاب في أنشطة التقييم، علينا أن نُذكِّر أنفسنا بالسبب الذي ينبغي من أجله أن نشركهم في هذه العملية. إنَّ قدرة المرء على تقييم جودة عمله، وكذلك جودة عمل الآخرين بدقة هي مهارة مُفيدة أثناء الدراسة في الكلية، وفي معظم الوظائف فيما بعد. أنا الآن أومِن بشدة، أكثر مما كنتُ أثناء تأليفي الطبعة الأولى لهذا الكتاب، بأن من يلتزم منا بأهداف التدريس المُتمركِز حول المتعلم يجب أن يُخصِّص قدرًا أكبر من الطاقة لتنمية هذه المهارات، ويُبدي نيكول وماكفارلين-ديك (٢٠٠٦) ملاحظة صائبة مفادها أنه على الرغم من أن الكثيرين منا غيَّروا مفاهيمهم عن التدريس والتَّعلُّم، «فإن ثمة انتقالًا مُماثلًا، فيما يتعلَّق بالتقييم المنهجي البنَّاء والتقدير، يسير بوتيرة أبطأ. وفي قطاع التعليم العالي، لا يزال التقدير والتقييم المنهجي البنَّاء خاضعًا لسيطرة المعلمين، ويُعتبر ضمن مسئولياتهم، ولا يزال هناك تصور بصفة عامة عن التقييم باعتباره عملية تحويلية … إذا كان التقييم المنهجي البنَّاء مُقتصِرًا على المعلمين وحدهم، فمن الصعب إذَن رؤية إلى أي مدًى يُمكن للطلاب أن يصيروا مخوَّلين بالسلطة، ويُنمُّون مهارات التنظيم الذاتي اللازمة لإعدادهم للتَّعلُّم، خارج أسوار الجامعة وعلى مدار الحياة» (ص٢٠٠).

(٢) كيف يتغير الغرض من التقييم والعمليات المرتبطة به؟

لقد تمَّ تحديد مشكلتَيْن متعلقتَين بالممارسة المهنية الحالية؛ أولًا: تمنح السياسات التعليمية والممارسات المهنية في الوقت الحالي أهمية أكبر للتقدير الدراسي وذلك بالمقارنة بعملية التَّعلُّم نفسها، وغالبًا ما يكون ذلك استجابةً لضغوط خارجية، وهذا يُؤثِّر بالسلب على عدة محصلات تعليمية. ثانيًا: إنَّ استبعاد الطلاب من أنشطة التقييم يَحُول دون تنمية المهارات المهمة الخاصة بالتقييم الذاتي وتقييم الأقران. وفي هذا القسم، سأُعطي أمثلةً تُوضِّح بعض الطرق التي يتعامل بها المعلمون الذين يَتبعون طرق التدريس المُتمركِز حول المتعلم مع كلتا المشكلتَين.

(٢-١) تحقيق توازن أفضل بين التقديرات الدراسية وعملية التَّعلُّم

لنبدأ بالتقديرات الدراسية: لا تزال التقديرات الدراسية تُمثِّل أهمية، ولا يزال المعلمون هم المسئولين عن منحها للطلاب. إن إنجاز العمل المطلوب في المادة يجعل الطلاب يَحصُلون على التقديرات الدراسية، إلا أنه بمنزلة فرصة للتَّعلُّم أيضًا. ويتمثَّل التحدِّي في الاعتراف بأهمية التقديرات الدراسية، ولكن مع إبقاء التركيز مُنْصبًّا على ما يتمُّ تعلُّمه عن طريق هذه الخبرات التعليمية. ومِن أجل مواجهة هذا التحدي، ابتكرتُ مجموعة من المبادئ التي تُحدِّد إطار علاقة متوازنة أكثر بين التقديرات الدراسية وعملية التَّعلُّم. ويُمكن أيضًا لهذه المبادئ أن تقوم مقام المعيار الذي يُساعدنا على تحديد الأنشطة والواجبات الدراسية التي تُحقِّق هذا التوازن على نحوٍ أفضل:

اسْتغِل قدرة التقديرات الدراسية على تحفيز الطلاب: إنَّنا نَعرف جيدًا أن التقديرات الدراسية تُحفِّز الطلاب، وهي تُحفِّز الطلاب لبذل الجهود نحو تَحصيل الدرجات أكثر من تحفيزهم نحو التَّعلُّم، إلا أن التقديرات الدراسية تحثُّ الطلاب فعلًا، وبإمكان المعلمين أن يستغلُّوا هذا الحافز — أجل، هذا يعني حَضَّ الطلاب على إنجاز المهامِّ في مُقابل الحصول على درجات — ولكن أثناء القيام بذلك، ينبغي للمعلمين أن يُحاولوا إعادة توجيه ذلك الحافز عن طريق استغلاله لتحقيق نتائج مُثمرة أكثر. ما أظنُّ أنه يجب على أعضاء هيئات التدريس أن يفعلوه حيال الحافز نحو تحصيل الدرجات أشبَه قليلًا بالذهاب إلى السجن لإلقاء عِظَة عن العفو والسماح؛ فليستْ مُهمتك أن تُطلق سراح المساجين، فلا يَزال الطلاب بحاجة إلى تحصيل الدرجات، ولكنَّك تُؤكِّد على رسالة تنويرية مفادها أن التَّعلُّم أهمُّ من تحصيل الدرجات، وبخاصة من مَنظورٍ مستقبليٍّ في الحياة. وفيما يلي أمثلة تُوضِّح كيف يمكن تطبيق هذا المبدأ، ولكن من المهم أن نرى الاحتمالات الإيجابية الكامنة في الحافز المشجِّع لتحصيل الدرجات أيضًا، إنها طاقة في حدِّ ذاتها يمكن إعادة توجيهها نحو التَّعلُّم.
اجعل تجارب التقييم أقل توتُّرًا: جزء من القدرة التعليمية الكامنة والمتأصِّلة في تجارب التقييم يتأثَّر تأثُّرًا سلبيًّا بالتوتر المرتبط بهذه التجارب. طلب ساروز ودينستين (١٩٨٩) من الطلاب أن يُقيِّموا أربعة وثلاثين مُسبِّبًا محتملًا للتوتر، وكانت تسعةُ مسبِّبات للتوتر، من أعلى عشرةِ مسببات، مرتبطةٌ بأنشطة التقييم، بما في ذلك عدد الواجبات الدراسية، وتأدية الاختبارات، والحصول على درجات سيئة. ومِن ثم، لا يُركِّز الطلاب المتوترون والخائفون والمُجهَدون على الأهداف التعليمية جيدًّا. ليس الهدف في هذا المقام التخلص تمامًا من التوتر، لأنَّ الجرعات المناسبة من التوتُّر تُحفِّز الأداء الجيد. تبدأ المشكلة عندما يُصاب طلابُنا بحالة من التوتُّر المبالَغ فيه، ولا يجيدون التعامل معها على نحو بنَّاء، والكثير من الأمثلة الواردة فيما يلي تُوضِّح إلى أي مدًى يُمكن الإقلال من الشعور بالتوتُّر المُرتبِط بفعاليات التقييم، دون الإخلال بما يجعلها صارمةً وتُشكِّل تحديًا للقدرات.
استعِن بالتقييم فقط لتحديد مستوى عملية التَّعلُّم: بعض أعضاء هيئات التدريس يشتهرون باستخدام أنشطة التقييم لتنفيذ أجندات خفية. في مرحلة مبكرة جدًّا من مشواري المهني بمجال التدريس، كنتُ أُدرِّس لفرقة لم أعتقد أنهم كانوا يأخذون المُحتوى على محمل الجد. كانت هذه المادة هي مادة الخَطابة، وتفاجأت أن أحد طلابي قال لي حينئذ: «أنا لا أحتاج حقًّا إلى دراسة هذه المادة؛ فأنا أستطيع الحديث منذ أن كنتُ في الثالثة من عمري.» ومثل هؤلاء الطلاب كانوا بحاجة إلى إدراك أنَّ المُحتوى الدراسي يتسم بالصَّرامة، وله مضمون جدير بالدراسة، ومِن ثم وضعتُ لهم اختبارًا «صعبًا» حقًّا، لا من أجل قياس إلى أيِّ مدًى يَستوعبون المحتوى جيدًّا، وإنما لأُبيِّن لهم أنَّ محتوى هذه المادة لم يكن سهلًا، وللأسف فإن هذه النوعية من الاختبارات لا تُشجِّع التَّعلُّم.

لا ينبغي الاستعانة باختبارات تتسم بالصعوبة المفرطة لإكساب المادة الدراسية سمعة الصرامة الأكاديمية؛ فعندما يرسب ٧٥ بالمائة من طلاب الفِرقة الدراسية أو يَحصُلون على درجات سيئة فعلًا في أحد الاختبارات بعد أن يكون المعلم قد أخلص النية لبذل الجهد المطلوب لشرح المادة العلمية، فهذا يَعني أن المعلم لم يشرَح الدروس بطريقة جيدة جدًّا، أو أنه لا يُجيد وضع الاختبارات كثيرًا، أو أنه يَستخدم الاختبارات لتحقيق هدفٍ آخر غير تشجيع التَّعلُّم. من المحتمل، بالطبع، أن ٧٥ بالمائة من الطلاب لم يَستذكروا دروسهم لخوض الاختبار، إلا أن الدوافع الخفية للمعلم هو التفسير الأكثر ترجيحًا لرسوب هذه النسبة. وفي أسوأ المواقف، يستعين أعضاء هيئات التدريس أو الأقسام بمواد دراسية من أجل «التخلُّص» من الطلاب الذين «لا يَستطيعون دراسة» مادة الفيزياء أو الهندسة أو الرياضيات أو أي مادة أخرى، وذلك وفقًا لمجموعة من المعايير الموضوعية. وقد يعرف الطلاب، عن طريق المواد الدراسية والاختبارات، أنَّ اهتماماتهم ومواهبهم تَكمن في مكان آخر، ولكن لا ينبغي أن يتمَّ تصميم المواد الدراسية والاختبارات خاصةً لتحقيق هذا الغرض.

تظهر صورة أخرى من صور مشكلة الأجندة الخفية حين يستغلُّ أعضاء هيئات التدريس تجارب التقييم من أجل «قياس» إلى أيِّ مدًى يَستطيع الطلاب استيعاب المحتوى وتطبيقه، ولذا يُدرجون أنواعًا جديدة من المسائل، أنواعًا من المفتَرض أن يتمكن الطلاب من حلِّها إذا طبَّقوا ما تمَّ تغطيته داخل قاعة الدراسة، لكن لم يَسبِق لهم رؤيتها من قبل. فإذا كان أحد أهداف المادة هو تنمية قدرات الطلاب على تطبيق ما تعلَّموه بالفعل على نوعيات مختلفة من المسائل، فمِن المنطقي أن تُختبَر قدرتُهم على القيام بذلك، ولكن لا ينبغي أن يحدث ذلك إلا حين يُمنح الطلاب فرصة ممارسة هذه المهارات التطبيقية. وينبغي أن تَشتمل المسائل التي أُجيبَ عنها في قاعة الدراسة، والتي كُلِّفَ الطلاب بحلها كواجب منزلي، على الممارسة العملية، وينبغي أن يحصل الطلاب على تقييم منهجيٍّ بنَّاء على محاولاتهم للحلِّ. ولكي تُشجَّع تجارب التقييم على التَّعلُّم يجب أن تُصمَّم لتحقيق هذا الغرض. إنَّ الاستعانة بها لتحقيق أهداف أخرى تُخلُّ بنزاهة عملية التقييم، وتزيد من توتر الطلاب، وتزيد من أهمية التقديرات الدراسية، بل وتقلِّل أكثر من أهمية التَّعلُّم.

رَكِّز أكثر على التقييم المنهجي البنَّاء: لقد رأينا جميعًا هذا الأمر. سلِّمْ مجموعةً من الأوراق وعليها تعليقات استغرقت عدة ساعات لتجهيزها، وشاهد الطلاب يُلقون نظرة سريعة على الدرجة ثم يدسُّون الورقة في حقيبة كتبهم، لعلهم يَقرءون التعليقات في وقت لاحق، ولكن هل يتصرَّفون بناءً على الاقتراحات الواردة ويُحسِّنون جودة أبحاثهم التالية؟ ليس بالقدر الذي نودُّ أن نراه، ولقد استعرضنا بالفعل بعض الأسباب وراء ذلك، ولكن الفكرة هنا مختلفة.

إنَّ التركيز أكثر على التقييم المنهجي البنَّاء، لا يَعني كتابة المزيد من التعليقات، أو بالأحرى زيادة عدد التقييمات المقدَّمة للطلاب، بل إنه يعني التفكير على نحو مُبتكَر حيال الأسس والأنشطة التي تُركِّز بفعالية أكثر على التقييم، لا على التقدير الدراسي. وقد يكون هذا الأسلوب بسيطًا بقدر بساطة فصل الأمرَين أحدهما عن الآخر؛ بمعنى أنَّ تُقدِّم التعليق قبل الدرجة بينما لا يزال الطلاب يتمتَّعون بالفرصة للتصرُّف بناءً على التقييم وتحسين درجاتهم، أو بمعنى أن تُقدِّم التقييم دون درجات، طالبًا الاستجابة للتقييم، ثم تَمنح الدرجة بعد ذلك. وربما يتمثل الأسلوب في تغيير نسق التقييم، مثل كتابة خِطابٍ للطلاب، أو تقديم التقييم وجهًا لوجه.

إنَّ التركيز على التقييم المنهجي البنَّاء يعني أيضًا التفكير في الموضوع على نطاق أوسع، أكثر من مجرد التعليق على نتيجةٍ ما. صحيح أنه منذ إصدار الطبعة الأولى من هذا الكتاب لم يقلَّ حجم الفِرَق الدراسية، ولم تخفَّ أعباء التدريس، فالكثير منا ليس لديه الوقت لتقديم التقييم المباشر وجهًا لوجه، وإذا لم نَستطِع ذلك فلا يوجد سبب يُشعرنا بالذنب حيال الظروف التي لا تخضَع لسيطرتنا. ومع ذلك، يجب ألا نبخَس قيمة أثر التعليق بصفة شخصية على الطالب، وأحيانًا يكون هذا الأثر أكثر عمقًا من أثر التقدير الدراسي. إن مجاملةً سريعةً، أو كلمة تشجيعية، أو إرسال رسالة بريد إلكتروني تعليقًا على إنجازات أخرى داخل الحرم الجامعي، تُعدُّ جميعها بمنزلة أشكال من التقييم. إنها أشكال من التقييم غير مُرتبطة بالدرجات، وتبعَث رسالةً فعَّالة مفادها أن بعض الأمور التي يتعلمها الطلاب من دراسة المواد قد تكون أقيَم من الدرجات والتقديرات الدراسية.

ويُمكن تلخيص هذه المبادئ بكل بساطة: يُنجِز الطلاب العمل الذي نُصحِّحه ونُقيِّمه؛ لأن القيام بذلك يجعلهم يَستوعِبون المُحتوى ويفهمونه. ويَعمل المعلمون الذين يتبعون التدريس المُتمركِز حول المتعلم على تعظيم النتائج التعليمية المرجوة التي تُعتبر جزءًا متأصلًا من أي تقييم أو نشاط قائم على وضع التقديرات الدراسية دون الانتِقاص من أهمية التقديرات الدراسية.

(٢-٢) الاستعانة بالتقييم لتنمية مهارات التقييم الذاتي وتقييم الأقران

منذ إصدار الطبعة الأولى لهذا الكتاب عام ٢٠٠٢، ثمة إدراك مُتزايد بأن التقييم الذي يقدمه المعلمون للطلاب عادةً ما يكون له أثر ضئيل على مستوى الأداء في وقت لاحق. في إحدى الدراسات (كريسب، ٢٠٠٧)، حصل مجموعة من طلاب الخدمة الاجتماعية على تقييم مُفصَّل لأحد الواجبات الدراسية المَكتوبة. وبعد مرور ستة أسابيع، أنجَزوا واجبًا دراسيًّا مُشابهًا، وبالرغم من أن التقييم الذي حصَلوا عليه كان درجات ٦٦٫٧ بالمائة من الطلاب تقع في حدود أربع نقاط مئوية في كِلا الواجبين. «وجَدت هذه الدراسة دعمًا محدودًا وحسب لفكرة أنَّ الطلاب يستجيبون بإحداث التغييرات التي تتناسَب مع الهدف الخاص بالتقييم الذي تلقَّوه» (ص٥٧١). إننا نَستغرق الوقت ونبذل الجهد لتقديم التقييم، وتحديد ما هو صحيح وما هو خطأ في البحث أو المشروع أو العرض التقديمي أو الاختبار أو المقال، على افتراض أن الطلاب سيَستخدمون هذه المعلومات للقيام بعمل أفضل في المرة القادمة. ما الخطأ في هذا الافتراض؟ لماذا لا يُجري عدد أكبر من الطلاب المُحفَّزون بجمع الدرجات التغيراتِ التي من شأنها أن تُحسِّن جودة عملهم؟

في مقال باعث على التأمل، وكثيرًا ما يُشار إليه في المراجع، يزعم سادلر (٢٠١٠) أنه «بالرغم من أن المعلمين يبذلون قصارى جهدهم لجعل عبارات التقييم تامة وموضوعية ودقيقة، فإن الكثير من الطلاب لا يفهمونها كما ينبغي؛ لأنهم … غير مجهزين لفك رموز هذه العبارات على النحو الصحيح» (٥٣٩) ويقول سادلر: إن المعلمين يقضون وقتًا أطول من اللازم للتركيز على كتابة التقييم، ولا يَقضون وقتًا كافيًا لمساعدة الطلاب على فهمه. إذَن، ما حلُّ هذه المشكلة؟ هل على المعلمين أن يَقضوا المزيد من الوقت لتلقين الطلاب وإخبارهم بما يَقصدُه التقْييم؟

لا يُعدُّ التلقين طريقةً متَّبعة في التدريس المُتمركِز حول المتعلم. ويقول سادلر بصراحة: «ببساطة، إن الاعتماد على التلقين … كوسيلة رئيسية لتَشجيع الطالب على التحسُّن أشبه بالاعتماد على نموذج نقل المعلومات لتطوير مفاهيم مهمة خاصة بالتقييم» (ص٥٤٨). وعدم نجاح هذه الطريقة أثبتته الأبحاث والواجبات التالية التي ظهر فيها تكرار الأخطاء السابقة نفسها. وبدلًا من التلقين الذي يُجريه المعلمون، يحتاج الطلاب إلى فُرَص لتقييم أعمالهم وأعمال الآخرين، فيجب عليهم أن يتعلموا كيف يُحدِّدون ما هو جيد، وما الذي يحتاج إلى تعديله، وكيف يُمكن تحسينه. إذَن، كيف تُنمَّى هذه المهارات على النحو الأمثل؟ الإجابة هي من خلال الممارسة.

كنتيجة للاتجاه المنادي بتضمين نشاط الكتابة في المناهج الدراسية، يسمح عدد متزايد من المعلمين للطلاب بممارسة مهارة تقديم التقييمات لأقرانهم. فيَقرأ الطلاب بعضهم أعمال بعض قبل أن يقدموها إلى المعلم، ويَقترحُون طرقًا لتحسين جودة العمل. وأدرك المعلمون، الذين استعانوا بهذا الأسلوب سريعًا، أنَّ الطلاب لا يُقدِّمون تقييمًا جيدًا من تلقاء أنفسهم. وعلى القدر نفسه من السرعة، استنتَج الطلاب أنهم لا «يحبون» انتقاد عمل الآخَرين إذا كانت المهمة تتضمَّن ذكر سلبيات العمل؛ ومِن ثم يتجنَّبون الموقف الحَرِج بقولهم: «بحث جيد، لا أرى فيه أي مشكلات.» أو يشيرون إلى مسائل بسيطة مثل موضع الفاصلات. ورأى الكثير من المعلمين أنَّ جودة هذه النوعية من التقييمات مُثبِّطة للهمة جدًّا، ويتبنَّى الطلاب توجهات سلبية جدًّا لدرجة أنهم أحجَموا عن تشجيع الطلاب على إلقاء بعضهم نظرة على أعمال بعض.

في الواقع، ما حدَث هنا يُوضِّح الفكرة التي أشار إليها سادلر (٢٠١٠) في مقاله؛ فالطلاب يَفتقرون إلى ما يُطلق عليه «مهارة التقييم»، والمعلمون يتمتَّعون بقدر كبير منها؛ حيث إننا صحَّحنا وقَيَّمَنا عددًا كبيرًا من أبحاث الطلاب ومستوى أدائهم ومشروعاتهم وعُروضهم التقديمية، بما يفوق قدرتنا على العد والحصر. ومِن واقع جميع هذه الخبرات، تُنمَّى هذه المهارة، فنحن نَعرف البحث الممتاز حين نقرؤه، ونستطيع أن نُفسِّر ما الذي يجعله نموذجًا يُحتذى به. وبالوضع في الاعتبار انعدام مشاركة الطلاب في الأنشطة التقييمية، لا ينبغي أن نندهش من أنهم لا يُجيدون تأدية هذه الأنشطة كثيرًا، سواء فيما يخصُّ أعمال أقرانهم أو أعمالهم، وإذا كنا نريدهم أن يُصدِروا أحكامًا سديدة ويُقدِّموا تقييمًا مميزًا من حيث الجودة، فعلينا إذَن أن نستعين بالأنشطة المُصمَّمة لتنمية هذه المهارات، وأن نُشاركهم المعايير الخاصة بالتقييم، ونُوضِّح لهم كيفية تطبيقها، وبعد ذلك يجب أن نستعين بالأنشطة المصمَّمة خاصة لتنمية هذه المهارات. يجب أن تُدرَّس لهم مبادئ التقييم البنَّاء لكي يُقدِّموا تعليقات مفيدة تشجع على تحسين جودة العمل. إنَّ تنمية هذه المهارات ليست بمهمة مستحيلة، ولن نبدأ من الصفر.

يُشير نيكول وماكفارلين-ديك (٢٠٠٦) — اللذان يَعتبران القدرة على التقييم الذاتي سمةً خاصَّةً بالمُتعلِّمين الذين يتسمون بالتوجيه الذاتي — إلى أنَّ الطلاب يَشتركون بالفعل في بعض الأنشطة التقييمية للذَّات من تلقاء أنفسهم؛ فعلى سبيل المثال: عندما يُعدُّ الطلاب بحثًا، فإنهم يُقرِّرون ما إذا كان طول البحث كافيًا أم لا، وما إذا كانوا قد استعانوا بالعدد الكافي من المَراجع، وإذا ما كانت كتابتهم منطقية ومفهومة، وما إذا كان بحثهم تضمَّن محتوًى يظنُّون أن الأستاذ يرغب في قراءته. هذه أمثلة على التقييم الذاتي، ليست تفصيلية دومًا، وليست معتمَدة دومًا على معايير ذات صِلَة، إلا أن الطلاب يُلقون نظرة نقدية على العمل الخاص بهم. يُمكننا الاستعانة بهذا الأمر باعتباره نقطة انطلاق، موضِّحين للطلاب كيف يمكن أن تساعدهم مواصلة تنمية هذه المهارات على تَعلُّم المزيد والحصول على درجات أفضل. وبمستوى أفضل من المهارات، يُمكن للطلاب وزملائهم أن يتبادَلوا نوعية التقييمات اللازمة لتحسين مستوى العمل الخاصِّ بهم أكثر وأكثر. وبمجرد أن يُقدِّم الطلاب تقييمًا مفيدًا ويحصلون عليه يزداد الحافز لديهم للتعاون بعضهم مع بعض زيادةً بالغة.

•••

اختصارًا، بالنظر إلى مشكلات وضع التقديرات الدراسية التي نُوقشت في موضع سابق من هذا الفصل، لا نَستطيع أن نمنح الطلاب حرية وضع التقديرات لأنفسِهم، بل ولا ينبغي لنا أن نفعل ذلك واضِعين في الاعتبار مسئولياتنا المهنية للتصديق على مستوى إجادة الطلاب للمادة العلمية، ولكن هل هذا يَمنعنا أو يعفينا من توفير تجارب تهدف إلى تنمية مهارات التقييم الذاتي وتقييم الأقران؟ يَحتوي القسم التالي على مجموعة متنوعة من الاستراتيجيات والأساليب والأفكار والواجبات الدراسية التي تُنمِّي هذه المهارات حقًّا. وسأترك لك حرية الاختيار لتُقرِّر ما إذا كانت هذه الطرق لإشراك الطلاب تحافظ على نزاهة عملية وضع التقديرات الدراسية أم لا.

(٣) الاستعانة بالاختبارات والواجبات والأنشطة الدراسية لتحفيز عملية التَّعلُّم

يحتوي هذا القسم على مجموعة كبيرة من الأفكار لتعظيم النتائج التعليمية المرجوة، والتي تُعتبر جزءًا متأصِّلًا من تقييم عمل الطلاب، وتُوضِّح الأمثلة الواردة فيما يلي كيف يُمكن تطبيق المبادئ المطروحة في القسم السابق عن طريق الأنشطة الدراسية، وكيف يُمكن تغيير نسق الواجبات الدراسية التقليدية وتصميمها لنولي اهتمامًا أكبر لعملية التَّعلُّم. وربما تكون الاختبارات بمنزلة نقطة جيدة للبدء من عندها، باعتبارها الأشهر والأوسع استخدامًا بين جميع أنشطة التقييم الأخرى.

(٣-١) تعظيم النتائج التعليمية المرجوة من الاختبارات

لقد افترضْنا لوقت طويل أن الاختبارات تُحفِّز التَّعلُّم على نحو تلقائي، ويُبيِّن الاختبار الكامل ما تعلَّمه الطلاب ومدى إجادة تعلمهم إياه، إننا نتصرَّف كما لو أنَّ عملية التَّعلُّم متروكة تمامًا للطالب، مُتناسين أننا نتمتَّع بالقدرة على صياغة هذه الخبرات التعليمية باعتبارنا قائمين على تصميمها. ويُمكننا أن نُرتِّب العناصر المختلفة لهذه التجربة ونُعيد ترتيبها، وعن طريق القيام بذلك نُحدِّد طبيعة تلك التجربة التعليمية، وتُوضِّح الأنشطة التالية طُرقًا لصياغة الاختبارات التي تُركِّز أكثر على عملية التَّعلُّم:

محاضرات المراجعة: لا يُلقي بعض أعضاء هيئات التدريس محاضرات المراجعة داخل قاعة الدراسة؛ لأن هذا يعني تقليل عدد المحاضرات المخصَّصة لشرح المحتوى. السؤال هو ما إذا كان الطلاب يَستفيدون أكثر من استعراض المزيد من المادة العلمية أم يَستفيدون أكثر من فرصة تنظيم المحتوى الذي يجب عليهم تعلمه لاجتياز الاختبار، وتلخيص ذلك المحتوى واستخراج الأفكار الرئيسية منه ودمجها؟ هل ينبغي للطلاب أن يُعدُّوا هذا التلخيص وأن يَدمجوا الأفكار الرئيسية بأنفسهم أثناء مذاكرتهم للمادة؟ ربما يكون الأمر كذلك. هل سيتعلمون القيام بذلك على نحو أفضل إذا ما كانت جهودهم يُوجِّهها شخص متخصِّص يفهم طريقة تنظيم موضوعات المحتوى؟ الأمر كذلك على الأرجح. يشرح فافيرو (٢٠١١) كيف تغيَّرت طريقة تفكيره بخصوص محاضرات المراجعة قائلًا: «مثل الكثير من المعلمين، تصديت لفكرة التضحية ﺑ «المحتوى» أو وقت المادة لصالح محاضَرة كاملة مخصَّصة للمراجعة. وبمرور الوقت وبعد تفكير عميق، توصلتُ إلى قرار مفاده أنني إن كنتُ راغبًا في أن يصير طلابي قادرين على حلِّ المشكلات، فلا بد لي أن أتيح لهم فُرَصًا قليلة المخاطر، وأُوفِّر لهم الوقت لحل هذه المشكلات» (ص٢٤٨).

كما أنَّ الشكل النمطي للمراجعات يحول دون استخدامها؛ حيث يراجع المعلم المحتوى الذي يتسم بالأهمية والصعوبة، ومن المفترض أن يطرح الطلاب الأسئلة بخصوص ما يبدو أنهم لا يفهمونه، إلا أنهم غالبًا ما يستغلون الفرصة في محاولة منهم لاستِكشاف ما الذي سيأتي في الاختبار. فتجد الطلاب يطرحون أسئلة على غرار: «هل سنحتاج لمعرفة مفهوم تحليل الفائدة والتَّكلفة من أجل خوض الاختبار؟» أو يطرحون السؤال بصيغة أكثر ذكاءً قليلًا: «ما قدر التفاصيل التي سنحتاج إلى معرفتها عن مفهوم تحليل الفائدة والتكلفة؟»

ثمة طرق أخرى لتحديد شكل محاضرات المراجعة؛ فالمعلم يَعرف المحتوى بالفعل، ولا يحتاج إلى مراجعته، ولكن الطلاب هم مَنْ يحتاجون إلى المراجعة، وينبغي أن تُصمَّم المحاضرة لكي ينجز الطلاب هذه المهمة، مع وجود المعلم لتقديم التوجيه، ويُمكنهم أن يعملوا كلٌّ بمفرده أو في مجموعات، ولكن ينبغي لهم أن يحلوا المسائل، أو يُجيبوا عن أسئلة الامتحانات السابقة، أو كتابة الأسئلة المتوقَّعة في الامتحان، أو استنتاج المفاهيم الرئيسية من القراءات التي كُلِّفوا بها. وتبدأ إحدى استراتيجيات فافيرو (٢٠١١) بكتابة الطلاب أهم خمسة حقائق أو نظريات أو مفاهيم من المادة العلمية المقرَّر مجيئها في هذا الاختبار. ويناقش الطلاب قوائمهم بعضهم مع بعض، ويحسب فافيرو سريعًا البنود المذكورة في قوائمهم. وعند اللزوم يُضيف فافيرو المفاهيم التي أغفلها الطلاب، ويتعاون مع الطلاب على ترتيب الأولويات في القائمة، ويَستعين بالنشاط ليُركِّز جهود الطلاب لمذاكرة أهمِّ الموضوعات والمفاهيم.

وفي السياق ذاته، يستفيد الطلاب من إعداد دليلٍ للمذاكرة ومذكِّرات المراجعة، أما المعلمون فهم يَعرفون بالفعل كيف يُعدُّون هذه المواد التعليمية. إنني أُحمِّل طلابي مسئولية عدم تغطية المادة الدراسية داخل قاعة الدراسة. ومِن ثمَّ، تتسبَّب فكرة الاضطرار إلى تحديد ما قد يحتاجون إلى معرفته من القراءات التي لم تخضَع للمناقشة في ذعر بالغ. ومِن أجل مساعدة الطلاب على الاستعداد وتخفيف حدة الاضطراب، أُوزِّع الطلاب في مجموعات دراسية للمذاكرة معًا، وأُخصِّص لكل مجموعة جزءًا مختلفًا من هذه المادة الدراسية، وأُكلِّفهم بمهمة تحضير مذكِّرات مراجعة لباقي الفرقة الدراسية. تُوزَّع هذه المذاكرات قبل الاختبار، وإذا ما استخدمها الطلاب للمذاكرة فإنهم يُقيِّمونها، ويُقدِّمون تقييمًا للمادة العلمية الخاصة بكل مجموعة. وعدد الدرجات المحتَسبة على هذا النشاط صغير.

ويمكن أن يُطلَب من الطلاب، على المستوى الفردي أو الجماعي، كتابة أسئلة متوقَّعة في الاختبار ويُحضرونها معهم في المحاضرة الخاصة بالمراجعة. قبل استخدام هذا الأسلوب، لم أكن أُدرك القدر الذي يُركِّز به الطلاب على الإجابات، فهؤلاء الطلاب يتذكَّرون القوائم والتفاصيل، أحيانًا دون فهم أي سؤال يجيب عنه المحتوى. ويَستفيد الطلاب من كتابة الأسئلة المتوقَّعة في الاختبار بطريقتَين أُخريَين؛ فهذا النشاط يُجبرهم على اتخاذ قرار بخصوص ما سيأتي في الاختبار، ويمكن أن يُوضِّح طريقة تفكيرهم حيال نوعية الأسئلة التي سيجدونها في الاختبار. يكتب طلابي المستجدُّون أسئلة تَختبر القدرة على تذكر التفاصيل، وأسئلة ذات إجابة واحدة صحيحة قطعًا، وتُبيِّن لهم مقارنة نماذج أسئلتي بنماذج أسئلتهم الاختلافات، وعادةً ما تُشجِّع على الاستعداد للاختبار بمزيد من الجدية، ويكون رد فعلهم على غرار: «أسئلتك أصعب كثيرًا من أسئلتنا.» وأخذ بعض أعضاء هيئات التدريس (جرين، ١٩٩٧) تطوير الطالب لأسئلة الاختبار إلى مستوًى أعلى، مشجِّعين الطلاب على ابتكار أسئلة لكل وحدة من وحدات المحتوى، جامعين هذه الأسئلة في قاعدة بيانات متاحة للفرقة الدراسية بأكملها، ثم مُستعينين بعدد كبير من هذه الأسئلة في الاختبار. إليك تحذيرًا واحدًا: لا تتوقَّع من الطلاب الذين لم يكتبوا أسئلة اختبارات من قبل أن يكتبوا أسئلة جيدة في البداية، إنها مهارة أخرى ضمن تلك المهارات التي تُنمَّى على نحو أفضل حين يُعطى للطلاب بعض التعليمات، وتُتاح لهم الفرص للممارسة.

الاختبارات: لا تُشجِّع الاختبارات على التَّعلُّم العميق ما لم تُحفِّز الأسئلة الطلاب على التفكير، وثمة دليل على أن أسئلة الامتحانات لا تفعل ذلك بصفة مُنتظمة كما ينبغي لها. في إحدى الدراسات (مومسين ولونج ووايز وإيبرت-ماي، ٢٠١٠)، جمع الباحثون اختبارات من ٥٠ عضوًا من أعضاء هيئات تدريس مادة الأحياء، يُدرِّسون ٧٧ مقررًا تمهيديًّا مختلفًا لمادة الأحياء. وكشف تحليلهم لأسئلة هذه الاختبارات عن نتيجة مذهلة: «من البنود الخاضعة للتقييم البالغ عددها ٩٧١٣ بندًا في هذه الدراسة … صُنِّفت ٩٣٪ من الأسئلة ضمن المستوى الأول أو الثاني من تصنيف بلوم للأهداف التعليمية؛ أي فيما يتعلَّق بالمعرفة والفهم. و٦٫٧٪ من الأسئلة صُنِّفت ضمن المستوى الثالث، وأقل من ١٪ من الأسئلة صُنِّفت ضمن المستوى الرابع أو مستوًى أعلى» (ص٤٣٧). تشجع الأسئلة التي تختبر استرجاع المعرفة والفهم الطلاب على تذكر التفاصيل واكتساب فهم سطحي للمحتوى، وهو أمر نادرًا ما يَحتفظون به في ذاكرتهم.

وجزء من المشكلة هنا مُباشر: الأسئلة التي تُشجِّع الطلاب على التفكير أصعب كثيرًا في كتابتها وصياغتها، وهذا يفسِّر لماذا لا يوجد الكثير منها في بنوك الأسئلة التي يُقدِّمها ناشرو الكتب الدراسية. وهذا ليس بسبب أن أسئلة الاختيار من متعدِّد أقل تحفيزًا للتفكير بطبيعتها؛ فالأسئلة الخاصة باختبار الاستعداد الدراسي (سات)، واختبار القَبول بالجامعات الأمريكية (أكت)، هي أسئلة اختيار من متعدِّد، والكثير منها أسئلة في غاية الصعوبة. إذا كانت الاختبارات تُوزَّع ثانيةً على الطلاب، إذَن يجب أن تُبتكَر أسئلة جديدة لكلِّ فرقة دراسية جديدة. ويُمكن الاحتفاظ بالأسئلة الجيِّدة إذا كان يمكن للطلاب الوصول إلى ورقة اختباراتهم (حين تُعاد إليهم ورقة الاختبار، ومِن ثَمَّ داخل مكتب الأستاذ)، ولكن لا تَبقى في حوزتهم. بهذه الطريقة، يمكن إعادة تدوير الأسئلة، وعلى مدار السنوات يُمكن تطوير مجموعة أسئلة ومُراجَعتها وإعادة استخدامها.

وظروف الاختبارات ثابتة غالبًا، يَعمل الطلاب بمفردهم في إطار قيود زمنية، دون إمكانية الوصول إلى مصادر خارجية أو معرفة متخصِّصة، وتحت المراقبة من أجل منْع أو تقليل فُرَص الغش المتاحة أمامهم. وعندما تتوقَّف لبرهة وتُفكِّر في الأمر، ربما تستنتج أن ثمة شيئًا زائفًا بعض الشيء بخصوص الطريقة التي نَختبر بها ما تعلَّمه الطلاب. متى تجد نفسك، في أي مرحلة من مراحل حياتك المهنية، مضطرًّا إلى إبراز كل ما تعرفه خلال خمسين دقيقة، ودون إمكانية الوصول إلى مصدر معلومات أو الاستعانة بالآخرين؟ ومن أجل تقليل حدَّة التوتر الذي يشعر به الطلاب، ومن أجل جعل ظروف الامتحانات أكثر واقعية قليلًا، بعض أعضاء التدريس يَسمحون للطلاب أن يجهزوا قصاصة ورقية للغش يُمكنهم الاستعانة بها أثناء الاختبار. وفي إطار مواصفات معينة لحجْم قصاصة الغش، ربما يدرج الطلاب أي معلومات — حقائق ومعادلات ورسومات بيانية واقتباسات وتعريفات — يظنون أنهم قد يحتاجون إليها للإجابة عن أسئلة الامتحان. إنَّ تجميع هذه المعلومات يجبر الطلاب على اتخاذ خيارات بشأن ما يحتاجون إلى معرفته، وهذا يُساعدهم على تقدير مستوى فهمهم. ويلاحظ جانيك (١٩٩٠، ص٢) المفارقة: «إنَّ ابتكار قصاصة ورقية جيدة للغش أشبه بنقيض الغش، ألا وهي المذاكرة.» وبعض أعضاء هيئات التدريس يجعلون الطلاب يُقدِّمون القصاصات الورقية للغش مع أوراق الإجابة عن الاختبار، ويَستخدمها أعضاء هيئات التدريس ليُبيِّنوا لكل طالب على حِدَة أو للفرقة الدراسية بأكملها أنه كان لديهم المعلومات التي يحتاجونها في القصاصة الورقية، إلا أنهم لم يكونوا قادِرين على استخدامها. ويُمكن أن يكون هذا تقييمًا مفيدًا في حال إعداد الطلاب قصاصات ورقية للغش من أجل الاختبارات التالية.

في الفصل الثالث، وصفْتُ بعض نماذج الاختبارات الجماعية. وأوضحت هذه النماذج طرقًا فعالة لاستغلال الطاقة التي تنتجها تجربة خوض الاختبارات وإعادة توجيهها نحو بلوغ نواتج التَّعلُّم. إن مناقشة المحتوى مع الطلاب الآخَرين يُشجِّع على الفهم، فهذا يُوضِّح التفاصيل، ويُثير التساؤلات، ويُقدِّم فرصة مكثَّفة للتعامل مع المحتوى. ويُصرِّح الطلاب باستمرار أنَّ نماذج الاختبارات الجماعية تُقلِّل من الشعور بتوتر الامتحانات أيضًا (على سبيل المثال، انظر باندي وكابيتانوف، ٢٠١١).

وصفتْ لي ساندر خيارًا لإعداد الاختبار النهائي منحتُه لطلاب مقرَّرات مادة الرياضيات (وايمر، ١٩٨٩). وهذه الاختبارات النهائية التي يَبتكرها الطلاب تخضع للتقييم بِناءً على أمور مثل: تطوير المسائل (تُقيَّم وفقًا لأهداف المادة الدراسية)، وحلولها (متضمِّنة احتمالات توزيع الدرجات)، وقيمة الدرجة المخصَّصة لكل مسألة (تُقدَّر أهميتها فيما يتعلق بالمحتويات الأخرى للمادة). وكان الجانب الأكثر إقناعًا في هذا الأسلوب هو عدد الطلاب الذين أفادوا بأنهم قضوا وقتًا أكثر، على نحو ملحوظ، في إعداد الاختبار النهائي مقارنةً بالوقت الذي قد يقضونه في مذاكرة المادة نفسها.

ومن أجْل بديل آخَر مُثيرٍ للاهتمام، انظر مقال كارين إليري (٢٠٠٨)، الذي يُقدِّم خطة امتحانات تَشتمل على عنصرٍ للتقييم الذاتي. استجاب أسلوب كارين إليري لسوء جودة الاختبارات ذات الأسئلة المَقالية التي يَكتبها طلاب السنة الثانية. وبعد أحد هذه الاختبارات، الذي رسب فيه ٥٠ بالمائة من الطلاب، قدمتُ تقييمًا (وليس تقديرات دراسية) لإجابات الاختبار للفِرقة الدراسية بأكملِها (وليس تقييمًا لاختبارات فردية)، وعلَّقتُ أنَّ الإجابات لم تكن مُصاغة على نحو جيد، واشتملتْ على محتويات غير ذات صِلة بموضوع السؤال، وافتقرتْ إلى المحتوى وثيق الصِّلة به، وأن مشكلات الكتابة أثَّرت سلبًا على جودة الإجابة، بالإضافة إلى ذلك، قدمتُ للطلاب نماذج الإجابة عن السؤال المقالي، ثم منحتُ الطلاب الفرصة للإجابة عن اختبار مقاليٍّ ثانٍ بأسئلة تحليلية وتطبيقية مختلفة، ولكنها على القدر نفسه من الصعوبة، وقدَّم الطلاب كلا الاختبارَين: الأول والثاني، ولكنهم اختاروا أيَّ واحد منهما أرادوا تصحيحه وحساب الدرجات على أساسه. اختار سبعة وستون بالمائة من الطلاب الإجابة عن اختبار ثانٍ، وعلى الرغم من أنَّ الكثير منهم وجدوا أن عملية الاختيار عملية صعبة ومثيرة للتوتر، فإن ٨١ بالمائة اختاروا بالفعل الاختبار الأفضل من الاختبارَين. كما بيَّن هذا المثال — والأمثلة الأخرى — توجد بدائل لأساليب الاختبار التقليدية التي نَستعين بها. وهي تَستحقُّ الوضع في الاعتبار إذا ما كان الهدف هو تعظيم النتائج التعليمية المرجوَّة، التي تُعتبر جزءًا متأصِّلًا من تجربة خوض الاختبارات.

محاضرة تصحيح إجابات الاختبار: عادةً ما يستعرض المعلمون الأسئلة التي فشَل معظم الطلاب في الإجابة عنها، مقدمين الشرح والتوضيح باستفاضة، وهذا الأسلوب المتَّبع لا يستغلُّ فرصة الاستفادة التعليمية التي لا تَزال قائمةً بعد الانتهاء من الاختبار؛ فالمعلمون لا يحتاجون إلى تصحيح الإجابات، ولكنَّ الطلاب يحتاجون إلى ذلك، وسواء أكان الطلاب في مجموعات أم فُرادى، قد يُمنحون الفرصة للبحث عن الإجابات الصحيحة وتصحيح أخطائهم، وربما يَحدُث هذا أثناء محاضرة تصحيح إجابات الاختبار، أو ربما يُؤدِّي الطلاب المَهمَّة في المنزل ليُنجزوها قبل حضور المحاضرة التالية. ربما لا تُرصد درجاتهم حتى يُصحِّحوا أخطاءهم، وربما يحصلون على بضع نقاط أكثر إذا ما انتبَهوا إلى جميع أخطائهم.
هذا يقود إلى مسألة فُرَص الحصول على درجات إضافية مُرتبطة بتجارب خوض الاختبارات. لا توجد الكثير من الأبحاث عن موضوع الدرجات الإضافية، ولكن لدينا براهين تُؤكِّد على أن معظم أعضاء هيئات التدريس يُعارضون بشدة بالغة منْح الطلاب الاختيارات الخاصة بالدرجات الإضافية (نوركروس وهوروكس وستيفنسون، ١٩٨٩؛ نوركروس ودولي وستيفنسون، ١٩٩٣). عندما اقترحتُ على مدوَّنتي أنه يمكن تصميم خيارات خاصة بالدرجات الإضافية لمنح الطلاب فرصة ثانية لتعلم المادة العلمية، كان هناك بعض الدعم، ولكن الكثير من المعارضة أيضًا (www.facultyfocus.com، ٢٠ يوليو، ٢٠١١). يتمثَّل الخوف في أنه حين تكون الدرجات الإضافية خيارًا متاحًا سيَعتمِد الطلاب — الذين يَميلون إلى الاعتقاد بأن جميع الدرجات الإضافية يَسهُل الحصول عليها — على هذه الدرجات، ويُذاكرون على نحو أقل. ولا زلت أؤيد خيارات الدرجات الإضافية الأساسية المصمَّمة جيدًّا باعتبارها فُرَصًا ثانية جيدة للتَّعلُّم. فَكِّرْ في هذه الأمثلة وقدرتها على استغلال حافز تحصيل الدرجات لتَحقيق محصلات تعليمية مُثمرة.

تُرفَق ديتير (٢٠٠٣) ورقة فارغة مع ورقة الاختبارات، ويستخدم الطلاب الورقة لإدراج أسئلة الامتحان التي لم يَستطيعوا الإجابة عنها، أو الإجابات التي لم يكونوا متأكِّدين من صحتها، ويأخُذون هذه الورقة معهم، ويحتفظون بها حتى المحاضرة التالية؛ وذلك ليبحثوا عن إجابات تلك الأسئلة، ويُسلِّم الطلاب أوراق الإجابة الكاملة، وتُرفقها ديتير ثانيةً مع ورق الاختبار خاصتهم، وتُصحِّح جميع الإجابات، مانحةً جزءًا من الدرجة للأسئلة التي أجابوا عنها إجابة صحيحة في الورقة الفارغة. وفي التعليقات الموجودة على المدوَّنة، لخَّص أحد أعضاء هيئات التدريس خيارًا آخر؛ حيث يحلُّ الطلاب الاختبار كلٌّ على حِدة أولًا، ثم يلتقون بأعضاء فريق التَّعلُّم الخاص بهم، ويُمنحون وقتًا مخصَّصًا لمناقشة أسئلة الاختبار القصير. ويُسمَح لهم أن يُغيِّروا الإجابات، أو إضافة معلومات للإجابات أثناء هذا الوقت، ولكنَّهم يُضيفون هذه التغييرات بقلم أحمر يُقدِّمه لهم المعلم. وفي هذه الأمثلة وأمثلة أخرى مشابهة، يُفيد الطلاب عادةً بأنهم يتعلَّمون الكثير حين يضطرُّون إلى تصحيح أخطائهم، أكثر مما يتعلمون حين يَسمعون المعلم يشرح الإجابة الصحيحة.

ويمكن أن تُصمَّم محاضرات تصحيح إجابات الاختبار أيضًا لمناقشة بعض القرارات التي اتخذها الطلاب بخصوص الاستعداد لخوض الاختبار، فحضور المحاضرات يَصنع فارقًا، يمكنك أن تقول هذا للطلاب، ولكنك تجعلهم يَستوعِبون الأمر على نحوٍ أفضل حين تُظهِر لهم الدليل. اعرض أعلى خمس درجات في الامتحان، وأحصِ عدد المرات التي تغيَّبت فيها تلك المجموعة من الطلاب عن حضور المحاضرات، ثم اعرض أقل خمس درجات وأحصِ عدد المرات التي تغيَّبت فيها تلك المجموعة عن حضور المحاضرات، ودَع الحقائق تتحدَّث عن نفسها: عدد كبير من الطلاب لا يُدوِّنون العدد الكافي من الملاحظات في المحاضرة، يُمكنك أن تَذكر ذلك أو يمكنك أن تُثبته. اختر سؤالًا أخطأ الكثير من الطلاب الإجابة عنه، ثم حدِّد تاريخ اليوم الذي تم فيه تغطية تلك المادة العلمية، واطلب من جميع الطلاب أن يُلقوا نظرة على ملاحظاتهم، هل لديهم ما يحتاجون إليه للإجابة عن السؤال؟ هل كانوا متغيِّبين وحصلوا على الملاحظات من شخص آخَر؟ هل يفهمون تلك الملاحظات؟ يُمكن لمناقشات سريعة كتلك أن تنتهي بجعل الطلاب يَكتبون بأنفسهم مذكرة قصيرة تتناول «الأشياء التي تعلمتها من هذا الاختبار، التي أودُّ أن أتذكَّرها عند الاستعداد للاختبار التالي»، كما أوضحنا في فصل سابق.

(٤) تنمية مهارات التقييم الذاتي وتقييم الأقران

يُمكن لأي واجب دراسي أو نشاط في المادة الدراسية أن يُحقِّق أكثر من هدف تعليمي واحد؛ فالاختبارات تُشجِّع على تحصيل المحتوى واستيعابه، كما أنها يُمكن أن تُستخدم لتنمية مهارات التَّعلُّم، ويُمكن أن تتضمَّن عناصر التقييم الذاتي وتقييم الأقران، كما أوضحَت الأمثلة السابقة. الأمر نفسه يَنطبِق حين يكون الهدف تنمية قدرات التقييم الذاتي وتقييم الأقران؛ فمن المُمكن أن تُصمَّم أنشطة تُحفِّز تنمية المهارات في هذه المجالات، وفي الوقت نفسه تُحقِّق تلك الأنشطة أهدافًا تعليمية أخرى، والكثير من الواجبات الدراسية والأنشطة التالية تُوضِّح كيف يُحقِّق هذا الأمر النتائج المرجوَّة منه.

أُواصل تشجيع الاطلاع على هذه الخيارات. تذكَّر السؤال الرئيسي لهذا الفصل: هل هذه الطرق لإشراك الطلاب في أنشطة التقييم الذاتي وتقييم الأقران تَحتفظ بنزاهة عمليةِ وضْع التقديرات الدراسية؟ هل هي طرق تُتيح للطلاب تنمية مجموعة مهارات مهمَّة لا تُخلُّ بالمسئولية الأخلاقية التي يتحمَّلها المعلمون لمنح شهادة تُبرهن على إتقان المادة العلمية ووضع التقديرات الدراسية؟

(٤-١) التقييم الذاتي: ملاحظة ما أفعله ومدى إجادتي له

إن التحلِّي بالقدرة على إلقاء نظرة ناقدة على عملك الخاص يكون أسهل بمجرد أن تُلقي نظرةً على عمل الآخرين، لا سيما الغرباء، إذا كان الطلاب لا يُجيدون الإجابة عن الأسئلة المقالية، اسمح لهم أن «يُصحِّحوا» بضع إجابات (افتراضية أو مجهولة الهوية) لأسئلة مقالية؛ لعلهم يقومون بهذا الأمر على انفراد، ثم يُقارنون تقييماتهم بتقييمات الآخرين. ولقد وجدتُ أنه من خلال توفير ثلاث إجابات بمُستويات جودة مختلفة، يُلاحظ الطلاب الاختلافات، ويُحدِّدون بدقة فعلًا الإجابة الجيدة والإجابة غير الجيدة، ويُمكنهم الاستعانة بتلك النماذج للإجابات ليَشرعوا في تحديد العناصر المعينة التي تُصنِّف إحدى المقالات على أنها ممتازة، والأخرى على أنها ضعيفة، وانطلاقًا من هذه النقطة، وبمساعدة المعلم، يُمكنهم أن يَبتكروا معايير الإجابات الجيدة للأسئلة المقالية في الامتحانات. بالنسبة إلى الطلاب، هذه تجربة تنويرية على مستوى عدة جبهات: فالطلاب يَفهمون بمزيد من الإيضاح ما الذي «يُريده» المعلم في الإجابة عن الأسئلة المقالية، وهكذا يُدرك الطلاب أنَّ بإمكانهم أن يُصدِروا أحكامًا دقيقةً على مدى جودة الإجابة، ويُمكنهم أن يَشرعوا في تطبيق ما تعلموه، بوجه عام، بخصوص الإجابات على إجاباتهم الخاصة على وجه التحديد.

تَرتبط تنمية مهارات التقييم الذاتي ببساطة أيضًا بالجهود الرامية لجعل الطلاب أكثر وعيًا بأنفسهم باعتبارهم مُتعلِّمين وأكثر تَحمُّلًا للمسئولية حيال القرارات التي يتخذونها بخصوص التَّعلُّم، فإذا أنجز الطلاب واجبًا منزليًّا بخصوص الكتابة الصحفية أو إعداد مذكِّرات تُلخِّص القراءات المَفروضة وتتفاعَل معها (كما وصَف باروت وشيري، ٢٠١١، وكما نوقش في الفصل الخامس) يُمكن أن ينتهي تجميع الكتابات باستعراض الطلاب ما كتَبوه، وإعداد مقالة تأملية تصف إلى أي مدًى تغيرت أفكارهم ونمَت مهاراتهم. وحين تَطلب من الطلاب الكتابة عن مهاراتهم، دائمًا ما يكون من المفيد أن تَطلُب منهم تحديد تلك الجوانب الخاصة بالمهارات التي تحتاج إلى مزيد من التنمية. ومع واجبات دراسية كهذه، يجب أن تُوضِّح للطلاب أن «النقاط» لا تُمنَح لأنهم يدَّعون بأنهم تعلموا «الكثير جدًّا» في هذه المادة الدراسية، وإنما تُمنَح لهم على مستوى البصيرة والقُدرة على استدعاء الدليل لإيضاح صحة ادعاءاتهم ودعمها.

ثمة نوعية أخرى من الكتابات التأمُّلية يُمكن تقديمه بعد إجراء عرض تقديمي، أو أداء مهمَّة، أو القيام بأي نوع آخَر من الأنشطة، على سبيل المثال، إذا شارك الطلاب في مشروع جماعي ممتدٍّ على مدار عدة أسابيع يتضمَّن إنتاج مُنتَج قابل للتقييم، يُمكن أن يُطلب من الطلاب التفكير في مدى إجادة المجموعة للعمل، وقدْر الفائدة التي تحقَّقت بإسهاماتهم، وما الذي كان بإمكانهم أن يُساهموا به لمساعدة المجموعة على نحو أكبر. أستعين في مادتي بفرْض دراسيٍّ قائم على إجراء مقابلات شخصية؛ حيث تُجري المجموعات الطلابية مقابلةً شخصيةً مع مرشَّحين مُتنوِّعين للوظيفة، ويَختارون واحدًا من بينهم. يَكتب المرشَّحون للوظيفة تقريرًا يَصفون فيه الإجابات التي ردُّوا بها على الأسئلة المتنوعة للمُقابلة الشخصية، ويُقيِّمون هذه الإجابات. والأهم من ذلك، يَذكرون كيف كانوا سيُحسنون إجاباتهم لو طُرحَت عليهم الأسئلة نفسها.

إليك مثالًا يُوضِّح التفاصيل العديدة الضرورية، في حالة إذا ما اشترك الطلاب فعلًا في عملية وضْع التقديرات الدراسية: في الفصل الرابع، أشرتُ إلى أنَّ الطلاب في مادة مقدمة للتواصُل اللفظي التي أُدرِّسُها ابتكروا سياسة المشاركة داخل قاعة الدراسة، والتي استُخدمت حينئذ لتقييم مشاركتهم، ومع تطبيق تلك السياسة أنجز الطلاب مهمَّة التقييم الذاتي، التي أوضحتْ كيف شاركوا عادةً في المواد الدراسية، واستعانوا بذلك التقييم ليُحدِّدوا أهدافًا واقعية (وكذلك أهدافًا قابلةً للقياس والملاحظة) لهذه المادة، ويجب أن يقترحوا أهدافًا تتناسب مع السياسة التي ابتكرتْها الفِرقة الدراسية وتطوُّرها.

بعد تطوير هذه الأهداف بفترة قصيرة، أحدِّد شريكًا للطلاب الذين يؤدُّون هذا الواجب الدراسي (تذكر أن طلابي يَختارون الواجبات الدراسية التي يؤدُّونها). يتبادَل الشركاء (كتابةً) أهداف المشاركة الفردية الخاصة بهم. وعلى مدار الأسبوعين التاليَين، يُراقب الشركاء بعضهم بعضًا ليُسجِّلوا أي سلوكيات خاصة بالمشاركة يلاحظونها. ويدهشني باستمرار إلى أيِّ مدًى يحفِّز الأقران بفاعلية تغيير السلوكيات. ويعبِّر الطلاب، الذين لم يتحدَّثوا من قبل داخل قاعة الدراسة، عن آرائهم في أول يوم يُراقبهم فيه شريكهم في المهمة. تُناقش استجابات الطلاب بمزيد من التروِّي والسلوكيات المذكورة في أهداف المشاركة الخاصة بهم، وتوجد دومًا الكثير من التدخُّلات أثناء هذَين الأسبوعين أكثر من أي وقت آخر في دراسة المادة.

وفي نهاية فترة المُراقَبة، يعدُّ كل شريك خطابًا لتقييم ما لاحظه. ويجب أن يُقدِّموا أمثلة محددة؛ فمَمنوع الإطراءات العامة أو الاتهامات العامة. تتسم الخطابات التي يُعدُّونها جميعها بأنها إيجابية وبنَّاءة، مُشتمِلة عادةً على تشجيع إذا لم يُحقِّق الشريك الأهداف. ثم يَستخدم الطلاب هذه التقييمات والتقييمات الخاصة بهم لإعداد تقرير إحراز التقدُّم. أستجيب بتقييمي التقدُّم الذي أحرزوه لتحقيق أهدافهم، وإذا كان الطلاب على الطريق الصحيح لتَحقيق الأهداف، أُشجِّعهم على التفكير في أهداف تتسم بمزيد من الصعوبة، وأمنحُهم الخيار لجعل الواجب الدراسي يستحقُّ المزيد من الدرجات إذا اختاروا أهدافًا تتسم بمزيد من الصعوبة.

وفي نهاية المادة الدراسية، يُحضر الطلاب مذكرة قصيرة وأخيرة عن التقييم الذاتي، وأكرِّر مرة أخرى، يجب أن يكون الدليل الوارد فيها محدَّدًا، بما في ذلك التواريخ وأوصاف ما أنجَزوه بالتحديد، ويَختتمون مُذكِّراتهم القصيرة بذكر عدد الدرجات المتوقَّعة، التي يؤمنون أنهم سيَحصُلون عليها. وقبل أن أقرأ هذه المذكِّرات القصيرة أُقرِّر عدد الدرجات التي أظنُّ أنهم سيحصلون عليها. أتابع مَنْ منهم يُؤدِّي أي الواجبات الدراسية وأنشطة المادة الدراسية، وذلك من خلال سجلِّ سير التَّعلُّم الذي أعمل عليه بعد كل محاضرة بمدة تتراوح ما بين خمس وعشر دقائق، وأَعرض إجمالي درجاتي على الطلاب، ولكن ما دام الفارق بين إجمالي الدرجة التي توقَّعَها الطلاب وإجمالي درجتي في حدود ثلاث درجات، أُسجِّل الرقم الأكبر. في البداية، كنتُ قلقة بشأن ما إذا كان هذا الأسلوب سيُؤتي ثماره أم لا، لكن باستمرار (عادةً ٨٥ بالمائة من الوقت)، وعلى مدار عدة فصول دراسية، كان الفارق بين الدرجات التي توقعها الطلاب ودرجاتي في حدود ثلاث درجات. وعندما لا يكون هناك فارق، يُمثِّل التقييم البخس مشكلة أكبر من التقييم المفرط، وعادةً ما تكون الطالبات أكثر بخسًا لقيمة إسهاماتهنَّ مقارنةً بالطلاب.

لن أكون صادقة لو لم أعترف بأن هذا الواجب الدراسي مرَّ بالعديد من المراحل المختلفة قبل أن يصل إلى الشكل الذي وصفته هنا؛ فمِن الصعب أن تُنفِّذ واجبات دراسية كهذه على نحو صحيح من أول مرة. ولكن انتهى المطاف بواجبٍ دراسي أشعُر بأنه حقَّق عددًا من الأهداف المختلفة؛ فلقد وفَّر للطلاب تجربة موضوعية للتقييم الذاتي، جعلتْهم مُدركين لطريقة مشاركتهم، وفي معظم الحالات طوَّرت هذه التجربة مهارات المشاركة، ووصلت بها إلى مستوًى جديد أدركه الطلاب، وعبَّروا عنه بكل فخر، وربما يتمثَّل أفضل شيء على الإطلاق قامت به هذه التجربة هو إتاحة قدر أكبر وأفضل من التفاعل داخل قاعة الدراسة.

(٤-٢) تقييم الأقران: ملاحظة أن بإمكاني تقديم تقييم مفيد والحصول عليه

على الرغم من أن كثيرًا من المعلمين يَشعُرون بالإحباط من مستوى جودة التقييم الذي يُقدِّمه الطلاب عندما يتبادَلون مع الأقران تقييم بعضهم كتابات بعض، فإنه يُمكن معالجة المشكلات الناجمة عن ذلك عن طريق تَصميم الأنشطة على نحو أفضل، والاعتراف بأنَّ مهارة تقديم تقييم مفيد مهارة لا يتحلى بها معظم الطلاب أثناء الدراسة الجامعية. ومنذ أن سمعتُ بقاعدة العشرين دقيقة لشيلي (التي ابتكرتها إي شيلي ريد التي تُدرِّس مادة اللغة الإنجليزية بجامعة جورج مِيسون)، وأنا أوصي بها: «أي شيء تُريد الطلاب «فعلًا» أن يعتمدوا على أنفسهم للقيام به على مستوى عميق من المشاركة، وتتشكَّك في أنهم ربما لم يفعلوه من قبل، إذَن يجب عليكم أن تفعلوه معًا — داخل قاعة الدراسة — لمدة عشرين دقيقة.» ومن أجل إعداد الطلاب لتقييم كتابات الأقران، توصي رِيد أن تبدأ بابتكار معايير للتقييم ومناقشتها، وَزِّعْ نصوصًا «نموذجية» وناقشها، وخَصِّصْ وقتًا للطلاب؛ لكي يتمرَّنوا على هذه النصوص، ثم شارك التعليقات المناسبة وناقشها، وإحدى الطُّرق الرائعة لبدء مناقشة التعليقات المناسبة هي أن تسأل الطلاب أن يُشاركوا التعليقات التي كتبها أعضاء هيئة التدريس على أبحاثهم وكانت مفيدة (أو غير مفيدة).

بالنسبة إلى الطلاب الذين تعلموا انتقاد بعضهم كتابات بعض، تَقترح ليندا نيلسون (٢٠٠٣) مجموعة من الأسئلة التشجيعية التي لا تتطلَّب مباشرة إصدار أحكام، وإنما أسئلة تشجيعية يستطيع أي طالب أن يجيب عنها، بغضِّ النظر عما إذا كان يعرف قواعد التخصُّص الدراسي أم لا، وهذا يتطلب الاهتمام الشديد بتفاصيل العمل، وإليك بعض الأمثلة من قائمة أطول بكثير واردة في مقال ليندا نيلسون: ما الصفة أو الصفتان (بالإضافة إلى «قصير» أو «طويل»، «جيد» أو «سيئ») اللتان تودُّ اختيارهما لوصف عنوان هذا البحث؟ ضع نجومًا حول الجملة التي تَعتقد أنها الجملة الرئيسية التي تُوضِّح فكرة هذا البحث. ضع خطًّا (بقلم ملون) تحت أي فقرات كان يتعيَّن عليك قراءتها أكثر من مرة لتفهم ما الذي كان يقوله الكاتب. ضع أقواسًا حول أي جمل تجدُها ذات تأثير وفعالية على وجه خاص.

يُعدُّ اتجاه تضمين نشاط الكتابة في المناهج الدراسية اتجاهًا راسخًا في الوقت الحالي، ويُعتبَر تقييم الأقران واحدًا من الأنشطة المُوصى بها من البداية، نتيجةً لذلك، يوجد الكثير من المصادر الجيدة التي تحتوي على مجموعة من الأمثلة والنصائح المفيدة، وأحد أفضل المصادر هو كتاب بِين بعنوان «أفكار الإشراك»، والذي صار من الأعمال الكلاسيكية في الوقت الحالي (الطبعة الثانية الصادرة عام ٢٠١١).

المثال المُفصَّل الذي أذكره هنا يستعين بتقييم الأقران في إطار عمل جماعي، عادةً ما يعتبر تقييم الأقران بمنزلة وسيلة للوقاية من مشكلة انتفاع بعض أعضاء المجموعة من الدرجات الخاصة بالمجموعة من دون أن يَبذلوا الجهد المطلوب، على الرغم من أنَّ الجميع لا يوصون باستخدام تقييم الأقران في إطار العمل الجماعي أو استخدام التقدير الجماعي، كحلٍّ لهذه المشكلة. يؤمن أنصار التَّعلُّم التعاوني بأن العمل الجماعي يجب أن يُصمَّم بحيث يتمُّ الحفاظ على عنصر «المسئولية الفردية». بعبارة أخرى، تُحسَب التقديرات الدراسية على العمل الفردي، ولا يتساوى أعضاء المجموعة، الذين لم يَعملوا بقدر مُتساوٍ على الأرجح، في هذه التقديرات الدراسية، ومِن أجل مُلخَّص موجز ومنطقيٍّ انظر كاجان (١٩٩٥).

تتسم الحُجَج في كلا الجانبين بأنها مُثيرة للاهتمام، وتستحق الاطلاع قبل أن تُقرِّر ما إذا كنتَ ستستعين بالتقديرات الجماعية وتقييم الأقران. وثمَّة مواضع في المُنتصَف بين الخيارَين، وهذا الموضع هو ما انتهيتُ إليه. تُقسَّم الدرجة إلى جزأَيْن؛ جزء يعتمد على المنتج الذي تنتجه المجموعة، وكل فرد في المجموعة يحصل على هذه الدرجة، والجزء الآخر يتمثَّل في درجة فردية تعتمد بالأساس على تقييم الأقران.

في البداية، لا يكون الطلاب متحمِّسين للغاية حيال تقييم بعضهم إسهامات بعض في المجموعة؛ فثمَّة الكثير من التعليقات القائمة على تبادُل المجاملات: «لقد ساهم الجميع على نحو متساوٍ في هذه المجموعة، لقد عملنا جميعًا بكد.» وثمة حلٌّ بسيط يظهر في هذه الحالة، ألا وهو أن يضطرَّ أعضاء المجموعة إلى تقييم إسهامات الآخرين وتصنيفها؛ حيث إنهم يُقيِّمونها وفقًا لمقياس مُتدرِّج من ممتاز إلى ضعيف، ويُمكنهم أن يمنَحوا أي عدد يَشاءون من تقييم «ممتاز»، كما أنهم يُصنِّفون إسهامات الآخرين بدرجات تتراوح من ١ إلى ٥، ولا يمكنهم سوى إعطاء درجة واحدة لكل فرد، أي كل فرد يأخذ إما ١ أو ٢ أو ٣ وهكذا.

ويتعامل هذا الحل البسيط مع مسألة مَن الذي عمل جاهدًا، ومن الذي لم يعمل، إلا أن هذا الحل لا يفعل الكثير بخصوص تنمية مهارات تقييم الأقران، أو يُوفِّر للطلاب تجربة تبادل التقييمات. ومن الأفضل البدء في تنمية هذه المهارات عن طريق جعل الطلاب يَستعينون بمجموعة من المعايير لتقييم الإسهامات الخاصة بزملائهم، وعن طريق استعراض شامل للأدبيات التربوية، تُحدِّد ديان بيكر (٢٠٠٨) السلوكيات الثمانية الأكثر شيوعًا التي تُستخدم لتقييم إسهامات الأفراد حيال المجموعات وداخلها:
  • (١)

    حضور الاجتماعات.

  • (٢)

    التحلي بالموثوقية والوفاء بالمواعيد النهائية.

  • (٣)

    إنجاز عمل ذي جودة عالية.

  • (٤)

    بذل الجهد، القيام بالنصيب المحدد من العمل وأحيانًا أكثر من ذلك النصيب.

  • (٥)

    التعاون وإجادة التواصل مع أعضاء المجموعة.

  • (٦)

    إجادة التعامل مع النزاعات داخل المجموعة.

  • (٧)

    تقديم الإسهامات المعرفية.

  • (٨)

    المساعدة في وضع أهداف المجموعة، وتحديد المهامِّ، وتكليف الأعضاء بإنجازها.

تُقدِّم ديان بيكر نماذج طويلة وقصيرة لتقييم الأقران، مستعينة بهذه المعايير، ويُعدُّ مقالها مصدرًا ممتازًا يمكن الاعتماد عليه.

إنَّ تحديد الطريقة التي يُسهم بها أعضاء المجموعة بفاعلية في أداء المجموعة ككل يَرفع وعي الأفراد، وفي الوقت نفسه يُمكنهم من تقديم التقييم بعضهم لبعض. ويكون هذا التقييم مفيدًا أكثر عندما يكون هناك وقت أمام الأفراد كي يُعدِّلوا سلوكهم. والحصول على التقييم بعد الانتهاء من المشروع أفضل من عدم الحصول عليه مطلقًا، إلا أن تبادُل تقييم بنَّاء بعد أن تبدأ المجموعة العمل يُمكن أن يمنع تفاقم المشكلات، ويُحسِّن الأداء العام للمجموعة أيضًا. وإذا كان الطلاب مستجدِّين على أنشطة تقييم الأقران، فإنهم يستفيدون من وجود معلم ييسِّر لهم تبادل التقييمات لأول مرة. أجعل طلابي يُقيِّمون إسهامات كل عضو في المجموعة باستثناء أنفسهم، كما أنهم يُجيبون عن بضعة أسئلة مفتوحة الإجابات، تخص الأداء العام للمجموعة. أُصنِّف الدرجات وأُسلِّم النتائج للطلاب إلكترونيًّا، ثم ألتقي بكل مجموعة، وأبدأ بمناقشة بعض التعليقات على ردودهم على الأسئلة المفتوحة، وأسأل عما إذا كان لدى أحد منهم سؤال بخصوص التقييم الذي تلقَّاه يودُّ أن تُناقشه المجموعة. وعادةً ما أختتم المناقشة بالحديث قليلًا عن قيمة مُناقشة المجموعات بانتظام لعمليات التقييم التي يستعينون بها، بما في ذلك مدى إجادتهم أو عدم إجادتهم للعمل الجماعي.

ومن الممكن إشراك الطلاب الأكثر خبرة في عملية تطوير المعايير التي سيَستعينون بها في تقييم إسهامات بعضهم لبعض. وبعد تخصيص المشروع الجماعي لكل مجموعة وتوفير الفُرصة لتطوير فهمٍ واضح لما يستلزمه هذا الأمر، يُمكن أن يُطلَب منهم تحديد ما سيتعين على أعضاء المجموعة الإسهام به بصفة فردية لكي تُنجِز المجموعة المشروع بنجاح. وهنا أيضًا لم يجد مَن استعان منا بهذا الأسلوب أن الطلاب انتهزوا هذه الفرصة. وبصفة عامة، فإنهم يَبتكرون معايير قابلة للتطبيق، ويُمكنهم تقديم معاييرهم المقترحة إليك للمراجعة والتصديق عليها، إذا كان يُساورك القلق حيال هذا الأمر. ثم إذا استخدموا هذه المعايير في تقييم أقرانهم، يمكن أن يُختتَم الواجب الدراسي بإعادة التفكير من جانبهم في مدى ملاءمة تلك المعايير المحدَّدة.

(٥) مشكلات التطبيق

ثمة مشكلتان بخصوص التطبيق يَستحقان إعادة النظر فيهما سريعًا، على الرغم من إثارة كلتا المشكلتَين في مواضع أخرى بهذا الفصل: المشكلة الأولى مُتعلِّقة بأهمية التقديرات الدراسية وتحفيز الطلاب على الحصول على تقديرات جيدة، سواء أجاءت هذه التقديرات مُصاحبةً لتجربة تَعلُّم مثمرة أم لا، وكلا الأمرَين من القوى المؤثرة، وعادةً ما تبدو الجهود المبذولة لجعل الطلاب يُركِّزون على التَّعلُّم مُهْدَرَة. دائمًا لا يُقدِّر الطلاب إشارات المعلمين الدائمة إلى أهمية التَّعلُّم، ولا يبدو أن هذه الإشارات تحدث أي فارق يذكر؛ فالصخرة تَستلزم كثيرًا من الطَّرْق عليها حتى تتحطَّم في النهاية، وتوصيل الرسالة يتطلب الصبر والمثابرة، والمعلمون الذين يتبعون التدريس المُتمركِز حول المتعلم يؤمنون بالرسالة، ولن يَستسلِموا أبدًا. وفي بعض القاعات الدراسية ومع بعض الطلاب، يؤتي الصبر والمثابرة ثمارهما، ويَشرع الطلاب في رؤية التقديرات الدراسية والتَّعلُّم من منظور أفضل.

المشكلة الثانية الخاصة بالتطبيق تتعلَّق بالتصميم المدروس والمُبتكَر المطلوب لكي يلعَب الطلاب دورًا ذا أهمية في عملية التقييم، وهذا التصميم ضروريٌّ؛ لأنَّ التأكيد على التقديرات الدراسية يؤثر على موضوعية الطلاب تأثيرًا سلبيًّا، ولكن الأمر يستحقُّ الاهتمام؛ لأنه حين تُمثِّل أنشطة التقييم الذاتي وتقييم الأقران أهمية، فإنَّ الطلاب يتعاملون مع هذه الأنشطة بمزيد من الجدية. إنَّ السماح لتقييماتهم بأن تُمثِّل أهمية هو توضيح رائع لاستغلال حافز الحصول على تقديرات دراسية، وتوجيهه نحو اتجاه أكثر إنتاجية، وكما أوضحتُ عدة أمثلة في هذا الفصل، ثمة طُرق لإشراك الطلاب، ولكن يجب أن يكون النشاط مُصمَّمًا بحرص وتأنٍّ، بحيث لا يستغله الطلاب لمصلحتهم الشخصية حتى لا تتأثر نزاهة عملية التقييم تأثرًا سلبيًّا.

•••

باختصار، استعرضَ هذا الفصل التغيير الأخير اللازم لجعل التدريس مُتمركزًا أكثر حول المتعلم. يجب أن يتغيَّر الغرض من التقييم والعمليات المُرتبطة به، ويَمنح المعلمون الدرجات للطلاب لسببين: لمنْح شهادة تُبرهن على مستوى إتقان المادة العلمية الذي حقَّقه الطلاب، ولأنَّ إنجاز عمل يخضع للتقييم يشجع على التَّعلُّم. ولقد صارت التقديرات الدراسية أهمَّ من التَّعلُّم بالنسبة إلى الطلاب (وإلى بعض المعلمين). ويعمل المعلمون، الذين يتبعون التدريس المُتمركِز حول المتعلم، على إحداث توازُن أفضل بين التقديرات الدراسية والتَّعلُّم، وهما الغرضان من وراء التقييم. يجب أن تتغيَّر عمليات التقييم أيضًا؛ إذ ينبغي أن تُستخدَم لمساعدة الطلاب على تنمية مهارات التقييم الذاتي وتقييم الأقران. قَدَّمَ هذا الفصل الكثير من الأمثلة التي تُبرز كيف يمكن للمعلمين أن يجعلوا الطلاب يُركِّزون على التَّعلُّم، وكيف يمكن إشراك الطلاب في أنشطة التقييم التي تبني مهاراتهم. هل هذه الأنشطة تمسُّ نزاهة عمليات وضع التقديرات الدراسية؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يسأله كل معلم عند التفكير في منح الطلاب دورًا بهذه الأهمية في عمليتَي التدريس والتَّعلُّم.

على الرغم من كل ما يحتاج إلى تغيير في هذا المقام — وبالنسبة إلى الكثير من المعلمين ما يَقترحه هذا الفصل قد يبدو كثيرًا — فسيظلُّ شيءٌ أساسي للغاية على حاله كما هو؛ فما زال المعلمون يتحمَّلون مسئولية التَّأكُّد من أن التقديرات الدراسية التي يحصل عليها الطلاب هي التقديرات التي يستحقُّونها فعلًا، وقد بيَّنَ هذا الفصل كيف يتحمَّل بعض المعلمين تلك المسئولية، وفي الوقت نفسه يُركِّزون على التَّعلُّم، ويَمنحون الطلاب فرصة لتنمية مهارات التقييم الذاتي وتقييم الأقران.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢