الفصل التاسع

اتباع نهج تطويري

لا تحتلُّ القضايا التطويرية مركز الصدارة في طريقة تفكير أعضاء هيئات التدريس حيال الطلاب أو التَّعلُّم أو التدريس؛ إذ يُدرك المعلمون أنَّ الطلاب، الذين تتراوح أعمارهم بين ثمانية عشر عامًا واثنين وعشرين عامًا، يَنتقلون إلى مرحلة «الرشد» ويَنضجون أثناء الدراسة الجامعية. كما أنهم يُدركون أن الخبرات التعليمية تُساعد الطلاب من جميع الفئات العمرية في أن يتطوَّروا على المستوى الفكري، ولكنَّ الطريقة التي يحدث بها هذا التطور وماهية العمليات المرتبطة به، والطريقة التي يَستطيع بها المعلمون التدخل على نحو بنَّاء، لا تخضع كثيرًا للتفكير أو لا تخضع للتفكير على نحو محدَّد جدًّا، وكنتيجة لذلك، معظم أعضاء هيئات التدريس يَجعلون الطلاب يُؤدُّون نفس نوعية الأنشطة والواجبات الدراسية تقريبًا، سواء أكانوا طلابًا مُستجدِّين أم طلابًا في سنوات الدراسة الأخيرة. إنهم يتوقَّعون من طلاب السنوات الأخيرة أن يُنجزوا المزيد من العمل، وأن يُؤدُّوه على نحو أفضل، ولكنَّ كثيرًا مما يُنجزه هؤلاء الطلاب لا يختلف كثيرًا عما أنجزوه في سنواتهم الأولى للدراسة الجامعية. وفي مطلع تسعينيات القرن العشرين، ألَّفَتْ بيت إريكسون وديان سترومير كتابًا رائعًا بعنوان «التدريس للطلاب المستجدِّين بالجامعات» (١٩٩١، ثم أصدرت منه نسخة منقَّحة ومزيدة، إريكسون وبيترز وسترومير، ٢٠٠٦)، وتناول هذا الكتاب القضايا التطويرية التي تخصُّ الطلاب الجامعيِّين في عمر الثمانية عشر عامًا. كنتُ أظن أن الأحرى بهذا الكتاب أن يكون الجزء الأول في سلسلة تضمُّ أجزاءً أخرى خاصة بالتدريس لطلاب السنة الثانية، ثم طلاب السنة الثالثة، وأخيرًا طلاب السنة النهائية، وربما حتى طلاب الدراسات العليا أيضًا؛ فينبغي أن يكون أعضاء هيئات التدريس على دراية بالتغيرات التطويرية التي يمرُّ بها الطلاب وكيف تُساهم الفعاليات التي تَحدث داخل قاعة الدارسة في تلك العمليات.

بالإضافة إلى هذه العمليات الخاصة بالنُّضج بصفة عامة، والتطور الفكري، ثمَّة مشكلات فريدة تخص التحول الخاص بالطلاب الاتكاليين والسلبيِّين الذين يَنقُصهم عادةً الثقة بالنفس، إلى مُتعلِّمين مُحفَّزين ومُستقلِّين ومنظَّمين ذاتيًّا. بعض الأمور معروفة عن كيفية تطور الطلاب كمُتعلِّمين، ولكن التأثير الخاص بأسلوب تدريس معين أو أنشطة أو واجبات منزلية معينة على هذا التطور لم يخضع للدراسة على نحو شامل كما يجب أن تكون، والكثير مما هو مُقترَح في هذا الفصل ناجم عن الملاحظات والتجارب لمن حاول منا أن يتدخَّل بطُرق تُشجِّع تطوير مهارات المتعلمين الذين يتَّسمون بالتوجيه الذاتي.

يبدأ الفصل بما هو معروف عن كيفية تطوُّر الطلاب كمُتعلِّمين، وبناءً على تلك المعرفة، يَستكشِف الفصل كيف يمكن تصميم تجارب تَعلُّم تُشجِّع تنميةَ مهارات التَّعلُّم، وتُشجِّع التطور الشامل للطلاب كمُتعلِّمين مستقلِّين يتَّسمون بالتوجيه الذاتي. يمكن تصميم المناهج الدراسية أيضًا لتكون مُتمركزةً حول المتعلم. ليس ثمَّة عدد كبير للغاية من المناهج مُتمركز حول المتعلم، ولكن إذا كان مقدَّر لأجندة التدريس المُتمركِز حول المتعلم تخطِّي حدود التجارب الفردية داخل قاعة الدراسة، فعلينا إذَن أن نُفكِّر في طريقة تتيح لنا الربط بين تجارب التَّعلُّم في مقررات دراسية مُتتابعة. والمشكلات التطويرية ليست ذات صِلَة بالطلاب وحدهم، وإنما ذات صِلَة بالمعلمين أيضًا. ويختتم الفصل بنِقاش لتلك المشكلات واستجابةِ المعلمين لها.

(١) ما نعرفه عن العملية التطويرية

يُمكننا أن نبدأ ببعض الأساسيات، ويستطيع مَنْ حاول منا أن يَدفع الطلاب في اتجاه الاستقلالية وتنظيم الذات أن يُخبرك بأربعة أمور بخصوص هذه العملية: أنها ليست عملية تلقائية، ولا تحدُث بوتيرة متوقعة، وليست ذات طابع خطِّيٍّ، ولا تحدث سريعًا. فمِن الصعب جدًّا (وربما شبه مستحيل) بالنسبة إلى الطلاب أن يَصيروا متعلمين مستقلين إذا وُجِدَ شخص آخر يتخذ جميع قرارات التَّعلُّم بالنيابة عنهم، وهذا يجعل منْح الطلاب الفُرصة لممارسة قدر من السيطرة أمرًا ضروريًّا، ولكنه جزء غير كافٍ من عملية التطور؛ فتوفير الفرصة لا يضمن بالضرورة التحرك في الاتجاه المرغوب، وعلى الرغم من الوجود في ظلِّ ظروف تُشجِّع الاستقلالية وتوجيه الذات، يظل بعض الطلاب متعلمين اتكاليِّين للغاية.

لا يتحول الطلاب إلى متعلِّمين مستقلِّين بوتيرة يمكن توقُّعها، أحيانًا يكون التقدم بطيئًا وثابتًا، وأحيانًا تحدُث طفرةُ نموٍّ، وفي أحيان أخرى لا توجد أي مؤشِّرات على الحركة، ويُمكن ملاحظة هذه المعدلات المتفاوتة للنمو على كل طالب على حِدَة، وعلى الفِرقة الدراسية ككل. ولا شكَّ أنَّ معدلات النمو هذه تتأثر بعمليات أخرى للنُّضج والتطور الفكري، بعبارة أخرى، بأي شيء آخر يحدث في حياة الطالب. ولا يمتلك المعلمون قدرًا كبيرًا من السيطرة على ذلك الأمر، إلا أن معدلات النمو تتأثَّر أيضًا بشيء يخضع لسيطرة المعلمين، ألا وهو سلسلة الأنشطة والواجبات الدراسية الخاصة بدراسة المادة.

إنَّ حقيقة اندفاع الطلاب إلى الأمام ثم تراجُعهم إلى الخلف يعني أنهم لا يُحرزون تقدمًا خطيًّا في عملية تطورهم كمتعلمين؛ فمِن المُمكن أن يُؤدُّوا مجموعة متنوعة من الأنشطة المُتمركِزة حول المتعلم دون ظهور أي تأثير واضح عليهم، ثم فجأةً يسطَع ضوء التغيير؛ بمعنى أنهم يَستوعبون الأمرَ ويُحرزون تقدُّمًا على الموضع الذي كانوا فيه أمس، ورغم ذلك، فإن العكس صحيح أيضًا، فإذا اتَّخذ الطلاب قرارًا سيئًا بخصوص التَّعلُّم، وتحمَّلوا العواقب، أو إذا كان أحد الواجبات الدراسية يدفعهم بعيدًا عن منطقة راحتهم، فقد يتراجعون سريعًا، ويعودون إلى المعلم ليَطلبوا منه أن يتخذ قرارات التَّعلُّم بالنيابة عنهم. إنهم يريدون أن يُخبرهم أحد بما يفعلون، ويُريدون واجبات منزلية يَعرفون كيف يُؤدُّونها، ولحُسن الحظ، هذا التراجُع لبضع خطوات إلى الوراء هو أمر مؤقت بالنسبة إلى معظم الطلاب.

في النهاية، يتحوَّل معظم الطلاب إلى الاستقلالية على نحو تدريجي. إنهم يتحوَّلون إلى متعلمين مستقلين، ويتمتَّعون بالتنظيم الذاتي بمرور الوقت. إذَن، هل يُمكنهم تحقيق هذا التحول في مادة دراسية واحدة؟ والإجابة هي لا عمومًا. في الواقع، أحيانًا يبدو التقدم ضئيلًا جدًّا، وهذا أمر مُحبط. وفي تلك الفترات، من المهم أن تتذكَّر أن تأثير المعلم والتجارب الخاصة بدراسة المادة على الطلاب لا يَنتهي بانتهاء الدراسة. منذ إصدار الطبعة الأولى من هذا الكتاب عام ٢٠٠٢، برزت أدلَّة عملية تدعم التأثير الطويل المدى الخاص بالتجارب المُتمركِزة حول المتعلم. واستعانت الدراسة التي أجراها ديرتينج وإيبرت-ماي (٢٠١٠)، والتي أُلقيَ الضوء عليها في الفصل الثاني، بتصميم تجريبي سليم لإثبات الآثار الخاصة بمُقرَّرَين دراسيَّيْن يُطبِّقان مبادئ التدريس المُتمركِز حول المتعلم والتَّعلُّم الاستقصائي، درَسهما الطلاب في وقت سابق بمنهج مادة الأحياء. وباعتبارهم طلابًا في السنة النهائية، حَظِيَ هؤلاء الطلاب بتوصيفات رفيعة المستوى في استبيان الآراء حول تَعلُّم العلوم الخاص بمادة علم الأحياء (الذي يشير إلى استيعاب الطلاب لمادة الأحياء باعتبارها عملية للاستِقصاء والتقصِّي العِلمي)، وحقَّقوا درجات أعلى، في الاختبار القياسي لمادة الأحياء من طلاب السنة النهائية الذين لم يدرسوا هذين المقرَّرَيْن الدراسيَّيْن.

إنَّ البيئات التعليمية القائمة على أساليب التدريس المُتمركِز حول المتعلم تُغيِّر معظم الطلاب، ولكنها لا تُحقِّق هذا التغيير بسُرعة بالغة، أو بالإيقاع نفسه، أو في الاتجاه المرغوب دومًا، وعلى الرغم من ذلك، ثمة قدر كافٍ من الاتساق فيما يخصُّ الطرق التي يتغير بها الطلاب، مما يُؤدِّي إلى توليد نموذج معين. ويقترح جرو (١٩٩١) مجموعة من المراحل للانتقال من الاتكالية إلى التوجيه الذاتي، وقد وصَف هذه العملية «ليس بوصفها شيئًا محدَّدًا وحاسمًا، وإنما باعتبارها سطرًا آخر في المناقشة المستمرة لمن يُشجِّعون التَّعلُّم مدى الحياة، القائم على التوجيه الذاتي» (ص١٧٤). وللأسف، لم تُسفر هذه «المناقشة» عن انتشار نماذج أخرى أو أبحاث تثبت إحراز هذا التقدُّم تحديدًا، وعلى الرغم من ذلك، يُشار في المراجع إلى نموذج جرو على نطاق واسع، مما يدلُّ على دقته ومنطقيته في وصف المراحل التي يمرُّ بها المتعلمون في سبيل إحراز التقدم. ويقول جرو: «لا يجب أن تكون النظرية صحيحة لكي تكون مفيدةً؛ فتقريبًا كل إجراء نتخذه ينشأ من تجميع عمَليٍّ لمفاهيم خاطئة» (ص١٢٧).

يصف جرو أربع مراحل لسلسلة التحول من التَّعلُّم الاتكالي إلى التَّعلُّم المُستقِل: ففي المرحلة الأولى، يكون المتعلمون «اتكاليِّين»، ولا يتمتَّعون بالتوجيه الذاتي، ويشرح جرو أنهم «يحتاجون إلى رمز للسُّلطة يُعطيهم توجيهات مباشرة بخصوص ما يُنجزونه، وكيف يُنجزونه، ومتى يُنجزونه» (١٩٩١، ص١٢٩). ومِن أجل مساعدتهم في بدء المضيِّ قدمًا، يُوصي جرو بأن «يُدرِّب» المعلم هؤلاء الطلاب؛ إذ ينبغي أن يظلُّوا «منشغلين بتعلم مهارات محددة ومميزة. ضع معايير تفوق ما يظنون أن بإمكانهم إنجازه، ثم افعل ما هو ضروري لدفعهم نحو النجاح» (١٩٩١، ص١٣٠).

وفي المرحلة التالية، يُبدي الطلاب «الاهتمام»، ويتمتَّعون بالتوجيه الذاتي إلى حدٍّ ما؛ حيث يكونون على استعداد لوضع الأهداف لأنفسهم، ويُمكن بناء ثقتهم بأنفسهم وتطوير مهارات التَّعلُّم لديهم على أيدي المعلمين المتحمسين للتَّعلُّم. عادةً ما يستلهم الطلاب حماسة المعلم ويكتسبونها ويَعثُرون على الحافز الخاص بهم، في الوقت الذي يَمضون فيه قدمًا خلال هذه المرحلة.

وفي المرحلة الثالثة، يتمُّ «إشراك» الطلاب، ويَصلون إلى مستويات متوسِّطة من التوجيه الذاتي، ويشرعون في رؤية أنفسهم كمشاركين في عملية تعليمهم الخاصة. إنَّهم يرغبون في معرفة كيف يتعلمون، ويَشرعون في تطبيق استراتيجيات التَّعلُّم العامة وتعديلها وفقًا للجهود التي يَبذلونها للتَّعلُّم. وفي هذه المرحلة، يكون الطلاب أكثر انفتاحًا على التَّعلُّم من الآخَرين ومع الآخرين. وفي ذلك الوقت، ينبغي أن يُؤدِّي المعلمون دور الشركاء المُساعدين أو المُعاونين في عمليات اتخاذ القرار المتعلقة بالتَّعلُّم. ينبغي أن يُقدِّم الطلاب بانتظام تقارير متابعة إحراز التقدم في عملهم؛ لكي يستطيع المعلمون تقديم النصح والتوجيه للطلاب أثناء اتخاذ القرارات الخاصة بالتَّعلُّم.

في النهاية، يصل الطلاب إلى مستوًى يتمتعون فيه ﺑ «التوجيه الذاتي»؛ فبإمكانهم أن يُحدِّدوا أهدافهم الخاصة، ويضعوا المعايير التي لا بد أن يَفي بها العمل الخاص بهم. ويُوضِّح جرو (١٩٩١، ص١٣٥) أن المعلمين عند هذه المرحلة «لا يُدَرِّسون الموضوع، ولكن … ينمُّون قدرة الطالب على التَّعلُّم.» ويتشاوَر المعلمون مع الطلاب حول المعايير والجداول الزمنية وقائمة المصادر المرجَّحة والمُساهمين المحتملين. «قد يضع المعلم في المرحلة الرابعة تحديًا، ثم يترُك المتعلم بمفرده غالبًا ليجتازه، ولا يتدخَّل إلا حين يُطلب منه المساعدة، ولا يُساعد في اجتياز التحدِّي بحد ذاته، وإنما يَمنح السلطة للمُتعلِّم ليَجتاز التحدي» (ص١٣٦).

تُقدِّم المراحل التي اقترحها جرو إطارًا مفيدًا، أي موضعًا للبدء من عنده في دراسة المشكلات التطويرية المرتبطة بتشجيع المتعلمين المُستقلِّين الذين يتَّسمون بالتوجيه الذاتي، إلا أن الحاجة تدعو إلى المزيد من العمل في هذا الصدد. ودون هذا الإطار، يُمكننا أن نقترح كيف يتسنى للمُعلِّمين أن يتدخَّلوا في العملية، ولكننا لا يُمكننا أن نجزم بأفضل توقيت للتَّدخُّل، أو تحديد أي الواجبات الدراسية أو الأنشطة ينبغي الاستعانة بها، بناءً على مرحلة التطور الخاصة بالمُتعلِّم، أو أي التدخلات تدفع بفاعلية المتعلمين المُتعثِّرين. ولقد فكَّر بعضٌ منا في طرق للتدخل تبدو أنها ذات جدوى بالنسبة إلى طلابنا، وتَتناسب مع المحتوى الذي ندرسه، ونُقدِّم في الجزء التالي أمثلة خاصة بنا، وربما يَستعين بها آخرون، كنقاط انطلاق يبدءون من عندها الاستكشافات الخاصة بهم.

(٢) التصميم التطويري للواجبات والأنشطة الدراسية

من المنطقي أن تُؤثِّر تجارب الطلاب مع الأنشطة التَّعلُّمية على كلِّ مَن تُطوِّرهم كمتعلمين مستقلِّين واكتسابهم لمهارات التَّعلُّم، والسؤال هو: كيف يُمكن تصميم واجبات وأنشطة دراسية بطُرق تُدعِّم تطوير هذه الأهداف. وتُقدِّم عمليتان مختلفتان للتصميم — واحدة أُطلِق عليها التصميم التدريجي، والأخرى تنمية مهارات التَّعلُّم المستهدَفة — بضعَ إجابات مُمكنة.

(٢-١) التصميم التدريجي

داخل التصميم التدريجي، يُؤدِّي الطلاب النشاط أو الواجب الدراسي نفسه أكثر من مرة، على نحو متكرِّر عادةً، كما في حالة اختبارات القراءة القصيرة. ويمكن لهذه التجارب الخاصة بالتَّعلُّم أن تتشابَه تمامًا، فقط مع تغيير المحتوى، أو يُمكن تصميمها بحيث تُؤكِّد كل مرحلة فيها على مهارات مختلفة للتَّعلُّم، بالإضافة إلى محتوًى جديد ربما يكون أكثر صعوبة. دعني أستعين بمثال مباشِر للتوضيح:

تُلخِّص المصفوفات بفاعلية أوجه الشبه والاختلاف في الكثير من التخصُّصات الدراسية (ومادة الأحياء مثال جيد هنا)؛ حيث يُصنَّف المحتوى ويُميَّز بسمات معينة. تخيل مصفوفةً تُظهر سمات محدَّدة على طول عمود واحد، وعلى العمود الآخر تظهر التصنيفات. وتَتناسب أمثلة محددة مع الخلايا التي تتقاطع فيها السمات والتصنيفات، وسيُلاحظ المتعلمون المُحنَّكون فائدة هذه الوسيلة لتنظيم المحتوى، وسيتعلَّمون كيف يُصمِّمون مثل هذه الأدوات اعتمادًا على أنفسهم.

ويُمكن تعليم المتعلمين الاتكاليِّين ذوي مهارات التَّعلُّم الأقل تطورًا كيف يُصمِّمون مصفوفةً على نحو تدريجيٍّ عبر سلسلة من الأنشطة المختلفة، جميعها يَشتمل على مصفوفات. كما يُمكنك أن تبدأ بإعطاء الطلاب مصفوفة بالتصنيفات والسمات، ولكن ذات خلايا فارغة. ولعلَّك تستعين بها كأداة لتلخيص المحتوى في نهاية إحدى المحاضرات، لتملأ الخلايا بمساعدة الطلاب، وتُتيح النسخة المُكتملة لهم في النهاية، وتشير إلى مدى استعراضها للمحتوى وتلخيصها إياه بفاعلية. بعد ذلك أعطِ الطلاب مصفوفةً ذات خلايا فارغة، ولكن في هذه المرة يملئونها بمفردهم أثناء تلك المدة المخصَّصة للتلخيص. اجمع المصفوفات، واعرِض بعضَها في بداية المحاضرة التالية لمراجعة المحتوى، واستَعِن بهذا النشاط للتعاون مع الطلاب لتصميم «مصفوفة صحيحة». ويمكن إتْباع هذا النشاط بنشاط آخر؛ حيث يحظى نصف الفرقة بمَصفوفة ذات تصنيفات، ولا يوجد بها سمات، ويَحظى النصف الآخر بمصفوفة ذات سمات، ولا يوجد بها تصنيفات. ثم قسِّم الطلاب في مجموعات ليَعملوا مع رفاقهم لإكمال نصْف المصفوفة الناقص، ثم ينضموا إلى زميلَيْن من المجموعة الأخرى يكون لديهما الجزء الآخر، ويتعاونون جميعًا لإكمال المصفوفة.

عند مرحلة ما يبدأ الطلاب العمل على إكمال المصفوفات باستخدام الكتاب الدراسي بدلًا من استخدام المحتوى الذي قُدِّم في المحاضرة. ربما يكونون على استعداد الآن لإكمال مصفوفة ذات خلايا فارغة بلا أي تصنيفات أو سمات، وعند هذه المرحلة، ينبغي أن يكون الطلاب مستعدِّين لبدء ابتكار مصفوفات بأنفسهم. اسمح ببدء هذا العمل في مجموعات، واجعل كل مجموعة تشارك عملها مع مجموعات أخرى، وعند تلك المرحلة أيضًا، ربما يكون ابتكار المصفوفات جزءًا من واجب منزلي أو اختبار قصير يُحسَب بالدرجات، وإذا انتهى العمل الذي يتضمَّن ابتكار مصفوفات، أو بالأحرى استخدامها، باختبار، فسيُعزِّز هذا من قيمة العمل وأهميته.

مثال كهذا يُوضِّح الملامح الأساسية لهذا التصميم التدريجي، ويُوضِّح الطريقة التي يُمكن بها وضع الأنشطة والواجبات الدراسية في تسلسل؛ بحيث تُعزِّز كل تجربة تالية تنمية إحدى مهارات التَّعلُّم، أو تُركِّز على جزء مختلف منها. ويمكن ترتيب جميع أنواع الأنشطة والواجبات الدراسية على نحوٍ تدريجيٍّ بهذه الطريقة. يُعَدُّ ابتكار خرائط المفاهيم والاستعانة بها مثالًا آخر جيدًا، حتى سلسلة الأنشطة الجماعية يمكن تصميمها لتحتوي على مهامَّ أكثر صعوبةً، وإجراءات جماعية تتطلَّب المزيد من اتخاذ القرارات الجماعية وتَحمِل المزيد من المسئوليات. وعندما تتوقَّف لبرهة وتُفكِّر في الأمر، تكون الفائدة الوحيدة من تكرار الواجب المنزليِّ نفسه هي توفير الفرصة للممارسة.

يفعل مُعظمنا شيئًا مُشابهًا عندما نُقسِّم الواجبات الدراسية، مثل بحث كبير أو مشروع جماعي يَستغرق فصلًا دراسيًّا بأكمله؛ فنحن نُقسِّم المهمة الأكبر إلى عناصر متنوِّعة ونُرتِّبها في تسلسل وفقًا لجدول زمني. يختار الكثيرون منَّا هذا الأسلوب للتعامل مع الأبحاث؛ لأننا لا نَستطيع تَحمُّل قراءة مجموعة من الأبحاث كُتبت في الليلة السابقة لموعد تسليمها. إن القيام بهذا يُحسِّن جودة الأبحاث، ويُقدِّم للطلاب عملية تدريجية الخطوات. ومع نهاية المسيرة الجامعية، عندما تصل مهارات التَّعلُّم إلى مستوًى متقدم أكثر، نأمُل أن يكون الطلاب قادرين على تقسيم العمل بأنفسهم، وترتيبه وفقًا لتسلسل زمني. وفي الموادِّ الخاصة بمشروعات التخرج النهائية، ينبغي أن يكون إعداد الوثائق التي تصف عملية التخطيط جزءًا من الواجب الدراسي.

لستُ بحاجة إلى التحذير من أن مهمَّة التصميم — المشتملة على ابتكار سلسلة من الواجبات الدراسية التي تَبني المعرفة الخاصة بمُحتوى المادة الدراسية، وتُنمِّي مهارات التَّعلُّم، وتُشجِّع الاستقلالية — ليست دومًا بقدر السهولة التي بدا عليها مثال المصفوفة السابق. ولقد تعلمتُ هذا من واقع التجارب الشاقة الخاصة بواجبات سجلِّ سَير التَّعلُّم. كما كنتُ أتصوَّر الأمر في البداية، تخيَّلت أن مَهمَّةً كتابيةً ذات إجابة مفتوحة قد تُتيح للطلاب الاستجابة إلى محتوى المادة الدراسية بأية طريقة شائقة ومناسبة بالنسبة إليهم، كان بإمكانهم أن يكتبوا، في سجل سير التَّعلُّم، مُدْخَلًا عما يدور داخل قاعة الدراسة، أو عن محتوى الكتاب الدراسي المرتبط بالموضوع، أو عن أمثلة من المنزل أو العمل أو الأصدقاء تتعلَّق بما كنا نتحدَّث عنه، ولم يكن بوسعي تَخيُّل مدى الانفتاح والحرية اللذَيْن يُميِّزان هذا الواجب الدراسي الذي أعطيتهم إياه، إلا أن الطلاب لم يَروا الأمر بهذه الطريقة على الإطلاق. وفي الحال تقريبًا، أثناء المحاضرة، وبعد المحاضرة، وفي مكتبي، بدأتُ أتلقَّى سؤالًا: «لا أَعرف ما الذي تُريدين من هذا المُدْخَل بسجل سير التَّعلُّم. ما الذي ينبغي لي كتابته؟» أعدتُ كلامي مرةً أخرى عن كون هذا الواجب فرصةً لإثارة الاهتمام بالمُحتوى وجعله ذا صِلَة شخصيَّة. كان يجب عليَّ أن أشرح أهداف الواجب الدراسي بعشر طُرق مختلفة. أردتُ ما كانوا يُريدونه، إلا أنَّ الارتباك والأسئلة والقلق العام الذي اجتاح قاعة الدراسة بخصوص الواجب الدراسي استمرَّ.

واصلتُ العمل في مُثابرة، ولكنَّني في الفصل الدراسي التالي قررتُ أن أهتمَّ أكثر بالمشكلة، وأَستعرض حَلِّي في الملحَق الأول، فإذا لم يَعرف الطلاب ما ينبغي لهم كتابته، حسنًا حينئذ لا حيلة لي إلا أن أُخبرهم. يحتوي كل مُدْخَل بسجل سير التَّعلُّم على مجموعة من الأسئلة التشجيعية، ويكتب الطلاب فقرة تجيب عن كل سؤال من هذه الأسئلة. لقد حُلَّت المشكلة — واختفَت الشكاوى — ولكن لم تُنمَّ مهارات التطبيق، ولم يتمَّ التفكير في مُحتوى المادة الدراسية وتطبيقه بصفة شخصية، ولم يتولَّ أيُّ طالب زمام السيطرة أو اتخذ قرارًا بخصوص المُحتوى الخاص بمُدْخَلات سجلِّ سَير التَّعلُّم (بالإضافة إلى تحديد ما إذا كان سيَكتب المُدْخَل المطلوب أم لا). في الأساس، لقد ضحَّى حَلِّي بكل شيء تقريبًا جعل الواجب الدراسي مُتمركزًا حول المتعلم.

وعلى مَدار عدة فصول دراسية تالية، عملتُ على إعادة تصميم الواجب الدراسي بحيث يتعلَّم الطلاب، أثناء عملية كتابة المُدْخَلات، كيف يُطبِّقون المحتوى الدراسي. بدأتُ بأسئلة تشجيعية تُخبر الطلاب بما يفعلونه بالضبط، ثم كتبتُ مُدْخَلات ذات أسئلة تشجيعية متعدِّدة، وجعلتُ الطلاب يختارون ثلاثة أسئلة ليُجيبوا عنها، ثم كتبتُ سلسلة أسئلة تشجيعية، ومنحتُ الطلاب اختيار تعديلها قبل الإجابة عنها، ثم حددتُ موضوعات عامة، وطلبتُ من الطلاب أن يكتبوا أسئلتهم التشجيعية الخاصة، وفي النهاية، كانت المُدْخَلات صفحات فارغة؛ حيث ابتكر الطلاب أسئلتهم التشجيعية وأجابوا عنها. وعندما وصل الطلاب إلى تلك المرحلة، كان عدد كبير منهم سعداء بتسجيل إلى أيِّ مدًى راقت لهم القُدرة على كتابة أسئلتهم التشجيعية والإجابة عنها بمُفردهم.

يعتمد التصميم التدريجي على القدرة على فحص واجب دراسي يتكرَّر كثيرًا، والتفكير في سلسلة تجارب قابلة للتطبيق تُنمِّي مهارات معيَّنة وتُحقِّق تقدُّمًا عامًّا يقود الطلاب في اتجاه الاستقلالية وتنظيم الذات. ومِن المُفيد أن نُفكِّر في هذا الأمر باعتباره مَهمَّة تطويرية تُعدَّل فيها سمات الواجب الدراسي أو النشاط أثناء ملاحظة تأثيره على تَعلُّم الطالب وتقييمه من جانبه.

(٢-٢) تنمية مهارات التَّعلُّم المُستهدَفة

بالإضافة إلى تصميم الواجبات والأنشطة الفردية وترتيبها بشكل مُتسلسل؛ بحيث تُنمِّي مهارات التَّعلُّم على نحو أكثر منهجية، يُفكِّر المعلمون المتَّبعون لأسلوب التدريس المُتمركِز حول المتعلم أيضًا في مدى ارتباط جميع الأنشطة والواجبات الدراسية الموجودة بالمادة بعضها ببعض، فكثيرًا ما يُؤدِّي الطلاب واجبات وأنشطةً دراسية باعتبارها فعاليات منفصلة غير مُرتبطة بعضها ببعض؛ لأنها هي كذلك بالأساس. إننا نجعل الطلاب يُنجزون مهامَّ مختلفة كطريقة لإبقاء اهتمامهم بالمادة (واهتمامنا أيضًا)، لا لأنَّنا خطَّطنا لخَوض تلك الخبرات التعليمية المختلفة بهدف التعاون معًا لتَحقيق الأهداف التعليمية. وتُعدُّ هذه العبارة مألوفة الآن (أو لعلَّها مألوفة للغاية): نحن لسنا نموذجًا للمُصمِّمين التعليميِّين الواعين كما ينبغي أن نكون.

مرةً أخرى، يُوضِّح مثال بسيط ومباشر كيف يُمكن لمجموعة من الواجبات الدراسية والأنشطة أن تُنمِّي مهارات التَّعلُّم بطريقة منظَّمة ومنهجيَّة أكثر. دعونا نَستعين بواجب دراسي نموذجي إلى حدٍّ ما: ثلاثة أمثلة موضوعية، وبحثَيْن، واختبارات قصيرة تُعقَد بصفة منتظمة عبر شبكة الإنترنت تُغطِّي واجب القراءة والمشاركة داخل قاعة الدراسة. هذه الواجبات الدراسية تُنمِّي المعرفة الخاصة بمحتوى المادة الدراسية، ولكنَّنا لا نُناقشها هنا لأنَّ توافُر المعرفة التخصُّصية الوثيقة بالمحتوى ضرورية لتلك المناقشة. وهذه المجموعة من الواجبات الدراسية يُمكن استخدامها أيضًا لتنمية مهارات التَّعلُّم. وربما تَشتمِل المهارات الكامنة، التي يُمكن تنميتُها، على تأمل الذات (تنمية مهارات التقييم الذاتي)، وتعزيز مهارات التفكير النقدي، وتحسين مهارات القراءة، وتَشجيع الإحساس بمزيد من المسئولية تجاه ما يَحدُث داخل قاعة الدراسة، فيُمكِن أن تضمَّ عددًا كبيرًا من المهارات. لكن ينبغي ألا تكون مجموعة كبيرة غير محدَّدة من المهارات يُنمِّيها الطلاب بطريقة غير مُتمايزة نوعًا ما، شريطة أن تصير الأمور كلها على خير ما يرام أثناء دراسة المادة. فلا تستطيع مادة واحدة أو مدرِّس واحد أن يُنمُّوا جميع مهارات التَّعلُّم التي يحتاج المتعلمون المستقلون إليها. فمِن الأفضل أن تَستهدف مهارات معينة، وأفضل المهارات لتَستهدفها هي تلك المهارات الضرورية لإجادة المادة العلمية التي يَدرُسونها.

لنقل إنَّنا قرَّرنا استهداف مهارة تأمُّل الذات، إننا نريد على وجه التحديد أن يكون الطلاب قادرين على تقييم عمليات تحضيرهم على نحوٍ نقديٍّ وتقييم جودة عملهم على نحو دقيق. كِلا هذَين الهدفَيْن كبير، ويَصفان مهارات لا يَمتلكُها معظم الطلاب. يَحتوي المربَّع ٩-١ على مجموعة من الأنشطة التي تَستعين بهذه المجموعة من الواجبات الدراسية لبدء تنمية مهارات التقييم الذاتي؛ بمعنى أنه عن طريق الاستعانة بهذه المجموعة من الواجبات الدراسية نعمل على تحقيق هذه الأهداف، إلا أننا عادةً ما نُقرِّر التوقُّف عن إنجازها.

بالطبع، هذه الأنشطة تستهدف تنمية المهارات، لا تحصيل المحتوى واكتساب المعرفة به؛ فأنتَ تَستعين بالمحتوى لتنمية المهارات، والوقت المخصَّص لهذه الأنشطة ليس وقتًا مُستخدمًا لتغطية المحتوى، ويحتوي الفصل الخامس على السبب الذي يُبرِّر القيام بذلك. وبالتأكيد هذه الأنشطة تعني المزيد من العمل بالنسبة إلى المعلمين. ولكن كما أوضحتْ فصولٌ كثيرة، لا تُنمَّى المهارات جيدًّا دون تدريب واضح وصريح، ويُمكن ابتكار تصميم للعمل بحيث تكون أعباؤه قابلةً للخضوع للسيطرة. والكثير من هذه الأنشطة يَنتج عنها عمل لا يحتاج إلى تقييمه بالدرجات، أو عمل يمكن الاستجابة له بالتقييمات السريعة واليسيرة.

مربع ٩-١: أنشطة مدرجة في إطار مجموعة من الواجبات الدراسية تهدف إلى تنمية مهارات تأمل الذات

الاستعداد للاختبارات

  • يُحضِّر الطلاب خطة استعداد للاختبار، تحتوي على جدول زمني ووصف للأساليب التي يُخطِّط الطلاب لاتباعها، ثم يُرفق الطلاب هذه الخطة بالاختبار الذي انتهوا من حلِّه.

  • يُناقش المعلم والطلاب خطط الاستعداد أثناء محاضرة تصحيح إجابات الاختبار، هل تمَّ اتباع هذه الخطط؟ ما أساليب المذاكرة التي آتت ثمارَها؟ يُعِدُّ الطلاب تحليلًا سريعًا لخطة المذاكرة التي يجب أن يُرفقوها عند تسليم اختباراتهم إذا أرادوا تسجيل درجة اختباراتهم.

  • يُعادُ إليهم التحليلات الخاصة بخطة الاستعداد قبل الاختبار التالي بفترة قصيرة، ويَستعين بها الطلاب لإعداد خطَّة المذاكرة الخاصة بالاختبار التالي.

مراجَعات نقدية للأوراق البحثية

  • يُحدِّد الطلاب الجملة الرئيسية التي تُوضِّح فكرة البحث الخاص بهم (إنَّ وضع خطٍّ تحت الجملة الرئيسية يُجدي نفعًا هنا).

  • يضعُ الطلاب نجمةً بجوار الفقرة التي يظنُّون أنها أفضل فقرة في البحث.

  • يُحدِّد الطلاب الفقرة التي واجهوا صعوبة كبيرة لكتابتها.

  • في نهاية الورقة البحثية، يَطلُب الطلاب من المعلم تقييمًا بخصوص بعض الجوانب المحدَّدة الخاصة بالبحث.

  • من أجل تسجيل درجاتهم أو من أجل معرفتها، يردُّ الطلاب على تقييم المعلم بملاحظة قصيرة تُحدِّد جانبَين أو ثلاثة يُستهدَف تحسينها في الورقة البحثية التالية، وتُسرَد هذه الجوانب المستهدفة في الجزء العلوي من الصفحة الأولى للبحث التالي.

  • يُعدُّ المعلم مذكرةً تتكون من ورقة واحدة، عن طريق الاستعانة ببعض الأسئلة التشجيعية التي ابتكرتها ليندا نيلسون (٢٠٠٣) لتقييم الأقران (انظر الفصل السابع لمزيد من التفاصيل). يُشكِّل الطلاب مجموعات ثنائية، ويَتبادلون المسوَّدات، ويردُّون على الأسئلة التشجيعية الموجودة في المذكرة كتابةً في البداية، ثم بعد ذلك شفهيًّا.

الاختبارات القصيرة

  • يُكمِّل الطلاب استطلاعًا سريعًا حول استراتيجيات القراءة: متى تقرأ؟ كم من الوقت تَقضيه؟ كيف تتفاعل مع الكتاب الدراسي (تضع خطًّا، أم تكتب ملاحظات على الهامش، أم تستخدم الملاحظات التي دوَّنتَها في المحاضرة أثناء القراءة، أم تتحدَّث عن الواجب الخاص بالقراءات مع أحد الزملاء)؟ يُسجِّل المعلم النتائج، ويُناقشها مع الطلاب، مركزًا على استراتيجيتَين عمليتَين أو ثلاث استراتيجيات قد تُحسِّن من درجات الاختبار القصير.

  • يُطلَب من الطلاب الذين يُبلون بلاءً حسنًا في الاختبارات القصيرة أن يَنصحوا الطلاب الآخرين باستراتيجيات القراءة.

  • يُمنَح الطلاب فرصةً لتقديم الأسئلة المتوقَّعة بالاختبار (انظر الفصل السابع لمزيد من الأفكار بخصوص وضع الطلاب لأسئلة الاختبار).

المشاركة

  • من أجل الاستعداد لمناقشةٍ جماعية للفِرقة تَستكشف أساليبَ المشاركة التي يتمُّ اتباعها داخل قاعة الدراسة، يُرسل الطلاب رسالةَ بريدٍ إلكتروني إلى المعلم تجيب عن مطالب، كتلك الواردة فيما يلي:

    – اذكر مساهمتَين أو ثلاثة مساهمات شاركتَ بها في المحاضرة على مدار الأسابيع القليلة الماضية.

    – حدِّد تعليقًا قاله أحد الزملاء في المحاضرة ولا تزال تتذكره، أو ساعدكَ على الفهم، أو سؤالًا طرحه زميل آخَر وأردتَ أن تُتمَّ الإجابة عنه.

    – اذكر للمعلم بعض المُقترحات التي من شأنها أن تَزيد فاعلية المشاركة بمحاضرات هذه المادة.

    – ما الذي بإمكانك أن تفعله على نحو مختلف ومِن شأنه أن يُحسِّن مستوى المشاركة بمحاضرات هذه المادة؟

  • ناقِشْ أساليب المشاركة أثناء حدوثها داخل قاعة الدراسة. استعن بالتقييم الذي تم تقديمه في وقت سابق. اختتم بشيئَيْن أو ثلاثة أشياء محدَّدة ستُحاول الفِرقة الدراسية وسيحاول المعلم القيامَ بها لزيادة فاعلية المناقشات داخل قاعة الدراسة.

  • يُشير المعلم بانتظام إلى التعليقات والأسئلة التي يُساهم بها الطلاب داخل هذه المحاضرة والمحاضرات السابقة، مستخدمًا إياها لتوضيح نوعية تعليقات الطلاب وأسئلتهم التي تجعل المشاركة قيمة.

يُعَدُّ التصميم التدريجي وتنمية المهارات المستهدفة، كما وصفتُهما هنا، من الموضوعات التي نادرًا ما يأتي ذكرُها في الأدبيات التربوية. وغياب هذَين الموضوعَين يُوضِّح ما أكَّدنا عليه في افتتاحية هذا الفصل؛ فعادةً لا يُفكِّر أعضاء هيئات التدريس في رفع كفاءة الطلاب كمُتعلمين، وتصميم التجارب الخاصَّة بالمناهج الدراسية. ومع ذلك، أودُّ أن أذكر استثناءَين، وعلى الرغم من أن محتوى هذَين النموذجَين الاستثنائيَّين شديد الارتباط بتخصص دراسي معين، فإنهما يُؤكِّدان على قيمة وفائدة هذا النوع من المعرفة التربوية. كتَب بوشلر (٢٠٠٩) عن تنمية المهارات الكمية لدى طلاب العلوم السياسية الذين يَكرهون مادة الرياضيات قائلًا: «العائق الأساسيُّ أمام أسلوب تدريس المنهج الكميِّ للطلاب الذين يُعانون من رُهاب الرياضيات هو أن هؤلاء الطلاب لم يُدرَّس لهم مطلقًا كيف يتعلَّمون الرياضيات» (ص٥٢٧). ويُحدِّد مقال بوشلر خمسة مفاهيم خاطئة لدى طلاب العلوم السياسية بخُصوص تعلم مادة الرياضيات (وهذه المفاهيم الخاطئة لا تقتصر على طلاب العلوم السياسية وحدهم). وبعد ذلك، يُقدِّم نصائح واستراتيجيات يُمكن للمُعلمين الاستعانة بها لتحرير الطلاب من وهْم هذه المفاهيم الخاطئة. إنه مقال مُفيد للغاية يستهدف تنمية مهارة معينة عن طريق تطوير أنشطة مختلفة.

تَقترح جينيفر فيتزجيرالد وفانيسا بيرد (٢٠١١)، وهما عالمتان في مجال العلوم السياسية، أن مهمَّة تدريس أساليب التفكير النقدي هي أهم مهمة تقع على كاهل المعلمين في هذا المجال، وقد يتَّفق معهما في الرأي الكثير من المعلمين في مجالات أخرى أيضًا. ويَصِف مقالُهما مجموعةً من الواجبات الدراسية تَشتمل على أربعة أنواع لأنشطة التفكير النقدي. ما تَقترحانه مرتبط بتخصُّص دراسي معيَّن إلى حدٍّ ما، ولا يفيد تخصُّصات أخرى، إلا أن إحدى النقاط المهمة المذكورة في مقالهما تتمثَّل في الاقتباس التالي: «نحن نقترح أنه عندما يُطوِّر أعضاء هيئات التدريس أنشطةً فعالة للطلاب، فإنهم يُتيحون هذه الخطط التطويرية لزملائهم على نطاق أوسع» (ص٦١٩). ولقد جعَلتِ التكنولوجيا هذا الخيار قابلًا للتطبيق، وعدد كبير من التخصُّصات الدراسية يدعم مواقع إلكترونية تحتوي على موارد تعليمية متنوِّعة. هذه بداية طيبة، إلا أن هاتَين المحاضرتَين تدعُوان إلى مجموعة من الواجبات الدراسية تستهدف تنمية مهارات معيَّنة. وهل يوجد تخصُّص دراسي لن يستفيد من مجموعة الواجبات الدراسية التي تُركِّز على تنمية مهارات ذات أهمية لهذا التخصُّص الدراسي؟ ويُوضِّح هذا المقال أيضًا أن هذه المجموعة من الواجبات الدراسية التي تمَّ تصميمُها وتطبيقها وتقييمها بحِرص، بمنزلة تحدٍّ على المستوى العلمي والفكري، لكنَّ هذا المجهود سيؤتي ثماره بالتأكيد.

•••

باختصار، يُمكن تصميم الأنشطة والواجبات الدراسية بهدف تنمية مهارات الطلاب باعتبارهم مُتعلِّمين يتَّسمون بالتوجيه الذاتي والتنظيم الذاتي، والقيام بهذا يعني أن تطوُّرهم لا يحدث صدفةً، وإنما عن طريق التخطيط الهادف. والتحدِّي الماثل أمام المعلمين الذين يتبعون التدريس المُتمركِز حول المتعلم هو اكتشاف كيفية التدخل بنجاح في عملية التطور هذه عن طريق إتاحة تجارب تعليمية مُتسلسلة ومُصمَّمَة بحرص. وقد استكشفنا في هذا القسم إمكانية القيام بذلك عن طريق أنشطة وواجبات دراسية مُصمَّمَة على نحو تدريجي، ومِن خلال تنمية المهارات المستهدفة.

(٣) تصميم تطويري للمناهج الدراسية

ثمة شيء آخر لم يتغير كثيرًا منذ إصدار الطبعة الأولى من هذا الكتاب، ألا وهو أنَّ معظم الطلاب لا يزالون يمرُّون بتجربة التدريس المُتمركِز حول المتعلم في مادة واحدة فقط، وعندما يَحدث التغيير على مستوى مادة معينة، فإنَّ الطلاب يمرُّون صدفةً بتجارب التدريس المُتمركِز حول المتعلم، فلعلَّهم يعيشون تجربةً واحدةً أو بضع تجارب من هذا النوع، أو لا يَعيشون أيًّا منها على الإطلاق، وقد أثبتَت الأدلَّة التي تمَّ الاستشهاد بها في موضع سابق من هذا الكتاب أنَّ مادةً دراسية واحدة قد تُحدِث فارقًا في حياة الطلاب (ديرتينج وإيبرت-ماي، ٢٠١٠)، لكن ما من شكٍّ في أنَّ هذا التأثير يمكن أن يكون أعظم كثيرًا لو أنَّ الطلاب درسوا أكثر من مادة واحدة بهذه الطريقة، كما أنه يتعاظَم أكثر لو أن هذه المواد صُمِّمت لتكون على هيئة سلسلة تطويرية.

أحد جوانب التغيير التي تستحقُّ الملاحظة هي شبكات التَّعلُّم التي تربط بين المواد الدراسية بعضها مع بعض. ثمَّة نماذج متنوعة لشبكات التَّعلُّم قيد الاستخدام الآن، ومعظمها تشتمل على مواد دراسية يربطها المحتوى وتجارب التَّعلُّم بعضها ببعض؛ حيث قام الطلاب بدراسة مادتي العلوم السياسية والكتابة الإنشائية، وكانت موضوعات الأبحاث المستخدمة في مادة الكتابة الإنشائية تشتمل على محتوى مأخوذ من مادة العلوم السياسية، ورغم ذلك، لا توجد أبحاث واردة في الأدبيات التربوية تقترح أن تجارب التَّعلُّم المتاحة في هذه المواد الدراسية تمَّ تصميمها بهدف تنمية مهارات التَّعلُّم الخاصة بالمتعلمين المُستقلِّين والمُنظمين ذاتيًّا. وإذا كنتَ مهتمًّا بتحديد إلى أيِّ مدًى تتسم مجموعة من المواد أو المناهج أو البرامج الدراسية بكونها مُتمركزة حول المتعلم — أو حتى إلى أيِّ مدًى قد تكون مؤسَّستك مُتمركزة حول المتعلم — فلقد طوَّرت فيليس بلومبرج ولورا بونتيجا (٢٠١١) قواعد تقييمية مبنية على تسعة وعشرين عنصرًا مُستخلَصًا من الخمسة تغييرات الأساسية الموضَّحة في هذا الكتاب، وقد طبَّقَتا هذه القواعد على أحد المناهج الدراسية لتوضيح استخدامها.

شرع كتابان — نُشرا منذ إصدار الطبعة الأولى — في دراسةِ ما يَعنيه إضفاء الصبغة المؤسسية على الخبرات التعليمية المُتمركِزة حول المتعلم. ويُناقش الكتاب الأول، وعنوانه: «قيادة الحرم الجامعي المُتمركِز حول المتعلم: إطار عمل خاص بالإداريين لتحسين نواتج التَّعلُّم لدى الطلاب» (هاريس وكولين، ٢٠١٠)، نوعية القيادة الأكاديمية الضرورية لتطوير مناهج دراسية تُركِّز على الطلاب، باعتبارهم متعلمين، ونوعية المناخ المؤسَّسي الذي يُشجِّع أعضاء هيئات التدريس على الابتكار في هذا المجال ويُكافئهم عليه. أما الكتاب الثاني فيركز على تطوير المنهج الدراسي (كولين وهاريس ورينهولد، ٢٠١٢). ويُلخِّص هذا الكتاب السمات المميزة للمناهج الدراسية المُتمركِزة حول المتعلم، ويتحدَّث عن التسلسل التطويري عبر المواد الدراسية، والأهم من ذلك كله أنه يحتوي على نماذج لهذه المناهج الدراسية، فبالنسبة إلى أعضاء هيئات التدريس والقادة الأكاديميِّين المهتمِّين باستخدام أساليب التدريس المُتمركِز حول المتعلم في عدة مواد دراسية عبر مناهج مختلفة، يَشتمِل هذان المصدران على محتوًى مفيد.

(٤) نقاط جيدة للانطلاق

كثيرًا ما أُسأل في وِرَش العمل عن النقاط المُناسبة للانطلاق من عندها، ما الاستراتيجيات التي تؤتي ثمارَها على أفضل نحو عندما يَحظى الطلاب بعدد قليل من التجارب المُتمركِزة حول المتعلم، أو لا يَحظَون بأيٍّ منها على الإطلاق، وعندما لا يَستعين المعلمون بهذه الأساليب بانتظام. وقبل عرض المُقترحات المحدَّدة، دعوني أُقدِّم بضع نصائح بخصوص المُحاولات الأولى لتطبيق هذه الأساليب التدريسية:

ابدأ بنشاط أو واجبٍ دراسي تكون فيه فرصة النجاح عالية: هذا يصبُّ جزئيًّا في مصلحة المعلم، فإذا جربتَ أحد أساليب التدريس المُتمركِز حول المتعلم ولم تَسِر الأمور على خير ما يرام، يتراجع الحافز لديك لتجربة أسلوب آخَر منها. وإذا ما جربتَ شيئًا ووجدته يُجدي نفعًا، فهذا يزيد الحافز لدى المعلم والطلاب على حدٍّ سواء. يصبُّ هذا القرار جزئيًّا في مصلحة الطلاب أيضًا؛ فعندما يشارك الطلاب في نشاط ما أو يُنجزون واجبًا دراسيًّا يمثل نوعية جديدة من تجارب التَّعلُّم ولا ينتابهم الشعور بالنجاح والسعادة، فهذا أشبه بعود الثقاب الذي يُضرم النار في الهشيم، أي يُشعل نيران المقاومة.

بالنسبة إلى المعلمين، هذا يعني أيضًا البدء بنشاط سهل، نشاط يُمكنك أن ترى نفسك تنجح في تأديته ويَتناسب مع المحتوى الذي تدرسُه وطريقة تدريسك إياه. وبالنسبة إلى المعلمين الأكثر خبرة، من الرائع أن تستعين ببعض الأساليب التي لم تُجرِّبها من قبل، والتي تحمل في طياتها نتائج غير مؤكدة. إننا بحاجة إلى فُرَص نُموٍّ تُوسِّع مداركنا وتدفعنا إلى الأمام، ولكن ليس في البداية؛ فمن الأفضل أن تبدأ بشيء يُمكنك أن تنجزه بهدوء وثقة.

إذا أردتَ اكتشاف هل أساليب التدريس المُتمركِز حول المتعلم تُناسب المحتوى الخاص بك وتُناسب طلابك، فابدأ بداية مُتواضعةً: فعلى الرغم من وجود الأدلة البحثية والتجارب الخاصة بمن اقتنعوا بهذه الأساليب، فثمة سؤال مُلحٌّ يتردَّد دومًا، بخصوجدوى هذه الأساليب عند استخدامها. وأفضل نصيحة، في هذه الحالة، هي تجربة بعض الأساليب — ربما أسلوب واحد فقط — لترى ما إذا كانت هذه الأساليب تُحقِّق المرجوَّ منها. إنَّ حصر عدد الأساليب المستخدمة يُسهِّل عليك أن تُولِي كامل انتباهك إلى هذه الأساليب الجديدة دون تشتيت، الأمر الذي يزيد من فرصة نجاحها، فإذا كنتَ لا تريد المخاطرة بالاستعانة باختبار جماعي، جرب أسلوب الحل الجماعي في اختبار قصير، وإذا انتابك الشعور بالقلق حيال نوعية السياسات التي سيَقترحها طلابك، دعهم يعملون على سياسة واحدة، وامنحهم ثلاث نسخ ممكنة، واجعلهم يختارون واحدةً من بينها، أو دعهم يَقترحون سياسةً مرهونة بمُوافقتِك عليها. إذا كان السماح لطلابك لاختيار الواجبات الدراسية يَبدو مبالغة غير ضرورية، اسمح لهم أن يَختاروا بين عدة اختيارات خاصة بالواجبات الدراسية، أو من بين تنويعات مختلفة لنفس الواجب الدراسي، بعبارة أخرى، إذا ساورتك الشكوك فتَوَخَّ الحذر. ليس لديَّ شك في صحة هذه النصيحة؛ فالأدبيات التربوية تزخر بالأمثلة على التغييرات الصغيرة الخاصة بالتدريس المُتمركِز حول المتعلم، التي أحدثت فارقًا كافيًا لإقناع المتشكِّكين بها.
وازن بين احتياجات الطلاب واحتياجاتك: إنَّ الكثير من الواجبات والأنشطة الدراسية المُتمركِزة حول المتعلم الموضَّحة في مواضع أخرى بهذا الكتاب تجعل الطلاب يُشاركون في تجارب تعلم جديدة ومختلفة، مثل مهامَّ لم يؤدُّوها من قبل، أو أنشطة تتضمَّن اتخاذ القرار، أو مهامَّ اعتادوا أن يتركوا المعلمين يُنجزونها. من المهم التفكير في عدد الخيارات الجديدة التي يستطيع الطلاب التعامل معها في البداية.

وهذه النَّصيحة متصلة بشعوري الدائم بالقلق حيال خوض المعلمين لتَجارِب تحوُّلية لاتباع هذا الأسلوب في التدريس، سواء أكان ذلك من جراء حضور ورشة عمل أو قراءة كتاب. يرى هؤلاء المعلمون الضوء ويَكونون على استعداد ليُنيروا عالم التدريس بأكمله بهذا الضوء، ويَشعرون برغبة مُلِحة في تغيير كل شيء، ويُقرِّرون البدء بتغيير أشياء كثيرة دفعة واحدة. أتمنى لو كان بإمكاني أن أطلب من كل معلم يَنتابه هذا الشعور أن يقرأ مقالَيْن يَصفان تجربتَيْن فاشلتَيْن للغاية، حاوَل فيهما أعضاء هيئات التدريس تطبيق عدد كبير من هذه الأساليب فاقَ قُدرة طلابهم على الاستيعاب.

يصف نويل (٢٠٠٤) تجاربه كأستاذ حاصل على درجة الدكتوراه مؤخرًا ويُدرِّس إحدى مواد ماجستير إدارة الأعمال التي لا تحظى باهتمام كبير لدى الطلاب، ولم يكن قد دَرَّسها من قبل: «في بداية تدريس المادة، كنتُ مُتحمِّسًا وواثقًا. وفي النهاية، كنتُ مُرهقًا ومرتبكًا» (ص١٨٨). هكذا يصف المقال ما حدث في المُنتصف بين البداية والنهاية، وهو أمر ليس رائعًا. يَذكر نويل ثلاثة افتراضات خاطئة وضعها في البداية: إذ افترض أنه بمُجرَّد أن يشرح للطلاب أفكاره الجديدة عن المادة، فإنَّ من شأنهم اعتناق هذه الأفكار على الفور، وافترض أن الطلاب الأذكياء البارعين سيكونون راغبين في أداء المهامِّ مفتوحة النهايات، التي كان قد صمَّمها لهم، وافترض أنه قادر على إنجاح هذا الأمر. «لم أكن أخشى تجربة أشياء جديدة داخل قاعة الدراسة قطُّ، رغم أنَّني لم أفعل شيئًا على هذا القدر من الاختلاف الجذري من قبل. بالطبع، لقد واجهتُ مشكلات داخل قاعات الدراسة قبل ذلك، إلا أنني لم أواجه قط مشكلة عصفت بي بهذه الصورة. كان حريًّا بي أن أتحلى بالقدرة على التعامل مع أي مشكلة تُثار» (ص١٩١). شكرًا لك يا نويل على أمانتك اللافتة للنظر.

تطوعت شيريل ألبرز (٢٠٠٩) بتدريس أحد مقرَّرات المستوى الرفيع لطلاب السنوات النهائية بقسم علم الاجتماع. وفعلت ذلك بقدر مُفرط من «الحماسة الهائلة، مُعتبرةً إياها فرصة لتطبيق بعض الأساليب التربوية الجديدة. لكن شكلت ردود الأفعال الأولية غير المتوقَّعة من جانب الطلاب أكثر التجارب المُحبطة في مسيرتي المهنية الطويلة» (ص٢٧٠). إن تحليلها لرد فعل الطلاب مفيد للغاية؛ حيث كتبتْ تقول: «كانت محاولتي لتغيير السلوكيات المعتادة «للأستاذ الجامعي» مستندةً إلى الافتراض القائل بأنَّ الطلاب من شأنهم أن يُرحِّبوا بالتغييرات التي تُحدثها هذه المحاولة من أجلهم، إلا أن تطبيق هذا التغيير في عجالة جعلني أدرك درجة الارتياح التي يَشعُر بها بعض الطلاب تجاه إمكانية تَوقُّع الأدوار الحالية» (ص٢٧٤). شكرًا لكِ يا شيريل ألبرز على هذا التحليل المُلهم الخاص بالتقديرات الخاطئة للاستعداد على المستوى التطويري.

ومن واقع تجربتي، اكتشفتُ أن مزيجًا من الاستراتيجيات والأنشطة الجديدة والمألوفة يُحقِّق أفضل النتائج المرجوة مع الطلاب المستجدين؛ حيث يُشارك الطلاب في نوعية جديدة من تجارب التَّعلُّم، ثم يُتْبَع هذا بشيء مألوف لهم. فنحن نُؤدِّي نشاطًا جماعيًّا غير معتاد داخل قاعة الدراسة، وفي اليوم التالي نعود إلى سلسلة المحاضرات النقاشية المعتادة. ليس كل شيءٍ في هذه المادة الدراسية جديدًا، ولكن تمَّ تغيير القدر الكافي منها؛ بحيث لا يفلت أي طالب من حقيقة أنَّ هذا المقرر الدراسي ليس مقرَّرًا معتادًا.

يسرد المربع ٩-٢ عددًا من الأنشطة المتوقَّعة «للمستجدين»، وهذه نقاط جيدة للانطلاق لكلٍّ من أعضاء هيئات التدريس والطلاب على حد سواء. وتتعزَّز فرصة نجاح أي تجربة للتَّعلُّم في المستقبل عندما يُجري المعلمون التعديلات؛ بحيث يَتناسب النشاط أو الواجب الدراسي مع السمات التي تُميِّز وضعَهم على مستوى التدريس والتَّعلُّم. بعبارة أخرى، اجعل هذه الاستراتيجيات مميَّزة بأسلوبك الخاص.

مربع ٩-٢: نقاط جيدة للانطلاق بالنسبة إلى المعلمين والطلاب

السؤال التعليمي: ابدأ بطرح الأسئلة على الطلاب، بانتظام وعلى نحو متكرِّر، بخصوص ما يتعلمونه، بل والأهم من ذلك، كيف يتعلمونه. اطرح عليهم الأسئلة في الحوارات الاجتماعية أثناء المحاضرات وبعد كل نشاط يُؤدُّونه داخل قاعة الدراسة. اذكر ما تتعلَّمه وطريقة تَعلُّمك إياه. اطلب من الطلاب أن يَكتبوا بصفة ودِّية عن الكيفية التي يتوقَّعون بها تَعلُّم نوعية معينة من المفاهيم، وكيف يتعلَّمون من الكتاب الدراسي، وكيف يتعلمون بعضهم من بعض. اجعل مناقشةَ عملية التَّعلُّم محورًا للمُقرَّر الدراسي (انظر الفصل الخامس لوصف تفصيلي أكثر).
محاضَرة المُراجعة قبل الاختبار: نَظِّم محاضرةً للمراجعة، يُعِدُّ فيها الطلاب مذكرة المُراجعة بأنفسهم؛ بمعنى أنهم يُعِدُّون دليلًا للمذاكرة، ويَضعون أسئلة متوقَّعة للاختبار، ويُحدِّدون الموضوعات التي يحتاجون فيها إلى مزيد من الشرح والإيضاح، ويَتناقشون بعضهم مع بعض فيما سيَحتاجون إلى معرفته استعدادًا للاختبار (انظر الفصل السابع لوصف تفصيلي أكثر).
التدرب على وضع التقديرات الدراسية: من أجل مساعدة الطلاب على فهمِ عناصر الإجابة الجيدة للسؤال المقالي أو عناصر البحث المُمتاز، وَزِّعْ عليهم عدة أسئلة أو أبحاث مجهولة الهوية ذات مستويات مختلفة للجودة، واترك الطلاب «يضعون التقديرات الدراسية»، كل طالب على حِدَة في البداية، ثم في جلسة نقاشية مع الآخرين (انظر الفصل السابع لوصف تفصيلي أكثر).
وضع أهداف للمادة الدراسية: يُشرك بنجامين (٢٠٠٥) الطلاب في وضع أهداف المادة. ويُوزِّع على الطلاب مذكرة تذكُر سبعة عشر هدفًا محتملًا للمادة. وفي خطة المنهج الدراسي، يذكر أهدافه للمادة، ويشرح السبب وراء أهميتها، ثم يطلب من الطلاب أن يختاروا أهمَّ ثلاثة أهداف لهم من المذاكرة، وأكثر الأهداف التي تَحصُل على أصوات تُضاف إلى خطة المنهج الدراسي، وإذا اقتضَت الحاجة، يعدل بنجامين محتوى المادة والأنشطة والواجبات الدراسية الخاصة بها من أجل تحقيق هذه الأهداف الإضافية.
مراجعة ما سبَق في بداية المحاضرة أو نهايتها: أثناء آخِر أو أول خمس دقائق من زمن المحاضرة، جهِّز نشاطًا يراجع فيه الطلاب المحتوى الذي قُدِّم أثناء المحاضرة أو محاضرة اليوم السابق، ربما يضعون خطًّا تحت ملاحظاتهم ويتوسَّعون في تدوينها، ولعلهم يُقارنون ملاحظاتهم بملاحظة زملاء آخَرين، ولعلهم يَبتكرون أسئلة متوقَّعة للاختبارات، ولعلهم يُلخِّصون أهم فكرة في عبارة تتكون من ١٤٠ حرفًا فقط. ومِن المفيد أيضًا للطلاب أن يراجعوا المادة العلمية المقدَّمة قبل عدة أيام مضت، ولا سيما إذا كان استيعاب المفهوم الجديد متوقِّفًا على معرفة المفاهيم السابقة.
اختيار الواجب الدراسي: خذ واجبًا دراسيًّا واحدًا وأعد تصميمه بحيث يَشتمل على عدة خيارات متعلقة بالموضوعات المتوقَّعة، واختيارات النسق المتوقَّع لهذا الواجب الدراسي، وفي أي وقتٍ يمنح الطلاب فيه الاختيارات ينبغي أن يُطلَب منهم تفسير وتبرير ما قرَّروا إنجازه (انظر الفصلَين الأول والرابع لوصْف تفصيليٍّ أكثر).
معايير التقييم: أَشرِك الطلاب في وضع المعايير التي ستُستخدَم لتقييم واجب أو نشاط دراسي. إذا كان الطلاب سيُناقشون واجبًا خاصًّا بالقراءة، سلهم عن العناصر التي تجعل مناقشة أحد الطلاب تستحق الاستماع إليها والمشاركة فيها. استَعِن بتقييماتهم لابتكار مجموعة من المعايير التي ستَستعين بها لتقييم نقاشهم التالي لواجب القراءة. أوضحت جوسلين هولاندر (٢٠٠٢) أنها تقوم بذلك ثم تُقيِّم المناقشة ككل، بدلًا من تقييم المساهمات الفردية.
اختبار جماعي قصير: جهز اختبارًا قصيرًا داخل قاعة الدراسة. وفي النهاية، امنح الطلاب خمس دقائق لمناقشة الإجابات بعضهم مع بعض. ثم اسمح لهم أن يُغيِّروا أي إجابات يُريدونها، أولًا عن طريق وضع نجمة إلى جوار أي إجابة أجروا عليها تعديلًا، ثم تدوين إجابتهم الأصلية والإجابة المُعدَّلة، وتُحسب الدرجة على أساس الإجابة المُعدَّلة. وفي محاضرة تصحيح إجابات الاختبار، تُعقَد مناقشة لتحديد ما إذا كانت استشارة الآخرين قد ساعدتهم أم أضرَّتهم مع ذكر السبب.
المناخ الدراسي: أفضل وأسوأ التجارب: من أجل المساعدة في توفير مناخ مناسب للتَّعلُّم، نظم مناقشةً لأفضل وأسوأ التجارب الدراسية. دوِّنها على السبورة؛ بحيث تكون الاختلافات بارزةً للعيان، أو اجعل هذا النقاش في مجموعات؛ بحيث تكون جلسة تعارف بين الزملاء يتشارك فيها الطلاب في أفضل وأسوأ التجارب الجماعية. ويُمكن أن يَجري الأمر على صورة نقاش عبر شبكة الإنترنت، يُلقي الضوء على أفضل وأسوأ التجارب الجماعية عبر شبكة الإنترنت، أو أن يكون نقاشًا للتعريف بأفضل وأسوأ سياسات المُشاركة. الهدف هو جعل الطلاب يُفكِّرون في التجارب التي ساعدتهم والتجارب التي عرقلت جهودهم المبذولة للتَّعلُّم (انظر الفصل السادس لوصف تفصيليٍّ أكثر).

(٥) المشكلات التطويرية من منظور أعضاء هيئات التدريس

أحد أكثر السمات إثارةً للاهتمام في نموذج جرو الذي قدمتُه في موضع سابق من هذا الفصل هو: طرح جرو (١٩٩١) القائل بأن ثمة مسارًا تطويريًّا موازيًا بالنسبة إلى أعضاء هيئات التدريس؛ حيث إنهم يمرُّون بمراحل أثناء تَحوُّلهم من أسلوب التدريس المُتمركِز حول المعلم إلى أسلوب التدريس المُتمركِز حول المتعلم. ولقد طورت فيليس بلومبرج (٢٠٠٩) مجموعة من القواعد المرتكزة على التغييرات الخمسة التي ناقشناها بدايةً من الفصل الثالث وحتى الفصل السابع من هذا الكتاب. وتُؤدِّي هذه القواعد عملًا رائعًا خاصًّا بتحديد الخطوات التطويرية نحو التَّحوُّل إلى أسلوب التدريس المُتمركِز حول المتعلم. وهذه الخطوات تُسهِّل على المُعلِّمين أن يروا موضعهم على سلسلة التحول تلك. والقواعد مفيدة أيضًا؛ لأنها تُوضِّح أن هذا الأسلوب في التدريس ليس اقتراحًا يفرض الاختيار بين كل شيء، أو لا شيء على الإطلاق؛ فبإمكان المعلمين أن يجعلوا ممارستَهم لمِهنة التدريس متمركزةً حول المتعلم بنسبة قليلة أو كبيرة؛ إذ يُمكنهم بلوغ مستويات مختلفة على حسب المجال، فلعلَّهم يُجيدون بذل الجهود كميسرين لعملية التَّعلُّم، ولكنهم بعيدون تمامًا عن الاستعانة بأساليب التقييم الذاتي وتقييم الأقران. والرسالة الأساسية وراء الأقسام السابقة من هذا الفصل هي أنَّ أفضل نصيحة يأخذ بها المعلمون هي أن يتحرَّكوا بخطوات تدريجية على طول سلسلة التَّحوُّل؛ بدلًا من محاولة القفز من أقصى طرف إلى الطرف الآخر في مادة دراسية واحدة؛ فبالنسبة إلى معظم المعلمين، يُمثِّل التدريس المُتمركِز حول المتعلم تغييرًا جذريًّا في طريقة التفكير يُطبَّق عن طريق مجموعة أنشطة وواجبات جديدة، أو بعبارة أبسط، لا يجد معظم المعلمين أن التغيير سهل.

ويُحدِّد جرو (١٩٩١) مشكلة أخرى لعدم التوافق ألمحْنا إليها في أقسام سابقة. تزداد مقاومة الطلاب عندما يقطع المعلمون مسافة أطول من التي يَقطعها الطلاب على طول سلسلة التَّحوُّل إلى التدريس المُتمركِز حول المتعلم، بل والأكثر أنه كلما زادت المسافة بينهما صارت المقاومة أكبر وأعظم، وهذا سبب آخَر لضرورة أن يكبح المعلمون رغبتهم في تغيير ما هو أكثر من اللازم بسرعة أكبر من اللازم؛ فالطلاب بحاجة إلى دفعهم إلى الأمام، من الموضع الذي يبدءون من عنده، لا من حيث يظن المعلمون أنه ينبغي لهم أن يكونوا أو من حيث يقف المعلمون أنفسهم. وقد يحدث عدم التوافق الذي وصفَه جرو في كلا الاتجاهين، فيَشعر الطلاب بالإحباط وخيبة الأمل عندما يكونون متقبِّلين لأساليب التدريس المُتمركِز حول المتعلم أكثر من معلميهم.

دخلتُ على مدار سنوات في مناقشات عدة مثيرة للاهتمام، بخصوص ما إذا كان ينبغي لنا أن نوصي أعضاء هيئات التدريس الجدد باستخدام أساليب التدريس المُتمركِز حول المتعلم أم لا. هل تطبيق هذه الأساليب بنجاح يَعتمد على قدر معين من الخبرة، ومستوًى معين من النضج المهني؟ لم يخضع هذا السؤال المحدَّد للدراسة، على الأقل في أي بحث يُمكنني الاطلاع عليه، إلا أن ثمة نتيجة ذات صلة بهذا الموضوع. ووجدت دراسة إيبرت-ماي وديرتينج وهودر ومومسين ولونج وجارديليزا (٢٠١١)، عن ورش العمل المصمَّمة لمساعدة أعضاء هيئات تدريس مادة العلوم في اتباع المزيد من هذه الأساليب؛ أنَّ المعلمين المبتدئين يطبِّقون هذه الأساليب أكثر من المعلمين ذوي الخبرة. وتساءل فريق البحث عما إذا كان من قضى وقتًا أطول في مهنة التدريس يَلقى صعوبة أكبر حيال تطبيق هذه التغييرات، ويكون أقل ميلًا نحو القيام بذلك.

سواء أكانوا يتمتَّعون بالخبرة أم يفتقرون إليها، يجب أن يكون المعلمون الذين يُطبِّقون ما هو أكثر من بضعة أساليب بسيطة لهذا النوع من التدريس، واثقين من أنفسهم إلى حدٍّ ما، وعلى استعداد لخوض بعض المخاطر. ولقد تمَّ استكشاف الأسباب بالفعل؛ فطريقة التدريس هذه لا تخضع لسيناريو معين، ونظرًا لأنَّ ما يحدث داخل قاعة الدراسة يَعتمد أكثر على ما يفعله الطلاب، فإنَّ ما يحدث داخل قاعة الدراسة لا يخضع إلى سيطرة المعلم. يشتمل هذا الأسلوب على تدريس هادف لتنمية المهارات مباشرةً، وثمة مقاومة من جانب الطلاب لا بد من التعامل معها. هكذا يتطلب الأمر مستوًى معينًا من النُّضج المهني للتعامل مع تغيير بهذا القدر مِن الأهمية.

لا أظنُّ أن التطبيق الناجح لأساليب التدريس المُتمركِز حول المتعلم يعتمد كثيرًا على مرحلة مِهَنية معينة مثلما يَعتمد على مدى استعداد عضو هيئات التدريس لذلك. إذا كنت قد قرأت الكتاب وإذا كنت متحمِّسًا لتجربة بعض هذه الأساليب، وعلى استعداد للقيام بما هو أكثر مما كنت معتادًا عليه، وتُفكِّر فيما أنت بصدد إقحام نفسك فيه، ولا تزال راغبًا في تحقيق التطور والتغيير على المستوى المهني، فحريٌّ بك إذَن أن تمضي قدمًا، وتُقدم على هذه الخطوة بثقة. لن يَسير كل شيء على نحو مثاليٍّ، ولكنَّك ستتعلم أنت وطلابك، وتُحسِّنون أداءكم في المرة التالية.

كنتُ أظنُّ في الماضي أنني يومًا ما سأكون معلمةً تتبع أسلوب التدريس المُتمركِز حول المتعلم، وأكون بذلك قد وصلتُ إلى هدفي، ولقد حرَّرني فلاخمان (١٩٩٤) من هذه الفكرة وصحَّحها لي، ونصيحته تُلخِّص مضمون هذا الفصل وأحد الأفكار الرئيسية لهذا الكتاب؛ ألا وهي أن تطوير مهارات المُعلِّمين والطلاب أمر يتعلَّق بالمضيِّ قدُمًا. وكتَب فلاخمان يقول: «التدريس الجيِّد عبارة عن «رحلة» وليس وجهة وصول؛ فهو ليس محطة قطار تقف فيها، وبمجرَّد وصولك إليها تتوقف عن المضي قدمًا … والكسل قوة سلبية ذات تأثير تراكمي على مِهنة التدريس، تدفعنا لمواصلة إنجاز المهام بنفس الطريقة التي اعتدنا عليها لسنوات. الأمر أشبَه قليلًا بالانتماء إلى ما يُشبه رابطة مُدمني الكحوليات المجهولين، ولكن على المستوى التربوي؛ حيث إن داخل كل واحد منا معلم ضعيف دومًا ينتظر الظهور على الملأ. علينا أن نُقاوم الإغراء للبقاء على ما نحن عليه، والمُكوث في محطة التوقُّف» (ص١).

لقد استعنتُ بهذا الاقتباس كي أَختتم الطبعة الأولى من هذا الكتاب. وقد وصَفَها أحد القراء بأنها نهاية حادَّة، وهي كذلك فعلًا؛ فنحن نحتاج إلى ما هو أشد وطأةً من الرسائل التذكيرية اللطيفة. إلا أنني أشعُر الآن بأنه ينبغي لي أن أختتم الكتاب بملاحظة أكثر إيجابية. ولقد حفَّزني وشجَّعني وصْف مؤثِّر لبروكفيلد (٢٠٠٦) لما يفعله المعلمون الذين يتبعون أساليب التدريس المُتمركِز حول المتعلم. والاقتباس يبدأ بسرد قائمة طويلة من أفلام هوليوود التي صورت نموذج المُعلِّمين المؤثرين، من بينها أفلام: «الوداع، يا سيد تشيبس» (جودباي مستر تشيبس)، و«إلى السيد، بكل الحب» (تو سير ويز لاوف)، و«قف وحاضر» (ستاند آند ديليفر)، و«الأعمال الموسيقية للسيد هولاند» (مستر هولاندز أوباس)، على سبيل المثال لا الحصر. وعلى الرغم من إعجابه بالأفلام؛ فإنه يقول عنها إنها قدَّمت نماذج سيئة بالنسبة إليه. فكتب يقول: «لا يدور التدريس حول أشخاص يتمتَّعون بسحر الشخصية يَستغلُّون القوى المطلقة لتصرفاتهم وشخصياتهم لإحداث تغييرات تحولية تدوم طوال حياة الطلاب، وإنما يدور حول البحث عن طُرق لتعزيز المكاسب اليومية التدريجية التي يَجنيها الطلاب أثناء محاولتهم فهم الأفكار، واستيعاب المفاهيم، ودمج المعرفة، وتنمية المهارات الجديدة. إن كل الأشياء الصغيرة التي تفعلها لكي يُحقِّق الطلاب ذلك تُمثِّل القصة الحقيقية لمهنة التدريس. ومدُّ يد المساعدة والمساهمة في عملية التَّعلُّم هو ما يجعلك البطل الحقيقي لهذه القصة» (ص٢٧٨).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢