الفصل الثالث

الأصول الدبلوماسية للحرب العالمية الأولى ومعاهدة فرساي

يصعب تصديق هذا في بعض الأحيان، لكن الخمسة عشر عامًا السابقة على اندلاع الحرب العالمية الأولى شهدت ذروة حركة السلام الدولية؛ فقد كثرت منظمات السلام الدولية وحظيت بالاحترام، وتأسست المحكمة الدائمة للتحكيم في لاهاي، وأُبرِمت العشرات من معاهدات التصالح. لقد آمن بقوة بعضٌ مِمَّن شهدوا هذه السنوات الهادئة التي عمَّها السلام بأن عهد الحروب — على الأقل الحروب الكبرى — قد ولَّى. وقد بدا جليًّا أنه في ضوء الإمكانات المكلفة والمدمرة للتكنولوجيا الحديثة؛ فإنه حتى المنتصر في هذا الصراع سيخسر أكثر بكثير ممَّا قد يجني. افترض العالم أن البشرية تتمتع بالعقلانية، وبإمكانها أن ترى حماقة إهدار الموارد الثمينة في لعبة تدمير الذات. في عام ١٨٩٣، كتب إدوارد بيرنشتاين — العضو بالحزب الديمقراطي الاشتراكي الألماني — منتقدًا سباق التسلح الأوروبي باهظ التكلفة الذي ساد في ذلك الوقت: «إن جهود التسلح المتواصلة التي أجبرت الدول الأخرى على مواكبة خُطى ألمانيا في التسلح هي نوع من الصراع. لا أدري إن كان هذا التعبير قد استُخدِم مِنْ قَبْل، لكن يمكن وصف هذا الصراع بأنه حرب باردة … ليس هناك إطلاق رصاص، لكن ثمة حالة من الاستنزاف.» من حيث تقويض مستوى رخاء الشعوب وإهدار الموارد التي تحتاجها المجتمعات في عملية الإصلاح الاجتماعي. لقد توصل الكثير من المفكرين بلا شك إلى الاستنتاج نفسه الذي خلص إليه الكاتب البريطاني نورمان إنجل في كتابه المؤثر «الوهم الكبير» الذي نُشِر عام ١٩١٠، حيث أكد الكتاب بصورة مقنعة أن لا أحد يخرج منتصرًا حقًّا من الحرب في العصر الحديث.

تغيَّر الأمر برمته في ٢٨ يونيو عام ١٩١٤ في العاصمة البوسنية سراييفو، عندما أشعلت عملية اغتيال الشرارة الأولى لأزمة دبلوماسية انتهت بحرب عالمية كبرى. أصاب غافريلو برينسيب — وهو شابٌّ صربي قومي مُتعصب وعضو بجماعة إرهابية تُدعى «اليد السوداء» — الأرشيدوقَ فرانسيس فرديناند — وريث عرش الإمبراطورية النمساوية المجرية — وزوجته الحبيبة صوفي في مَقتلٍ. وبما أنه كانت هناك أسباب قوية للشك في ضلوع صربيا في هذا الاغتيال، قررت الحكومة النمساوية اللجوء إلى العنف لحل مشكلة البلقان، ومن ثم القضاء تمامًا على التهديد الدائم الذي يهدد استقرار إمبراطورية هابسبورج متعددة القوميات. كانت تلك المنطقة شديدة الأهمية لمصالح إمبراطورية هابسبورج لتخوفها من اندلاع القلاقل بين سكانها من السلافيين، وكذلك من التوسع الروسي. أرسلت حكومة فيينا خبيرًا قانونيًّا إلى مسرح الجريمة لجمع الأدلة والاستعداد لبناء قضية قوية، وفي شهر يوليو امتثل برينسيب المراهق وزملاؤه المتآمرون للمحاكمة، وصدر الحكم بإدانتهم، ولكن عندما لم تذعن بلجراد لمطالب فيينا التالية، أعلنت الإمبراطورية النمساوية المجرية الحرب على صربيا في ٢٨ يوليو، وتعرضت بلجراد للقصف في اليوم التالي.

(١) الأصول الدبلوماسية للحرب العالمية الأولى

سرعان ما وجدت الدول الكبرى نفسها تخوض حربًا بسبب التحالفات الأوروبية التنافسية وطموحاتها وأطماعها القديمة قدم الزمان؛ فانخرطت في هذا المد الهائل الذي أفرزته الحركات القومية والإمبريالية والعسكرية. في غضون أيام من إعلان الإمبراطورية النمساوية المجرية الحرب، أعلنت الإمبراطورية الألمانية (التي تشكِّل النصف الثاني من قوى دول المركز أو المحور) الحرب على روسيا القيصرية بعدما بدأت روسيا في التعبئة العامة تأهبًا للدفاع عن صربيا، كما أعلنت ألمانيا الحرب على فرنسا بعد أن توقَّعت دعم الأخيرة لروسيا. من جهة أخرى، أعلنت بريطانيا العظمى الحرب على ألمانيا بعد الغزو الألماني لبلجيكا، التي ضمنت بريطانيا وقوفها على الحياد منذ وقت طويل، ثم انضمت اليابان إلى بريطانيا في الحرب بوصفها حليفها في الشرق الأقصى، وانضمت إيطاليا إلى فرنسا وحلفائها (قوات الحلفاء). وفي نهاية الأمر، انخرطت أربع وعشرون دولة من بينها تركيا وبلغاريا ورومانيا واليونان، ثم — بنهاية المطاف — الولايات المتحدة عام ١٩١٧ في هذا الصراع الكبير؛ لتثبت صحة توقُّع المستشار الألماني أوتو فون بسمارك، بأن «تصرفًا أحمقَ لعينًا» في منطقة البلقان من شأنه أن يشعل يومًا فتيل حرب أوروبية شاملة. كما أثبت السياسي البريطاني السير إدوارد جراي بدوره أنه كان مصيبًا عندما قال: «إن الظلام يحل على أنحاء أوروبا كافةً، ولن يعود النور ليغمرها مرة ثانية في زماننا.» وربما كان الأحرى أن يضيف إلى مقولته أيضًا زمان الجيل التالي؛ إذ إن أحداث عام ١٩١٤ مهدت للحرب التالية، لقد كانت بمنزلة حرب متواصلة، حرب ثلاثين عامًا مريعة أخرى.

إلا أنه من الخطأ أن نتصور أن الحرب العالمية الأولى — التي أسفرت عن أوسع دمار ثقافي، وأوسع موجة من القتل الجماعي في أوروبا منذ حرب الثلاثين عامًا — تسببت فيها عملية اغتيال واحدة، بل يعود سببها الأساسي — ولكنه ليس السبب الوحيد — إلى دبلوماسية التحالف التي نشأت على مر سنوات طويلة بين ألمانيا والنمسا وإيطاليا من جهة، وبين فرنسا وروسيا من جهة أخرى. وقد كانت هذه التحالفات المُورِّطة هي ما صنعت النظام العالمي الهش الذي انهار عندما اندلعت الحرب — أو بالأخص عندما أعلنت الإمبراطورية الروسية تعبئة جيوشها — وخاضت القوى العظمى الحرب، باستثناء إيطاليا التي انتظرت للمراهنة على الحصان الرابح الذي تتحقق معه مصالحها. وحتى نفهم هذه السلسلة، ونفهم العقلية الألمانية على مشارف الحرب العالمية الأولى، لا بد أن نبدأ من صعود بروسيا-ألمانيا إلى مراتب القوى العظمى في القرن التاسع عشر.

(٢) الدور الفريد للجيش الألماني

بالرجوع إلى تاريخ صعود بروسيا-ألمانيا إلى مراتب الدول العظمى في القرن التاسع عشر، نجد أن الإنجاز المتمثل في توحيد ألمانيا تحت حكم ولاية بروسيا نتج عن ثلاثة حروب قصيرة خاطفة، خُطِّط لها بدقة، وصُمِّمت ونُفِّذت لأهداف محدودة ومحددة بدقة. لا شك أن هذه الحروب لم تكن حروب فتوحات، بل قامت لأسباب سياسية مستقلة خططت لها قيادات سياسية، ونفذها قادة الجيش من أصحاب الخبرة. يقف خلف إنجازات القرن التاسع عشر تلك قصة صعود بروسيا المذهلة إلى مصاف الدول العظمى الأوروبية تحت حكم الأمراء الناخبين والملوك من أسرة هوهنتسولرن في القرنين السابع عشر والثامن عشر. كان ملوك وأمراء هذه الأسرة الحاكمة — لا سيما ملك بروسيا فريدريك الأعظم الذي امتدَّ حكمه من عام ١٧٤٠ إلى عام ١٧٨٦ — هم من أسَّسَ لسياسة الحكم البروسية الألمانية التي قامت على العلاقة الصحيحة بين القيادات السياسية ولواءات الجيش؛ مما كان يعني بالأساس أن يتولى الملك مسئولية وضع السياسات كافة، وأنه إذا رأى أن خوض حرب ما يشكل ضرورة لأسباب تتعلق بالدولة، فإنه يفوض الجيش للتخطيط للحرب وخوض غمارها. وبهذه الطريقة، كان من المفهوم إمكانية تأمين الحماية القصوى للبلاد. وقد لعبت أسرة هوهنتسولرن على جميع المستويات المهمة دورًا مؤثرًا في تشكيل الثقافة السياسية البروسية الألمانية التي امتدت حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.

fig4
شكل ٣-١: حرب الخنادق: الاستيلاء على الغابة الواقعة غرب بلدية أوبي (١٩١٧)، بريشة الفنان جون ناش.1

يجب الأخذ في الاعتبار أيضًا أنه في بلد حبيس مثل بروسيا-ألمانيا يحيط به أعداء محتملون من كل جانب تعيَّن على رجال الدولة الألمانيين التأهب لاحتمال نشوب حرب في أي وقت، وتهديد دائم بالتعرض للهجوم قد لا يقع في الغد القريب، لكنه محتم الوقوع مستقبلًا. من ثم، كانت الكفاءة الفنية لضباط الجيش الألماني على رأس قائمة أولويات الدولة، ويمكننا أن نلحظ بالفعل في بروسيا الألمانية — بعد توحيد ألمانيا عام ١٨٧١ — منظومة تحكَّم فيها الجيش في أولويات السياسات الخارجية، ثم سيطر في نهايات المطاف على السياسات الدبلوماسية.

(٣) الاستمرار المحتوم للعداء الفرنسي-الألماني

fig5
شكل ٣-٢: الأمير أوتو فون بسمارك.2

عندما أسس المستشار الألماني أوتو فون بسمارك الرايخ الألماني عام ١٨٧١، أتى هذا بالدرجة الأولى على حساب فرنسا في حرب التوحيد الثالثة. تعرضت فرنسا لإذلال وحشي؛ فقد وقع الإمبراطور الفرنسي في الأسر ثم نُفي إلى الخارج، ووقعت البلاد تحت احتلال جزئي، وتعيَّن عليها دفع تعويضات حرب جسيمة، وخسرت إحدى مقاطعاتها الهامة؛ وهي منطقة الألزاس واللورين التي أصبحت تُدعى «المقاطعة الإمبراطورية» إلى أن استعادتها فرنسا بعد الحرب العالمية الأولى. وكان من شأن هذا الخزي الذي تعرضت له فرنسا أن يجعلها عدوًّا دائمًا للإمبراطورية الألمانية الجديدة، ومن ثم كان متوقعًا أن ترغب في الثأر. كان بسمارك يعي هذا بقوة، ومن ثم وضع السياسات الدبلوماسية لألمانيا منذ تلك اللحظة على افتراض أن فرنسا سترغب دومًا في التحالف مع قوة أوروبية عظمى أخرى؛ كي تمنع ألمانيا من الاقتراب منها ثم تهاجمها في الوقت المناسب.

يدور جزء كبير من التاريخ الدبلوماسي لتلك الفترة حول العداء التاريخي بين فرنسا وألمانيا، وبوجه خاص حول العداء بسبب منطقة الألزاس واللورين، ويمكننا أن نجادل — كما جادل المؤرخون — حول مدى انتشار الرغبة في الثأر بين طبقات المجتمع الفرنسي. ولو أمكن سؤال المواطنين — لو كانت استطلاعات الرأي موجودة آنذاك — عن الدولة التي قد تخوض فرنسا حربًا ضدها لرجَّحت الآراء في الأغلب إنجلترا لا ألمانيا، لكن شبح هذا العداء ظل يطارد المستشار الألماني بسمارك على الدوام. ومن ثم، على الصعيد السياسي، كان يتعين عليه أن يقف في وجه تشكيل التحالف الكابوسي المناوئ لألمانيا؛ التحالف بين فرنسا وروسيا. ونظرًا لمخاوف بسمارك من أن تتعرض بلاده للهجوم من الشرق والغرب من فرنسا وروسيا، انصبت سياساته الدبلوماسية بكل قوتها على الحفاظ على التحالفات لأطول فترة ممكنة لإرجاء المحتوم؛ أي الحرب التالية التي ستشتعل عاجلًا أو آجلًا. كانت خطة بسمارك دائمًا هي تشكيل تحالفات ثلاثية — تشكيل مجموعة من ثلاث قُوًى دائمًا تتحالف ضد فرنسا — أو بعبارة أخرى، إن كانت القوى العظمى خمس دول، فيجب تشكيل تحالف من ثلاث دول. وكان هناك بالأساس حليفان محتملان متاحان: إيطاليا التي ستنضم إلى المزايد الأقوى عام ١٩١٥، وبريطانيا العظمى. ولم يكن من المحتمل أن تتحالف بريطانيا العظمى مع فرنسا عدوها اللدود لقرون، أو أن تتحالف مع روسيا؛ نظرًا لأنهما كانتا تتنازعان لوقت طويل في صراع «اللعبة الكبرى» للسيطرة على بعض البقاع؛ مثل: شمال الهند، وباكستان، وجميع المناطق حتى جنوب آسيا.

في عام ١٨٧٣، أبرم بسمارك على عجلٍ معاهدة بين إمبراطوريات شرق ووسط أوروبا الثلاثة: إمبراطورية بروسيا-ألمانيا، والإمبراطورية النمساوية المجرية، وروسيا القيصرية. قضت المعاهدة — التي أُبْرِمَتْ في زيارة للمستشار الألماني إلى سانت بطرسبرج — أنه إذا ما تعرض أي طرف من أطراف المعاهدة للهجوم مِنْ قِبَل قوة أوروبية أخرى يتعين على الطرف الآخر أن يهبَّ لنجدته بقوة قوامها ٢٠٠ ألف جندي. باختصار، كان بسمارك يحاول إيجاد طريقة كي يضمن لبلده دولتين صديقتين يمكن الاعتماد عليهما، لكن سيتضح أن هذا الأمر شديد الصعوبة على المدى البعيد. روسيا بوجه خاص لم تكن تشعر بالارتياح تجاه هذا الاتفاق، ومن ثم دخل بسمارك عام ١٨٧٩ في تحالف من نوع آخر بين ألمانيا والإمبراطورية النمساوية المجرية. قام هذا التحالف الثنائي المناوئ صراحةً لروسيا على أساس دعم ألمانيا للإمبراطورية النمساوية المجرية والمقاومة المجرية لأنشطة روسيا في البلقان. ظلت هذه المعاهدةُ — التي كانت مدتها خمس سنوات، ولكنها كانت تُجدَّد بصفة مستمرة — ساريةً حتى عام ١٩١٨، وكانت حجر الأساس لسياسة بسمارك في عقد التحالفات. لم يكن بأحكام المعاهدة مجال للالتباس، بل كانت واضحة وصريحة، ونصَّت على التالي: إذا تعرض أي طرف من طرفيها للهجوم مِنْ قِبَل روسيا، يقدم له الطرف الآخر المساعدة بجميع قواته، وفي حال تعرض أيٍّ من الطرفين لهجوم مِنْ قِبَل قوة أخرى يلزم الطرف الآخر الحياد على الأقل، وفي حال دعم روسيا لقوة أخرى يلتزم كلا الطرفين بتقديم المساعدات للآخر. ظل هذا التحالف الثنائي أحد ثوابت تلك الفترة بأكملها، وهو يفسر قيام الألمان في يوليو عام ١٩١٤ بإعطاء الضوء الأخضر الشهير للنمساويين بعد اغتيال فرانسيس فرديناند؛ مما سمح لحكومة فيينا بالتصرف كما تشاء تجاه صربيا، مع العلم تمامًا بأن هذا التصرف سيقود في نهاية المطاف إلى الدخول في حرب مع روسيا.

(٤) معاهدة إعادة الضمان

مع تطور السياسات الأوروبية في تسعينيات القرن التاسع عشر، بدأ يتضح بصورة متزايدة أن هدف بسمارك المتمثل في الإبقاء على تحالف يُعوَّل عليه يتكون من ثلاث قوًى؛ هدفٌ يصعب تحقيقه بسبب تعارض المصالح الحيوية لكلٍّ من روسيا وإمبراطورية النمسا والمجر لفترة طويلة، لا سيما في منطقة البلقان التي ظلت لأعوام عديدة مثار احتكاك وصراع بين الدولتين. من ثم، حاول بسمارك عقد صفقة أخيرة مع روسيا لتسير جنبًا إلى جنب مع معاهدة سرية منفصلة تُدعَى «معاهدة إعادة الضمان»، التي أُبرِمت عام ١٨٨٧ لتحل محل عصبة الأباطرة الثلاث المنقضية والتي أُبرِمت عام ١٨٨١ ورفضت روسيا تجديدها. وتعهدت القوتان بموجب معاهدة إعادة الضمان بالتزام الحياد حال خوض إحداهما حربًا مع قوة ثالثة، غير أن هذا لا ينطبق حال خوض حرب «شرسة» مع فرنسا، أو خوض روسيا حربًا مع النمسا. واتفق الطرفان كذلك على العمل على الإبقاء على «الوضع الراهن» في منطقة البلقان، على أن تقر ألمانيا بنفوذ روسيا المهيمن على بلغاريا. وتمثل هذه المعاهدة الشهيرة آخر جهود بسمارك لإبعاد روسيا عن فرنسا، وشراء صداقتها بالتوقيع على معاهدة تتخلى فيها ألمانيا عن مكاسب كان يُعرَف أن روسيا لا تستطيع أن تدركها بسبب المعارضة النمساوية، لكن تبيَّن أن هذا أمر يصعب تنفيذه، وانقضت المعاهدة رسميًّا بعد تقاعد المستشار الألماني عام ١٨٩١.

لكن كانت المعاهدة قد أضحت إلى حد كبير مجرد حبر على ورق قبل ذلك. حاول المؤرخون الألمان كثيرًا تصوير معاهدة إعادة الضمان على أنها أروع خطة وضعها بسمارك؛ لأنه إن أمكن الإبقاء عليها كانت ستقطع الطريق على قيام التحالف العسكري بين روسيا وفرنسا الذي حدث عام ١٨٩٣. في تلك الفترة كان ثمة تبادل للمذكرات الدبلوماسية بين الحكومتين الفرنسية والروسية، تُقِرُّ رسميًّا بقبول اتفاقية عسكرية تم التوصل إليها قبلها بثمانية عشر شهرًا. كانت المعاهدة في واقع الأمر سياسية بقدر ما كانت عسكرية، لكنها صُنِّفَت معاهدة عسكرية للتحايل على الدستور الفرنسي الذي قضى بطرح كل المعاهدات على مجلس النواب الفرنسي، وكان من المقرر أن تظل سارية المفعول ما دام التحالف الثلاثي (١٨٩٢) قائمًا. وقد نصت الاتفاقية على أنه في حال تعرض فرنسا للهجوم مِنْ قِبَل ألمانيا، أو مِنْ قِبَل إيطاليا بدعم من ألمانيا، تُقدِّم روسيا المساعدة بكل قواتها في مواجهة ألمانيا؛ وفي المقابل تُقدِّم فرنسا المساعدة بكل قواتها في حال تعرض روسيا لهجوم مِنْ قِبَل ألمانيا، أو لهجوم مِنْ قِبَل إيطاليا تدعمه ألمانيا. بالإضافة إلى ذلك، وهو ما أنذر بخطر أكبر، أن الاتفاقية قضت بأنه في حال قيام قوى التحالف الثلاثي، أو أيٍّ من أعضائه (ألمانيا والنمسا وإيطاليا) بإعلان التعبئة العامة؛ فإن فرنسا وروسيا تعلنان تعبئة قواتهما فورًا ودون توانٍ. ورغم أن التحالفات الرسمية لم تكن تُنشَر في صحيفة «لو فيجارو» أو صحيفة «لو تون» أو أي صحيفة أخرى، كانت الخطوط العريضة للمعاهدة معروفة للجميع. وقد أدركت وزارات الخارجية بلندن وفيينا وبرلين ما تعنيه هذه المعاهدة؛ ألا وهو نهاية عزلة فرنسا الدبلوماسية، وتحقُّق الكابوس الذي طالما قض مضجع بسمارك.

(٥) عسكرة الدبلوماسية الألمانية

في الحقبة الدبلوماسية التي أعقبت عهد بسمارك، شعر جهاز الأركان العامة لبروسيا الألمانية بضرورة أن يكون الحل العسكري هو الحل الأول لأزمة الدولة الدبلوماسية. وكان جهاز الأركان العامة قد توقع بالفعل حتمية اضطراره لخوض حرب في جبهتين في مواجهة فرنسا غربًا وروسيا شرقًا، وشدد على أهمية تأسيس دفاعات قوية في تلك المنطقة؛ أي في جهة الشرق. لكن في عهد رئيس الأركان العامة الجديد — الكونت فون شليفن — الذي استمر في منصبه من عام ١٨٩١ حتى عام ١٩٠٥، سيطر مفهوم ثوري جديد على الدولة، وعلينا أن نتوقف لوهلة لعرض هذا المفهوم؛ نظرًا لما يكشفه عن طبيعة العلاقة بين الجيش والحكومة المدنية في الإمبراطورية الألمانية. أول ما علينا أن نضعه في الاعتبار هو أن القيادة الألمانية كانت تعتقد أن الحرب مع فرنسا وحلفائها — أيًّا كانوا — حتمية؛ فكان هذا هو السيناريو الوحيد في تصورهم، ثم أتى فون شليفن وأدرك أن الحرب سيتحتم خوضها على جبهتين في مواجهة فرنسا وروسيا في الوقت نفسه؛ وهو ما أثار مشكلة جوهرية تمثلت في الإمدادات العسكرية، إلا أنه كان لدى فون شليفن حل لها، ارتكز هذا الحل على مفهوم جديد — جديد بالنسبة إلى العصر الحديث — يُدعَى حرب الإبادة. كيف كان من المفترض أن تنجح الخطة؟ بما أن مساحة روسيا كبيرة ويصعب السيطرة عليها، وسيستغرق الحشد للحرب شرقًا وقتًا طويلًا؛ فثمة فرصة وجيزة لتدمير فرنسا تكون أولًا في صورة حرب خاطفة، تنتهي في غضون أسابيع قليلة كما حدث عام ١٨٧٠، وبعد الانتهاء من إبادة الجيش الفرنسي يتجه الجيش الألماني شرقًا ليؤازر القوة الأصغر المرابطة في مواجهة روسيا بتعزيز شامل في هذا القطاع. وكان التسليح الألماني الفائق إلى جانب التخطيط سيكفلان التعامل مع القوات الروسية المتثاقلة بحيث تعود القوات الألمانية للاحتفال بأعياد الميلاد في ديارها. وهذا التصور الذي أورثه فون شليفن أدى إلى عسكرة السياسة الدبلوماسية الألمانية على نحو أكبر.

ما يبدو غير معقول — من منظورنا اليوم — هو أن القيادة المدنية الممثلة في المستشار الألماني ومجلس الوزراء لم تُبلَّغ بالتفاصيل الأساسية للخطة، وأهمها أن الخطة في الجبهة الغربية تطلبت زحف الجيش الألماني عبر بلجيكا المحايدة حتى يتمكن الجيش بأسرع ما يمكن من اتخاذ مواقعه شمال باريس بما يسمح بفرض حصار على المدينة، وفي الوقت نفسه يتقدم جيش ألماني آخر عبر نهر الراين جنوبًا ليطوق باريس من ذلك الاتجاه. وشددت الخطة على أن ينتهي هذا في غضون أسبوعين، وكما أطلق عليها فون شليفن معركة «كاناي فائقة»، في إشارة إلى إبادة هانيبال للقوات الرومانية عام ٢١٦ قبل الميلاد. وكادت الخطة أن تفلح، فما الذي أدى إلى فشلها؟ تمثل السبب الأول في رفض بلجيكا الانصياع، ورفضها لمطالب ألمانيا بالسماح لجيشها بالزحف عبر أراضيها، واستبسل الجيش البلجيكي بالفعل في الحرب، بل تصدى على نحو بطولي لقوات الجيش الألماني الذي فاق الجيش البلجيكي في القوة العسكرية والوحشية، بما في ذلك الإعدام الفوري لآلاف من المدنيين والسلب والنهب المدبر لمكتبة جامعة لوفان الشهيرة وغيرها من المواقع التاريخية. أما السبب الآخر والأهم الذي أدى بالخطة إلى الفشل، فهو أن خطة شليفن لم تضع في الاعتبار احتمال تدخل القوات البريطانية في الحرب بالنيابة عن بلجيكا التي كانت بينها وبين بريطانيا معاهدة منذ عام ١٨٣٩ (بروتوكول لندن). وعلى وجه الدقة ربما وضع فون شليفن في اعتباره إمكانية تدخل القوات البريطانية، لكنه ظن أن هذا التدخل لن يزيد عن مجرد أعمال استفزازية ليس أكثر، كما لو أن لندن قد تسمح باحتلال بلجيكا مِنْ قِبَل قوة قد تكون شديدة العداء لها. ظنَّ فون شليفن أن القوات البريطانية لا تستطيع خوض حرب برية، وهي فكرة تكونت لديه من أداء بريطانيا المزري إلى درجة واضحة في مواجهة البوير في حرب جنوب أفريقيا (١٨٩٩–١٩٠٢).

وبالنظر إلى ما حدث، يجد المرء أن تقديرات فون شليفن كانت — على أقل تقدير — قائمة على تحيزاته وآرائه المسبقة؛ لأن ما أحبط خطته الزمنية المُحكمة في الواقع هو تدخل قوات المشاة البريطانية. فكانت قدرة القوات البريطانية على الإطلاق السريع للنيران — وهو الدرس القاسي الذي تعلمته بريطانيا من أدائها المزري في البداية في مواجهة البوير — هي ما عرقل الجيش الألماني الذي كان يستعد لتطويق باريس في سبتمبر عام ١٩١٤. ومن ثم، نخرج باستنتاج بسيط، وهو أن قرار الزحف عبر بلجيكا ورَّط بريطانيا تلقائيًّا في الحرب لتنحاز إلى جانب فرنسا؛ وهو ما أدى إلى انهيار خطة شليفن العبقرية التي كانت لتفلح لولا هذا التدخل. غير أن ما علينا أن نتذكره هنا هو أنها كانت خطة تعاني مواطن قصور من الناحية السياسية والعسكرية في المقام الأول. وقد أقر المستشار الألماني بتمان هولفيج بهذا في مذكراته بعد الحرب، بل إنه في الواقع عندما علم أن الخطة ستؤدي إلى تحرك القوات البريطانية انهارت رباطة جأشه، وانتقل حكم ألمانيا الفعلي إلى الجيش الألماني.

(٦) الاستمرار الجنوني في حرب الإبادة

بعد فشل الخطة، كان القائد الجديد للجيش إريش فون فالكنهاين — الذي خلف القائد فون مولتكه الأصغر — يعتقد — أو تظاهر بأنه يعتقد — أنه ما زال قادرًا على تحقيق هدف ألمانيا الأساسي في الشرق والغرب، غير أن الموارد من الجند والعتاد لم تكن كافية لهذه المهمة الهائلة. لم يكن فون فالكنهاين نفسه في الواقع واثقًا تمامًا أنه قادر على تنفيذ المهمة بنجاح؛ فقد كتب في أوائل أغسطس مع بدء أعمال العنف: «حتى إن مُنينا بالهزيمة في هذه المهمة؛ فإنها لا تزال مهمة رائعة.» وأردف قائلًا بعبارة أخرى: «نشعر بأننا مضطرون للاستمرار في هذه الخطة رغم أنها ستفضي على الأرجح في نهاية المطاف إلى كارثة.»

لكن الأمور ازدادت سوءًا، فقد أخبر فون فالكنهاين المستشارَ الألماني في ١٨ نوفمبر عام ١٩١٤: «ما دام تحالف روسيا وفرنسا وإنجلترا قائمًا؛ فإن تحقيق النصر أمر مستحيل.» كان فون فالكنهاين بالفعل يفضل عقد معاهدة سلام منفصلة مع كلٍّ من هذه الدول، لكن كان هذا الأمر في تقديره مستبعدًا بسبب معاهدة لندن التي أُبرِمَتْ في سبتمبر عام ١٩١٤، والتي أجبرت الحلفاء الثلاثة على الإبقاء على تماسك جبهتهم الموحدة في مواجهة ألمانيا. من الصعب بمكان فهم عقلية القيادة الألمانية؛ فهي من ناحية أدركت أن المضي في مخططها سيفضي على الأرجح إلى كارثة لا تجدي شيئًا، لكنها من جهة أخرى لم ترغب في الإقرار بهذا علانية؛ إذ لم تكنْ كراهية ألمانيا لإنجلترا — ببساطة — لتسمح بذلك.

وليس من المغالاة هنا أن نؤكد على دور عداء ألمانيا لبريطانيا في تحريك السياسات الألمانية؛ إذ كان تدمير إنجلترا وإمبراطوريتها في الواقع أهم الأهداف الحربية لألمانيا في الفترة ما بين عام ١٩١٤ إلى عام ١٩١٨، ومن هنا جاء سعي ألمانيا المحموم وإنفاقها لأموال طائلة لبناء أسطول يخوض حربها في أعالي البحار. وقد رأى كبار الساسة والمفكرين أن ألمانيا كانت على مشارف نقطة تحوُّل هائلة في التاريخ ستقود لترسيخ طموحات ألمانيا في أن تصبح قوة عالمية، لا قوة أوروبية فحسب؛ فيتحرر العالم أخيرًا من القبضة المحكمة للتجارة البريطانية والضعف الفكري، ليحل محلهما التراث الثقافي الألماني الثري والتنويري. من ثم، فقد كانت المنافسة مع بريطانيا — قدر ما كان العداء مع فرنسا — هي ما تحرك مخطط ألمانيا للحرب.

(٧) الدبلوماسية إبان الحرب

ترجمت السياسات الرسمية للحكومة الألمانية كل هذه الأفكار عقب اندلاع الحرب مباشرة تقريبًا؛ ففي وثيقة لم يُعثَر عليها في أرشيفات برلين إلا بعد عام ١٩٤٥، تحمل عنوان «برنامج سبتمبر»، وُضِعَتْ بالتفاصيل الأهداف القديمة للحكومة الألمانية. شكلت هذه الأهداف في حقيقتها خلاصة العديد من المذكرات المطروحة أمام العديد من الوزارات، وقد تنبأت بتدمير روسيا وإمبراطوريتها تمامًا في الشرق، وكذلك سحق فرنسا واحتلال بقاع كبيرة من الأراضي الفرنسية بالشرق بحيث لا تقوم لفرنسا قائمة مُجددًا كقوة صناعية، كما تنبأت باحتلال بلجيكا احتلالًا دائمًا بهدف تأسيس قواعد بحرية ضخمة على بحر المانش بحيث تمثل تهديدًا لإنجلترا. أما هولندا، فبوصفها دولة من الدول الجرمانية تمتلك أراضي تابعة لها خارج البلاد فسيربطها علاقة خاصة بألمانيا، بالتحديد كانت ستتيح أمام القوات البحرية الألمانية أراضي مستعمرة الهند الشرقية الهولندية — أو إندونيسيا حاليًّا — لتأسيس قواعد بحرية قوية تسيطر ألمانيا من خلالها على المستعمرات ذاتية الحكم التابعة لبريطانيا في المحيط الهادي، بالإضافة إلى الهند. وتذكر الوثيقة أن كلًّا من فرنسا وبلجيكا والبرتغال ستتنازل لبرلين عن مستعمراتها في أفريقيا — فيما يُعرَف بخطة وسط أفريقيا — والأمر نفسه ينطبق على المستعمرات الفرنسية في منطقة غرب المحيط الهادي.

من المهم أن نتذكر أن مخطط ألمانيا الكبير لمنطقة «أوروبا الوسطى» جرى تنفيذه على أرض الواقع لفترة بعد هزيمة روسيا عام ١٩١٨، وتمثَّل ذلك في معاهدة برست ليتوفسك؛ بفضل تروتسكي ولينين والثورة البلشفية، فاحتلت ألمانيا جميع الأراضي من بحر البلطيق حتى البحر الأسود، لتجرِّد بذلك روسيا من مستعمراتها الغربية؛ كمقاطعة كورلاند وبولندا وأوكرانيا. وقد تقرر تنصيب أمير على عرش هذه الدول من الأسر المالكة العديدة التي تحكم إمارات ألمانيا الشرقية. وتُعَد هذه المعاهدة ذات أهمية تاريخية؛ لأنها تمنحنا صورة حية لما كان يمكن أن يكون عليه مستقبل أوروبا في حال نجحت خطط ألمانيا الحربية وأتت بثمارها.

(٨) مجازفة لودندورف الأخيرة

كانت فرحة النخبة الألمانية الحاكمة بعد معاهدة برست ليتوفسك عارمة؛ فلم يتبقَ أمامها إلا هزيمة قوات الحلفاء في الغرب؛ الأمر الذي يفسر الهجمات الهائلة التي شنتها بدءًا من ربيع عام ١٩١٨، عندما بدأت التعزيزات الضخمة القادمة من الشرق للانتشار بالجبهة الغربية في التحرك، وكادت جهودها أن تُكلَّل بالنجاح. في ٢١ مارس عام ١٩١٨، هاجم جيش ألماني قوامه مليون و٦٠٠ ألف جندي دفاعات قوات الحلفاء في خمس هجمات منفصلة على جبهة تمتد لأربعين ميلًا، وذلك بعد قصف قصير نسبيًّا امتدَّ لخمس ساعات — مقارنة بهجمات القصف التي اعتادت ألمانيا شنها لخمسة أيام. ونجح الجيش الألماني في اختراقها بالفعل، فتقدمت بعض وحدات الجيش الألماني في غضون خمسة أيام لأكثر من أربعين ميلًا، وشنَّت هجمة ناجحة مكمِّلة في الإقليم الفلامندي. لقد دفعت القوات الألمانية القوات البريطانية والفرنسية إلى التقهقر حتى بحر المانش تقريبًا. حُوصِرَتْ قوات الحلفاء تمامًا، وكان موقفها صعبًا بمعنى الكلمة، لكن ما حدث بعد ذلك كان متوقعًا، بل وتوقعه الكثيرون بالفعل؛ فقد بدأ الألمان يستنفدون من جديد غطاءهم وإمداداتهم، وبدأت القوات الألمانية تواجه مقاومة شديدة في كل موقع من المواقع الخمسة التي هاجمتها. ولأن الجنرال إريك فون لودندورف كان يدرك أن هذه على الأرجح هي الفرصة الأخيرة لألمانيا للفوز بالحرب، فقد أمر بشن هجمة يائسة أخيرة على قوات الحلفاء في يوليو فيما عُرِف بمعركة المارن الثانية، لكن تم التصدي للهجمة، وشن الفرنسيون والبريطانيون والأمريكيون — الذين شاركوا في الحرب في أبريل عام ١٩١٧ — هجومًا مضادًا؛ مما أحبط مخطط لودندورف بشن هجوم هائل على الإقليم الفلامندي، ووضع في الوقت نفسه زمام المبادرة في الشهور القادمة في يد القائد العام الجديد لقوات الحلفاء بفرنسا فرديناند فوش.

سعى الألمان في محاولة أخيرة لم تُجْدِ نفعًا إلى اقتحام مقر تمركز قوات الحلفاء في فرنسا في معركة أميان، حيث تمَّت الاستعانة بالأستراليين لتنفيذ هجمات الاختراق الرئيسية بمنطقة سان كوينتين؛ مما جعل الثامن من أغسطس من ذاك العام أصعب يوم واجهه الجيش الألماني. وبدءًا من ذلك الوقت، بدأ تقهقر الجيش الألماني حتى دعا جنرالات الجيش في نهاية المطاف إلى إبرام هدنة تم التوقيع عليها في ١١ نوفمبر عام ١٩١٨ في الحادية عشرة صباحًا. لم يكن الفوز بالحرب ممكنًا، رغم قرار البحرية الألمانية بعد إبرام الهدنة باجتياح بحر المانش لوقف وصول التعزيزات القادمة من إنجلترا؛ وذلك في إطار اعتقادهم أن الجيش الألماني سيكون قادرًا على الاحتفاظ بالأراضي التي ظل محتلًّا لها في بلجيكا وفرنسا. وقد أشعلت هذه الخطوة التي أقدم عليها قادة البحرية الألمانية فتيل الثورة الألمانية في ١٥ نوفمبر. كانت القوات الألمانية قد فاض بها الكيل، وانتهى بها الأمر إلى أن رفضت أن تجري التضحية بها في سبيل تحقيق الأحلام المستحيلة التي تراود قادة الجيش والنخبة الألمانية الحاكمة، ومن ثم اندلعت «ثورة نوفمبر» التي دفعت قيصر ألمانيا وأمراءها إلى التخلي عن العرش. وهكذا أدت الثورة إلى الدعوة لإقامة انتخابات أُجْرِيَتْ في يناير عام ١٩١٩، بعد مفاوضات طويلة منهكة خاضتها الأحزاب المختلفة. وأُجبِرَت الحكومة الجديدة بموجب دستور جمهوري على توقيع معاهدة فرساي في ٢٨ يونيو عام ١٩١٩؛ أي في الذكرى السنوية الخامسة لذاك اليوم المصيري في سراييفو.

(٩) عالم آمن للديمقراطية

افتقرت الحرب العالمية الأولى في سنواتها الأولى بلا شك لقواعد ومبادئ أساسية تحكمها؛ فشعر البريطانيون بالحيرة إزاء السبب الذي يدفعهم لخوض حرب مع ألمانيا، فأعرب رئيس الوزراء ديفيد لويد جورج عام ١٩٠٨ عن وجهة النظر السائدة في بريطانيا تجاه ألمانيا قائلًا:

ها هي ألمانيا في وسط أوروبا، تناوئها فرنسا وروسيا على جانبيها، وجيشاهما معًا أعظم من جيشها … أفلا نخشى ذلك؟! أفلا نحشد إذن؟! أفلا نتسلح؟!

عندما خاضت بريطانيا الحرب كان ذلك — من الناحية الفنية — ردًّا على انتهاك ألمانيا لحياد بلجيكا، رغم أن معاهدة لندن الأصلية (بروتوكول لندن) لعام ١٨٣٩ تركت لمُوقِّعيها حرية اختيار الإجراء الذي يرغبون فيه. ومن ثم، تحرِّيًا للدقة، لم تكن بريطانيا حقيقةً مضطرة لخوض حرب مع ألمانيا، مع أن خيار خوض الحرب كان مشروعًا، بيد أنه حتى هذا السبب ليس بالمبرر الكافي لإشعال حرب عالمية. ولما كان لويد جورج يعي هذا جيدًا، حاول أن يجعل أهداف الحرب تتسع لتشمل استقلال بولندا، وتحقيق الحكم الذاتي للدول التي كانت ضمن الإمبراطورية النمساوية المجرية. وفوق كل شيء، كان على الحرب أيضًا أن تضمن تحقيق سلام عادل ودائم، إلا أن الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون، كان هو من أوجد المبادئ السامية والأهداف النبيلة التي حشدت قوات الحلفاء لخوض الحرب؛ فشرح بوضوح في خطابه عن الحرب أمام كونجرس الولايات المتحدة في أبريل عام ١٩١٧ الأساس المنطقي لخوض الحرب قائلًا:

الآن وقد أصبحنا نرى الحقائق واضحة من دون ستار من الادعاءات الزائفة تحجبها، فإننا سعداء أننا نحارب إحلالًا للسلام المطلق في العالم، وتحريرًا للشعوب — بما فيهم الشعب الألماني — ودفاعًا عن حقوق الأمم الكبيرة والصغيرة، وحق الإنسان في كل مكان في اختيار نهج حياته وولائه. يجب أن يصبح العالم مكانًا آمنًا للديمقراطية. ليس لنا مصالح ذاتية نسعى لتحقيقها، ولا نطمع في غزو أو سيطرة … لسنا سوى مدافعين عن حقوق الإنسان.

ليس هذا فحسب، بل كان في جعبته المزيد.
رأى ويلسون — انطلاقًا من وعي قوي بالمنحى الجديد الذي يسلكه التاريخ — بزوغ فجر عهد جديد؛ عهد من المسئولية والحرية، وقبل كل شيء، عهد من السلام. وكانت عصبة الأمم ستصبح الأداة الجديدة لهذا العهد الجديد؛ فتُشَكِّل — بوصفها شراكة من الدول الديمقراطية — عصبة مناصرة للشرف، وشراكة في الرأي، غير أن ويلسون لم يكن غير مبالٍ بالتضحيات التي ستتطلبها الحرب:

إنه لشيء مخيف الزج بهذا الشعب العظيم إلى الحرب، بل إلى أبشع الحروب وأشدها وبالًا؛ فتبدو الحضارة الإنسانية نفسها على المحك، لكن إعلاء الحق أثمن من السلم …

وكان لهذا التغير الكبير في السياسة الدبلوماسية الأمريكية ثمنه.

(١٠) المبادئ الأربعة عشر

كَلَّلت «مبادئ ويلسون الأربعة عشر» — التي عُرِضَتْ على الكونجرس في يناير عام ١٩١٨ — أهداف قوات الحلفاء في الحرب. ومن بين الموضوعات التي شددت عليها هذه المبادئ: الشفافية الدبلوماسية في إبرام المعاهدات، وحرية الملاحة البحرية، والمساواة في الشروط التجارية، وتقليص حجم التسليح، وتسوية المطالب الاستعمارية، والجلاء عن روسيا وبلجيكا ومنطقة الألزاس واللورين ورومانيا وصربيا، وتأسيس دولة بولندية مستقلة تتمتع بمنفذ على البحر. إلا أن أهم مبدأ من تلك المبادئ هو المبدأ الأخير الذي نصَّ على تشكيل عصبة الأمم لضمان استقلال الدول. طرح ويلسون هذه المبادئ بهدف تحديد شروط إرساء السلام بقدر ما طرحها لتحديد أهداف الحرب. وبينما قبلت بها ألمانيا لدى الموافقة على عقد هدنة، فإن قوات الحلفاء لم تقبل بها؛ فرفضت بريطانيا مبدأ حرية الملاحة البحرية، فيما طالبت فرنسا بتعويضات عن الخسائر. وفي الوقت نفسه، تلقى ويلسون ضربة موجعة داخل الولايات المتحدة في نوفمبر ١٩١٨، عندما أحرز الجمهوريون عدة انتصارات في انتخابات الكونجرس في مختلف أنحاء البلاد.

شعر ويلسون — في ظل الهجوم الذي تعرض له من الداخل والخارج — أنه مضطر لتقديم بعض التنازلات كحلٍّ وسط؛ فسمح على سبيل المثال لإيطاليا بالاستيلاء على ولاية تيرول النمساوية (رغم أنه عارض مطالبة إيطاليا بمقاطعة فيومي، وهي تُعرَف حاليًّا باسم رييكا، وتقع في كرواتيا)، ومنح سيليزيا ومنطقة الممر البولندي لبولندا، وسمح لليابان بالاستيلاء على أراضٍ تابعة لألمانيا في مقاطعة شاندونغ. وبينما تصدى من جهة لاستيلاء فرنسا بصورة دائمة على نهر الراين، غَضَّ الطرف عن معاهدات سرية تقسم الغنائم المستحوذ عليها من الإمبراطورية الألمانية. فكان ويلسون — على ما يبدو — على استعداد للتضحية بأحكام المبادئ الأربعة عشر التي طرحها ليضمن تشكيل عصبة الأمم، وكان موقنًا بأن أي أخطاء ارتُكِبَتْ في توقيع معاهدة فرساي يمكن لعصبة الأمم معالجتها. لكن المفارقة أن الحكومة الأمريكية نفسها — ممثلة في مجلس الشيوخ الأمريكي — كانت في نهاية المطاف هي من قضى على المشاركة الأمريكية في عصبة الأمم؛ وقضت بذلك على آمال ويلسون في عهد جديد من السلام الدائم القائم على مبادئ عالمية تكون بديلًا لألاعيب القوى العظمى.

رضخ لويد جورج هو الآخر لضغوط الشعب الإنجليزي لمعاقبة ألمانيا، وقد ذكر ونستون تشرشل موقف لويد جورج فيما بعدُ، وقال عنه:

دُهِش رئيس الوزراء ومساعدوه الرئيسيون، بل وسيطر عليهم — إلى حد ما — ما لقوه من حماسة عاطفية في الدوائر الانتخابية. كان جنود الحرب الشجعان الذين لم يفلح في ترهيبهم شيء قد ذاقوا الكثير والكثير من المعاناة، وأذكت الصحافة الشعبية مشاعرهم المكبوتة لتتحول إلى غضب عارم، وخيَّمت سحب الاكتئاب على الشوارع من أثر الجنود المقعدين والمشوهين، وعاد الأسرى ليَرْوُوا قصصًا مؤلمة عن الأسر والحرمان؛ فكان في كل منزل فقيد، وجاشت قلوب الملايين المكلومة بكراهية العدو الذي هزمناه، وبرغبة متعطشة في إنزال العقاب العادل به.

لم يحمل جورج للألمان نفس تعاطف ويلسون، فقد تكبَّدَتْ بريطانيا في نهاية الأمر خسائر بشرية رَبَتْ على الثلاثة ملايين شخص (لقي منهم قرابة مليون شخص مصرعهم)، فيما تكبدت الولايات المتحدة خسائر بشرية قوامها ٣٠٠ ألف تقريبًا (من بينهم ١١٥ ألف قتيل). تحدَّتْ كلٌّ من بريطانيا والمستعمرات ذاتية الحكم في المحيط الهادي وفرنسا دعوة ويلسون حول حق تقرير المصير، فتقاسموا المستعمرات الألمانية فيما بينهم بعد الحرب، وكان أقصى ما استطاع ويلسون انتزاعه هو وضع نظام انتداب على المستعمرات تُقدِّم فيه القوى الاستعمارية تقريرًا سنويًّا لعصبة الأمم.

لكن من الجدير بالاهتمام أن لويد جورج لم يذهب به الأمر إلى ما طالب به الفرنسيون، ففي خطاب للقيادات الأمريكية والفرنسية — فيما يُعرف باسم «مذكرة فونتينبلو» — رغم أنه كان موجهًا للقيادة الفرنسية، حذر لويد جورج من تأسيس دول جديدة تضم عددًا كبيرًا من الألمان، وعارض استمرار دفع التعويضات إلى ما بعد جيل الحرب، فنوَّه لذلك قائلًا:

قد تكون شروطنا صارمة، وقاسية، بل ولا تعرف الرحمة، لكنها في الوقت نفسه قد تكون على درجة من العدل حتى إن الدولة التي نفرضها عليها ستشعر في قرارة نفسها بأنها لا تملك حق الشكوى، غير أن الظلم والغرور اللذين رأيناهما ساعة النصر لن يجدا طريقهما إلى النسيان أو الغفران.

ورغم ذلك، ثمة شك في أن كلماته قد أثرت على التوجه الفرنسي.

(١١) الانتقام الفرنسي

كان الفرنسيون — يمثلهم «النمر» جورج كليمنصو — الأكثر سعيًا للانتقام بين القوى المُمثلة في مؤتمر باريس للسلام؛ إذ كان قَدْر الدمار والخراب الذي نزل بها في الحرب يَفُوق ما نزل بالولايات المتحدة وبريطانيا العظمى وإيطاليا، فتكبدت من الخسائر البشرية أربعة ملايين شخص، منهم مليون و٣٨٥ ألف شخص لقي مصرعه، ولم تكن تلك المرة الأولى التي تتعرض فيها فرنسا للهجوم مِنْ قِبَل ألمانيا. كما كان الفرنسيون لا يزالون يتجرعون مرارة الألم من أثر الحرب الفرنسية البروسية (١٨٧٠-١٨٧١) التي تعرضت فيها فرنسا لهزيمة ساحقة، علاوة على أن فرنسا ظلت تذكر جيدًا أن ألمانيا طالبتها في معاهدة السلام التي تلت تلك الحرب بدفع تعويضات حرب هائلة (خمسة مليارات فرنك ذهبي)، وبالتخلي عن الإقليم الحدودي الألزاس واللورين. ومن ثم، سعى كليمنصو في أعقاب انتصار فرنسا في الحرب العالمية الأولى إلى شلِّ ألمانيا عسكريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا؛ وذلك بهدف الانتقام ومنع ألمانيا من تهديد فرنسا مجددًا.

كان الفرنسيون في نهاية المطاف هم الطرف الذي مارس أقوى نفوذ في معاهدة فرساي التي استعادوا بموجبها إقليم الألزاس واللورين، وحازوا السيطرة الاقتصادية على إقليم السار الغني بالفحم، رغم أن عصبة الأمم احتفظت بالسيطرة السياسية على هذا الإقليم الذي كان تابعًا لألمانيا في السابق إلى أن أُجْرِيَ استفتاءٌ عامٌّ سنةَ ١٩٣٤. كذلك احتلت فرنسا لخمسة عشر عامًا منطقة الراينلاند — وهي منطقة صناعية تمتد على الحدود الفرنسية — فيما مُنِحَتْ ثلاث مقاطعات غالبية سكانها من البولنديين والألمان إلى دولة بولندا التي أُعِيدَ تشكيلها من جديد، واستولت قوات الحلفاء أيضًا على أراضٍ تابعة لروسيا — التي انشقت عن قوات الحلفاء وأعلنت عقد معاهدة سلام منفصلة مع ألمانيا — لتكوين دول جديدة. وعلى أي حال، كانت الأطراف المشاركة في المعاهدة تستجيب بصفة خاصة لمطالب المجموعات العرقية في مختلف المناطق لمنحها حق تقرير مصيرها.

لكن لم يقم اعتبار مماثل للألمان المنهزمين، ففصلت المعاهدة ميناء دانزيج عن ألمانيا وحوَّلته إلى «مدينة حرة» تابعة لعصبة الأمم؛ حتى يكون لبولندا منفذًا على البحر، وحظرت صراحة على النمسا — أو ما تبقى منها بعد تفسخ إمبراطورية هابسبورغ — الاتحادَ مع ألمانيا، وجرَّدت ألمانيا المهزومةَ من كل مستعمراتها، وحُظِر عليها تملك أسلحة ثقيلة، أو تكوين قوات جوية، أو أي جيش يربو عدده على ١٠٠ ألف رجل. وفي نهاية الأمر، فرضت فرنسا وبريطانيا على ألمانيا تعويضات تغطي تكاليف الحرب بأكملها، بل وشملت أيضًا نفقات ثانوية مثل معاش للمشاركين في الحرب، وهو الأمر الذي أثار جدلًا آنذاك، ثم أثار جدلًا محتدمًا في المستقبل. ولما كانت التكلفة التقديرية للحرب لا سبيل لحصرها، تركتها قوات الحلفاء غير محددة، لكن لم يكن ثمة شك في أن ألمانيا ستتحمل ضرائب ثقيلة تضطر بموجبها بادئ ذي بدء إلى تسليم أسطولها التجاري بالكامل، وجميع ممتلكات مواطنيها الخاصة في الدول الأجنبية لقوات الحلفاء، إضافة إلى مبالغ طائلة من النقود نقدًا وذهبًا.

(١٢) أوزار الحرب

أدرجت قوات الحلفاء في المعاهدة فقرة عن معاقبة ألمانيا كمبرر للتعويضات الهائلة التي حكمت بها على ألمانيا. وتحسبًا لإغفال أي طرف لسبب هذه التعويضات؛ جاءت الفقرة ٢٣١ من المعاهدة كالتالي:

تؤكد قوات الحلفاء وحكومات الدول المشاركة، وألمانيا توافق، على مسئولية ألمانيا وحلفائها عن التسبب في كافة الخسائر والأضرار التي تكبدتها دول الحلفاء والدول المشاركة والمواطنون التابعون لها نتيجة للحرب التي فرضها عليها عدوان ألمانيا وحلفائها.

وكان هذا يعني أن الشعب الألماني تحمَّلَ وحده — ووحده تمامًا — المسئولية عن الحرب الأكثر دمارًا في التاريخ، رغم الأسباب المختلفة التي أدَّتْ إلى نشوب الحرب، ورغم تبرؤ الشعب الألماني من القيصر وتأسيس ديمقراطية برلمانية.

fig6
شكل ٣-٣: قادة الدول الأربع الكبرى في فرساي: وودرو ويلسون، ولويد جورج، وجورج كليمنصو، وفيتوريو أورلاندو رئيس وزراء إيطاليا.3

حتى قبل التوقيع على معاهدة فرساي، كانت ثمة اعتراضات عليها في بريطانيا مِنْ قِبَل قلة من المنشقين. فانتقدت الأحزاب المعارضة للحكومة — حزب العمال والحزب المستقل — وثيقةَ المعاهدة بوصفها وثيقة سياسية بصورة شرسة؛ إذ كان لعدد من أعضاء حزب العمال البريطاني علاقات بالطبقة الألمانية العاملة، ومن ثم أدانوا المعاهدة التي ارتأوا أنها معاهدة عقوبية بالأساس. والأكثر أهمية من ذلك النقدُ البليغ اللاذع للمعاهدة الذي نشره عام ١٩١٩ رجل الاقتصاد جون ماينارد كينز، مسئول الخزانة البريطانية السابق والعضو الممثل لبريطانيا في مؤتمر باريس للسلام، والذي استقال احتجاجًا على شروط المعاهدة الاقتصادية. فندَّد كينز في كتابه «العواقب الاقتصادية للسلام» بالمعاهدة وصانعيها، وقد كان نقده أقل حدة على الإطلاق مع رئيس الوزراء لويد جورج، الذي رأى أنه تأخر كثيرًا في توجهه نحو الاعتدال، بينما وصف ويلسون بأنه رجل مثير للشفقة «يفتقر إلى المعلومات، بطيء الاستجابة، غير قادر على التكيف مع تغير الظروف.» وأضاف كينز أن ويلسون «لم تكن لديه خطة، أو برنامج، أو أي أفكار بنَّاءة من أي نوع لتجسيد الوصايا التي ظلَّ يَصْدع بها في البيت الأبيض.» أما الجزء الأكبر من تهكمه، فوجَّهه إلى كليمنصو، الذي كان يعتبر الشئون الأوروبية وكأنها «مباراة ملاكمة محترفين لا تنتهي؛ فازت فرنسا بهذه الجولة منها، لكنها بالطبع ليست الجولة الأخيرة.» وفقًا لكينز، لم يقتصر مسعى رئيس الوزراء الفرنسي على الثأر من عدو حربٍ فحسب، بل سعى إلى تدمير منافس سياسي واقتصادي تدميرًا فعليًّا؛ فكان «ينظر للمسألة كشأن خاصٍّ بين فرنسا وألمانيا، لا كقضية إنسانية وقضية تتعلق بصراع الحضارة الأوروبية لإرساء نظام عالمي جديد.» ومن ثم — من منظور كينز — كان مستقبل أوروبا بأسرها — وليس أقل من ذلك — على المحك.

تركَّزَتْ قوة هجوم كينز تحديدًا على الفقرات المتصلة بتعويضات الحرب من المعاهدة؛ إذ عارض عدم تحديد قيمة للتعويضات يتم الاتفاق عليها، وقال في ذلك إنه لم تكن هناك قط معاهدة تمنح طرفًا فيها سلطة التصرف المطلق:

من الواضح أن ما تمتعت به ألمانيا قبل الحرب من قدرات مادية تكفي لسداد إتاوة سنويًّا للخارج؛ قد تأثرت بخسارتها شبه الكاملة لمستعمراتها وصلاتها بالخارج، وبضياع أسطولها التجاري وأملاكها الخارجية، وبتنازلها عن عشرة بالمائة من أراضيها وسكانها، وعن ثلث مناجمها من الفحم، وثلاثة أرباع مناجمها من الحديد الخام، وبخسارة مليونين من أبنائها في مقتبل العمر ما بين جريح وقتيل، وبتجويع شعبها لأربع سنوات، وبأعباء ديون الحرب الهائلة، وبانخفاض قيمة عملتها إلى أقل من سُبع قيمتها السابقة، وبتمزق حلفائها وتشتت أراضيهم، وباندلاع ثورة داخل أرضها، وتهديد البلشفية لها على حدودها، وبدمار قوتها الذي لا يُعَد ولا يُحصى، وبأربع سنوات من الأمل في الانتصار بحرب ابتلعت كل شيء مُنِيَتْ فيها بالهزيمة في النهاية.

fig7
شكل ٣-٤: جون ماينارد كينز.4

وقال كينز بأن أغلب تقديرات حجم التعويضات الهائلة المفروضة على ألمانيا قامت على افتراض خاطئ بأن ألمانيا ستكون مستقبلًا في موقع لإدارة تجارة أكبر من أي وقت مضى.

وكان مما أثار قلق كينز أيضًا، أن بريطانيا لم يسبق لها مِنْ قَبْل أن فرضت تعويضات واسعة المدى كهذه؛ إذ وفقًا للاتفاقية، خُوِّل للجنة التعويضاتِ الحصول على خمسة مليارات دولار أمريكي من ألمانيا في أي صورة (نقود سائلة، أملاك، مواد خام) بحلول مايو من عام ١٩٢١. وكما قال كينز معترضًا «فإن هذا الشرط أوكل إلى لجنة التعويضات سلطات ديكتاتورية للفترة سالفة الذكر تتحكم بها في جميع أملاك ألمانيا بأي صورة كانت.» لكن تبيَّن أن هذا ليس إلا أول فاتورة تدفعها ألمانيا من قائمة ديون ضخمة وغير واقعية تدين بها لقوات الحلفاء، كما توقَّع كينز أن تشهد ألمانيا فترة كساد اقتصاديٍّ كبير نتيجة للمعاهدة، يفقد على أثرها الكثيرون وظائفهم، ويهلك بسببها الكثيرون بما سببته خطط قوات الحلفاء للسلام من تضييق للخناق على اقتصاد جمهورية فايمار. بدا بالفعل لكينز أن صانعي السلام قد سعوا عامدين إلى تدمير ألمانيا، فيقول: «البنود الاقتصادية بالمعاهدة شاملة، ولم يُغَض الطرف بها عن أي شيء قد يتسبب في إفقار ألمانيا في وقتنا الراهن أو يعرقل تقدمها في المستقبل.» وفي النهاية نوَّه كينز إلى أن مصير ألمانيا مرتبط بمصير أوروبا، ومع تعجيزها بالديون سيعاني الاقتصاد الأوروبي بأسره. لقد كانت نظرته المستقبلية الرسمية شديدة التشاؤم؛ إذ قال: «نحن بصدد أن نشهد أوروبا وهي في حالة من العجز تنتشر فيها البطالة والفوضى؛ تمزقها النزاعات الداخلية والكراهية بين دولها، ويسودها الحروب والجوع والسلب والنهب والكذب.»

(١٣) خطأ

رغم أن طرح كينز اتسم بالمغالاة وخضع للمراجعة في وقت لاحق، فإنه استطاع أن يغير من اتجاه الرأي العام في بريطانيا، فهدم كتابُه في نهاية المطاف إيمانَ البريطانيين بالمعاهدة وبنزاهة الحرب في حد ذاتها، وأطلق عاصفة من المعارضة لشروط السلام. وبعدما كان البريطانيون في أوج فرحتهم بالنصر وشعورهم بنشوة الثأر، تولد لدى الشعب البريطاني شعور بالخوف والذنب مما صنعته أيديهم، وساد شعور بالخوف من أن تواجه بريطانيا نفسها مصاعب اقتصادية بسب شروط المعاهدة. كما أن لندن آنذاك كان لديها مخاوف من عدو جديد يُحتمَل أن يفوق ألمانيا خطورة؛ ألا وهو الاتحاد السوفييتي، بل وتخوفت بريطانيا من أن يدفع فرضُ المعاهدة ألمانيا إلى اللجوء إلى البلشفيين. كما ساور العديدَ من الإنجليز شعورٌ بتأنيب الضمير حيال المعاهدة، بعدما بث فيهم كينز مخاوف حيال الاستيلاء على أراضٍ تابعة لألمانيا مع مطالبتها بتعويضات عن تكاليف الحرب؛ فهل كان يصح فرض هذه الصعوبات على بلد دمرته الحرب بالفعل؟ لقد كان البريطانيون قديمًا بطبعهم أكثر تسامحًا، كما دفعت رغبةُ الفرنسيين الانتقامية الشديدة الكثيرَ من البريطانيين إلى التعاطف مع ألمانيا، وبالطبع سعت ألمانيا إلى استغلال هذا التعاطف بإطلاق حملة دعائية هائلة في بريطانيا العظمى، لم تؤدِّ — رغم أنها أحدثت أثرًا — إلَّا إلى زيادة الشكوك القوية بالفعل حيال أخلاقية شروط معاهدة السلام. وخلال جيل من الزمن توصَّل العديد من الفرنسيين إلى النتيجة ذاتها.

وبعيدًا عن تلك الأحكام على وجه الخصوص، بدأ استياء البريطانيين يتزايد من المبدأ الرئيسي الذي قامت عليه معاهدة السلام، وهو أن ألمانيا كانت المسئول الوحيد عن اندلاع الحرب؛ حيث رأى الكثيرون أن ألمانيا أو أي دولة أخرى لم تكن هي المتسبب في الحرب، بل كانت الحرب وليدة فعل غير مخطط له مسبقًا مِنْ قِبَل جميع المتورطين بها. وقد قال ديفيد لويد جورج — بعد أربعة عشر عامًا من الجلوس على مائدة المفاوضات حول شروط معاهدة فرساي — بأن الحرب العالمية الأولى كانت خطأً، فيقول:

بعد دراسة جميع الوثائق المتاحة من كل الأطراف بإمعان وعناية، توصلت إلى يقين بأن قيصر ألمانيا لم تكن لديه أدنى فكرة أنه ينجرف — أو يُستدرَج إلى الانجراف — في حرب أوروبية … ولم يتوقع خوض حرب باهظة الثمن، بل توقع نصرًا دبلوماسيًّا زهيدًا.

وفي النهاية، فشلت المفاوضات بسبب جميع الأطراف التي شاركت في توجيهها، وكما قال ديفيد لويد جورج: «إن الحرب كان يجب تلافيها، وكان ذلك ممكنًا.» وبحلول عام ١٩٣٧، لم يَعُدْ يخالفه الكثيرون الرأيَ في أوروبا، بل وحتى في أمريكا.

هوامش

(1) © Imperial War Museum, London/The Bridgeman Art Library.
(2) © Classic Image/Alamy.
(3) © Mary Evans Picture Library/Alamy.
(4) © TopFoto.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠