فنان طيبة

«الحب أزلي والكبرياء أزلية.»

كان «أمنكارع» بقية عصر قديم كاد الناس ينسونه، فقد عاشر الملك «أمنحتب» الكبير جد الملك «أمنحتب» المجيد، وكان أهل طيبة ينظرون إليه كما ينظرون إلى التماثيل الخالدة التي تحف بمعبد آمون. ولكنه كان مع ذلك فتيَّ الروح وسيم الوجه برغم التجاعيد الكثيرة التي تعلو جبينه العريض. وكانت عيناه ما تزالان تلمعان ببريق الشباب وتشع منهما أنوار تنم عن طيبة قلبه، ولا سيما إذا تبسم وهو ينظر إلى ابنته الشابة الجميلة «نفرتويا»، أو إلى تلاميذه الأعزاء في «حصن طيبة».

وكان الأمراء الشبان الذين يتعلمون في حصن طيبة يحبونه كصديق بقدر إجلالهم له كأستاذ، ويلتفون حوله كلما رأوه ليستمعوا إليه وهو يحدثهم عن الأيام الجليلة التي شهدها في أيام شبابه، وما كان أكثر ما يدخره في ذاكرته من القصص العجيبة عن مغامرات الحروب عندما كان يصحب «تحوتمس» الكبير في غزواته ببلاد لبنان وسوريا، وفي زحوفه المظفرة على شواطئ الفرات أو جبال الشمال حيث دك حصون «الخيتا»، وكثيرًا ما كان يقص عليهم كذلك قصص مغامراته في صيد فرس البحر والتمساح والأسود والفيلة عندما ذهب مع تحوتمس العظيم إلى ما وراء جنادل النيل في بلاد «كوش»، فإذا ما فرغ من أحاديثه ذهب هو وتلاميذه إلى حجرة الرسم وأخذ يكشف لهم عن أسرار الفنون الخالدة ويبهر عقولهم ببراعته في بعث الحياة في الحجارة الصماء. ولم يكن علم أمنكارع بالتواريخ القديمة أقل من وعيه لذكريات شبابه، فكان يتحدث عن آثار «أون» و«منف» كما يتحدث عن معابد طيبة نفسها. فإذا وصف الدول الماضية منذ آلاف السنين ملأ القلوب خشوعًا لعظمتها وإجلالًا لمجدها؛ لأنه كان يكشف لتلاميذه عن آيات الإبداع في آثارها العظيمة كأنه قد شارك في بنائها وعرف كوامن أسرارها. وكان من عادته إذا بدأ أحاديثه أن يشخص ببصره في الفضاء وينطق بصوت هادئ كأنه يناجي نفسه، فيخشع تلاميذه من حوله ويسبحون معه في صور القرون الماضية كأنهم قد انتقلوا إليها وعاشوا فيها بسحر ساحر، حتى إذا أمسك عن الحديث تنفس التلاميذ أنفاسًا عميقةً ونظروا إليه بعيون ملؤها العطف والإجلال. وقد اختاره فرعون أمنحتب العظيم الثالث ليكون أستاذًا للفن والتاريخ للتلاميذ الأمراء الذين كانوا يتعلمون في «حصن طيبة»؛ لأن فرعون أمنحتب كان حريصًا على أن يتلقى هؤلاء التلاميذ علومهم من أفذاذ العلماء والحكماء، حتى إذا ما كبروا وعادوا إلى بلادهم كانوا أهلًا لوراثة الملك عن آبائهم الذين يحكمون الأقطار المنضوية تحت لواء فرعون صاحب التاجين.

وكان أمنكارع مع كبر سنه لا يتخلف يومًا عن دروسه، ولم يبدُ عليه يومًا ما يدل على فتور أو ملال، بل كان دائمًا يفيض بالبشر والنشاط.

وكان من تلاميذه الأعزاء في حصن طيبة أبناء ملوك كثيرين من كل جهات الأرض، فمنهم مَن جاء من بلاد الخيتا في الشمال، ومنهم مَن أتى من أقصى بلاد كوش في الجنوب، ومنهم أمراء من أبناء ملوك النهرين في الشرق ورؤساء ليبيا في الغرب. ولكن أحبهم إليه كان «دوشري» ابن ملك المتاني على حدود سوريا الشمالية، وهو من أكثر تلاميذه حُبًّا له وإعجابًا به، لا يكاد يفارقه إلا عندما يغادر الحصن عائدًا إلى بيته قبل حلول المساء.

وكان الشيخ أمنكارع إذا خرج من معهد الحصن ذهب إلى بيته الصغير على شاطئ النيل ليقضي سائر يومه مع ابنته الوحيدة الباقية له في الحياة نفرتويا ذات الشعر الأسود وأجمل فتاة في طيبة. ولم يكن له في الحياة غيرها، وقد جمع فيها كل ما بقي له من الآمال، بعد أن غادره أبناؤه جميعًا وبعد أن سبقه الأصدقاء والأحباب إلى جوار «أوزيريس».

ولكن الشيخ كان يخرج في بعض الأيام للنزهة في الأرياف المحيطة بالمدينة، أو إلى الصحراء الفسيحة ذات الرمال الذهبية في أيام الشتاء، ويستصحب في هذه النزهات تلميذه العزيز دوشري مع ابنته نفرتويا ويقضون الوقت بين تأمل مناظر الطبيعة وبين مدارسة أسرار الفن والحكمة، فإذا تعب الشيخ من السير الطويل جلس ليستريح عند جانب النهر أو ليتمدد على الرمال الناعمة، وينطلق دوشري ونفرتويا في جولتهما الطويلة ثم يعودان إليه بعد أن يكون كلٌّ منهما قد رسم أجمل ما وقع عليه بصره من صور الطير والنبات أو مناظر النهر والصحراء. وقد تعود أهل طيبة أن يروا الشيخ مع ابنته وتلميذه حتى صار من المألوف عندهم أن يقرنوا بين اسم نفرتويا ودوشري، وأطلقوا عليهما اسم «إيزيس» و«أزوريس»؛ لأنهما كانا مثالين للجمال والوداعة والكمال.

ولكن بنات الأعيان في طيبة كُنَّ يتحدثن دائمًا عن نفرتويا في سخرية؛ لأنها لم تكن من بنات الأمراء أو الأعيان، فهي ابنة فنان صانع تماثيل، وإن كان فرعون يقربه ويثق فيه ويجعله أستاذًا لأبناء الأمراء. وكثيرًا ما دفعتهن الغيرة إلى إنكار نبوغ أمنكارع والبخس من عظمة فنه. كما كن يوجهن أشد اللوم إلى الأمير دوشري؛ لأنه تنازل حتى اختار فتاة مثل نفرتويا ولم يلتفت إلى واحدة من بنات كبار الموظفين أو الأمراء أو سدنة المعابد.

ولكن دوشري ونفرتويا كانا لا يعيران التفاتًا إلى هذه السخرية التي كانت تصل أحيانًا إلى سمعهما؛ لأنهما كانا سعيدين وحدهما في عالمهما الصغير مع الشيخ العزيز، ولا يعبآن بقصور طيبة ولا بمن يمرح فيها.

ولكن الأميرة الملكية «تادوخيبا»، زوج ولي العهد وابنة ملك المتاني وأخت دوشري، كانت تنظر إلى هذه الصداقة بين أخيها وبين نفرتويا في كثيرٍ من القلق. حقًّا إنها كانت تُعْجَب بالفتاة وتجلُّ الشيخ العالم الفنان أمنكارع، ولكنها لم تنسَ أن أخاها أمير ملكي، وأنه وارث عرش «المتاني»، ولا ينبغي له أن يختار عروسه إلا من قصور الملوك. ولماذا لا يلتفت دوشري إلى إحدى بنات فرعون أو إحدى بنات الأسرة الملكية على الأقل؟ فكانت كلما رأت الصداقة تتوثق بين أخيها والفتاة زادت خشيةً وتوجسًا من أن ينتهي الأمر بينهما إلى الكارثة، وأي كارثة أشد من أن يتزوج الأمير من إحدى بنات الشعب وإن كانت تلك الفتاة نفرتويا؟ ولم تستطع آخر الأمر أن تمتنع عن إظهار مخاوفها لزوجها ولي العهد واستأذنته أن تفاتح في الأمر فرعون العظيم نفسه حتى يحول بين الفتاة وبين دوشري. ولكن ولي العهد لم يوافق الأميرة تادوخيبا، بل إنه صارحها بأنه يفضل نفرتويا على كل بنات الأمراء اللاتي يعرفهن جميعًا، وحاول أن يبين لها أن سعادة الشاب تتوقف على اختيار قلبه، وأطال في التحدث عن فضائل نفرتويا. فلما لم تقدر تادوخيبا على إقناع زوجها ولي العهد برجاحة رأيها، ذهبت إلى فرعون نفسه لتضرع إليه أن يساعدها.

وكان اليوم الذي توجهت فيه إلى فرعون من أيام الخريف الجميلة، والمدينة تستعد للاحتفال بفتح السد الذي يفصل بين النيل وبين البحيرة الكبرى في القصر الغربي.

كان يومًا من أحلى أيام الخريف وأصفاها سماءً وأرقها نسيمًا وقد أخذت طيبة كل زينتها استعدادًا للعيد الذي اعتادت أن تحتفل فيه كل عام بتدفق الماء إلى البحيرة. كانت السفن في ميناء النهر ترفع الأعلام الملونة، وقد انتشر النوتية فوق الساحل يغنون ويشربون الجعة ويرقصون، وهم من ألوان مختلفة جاءوا من جميع أطراف الأرض ليحملوا خيرات بلادهم إلى عاصمة فرعون. كان فيهم نوتية من أهل فينيقية بشعورهم المضفورة ولحاهم الطويلة، وبشرتهم البيضاء وعيونهم السوداء. وفيهم بحارة من جزائر البحار الشمالية من الشردن والشكلش وأهل قبرص ورودس، وهم لا يسترون أبدانهم إلا بقطع من الجلد تتدلى من أعناقهم إلى ظهورهم وصدورهم. وأما بحارة كوش فكانوا يلفون أرهاطًا حول أوساطهم من جلود النمور ويرقصون في حلقات صاخبة لا يعبئون بضحكات الجمع الملتف حولهم. وخرجت طيبة كلها منذ الصباح في زينة الاحتفال الأنيق، الرجال في ملابسهم الكتانية البيضاء ونعالهم الملونة وشعورهم المستعارة التي تتدلى على أكتافهم، والنساء في ملابسهم المزركشة بالألوان تصف محاسن أجسامهن الدقيقة. وتزاحمت الجموع على الشاطئ تتنافس على القوارب للعبور إلى البر الغربي لكي تدرك الاحتفال منذ الصباح، حتى لا يفوتها منظر فرعون وهو يقطع السد بيده المجيدة، وينزل في القارب الذهبي إلى البحيرة العظيمة مع ماء الفيضان الأحمر.

وخرج أمنكارع في ذلك اليوم مع نفرتويا ودوشري لمشاهدة مناظر العيد، فاستقلوا قاربًا ملكيًّا وُضعت حوله الحشايا فوق الطنافس الوثيرة، وبلغوا الشاطئ الغربي قبل أن يصل موكب فرعون. وكانت البحيرة صافية اللون مثل البلور تحيط بها أشجار الجميز والحور والصفصاف والسنط ذي الزهرة الصفراء الفاتنة. ومالت نفرتويا على فرع فاقتطفت منه زهرتَين صغيرتَين وَضعت إحداهما على صدرها والأخرى على صدر دوشري.

وكان دوشري يلبس حلة زاهية اللون من صنع فينيقية ذات أكمام واسعة حُليت أطرافها بخيوط ذهبية، وجعل في قدميه خُفًّا أنيقًا من الجلد الأصفر المموه بالذهب. على حين لبست نفرتويا حلة من الكتان الشفاف عليه وشي مختلف الألوان حول الصدر والعنق، وكان خفها الأحمر اللين منقوشًا بصور صفراء من رسم زنبق الماء. وأما الشيخ أمنكارع فكان ما يزال محتفظًا بزيه الساذج الذي عرفه منذ شبابه، وهو ثوب طويل يربطه حول وسطه حتى يصل إلى ركبتيه، ويلقي فضلته على كتفيه حتى يغطي ظهره وصدره، ولم يجعل في قدميه إلا نعلًا من الجلد مربوطة حول قدمه بسير دقيق.

figure

وساروا في الشارع الأعظم المؤدي إلى معبد الملك، وكان أمنكارع يسير الهوينى متأملًا تماثيل بنات آوى التي على الجانبين، ويقف بين حين وآخر ليتأمل أحد التماثيل ويهز رأسه في صمت ثم يستأنف سيره. وسبقه دوشري مع نفرتويا حتى بلغا المعبد قبله، ووقفا حينًا يتأملان صرحه الرائع والمسلتين الشاهقتين اللتين تحفان به عند المدخل، ثم ذهبا إلى التمثالين الجديدين الهائلين — وقد أُقيما لفرعون أمنحتب العظيم الثالث منذ سنتين، ولم يسبق لملكٍ أَنِ اتخذ تمثالين مثلهما في العلو والضخامة. وخشع قلباهما عندما رفعا رأسيهما إلى أعلى التمثالين ليتأملا وجهيهما الصارمين وهما يشرفان على النيل من أقصى السهل كأنهما عملاقان جباران. وقال دوشري لنفرتويا في صوت متهدج: وددت لو ذهب سيِّدي المبجل أمنكارع إلى بلادي ليصنع تمثالًا مثل هذا لوالدي.

فقالت نفرتويا: إنه لا يرفض لك أمرًا يا دوشري.

فتبسم الفتى قائلًا: أتذهبين معه يا نفرتويا؟

فتبسمت نفرتويا قائلةً: لعل أبي يفضل أن يصنعه ها هنا.

فقال دوشري: وكيف يصنعه هنا وهو لم يرَ أبي؟ إنني أتمنى لو كان لملك المتاني تمثال مثل هذا ليخلد ذكره، إنني أرى ذلك التمثال وكأنني أنظر إلى وجه سيِّدي الملك المقدس وهو يشرف علينا من علو سبعين قدمًا.

وكان أمنكارع قد بلغ موضع الشابين ووقف ينظر إلى التمثالين في تأثرٍ ظاهرٍ، وقال: لقد تفنى الأجساد وإن بالغنا في تحنيطها، ولكن خلجات نفوسنا تبقى مع الفن إلى الأبد في هذه الصخور الصماء.

وعاد ينظر إلى التمثالين حينًا، ثم قال: وددت لو كان هذان التمثالان واقفين وليسا قاعدين هكذا يا دوشري. إنهما في جلستهما هذه يكذبان النظر ولا يقعان في القلب كما ينبغي لهما. لقد رسمت تصميمًا لهما واقفَيْن، ولكن الملك المقدس اختار تصميم هؤلاء الذين يملئون الأرض ادِّعاءً ويظنون الفخامة عنوان المجد.

فقال دوشري في صوت متردد: كنت أقول لنفرتويا إنني أتمنى لو صنعت لأبي مثل هذا التمثال أيها السيد المبجل.

فهزَّ أمنكارع رأسه قائلًا بصوت هامس: لو كنت شابًّا!

ووضع يده على كتف دوشري وأضاف قائلًا: لو كنت شابًّا لذهبت إلى المتاني من أجلك، وصنعت لأبيك تمثالًا يرضيني.

فأخذ الشاب يد الشيخ في رفق ورفعها إلى فمه يريد أن يقبِّلَها، فبادر الشيخ وقبض يده وانحنى على الفتى فقبَّل جبينه، وقال له بصوت متهدج: لئن شاء آمون أن يمدَّ في أجلي، فسأصنع لك أنت صورة من حجر الجرانيت الأحمر، صورة لك إذ تمرح مع نفرتويا في الحقول أو تصيد معها البط والسمك من النهر.

فتهلل وجه الفتى ونظر إلى نفرتويا مبتهجًا، ولكنه رأى على وجهها سحابة من الوجوم. ونظر إليها كالمستفهم ولكنه لم يتكلم. وأدركت نفرتويا معنى نظرته، وحاولت أن تبدو مرحة، ولكن قلبها لم يساعدها؛ فظهرت ابتسامتها مترددة تنم عن جزعها.

فصرف دوشري نظره عنها حتى لا يحرجها، وعلت عند ذلك ضجة عالية من ناحية النهر فاتجهت أنظارهم جميعًا إلى هناك، وقال الشيخ: هلموا إلى المعبد، فقد أقبل موكب فرعون.

وجذب دوشري نفرتويا برفق من ذراعها واستأذن الشيخ أن يذهب معها مسرعَيْن حتى لا يفوتهما شيء من مناظر الاحتفال. وسألها دوشري وهما يهرولان: رأيتك تغيرت منذ حين يا نفرتويا.

فترددت الفتاة حينًا ثم قالت في صوت خافت: لست أدري ماذا أزعجني.

فقال دوشري في لهفة: لعلني لم أكن سبب ذلك الانزعاج.

فبادرت نفرتويا قائلةً: لا، لا يا دوشري. إنها حماقة من حماقات الطفولة بغير شك. لست أحب لوحات الجرانيت الأحمر، كانت دائمًا تحمل إلى ذهني صورًا حزينةً. كنت أفضل لو قال أبي إنه سيصنع لنا تمثالًا من الحجر الجيري أو من الصوان الأسود. أقول تمثالًا وليس صورة على صفحة من الجرانيت الأحمر. هذا ما أزعجني.

فضحك دوشري ضحكةً عاليةً وقال في دفعة مرحة: لقد ظننت الأمر أخطر من مثل هذا الوسواس يا نفرتويا. سأقول له أن يجعله تمثالًا لا لوحةً، ولن يبخل السيد المبجل بأن يجعله من المرمر بدلًا من الجرانيت الأحمر. لقد تأخرنا يا نفرتويا وهذا هو الموكب قد بدأ، أرجو ألا يعرقل هذا الحذاء الضيق سرعة حركتك.

وأسرعا حتى بلغا سور المعبد فظهرت أمامهما الساحة الكبرى التي تمتد وراءها البحيرة الفسيحة. ثم بدت لهما صورة الملك من بعيد مع زوجته الملكة الجميلة «تي» ذات الشعر الأصفر الذهبي، وكانا يتجهان في موكبهما نحو الساحة. وبعد حين جاء أمنكارع وهو ينهج من جهد السير. وكان فرعون قد اقترب في موكبه، فلما وقعت عينه على الشيخ حيَّاه باسمًا. فاقترب الشيخ وسجد حتى لمس الأرض برأسه، ثم رفع رأسه وجهر بالدعاء. فمد إليه فرعون يده عاطفًا وأمره أن يكون قريبًا منه حتى ينزل إلى البحيرة في أقرب السفن المحيطة بموكبه الملكي.

وبلغ فرعون البحيرة ونزل إلى قاربه الذهبي تحيط به زوجته الحسناء والأميرة تادوخيبا. وتلفَّت الشيخ ليرى أين ابنته فرآها مع تلميذه دوشري ينزلان وحدهما إلى قارب ولي العهد. ولم يكن عجيبًا أن يغيب ولي العهد نفسه عن حضور الاحتفال، فقد كان معروفًا بأنه لا يؤمن بآمون، ويعكف على عبادة إله غريب لا يعرفه أحد يسميه «آتون» ويسبح له بالترتيل والأناشيد. فلم يجد الشيخ بُدًّا من النزول في أحد قوارب البلاط الملكي ليكون قريبًا من فرعون إطاعةً لأمره.

وكان الموكب رائعًا أظهر فيه أمنحتب العظيم من أبهة الملك والجود والبر والسطوة ما هو جدير بابن الآلهة المقدس.

وتعطف على الأميرة تادوخيبا فأجلسها عن يساره كما أجلس الملكة إلى يمينه.

وكانت تادوخيبا موضع رعاية خاصة، حتى إنه قضى أكثر الوقت في الحديث معها والاستماع إليها.

ولما انتهت الجولة على البحيرة اتجه فرعون نحو المعبد العظيم الغربي ليقدم القرابين الجديرة بمجده إلى كبير كهنة آمون. ولم ينسَ أن يتكرم على الفنان الشيخ أمنكارع فدعاه ليسير قريبًا منه واتجه إليه بحديث طويل حتى تهامس رجال البلاط قائلين: إن أمنكارع قد بلغ ذروة من المجد لم ينلها أحد رجال الفن من قبله.

وتخلف أمنكارع عن مسايرة فرعون عندما بلغ باب المعبد الكبير، وسار في صفوف رجال البلاط متباطئًا، وأخذ يتلفت حوله ليرى ابنته التي غابت عن عينيه منذ سار إلى جانب فرعون. ولكنه كان يبدو عند ذلك أصفر الوجه مضطرب النظرات، يكاد وجهه ينطق بأنه حزين. واستمر الاحتفال رائعًا جليلًا تتخلله الأناشيد التي تملأ القلوب ابتهاجًا، وبدا فيه فرعون في كمال أبهته يجمع بين عزة الملك وخشوع التقوى، ونال بركة مضاعفة من كبير الكهنة الذي أهدى إليه رمز الحياة الخالدة مصنوعًا من خشب شجرة سقيت دائمًا بالماء المقدس.

ورجع أمنكارع مع ابنته وتلميذه بعد انفراط عقد الموكب، فركبوا القارب إلى الجانب الشرقي من النهر وساروا صامتين حتى بلغوا المنزل الصغير على الشاطئ. واستأذن دوشري ليعود إلى حصن طيبة ليقضي الليل فيه كالعادة المتبعة. وكان يحس في قلبه انقباضًا عجيبًا بعد ذلك اليوم المرح البهيج، ولم يقدر أن يسرِّي عن نفسه ذلك الشعور، وذهب إلى مخدعه لعله يهدئ من قلقه في هدوء الوحدة، ولكن صورة الشيخ كانت تتمثل له دائمًا وهو يسير بطيئًا مطرقًا حزينًا.

وخُيِّل إليه أن حديث فرعون هو الذي بعث في الشيخ ذلك الحزن الشديد الذي غمره فجأةً، بعد أن كان في الصباح نشيطًا كأنه شابٌّ مَرِح.

ولم يستطع دوشري البقاء في مخدعه طويلًا فخرج ليفرج عن قلقه، وذهب إلى ركن مطل على النهر وجعل يسرح ببصره فوق صفحة الماء وعلى جوانب الشطآن وخلال السماء الصافية التي يغمرها ضوء البدر، ولكن صورة وجه الشيخ الحزين لم تفارقه وصورة نفرتويا لم تستطع أن تهدئ من سورة وساوسه. ماذا قال له فرعون حتى أزعجه هكذا؟ ثم ماذا قالت تادوخيبا لفرعون في ثنايا ذلك الحديث الطويل الذي كان بينهما على طول الجولة فوق البحيرة؟ أتكون قد أعادت على فرعون ما سمعها تقوله في يوم من الأيام عن مخاوفها من تعلقه بابنة الشيخ؟ أيكون فرعون قد حدَّث أمنكارع عن ابنته وعلاقتها به؟ لم يفق الشاب من وساوسه إلا عندما شعر بوقع أقدام تقترب منه، فالتفت إلى ورائه وسمع صوتًا يناديه وكان صوتًا مألوفًا، وقال له رئيس الحصن: لقد بحثت عنك في أركان القصر يا دوشري … لِمَ تخلَّفت عن مائدة العشاء؟

فأجاب دوشري: حقًّا لقد نسيت يا سيِّدي.

ونهض متكلِّفًا النشاط حتى لا يثير فضول رئيس القصر، ولم يلبث أن استعاد مرحه عندما صار بين أصحابه في حلقة السمر بعد أن فرغوا من العشاء. ولما عاد إلى مخدعه بعد أن مضى صدر الليل كانت كل الظلال قد انقشعت من قلبه كأنْ لم يعكر صفاءه شيءٌ في ذلك النهار.

ولكن الصباح التالي حمل إليه نبأ كان أشد عليه من كل ما مر به من القلق والوساوس، فقد جاء إليه قائد الحصن في الصباح ليبلغه أمر فرعون أن يسافر إلى «أون» في ذلك اليوم نفسه ليتم دراسته في معهدها العظيم بعد أن نال بغيته من الدراسة في حصن طيبة، وكان عليه أن يأخذ أهبته للسفر من ساعته بغير إبطاء.

وأظلمت الدنيا في عينيه وتهالك على كرسيه ولم يجب بكلمة.

وثارت في نفسه غضبة شديدة لذلك الأمر المفاجئ، ولكنه تذكَّر أنه أمر فرعون، ولا حيلة لأحد فيما يأمر به فرعون. وجاهد أن يمنع نفسه من البكاء لشدة شعوره بالعجز أمام الإرادة التي لا تُقاوَم، وذهب صامتًا ليستعد للسفر في المساء.

ولما أقبل المساء كانت السفينة في انتظاره تحت أسوار الحصن فصعد إليها بغير أن ينظر إلى الوراء، وبادر فمسح الدمعة التي فرَّت من عينيه، ثم ذهب إلى مؤخرة السفينة واتجه ببصره نحو بيت أستاذه حيث تقيم نفرتويا. ولما اختفت طيبة عن عينيه وراء ثنية النهر ارتمى في موضعه وأسلم نفسه للبكاء.

وأخفى أمنكارع عن ابنته سر الحديث الذي دار بينه وبين فرعون يوم احتفال الخريف، ذلك الحديث الذي أمره فيه أن يقطع الصلة التي ما كان لها أن تجمع بين دوشري الأمير الملكي وبين فتاة من عامة الشعب، وإن تكن نفرتويا الحسناء وابنة الشيخ المبجل أمنكارع. ولكنه لم يستطع أن يخفي عن نفسه ألم الطعنة ومرارة الإهانة. لقد بلغت تلك الطعنة من الشدة أنه كاد يندفع إلى الرد عن أمنحتب العظيم قائلًا له: إن القلوب لا تعرف الفروق التي يقيمها المتكبرون. ولكنه لم يجرؤ أن يخاطب ابن الآلهة إلا قائلًا: سمعًا وطاعةً يا مولاي. وخطر له عندما سمع أمر فرعون أن يقول له: «إنك أنت يا صاحب الجلالة تزوجت من إحدى بنات الشعب عندما أحببت الملكة تي الحسناء!» ولكن الكلمات تعثَّرت في حلقه قبل أن ينطق بحرف من حروفها. ومهما يكن من الأمر فإن غضب أمنكارع وشدة وقع الإهانة عليه لم يكونا شيئًا إلى جانب الكارثة التي ألمت به عندما رأى ابنته تذبل وتفقد سعادتها بعد أن فارقها دوشري.

ومرت الأيام بطيئة، ولكنها توالت مظلمة حزينة، وكانت نفرتويا لا تنطق باسم دوشري تسأل أباها عنه أين غاب ولِمَ غاب. قضت أيامها صامتة هادئة وديعة كأنها لم تفقد شيئًا ولم تجزع من شيء، كالزهرة المفردة التي تتفتح وحدها في الصحراء ذات صباح ثم يتبدد عبيرها وألوانها الزاهية في وحشة الفقر. ولم يلحظ أمنكارع أن ابنته تذبل وتفقد نضرتها يومًا بعد يوم حتى رآها ذات يوم وقد أصبحت ذاوية.

وجلس دوشري في أون على سور معبد الشمس الشاهق ينظر إلى الشمس وهي تهبط إلى أفق الغرب. وكانت الأرض تمتد تحت عينيه مثل صفحة مرآة لا يقطع سطحها سوى نقط منثورة من آجام النخيل. وكان السكون يخيم على الكون وماء الفيضان يغمر الحقول إلى آخر ما تصل إليه العين. وكان الهواء ساكنًا في ذلك الوقت من شهر مسرى الحزين، كما كان قلب دوشري. لم يكن له في معبد الشمس صديق كما لم يكن له في أون كلها أليف، وأحس بأنه قد أصبح وحيدًا غريبًا في بلاد بعيدة غريبة، لا يؤنسه شيء في ذلك الفضاء الفارغ الرهيب الذي كان يحيط به. وعادت إليه وهو جالس هناك ذكريات جولاته مع نفرتويا في أرياف طيبة وعلى ضفاف نيلها وفوق أمواجه الوديعة. كان كل شيء هناك ينبض بالحياة والأمل، حتى تلك التماثيل الرابضة على جانبي الطرق، إذ كان الشيخ أمنكارع يبعث فيها الحياة كلما تحدث عنها. فأين تلك الحياة المليئة في طيبة من حياته في معبد الشمس الشاهق في مدينة أون العظمى، التي لم تكن في نظره سوى سجن مظلم. وخطر له أن يتسلل من المعبد حتى يصل إلى النهر فيلتمس قاربًا يصعد فيه إلى طيبة مرة أخرى، ليستعيد أنفاسه الحارة وصدره المبتهج ونفسه المرحة. ولكن كيف يقدر على التسلل من المعبد الضخم الذي تُوصد عليه الأبواب المتينة ويحيط به الحراس في الصباح والمساء؟

وفيما كان جالسًا هناك تتنازعه أشجانه الثائرة جاء إليه كاهن يحمل إليه رسالة من أخته تادوخيبا، وهي أول رسالة تلقاها منذ فارق طيبة في أول الخريف. وفتح الرسالة بقلب مضطرب، وكانت لفافة من البردي عُقِدَ عليها شريط من الكتان الأنيق. ولأول مرة في حياته تمنى لو كان له جناح فيطير به ساعة حتى يبلغ طيبة ليرى نفرتويا؛ لأن الرسالة أنبأته بأنها مريضة وتريد أن تراه قبل أن تبدأ رحلتها الأخيرة إلى عالم أوزيريس! لم يدرِ ماذا يستطيع أن يفعل ولا ماذا يستطيع أن يقول، فلم يكن أمامه إلا أن يصبر نفسه حتى تحمله السفينة كما تشاء لها رياح الخريف الفاترة. وسافر من ليلته نحو الجنوب بقلب واجف وعين دامعة وصدر كئيب.

وهناك في طيبة ذهب إلى بيت الشيخ أمنكارع آخر الأمر، ولكن الدار كانت خالية. وكان الشيخ بعيدًا في الجانب الغربي لا يقيم في المدينة منذ فارقته نفرتويا في رحلتها الأبدية. وأسرع دوشري إلى الغرب حتى رأى الشيخ وكان عاكفًا على جدران المقبرة التي يعدها لابنته لتكون مثوًى لجسدها بعد أن يتم الكهنة تحنيطها. كان الشيخ يطمع أن تقف نفرتويا على مقبرته مع دوشري يقدِّمان القرابين من أجل سلامة روحه في عالم الظلام، ولكن الأقدار قست عليه مرة أخرى ونزعت منه أمله الأخير.

ولما رأى الشيخ تلميذه مقبلًا رمى مطرقته وإزميله ومد يده ليصافحه صامتًا. ولم ينطق دوشري بكلمة عزاء، بل نظر إلى الرجل في صمت ثم ترك يده وحول عنه وجهه وأجهش بالبكاء. وأسرع مبتعدًا ليتدارى وراء جدار المقبرة، ثم ارتمى على الرمال وترك دموعه تتدفق ليخفف عن قلبه المحترق وصدره المختنق. وعاد أمنكارع إلى جدار المقبرة يضرب فيه بمطرقته وإزميله في عنف وهو صامت، وكان أمامه لوح من الجرانيت الأحمر فيه نقش صورة ما تزال تحتاج إلى المزيد، والشيخ يضرب بمطرقته وإزميله بغير توقف كأن في داخله ثورة عنيفة.

وقام دوشري بعد أن استطاع أن يتماسك، فذهب إلى الشيخ ووضع يده على كتفه مترفِّقًا، فرفع الشيخ رأسه ورمى بالمطرقة ورفع يده فمسح عرقه المتصبب من جبينه، وتنفس نفسًا عميقًا وهو ينظر نحو دوشري، ثم استرخى وخرَّ متهالكًا. وبعد حين رفع رأسه في فتور وقال: هذا أنت يا دوشري، لقد وعدت أن أصنع لك صورة فوق الجرانيت الأحمر. ها هي ذي صورتك يا بني، ولكنها صورة باكية.

ثم قام وترك الفتى ينظر باكيًا إلى الصورة، وانطلق يسير في طرق مدينة الموتى المتعرجة حتى اختفى.

وأما دوشري فقد عزم على أن يعود إلى أون من ساعته، وأن يذهب إليها في هذه المرة ليكون كاهنًا راهبًا.

وقد عرفت طيبة فيما بعد كاهنها الطيب الوديع دوشري، ذا البشرة البيضاء والعينين الزرقاوين، الذي يُقال إنه كان من قبل أميرًا جميلًا ثم جذبته محبة آمون فآثر خدمة الإله على أن يكون ملك المتاني.

وقد عُرف عن الكاهن دوشري أنه كان في كل يوم يعبر إلى مدينة الموتى في الغرب ليذهب إلى قبر نفرتويا وقبر أمنكارع الذي في جواره؛ لأنهما كانا حبيبين لآمون.

وكان دوشري كلما ذهب إلى المقبرة وقف حينًا ينظر إلى الصورة البديعة التي في اللوحة الحمراء الجرانيتية، ثم يتمتم قائلًا كأنه يتلو صلاة:

قد نزول نحن عن الأرض، ولكن خلجات نفوسنا تبقى مع الفن إلى الأبد في هذه الصخور الصماء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤