الفصل السادس

انصرفت من عند عبد الحميد وذِهني متَّقد بأفكارٍ شتَّى، وكأن رأسي يدور وقلبي يشبه عصفورًا في أسرِ طفل غرير يقذف به في عنف ويَجذبه في قسوة.

كنت أسأل نفسي مئات الأسئلة التي لا أجد لها جوابًا شافيًا، وأخذت أسخر من الفكرة التي دفعتْني إليها حِيرتي، فهل أعود أدراجي لأكون مرةً أخرى تلميذًا وأتقدم للامتحان في البكالوريا؟ أهناك برهان أقوى من هذا على أني وقفت حقًّا عن النمو كل هذه السنين كأني فلاح مسكين في حقله والقطار السريع يمر به من بعيد؟

وأخذت أعيد على نفسي ما قلته وما قاله عبد الحميد. ليس الزمن سوى خرافة من صنع عقولنا نحن والحركة هي الحقيقة الوحيدة. كل شيء يتحرَّك حتى الحجارة، وأما أنا فإني لم أتغيَّر وإن كان عبد الحميد يقول لي إني لا بدَّ تغيرت.

ووصلت إلى منزلي وأنا أقلب هذه الأحاديث في نفسي، ودخلت إلى غرفتي واستلقيت على الكرسي الأسيوطي القديم الذي اشتريتُه منذ شهر من أحد تجار الأثاث المُستعمَل، وجعلت أدير بصري في الغرفة، وأحسستُ أنها تَضيق بي وأن جدرانها تَقترب من كل جهة لتنطبق عليَّ وتُحطِّمني، وقمتُ لأسير فيها حتى أتحقَّق من أن الجدران ثابتة في مكانها وكانت الغرفة لا تزيد على ثلاثة أمتار في أربعة، فما أكاد أخطو بها خطوتَين حتى أرتدَّ إلى الناحية الأخرى كأني وحشٌ في حظيرة، فعدت إلى الكرسي واستندت برأسي إلى ظهره وجعلت أسبح في أفكار هائمة. كل شيء يتحرَّك حتى الجمادات وأما أنا فإني ما أزال كما كنتُ منذ سبع سنوات، ولا أدري ماذا تغيَّر مني. ماذا يدل على هذا النمو الذي كان عبد الحميد يتحدَّث عنه؟

ولماذا أخجل من فكرة التقدم لامتحان البكالوريا؟ اليوم الجمعة وغدًا السبت وآخر موعد للقيد في الامتحان يوم الأحد، فإما الآن وإما لا، وقمتُ خارجًا من غرفتي عازمًا على أن أعود إلى صاحبي لأفاتحه فيما قصدته من أجله منذ قليل، ولما بلغتُ ضريح أبو طاقية وقفت لأقرأ الفاتحة وانشرَحَ صدري وأسرعتُ في سيري حتى وصلتُ إلى بيت صديقي، ولما لقيتُه تبسَّمت قائلًا: أما قلتُ لك إنك ستَراني أكثر مما تحب؟

فجذبني من يدي قائلًا: الحديث بينَنا لم ينتهِ بعد.

فقلت مبادرًا: لم أعد إليك لأتمم هذا الحديث، ولا أريد أن أضيع وقتك، أو بقول آخر: لا أريد أن أضيِّع وقتي، فالحقيقة أني كنتُ آتيًا إليك أول مرة لأقول لك شيئًا سخيفًا ثم خجلت أن أقوله. أليس من المُضحك أن أفكر في التقدم إلى البكالوريا بعد هذه المدة الطويلة؟

وسكتُّ لأرى أمارات الدهشة على وجه صاحبي، ولكن وجهه كان أصفى من صفحة غدير رائق.

وقال باسمًا: أظنُّها فكرة حسنة.

وكنا قد بلغنا غرفة الانتظار، وجلس إلى جنبي قائلًا: أعتقد أنك لن تجد صعوبة في النجاح.

فوثب قلبي إلى حلقي من السرور وقلت: أتظن هذا؟

فقال: أعرف أنك كنت دائمًا تحبُّ القراءة، ولا شك في أنك كنت تقرأ وتكتب.

وشعرت من نظرته ومن نبرات صوته أنه لا يجامل ولا يقصد أن يشجعني، فقلت: سأقدم على المغامرة وآخذ نصيبي. إذن فأنت ترى أنها فكرة لا تبلغ من السخافة ما كنت أظن.

فقال مُبادرًا: هي إن شئت مغامرة ولكنها ليست مقامرة على كل حال. هناك ألوف من الشبان يجعلون من الامتحان نوعًا من المقامرة؛ لأنهم مُفلسُون يُريدون أن يحصلوا على ثروة بغير مقابل، ولكنك لا تُقامر يا صديقي لأنك تطلب شيئًا تعرف قيمته وتُريد أن تحصل عليه بثمنِه. لم تكن واقفًا كما زعمت إلى جانب الطريق والقطار السريع يمرُّ بك. لا أحب أن أجاملك بمثل هذه الأقوال ولستُ أقصد أن أجاملك ولكنِّي أظن أنك أحسنت.

فملأني قوله ثقة وقمتُ مستأذنًا وقلت: سأمر عليك في الصباح.

فقال: سأكون هناك منذ الساعة الثامنة، وإن كنتُ لا أبدأ عملي قبل العاشرة، وأحب أن أُذكِّرك بأني مُعلم.

فتبسَّمت قائلًا: وأحبُّ أن أقول لك أيضًا إني أصبحت تلميذًا من جديد، وأرجو أن أكون تلميذًا مُجتهدًا.

ومددتُ يدي إليه، وضغطت على يده بغير أن أشكره بلساني، وبدأت من ليلتي أُعدُّ العدة للمذاكرة، ولا أذكر أني كنت في وقت من أوقات تلمذتي في مثل هذه الحماسة للتعلم. حقًّا إننا لا نعرف للتعليم قيمة إلا إذا شعرنا حقًّا بأن لنا غاية نريد أن نحققها من ورائه.

وكانت الأشهر الثلاثة الباقية على الامتحان أكثر أوقات حياتي ازدحامًا بالعمل والكد. كنت مثل شخص غرقت به السفينة في ليلة مظلمة من ليالي الشتاء العاصفة، فهو لا يلتفت إلى رهبة الظلام ولا إلى برد الماء ولا إلى شدَّة العاصفة، بل يَحصُر كلَّ همه في الأنوار البعيدة التي تخفق على الشاطئ، ويجاهد بكل قطرة في حياته ليصل إلى البرِّ سالمًا. لم أكد أختطف في كل ليلة إلا ساعات من النوم، ولم أكد أذوق من الطعام إلا ما يُمسك الرمق. كنت أتحرك وأعمل في شيء من الذهول عن كل شيء سوى ما أدرسه، ولا أكاد أحس بشيء مما حولي ولا بأحد ممن حولي، ولما جاء الامتحان آخر الأمر ذهبت إلى مقر اللجنة، ودخلت إلى الخيمة المعدة لجلوس التلاميذ وجلستُ على المقعد الذي عليه رقم جلوسي وأنا في حال تُشبه حالة الحالم. لم ألتفت إلى وجه من الوجوه التي حولي، ولا إلى صوت من الأصوات التي كانت ترن في أذني، بل كنت لا أكاد أفطن إلى أوراق الأسئلة التي كانت توضع أمامي، كأن عينًا أخرى هي التي كانت تبصر لي، وكأن إرادة أخرى هي التي كانت تحركني، وكأن ذهنًا آخر هو الذي كان يفكر لي، ولست أبالغ إذا قلت إني في هذه الساعة التي أكتب فيها هذه الأسطر لا أكاد أذكر شيئًا مما رأيتُ ولا مما سمعتُ في تلك الأيام التي لم يبقَ منها في ذاكرتي سوى صور حائلة تُقرب من صور الأحلام البعيدة.

وكان صاحبي عبد الحميد يسألني في كل يوم عن إجابتي فأحاول أن أعيدها عليه فلا يتهيأ لي تذكر شيء منها، حتى خُيِّل إليه أني أتعمَّد إخفاءها خوفًا من إطلاعه على أخطائي، ولما مضت أيام الامتحان اعترتني حالة شديدة من الهم والغم والسخط على نفسي، وندمتُ على الحماقة التي دفعتني إليها فكرة سخيفة، ومرَّ عليَّ شهر كامل في هذا القلق ضائقًا بنفسي وبمن حولي فكنت أخرج إلى الفضاء لأُنفِّس عن كربي فلا أعود إلى بيتي إلا بعد أن يُجهدني التعب حتى أسرع إلى النوم.

وكنتُ في يوم من تلك الأيام عائدًا من رحلة طويلة في الريف حول المدينة، وعرجت على قهوة لأستريح قليلًا قبل الذهاب إلى بيتي، فأقبل صبيٌّ من باعة الصحف يَصيح: «نمر التلامذة!» فاشتريتُ منه صحيفة وأنا مُتلهِّف، وأخذت أجيل بصري في الأرقام ولكنَّ عيني سبحت في الأعمدة المرصوصة، ولم أتذكر رقم جلوسي، ورأيت أرقام المتقدمين من المنازل في دمنهور فلم أجد إلا رقمًا واحدًا وهو ٢٨٥٥. أكان هذا رقمي؟ أكان في رقمي عدد مكرر؟

وكان قلبي يخفق كالمَجنون الثائر مع أني طالما وطنته على أني راسب، وأخذت أسأل نفسي أين ذهب رقم جلوسي. ألا يكون في جيبي؟ ووضعتُ يدي في جيوبي واحدًا بعد واحد، ولكني لم أجد الورقة في جيب منها، وأخرجتُ محفظتي لعل الورقة تكون فيها. ها هي ذي! إنها هي بعينها وفيها العدد المكرر، وخفق قلبي أكثر جنونًا وخُيِّل إليَّ أن أقوم فأقول لمن في القهوة جميعًا إني نجحت، وخُيِّل إليَّ أنَّ الناس جميعًا ينظرون نحوي ويعرفون أني أريد أن أصيح بهم مُعلنًا إليهم نجاحي، وقمتُ واقفًا ولولا خوفي من الأنظار لجريتُ بأسرع ما أستطيع من السرعة حتى أصل إلى أمي وأختي لأخبرهما بالنبأ السعيد، ثم إلى بيت صاحبي عبد الحميد عباد لأحمل إليه بُشرى نجاحي، وسرت مُسرعًا والجرائد الثلاث ترف في يدي، لم أجد وقتًا لأطويها في رزمة منتظمة، ولو أطلقت لنفسي العنان لأخذتُ أضحك وأضحك كما يفعل الغريق بعد أن يصل إلى البر سالمًا، ولكني إن كنتُ لم أضحك فإن قلبي كان يفعل نيابة عني كأنه أصيب بنوبة هستيرية، ومررتُ على منزل صاحبي في طريقي، وأظن أني قطعت المسافة بين القهوة وبين بيتِه في أقل من خمس دقائق مع أنه كان في العادة يبعد بما لا يقلُّ عن عشر، وطرقت الباب فنزلت إليَّ الخادمة تقول لي إنه لم يكن هناك، فقلت لها: «قولي له إذا عاد أني نجحت.» ثم أسرعت منصرفًا ولم أقل لها من أنا.

واتجهت إلى منزلي لأحمل النبأ إلى أمي وأختي، وتذكرت عند ذلك فقط أن أختي منيرة هي الأخرى تنتظر النتيجة، فوقفتُ في مكاني ورفعت الجريدة أمام بصري تحت مصباح الشارع لأبحث عن رقم أختي، وكان شُعوري بالخجل من نفسي عظيمًا؛ لأني لم أهتمَّ بتذكر رقم جلوسها، وزاغ بصري مرة أخرى في الأرقام — لجنة دمنهور، مدرسة البنات — ولكنها كانت أرقامًا كثيرة، فطويت الصحيفة وسرت فاترًا حتى وصلت إلى بيتي ولم أدرِ ماذا أفعل، ولمحت منيرة الجريدة في يدي ورأيت الأرقام، فوثبت إليَّ وخطفتها وأخذت تفحص الأعمدة المرصوصة وأنا أنتظر في لهفة، ثم رأيتها تلقي الجريدة من يدها وتذهب صامتة ووجهها ينم عن حزنها، فانقلب ما كنت أحسه من الفرح المفرط إلى وجوم مفرط، ورثاء ومواساة، وذهبتُ وراءها إلى الغرفة لأُسرِّي عنها، وجاءت أمي بعد قليل فشاركتني في محاولتي حتى عادت منيرة إلى هدوئنا وضاعت عليَّ الفرصة في مفاجأة مسرحية كنت أطمع فيها لو كنتُ أعلنتُ نجاحي لأمي وأختي بغير أن تكون عندهما فكرة عن تقدمي للامتحان.

ولما مرَّت هذه الهزة التي اعترضتْني أخذتُ أفكر في المستقبل ووجدته كما كان ولم يُفدني النجاح شيئًا في إزالة الغيوم التي كانت تَلُفه من كل جانب، فهل أستطيع أن ألتحق بالجامعة؟ وكيف أحصل على رزقي ورزق أهلي؟ وما فائدة النجاح إذا لم ألتحق بالجامعة؟ فهل أقنع بهذه الشهادة على أنها حلية تُزيِّن صدري عند ذهابي إلى الأسواق مع حمادة لنشتري القطن من الفلاحين المساكين؟ ومهما يكن من الأمر فإني قضيت ما بقي من شهور الصيف في القراءة والكتابة، وأقبل شهر أكتوبر فذكرني بالأسواق وحمادة الأصفر، وما تُكلِّفنا به ظروف الحياة من تحمل ما نكره في سبيل العيش. لم أشعر بأن التجارة طريقي في الحياة، ولولا حاجتي إلى الرزق لما رضيتُ أن أعود إلى الأسواق أبدًا، وهل كنت أنا الذي أشتغل بالتجارة حقًّا؟ لم يكن لي منها سوى أن أذهب مع حمادة وأحمل النقود في جيبي لأدفع أثمان الأقطان منها. كنتُ في مبدأ لأمر أحسب أنها مغامرة مُثيرة فوجدت أنها بالنِّسبة إليَّ لا تَزيد على سُخرة من أجل القوت.

وفي صباح يوم من الأيام نزلت من منزلي لا أدري أين أذهب، فاتجهتُ نحو شاطئ الترعة لأملأ صدري من هواء الخريف.

وسمعتُ في الطريق صوتًا يُناديني من ورائي وكان صوتًا أعرفه، وتبسمت بالرغم من ضيقي عندما رأيتُ أمامي محمد الشرنوبي زميلي القديم الذي كنا نُسميه «الفلاح» فيما بيننا.

وقال لي بابتسامته العريضة: أين أنت يا شيخ؟

فقلت: وأين أنت يا أيها الفلاح.

فقال: في الغيط طبعًا، كما أنك في السوق.

فقلت باسمًا: ومن قال لك؟

فقال: وهل يجهل أحد «تجارة الأمانة»؟ تعالَ بالله معي ونجِّني من هؤلاء التجار الذين يُريدون سرقتي.

وقلت مبادرًا: تحت أمرك يا حاج شرنوبي.

وقلت في نفسي: «هذا شيء آخر. لا بأس أن أذهب مع صاحبي هذا لأشتري ما عنده، فهذا خير من الجلوس على جوانب الطرق، ولكن ما أدراني لعلَّ القطن الذي عنده رديء، وهو يبحث عن تاجر ساذج ليبيعه له.»

وأخذني صاحبي من ذراعي متجهًا بي نحو المحطة، وأخذت أحدث نفسي صامتًا. إنها حماقة لا مثيل لها، وماذا أعرف عن تجارة الأقطان، وما أدراني كم قنطارًا عنده؟

وقلت له في هدوء: أرجوك أن تأذن لي أن أذهب إلى بيتي أولًا. الساعة الآن العاشرة وأظن القطار لا يأتي إلا في الساعة الثانية عشرة. ألستَ دائمًا في إيتاي البارود؟

فقال: لم تنس بعد يا سيد أفندي؟ سأنتظرك هنا، وكنا أمام قهوة مظهر، فواعدته أن أعود إليه قبل مضيِّ ساعة، وأسرعت منطلقًا إلى شارع «أبو الريش» لعلِّي أعثر على حمادة الأصفر، وكنتُ لم أصادفه في هذه الأشهر الأخيرة، وبعد دورة طويلة عثرتُ عليه في خمارة بزقاق مُظلم دلني عليها صبي القهوة التي تعوَّدنا أن نجلس فيها، وجررته معي في شيء من القسر، وذهبت به إلى البيت لآخذ ما هناك من النقود، ثم ذهبنا إلى القهوة لنَلقى محمد الشرنوبي.

وكنت في أثناء السفر إلى إيتاي البارود أحدث نفسي في حيرة عما أنا مقدم عليه، وامتلأت رهبة، ولما وصَلنا إلى عزبة الشرنوبي اجتمع علينا الفلاحون وشاركوا زميلي القديم في خدمتنا والترحيب بنا حتى نسيتُ قلقي وداخلني شعور بارتياح ممزوج بالزهو، وذهبنا إلى مخزن القطن وكان فيه خمسون قنطارًا كاملة.

وهمس لي حمادة: قطنٌ عالٍ ولكنَّه وسخ قليلًا. خمسون قنطارًا يا سيد أفندي!

فقلت هامسًا: كم يساوي؟

فقال: لا أقل من اثني عشر جنيهًا. لُقطة!

ففكرت في نفسي. ماذا أصنع؟ وهل يَصدُق ظنُّ حمادة الأصفر؟ ألا يكون مغاليًا في الثمن؟ ألا ينزل سعره في مدة يوم أو يومين قبل أن نُحمِّله لبيعه في دمنهور؟

ولكني ملكت نفسي ولم أظهر ترددًا.

ولما أتى الليل أعد لنا صاحبي فراشًا في حجرة عليا فوق المخزن، وذبح لنا جديًا سمينًا وقضينا في الدوار مدة طويلة في سمر قبل أن نذهب إلى غرفة النوم، ولكنا لم نذق للنوم طعمًا واضطررنا أنا وحمادة إلى قضاء ما بقي من الليلة في الحديث؛ لأن لسعات البعوض والبراغيث لم تدع لنا فرصة للرقاد، وكان مما زادنا اضطرارًا إلى الأحاديث أن المطر بدأ يهطل بعد نصف الليل، فكان لا بد لنا أن نجلس في الركن الذي لا يتسرَّب الماء إليه، ونستند بظهرينا إلى الجدار، وكان حديث حمادة مسليًا برغم التعب ومضايقة اللسعات، وكان كل الحديث عن أهل المدينة، ولستُ أدري كيف عرف حمادة كل هذه الأسرار التي أخذ يحكيها مع أني لا أعرف منها شيئًا وأنا أعيش معه في المدينة نفسها، وكان ينتقل من حديث إلى آخر ذاكرًا من عيوب عظماء المدينة ما لا يكاد يصدق، وقد أخذت ذلك كله على أنه قصص من نسيج الخيال أو من رغبة التشنيع، وهي طبيعة تلجأ إليها النفوس المحطَّمة، وهل كنت لأصدق أن السيد أحمد جلال يقترن سرًّا بامرأة ساقطة، أو أن محمد باشا خلف يعيش من ثروة امرأته التي تَضربُه بحذائها؟

ومهما يكن من الأمر فقد مرت الليلة وبادرنا منذ الصباح الباكر لنستعد للعمل، ولم أتردَّد في الشراء كما نصحني حمادة ودفعت لصاحبي كل ما كان معي وهو المائتا جنيه، وقلت له في بساطة إني أدفع له ما بقي من الثمن إذا استلمتُ البضاعة في دمنهور.

ولما خرجنا من المزرعة متجهين إلى المحطة همس حمادة في أذني: مائة جنيهه يا عم!

فقلت: ماذا تقصد؟

فأجاب: هذا القطن لا يُساوي أقل من اثني عشر جنيهًا، وقد رضيَ هذا المغفل بأن يبيعه بعشرة. مائة جنيه يا عم، يدك!

وسحب يدي فقبض عليها قائلًا: مبروك، والله زمان يا بو زهير!

ولم أحب أن أتورط في الآمال السابقة لأوانها، فلم أقل شيئًا وأخذ حمادة يُحدثني عن آخر أخبار السياسة التي كنت لا أعبأ بها كثيرًا، فالانتخابات على وشك الابتداء والسيد أحمد جلال يستعدُّ لمواجهة خصمه محمد باشا خلف، وستكون معركة طاحنة؛ لأن رئيس الوزارة المنتظر قريب محمد باشا، وجمعية شباب دمنهور تستعدُّ للاجتماع مرةً أخرى لأول مرة منذ الانتخابات الماضية، وستكون أسعار المظاهرات وأثمان الأصوات أعلى من الأسعار السابقة.

ولما وصلنا إلى دمنهور لم أدر إلى أين أذهب بهذه الصفة الكبيرة. كنت أبيع ما أشتري من الأقطان في كل مرة، وهي لا تزيد على عشرة قناطير أو خمسة عشر قنطارًا، ولكن خمسين قنطارًا تحتاج إلى العناية، فجنيه واحد أخسرُه في القنطار يؤدي إلى ضياع ربع ما جمعته في خبطة واحدة، وكان الأفضل في نظري أن أُسرع إلى التخلُّص من هذا الحمل الثقيل قبل أن أقع في ورطة؛ فالأسعار لا تثبت على حال، واليوم أقرب إلى الاطمئنان من الغد، واتَّجه ذهني أول شيء إلى السيد أحمد جلال فقصدت إليه من توي بغير أن أتردد.

ودخلت عليه في مكتبه وكان لقاؤه سمحًا كما عودني دائمًا كأن لم يحدث بيننا شيء يُعكِّر الصفاء، وقال لي وهو يشير إليَّ بالجلوس: أين أنت يا سيد أفندي؟ ما هذه الغيبة؟

فأجبت في هدوء أصحاب الأعمال: تحت الأنظار يا سيدي!

فقال مبتسمًا: كنتُ أظن أنك لا تتركنا هكذا.

فأجبت في زهو: أشكرُك، ولكنها المشاغل.

وبدأنا نتحدث قليلًا ونتساءل عن الأحوال كما جرت العادة، وتعمدت أن أسأله عن صحة الأسرة والآنسة الكريمة، وقلتُ له مجاملًا في آخر حديثي: أنا مدين لك بكل ما وصلت إليه.

ونظرت إلى وجهه فاحصًا لأرى أثر كلمتي.

ولا شك أن كلمتي استرعت سمعه، فإنه رفع حاجبيه لمدة لحظة قصيرة، ثم أسرع إلى تملُّك نفسه وعاد وجهه هادئًا باسمًا.

فمضيت أقول مُتعمِّدًا: جعلتُكَ مثالًا لي وعزمت على أن أبدأ حياة جديدة كما بدأتَ أنت، كان عندي عشرون جنيهًا وعزمت على الإتجار بها، وقد جئت إليك اليوم بخمسين قنطارًا من القطن الجيد.

وقدمتُ إليه العينة التي كانت معي.

فأخذها السيد وجعل يُقلِّبها بأصابعه ويفحص تيلتها، وكانت ملامح وجهه تدل على الاهتمام الشديد.

وقال في نغمة تشجيع: حسن جدًّا، قطنٌ طيب، ولكن فيه بعض الوسخ، بكم اشتريته؟

فتبسمت في سري ولم أجب بل سألته: كم يساوي؟

فضحك عند ذلك بغير تحفظ قائلًا: لقد أصبحت تاجرًا ماهرًا. حسن جدًّا يا سيد أفندي. هكذا يكون التاجر الحكيم الذي لا يكشف لأحد عن أوراقه؛ ولهذا سأعاملك معاملة الند للند، تاجر مع تاجر بغير تعطف ولا مجاملة.

فقلت في لهجة الند: لا أطلب غير هذا.

ولمعت عيناه لمعة لم أعرف معناها عندما قال: هذا القطن يساوي خمسة عشر جنيهًا للقنطار.

وفي لمح البصر حسبت مقدار ربحي، مائتين وخمسين جنيهًا، وهزتني موجة من السرور.

وتبسَّم السيد أحمد بسمة في لون من الدهاء قائلًا: هذه أسعار اليوم إلى هذه الساعة كما أعرف، ومن يدري؟ لست أعرف إذا كان هذا السعر يزيد أو ينقص بعد ساعة واحدة، ولك الخيار طبعًا في أن تبيع الآن أو في الغد.

فقلت متكلفًا الهدوء: لا مانع من البيع الآن.

فقال في بساطة: اشتريتُ يا سيد أفندي، والقطن كله من نفس العينة. هذا مؤكد طبعًا!

فقلت: هذا مؤكد.

وواعدته أن أحضر إليه غدًا في الصباح بالبضاعة، وكنتُ متفقًا مع الشرنوبي على أن يصل القطن إلى دمنهور قبل طلوع الشمس، وخرجت من المكتب بعد أن صافحت السيد أحمد جلال رافعًا رأسي، واتجهت إلى القهوة التي واعدت حمادة أن ألقاه فيها، وأنا أكاد أطير من الفرح، ولكني لم أجد حمادة هناك، فشربت فنجانًا من القهوة، وجعلت أحدث نفسي مستعيدًا كلمات السيد أحمد جلال وحركاته وملامح وجهه، ماذا قصد بقوله معاملة الند للند؟ وماذا كان يظن من قبل؟ ولماذا قبل أن يشتري القطن في هذه الليلة إذا كان يخشى أن يهبط السعر بعد ساعة؟ وتذكرت قول مصطفى عجوة عنه إنه مثل بئر عميقة لا يعرف أحد قرارها، وبدأت أشعر بشيء من القلق، وانتظرت ساعة طويلة ولكن حمادة لم يحضر، وكنت مُتعبًا بعد جهد اليوم وبعد سهر الليلة الماضية فقمت ذاهبًا إلى بيتي ولم ألبث أن نمت نومًا عميقًا.

وبكرت في الصباح خارجًا إلى ميدان المحطة كما واعدت الشرنوبي، وكانت السيارات هناك محملة، وذهبنا إلى المحلج ولكن السيد لم يكن هناك بعد، فجلسْنا ننتظر في المكتب، وكان به بعض مجلات وصحف أخذنا نتصفحها بغير اهتمام، وكانت عناوينها الكبيرة كالعادة تُغني عن قراءة ما تحتها، ثم وجدت قصة في جريدة «بريد الأحرار» وعجبتُ كيف يجرؤ أصحاب الصحف على نشر مثل هذا السخف، وكيف يرضى الناس أن يقرءوه. كانت قصة فتًى مُدله بغانية متزوجة تعبث به كما تعبث بزوجها. مرحى! ورميت بالجريدة حانقًا، ولكني عدت فأخذتها وأخذت أعيد قراءتها متأملًا أسلوبها، كان حقًّا أسلوبًا بارعًا خفيفًا سهلًا يحمل على القراءة بما فيه من إغراء، ولو تأتَّى هذا الأسلوب البارع لرأس ملأى وقلب كبير ونظرة عميقة في شئون الحياة لكان أدب هذا الشباب الناشئ جديرًا بكل إعجاب. إنه أسلوب تخلَّصَ من التكلف والغموض والحذلقة التي كانت تجعل من الأدب لغزًا يحتاج إلى الحل قبل أن يُفهم، ولكن أدباء الشباب لا يريدون أن يرتفعوا بالحياة؛ لأنها تغرقهم وتجرفهم معها، والأديب لا ينبغي له أن يغرق في الحياة ولا أن ينجرف معها، هو يعيش فيها ولكنه يسبح فيها ويَعرف اتجاهه، هكذا كنت أفكر عندما دخل السيد أحمد جلال وقطع عليَّ التفكير بتحيته السمحة.

وعندما سلم علي الشرنوبي تبسم قائلًا: هذا صاحب القطن؟

وخُيِّل إليَّ أن بسمته تحمل معنى رقيقًا من السخرية، ولم أفطن إلا في تلك اللحظة إلى الخطأ الذي ارتكبتُه عندما جئت بالشرنوبي معي. أليس معنى هذا أنه لم يقبض منِّي ثمن قطنه بعد؟ أليس معنى هذا أنني لم أكن بعدُ تاجرًا يشتري الخمسين قنطارًا ويدفع ثمنها مقدمًا؟ واعتراني شيء من الارتباك والخجل ولكني جاهدت أن أكون طبيعيًّا.

وأتم السيد أحمد جلال ضربته بأن فتح الخزانة وأخرج منها ست ورقات من ذوات المائة جنيه ودسها في يدي هامسًا: تحت الحساب يا سيد أفندي.

وأحسست الحرارة في أذني ووجهي، واستأذنت خارجًا مع صاحبي وقلت للسيد أحمد: إني عائد بعد ساعة.

وعدت إلى المحلج بعد أن شيعتُ صاحبي إلى المحطة، فوجدت السيد أحمد مشغولًا مع عملائه، فلم يلتفت إليَّ إلا بنظرة باسمة قصيرة، وجلست في ركن من الحجرة حتى يفرغ، وانصرفت بذهني أتأمل طريقته في المعاملة والحديث، كأني أقرأ درسًا جديدًا، وعدتُ أسأل نفسي أي فرق بين هذا الرجل وبين حمادة؟ ما الفرق بين الذهب والنحاس وكلاهما معدن؟ وجاء دوري بعد حين فمد السيد يده نحوي بوثيقة بين إصبعيه السبابة والوسطى قائلًا: كم الباقي؟

وقرأت الورقة وكان وزن القطن مكتوبًا عليه: ثمانية وأربعون قنطارًا ونصف.

فصحتُ صيحة مكتومة: هي خمسون قنطارًا.

فقال هادئًا: هذا هو الوزن الرسمي.

ولولا أني دفعت إلى الشرنوبي بقية ثمن قطنه لما تردَّدتُ في استرجاع القطن؛ لأني كنت واثقًا أن وزنه لا يقلُّ عن خمسين قنطارًا وافية.

وقال السيد أحمد وهو يفتح الخزانة: يبقى لك مائة وسبعة وعشرون جنيهًا ونصف. أليس كذلك؟

فلم أجبه ولكن ذلك لم يمنعه من عد النقود ووضعها أمامي.

وأخذت النقود صامتًا وحييتُه تحية هادئة، وانصرفت وأنا أقول لنفسي: «كيف يحدث هذا؟» وذهبت عائدًا إلى القهوة لعلي ألقى حمادة حتى أعطيَه نصيبه من الربح، وكنت من قبل عازمًا على أن أعطيه عشرة في المائة من الربح، فلم أرض أن أقللها عن خمسة وعشرين جنيهًا.

وكان فكري مشغولًا طول الوقت بنقص وزن القطن، لا من أجل الجنيهات التي فقدتها، بل من أجل المعنى الذي وراء ذلك النقص. كنتُ واثقًا من أن وزن القطن خمسون قنطارًا، وقد وزنته بنفسي وهذه صناعتي. ألا يكون مصطفى عجوة هو الذي وزنها؟ أيُمكن أن يكون السيد أحمد عالمًا بأن موازينه ظالمة؟ وتذكرتُ الحديث القديم الذي كان بيني وبين مصطفى وكان حنقي شديدًا، ولكني مع هذا أرضيتُ نفسي عما أصبت من الربح، فإني لم أحلم في يوم من الأيام أن أربح مائتي جنيه في ليلة واحدة.

واستقبلني حمادة في القهوة فاتحًا ذراعَيه ليضمني إلى صدره قائلًا: مبروك يا سيد أفندي!

وكان صوته مسموعًا في آخر القهوة.

ولم يكن من العجيب أن يهنئني على الربح العظيم، فإن خمسة جنيهات في القنطار الواحد في ليلة واحدة رقم قياسي في التجارة، وقلت له: مبروك عليك أيضًا!

ومددت يدي إلى جيبي لأخرج النقود، وعزمت في لحظتي على أن أعطيه كل الكسور فوق المائتين.

فصاح بي: هل بعت؟

فقلت له: ودفعت باقي الثمن.

فصاح: بكم؟

فقلت مباهيًا: بخمسة عشر جنيهًا.

فصاح مذعورًا: بكم؟ من قال لك هذا السعر؟ من هذا اللص الذي اشترى منك؟ قل لي من هو حتى أخزق عينيه.

فقلت في دهشة: ولم؟

فقال: لص! حرامي! ابن كلب!

وأخرج من جيبه جريدة الصباح، وفتحها في لهفة، وأشار بيده إلى عنوان كبير قائلًا: انظر، هذا هو السعر، تعال نذهب إليه وأنا أعرف كيف أقول له يا لص!

فنظرت إلى الصحيفة فهالني ما رأيت، قرأت عنوانًا ضخمًا: «ارتفاع مفاجئ في أسعار القطن» ومن تحته عنوان آخر: «عشرون جنيهًا للقنطار»، وتسمَّرت في مكاني أنظر إلى الصحيفة مبهوتًا، وتذكرت أن هذه الصحيفة نفسها كانت في يدي في الصباح وأنا في مكتب السيد، ولكني لم أقرأ صفحة التجارة.

وقلت لنفسي: لا شك أنه يعلم هذا.

وأعدت نظري على الصحيفة فوجدت أن هذه الأسعار كانت آخر الأسعار بالأمس.

وشعرت بشيء كالدوار فجلست صامتًا وتذكرت ابتسامة السيد أحمد ولمعان عينيه، وقوله أنه سيُعاملني معاملة الند للند. إذن كانت مُبارزة بين تاجر وتاجر، أحدهما قديم خبير بألاعيب التجارة يريد أن يصرع تاجرًا صغيرًا ليبرهن له على مقدار ضعفه.

وكان حمادة في أثناء ذلك لا ينقطع عن السب والتهديد، وقام بعد قليل فجذبني من ذراعي قائلًا: قم بنا نذهب إلى ذلك اللص. من هو؟

فقلت بصوت ضعيف: السيد أحمد جلال.

وقدمت له ورقة الوزن فصاح بغير تحفظ: نهاره أسود، قم معي لترى كيف أخزق عينيه، ما لك لا تتحرك؟ أتخاف أن يأكلك؟ أحقًّا بعته بخمسة عشر جنيهًا؟ وأقل من خمسين قنطارًا؟

فقلت وأنا أشعر بجفاف حلقي: لا فائدة!

فقال في مرارة وعنف: حمار، حمار والله العظيم! أتريد أن تسكت.

فقلت: وما الحيلة يا حمادة؟ انتهى الأمر وقبضت الثمن وتصرفت فيه.

فقال في نغمة يائسة: هل تريد أن تكون تاجرًا؟ لم أجد في التجار أخيب منك إلا أنا. النهاية يا عم. تعيش وتأخذ غيرها. هي وقعة تعلمك المشي يا ولدي. النهاية! هي بيعة بثمنها، هات يا عم.

وفرك إصبعيه كعادته يطلب النقود.

فأعطيته سبعة وعشرين جنيهًا ونصفًا، وكان ينظر إلى الأوراق التي أقدمها إليه واحدة واحدة، ولمعت عيناه في جشع، وقال وهو يدسُّ النقود في جيبه: النهاية يا عم! هيصة!

ووضع يده في فمه ولوى لسانه وصفر صفرة عالية استرعت أسماع الجالسين في القهوة، فالتفتوا إلينا وانفجروا بضحكة عالية، وخرج حمادة وهو يضحك قائلًا: عشت يا بو زهير.

فقمت ذاهبًا إلى بيتي وكأن في رأسي رحى تدور، وكانت أمي وأختي في انتظاري للغداء، وكانت صفقة القطن حديث المائدة بما أحاط بها من ربح محقَّق وربح ضائع، ولكن سرور أمي كان عظيمًا، وقالت كعادتها: «كفاية وبركة يا بني!»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢