الفصل الأول

بحث الكاميرا في العالم

صناع الأفلام السيئون لا يمتلكون أي أفكار، بينما يمتلك صناع الأفلام الجيدون أفكارًا أكثر مما ينبغي، وأما أعظم صناع الأفلام فيمتلكون فكرة واحدة فقط. وهذه الفكرة الراسخة تتيح لهم الثبات على الطريق وهم يجتازون مفازة دائمة التغير وجذابة دائمًا. وثمن هذا معروف: عُزلة من نوعٍ خاص. وماذا عن النقاد؟ يَنطبق الأمر نفسه عليهم [لكن لا قيمة لأيٍّ منهم] كلهم إلا واحدًا. بين عامي ١٩٤٣ و١٩٥٨ كان أندريه بازان هذا الواحد … في العالم الفرنسي ما بعد الحرب، أصبح بازان على الفور وريثًا وسلفًا في آنٍ واحد. رمزًا للريادة والممارسة.

(سيرج داني، «كاييه دو سينما»، أغسطس ١٩٨٣)

هل الكاميرا ضرورية؟

بلا أي آلة تسجيل من أي نوع، عرض إيميل رينو صورًا متحركة في مسرحه عام ١٨٨٩. بالرسم والتلوين مباشرة على ألواح زجاجية، صنع رينو مشاهد قصيرة احتاج كلٌّ منها اثنَي عشر لوحًا. في النهاية، توصَّل إلى طريقة يمكنه بها تدوير الزجاج على بكرات، وصنع ثلاثة مشاهد، يتكون كل واحد منها من ٥٠٠ لوح زجاجي. تُعَد هذه الألواح بألوانها الزاهية أعمالًا مبكِّرة ثمينة في فن التحريك. حتى بعد عام ١٨٩٥، تجنَّب بعضُ «صناع الأفلام» الجريئون الكاميرا تمامًا. في عشرينيات القرن العشرين، عرض مان راي وطور ورق تصوير، ورتب عليه مصفوفة من الأجسام. وعُرِضت مُخططاته الرايوجرافية عمومًا في المتاحف بجانب الصور التقليدية، وكأنهما صُنِعا بالأسلوب نفسه. استخدم طريقةَ مان راي عددٌ من فناني الأفلام التجريبيين، أشهرهم ستان براكيج الذي لصق أجنحة فراشات وأشياء أخرى على شريط فيلم خام، ثم طبعها من أجل فيلمه الرائع «ضوء الفراشة» («موثلايت»، ١٩٦٣).

مثل هذه الأمثلة الرائعة لفن السينما تَبرز بوضوح لأنها مُبتكَرة ونادرة. وهي تنتمي لما يُسمى بجدارة النموذج التجريبي بسبب أنها تختبر تعريف الوسيط السينمائي وهويته الدقيقين. لكنها كذلك تعتمد على التعريف النموذجي للسينما في جزء من تأثيرها. ما الذي سيَحدث للسينما لو استغنت أفلامٌ كثيرة أو كل الأفلام عن الكاميرات؟1 في واحد من أكثر أفلام القرن الحادي والعشرين المتقدِّمة تقنيًّا، وهو «بيوولف» (٢٠٠٧)، تلعب الكاميرا دورًا مساندًا فقط. فالشاشة نادرًا ما تعكس المعلومات المرئية التي حملها الضوء في الأساس خلال عدسة الكاميرا، بدلًا من ذلك، فما نراه هو صنيعة إعادات ترتيب كمبيوترية لعدد من العناصر البصرية المساهمة، وبعضها فقط مُنتَج بالتصوير السينمائي. يضع الكمبيوتر صورة شاملة ربما تُفصَّل بقدر أكبر بالتصوير الافتراضي؛ لهذا فإن لقطة واحدة طويلة (لم تُصوَّر قطُّ بكاميرا في الواقع) تُصبح لقطة رئيسية توجِّه لقطات مُتتالية مستمَدة منها عبر عمليات إعادة ترتيب هندسية. يُمكن النظر إلى «المشهد» وكأن كاميرا تحرَّكت من أجل التقاط صور مقربة، أو انتقلت لالتقاط صورة بزاوية ٩٠ درجة، أو ارتفعت ثم دارت في حركة حلزونية؛ لكن كل هذا بلا كاميرا. تستخدم أجهزة الواقع الافتراضي التي نقابلها في المتاحف أو حدائق الملاهي — وكذلك معظم ألعاب الفيديو — الكاميرات بوصفها وسائل مساعدة من حيث الأساس في المرحلة الأولى من إنتاجها. وفي مجال الترفيه السمع-مرئي، تكون الكاميرات في أفضل الحالات غير ضرورية مع تطور تكنولوجيا الكمبيوتر.
على أيِّ حال، فإنَّ تحريك شرائط السيليولويد كان دائمًا يعني صنع سينما أقل اعتمادًا على الكاميرا. بعد تصميم آلاف الصور على أسطح ذات بُعْدَين، تخضع هذه الصور للتلاعب والتتابع لتظهر حيَّة ومتحرِّكة في فراغ ثلاثي الأبعاد حينما تُعرض بأكبر سرعة مُمكنة على الشاشة. هذا هو أحد الأسباب، وإن لم يكن الأهم، لإعلان شون كيوبيت أن السينما كلها من حيث الأساس نوع من التحريك، وليس العكس.2 وإذا كانت هناك حتى الآن ضرورة للكاميرات لصنع الصور المتحركة والأفلام التقليدية كذلك؛ فالسبب الوحيد وراء هذا هو تحويل ما صنَعه الفنان على شريط السيليولويد بطريقة ملائمة ليَخرج من جهاز العرض. واليوم، تعرض الشاشات الصور المتحرِّكة التي صُمِّمت على الكمبيوتر مباشرة، مُستغنية عن الكاميرات. تُرى هل يُمكن أن تتبع السينما كلها هذه الطريقة يومًا ما؟ يُعتبر تصريح كيوبيت أحد أذكى التصريحات المستفزَّة التي أثارتها التقنية الرقمية المقصود منها تغيير المشهد النظري تمامًا.
وبالفعل فإن المُنظِّرين التقليديين؛ إذ أدركوا أن الصور المتحركة ربما تُنتَج بلا تدخل مادي، تحول هاجسُهم إلى ذعر. ألا تتطلَّب السينما مصدرًا أو مرجعًا في العالم؟ وحتى لو التُقطت الصور المتحرِّكة بالكاميرا (الرقمية)، فهي تخضع للتلاعُب بها متى أريد هذا، كما يَحدث في الرسوم المتحرِّكة. مع ذلك، فإن الأفلام الوثائقية لم تكن في صدارة النقاش كما هي الآن، حيث عادت الأسئلة عن الأثر، والذاكرة البصرية، والأصالة — ملمِّحة في الغالب إلى أندريه بازان — للمثول بقوة. قلَّل فيليب روزن وتوماس إلسيسر، على سبيل المثال، من شأن الحديث المُنذر بنهاية السينما الذي واكب ظهور الكاميرات الرقمية الأولى، قائلين إنها في الأساس تؤدِّي الوظيفة نفسها التي كانت تؤديها أسلافها التناظرية وهي تسجيل العالم الظاهر أمامها.3 وكما فعلت في الماضي عمومًا، فإنَّ الإشارات الضمنية أو الضمانات غير النصية بشأن مصدر صُوَرها، تصحب معظم الوثائقيات المصوَّرة رقميًّا، منبِّهة الجمهور لموثوقيتها. ويعتمد النوع المُنشَق المسمَّى بالوثائقيات الساخرة على القاعدة التي تتباهى بها.
ذلك أن الجمهور استعاد ثقته بالصور المتحرِّكة عمومًا. ولمَ لا؟ يشتري عدد لا حصر له من الآباء الكاميرات لتوثيق ميلاد أطفالهم، أو أعياد ميلادهم في أفلام منزلية يَختلف نمطها تمامًا عن الصور المتحرِّكة. ليست الكاميرا لازمة للحياة العائلية فقط، ولكن للولَه الشديد بالهُوية العائلية والتماسُك العائلي. يعدُّ تليفزيون الواقع هوسًا بالترفيه يعتمد بالقدر نفسه على الكاميرا. تُراقَب مدن العصر الحالي بالكاميرات أكثر مما كانت تراقب في أيام شريط السيليولويد. وكما أحيت الكاميرا واقعة الاعتداء على رودني كينج، فإن مجال الكاميرا اتَّسع؛ لأن نشر الديمقراطية يجعل كل سكان العالم مُراسلين محتملين. تبث الأخبار العاجلة صورًا لوجه سارق بقليل أو كثير من الوضوح، التقطَتها كاميرا مخبَّأة فكَّرت وكالة ما في تركيبها. اضطُرت محاكم القانون إلى إعادة تقييم حالة الدليل السمع-مرئي بسبب هذه الزيادة في مصادر الأدلة المرئية، ولأنه محلٌّ للشك بسبب سهولة التلاعب به.4 يبدو أن الكاميرا أصبحت اليوم أكثر من مجرَّد بقايا ثقافة سينمائية آخذة في التلاشي.
فهِم صناع الأفلام الروائية سريعًا قوة الكاميرا الرقمية واستغلوها. يُضمِّن فيلم فيرنر هيرتزوج «الرجل الأشيب» («جريزلي مان»، ٢٠٠٥) بطريقة فعالة سجلًّا رقميًّا كمادة أولية في أعماق بحثه السيليولويدي في حياة موضوعه، وهو نصيرٌ للطبيعة مهووس، ومُصوِّر هاوٍ الْتهَمَه دُبٌّ كان يحب تصويره.5 وفي الفيلم الياباني «الحلقة» («رينج»، «رينجو»، ١٩٩٨)، يُسبِّب شريط فيديو الموتَ لمن يشاهدونه. في هذه الأمثلة وكثير غيرها، تَتنافس صور من كاميرات هواة مع تلك التي صُوِّرت بشكل احترافي، مُقدِّمةً مستويين وجوديين مختلفين. ومما يثر الدهشة أن الصورة الإلكترونية تشير ضمنيًّا في جميع الأحيان تقريبًا إلى مستوًى بدائي من الواقعية يجب أن يتأقلم معه شريط السينما الرِّوائية. نعم، «وجودية الصور الفوتوغرافية» أصبحت مركز النقاش مرة أخرى؛ حيث تصبح أهمية هذا الوجود والأسئلة المتعلقة بمرحلة التسجيل في صناعة السينما متزايدة القوة.

مُسلَّمة «كاييه»

دعونا نرسم خطًّا عند مرحلة التحريك من غير كاميرا. بالأحرى، دعونا نرسم الخط الذي يفصل تصوُّرًا للسينما عن آخر. يرقى ما أسميه «نهج كاييه» إلى مكانة دراسةٍ لنَسَب «فكرة عن السينما»، سبقت فكرةَ السينما بوصفها قصة مصوَّرة، وتتعايش الآن جنبًا إلى جنب مع فكرة «السينما بوصفها قصة مُصوَّرة متحركة»، وهو ما يُمكن أن أصف به معظم الترفيه السمع-مرئي الحالي. انطلاقًا من مؤسس الدورية، أندريه بازان، مرَّرَت مجموعة نقاد «كاييه دو سينما» المرموقين (تروفو، وروفيت، ورومير، وشابرول، وجودار) الفكرة إلى سيرج داني، أبرز خليفة لبازان، حتى وصلت إلى جان ميشيل فرودون، محرِّر الدورية في وقت كتابة هذا الكتاب. إنها فكرة مجسَّدة في أفلام المخرج الإيطالي روبرتو روسيليني، ومن خلاله تنتقل إلى مخرجي «الموجة الجديدة» الأُصلاء الذين ما زال أربعة منهم يعملون؛ وتستمر في إلهام مُخرجين (أمثال أرنو ديبليشان، وأولفييه أساياس، وخو شياو شيان، وعباس كيارَستامي، ولارس فون ترير، وجيا تشانج-كه، وكثيرين غيرهم في أنحاء العالم). زعم داني ذات مرة أن هذه الفكرة قائمة على مسلَّمة؛ لذا دعونا نبدأ بهذه المسلَّمة: «مسلَّمة «كاييه» هي أن للسينما صلة جوهرية بما هو واقعي، وأن الواقعي ليس ما هو ممثَّل — وهذا أمرٌ نهائي.»6 ألقى داني بهذه المسلَّمة في وجه ما يسمَّى «سينما المظهر» التي ظهرت في ثمانينيات القرن العشرين، تلك التوليفات الساحرة، من «المغنية» («ديفا»، ١٩٨١)، و«مترو الأنفاق» («صبواي»، ١٩٨٥) التي أتت من صناعة الإعلانات، وكان من شأنها أن تُفضي في النهاية إلى ظهور «أميلي» (المصير الخرافي لأميلي بولان، ٢٠٠١). وأنا أُلقي بها في مواجهة خطاب مفرط في الثقة عن التقنية الرقمية.

دفع القلق الناتج من احتمالية حدوث تحكُّم إخراجي كامل في الصورة والمشاهد مناصري الواقعية مثل أنيت كون وجون-بيير جيون، وكذلك صُناع أفلام «دوجما ٩٥»، إلى نشر مفاهيم بازان، في فعل دفاعي للحفاظ على الخط الآخذ في التلاشي ضد هجوم سينما ما بعد فيلمية متبجِّحة، تتفاخَر بتلفيق الصور والتلاعُب بها وبالجماهير كما تشاء. وبمواجهة الكمبيوتر القوي، يتمسَّك التقليديون بأن الكاميرا أداة فريدة تَلتقط التكوين البصري للحظة ما، بما قد يَكشف حقيقتها. هذه هي النظرة الكاشفة إلى السينما التي كان بازان متعلِّقًا بها على الدوام، وإن لم يكن هذا دقيقًا تمامًا.

وربما كان جيون أشدَّ المؤيِّدين اليوم للاحتفاظ بهذه النظرة؛ إذ يَستنكِر الطريقة التي حوَّلت بها التقنية الرقمية الانتباه من التصوير إلى المونتاج.7 حينما كان صانع أفلام كلاسيكي يصرخ: «هدوء في الموقع!» كان يتخلَّص من كل ما هو غير ضروري، حتى يَعزل المكان المقدَّس، ولحظة الإبداع المقدسة؛ لتثبيتهما على نحو دائم على شريط السيليولويد. كان الممثِّلون يبذلون أقصى جهدهم، ويعيدون المشهد مرة تلو أخرى أحيانًا حتى يَخرج المشهد بطريقة جيدة، بينما تتحرَّك الكاميرا وطاقم الصوت في صمت وفق مسارات متقنة ليجعلوا المُناخ في موقع التصوير (سواء في استوديو أو في موقع خارجي) يُشبِّع الصورة أثناء تسجيل أدق انثناءات المُمثلين؛ اللحظة المهمة التي تغدو فيها ابتسامةٌ ما مُرتبِكة، أو يرتعش فيها جفن، سواء عن قصد أو عفويًّا. أما اليوم، فمواقع التصوير صاخبة، ويُمكن أن يُصبح مشهد فردي مهلهل أساسًا للمشهد النهائي بعد تصحيحه، سواء بالتحرير داخل الإطارات نفسها (بإبدال إيماءة خاطئة أو إزالة شائبة ما) أو بتكوين المشهد كله من أجزاء المَشاهد للوصول إلى شيء لم يَحدث قطُّ في الواقع. في أكثر إنتاجات اليوم تكلفة، غالبًا ما يحلُّ تصوير الممثلين أمام شاشات خضراء محلَّ تفاعلهم وجهًا لوجه واستجاباتهم البدنية لتصميم المشهد. ما زال سحرُ السينما موجودًا — فهذا ما يجذب الملايين إلى دور العرض — لكن مصدره لم يَعُد في موقع التصوير، ولا في اللحظة التي سَجَّلت فيها الكاميرا شيئًا لا يتكرَّر. فقد انتقل السحر إلى الكمبيوتر، حيث تكون الموسيقى التصويرية تلفيقات إضافية مصنوعة من عشرات المسارات الصوتية، وتكون الصورة مركبة من عناصر عدة، وليست وحدة متكاملة.
قُدِّمت الحُجة المؤيدة للسينما التقليدية الفوتوغرافية بالفعل في مشهد فيلمي في قلب فيلم ريتشارد لينكليتر «حياة يقظة» («ويكينج لايف»، ٢٠٠١)، وهو العمل الذي يُصنَّف، للمفارقة، بأنه فيلم صور مُتحرِّكة. من منظور الطائرة المِروحية، تهبط «الكاميرا» للأسفل لتقدُّم الشخصية الرئيسية في الفيلم التي تقترب من دار عرض تُعلن ظُلَّتها اسم المشهد: «اللحظة المقدسة». وحالَما تتطلَّع الشخصية من أحد مقاعد دار العرض، يُسهب مفكر (يقدم صوتَه ونص كلمته كافِح زاهدي) يظهر على الشاشة داخل الشاشة في الحديث عن رؤية أندريه بازان الغامضة للعالم. يشير زاهدي إلى أن الكاميرا فقط هي التي تستطيع أن تُعيدنا إلى الواقع الكامل الذي يُحيطنا لكننا نتجاهله عمومًا؛ إذ ننغمس في مشاريعنا الشخصية الصغيرة. تستطيع الكاميرا أن تصلنا بعالم المظاهر اليومية، وبآنيَّة لحظات فردية غنية لدرجة أنها تسخر من الإيقاع المحموم الذي تتطلَّبه خُططنا منا. يشكل هذا رؤية عامة بقدر كافٍ لأفكار بازان، أو نزعة «بازانية» مبسَّطة،8 ولا بد أن لينكليتر يعلمها؛ لأنه يُضعف من هذه العبارات المبتذلة بالتصريح بها خلال مونولوج سريع لشخص مُفرط النشاط، ظاهر الاعتداد بالذات، ولا يُفصح عما بداخله بسهولة. ثانيًا: لا يكاد زاهدي يمثل شخصية على الإطلاق، لكنه صوت مرتبط بمجموعة من الخطوط النابضة المتموِّجة التي تتخذ شكلًا بشريًّا؛ لأن فيلم «حياة يقظة» مصنوع بتقنية الروتوسكوب من بدايته لنهايته. وعلى الرغم من أن هذا النوع من الصور المتحرِّكة ربما يكون قائمًا على التصوير السينمائي، فهو يعطي الانطباع بأنه خاضع للتلاعب، حتى وزاهدي يعظ بجمالية قائمة على تجنُّب التلاعب.
بدلًا من نسب آراء زاهدي إلى بازان، ربما يكون من الأفضل نسبها إلى إريك رومير الذي كانت السينما برأيه دائمًا فن «الإظهار». تشيد مقالات رومير المبكرة مثل «العصر الكلاسيكي» بالسينما وتُعلي من شأنها على الأدب؛ لأنها لا تقدم لنا دلالة فعل ما ولكن رؤية الفعل. نرى شخصية ما (ممثِّلًا) وهو يؤدي شيئًا ما، ونرى فورًا ملاءمة هذا الفعل أو خطأه.9 لم يستغل أي مُخرج «التجلي»، بالمعنى الذي قصده جويس، أكثر مما فعل رومير، سواء أكان هذا كشفًا لحقيقة من حقائق الطبيعة — مثل الصمت الذي يسبق الفجر في فيلم «المغامرات الأربع لرينيت وميرابل» («فور أدفنتشرز أوف رينيت آند ميرابل»، «٤ أدفنتور دي رينيت إي دي ميرابل»، ١٩٨٧)؛ أو لون الشمس الغاربة في فيلم «الشعاع الأخضر» («ذا جرين راي»، «لو رايون فير»، ١٩٨٦) — أم حقيقة موقف اجتماعي ظنَّت الشخصية أنها فهمتْه (كل أفلام الحكايات الأخلاقية الست). لا يَعرض رومير فقط دراما بين شخصيات، ولكن دراما بين لغة محمَّلة بالإشارات بكثافة، وصور رائقة، مثلما يحدث في اللحظة الرئيسية في فيلم «رُكْبة كلير» («كليرز ني»، «لو جينو دو كلير»، ١٩٧٠)، حينما يصف برنارد فعلًا بسيطًا شهدته الكاميرا، وهو لمسُه ركبة فتاة وهما يَحتميان من عاصفة مطيرة مفاجئة، ويُحاول تقييم أهميته. بشكل عرَضي، تنتهي مجموعة أعمال رومير النقدية المُعنوَنة «ذائقة الجمال» بقسم طويل عن جون رينوار الذي يُعتبر أستاذ رومير بلا منازع، رغم تعارض مزاجَيْهما. تعلم رومير جنبًا إلى جنب هو وبازان إكبار الجودة الحسية في لقطات رينوار، وجرس الأصوات — المسجَّلة مباشرة دائمًا — ومُفارَقة قِصَر نظر الشخصية في عالم غنيٍّ ومتَّسع.
figure
الحقيقة والمظهر. «قواعد اللعبة»‎‎.

لكن رؤية رومير لرينوار هي نفسها رؤية قاصرة، مثل رؤيته لبازان. فيما يخص رينوار، عالم المظاهر يَخدع في أغلب الأحيان، ولا يرقى إلى الحقيقة في أي حال. انظر لخطأ كريستين أثناء تجسُّسها على زوجها وعشيقته السابقة بعد رحلة الصيد في فيلم «قواعد اللعبة» («ذا رولز أوف ذا جيم»، «لا رِجل دو جو» ١٩٣٩). على الرغم من منظارها المكبِّر — بل بسبب هذا الجهاز الذي يَرمز للكاميرا — تُسيء فهم ما تراه، فتجلب التعاسة للجميع. يتمسك بازان بالرؤية نفسها حينما يكتب في مقال «أنطولوجيا الصورة الفوتوغرافية»: «يستمر النقاش بين أنواع الواقعية في الفن بسوء فهم، وخلط بين الجماليات وعلم النفس، بين واقعية حقيقية — هي الحاجة لإعطاء تعبير دالٍّ للعالم بجوهره وماديته — وبين واقعية زائفة للخداع، تهدف إلى خداع العين (أو العقل في هذه الحالة)؛ محتوى واقعية زائفة بتعبير آخر بمظاهر وهمية.» لو أمكن أن تكون المظاهر واقعية زائفة لدى بازان ورينوار (ورومير كذلك)، فما الذي حدث لتجلي العالم الطبيعي الذي صنعته الكاميرا؟ هذا سببٌ وجيه لكون أفلام رومير تتَّسم بالثرثرة.

لا شك أن بازان عبر عن نظرة إيجابية للصورة السينمائية المجرَّدة. تستطيعون رؤية هذا من خلال كثير من مقالاته، ومع ذلك فهو ينحاز إلى المخرجين الذين لا «يؤمنون» بالصورة ولكن بالواقع.10 وهو يُثبِت مرة تلو أخرى أن الواقع الذي يُحرِزه أي فيلم هو بالضبط ما ليس ظاهرًا في صوره. هذا هو بازان الذي تمثِّل الشاشة من وجهة نظره السالب الفوتوغرافي للواقع، شيئًا أساسيًّا، ولكنه تمهيدي للواقع الذي يسعى المخرج لتقديمه. «بازان الغامض»، دعونا نُسميه هكذا، عاد إلى النقاش الجاد عن السينما بفضل جيل دولوز وسيرج داني، اللذَيْن أدركا كلاهما ولعَ بازان بفلسفة تتعلَّق بالافتراضي، أصبحت مُهيمنة. لم يُخفِ دولوز أبدًا ما يدين به نهج «كاييه» ولبازان صراحة، حينما توصَّل إلى نظرية للصورة الافتراضية في كتابه «الصورة-الزمن». وعاد داني ليعتنق أفكار بازان مرة أخرى في الثمانينيات من القرن العشرين، بعد أن ترك «كاييه» وبدأ في تقييم المجتمع التليفزيوني الذي كان يُعلق عليه لجريدة «ليبراسيون». كتب داني قائلًا: «رؤية بازان للسينما — المرتبطة بشكل وثيق بفكرة السينما بوصفها «فن التقاط الصورة» — تُواجَه اليوم بحالة للسينما لا تُلتقَط فيها الصورة بالضرورة من العالم الواقعي. تتجاهل الصورة الإلكترونية ما تعكسه مرآة الواقع. وللمُفارقة، فبسبب هذا تظل أفكار بازان جوهرية.»11
لذا، دعونا نرجع إلى مسلَّمة «كاييه» تلك: «أن للسينما صلة بما هو واقعي، ومع ذلك، فالواقعي ليس ما هو ممثَّل.» الواقع أن داني تبنَّى هذه القاعدة من رومير الذي أقرَّ رثاؤه لبازان في عدد «كاييه» لشهر يناير ١٩٥٩ بصراحة بأن «كل مقال، وكذلك مُجمل أعماله، يمتلك قوة برهان رياضي حقيقي. فكل عمل بازان يَتمحوَر حول فكرة واحدة، هي تأكيد «الموضوعية» السينمائية، بالطريقة نفسها التي تتمحوَر بها الهندسة حول خصائص الخط المستقيم.» ويذهب داني لما وراء رؤية رومير الإقليدية حينما يُلمِّح بأن فهم بازان للسينما ربما يكون أقرب لعلم التفاضُل والتكامل، حيث تُصبح الأعداد السلبية والتخيلية فاعلة، وحيث يصبح الخط المقارب هو أقرب ما يُمكن من الموضوعية. كان داني من أوائل من أدركوا أن بازان، إلى حدٍّ كبير على الأقل، هو مُنظِّر الغياب، وكانت التصنيفات السارترية الواضحة عن الوجود والعدم تفسح المجال لديه لمفاهيم وسيطة بأسماء مثل «الأثر» و«الانشقاق» و«الإرجاء». ولنتذكر أن بازان زعم أن صور الأشخاص الفوتوغرافية لا تُمثِّل موضوعاتها؛ ولكنها «ظلال رَمادية أو بُنية، تُشبه الأشباح … يسكن فيها الوجود المربِك للحيوات في لحظة محددة في زمن امتدادها.»12 تواجهنا السينما بشيء صامد، بالتأكيد، ولكن ليس بالجسد الصلب للعالم بالضرورة. من خلال السينما «يظهر» العالم؛ أي أنه يتَّخذ الصفات والمكانة التي تُميز «شبحًا».
الأشباح هي بالضبط ما يتحدث بازان عنه في مقاله «أنطولوجيا الصورة الفوتوغرافية» الذي يعتبره بعض الكتَّاب أكثر المقالات التي كُتِبت عن السينما تأثيرًا، وهي كلمة نادرًا ما تُذكَر. تخيَّلوا تأسيس نظرية فيلم لا تَعتمد فقط على الصورة، ولكن على ما هو طَيفي أيضًا! يتكرَّر ظهور الطَّيفي في مجمل عمل بازان، حتى في المراجعات السريعة للأفلام الأقل أهمية. في مراجعة خاطفة لعنوانَين غير مُهمَّين، وضع إصبعه على قيمة غير ملموسة شعر بها فيهما؛ حيث وجد أن بعض الأفلام «مثل مِدفع جَوفه محاط بالبرونز» تُعرف بالفراغ في مركزها. في الفرنسية، يُسمى جَوف المدفع «روحه»؛ لذا، وبالقياس، يمكن تعريف جوهر أفلام معينة بأفضل ما يكون بالمادة المحيطة به، ما هو واضح على الشاشة مُعلنًا عن روح خفية.13 من وجهة نظر بازان، المركز الفارغ لأي تمثيل بصري هو الروح الخاوية للمومياء، وهو المثال الذي يبدأ به بازان مقاله الرائع: «تكمن في أصل الرسم والنحت عقدة مومياء …» تقبع المومياء مُغطاة بالضمادات الملفوفة حولها مثل أمتار من شريط فيلم14 على عمق كبير داخل هرم مجوَّف، تحميها متاهة (دعونا نسميها خطوط الحبكة) من سارقي القبور (دعونا نُسميهم النقاد). لسنوات، قيل: إن واقعية بازان الساذجة اعتبرت أن المرئي هو الواقعي، الصورة الكاشفة التي نصل إليها بعد حلِّ متاهة السرد أو تبديدها؛ في حين كانت دائمًا روح المومياء هي ما كان يبحث عنه عبر ما يظهر على الشاشة. ولا عجب أن بازان أصبح أشدَّ المدافعين عن فيلم روسيليني «رحلة إلى إيطاليا» («فوييدج تو إيتالي»، «فوياجيو إن إيتاليا»، ١٩٥٣). في مشهد ذروة الفيلم، يَظهر قالبان من الجبس لجثتين يتم استخراجهما بالتدريج في مدينة بومبي الرومانية ليخاطبا (ويَتَّهِما) بطلَي الفيلم إنجريد برجمان وجورج ساندرز. وهكذا فإن الفراغ في قلب السينما يستجلب امتلاء العالم الأخلاقي الذي يُخاطبنا.
figure
كشف القلب الفارغ. «رحلة إلى إيطاليا».
يُعَد مقال بازان عن «الأنطولوجيا» المكون من إحدى عشرة صفحة الأهم من بين أربعين مقالًا كتبها أثناء الاحتلال النازي لفرنسا. وبجانب المنشورات التي يحفل بها نادي السينما، والمراجعات المنشورة في الصحف التي كانت هجومية حقًّا، كان مقال «الأنطولوجيا» مختلفًا تمامًا؛ حيث أُعِد بعناية شديدة من أجل نسخة خاصة من مجلة «كونفليونس» المرموقة بعنوان «مُشكلات التصوير». وبدلًا من الطاقة الشبابية التي كانت تُميِّز معظم كتاباته المبكرة — وهو المتوقع من مُتحمِّس للسينما في الخامسة والعشرين من عمره — يجد القارئ نوعًا من السوداوية في المقال عن التصوير. والواقع أن نشر هذا المقال تضمَّن الموت والتأجيل؛ حيث اجتاحَت المليشيا الفرنسية المطبعةَ في مدينة ليون التي كان من المفترض أن تُخرجه في مايو عام ١٩٤٤؛ وأعدموا الناشر، وتسبَّبوا في تأخير ظهور المقال لما يزيد على العام.15 وأنا أُرجِع تاريخ تصوُّر فرضية المقال الرئيسية بشأن الأثر الفوتوغرافي إلى أوائل عام ١٩٤٤؛ لأنه يُظهر نقلة مذهلة حينما يُقارن بمقاله الأكاديمي بعض الشيء، الذي نُشر في نوفمبر عام ١٩٤٣ بعنوان «من أجل جمالية واقعية». ربما كان مُناخ الاحتلال بدأ في التأثير فيه، بإضفائه قناعًا خادعًا من الهدوء، وهمساته، وشفراته السرية، ومقاومته، وتَخَفِّياته. أثناء القبوع في غرف باردة بعد بدء حظر التجوال، كتب مقال «الأنطولوجيا» مُتمرِّد فقير، أكاديمي فاشل، مبهور بالظواهر الوجودية. لكن دعونا نترك جانبًا سيرة الحياة من أجل الفيلولوجيا، لنُوضِّح بالتفصيل (بالمعنى الفوتوغرافي) أساس هذا المقال، الذي يقبع في أساس الحداثة السينمائية.

اقتفاء أثر بازان

داخل نادي السينما الذي كان يُديره في متحف «ميزون دي ليتر» بالقرب من جامعة السوربون، كان بازان متحمِّسًا من آنٍ لآخر لرؤية جون بول سارتر حينما يَحضر. هل تَواصل هو وسارتر؟ بعد مرور بضع سنوات سيَتجادلان بشأن فيلم «المواطن كين» («سيتيزن كين»، ١٩٤١)، وينشر سارتر عن طِيب خاطر توبيخ بازان له في مجلة «لو توم مودرن».16 لكن في عام ١٩٤٣، لا بد أن بازان الشاب كان سعيدًا لمجرد أن يَمنح وجودُ سارتر الهيبةَ لناديه الناشئ. كان ذلك العام الذي ظهر فيه كتاب سارتر «الوجود والعدم: مقال عن علم الوجود الظاهراتي». لكن عمل سارتر السابق، أي مقاله الممتاز عن فوكنر، وكتاب «التخيُّل»17 الذي نُشِر في عام ١٩٤٠، هو ما يُمكننا أن نشعر به في مقال بازان المتشكِّل بتمهل؛ حيث يُناقَش علم ظواهر الصور الناشئة عن اللوحات والتصوير. ويُمكن الشعور بتأثير كتاب «التخيُّل» على امتداد مقال «الأنطولوجيا». وكان للكتاب أن يساعد أيضًا رولان بارت في تأليف «الكاميرا لوسيدا» وهو كتاب مكرَّس بوضوح لكتاب «التخيُّل». وبالفعل، فإن مقال بازان «الأنطولوجيا» يتوسط ما بين سارتر وبارت. يستشهد به بارت — الذي كان دائمًا بخيلًا في ذكر مراجعه — مرة واحدة، ورغم ذلك فهو في قلب كتاب «الكاميرا لوسيدا». نشعر بفكر سارتر في كتابات بازان، وبفكر بازان في كتابات بارت. وهكذا تنتقل الحياة الآخرة ذات الطابع الشبحي الكامنة في الحضور النصي.18
ظهر لي ذلك الشبح وأنا أُعِد مقدمتَي النسختَين المعاد إصدارهما من جزأَي كتاب «ما هي السينما؟» فحصتُ عن قُربٍ نسخة بازان الشخصية من كتاب «التخيُّل» التي منحتني إياها أرملته تذكارًا. وبفحص الكتاب صفحة صحفة (باستثناء الصفحات — المهمة للغاية — التي لم يقرأها؛ وأعلم هذا لأنها لم تُفتَح بالسكين) وجدتُ تخطيطاته تحت الكلمات بالقلم الرصاص، وبعض تعليقاته في الهوامش. يبدو أن بازان اشترى هذا الكتاب مباشرة في أول عام لصدوره، وهو عام ١٩٤٠. ويبرز بعض جمله وأمثلته في مقال «الأنطولوجيا». زعْم بازان الجريء بأن «التصوير بطبيعته الخالصة ينبع من وجود الشخص المصوَّر؛ إنه هو الشخص المصوَّر»19 يردِّد صدى ما ذكره سارتر الذي يبدأ قسمًا من كتابه بهذه الطريقة: «من خلال صورة بيير أتخيل بيير … تظهر [الصورة] لنا في أغلب الأحوال كأنها بيير شخصيًّا. أقول: «هذه صورة لبيير»، أو باختصار أكثر: «هذا هو بيير».»20 (وضع بازان خطوطًا تحت هذا القسم بأكمله.)
في الفقرة الثانية من مقال «الأنطولوجيا»، يُمكن للمرء الشعور بروح سارتر ترفرف عن قرب. يَكتب بازان عن «الدُّب الطيني المخترق بسهم، الذي يُفترض العثور عليه في كهوف ما قبل التاريخ، وهو بديل للحيوان الحي الذي سيَضمن صيدًا ناجحًا.»21 استخدم سارتر الصورة نفسها، «تمثال الشمع المثقوب بدبوس، وثيران البيسون المقدَّسة المرسومة على الجدران لجعل الصيد وفيرًا.»22 وضع بازان خطوطًا تحت هذه الجملة، ووضع الفقرة كلها بين قوسين، ثم غيَّرها ليخدم غرضه المختلف. أعلم أن بازان اشتبك مع هذا الكتاب لأنه في نسخته من «التخيل» المطوية بعناية عند صفحة ٣٨، وجدت موميائي؛ ورقة من الملاحظات كتبها بازان بعناية وعنونها: «التصوير الفوتوغرافي؛ «المُمثل التناظُري»؛ «النظير» (سارتر)». يبدأ بازان ملاحظاته بقبول تفرقة سارتر بين الصورة بصفتها «لا شيء» شفاف، أو أداة تُحيل نظير موضوعها مباشرة إلى الوعي، وبين فكرة الصورة بوصفها «شيئًا ما» أبيض وأسود تتسبَّب خواصه المادية (علامات الإضاءة والظل) في رؤيتنا له بشكل لحظي في هيئة جسم؛ مثل أي جسم آخر، مثل بِساط أو قطعة من ورق الحائط. لا يهتمُّ بازان ولا سارتر بالصورة بصفتها جسمًا؛ لكن النظير هو ما يُثير اهتمامهما كليهما، لكن النظير يشير إلى اتجاهين مختلفين، ويختلف هذان الرجلان في كيفية مناقشته. يرفعه سارتر مباشرة نحو التخيُّل حيث يثير هذا ارتباطات بطريقة متميِّزة من الأنواع الأخرى من الوعي بالصورة. أما بازان فيذهب في الاتجاه الآخر نحو مصدر الصورة، موضِّحًا كيف أن نظير الصورة يهبط بنا مرة أخرى إلى العالم الذي انتُزِعت منه. برأي سارتر، تخفَّت الصورة بسرعة إلى العدم للدرجة التي تنجح فيها في جعلنا نَنتبه إلى النظير الذي يَستهلكه بدوره التخيُّل الحر حيث تفعل الذاكرة والعاطفة والصور الأخرى فعلها. أما بازان الأقل اهتمامًا بحرية الخيال فيركز على قوة الصورة في تضخيم إدراكنا أو ملاحظتنا، وهو ما «يعلمنا» ما لم تكن أعيننا لتلحظه وحدها. يُوسِّع التصوير نطاق ما يسميه سارتر «التدرُّب على الرؤية»، وهو أمرٌ نفاه عن الصورة العقلية. يقول بازان إن تخيُّلاتنا يُمكنها استيعاب الواقع الذي تلمح إليه الصورة. خذوا، على سبيل المثال، الصور غير الاحترافية التي تؤخذ في لحظة وقوع كارثة أو خطر. في مثل هذه الحالات، ربما تُبدي لنا الصورة القليل جدًّا لكنها تؤدي الوظيفة نفسها تمامًا التي تؤديها «النسخة السالبة» من «المغامرة المحفورة بعمق».23 لا شيء أكثر من ذلك يُمكن للمصوِّر أن يصنع له فيلمًا من حدث نشعر بأن تأثيره أشد بسبب الصورة المهتزَّة والحذف. تعلمَتْ أفلام الرعب أن تنتج أثر مثل هذه الصور المشوشة.
تُتيح صفحة ملحوظات بازان مثالًا مختارًا بذكاء لصورة، وهي فرن لاندرو؛ المعروف باسم اللحية الزرقاء. هذا الجسم سيِّئ السمعة، نقلتْه الشرطة من مكانه الحقيقي في عام ١٩٢١، وهو قبو لاندرو، ليوضع في قاعة المحكمة؛ حيث استُخدم لتأييد الادعاء. والآن، بعد مرور عَقدين، أصبحت الصورة التي تُبرِز هذا الشيء وثيقة الصلة بقضية أخرى؛ قضية فلسفية. هكذا انتُزع الفرن مرتين من السياق الذي اختير من أجل استحضاره (تلك الأوقات في القبو — وهي عشر مرات لتوخي الدقة — التي كان يُشعَل فيها، كما يُقال، للتخلُّص من الضحايا النساء). يصف بازان الصورة بأنها «وثيقة»، تدخُّل من مكان آخر يعلن عن الحاضر، واضعًا حرية التخيل في موضعها الصحيح. بازان هنا أقرب كثيرًا إلى برتون، ودالي، وباتاي، وبنيامين، منه إلى سارتر. في عام ١٩٤٣، أطلق أصدقاء بازان عليه لقب سريالي ممارس،24 ونشر جورج باتاي مقال بازان المُعنوَن «أسطورة السينما الشاملة» في عام ١٩٤٦.25 أما عن بنيامين، فإن بازان لا يَذكره بالمرَّة، لكن لا بد أنه اجتذبتْه حاشيةٌ كتبها مالرو عن بنيامين في مقال «مخطط لسيكولوجية السينما»26 الذي صدر عام ١٩٤٠، وهو مقال حفظه بازان عن ظَهر قلب، ويَستشهد به في بداية مقاله المعنون «الأنطولوجيا». وبالفعل فإن الحاشية النهائية التي كتبها بازان في النسخة الأصلية من المقال التي صدرت عام ١٩٤٥ تُفصِّل أفكار بنيامين الشهيرة (دون ذكره) حول تجاوز اللوحات بفعل نُسَخها المصورة. درس كلا الرجلين بمثابرة أعمال بودلير الذي بشر بالوعي بالذات الاغترابي الحديث. أشاد كلاهما بما كان بودلير يخشاه، وهو اضمحلال أهمية العبقرية الفنية أمام شلال المجتمع الجماهيري التكنولوجي. على سبيل المثال، عبر كلا الرجلين عن الصدمة التي يُمكن أن تحدثها صور من الماضي للحاضر.27 ومثلما كان بازان يبحث عن أفلام تأتي إلى الشاشة بظواهرَ عَجَز الفن عن الاستيعاب الكامل لها، فإن بنيامين انتقى الوثائق المُهمَلة وغَيرَها من فُتات الحضارة ليتحدى «القصص الرسمية» الناعمة التي ينسجها الروائيون، والمؤرخون، والسياسيون بالطبع. بشعوره بأنه غريب، كان بنيامين مُنجذبًا إلى تكنولوجيات من قبيل السينما، وإلى الحركات التقدمية مثل السريالية؛ لأنها تجاهلَت الثقافة الكلاسيكية أو قوَّضَتها. واعتبر أن رواية برتون «نادية» مهمة؛ لأنها كانت تعتمد على الصدفة لتُسلط الضوء على أماكن وأشياء مُهملة أو منسية أو خفية.28 وضع برتون صورًا في نصِّ الرواية، وكانت صورًا غريبة عن أشياء مثيرة للإزعاج، تُفسِّر فجأة بلا مقدمات كلامه ورؤيته.
صورة فرن لاندرو من الصور التي يُمكن لقوتها الكهربية التي تراكمت داخل الموقف الذي شحنها في البداية أن تشتعل بالشرر لتصعق المُشاهد بقوة غير إنسانية.29 تُوضِّح الصفحة الأخير من مقال «الأنطولوجيا» ولاء بازان: «من وجهة نظر السريالي، أُنهيت التفرقة المنطقية بين التخيُّلي والواقعي. ينبغي الإحساس بكل صورة وكأنها جسم، وبكل جسم وكأنه صورة. لهذا فإن التصوير الفوتوغرافي تقنية مميَّزة للمُمارسة السريالية؛ لأنها تُنتج صورة تُسهم في وجود الطبيعة؛ صورة هي هلوسة موجودة بالفعل.»30 يُفند بازان هنا بوضوح، باتِّباعه السرياليِّين، تصنيفات سارتر الأساسية للحضور والغياب باستخدام أثر هلوسة؛ وبرأيه، فهذه هي الحالة الاعتيادية للتصوير الفوتوغرافي. سيَستهدِف سارتر لاحقًا السريالية ببعض من أشرس هجماته بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة. كان بإمكان فيلسوف كلاسيكي مثل سارتر أن يُرجع الأمور في عام ١٩٤٣ لتصنيفَين وهما «الوجود والعدم»، لكن، كما ردَّ بازان بعد سنوات، «من وجهة نظر رجل الشارع … يُمكن أن تكون كلمة «الحضور» اليوم مُلتبسة … لم تعد كلمة مؤكدة كما كانت لأنه لا توجد مرحلة متوسطة بين الحضور والغياب … من الخطأ قول إن الشاشة عاجزة عن وضعنا «في حضرة» الممثِّل. إنها تفعل هذا كما تفعله مرآة — يجب الاعتراف بأن المرآة تُعيد حضور الشخص المنعكس فيها — لكنها مرآة بانعكاس متأخِّر، أو ورق الألومنيوم الذي يحفظ الصورة.»31 يَعتبر لويس-جورج شفارتس هذه المقولة نبوءة واضحة بفلسفة دريدا عن الأثر والإرجاء.32
لا يتوقف بازان عند الصورة، وهي وسيط لم يناقشه مرة أخرى بشكل مباشر. في صفحة الملحوظات تلك، انتقل مباشرة للوثائقيات التي كتب أنها «تكمل» الوثيقة بوضعها في محيطها الزماني والمكاني. كان بإمكان الصورة أن تساعد السرياليين جيدًا؛ لأنها تُنتزَع من السياق بالكامل. تكتسب صورة بوافار الشهيرة المقرَّبة لإصبع قدم مفصول عن الجسد التي نشرتها مجلة باتاي «دوكيمون» قوة شاذة. علاوةً على ذلك، فإن الصور جاهزة للانتقال لسياقات أخرى كما يحدث في مونتاج الصور. لكن كل إطار من فيلم وثائقي مصور بكاميرا ٣٥ مليمترًا يرتبط بالإطار المجاور له، وكل لقطة تشي بوجود علاقات تماسٍّ تصف عالمًا حقيقيًّا مُترابطًا. يجعلنا بازان نتأمل لقطة شاملة في قبو لاندرو؛ حيث يمكن أن يحتل هذا الفرن مكانه بين أشياء أخرى كان «اللحية الزرقاء» الغامض يجمعها أو يستخدمها. وقد يتبع ذلك لقطات له في بيته، ثم المبنى والحي الذي كان يُقيم فيه. هذا النوع من التوثيق الكلاسيكي يُثبِّت موضوعه في المكان، رغم أنه غائب عنا في الزمن. تقول الفيلسوفة الفرنسية ماري جوزيه موندزان إن الفيلم الوثائقي يتصوَّر موضوعه بدلًا من أن يتضمنه، ويُحيط غيابَه بالضوء والظل.33

الصورة والفيلم — الوثيقة والوثائقي — كلاهما يُفصَلان بالتساوي عن موضوعاتهما من حيث الزمن. فمن خلال التصوير في يوم، والتحميض لاحقًا، لا مفرَّ من الشعور بهما على مسافة زمنية. وكلما زادت هذه المسافة زاد سحر الصورة في أغلب الأحيان؛ حيث تبدو رُوح الشخص الذي تُصورِّه وقد التقطَها الضوء والظل اللذان التقطتهما الكاميرا هما أيضًا في لحظة معينة صارت بعيدة. يُغيِّر التليفزيون كل هذا، كما يشير بازان في الجملة الأخيرة المفاجئة في صفحة ملحوظاته؛ لأنه إذا ما عُرِض في التليفزيون «يصبح الوثائقي معاصرًا للمُشاهد» الذي «يُدفع للمشاركة في حدث» يَحدث مباشرة أمام الكاميرا. يعمل التليفزيون بشكل أساسي على عرض ما سُجل في وقت سابق، لكن أهميته النظرية من وجهة نظر بازان تكمن في قدرته على عرض التواقُت، وهو ما لم يزل يُستغل في الأحداث الرياضية، وحفلات توزيع جوائز الأوسكار، والأخبار القصيرة خلال الكوارث، وهكذا. في آخر حياته القصيرة خاصة، حينما كان يُضطر مرارًا إلى لزوم الفراش، كان لدى بازان الكثير ليقوله عن التليفزيون، شأنه شأن سيرج داني الذي ترك مجلة «كاييه دو سينما» ليبدأ في النقد التليفزيوني. برأي الرجلَين، فإن مشهد السينما المتأخِّر مُتأصِّل في طبيعتها التأمُّلية بالأساس. تعود الصورة لنا بعد فترة، مُردِّدة صدًى من الماضي، وسامحة للمُشاهد بأن يتأملَه بدوره أكثر من أن «يشارك فيه» كما نفعل مع التليفزيون الحي. التليفزيون حاضر أمامنا، ومذيع الأخبار يَتحدَّث إلينا في بيوتنا في هذه اللحظة عينها؛ بينما نتوجه إلى دار السينما حينما نريد، ونُنقَل حينئذ إلى زمن آخر «يُعاد تقديمه»، ولا «يُقدَّم» مباشرة على شاشة عاكسة.

تُستغل السينما الحديثة، من الواقعية الجديدة، مرورًا ﺑ «الموجة الجديدة»، وحتى يومنا، هذا الفرق في التركيب الزمني للصورة المرئية مرارًا. وبينما يُذكر فيلم «الأربعمِائة ضربة» بسبب صورته النهائية الثابتة — الخاتمة الفوتوغرافية للفيلم — فإنه يحوي أيضًا المشهد المُميَّز الذي يظهر فيه أنطوان دوانيل يردُّ على عالِم نفس اجتماعي. يحاكي الحوار المرتجل، والقفزات في الصورة التي تدلُّ على الحذوفات في لقطة فردية طويلة، الطبيعة المباشرة للتليفزيون الحي، ويُساعدان على ترسيخ حساسية تروفو الخاصة تجاه التعايش ما بين التلقائية والرِّثاء؛ ما بين الحياة والاعتراف بمرورها. هناك مجموعات أخرى لا تُحصَى من التضاد بين الصور يُمكنها التنافُس على شاشة السينما.34

تنافس الصور في العصر الحالي

على الرغم مما كان يُظَن حتى الآن، فإن الخط الجمالي الذي قدمته نظرية بازان، وفصَّله سيرج داني بعد ظهور الموجة الجديدة يبرز الأثر والتأخُّر، لا المَشهد والحضور. يعمل ما أسميته «نهج كاييه» عمل ممر رئيسي إلى هذا المبدأ الجمالي، مع أنه يكاد يكون طريقًا مفردًا. يُمكنكم أن ترَوه في ميول تلك الدورية؛ حيث ناصرت في الثمانينيات والتسعينيات، على سبيل المثال، أفلام عباس كيارَستامي ذات النزعة الاختزالية، بينما كانت «سينما المظهر» الرائجة محل ارتياب على الفور. قاد داني اتجاهًا مضادًّا لهذه السينما في مراجعات لاذعة استهدفت صور جان جاك بينيكس، وجون-جاك أنو، ولوك بوسون. تغمر نرجسية عميقة فيلم «الأزرق الكبير» («ذا بيج بلو»، «لو جراند بلو»؛ بوسون، ١٩٨٨) حيث يعرض الفيلم حُلمًا أنويًّا بعدسة مقياس ٧٠ ملِّيمترًا، يَنغمر فيه المشاهد المتصلب لساعات في المعادل السينمائي للسائل السلوي المحيط بالجنين، لكنه لا يواجه شيئًا. أما فيلم «الدُّب» («ذا بير»، «لور»؛ أنو، ١٩٨٨) فهو يَطرد التفاعُل البشري تمامًا، متجنِّبًا أي «مكافأة للوعي» من جانب صانع الفيلم أو المُشاهد. تُمتع «سينما المظهر» مشاهدها بصورة مليئة عن آخرها بالمتعة الذاتية.

تَفجَّر عداء داني في مراجعة لفيلم أنو «الحبيب» («ذا لَفَر»، «لامو»، ١٩٩٢، المقتبس من رواية مارجريت دوراس). قدَّمته هذه الإدانة البارعة في وقت متأخِّر لقراء الإنجليزية؛ حيث نُشِرت ترجمتها في مجلة «سايت أند ساوند» عقب موته.35 أشار داني إلى أن «الحبيب» تلفيق بصري، وتقديم توكيدي للذات لرؤًى وأجسام يُمكن إدراكها (السلع التي يعرضها الفيلم ويتحوَّل إليها في حقيقة الأمر). بدلًا من ذلك، ينبغي أن تستخدم السينما الغياب الخلاق في قلب الصورة لسَبر أغوار الرواية والواقع. السينما التي يهتمُّ لأمرها تحثُّ المشاهد ليضع نفسه خلف الصورة، ويتخذ موقفًا تجاه الواقع الذي تَستحضِره الصورة لكنه لا يتحقَّق أبدًا. «الحبيب» فيلم عن المؤثِّر المرئي. كل لقطة تخطو قُدمًا بمفردها، مقدمة نفسها مثل سلعة استهلاكية على لوحة إعلانات. يسأل داني: كيف يُمكن لمثل هذه الأفلام أن تتَّصل باللقطات المُجاورة، أو توحي بها، وهي تُعرَض وكأنها مكتفية بذاتها؟ هذه سينما بلا نوافذ؛ حيث يكون كل شيء يَظهر هو ما نريد رؤيته (أو رأيناه بالفعل)؛ نسخة تليفزيونية من السينما، نُهنِّئ فيها أنفسنا بإدراك ما هو مألوف بالفعل، العالم المرئي الذي يُحيطنا ويطمئننا. يلحظ داني ببديهة رائعة اضمحلال دور الشخصيات الثانوية في السينما الفرنسية منذ ظهور «الموجة الجديدة». مثل هذه الشخصيات كانت تُستخدم للطَّفو كالسحاب على الشاشة كما ذكر. حتى حينما كانت أعيُنُنا مُثبَتة على النجوم، كنا نستطيع رؤية الحركة المُستقلَّة للشخصيات الثانوية وهي تدخل إطار رؤيتنا ثم تخرج من الصورة. أما اليوم فإن ظهرت هذه الشخصيات تكن مقيَّدة بأداء وظيفة ما.
مات داني في وقت أبكرَ مما كان يُمكن أن يجعله يخوض الجدل عن فيلم «أميلي»، لكن يُمكننا التأكد من أنه لو كان حيًّا لأشار إلى التوزيع الصارم لكل شخصية، سواء أكانت رئيسية أم ثانوية، وكذلك السحب المُثبتة حرفيًّا لكي تأخذ الأشكال الجديرة بالمعانَقة والاحتضان من أجل إمتاعنا. في «أميلي»، نظام العالم بأكمله — الإنسان، والحيوان، والطبيعة — نُظِّم من أجل راحتنا. وبقدر ما يُمكن أن يكون ممتعًا، حافلًا بتاريخ الفن، والرموز السينمائية التخيُّلية، صُنِع «أميلي» لتملُّقنا. في مقدمة الفيلم، تتودَّد لنا أميلي واصفة نفسها بأنها مُشاهِدة أفلام ثاقبة النظر، وهي تَهمس من مقعدها في دار عرض سينمائي: «أحب أن ألحظ التفاصيل التي لا يَلحظها أيُّ شخص آخر.» ولإثبات هذا، تُحدِّد مصادفةً حدثت في لقطة شهيرة من فيلم تروفو «جول وجيم» (١٩٦٢)؛ حشرةٌ ظهرت أمام الكاميرا بشكل ما وهي تَزحف على زجاج في المستوى الخلفي للقطة، متجهة مباشرة تجاه فم جين مورو المثير المفتوح ليتلقى قُبلة جيم الحانية. فاجأ تروفو الحشرة، أو للدقة فإن الحشرة هي التي فاجأت تروفو. سألتُ المصور السينمائي للفيلم، راءول كوتار، حول هذه «الغلطة»، فزعم أنها نتيجة عرَضية لمعجزة اتَّحدت فيها الطبيعة (ضوء صبح جميل ورائع وغير متوقع) مع الخيال.36 وأثناءَ عمله بسرعة قبل خفوت الضوء، صوَّر كوتار العاشقَيْن في صورة مظللة، لتدخل الحشرة اللَّقطة بشكل غير مخطَّط له. كانت اللقطة مُعبِّرة لدرجة جعلت تروفو لا يفكر في إعادتها. هذا هو نوع الصُّدف التي حلم بها السرياليون.
مثل أميلي، اعتاد السرياليون مسح الشاشة بأعينهم للبحث عن تفاصيل غير مرئية حتى للمُخرج، ممارسين ما سماه كريستيان كيثلي «الإدراك البانورامي».37 بتصوير الفيلم بأبعاد الشاشة العريضة (١ :٢٫٣٥ ) لتعزيز هذا النوع من الإدراك بعينه، ولتشجيع حدوث هذه الصُّدف الإعجازية، يتجنَّب تروفو التخطيط المسبق المفرط التي يُمثِّله جونيه. وإذ يَرغب جونيه في كسر سيطرة «الموجة الجديدة» التي اشتُهر بذمِّه لها، فإنه لا يُشوِّه فقط فيلم «جول وجيم» لكنه ينقل ممثِّلة من فيلم تروفو إلى فيلمه هو؛ كلير مورييه، التي أدَّت دور والدة أنطوان دوانيل الساخطة في فيلم «الأربعمِائة ضربة» تؤدي دور رئيسة أميلي، صاحبة المقهى العالمي. ولعلَّ موقع المقهى في شارع لوبيك مناسب تمامًا، بالقرب من المكان الذي تجسَّس فيه أنطوان دوانيل على والدته — كلير مورييه هذه نفسها — وهي تُقبِّل عشيقها (ناقد «كاييه»، جون دوشيه). ولعلَّ أميلي أيضًا، لهذا الأمر، تعيش في مبنًى مجاور للشقة الحقيرة التي يعيش فيها دوانيل في حي كليشي. بعد بداية مسيرته في الإعلان وأفلام الاستوديو ذات الأسلوب الرفيع، مثل فيلم «داليكاتسن» (١٩٩١)، احتفى جونيه بعمله الأول «في الهواء» الطلق بتوثيق انهيار «الموجة الجديدة» على شوارع باريس.
لكن باريس جونيه لا تبدو مثل باريس تروفو أو رومير أو جودار. لقد رُتِّبَت، ولا يرجع الفضل في ذلك فقط لجهود أندريه مالرو في تنظيف المدينة في ستينيات القرن العشرين. تخلص جونيه رقميًّا من أي عنصر قبيح أو غير لائق، إطارًا تلو الآخر. ولم تكن الحشرة التي فَرِحت أميلي برؤيتها في فيلم «جول وجيم» لتنجو من تنظيف جونيه للصور. تتفاخر المراجعة المنشورة في مجلة «سايت آند ساوند»: «الصور الجميلة للشوارع المرصوفة، والسلالم الباريسية المُنحدِرة، والمخابز على النواصي، والأسواق المنتشرة في الشوارع؛ بجانب المناظر المشهورة في البطاقات البريدية لكاتدرائية العذراء، وكنيسة القلب المقدس، وجسر الفنون، ومناظر الأسقف الباريسية، والمقاهي الأليفة، ومحطات المترو المصممة على طراز الفن الحديث … يسكن هذه الأماكن «بسطاء» باريس.»38
ربما يَشعر المُشاهِدون بفيلم «أميلي» يُمارس سحره عليهم، لكن لم يكن هناك أي شيء سحري في إنتاجه. بتحكُّمه في كل عنصر من عناصر الصوت والصورة، بنى جونيه فكرته الخيالية بدقة صانع الساعات، حيث نُعِّمَت كل لقطة لتتَّخذ موقعها، بحيث ترتبط باللقطة التالية لها بلا حكاك. على العكس، كان تروفو يبحث عن هذا الحكاك في كل مرحلة من مراحل الإنتاج.39 وجد أن سيناريو كل فيلم من أفلامه الثلاثة الأولى أسهل مما يُمكنه أن يقبله؛ ولذا كان يعمل خلال التصوير ضد الاتجاه العام لما سبق أن كتبه. شخصية كاثرين التي مثَّلتها جين مورو في «جول وجيم»، التي كانت محبوبة للغاية على الورق، جعلها صعبة الاحتمال قرب نهاية فيلم. وأبطأ تروفو كذلك من إيقاع ذلك الفيلم لوضع مقدمة الفيلم الجذلة في موضعها الصحيح، وليُضيف إلى الغموض الجاذبية. لا الجاذبية ولا الغموض يُميز شخصية أودري توتو، ولا فيلم جونيه، ما عدا مقاطع الفيديو المصوَّرة بالأبيض والأسود التي تُرسلها أميلي للرسام المُنعزِل، دوفايال، وتُظهِر أطفالًا يُسبحون بالحركة البطيئة، ومُغنيَ أغنيات حزينة، زنجيًّا بساق صناعية يؤدي رقص النقر بالقدم. هل قدَّم جونيه هذه المقاطع الجرثومية لتلويث الرضا الذاتي المُميِّز لصوره السيليولويدية المصفَّفة بعناية؟ باضطرابه بسبب هذه الرسائل من عالم خارج مرسمه، يعود دوفايل بإلهام متجدد لنسخته من لوحة رينوار «جماعة القارب» («لو دوجونيه دي كانوتييه»، «ذا بوتينج بارتي»، ١٨٧١)، معتزمًا فهم غموض إحدى الشخصيات، «الفتاة حاملة الكأس» التي يراوغه عمقها. أثناء ذلك، تقف أميلي في خلفية المشهد ممسكة بكأس. وحيثما تخفق لوحات دوفايال، ستحل سينما جونيه اللغز في النهاية.
figure
محاكاة مضحكة لرينوار الأب. «أميلي».
يستعين جونيه هنا ببيير-أوجست رينوار لمباركة «أميلي»، وربما لاستِنساخ تعاطفه الكبير، وجمال نظرته، وشفافية صوره. ينضمُّ إلى أولئك الذين اعتبروا رينوار دائمًا رجلًا محبًّا للحياة، ومفتونًا بالطريقة التي يبدو عليها الرجال والنساء بالدرجة الأولى، وجمال الزهور والمناظر الطبيعية، وبلاغة الإشارات … وباختصار، بالمظهر المتألِّق للعالم. لكن رينوار، طبقًا لما يقوله ابنه، كان يسعى وراء شيء أعمق. إذا كان هناك أي صانع أفلام نسَخ رينوار فهو ابنه؛ بالطريقة التي استخدم فيها — مثلما فعل والده — التعاطف والجمال أسلوبًا للتنقيب فيما كان يصوره وخلاله. في أولى صفحات سيرة حياته، بعنوان «رينوار أبي»، يكتب جون: «أحببت لوحات أبي بشدة، لكنه كان نوعًا من الحب الأعمى. والحق أقول إنني كنتُ جاهلًا تمامًا بماهية الرسم. كنتُ لا أكاد أعرف ما الذي يدور حوله الفن عمومًا. كل ما استطعت إدراكه من العالم نفسه هو المظاهر الخارجية. الشباب مادي. الآن أدرك أن الرجال العظماء ليس لهم وظيفة في الحياة إلا مساعدتنا في رؤية ما وراء المظاهر: إراحتنا من بعض من عبء المادة — «تخفيف العبء» عن أنفسنا كما يقول الهندوس.»40
هل تعلَّم رينوار هذه الفكرة من مقالات بازان العظيمة حول أفلامه، خصوصًا فيلمه «الهندي» بعنوان «النهر» («ذا ريفر»، «لو فلوف» ١٩٥١)؟ قبل عَقد من كتابة جون عن والده، كتب بازان عن الابن قائلًا: «رينوار يفهم أن الشاشة ليست مستطيلًا بسيطًا ولكنها سطح مماثل لشباك الرؤية في كاميراه. إنها المضاد الكامل للإطار. الشاشة قناع لا تقلُّ وظيفته في إخفاء الواقع عنها في كشفه. أهمية ما تكشفه متناسبة مع ما تتركه مخفيًّا. هذا الشاهد الخفي مصنوع حتمًا ليَرتدي غمامة.»41 تلك الغمامة هي بالضبط ما يستخدمه رينوار في مشهد المنظار المقرِّب الذي ذكرناه من فيلم «قواعد اللعبة». تستخدم كريستين «كاميراه» للنظر إلى الطيور، ثم ترى زوجها مصادفةً وهو «يبدو» وكأنه يَحتضن خليلة له. يقف رينوار الذي يؤدي دور أوكتاف وراءها، وكهذا يبدو أنه يُشجِّع خطأها؛ لأنها ترتكب خطأً؛ فالزوج في الحقيقة يَنفصل عن عشيقته للأبد ليُخلِّص لكريستين. هذه هي نقطة التحول في المأساة؛ حيث إن كريستين التي تصدق بسبب الدليل المادي أن زوجها يَخونها، ستتخلى عن وفائها الساذج، وتدخل دوامة الإثارة الجنسية الطليقة التي تؤدِّي للموت والتشتُّت. مع ذلك، فالصورة ليست زائفة بالكامل؛ بسبب أن الزوج كان بالفعل على علاقة بجنيفيِيف. والكاميرا تقدم أثرًا زائفًا لهذه الحقيقة.

عكس تروفو، وعكس دوفايال، جونيه ليس فنانًا معذَّبًا؛ ففي عالمه كل شيء يُمكن تصويره، وكل سر غامض يُمكن كشفه. بالفعل، تكوِّن آلية الاستكشاف المتعة الرئيسية لجمالياته، وتُشبه بعض الشيء مقالب أميلي العملية. تستدعي بريتودو إلى كابينة الهاتف لمحادثة تُذكِّره بطفولته، وتشاهد ما يحدث من بين الأعمدة؛ كما تُقاطِع مذيع مباراة كرة قدم؛ وتَنبش عن حبٍّ بين زوجين باختلاق رسالة ضائعة عمرها ٢٠ عامًا، ثم نشرها. حتى السر العميق الوحيد في الفيلم، وهو سرُّ الشكل الشبحي في كشك التصوير، فُسِّر في لحظة في النهاية، لكن بعد أن ترتَّب أميلي بالتفصيل مكيدة لتُجبر نينو على مواجهة مصدر الصور التي تُطارده. لا يكتشف نينو طيفًا ولكن ساحر أوز — سيد الجهاز — وهو العامل في كشك التصوير.

أفهم أن رجل كشك التصوير هو جونيه نفسه، صانع أفلام يُلصق جنبًا إلى جنب صورًا متسلسلة لمُمثلين في أوضاع مختلفة أمام الكاميرا (٢٤ وضعًا للدقة) إلى أن يبدو أنهم يتحرَّكون. أما الألبوم الذي يحتفظ بهذه الصور — وهو الألبوم الذي يؤدِّي ضياعه ثم استعادته إلى قصة الحب — فهو بداية الفيلم ونهايته. ولكونه لوحة مَشاهد وملفًّا لوكيل اختيار المُمثلين، فإن هذا الألبوم يعود في شارة نهاية الفيلم مؤكدًا في النهاية سلامة الفكرة الأصلية. إجمالًا، فإن فيلم «المصير الخرافي لأميلي بولان» مشمول في الألبوم من البداية للنهاية. ذكرت مقالة افتتاحية في دورية «كاييه دو سينما» بخبث أن كل لقطة محرومة من أدنى تناقض.42 بطريقة ما، تحرِّك سينما جونيه صور الدعاية الثابتة التي تُكوِّن لوحة مَشاهده.43

مثل الأب توليب في فيلم «المليون» («لو مليون»، ١٩٣١)، أو مثل جودوشو في فيلم «المغنية»، دوفايال قوي وخيِّر ومراقِب ذو عين ثاقبة، وقادر على وضع الأمور في موضعها الصحيح. تَختبر أفلامٌ ثلاثة براعة مخرجيها في مشاهد رئيسية تتضمن فعل الهروب. في «المليون»، يرتب رينيه كلير مأساة صراع على مسرح الأوبرا من أجل معطف يحتوي على تذكرة يانصيب. أما في «المغنية»، فإن بينيكس يقدم جولة بالدراجة النارية بأقصى سرعة خلال شوارع باريس ثم تحت سطح المدينة في أنفاق المترو. وأما أميلي فتتسلَّق سيارة على قضبان في حديقة ملاهي حيث يعمل نينو في الكواليس. هذه اللعبة الجذابة رمز لأساليب السينما ومباهجها. تُنقَل أميلي، المشاهِدة التي دفعت ثمن التذكرة، إلى عالم مصنوع من أجل تسليتها وإثارة خوفها ودهشتها. يدفع سرد بسيط حرفيًّا التماثيل البلاستيكية أو الشمعية التي تقابلها أميلي في كل منعطف؛ تمد أيديها نحوها مهدِّدة إياها في تتابع للمؤثرات الخاصة مؤقت بدقة. ثم يَقفز نينو الحقيقي على مؤخرة سيارتها ليَمنحها ما يُعتبر أكثر المواقف إثارة في حياتها. في نهاية الفيلم، يجلس نينو في مقعد القائد على دراجته النارية، بينما تَبتسم أميلي، سعيدة بأنها وُضِعت أخيرًا في قصة شخص آخر، متجولة في باريس مليئة بأقدار أخرى رائعة.

ومثل الحجر الذي ترميه أميلي ليقفز على سطح مياه قناة سان مارتان، فإنها تقفز في خفة فوق سطح باريس. على العكس من ذلك، وكما تشير آن جيليان بذكاء، كان من شأن أنطوان دوانيل في «الأربعمِائة ضربة» أن يدخل في جسم باريس المظلم، والدته الحقيقية، حينما يدفع زجاجة الحليب الفارغة التي سرقها داخل مجرور، ويستمع إليها وهي تتحطم تحت الشوارع في أحشاء المدينة أو رحمها.44 صورة باريس البطاقات البريدية عند أميلي هي بالضبط الصورة التي سخر منها جاك تاتي بذلك الغموض الكوميدي في فيلم «وقت اللعب» («بلاي تايم»، ١٩٦٧): كنيسة القلب المقدَّس التي تسيطر على فيلم جونيه تُلمَح فقط في فيلم تاتي حينما تَنعكِس صورتها للحظة على نوافذ المباني الإدارية في الضواحي التي أصبحت المركز الجديد للعاصمة. حي لا دفنس (وهو هدف تاتي الحقيقي) محجوب إلى جهة الغرب من كاميرا أميلي، ولم يكن أحد ليشك أن مشاريع الإسكان الكئيبة، مأوى المهاجرين من حيث الأساس، تقبع مباشرة خلف حي مونمارتر (انظر الصورة العلوية في الجزء الخاص بالتعليق على فيلم «٤ أشهر و٣ أسابيع ويومان»). المُمثل المغربي الكوميدي جمال دبوز الذي يؤدي دور لوسيان المُتلعثم ليس تهديدًا مطلقًا؛ فهو يعشق أميلي، مثل نينو، الذي يؤدي دوره ماثيو كاسوفيتس الذي أخرج فيلم «الكراهية» («هيت»، «لا هاين») في تلك المشروعات عام ١٩٩٥.
أثار التبييض العرقي للفيلم نقاشًا حادًّا في فرنسا، انضمت إليه «كاييه» بأسلوبها، بتجريد فيلم أميلي من جماليات «الشكل». دائمًا ما ربطت «كاييه» بين المبادئ الأخلاقية والجماليات، ربما إلى درجة غمر الأولى بعمق في الثانية. في مارس ١٩٥٩، أعلن لوك موليه على صفحاتها أن «الفضيلة هي لقطة تتبعية» وهو ما تسبب في صدمة الشاب سيرج داني بإدراك مسئوليات السينما.45 الواقع أن سيرة حياة داني بعنوان «بطاقات بريدية من السينما» تبدأ بفصل بعنوان «اللقطة التتبعية في كابو» حيث يَنتقد مخرج الفيلم جيلو بونتيكورفو بشراسة؛ لأنه أعطى الهولوكوست شكلًا جماليًّا باللجوء إلى بناء درامي يصور بإتقان هيئة امرأة صُعِقت بالكهرباء على سور الأسلاك الشائكة المُحيط بمعسكر الاعتقال.46 الجماليات ليست فلسفة، لكنها فلسفة الفن، وفي عصرنا الحالي، وخصوصًا في السينما، يتضمن الفن كل ما هو بَشِع المنظر. استخدم جونيه مسكرةً لتحسين منظر المدينة المدنسة، وبدَّل مكياج فيلمه، متضمِّنًا، كما أشار الكثيرون، المكياج العرقي لفرنسا.

دائمًا ما كانت السينما الفرنسية أكثر فتنة وتعقيدًا حينما وَضعت، مثل كاثرين في «جول وجيم»، مكياجها وحينما أزالته. تُشير اللطخات إلى صدع بين الوجه والروح، تتبَّعَتْه دائمًا منذ ظهور «الموجة الجديدة» أفلام من قبيل «عاطفة» («باشون»؛ جودار، ١٩٨٢)، و«أصدقاء وصديقات» («بويفريندز آند جيرلفريندز»، «لا مي دو مون امي»؛ رومير، ١٩٨٧)، و«نخب أحبائنا» («آنوزامور»؛ بيالا، ١٩٨٣)، و«المتشرِّدة» («فاجابوند»، «سان توا ني لوي»؛ فاردا، ١٩٨٥). وبينما «أميلي» (الفيلم وبطلته) وجه صافٍ، أو ملصق جميل بلا عمق، فإن تلك الأفلام تلتزم بفكرة السينما بوصفها تَتابع صور ينفتح على واقع أكبر له مستقبل سياسي محل نزاع، وهو مستقبل يمكن للمشاهدين الذين ينظر بعضهم إلى بعض أثناء خروجهم من دار العرض أن يتخيَّلوه على نحو أفضل.

تنطبق هذه الفكرة على السينما في كل مكان، حتى لو كان من المناسب لي أن أُبرزها من خلال السينما الفرنسية. الامتلاء الذي تُوفِّره الأفلام (شيء مميَّز لمشاهدته) لا يُشبَع في النهاية بالمظهر ولا بالصورة المزخرفة فنيًّا، ولكن بالإحساس وعملية الاستكشاف التي تحدُث عبر الشاشة وخلالها. فكرة بازان هي إبقاء موضوع الفيلم دائمًا في مجال الرؤية، حتى وهذا الموضوع يُقاوم تقديمه في هيئة صورة. لا يأتي الإعجاب من خلال الحضور المُبهِر، ولكن من خلال الغياب المُتكرِّر؛ حيث تقودنا الآثار المسجَّلة لموضوع ما إلى البحث عنه. حركة المُشاهد هذه وعلاقتها بما يُنظَر إليه تستغرق وقتًا؛ حيث تتحوَّل الصور المسجلة إلى حدث موجَّه بدرجة أو أخرى … دعوني أُسمِّه الحدث السينمائي. ما الذي كان بازان وأنصاره يظنون أنه ضروري لإعداد مثل هذا الحدث، وتجميعه، وتركيبه؟ تستلزم إجابة هذا السؤال أن ننتقل من الصورة السينمائية إلى الفيلم المحرَّر.

هوامش

(1) It’s not unthinkable. See Nadia Bozak, “The Disposable Camera: Image, Energy, Environment,” Ph.D. dissertation, Toronto University, 2008. Bozak alerts us to the material costs involved in an industry based on nineteenth century machinery, including intractable problems of refuse, as thousands of cans of 35mm prints must be disposed of each week. This problem does not evaporate with digital cameras, for enormous amounts of energy go into producing electronic circuitry, and their ubiquity adds up to a significant amount of metal and plastic. Moreover, they are dumped or recycled when more advanced models come out. Camera-less cinema may someday be a necessity.
(2) Sean Cubitt, The Cinema Effect (Cambridge, MA: The MIT Press, 2004), p. 97.
(3) Philip Rosen, “Old and New: Image, Indexicality, and Historicity in the Digital Utopia” in his Changed Mummified: Cinema, Historicity, Theory (Minneapolis: Minnesota University Press, 2001). Thomas Elsaesser, “Digital Cinema: Delivery, Event, Time,” in Thomas Elsaesser and K. Hoffmann (eds.), Cinema Futures: Cain, Abel or Cable?: The Screen Arts in the Digital Age (Amsterdam: Amsterdam University Press, 1998), pp. 201–22.
(4) For a full discussion of this issue, see Louis-Georges Schwartz, Mechanical Witness: A History of Motion Picture Evidence in U.S. Courts. (New York: Oxford University Press, 2009).
(5) Seung-hoon Jeong and Dudley Andrew, “Grizzly Ghost: Herzog, Bazin, and the Cinematic Animal,” Screen, 49(1) (2008), pp. 1–12.
(6) Serge Daney, L’Exercise a été profitable, monsieur (Paris: POL, 1993), p. 301.
(7) Jean-Pierre Geuens, “The Digital World Picture,” Film Quarterly, 55 (4) (2002), pp. 19–30.
(8) Hervé Joubert-Laurencin gave me this term, meant to evoke the difference between Bergson’s philosophy and Bergsonism, the popularization of his views.
(9) Eric Rohmer, The Taste for Beauty (Cambridge: Cambridge University Press, 1989), pp. 40–53.
(10) André Bazin, What is Cinema? (Berkeley: University of California Press, 1967), p. 24.
(11) Serge Daney, “André Bazin,” in Cahiers Critique (Paris: Cahiers du cinéma, 1986), p. 174. Originally published August 19, 1983.
(12) André Bazin, “The Ontology of the Photographic Image,” in What is Cinema?, p. 14.
(13) André Bazin, in Radio-cinéma-télévision, no. 275 (April 24, 1955), reviewing Naufragé volontaire by Alain Bombard.
(14) Hervé Joubert-Laurencin, “Le Tombeau d’André Bazin,” lecture delivered in Caen, France, May 1998.
(15) See my “Foreword” to What is Cinema? I (Berkeley: University of California Press, 2004 edn).
(16) André Bazin, “La Technique de Citizen Kane,” Les Temps modernes, II(17) (1947), p. 945.
(17) Jean-Paul Sartre, L’Imaginaire (Paris: Gallimard, 1940); translated as Psychology of the Imagination (Secaucus, NJ: Citadel Press, 1961).
(18) Roland Barthes, Camera Lucida (New York: Noonday, 1981). I err in my “Foreword” to What is Cinema? I, in saying that Barthes fails to cite Bazin. In fact Bazin is mentioned on page 55. Joubert-Laurencin feels that Bazin is made to haunt Barthes’ entire text by appearing fugitively in this single instant. I disagree, since the citation concerns the screen as mask, not the “ontology of the image,” which Barthes writes about as though he were the first to conceive it.
(19) Bazin, “Ontology of the Photographic Image,” p. 14.
(20) Sartre, Psychology of the Imagination, pp. 27 and 30. In Bazin’s 1940 L’Imaginaire, the pages are 35 and 37.
(21) Bazin, “Ontology of the Photographic Image,” p. 10.
(22) Sartre, Psychology of Imagination, p. 32; p. 39 in the French.
(23) Bazin, “Cinema and Exploration,” in What is Cinema?, p. 162.
(24) See Dudley Andrew, André Bazin (New York: Columbia University Press, 1990), p. 58.
(25) In Critique, 7 (December 1946).
(26) This footnote appears in the French but not in the English edition of Verve, which were published simultaneously in summer 1940. Hence it does not appear in the English translation available in Susanne Langer (ed.), Reflections on Art: A Source Book of Writings by Artists, Critics, and Philosophers (Baltimore, MD: Johns Hopkins Press, 1958).
(27) Joubert-Laurencin imagines Bazin and Benjamin working side by side at the Bibliothèque nationale de France in 1938, where both were in fact pursuing research on Baudelaire. Might the BnF archives contain call slips from 1938 proving that they read the same books, perhaps on the same day? An excellent essay speculates on this relationship: Monica Dall’Asta, “From Benjamin to Bazin, Beyond the Image, the Aura of the Event,” in Dudley Andrew, ed., Opening Bazin (New York: Oxford University Press, 2010).
(28) Margaret Cohen, Profane Illuminations: Walter Benjamin and the Paris of the Surrealist Revolution (Berkeley: University of California Press, 1993). See also Dudley Andrew and Steven Ungar, Popular Front Paris and the Poetics of Culture (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2005), pp. 358–67.
(29) The photograph of the oven that Bazin probably had in mind is reproduced in an aptly titled book by Robin Walz, Pulp Surrealism (Berkeley: University of California Press, 2000), p. 99.
(30) Bazin, “Ontology of the Photographic Image,” in What is Cinema? translated by Timothy Barnard (Montreal: Caboose Press, 2009), pp. 9-10. Barnard’s translation here and often is closer to Bazin’s original than is the standard edition translated by Hugh Gray.
(31) Bazin, “Theater and Cinema,” from What is Cinema? II (Berkeley: University of California Press, 1967), p. 97.
(32) Louis-Georges Schwartz, “Deconstruction Avant La Lettre: Jacques Derrida before André Bazin,” in Andrew, ed., Opening Bazin.
(33) See Marie-José Mondzain, “Can Images Kill?” Critical Inquiry, 36(1) (2009). Mondzain distinguishes between incarnation and incorporation. The former takes on the outer appearance of an absent thing, whereas the latter actually is fused to what it represents. Christ’s image pictured in an icon incarnates Him without His being there; but for the believer He is incorporated in and as the Eucharist, which is no longer a sign but the Person Himself.
(34) For an inventory of, and brilliant meditation on, the interplay of photographs and films, see Garrett Stewart, Between Film and Screen: Modernism’s Photosynthesis (Chicago: University of Chicago Press, 1999).
(35) Serge Daney, “Falling out of Love,” Sight and Sound, 2(3) (1992), pp. 14–16.
(36) Raoul Coutard, Interview with the author, February 27, 2003, New Haven.
(37) Christian Keathley adapts this concept from Wolfgang Schivelbush’s Railway Journey (New York: Urizen, 1979) in Cinephilia and History, or The Wind in the Trees (Bloomington: Indiana University Press, 2006).
(38) Sight and Sound, October 2001, p. 23.
(39) Truffaut used contradiction strategically. See, for example, his Le Cinéma selon François Truffaut (Paris: Flammarion, 1988), pp. 151 and 167.
(40) Jean Renoir, Renoir My Father (Boston: Little, Brown, 1962), p. 6.
(41) André Bazin, Jean Renoir (New York: Simon and Schuster, 1973), p. 87.
(42) Charles Tesson, “Lara contre Amélie,” Cahiers du cinéma, July-August 2001, p. 4.
(43) Both Jeunet and his cameraman Bruno Debonnet insist on the priority of the storyboard in “The Look of Amélie,” featurette, disc two of DVD, Amélie (zone 1 version only).
(44) Anne Gillain, “The Script of Delinquency: Les 400 Coups,” in Susan Hayward and G. Vincendeau (eds.), French Film: Texts and Contexts (London: Routledge, 2000).
(45) Luc Moullet, “Sur les Brisées de Marlowe,” Cahiers du cinéma, 93 (March 1959). Often attributed to Godard, this celebrated sentence was used by Antoine de Baecque as a title for a chapter on New Wave politics and aesthetics in Cinéphilie, Invention d’un regard, histoire d’une culture, 1944–1968 (Paris: Fayard, 2003).
(46) Serge Daney, Postcards from the Cinema (Oxford: Berg Press, 2007), pp. 17-18. Actually, Daney recounts not his observation but Jacques Rivette’s description of this “abject” camera movement.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١