الفصل الرابع

تطور موضوعات السينما

حققت السينما وعيها بذاتها خلال مسيرة السنوات العشرين، من فيلم «قواعد اللعبة» إلى أفلام «الأربعمِائة ضربة»، و«هيروشيما حبي»، و«منقطع الأنفاس». كان روسيليني وبازان بمنزلة قناتَين لهذا التحوُّل، أو «قائدَي المركب» كما يُسمِّيهما سيرج داني. لم يجلب النضوج معه فقط الجرأة المزهوَّة، ولكنه أتى أيضًا بالشكوك والأسئلة التي تتجلَّى في عنوان أعمال بازان المجمَّعة التي نُشِرت مع بداية ظهور «الموجة الجديدة»، وهو «ما هي السينما؟» ولأنه لم يكن مستعدًّا لتقييد هذا الفن التكنولوجي الأول، بل حتى لم يكن مستعدًّا لتعريف السينما بأنها فن، أو استبعاد أيِّ نوع من استخداماتها وأنواعها، مهما كان اعتياديًّا أو هامشيًّا، فقد أبقى بازان السينما سؤالًا مفتوحًا، منفتحًا على العالم الذي يَشتبك معه دائمًا بشكلٍ ما. من هنا نبع إيمانه بأن السينما «الحديثة» كانت تَنفلِت من قيود الأسلوب «الكلاسيكي» بفضل «طليعة» محددة، شعر بأنها بدأت في استكشاف حقل سينماتوغرافي جديد، سعيًا وراء عوالم أكبر يُفتَرض أن تُمثِّلها. قد تكون مصطلحات «كلاسيكية» و«حديثة» و«طليعة» تبسيطية وغامضة، لكنها مع ذلك تحدد مخاطر اللعبة وتؤكِّد قواعدها.

الفيلم الحديث: بين الكلاسيكية والطلائعية

لو كان بإمكانكم سؤال بازان عن مصدر التغيير الذي تمكَّن من استشعاره فيما يدور من حوله، لما كان ليُشير لأول وهلة إلى التصوير، أو إلى تصميم المشهد، أو التمثيل، أو التحرير؛ بل كان من شأنه أن يُشير إلى ما سماه «الموضوع». ومثلما يَجيء النضج، فوجئ الوسيط السينمائي في منتصف أربعينيات القرن العشرين بإدراك أنه نضج بعد مواجهات مباشرة مع موضوعات مُثيرة للتحدي، نادرًا ما كان يستطيع تفاديها. كان تعقُّد موضوعات رينوار وويلز هو ما دفعهما إلى التخلِّي عن أساسيات النظام الكلاسيكي في فيلمَيْهما «قواعد اللعبة» و«المواطن كين». ثم نشبَت بعد ذلك مباشرةً الحربُ العالمية. وبطبيعة الحال، استلزمت الحرب الحديثة وسائل تمثيل حديثة. تمدَّد المكان، وتقلَّص الزمان، وانتُزِع كلاهما بوضوح من سيطرة الإنسان. ولذا، وبلا تجاهل، برهن مالرو على النزعة الإنسانية البطولية في فيلم «الأمل» (هوب) وهو واحد من أوائل الأفلام شبه الوثائقية الكثيرة التي جاهَدت لتمثيل الحياة في الظروف البشعة والحافلة بالقتل التي تحمَّلها كثير من الناس (أو فشلوا في تحمُّلها) منذ عام ١٩٣٦ حتى عام ١٩٤٥. كان بازان يعتقد أن الواقعية الجديدة نتجت مباشرة من الحضور الطاغي للحرب والمقاوَمة؛ حيث تبنَّت جوانب من الصحافة ومن الرواية الأمريكية القاسية، بينما بدت المعايير المعتادة في كتابة السيناريو والتصوير والتحرير هزيلة وقاصرة عن الموقف تمامًا.

انجذب صنَّاع الأفلام بقوة لمَهمة جديدة بفعل الحرب. حتى مخرجو هوليوود الجسورون، مثل جون فورد وجون هيوستن، تجرءوا على تَجرِبة أساليب التصوير والتحرير الارتجالية ليُصوِّروا ويحاكوا الفوضى التي تطوعوا بدخولها («معركة ميدواي»، ١٩٤٢؛ «معركة سان بييترو»، ١٩٤٥).1 على الرغم من ذلك، حالَما انتهى ذلك الحضور الطاغي، أعقبت ذلك أزمة حتمية في الموضوعات. ما الذي يَنبغي تمثيله الآن بشأن الطرَف الآخر في الحرب؟ بعد مرور جيل كامل، عاد جيل دولوز بذاكرته إلى هذه اللحظة بوصفها لحظة تأسيس «الصورة-الزمن» بما أن «الكليشيهات» لم تَعُد قادرة على الحفاظ على الأفلام كما هي، ولم تعد الشخصيات قادرة على التحكُّم في مصائرها بالطريقة التي استمرت في سنوات السينما الخمسين الأولى؛ إذ أصبح كثيرون يَهيمون ببساطة في الأرض الأوروبية المُقْفِرة، ويعملون عمل المراكز العصبية لتسجيل «الأحداث البصرية والصوتية الخالصة». ومع ذلك، لم يكن هذا الإدراك يحتاج انتظار صياغة دولوز؛ لأن هذه الأزمة كانت محدَّدة في ذينك الزمان والمكان، في العنوان الكامل لبيان ألكسندر أستروك المُحتفَى به في مارس ١٩٤٨: «من أجل طليعة جديدة: الكاميرا-القلم». كُتِب الكثير عن «الكاميرا-القلم»، وخصوصًا عن المرونة المكتشَفة حديثًا للسينما، القادرة — كما يفترض — على التجريدات والتعبيرات الشخصية عن اللغة المكتوبة. لكن الجزء الأول من عنوان مقال أستروك «طليعة جديدة» هو الذي يستجدي الانتباه؛ لأنه يصف ثورة، ليست في شكل الفيلم ولكن في موضوعه.

لم يصف أستروك ثورة بقدر ما أشار إلى «التكوين» المُتغيِّر للأفلام المعروضة على الشاشات الباريسية بعد عام ١٩٤٥، حينما أُتيحت فجأة أفلام «الأمل»، و«قواعد اللعبة»، و«المواطن كين»، وانضمَّ إليها فيلم بريسون «سيدات غابة بولونيا» («لي دام دي بوا دي بولوني»، ١٩٤٥)، وفيلم جون كوكتو «الجميلة والوحش» («بيوتي آند ذا بيست»، «لا بيل إ لا بيت»، ١٩٤٦). كانت هذه كلها أفلامًا روائية طويلة، بل حتى تِجارية، لكنها كانت مكثَّفة ومبدئية، مقارنة بأول جيل من الأفلام الناطقة. وكانت هذه الطليعة ألطف بوضوح من سلفها الجريء في عصر السينما الصامتة، حينما شوَّه مان راي، وفرناند ليجر، ومارسيل دوشامب، وجون إيبستين، وجرمين دولاك، ولويس بونويل، قواعدَ الشكل السينمائي أو دمروها، ليس فقط من أجل الشهرة، ولكن من أجل «خمس دقائق من السينما الخالصة» (سانك مينوت دو سينما بور) على الأقل (وهو عنوان فيلم من عام ١٩٢٦). كان المُخرجون الطليعيون في عصر السينما الناطقة أكثر تميُّزًا بالتأكيد من أسلافهم المبهرجين، ومع ذلك، كانت طموحاتهم تضاهي طموحات لحظتهم التاريخية التي عُرِفت بالمقاومة والتحرير؛ حيث كانت الآمال المعقودة على السينما عظيمة بقدر آمال إعادة البناء الاجتماعي والسياسي عقب الحرب.

يَظهر البُعدان المزدوجان لمصطلح الطليعة — الاجتماعي والجمالي — في بيان بازان «دفاعًا عن الطليعة» الذي أتى في مقدمة الكتالوج الفخم الذي أُعِد من أجل «مهرجان الأفلام المنبوذة»، وهو مهرجان مُضاد لمهرجان كان، أقيم في مدينة بياريتز الفرنسية في صيف عام ١٩٤٩. عُرض هناك فيلم بريسون «سيدات غابة بولونيا» ضمن مجموعة من التحف السينمائية التي أسيء فهمها؛ مثل: «لاتالانت» (فيجو، ١٩٣٤)، و«صفر للسلوك» («زيرو دو كوندْوي»؛ فيجو، ١٩٣٣)، و«آل أمبرسون الأجلاء» («ذا ماجنيفيسنت أمبرسونز»؛ ويلز، ١٩٤١). رأَسَ كوكتو رسميًّا هذا الحفل من المخرجين الجريئين، وكان من بين أولئك الذين أتَوْا من باريس إلى هذا المنتجع الأطلنطي، مساعد بازان الجديد، فرانسوا تروفو، ذو التسعة عشر عامًا الذي قابل لأول مرة صديقَي إريك رومير الشابَّين مثله: جان-لوك جودار، وجاك ريفيت. وكان من شأنهم جميعًا أن يبثوا الحيوية والأفكار في نوادي السينما الحديثة في باريس؛ مثل نادي «أوبجيكتيف ٤٨» الذي نظَّم، قبل إقامة مهرجان بياريتز، عروضًا أولى رائعة لأفلام مثل «بايسا»، حيث قُدِّم روسيليني إلى جمهور فرنسي مذهول.

وكما كان مهرجان بياريتز يهدف لمواجهة مُناخ مهرجان كان التِّجاري، استهدف مهرجان كان التصدي لصنوف الترفيه التي تنتجها هوليوود التي كانت تجتاح القارَّة الأوروبية. هذا الكفاح الأوروبي من أجل سينما مهمة فنيًّا ومستقلة خيض تحت راية «المخرج الأصيل». أصبح هذا المصطلح، الذي مثل إشكالية نقدية وقانونية منذ عشرينيات القرن العشرين، موضع تركيز بعد الحرب، بسبب الدمار الذي حلَّ ببنية الاستوديو في أوروبا، وتداعيات قضية نقل ملكية استوديوهات باراماونت في هوليوود؛ حيث أصبح الكتاب والمُمثِّلون في حِل من عقودهم، بينما أصبح المُنتِجون مُضطرين إلى التفاوض مع «العاملين الإبداعيِّين» على نحو فردي. في فرنسا، وحتى قبل الحرب، كانت الإنتاجات الأكثر طموحًا دائمًا ما تطرحها «فرق» مكونة من كُتاب سيناريو، ومخرجين، وممثِّلين رئيسيين، وأحيانًا مصورين ومؤلفين موسيقيين. كان هؤلاء «المؤلفون» الجمعيون يستأجرون الاستوديوهات بدلًا من الإذعان لأوامر رؤساء شركات الإنتاج. أما بعد انتهاء الحرب، ومع اتساع تصدعات النظام السينمائي،2 توقَّعت المواهب الجديدة أن تسيطر على النظام، مدفوعين بنقاد صاعدين مثل أستروك وبازان، اللذَين عَرفا، بتعمُّقهما في تاريخ السينما، أن الأفلام الطليعية تميَّزت بأنها أعمال أصيلة فريدة، ليست محلَّ تفاوض ولا تحتمل التفاوض؛ وهكذا بعثا المصطلح مرة أخرى في عام ١٩٤٨، لتعزيز تصوُّر الفيلم الروائي الطويل بوصفه نتاج قوة إبداعية فريدة. لذا، كانت فكرة الطليعة وسيلة لمساعدة المخرجين على خوض إنتاجات بالحجم الكامل في زمن كانت فيه النظم الراسخة مُهدَّدة بوضوح.

هكذا تشارَك أستروك وبازان في تجنيد مفهوم «الطليعة» — وهو مفهوم استراتيجي عسكري — في حملة نصبَت سينما أوروبية «حديثة» في مواجهة النظام «الكلاسيكي» الحصين. وجُنِّد على الضد من إرادة أولئك الذين كان يَنبغي لهم من الناحية الشرعية التحكُّم في مصيرها، وهم ورثة ما يُسمَّى الآن «الطليعة التاريخية» في العشرينيات. في باريس، وبالإضافة إلى أستروك وبازان والمولعين بالسينما الجريئين في نادي «أوبجيكتيف ٤٩»، كان يُمكن سماع البيانات التي تُصدرها المجموعات الراديكالية الفعلية، وأشهرها حركة «الحروفيِّين» التي قادها إيزودور إيزو وموريس لوميتر. لم يظهر هؤلاء لإحداث ثورة في صناعة الأفلام الروائية الطويلة، ولكن لتدميرها تمامًا، ولإحلال تَجارِب فوضوية عفوية محلها.

هاجم إريك رومير «الحروفيين» بعنف عام ١٩٥٢، معلنًا أن تطبيقاتهم الخالية من الموضوعات ليست سوى محاوَلات خائبة لإعادة إحياء أفكار المدرسة الدادائية المُستفزة. لم يتعمد هؤلاء إساءة فهم خصائص الوسيط السينمائي ووظائفه المحتمَلة وحسب، ولكن شهرتهم تجلت من حيث الأساس في دوائر فنية خاصة. كره رومير من أعماقه سطو مؤسسات الفنون على الوسيط السينمائي أكثر من كراهيته للضرر الجمالي الذي شعر أنها ارتكبته بحق السينما. حينما بدأت الأعمال السيئة السمعة لدوشامب، ومان راي، وفايكينج إيجلنج، ودالي/بونويل، تجد ملاذًا لها في مؤسسة مثل متحف الفن الحديث، كانت هذه إشارة جليَّة بأن الطليعة التاريخية أصبحَت من الماضي، وصُنِّفت بالفعل ضمن التراث الفني الذي يُريد أولئك الفوضويُّون بشدة الهروب منه أو تدميره. كان رومير يخشى أن تلك الطليعة يمكنها أن تتسبَّب في اختطاف السينما من قبل طبقة فكرية ما، مثلما حدث مع الرسم ومع الأدب بقدر أكبر. هذه الفنون الآن منفصلة عن المهمات والجماهير الطبيعية التي كانت ملكًا لها منذ وقت طويل في عصر كلاسيكي.

لكن رومير كان يشعر بأن سينما ما بعد الحرب ظلت تَستمتِع باللحظة الكلاسيكية، وأن حيويتها مؤكدة بفعل حلقة الاستجابات الدائرة ما بين الجمهور والمنتجين، كما تتجلى في شباك التذاكر، وفي المراجعات النقدية.3 ربما أيد بازان سينما حديثة متمرِّدة، لكنه، مثل كثيرين غيره، كان يَحترم — بل ويمتدح — المدرسة الكلاسيكية، وخصوصًا تلك التي انبثقت من هوليوود، حيث كانت تبدو الأكثر طبيعية. وعلَّل هذا بأن إنتاجات الاستوديوهات هناك لا بد أنها تقدم ما تجده ثقافةٌ جماهيريةٌ جديرًا بأن تتعرَّض له ويُمثِّل تحديًا لها، وأن تطوره بالتفصيل. بل إن بازان مضى إلى أبعد من ذلك بمقارنة هوليوود بالتراجيديا الفرنسية الكلاسيكية التي كانت مُتوافقة مع هموم الجمهور وحِسِّه لدرجة تأليف المسرحيات الرائعة التي كتبها كثيرٌ من المؤلفين، وليس كورني وراسين فقط. وبعد ستين عامًا، كان من شأن كاتب عظيم مثل فولتير أن يفشل في هذا الصنف، بسبب تطور الجمهور وتغيُّر علاقته بالمسرح.4 بطريقة مشابهة، كانت استوديوهات هوليوود في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين متزامنة بدقة مع حسِّ جمهورها العريض، لدرجة أنه كان يصعب صنع فيلم غير قابل للمشاهدة هناك.

كان يُسمي السينما الكلاسيكية «عبقرية النظام»؛ إلا أنه أيد بكل قوته أولئك الحداثيِّين الذين لم يكن ينبغي من وجهة نظرهم أن تنجوَ عقلانية الأسلوب الكلاسيكي واحتشامه من مصيبة الحرب والدمار الذي حلَّ بالكثير من الحضارة. وبينما لم يَحُطَّ بازان قطُّ من قدْر هوليوود، فقد أيَّد رينوار وويلز وبريسون وكوكتو وروسيليني؛ لأنَّ أفلامهم كانت مُتجاوِزة للنظام السائد. ومن غير أن يكونوا شكلانيِّين، كان عليهم الإتيان بأساليب جديدة ونماذج مختلفة قادرة على تمثيل أي مما كان يشغل بالهم بعمق. نما جمهور جديد مُهم في أوروبا، صغير في الحجم، لكنه مُتحمِّس ومُتطلع إلى مثل هؤلاء السينمائيين وموضوعاتهم غير التقليدية. وعزَّزت نوادي السينما، ومسارح الفنون، والمجلات، هذه العلاقة. كان جيل ما بعد الحرب الوجودي يَستمع إلى موسيقى الجاز، ويَتناقش بشأن الأفلام الجادة. ولذا، وبينما وجدت هوليوود — التي كانت أقل تأثُّرًا بالحرب — أنه من الملائم الحفاظ على الاستمرارية والصلة بالثلاثينيات، فاتحة نوافذ استوديوهاتها من حين إلى آخر لإلقاء نظرة على الخارج، فإن أوروبا (واليابان، فلا بد من ذكرها) أفسحت المجال لشيء جديد تمامًا، وهو سينما حديثة تكافح لتمثيل شكوك مجتمع محطَّم وتحدياته. وسواء أصُوِّرت داخل استوديوهات حقيقية أم لا (فيما عدا روسيليني، بقي المُخرِجون المذكورون آنفًا داخل أماكن مغلقة)، كان يُعتقَد أن الأفلام الحديثة يُفترض أن تتصدى للهموم المعاصرة ووعي ما بعد الحرب المُنهَك.

في كل شهر في مجلته التي كانت تُسمَّى اسمًا ملائمًا وهو «الأزمنة الحديثة»، كان سارتر يضغط على الفنانين والمُفكِّرين بجدٍّ ليركزوا انتباههم على «المواقف» في العالم، لا على خيالاتهم هم أو مشاعرهم. كان السرياليون يشعرون بلدغة قلمِه، وكذلك الشكلانيون من كل نوع، الذين اتهمهم بهجر التاريخ والمسئولية، وبالهروب إلى ملاذ النقاء الجمالي. استخدم سارتر ببراعة خطابَ اشتباكٍ عنيفًا. وفي محادثة مع سارتر في مقهى سان جيرمان، حدث أن عرَّف أستروك «الطليعة الجديدة»، بعكس ما هو سائد، بأنها سينما ليست للشعر المرئي ولكن للنثر المرن. ولأن السينما مرتبطة بالضرورة بالعالم بحكم تكنولوجيتها، فهي تضمر حينما تُعامل ذاتها على أنها نوع من الشعر. ينبغي أن يولد الشكل من الانشغال بالموضوعات العصية، والمواقف التي تجاهد لإظهارها. كان ذلك هو الإحساس بالأمور في أوج الواقعية الجديدة.

في عام ١٩٥٣، حينما هدأ زخم الواقعية الجديدة، واندلعت حرب ساخنة في كوريا، وحرب باردة في كل مكان آخر، أجرى تقريرٌ لنخبة من المؤلفين بعنوان «سبع سنوات من السينما الفرنسية» مسحًا للمشهد السائد في باريس بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. يحدد الفصل الأول منه بعنوان «عن الطليعة»، الذي كتبه المؤسس المشارك لدورية «كاييه»، جاك دونيول-فالكروز، معالمَ المشهد بصراحة. يرفع فالكروز من شأن مجموعة من سينمائيي ذلك الوقت إلى منزلة «الموجة الأولى» في فرنسا، وهي جيل طليعة العشرينيات … لكن مع الفارق. يؤكد أنه لا فائدة من استرجاع تلك الأيام، مشيرًا إلى فشل مايا ديرين، والأخوَين ويتني، وغيرهم من الهواة الأمريكيين والفرنسيين الذين كانوا يستخدمون عدسات بقياس ١٦ مليمترًا لاستعادة أرضية فُقِدت بمجيء السينما الناطقة. مثل هذه التجارِب المفارقة لزمنها، سرعان ما تصبح شيئًا من الماضي؛ أما التطورات الحقيقية فأحدثها منذ عام ١٩٤٠ ويلز وهيوستن، وبقدر أعظم، بريسون. ولأن السينما تخلَّت لحسن الحظ عن سعيها نحو «الخصوصية»، فقد نَضِجت لدرجة أن الأساليب التي كانت تدرَّس فيما مضى بوصفها «متنافية مع السينماتوغرافيا» قدمت إليها أكبر دفعة للأمام. ويخلص فالكروز إلى أن فيلم كوكتو الرائع «أورفيوس» (١٩٤٩) يبدو مقيِّدًا — ومِن ثم مؤثِّرًا ومقنعًا — مقارنة بفيلمه الخيالي المُنغمِس في ذاته «دم شاعر» («ذا بلاد أوف آ بُوِت»، «لو سون دان بويت»، ١٩٣٠).

من خلال تبني مصطلح «الطليعة» واستئناسه، سبق فالكروز و«كاييه» حركات من قبيل «الحروفيين» الذين هاجموا، بمحافظتهم على نقائهم الأيديولوجي، المؤسسة من وراء حدودها. أما بازان فأراد، على عكس ذلك، أن يعمل ضمن حدود المزيج الثقافي، بالكتابة لصحيفة يومية جماهيرية وهي «لو باريسيان ليبيريه»، وبالمثل لصحيفة النخبة الفكرية «إسبري»، مخاطبًا بذلك جمهورًا متكاملًا (وإن لم يكن عضويًّا). راقت لبازان حقيقة أن الأفلام الفنية والكوميديات المحلية تُعرض على الشاشات عبر الشوارع، من واحدة إلى الأخرى، وشعر بأن أكثر الأفلام طموحًا فنيًّا لا تجب الإشادة بها بسبب هروبها من الثقافة السائدة في رحلات من الاستفزاز أو التجريد، ولكن بدلًا من ذلك، ينبغي تسخير طاقتها وخيالها لرفع الحقل السينمائي بالكامل إلى مستوًى جديد. أُسست «كاييه» لإبقاء السينما بالكامل في الاعتبار، وفي الوقت نفسه من أجل التحديد والتكثيف لأكثر الاتجاهات أملًا وتنبؤًا. لذا فقد سمَّى بازان روسيليني وبريسون وأنييس فاردا، وقليلين غيرهم «طليعة» لدفعهم زملاءهم — المُخرجين المُلتزِمين بمعايير السينما السائدة — لتوسيع قاعدة جمهورهم؛ في الوقت نفسه أسقَط من اعتباره الأفلام التجريبية التي كانت موجَّهة إلى قلة معينة أو إلى جمهور المتاحف. لم تمر سنوات طويلة، في ذروة «الموجة الجديدة»، حتى تجاهل مُحرِّرو «كاييه» — الذين كانوا عازِمين على الحفاظ على سُمعتهم بوصفهم متمردين مشاكسين ضد نظامٍ عفا عليه الزمن — بالكامل الأعمالَ الطلائعية الأصيلة التي استخدمها جي ديبور لتطويقهم بها على اليسار.5 كانت معركة «كاييه» مع الفيلم الفرنسي الكلاسيكي الذي تحجَّر داخل «تقليد الجودة»؛ ولذلك، ارتدَوْا بلا حقٍّ رداء الطليعة، فقط لتزيين الحداثة التي كانوا يُؤيدونها في الأساس.
الواقع أن «كاييه» لم تُولِ قطُّ انتباهًا كبيرًا للطليعة الأصيلة، سواء طليعة العشرينيات الأوروبية أو تلك التي نتجت من انبعاثها في فترة ما بعد الحرب العالمية في نيويورك. عنوان كتاب بازان «ما هي السينما؟» عنوان رمزي، لا يتجنَّب فقط الأفلام التجريبية ولكنه يرُد عنوانًا بعنوان، كما لو كان توبيخًا، على كتاب جورج ألتمان «هذه هي السينما»،6 وهي الجملة التي كان من شأن عشاق السينما من ذلك العصر المُبكِّر أن يُردِّدوها كلما أثار شيءٌ ما على الشاشة نظرَهم أو خيالهم. أيد المولعون بالسينما الأوائل هؤلاء، طليعةً ما بسبب شعورهم بأن السينما الصامتة، على الرغم من كونها «فنًّا تكنولوجيًّا بالكامل»، كانت مُتأخِّرة عن أشقائها الأقدم، وخصوصًا الرسم. بكتابته للجيل الذي سيأتي بعده، أسقط بازان من حساباته عقدة الدونية هذه، مقتنعًا بأن السينما، بوصفها فنًّا تكنولوجيًّا — بل بوصفها وسيطًا تكنولوجيًّا (وليذهب الفن إلى الجحيم) — جعلت كل شيء يظهر على الشاشة قابلًا لأن يكون مُبهِرًا. كان من شأن السينما أن تتقدم مستغلة الموضوع الذي تجرَّأت على تناوله.
كان من شأن «الطليعة الجديدة» أن تصير في النهاية «الموجة الجديدة»، لكن هذا أتى بعد عَقد تقريبًا. في الوقت نفسه، فترت حماسةُ ما بعد الحرب، وامتدَّت المعارك الثقافية لعصر الحرب الباردة إلى حقل نقد الأفلام. نجت الواقعية الجديدة بالكاد في أربعينيات القرن العشرين، وفي فرنسا تجمَّدت المؤسسة السينمائية في «نظام للجودة» نجح بفاعلية في إقصاء الموضوعات الجديدة والمواهب الجديدة عن الشاشة. على الرغم من كل هذا، وفي الوقت نفسه، كان تيار عميق يشق طريقه في التصدعات. وتأكَّد بازان من تمييز سينما جادة وواعية ومستقلة وقت ظهورها على السطح. في مراجعة حماسية لأول أفلام فاردا (الذي صُنع في عام ١٩٥٤)، أوضح بدقة ما ينبغي أن تعنيه الطليعة في هذه المرحلة من التاريخ:
يُوضِّح فيلم «لا بوانت كورت» جيدًا فكرة الطليعة التي كنا نتطلَّع إلى تعريفها في أيام نادي «أوبجيكتيف ٤٩». بعيدًا عن التجريب الشكلي وإنكار الموضوع اللذَين ميَّزا طليعة منتصف العشرينيات، تَربِط فاردا عملها باليوميات الحميمة، أو بما هو حتى أفضل، وهو سرد المتكلم الذي يُفضِّل أن يظهر بضمير الغائب تحفُّظًا. دعونا نأمل أن هذا التصنيف «الطليعة» لا يعني أن فيلمها سيكون أقل رواجًا تِجاريًّا من الأفلام الأخرى؛ لأننا لا نسميه طلائعيًّا بسبب غرابته أو تعقيده، ولكن لإفراطه في البساطة، تمامًا مثل فيلم «رحلة إلى إيطاليا» الذي يستحق أن يُقارن به، وخصوصًا من حيث الموضوع وليس تصميم المشهد.7
وكما كان يفعل في الأغلب، استعان بازان بالمَعين الذي لا يَنضب لقيمة سينمائية محدَّدة، ثم وسَّع من حدسه حتى وصل إلى تيار جمالي خفي يُغذي الحقل السينمائي. دون أي دعاية، شرع كلٌّ من «لا بوانت كورت» و«رحلة إلى إيطاليا» في رحلتين مُتوازيتَين غير متوقعتَين عام ١٩٥٤ ساحبَيْن السينما (والمشاهدِين الجريئِين) من ورائهما تجاه لقاء مع مستقبل الفن. يتضمَّن كل فيلم رحلة حقيقية يقوم بها زوجان لطيفان، لكنهما غير سعيدَيْن، في قلب مجتمع تقليدي على البحر المتوسط (اختارت فاردا بلدة سيت التي تُشتَهر بصيد الأسماك، واختار روسيليني نابولي). ورغم أن هذا غير مفهوم تقريبًا للأبطال وغريب تمامًا عن المشاهد، فإن هذه الجماعات الاجتماعية تمتلك زمانًا (يعيشون بسرعة) على الضد من حس السائحين، ومنهم السينما وجمهورها. يُصبح الاحتكاك الناتج من التقاء أسلوبي حياة مضجرًا، ثم يزيد من حرارة الدراما لدرجة الالتهاب؛ حيث يحيط «طول أمد» الثقافات المتكاملة (العمل وتناول الطعام، والمواليد والوفيات، والطقوس والمهرجانات) بالأزمات التافهة للحياة الحديثة للطبقة المتوسطة، ويَتجاوزها، وهي الأزمات المُعبَّر عنها بالملل الذي يأكل الالتزام بالعلاقة الزوجية.8 باستخدام «الحداثي» و«التقليدي» ليُوضِّح بعضهما بعضًا، يقترب روسيليني وفاردا من الإثنوغرافية المزدوَجة التي كان جون روش بدأ يَعتنقها آنَذاك. تدفع «الوثائقيات التشاركية» التي أنتجها روش ثقافتين معًا من أجل إضاءة الجوانب الخفية لكل ثقافة، والقيام بهذا دون السماح لأيٍّ منهما بالسيطرة على الأخرى.9 استمتَعَ بازان الذي كان يتتبَّع دومًا مشروعات روش منذ مهرجان بياريتز بمثل هذه الاستكشافات حيث كان على السينما أن تُكابِد موضوعًا عصيًّا لدرجةٍ تجعله خارج نطاق صناعة الأفلام التقليدية.10
يبدو الآن الترتيب الزمني واضحًا، وكان واضحًا لبازان في ذلك الوقت: بين عامَي ١٩٣٩ و١٩٤١، أعلن مخرجان بُطوليان (رينوار، وويلز ابن الخامسة والعشرين) قطيعة عما هو «كلاسيكي» على نطاق واسع؛ وفي عام ١٩٥٤ وضع مُخرجان آخران (روسيليني، وفاردا ذات الخمسة والعشرين ربيعًا) معيارًا جديدًا لما هو «حداثي» في الموضوع، وفي نمط الإنتاج، وفي مخاطبة جمهور ناضج. كتب ريفيت في «كاييه» إن فيلم «رحلة إلى إيطاليا» «يشقُّ صدْعًا، ويجب على كل السينما المحتضَرة أن تجتازَه.»11 كانت تُحدِث هذا الانتقالَ إلى الحديث الواقعية الجديدة (في إيطاليا بالأساس) والأفلام الوثائقية القصيرة (في فرنسا بالأساس) التي اتخذت موضوعًا لها تجريد حياة ما بعد الحرب من الإنسانية، وفعلت هذا بكاميرا-قلم مطاوعة، يستخدمها فقط من يمكن أن نسميَهم «مخرجين أُصلاء». لتلخيص رؤية بازان، لم تُصبح السينما حديثة لأنها بلغت مرحلةً جديدة على مخطط بياني شكليٍّ للنمو، ولكن لأنها أدركت أنه كان بإمكانها هجر كل السيناريوهات التي وضعها لها كُتَّاب السيناريو في الاستوديوهات الكبرى، ووجب عليها ذلك، حتى تواجه تعقيدات عالم خارج جدران السينما. كان يجب على السينما حَرفيًّا أن تتغلَّب على نفسها لتُصبِح ذاتها، كان يجب عليها هجر خصوصيتها المزعومة من أجل الوصول إلى ما يَكمن وراءها في رواسب التاريخ (روسيليني)، أو الثقافة (رينيه) أو الحياة الداخلية (بريسون).

يجب تسمية نظرة بازان إلى الفنون والثقافة بأنها تطورية، لا بأنها ثورية. تمكن بازان، بمعاملة صُنوف الفن وأشكاله كلها كما يُعامِل علماءُ الأحياء الأنواعَ ذاتَ الصلة، من تصنيف السرعات والكثافات المختلفة للمجموعات اللانهائية من الأفلام التي كان مُصممًا على حفظها من النسيان. أتاح كتاب مارلو «سيكولوجية الفن» (نُشر بين عامي ١٩٤٧ و١٩٥١) لبازان إطارَ العمل اللازم. تتغير الظواهر الثقافية طبقًا لأنماط النمو الداخلية، ويُعاد تشكيلها في الوقت نفسه عبر الضغوط البيئية، فضلًا عن التمازُج بينها. ويستطيع المرء بسهولة أن يدركَ تأثير مالرو على مقالات مثل «تطوُّر أفلام الغرب» و«تطوُّر السينما الفرنسية» والأشهر بينها «تطوُّر لغة السينما». تَعتمد هذه المقالات جميعًا على صيغة من فرضية أن كل ثقافة وكل نوع من الفنون يمرُّ بمراحل، من البدائية إلى الكلاسيكية إلى التكلُّف، إلى التفسُّخ. كانت «السينما الحديثة» التي شعَر بازان بنشوئها من حوله مرحلة يُفتَرض أن تتطوَّر بقوة لفترةٍ ما قبل أن تتحوَّل حتمًا إلى التكلُّف في وقتٍ لاحق. وكما يوحي اسمها، فإن الحديث يستجيب للتاريخ مُخضعًا التطور المستقل للشكل الفني للهموم الراهنة. تُحافظ السينما أكثر مما تفعل الفنون الأخرى، على الإمساك باللحظة التاريخية دائمًا؛ لأن تكنولوجيتها تسجِّل ما أمامها، ولأن هذه التكنولوجيا تُرقَّى (تُحدَّث) باستمرار لتسمح بتمثيلات مواكبة للزمن. ولذا فإن السينما تتطوَّر بالتأكيد، ولكن على نحوٍ وثيق الصلة بالموضوع المتغيِّر.

من الموقع المُشرِف لعصرنا الحالي المتفسِّخ، يُميِّز أنطوان دو باك (وهو نفسه أحد نقاد مجلة «كاييه» الذي تربَّى على أعمال بازان) حداثات عدة كانت فاعلة في زمن بازان، وخصوصًا بعد موته مباشرة.12 عكفتُ على تحديد المرحلة الأولى فقط، حينما تتبَّع النقاد بعيدو النظر صناعَ الأفلام المغامرين الذين قدَّموا موضوعات غير مطروقة من خلال أشكال وأساليب خلَّاقة. حين قُدِّمت هذه الأفلام في معهد «السينماتيك» الفرنسي، وفي نوادي السينما ومسارح الفنون في خمسينيات القرن العشرين، حيث قُدِّمت هذه الأفلام، عُرِضت مجموعة منتقاةٌ من أعمالٍ أقدمَ على نحو دوري؛ لتوفِّر أساسًا متينًا للأعمال الحداثية. امتُدِح مورناو، ولانج، وفورد، وآيزنشتاين، وهوكس لتحويلهم العالم إلى شيء ساحر، شيء كان بالإمكان اختبار فاعليته في تجرِبة المُشاهَدة الجماعية في دار العرض. كان رومير هو صانع الذائقة الرئيسي في «كاييه» خلال خمسينيات القرن العشرين، ناشرًا سينما الكشف أكثر من سينما النقد. على الرغم من ذلك، بعد رحيل بازان، صار هذا الولَع بالسينما يستعد لمَهمة حداثية بطريقة أكثر ملاءَمة حدَّدها فيلما «هيروشيما حبي» و«العام الماضي في مارينباد». تحدَّى تجريب رينيه الشكلي (شبه الطليعي) الجماهيرَ، مثلما فعل جون دوبوفيه وروثكو في الرسم، أو بارتوك وبوليه في الموسيقى. كانت الصعوبة والرفض هما مقياس تقدم الفن في ستينيات القرن العشرين. يُصوِّر دو باك صراعًا في قلب «كاييه دو سينما» خلال هذا العقد، مركزًا على عام ١٩٦٣. على جانب، وقَف رومير وتروفو اللذان كانت السينما برأيهما تسمح للعالم بأن يُفاجئَنا. وعلى الجانب الآخر، كانت حداثة جودار وكذلك ريفيت على وجه الخصوص، اللذَيْن أكَّدا أهمية النقد الثقافي والسياسي. تولى ريفيت رئاسة تحرير المجلة من رومير، مُبديًا انتقالًا نحو بريخت ورولان بارت، ولم يمرَّ وقت طويل حتى حدث انتقال إلى المذهبين السيميائي والبنيوي. لكن «كاييه»، خلال تلك الفترة وفيما بعدها، التي شهدت انتقالات أكثر جذرية، احتفظت بهوسها بالأسلوب، وبفكرة «الكاميرا-القلم».
تُثير التصورات التطورية للسينما (والفن والثقافة كذلك) أسئلة حول العلاقات العائمة بين مصطلحات مثل كلاسيكي وحداثي وطلائعي.13 تظهر علامة الاستفهام في آخر عنوان كتاب بازان «ما هي السينما؟» من جديد لتؤكِّد عنوان كتاب دومينيك بايني الصادر عام ١٩٩٥ «السينما، فن حديث؟» وعنوان كتاب جاك أومو الصادر عام ٢٠٠٧ «حديث؟» ربما كانت السينما دائمًا مُرتبطة بما هو حديث، لكن الحداثة بحكم تعريفها تستمر في التغيُّر، على نحوٍ يُخلُّ بهذه العلاقة. يعترف هذان الكتابان الحديثان بحقيقة تسمية السينما المُستمرة لنفسها بأنها الفن الحديث بامتياز، لكن بينما يتجشَّمان عناء التحديد والتأريخ لنُسخ عدَّة من «السينما الحديثة»، فإنهما يُدركان أن لحظة ما بعد الحرب كانت لحظة مميَّزة. شعرت السينما في تلك الفترة — إن كان هذا حدث في أي وقت — أنها كانت كُفئًا لمَهمة تمثيل ما كان في الواقع هو المشهد الأوروبي الاجتماعي والاقتصادي السريع التحول. جعلت المعتقداتُ الجديدة، والأعرافُ الجديدة، والتكنولوجياتُ الجديدة، وسرعةُ التبادل المرفوعة — السينما أكثرَ الفنون عصرية وأهمية من الناحية الثقافية. لكن هذا نادرًا ما يَعني أنها كانت تقف دائمًا بمفردها؛ فكما رأينا، آمن بازان بأهميتها وقدرتها على أن تكون مرتبطة ارتباطًا تعايُشيًّا مع الثقافة التي تَشتبك معها، وهي ثقافة متاحة على نحوٍ أشد تعقيدًا من خلال الفنون الأخرى، خاصة الرسم والأدب.

نشوء السينما

الواقع أن هناك بازانين: بازان مؤلِّف مقال «أنطولوجيا الصورة الفوتوغرافية» الذي أسس تاريخًا لواقعية السينما — من زمن ستروهايم، ومرورًا برينوار، إلى الواقعية الجديدة — وبازان مؤلف مقال «من أجل سينما مَشوبة» الذي يَدعم سينما حداثية. يُعَد الأول محليًّا كما لو كان بازان مدافعًا عن نمط سياسة معَّين. اختلفتْ أنيت ميشيلسون في مراجعتها الفَطِنة، وإن كانت سلبية، لكتاب «ما هي السينما؟» مع ميله للأسلوب الواقعي؛ لأنها هي نفسها دافعت عن تقليد راسخ في المدرسة السوفييتية وفي الطليعة التاريخية. كتبت ميشيلسون إن بازان ربما ناصر سينما حديثة، لكن جمالياته كانت مضادَّة للحداثة.14 حيثما امتدَح روسيليني بالربط بينه وبين الروية الأمريكية (فوكنر، ودوس باسوس)، فضَّلت ميشيلسون آيزنشتاين، واستطاعَت الربط بينه وبين كاتب أكثر جذرية، وهو جيمس جويس! ربما دعم بازان «طليعة جديدة»، لكنه فشل، كما رأينا، في تقدير «الطليعة التاريخية» (البنائية) أو الاعتراف بالطليعة الحقيقية لعصر ما بعد الحرب (وعلى رأسها ستان براكيج). تتساءل ميشيلسون ماذا كان بازان سيقول عن أفلام جودار التي لم يتمكَّن من مشاهدتها؟ كانت ميشيلسون أول كاتبة بالإنجليزية تنتقد بازان. بعد مرور عشرين عامًا على نقد ميشيلسون لبازان، أثار نويل كارول المسألة نفسها بمزيد من العمومية: إذا كان جوهر السينما ينبع من الواقعية المتأصِّلة في تكوينها الفوتوغرافي، فلا بد أن بازان يصنف الأفلام طبقًا لدرجة من الواقع تحطُّ من شأن قطاعات إنتاج كاملة، بل ويَستبعدها.15 لكن أي شخص يقرأ بتعمُّق في مقالاته التي تُعدُّ بالمئات سيجد بدلًا من هذا اﻟ «بازان الجوهراني» ناقدًا أكثر توافُقًا مع التاريخ، ظهرت بالتدريج قيمه الأكثر تعقيدًا وتنوعًا، مع امتداد رؤيته فيما وراء الواقعية الجديدة. هذا البازان الثاني آمن بأن «وجود السينما يسبق جوهرها»؛ شاهد تضحية الوسيط السينمائي بتصوره الذاتي النقي في مواجهاته المتنوِّعة، واحتفى بذلك. ولعلنا نقول إن بازان في بداياته، بازان الذي صاغ مقال «أنطولوجيا الصورة الفوتوغرافية» عام ١٩٤٥، كان يهتمُّ بقدر أكبر بالدالِّ. أما بازان فيما بعدُ، الذي عزز رؤاه في مقال «من أجل سينما مشوبة» عام ١٩٥٢، فكان يهتم بقدر أكبر بالمدلول. اسمحوا لي أن أسمِّيَ المقال الأخير «مقال النشوء»، حتى نضع هذين البازانين في إطار واحد؛ مثل بعض لوحات بيكاسو التي تَعرض لك صورة فنية لوجهٍ بمقدمته وجانبه في آنٍ واحد.

في الحقيقة، ينتهي مقال «أنطولوجيا الصورة» بملحوظة شهيرة تشير إلى المرحلة الثانية من تطور بازان: هذه الجملة المفردة «السينما أيضًا لغة» تقلب المزاعم الضخمة بشأن التصوير الخام، الذي ربما يكون ضروريًّا للسينما، لكنه غير كافٍ لتفسير الظاهرة الكاملة التي يهتمُّ بها بازان. اليوم، ربما كان بازان سيقول إن التصوير يُسهم إسهامًا جوهريًّا في الحمض النووي للسينما. لكن ماذا عن نمو السينما الاجتماعي، وهُويتها التاريخية، أثناءَ تكيُّفها مع الأدوار التي يُطلب منها أن تقومَ بها؟ ربما يعتمد كتاب «ما هي السينما؟» على القوة النفسية الأولية للواقعية التصويرية، لكن «القيمة» الفعلية للسينما مشكَّلة تاريخيًّا؛ لأن حقيقة أن «السينما أيضًا لغة» تَعني أنها تتطور داخل نطاق من الخطاب الثقافي.

ما الذي كان يشغل بال بازان حينما أنهى أشهَر مقالاته بهذه الفقرة القصيرة؟ الواقع أن هذه الجملة لا تظهر في المقال الأصلي الذي نشر عام ١٩٤٥، لكنها أضيفت لاحقًا ضمن كثير من التعديلات التي أدخلها حين كان يجمع نصوصه في عام ١٩٥٨. بقراءة هذه الجملة في سياق كتابه «ما هي السينما؟»، فإنها تفعل ما هو أكثر من جذب الخيط الذي يَكشف مقولة معقدة في مقال واحد، وتُغيِّر العدسات بدلًا من ذلك، مُتسبِّبة في إبعاد هدف النقاش، وهو السينما التصويرية، ليُرى ببعد آخر. ورغم أن مقال «الأنطولوجيا» يبقى مقالًا أساسيًّا، فهو لا يعمل في عام ١٩٥٨ عمل إشارة البدء في مسيرة ناشئة، ولكنه «حجر الزاوية» (كما سماه رومير) الداعم لأكثر من خمسين قطعةً جمعها بازان في بِناء ضخم من أربعة مجلدات في نهاية مسيرته المهنية. عاش بازان ليرى فقط مسوَّدة المجلد الأول الذي وضع له عنوانًا فرعيًّا هو «الأنطولوجيا واللغة». لذا فإن الجملة الأخيرة المثيرة للاهتمام التي تُقحم «اللغة» على نحو غير ذي صلة في نقاش «الأنطولوجيا» تبدو قرارًا حصيفًا من بازان — المحرر — لصنع استمرارية منطقية في مجلد يحتوي على ثلاثة فصول مختلفة تمامًا.

الآن، دعونا ننتقل للإصدار الثاني من «ما هي السينما؟» الذي أعدَّه بازان لكنه لم يرَه. هذا الإصدار المعنون «السينما والفنون الأخرى» الذي يُفتتح بجملة «من أجل سينما مشوبة»، يُعتبر أكثر معالجاته دقَّة للتواؤم الأدبي. هنا لا تُدرَس السينما بالنظر إلى الداخل لتكوينها الخلوي، ولكن بالنظر إلى الخارج لمكانها بالنسبة إلى الفنون الأخرى المحيطة بها. هل يجب أن تتَّخذ موقعها في منطقة خالية لم يحتلَّها أيُّ نوع من الفنون قبلَها، أم يجب عليها أن تتواطأ معها في منطقة ثقافية شائكة؟

لم يشعر بازان بأي تضاد في هذَين الاتجاهين لتفكيره. مثل أي شكل حي، يجب على السينما التكيُّف مع الظروف المحيطة بها، مُضحية بهويتها الذاتية المُفترضة (أي وجودها) وهي تنضج بالشكل الذي تتَّخذه عبر التاريخ (أي تواؤمها). خلال هذا، تكتسب السينما انتماءات ووظائف، كما يفعل البشر تمامًا. ربما يمتلك صبي في السادسة عشرة ميولًا معيَّنة وشخصية فطرية، لكن بعد العمل على سفينة لعشرين عامًا، على سبيل المثال، أو في الجيش، أو نحَّاتًا، وبعد تجرِبته للزواج وانخراطه في الدين والسياسة، ماذا سنقولُ عنه؟ ربما لم يفقد شخصيته التشكيلية والأصلية، لكنه نضج من خلال التواؤم. في أفضل الأحوال، وباستخدام جملة لستيفان مالارميه كان بازان يحبها، فإن الوظائف والانتماءات إنما تغير السينما من داخلها: «إن الأشياء تتغيَّر لما يُفتَرض أن تكونَ عليه فقط بعد أن تصبح ما هي عليه.»

كان برفقة بازان في مجلة «إسبري» بول ريكور الذي قال: «إن الفلسفة بسيطة للغاية حقًّا. فهناك مشكلتان فقط: الفرد والمتعدِّد، والشيء نفسه والآخر.»16 كلتا المشكلتَين تظهران في مسألة المواءمة. يَعتمد ما «يكونه» الفرد على الآخرين الذين يتعامل معهم؛ لأن الرهانات والوعود التي يُراكمها المرء تحفظ هويته حتى حينما يبدو أن كل شيء يتطور في حياته. وهكذا أيضًا «ما تكونه السينما» يتغيَّر خلال مسيرتها. ربما كانت الواقعية مهمة لتطور الحداثة السينمائية بعد الحرب مباشرة، لكن عَقد الخمسينيات جلب اهتمامات أخرى، اهتمامات ثقافية مرتبطة بفنون أخرى في مراحلها الحداثية المثلى. في هذا السياق، نظَّر بازان لتنوع الوسيط السينمائي و«لا نقائه» ومدحهما. مهد بازان المشهد لحدوث التضاد بين مقالي «الأنطولوجيا» و«النشوء» حينما سبق أن خطط عام ١٩٥٨ ليجعلهما في مستهلِّ الجزأين الأول والثاني، على التوالي، من أعماله المجمَّعة. احتل هذان المقالان موقعًا رئيسيًّا ضمن أعماله، حيث كان كلاهما قد تبلوَر منذ أكثر من عام، وظهر في مؤلفات جماعية نخبوية موجهة للقراء ذوي التأهيل العلمي العالي.
انتقلت اهتمامات بازان من الواقعية إلى التواؤم، ومن الوجود إلى التاريخ في لحظة يُمكننا تحديدها. يُمكن تتبع نقطة تحوُّل بازان إلى عام ١٩٤٨، بفحص مقالاته التي نُشِرت في مجلة «إسبري»، وهي الكيان الكاثوليكي اليساري الذي شعر فيه بازان بالألفة إلى أبعد حد. في يناير من ذلك العام، ظهر مقال «الواقعية السينماتوغرافية ومدرسة التحرر الإيطالية»، بينما ظهر في شهر يوليو مقال «الاقتباس أو السينما بوصفها خلاصة». صحيح أن مقال الواقعية الجديدة يحوي قسمًا يتحدث عن جماليات الرواية الأمريكية المعاصرة، وهو شيء تعلمه بازان من الأديبة الفرنسية كلود-إدموند مانييه، زميلته في «إسبري»،17 لكن «السينما بوصفها خلاصة» هو بحث أكثر منهجية عن مكان السينما بين الفنون الأخرى، يفتح لبازان نهجًا اجتماعيًّا في البحث. بكتابة المقال بجمل اصطلاحية تليق بدراسات الثقافة الأولية، فإنه يحتفي بالصنعة أكثر من الأصالة، كما فعل وولتر بنيامين في مقال «الراوي». يقول بازان إن الراديو والسينما يعيدانِنا إلى التكاثر الصحي للخرافات، والأساطير، والحكايات الخصبة كما كان عليه الحال في العصور الوسطى. أيُّ سرد هو بناء عقلي غير مادي يتكوَّن من شخصيات في مواقف؛ وبينما قد نبجِّل المؤلف الذي منح جسدًا ماديًّا لهذا البناء، لهذه الرُّوح، للمرة الأولى أو بأحذق طريقة؛ فإن نشره (في لغات أخرى، ووسائط أخرى، أو حتى اختصاره إلى مجرَّد خلاصة) يَسمح له بامتداد ثقافي كامل.

اتجه بازان نحو مسائل الاقتباس خلال وقت كان يمرُّ فيه بأزمة شخصية. في عام ١٩٤٩، انخرط بازان، ككل الأوروبيين الغربيِّين، في نقاشات مُرهِقة عن ستالين ومشروع مارشال. وكان ذلك العام كذلك هو العام الذي دخَل فيه المستشفى بسبب إصابته بالسل، ثم انتقل إلى مَصحَّة خارج باريس، واستقرَّ أخيرًا في بيت في الضواحي يُمكنه فيه انتقاء نشاطاته. وبعد تحرُّره من التزامه بكتابة مراجعات يومية في عام ١٩٥٠، وتحرُّره من التوترات السياسية التي زادت حِدَّتها بعد التدخُّل العسكري في كوريا، انخفَض كثيرًا عدد المقالات التي كان يكتبها، ووجد الفراغ لتجميع أفكاره المُبعثَرة عن صلة السينما بالفنون الأخرى. وفي ضوء ارتياده دور العرض السينمائي بصورة أقل، فقد مال إلى مُشاهَدة كل الأعمال السينمائية المقتبَسة الشهيرة، بينما قلَّت مُشاهدته للوثائقيات والأفلام الروائية الطويلة الأجنبية التي سبق أن غذَّت أفكاره عن الواقعية. ربما بسبب هذه الحِمْية السينمائية، وبسبب نقاشاته مع رفاقه الأكثر تحفُّظًا خلال تأسيس مجلتَي «كاييه دو سينما» (عام ١٩٥١)، و«الراديو – السينما – التليفزيون» (عام ١٩٥٠)، تأمل بازان في الجماليات بقدر تأمله في الموضوعات الاجتماعية التي تُثيرها المواءمة. هنا تحلُّ كلمة «الأمانة» محل «الخلاصة» بوصفها الكلمة المُختلَف عليها.

أرسل بازان من مسكنه البعيد، تحليله المفصل والدقيق لفيلم بريسون «يوميات قس في الأرياف» ليُنشر في العدد الثالث من «كاييه دو سينما». نُشر للجمهور بالتزامن مع صدور مقال «المسرح والسينما: الجزء الأول» في مجلة «إسبري». كان كلا جزئَي المقال الأخير منشورين في أعداد تتضمَّن مقالات كتبها ريكور، وكذلك عبارات رئيسية بقلم رئيس تحرير «إسبري» الجديد، ألبير بيجوين.18 لا بد أن بازان أعدَّ مقالَ «المسرح والسينما» بدقة شديدة، موجهًا إياه لجمهور متعلِّم، كرَّس وقته للفنون الجادة. وفي العام التالي، استهدف مقالُ «من أجل سينما مَشوبة»، الموجهُ كذلك إلى النخبة، أن يوضِّح للمرة الأخيرة وعلى نحو حاسم، أن السينما هي الوريث للإرث والوظيفة الأدبيين.

لم يكن بازان يدري أن معضلة «لا نقاء» السينما الأساسية قد نُوقشت في اليابان على نحو مفيد. هناك، قبل عام ١٩٢٠ وبعده مباشرة، كان هناك شيء يُسمى صراحة «حركة الأفلام النقية»، وكانت تهدف للانقلاب على النموذج المسرحي الذي يُسخِّف من السينما الذي كان يَتبعه المُنتجون في اليابان من البداية. كانت كلمة «نقية» تعني «سينمائية»: الفيلم السينمائي الخالص يتكشَّف للجمهور دون تعليق صوتي مصاحِب من قِبَل «بِنْشي» (معلق على فيلم صامت)، وبلا فواصل مُعنونة؛ حيث يجب تصوير الصور ووضعها في تتابع بطريقة تُطوِّر القصص وتولِّد المشاعر بذاتها. ومما يُثير الاندهاش، أن هذه الحركة كان يدفعها الروائيون، ومما يُثير الاندهاش بالقدر نفسه، بل التناقض، أن هؤلاء المُتعلمين سعَوْا لوضع السينما اليابانية على الخريطة بتقليد النماذج الغربية. لذا فإن مستقبل السينما اليابانية كان يُراد له أن يكون نقيًّا، ويابانيًّا على نحو نقي، ولكن فقط بمجهود الروائيين والأفكار الأوروبية.

بعد فَناء تلك الحركة، كما يبدو، أُنجزت أفكارها على نحو كبير في «فيلم نقي» شهير عام ١٩٢٦ باسم «صفحة من الجنون» («إ بيدج أوف مادنس») وهو تجميع لصور ذهنية تتوالى بلا تفسير.19 على نحو عَرَضي، هذه «الصفحة» كتبها أحد أفضل كُتاب النثر في القرن العشرين، أحرز جائزة نوبل لاحقًا، وهو ياسوناري كاواباتا. هل أدرك أيُّ شخص المفارقة التي تَدين بها شخصية الفيلم السينمائي على نحوٍ خالص لكاتب شهير ولصفحات من سيناريو عُرضت على الشاشة؟ هذا بالضبط هو نوع الديناميات التي عرف بازان بعد ذلك بخمسة وعشرين عامًا كيف يسجِّلها ويبدأ بقياسها؛ وكان من شأنه أن يمتدح كذلك استعداد السينما (التي كانت لا تزال ناشئة) لأن تَرث وظيفة «الرواية»، بما قد يسمح للأدب باتخاذ أنماط ومهمات أخرى. الواقع أنه كان يعتقد أنه ليس هناك سبب لإنكار فضل ثقافة تختلط فيها معظم الأعمال ومعظم الوسائط بقدر كبير.
والواقع أن «صفحة من الجنون» الذي ظهر قبل فيلم «مغنِّي الجاز» («ذا جاز سينجر»؛ كروسلاند، ١٩٢٧) بعام واحد، أوضح أنه يُمكن للسينما المضي في المستقبل بصحبة الصوت واللغة خاصة، على نحوٍ ما. رأينا أن روجيه لينارت كان أول ناقد سينمائي يُشير إلى فعالية الشكل الهجين عندما جرؤ على تدنيس نقاء «الصور الشفافة» الثمين لصالح الكتل الصلبة من الصوت والصورة التي كان سعيدًا بتسميتها «لقطات» عن طيب خاطر. ومن هنا خرج للنور نمط الفكر الذي أدَّى لظهور بازان و«كاييه دو سينما». اجتذب لينارت إعجاب إريك رومير وتلامذته الشباب خصوصًا: «لقد وصلنا تقريبًا إلى النقطة التي نتَّخذ فيها شعارًا لنا تفضيل … روجيه لينارت … للأفلام التي يُمكن للمرء أن يقول عنها: «هذه ليست سينما.»»20 دعَم كلا الرجلَين السينما بوصفها فنَّ الواقع، الموضوع في اتجاه مضاد لما يُسمَّى «الفنون الجميلة». وكما ستُوضِّحه بجلاء مسيرة رومير لاحقًا، فما من شيء يمكن أن يكون شيء أكثر سينمائية من البشر الذين يتحدَّث بعضهم إلى بعض في لقطة سينمائية مقرَّبة. نادرًا ما يُضيف رومير موسيقى، أو مؤثِّرات صوتية، أو زينة تصويرية لأفلامه. ينبثق الجمال — وهذا ما كان رومير ينشده بصراحة — من الناس والأشياء كما يُصوَّرون ويشاهَدون، وليس من البناء الفني للصورة. في يونيو ١٩٤٩، كتب في صحيفة «كومبا»:
دعوا أولئك الذين ما زالوا ينعَوْن خسارة نقاء [سينمائي] مُتخيَّل يفعلون ما يشاءون بهذا السر: بتجريدها من أكثر القوى الاعتيادية للتعبير، وهي اللغة، فإن الشخصيات في الأفلام الصامتة أجادت صنع طريقة مثالية لإدخالنا في قلوبهم. أصبح كل شيء علامة أو رمزًا. وبشعور المُشاهد بالإطراء بامتداحهم لذكائه، عمِل المُشاهد على أن يفهم ونسيَ أن يرى. أما الآن، فينبغي على الشاشة، وقد تحرَّرتْ من هذه المهمة الدخيلة منذ ابتكار السينما الناطقة، الرجوع إلى دورها الحقيقي، وهو أن تعرِض، لا أن تُلقِّن. في الأفلام الناطقة، المظهر هو الروح، وهو يضفي على نفسه جوهر عالم داخلي، عالم هو فيه التجسد، وليس العلامة.21
في الشهر نفسه، في مجلة «لي توم مودرن»، أنقص رومير من قدر التماس الدلالة من خلال «مطاوعة الصورة أو طقوس التحرير»؛ لأن هذا يتبنى مهمة تنتمي بشكل ملائم للرسم والموسيقى والشعر. أما السينما، التي لا تؤسَّس على تجريدات الصورة، ولكن على كثافة اللقطات، فينبغي أن تستعير «من الفن الوحيد الذي هو، مثل السينما، تنسيق لعناصر المشهد وكتابة في آنٍ واحد، وهو الرواية. ومثل بلزاك أو دوستويفسكي، اللذَين يُثبِت احتقارهما لتنقية التعبيرات أن الرواية لا تُكتَب بالكلمات ولكن بكائنات وأشياءَ من العالم؛ فالمُخرج-الكاتب المستقبلي سيعرف فرحة العثور على أسلوبه داخل نسيج العالم الواقعي.»22 يتَّخذ رومير على سبيل المثال فيلمَين كان من المقرر عرضهما في الشهر التالي في «مهرجان الأفلام المنبوذة»، وهما فيلم ويلز «آل أمبرسون الأجلَّاء»، وفيلم بريسون «سيدات غابة بولونيا»، وكلاهما مُستمَدٌّ من رواية. في كلا المثالين، يستوعب أسلوبٌ سينمائي مُنضبط (بمعنى يشمل) ما يُمكن أن يُعرَف جزئيًّا فقط: التباسات اللغة، والخواص الخفية للأشياء والشخصيات، والطبيعة التعبيرية لمسرح الحدث. يرى المشاهد مباشرة ما التقطته هذه الأفلام، حتى لو ظل الكثير خفيًّا؛ لأنه باطني أو خارج المشهد.
ستُترك لبازان مهمة تحديد ما صاغه رومير على نحو تجريدي للغاية، وفعل هذا أيضًا فيما يتعلَّق بفيلم «سيدات غابة بولونيا» لبريسون. في جملة أبرزها مترجمه حينما قدَّم بازان لأول مرة إلى قراء الإنجليزية، كتب بازان إن بريسون وصل لذروة التعبير السينمائي في مشهدٍ «كان صوت ممسحة زجاج سيارة على خلفية صفحة أحد أعمال ديدرو هو كل ما يلزم لتحويله إلى حوار يشبه مسرحيات راسين.»23 يقول بازان إن الأصوات المحيطية تُضاد الدراما المنطوقة، مشتِّتة انتباهنا، بل إنهما يتنافسان على انتباهنا. مثل هذه الأصوات، المفارِقة لزمن حكاية ديدرو التي هي أساس الحبكة، والتي تتقاطع أغراضها من الناحية الجمالية مع مواءمة ترتقي إلى تجريد التراجيديا الكلاسيكية، هي «أجسام أجنبية مُحايدة مثل حبة رمل تدخل آلة وتعطلها.»24 مثل هذا «التعطُّل» في الأدب الذي تُحدثه تكنولوجيا السينما ربما يبدو أنه يُدنِّس كلا الوسيطَين؛ ومع ذلك، اعتبر بازان أن هذا «كما يؤكد الغبار شفافية الماس» هو «اللانقاء في أنقى صوره»، حالة سامية للسينما أيًّا ما قد تَكُنْه السينما.
لذا، في عام ١٩٥٣، حين رفع كثير من المساهمين في كتاب «سبع سنوات من السينما الفرنسية» قدر بريسون بوصفه طلائعيًّا لا يُساوِم — ومُخرج فرنسا الرائد في فترة ما بعد الحرب — لم يفعلوا هذا على الرغم من حقيقة أنه كان يَقتبس الروايات، ولكن بسبب هذه الحقيقة.25 برَزت كلمات الموديلات البشرية التي تجسِّد تصميم الرواية، وإيماءاتُهم في مسرح الحدث المادي؛ وهذا هو أساس «التصوير السينمائي» عند بريسون. كان بازان متأكِّدًا أن هذا يفعل أكثر من مجرَّد تحديث الرواية؛ فهو يُسكِن ما هو أدبي في العالم. ربما توجد الكتب في المكتبات، لكن «ما هو أدبي» يوجد فقط في صورة كتابة وقراءة في الفضاء الذهني أو الرُّوحي. يُمكِن أن تَنفتِح السينما على هذا الفضاء وتكوُّن الأفضل له.

استنتج بازان هذه الأفكار بينما كان فرانسوا تروفو يعيش في منزله. وبما أن الشاب المتحمِّس للسينما يَحمل هذا الشغف بالروايات، وذلك البغض للحالة السائدة للسينما الفرنسية، فقد كان حتميًّا أن يُناقشا المواءمة الأدبية. في العدد الحادي والثلاثين من «كاييه دو سينما» بتاريخ يناير ١٩٥٤، على خلفية الأيام المُملَّة الخالية من الأحداث للجمهورية الرابعة، ظهر مقال تروفو الانفعالي النابع من هذه المحادثات تحت عنوان «نزعة سائدة في السينما الفرنسية». وفيما يمكن رؤيته على أنه بدايات انقلاب للسيطرة على السينما الفرنسية، عصف مقال تروفو بأسس مؤسَّسة السينما، وأثار صرخة غضب وألم فورية ردًّا عليه. يُمكنكم الشعور بهذا في المِزاج اللاذع للمقال، حتى بعد أن لطفه مُحرِّرا المجلة اليقظان، بازان ودونيول فالكروز. بالنظر للماضي، تتجلى كراهية «كاييه» تجاه المسئولين عن صحة فرنسا السينماتوغرافية من العدد الأول في عام ١٩٥١، لكن لم يتوقع أحدٌ القسوة الصريحة التي كانت تُميِّز «نزعة سائدة في السينما الفرنسية»، وهو مقال إرهابي مصمَّم للتشويه والإهانة، وليس لتغيير السلوك من خلال كياسة النقد الخالص.

مع ادِّخار بريسون لوقت اللزوم، هاجم تروفو بجرأة معقل السينما الفرنسية، قلعة «الأدب». في أول اتهام يوجهه لها، ادعى تروفو أن عشرات من المُخرجين وثلة من كتَّاب السيناريو المسيطرين على السينما الفرنسية خانوا تطلُّعات الشكل الفني لأنهم من البداية خانوا التقليد الأدبي الذي يُفترَض أنهم رأَوا أنفسهم يتطوَّرون منه. حقًّا، ازدهرت «سينما الجودة» على أساس اقتباسات لروايات كتبها زولا وستيندال وبلزاك وفلوبير وجيد وراديجيه وكوليت. حتى تلك الإنتاجات التي كانت رسميًّا «سيناريوهات أصلية» يمكن القول إنها كانت تعرض الحوار الأدبي، وذلك النوع المنحوت بعناية من مواقع التصوير والأزياء والتمثيل، الذي كان الفرنسيون يقرنونه بالذوق الرفيع. لكن تصوُّر الأدب الذي يُعززه «أسلوب الجودة» كان في نظر «كاييه دو سينما» صبيانيًّا، ومتملقًا، ومدمرًا لكلا الوسيطين الأدبي والسينمائي. كتب تروفو: «لا أعتبر أي اقتباسٍ ذا قيمة إلا حينما يكتبه «رجل سينما». أورونش وبوس (وهما كاتبا السيناريو اللذان كانا مهندسَي الطريقة الكلاسيكية) أديبان من حيث الأساس، وألومهما هنا على ازدرائهما للسينما ببخسِ حقها. هما يتصرفان، فيما يتعلق بالسيناريو، كما لو كانا يُعيدان تأديب شابٍّ جانح بالعثور على وظيفة له.»

كان من السهل لتروفو السخرية من ذرائع هذا الأسلوب، وكان من الأسهل له إثبات أن هذه «الاقتباسات» زائفة. ففي النهاية، كيف أمكن لفيلم جون ديلانوي «السيمفونية الرعوية» («لا سيمفوني باستورال»، ١٩٤٦) المُقتبس من رواية أندريه جيد القصيرة الرائعة في القرن التاسع عشر أن يَخرج للنور مشابهًا تمامًا فيلم كريستيان جاك «بيت مستأجر في بارما» («لا شارتوز دو بارما»، ١٩٤٨) المُقتبَس من رواية ستيندال المستفيضة؟ اختزَلت عمليةٌ صناعيةٌ ما هذه المصادر الأدبية المختلفة إلى تمثيلات سينمائية مُحايدة. هاجم تروفو مهارة الكتاب إلى جانب العمل الذليل الروتيني لمُخرِجين شبه تِجاريِّين كانوا راضين عن تقديم ما اختُزل إلى نصوص سينمائية تقليدية، وشغلها بمُمثِّلين معروفين حَسَني التأنُّق.

رغم أنه لم يستخدم هذا المُصطلَح في وقته، كان ترفو يهدف للترويج ﻟ «أسلوب كتابة» سينمائي قوي. ربما كان «نظام الجودة» يُمنِّي نفسه بأنه الوريث المباشر لمؤسسة الأدب الجليلة، لكن، بوصفه هو نفسه مؤسسة، مؤسسة مُتعجرِفة، فقد أسهم في تثبيط طاقة الكتابة الحقيقية وإبداعيتها؛ ولا شيء سوى جهد كتابي مميَّز يجعل عملًا أدبيًّا جديرًا بالاقتباس في المقام الأول. انتقل ولاء تروفو إلى سينمائيين أفراد كان فخورًا بتسميتهم «مخرجين أُصَلاء»؛ مثل: جون رينوار وجاك تاتي وجون كوكتو، وخصوصًا روبير بريسون، وهم الذين كانت صناعة الأفلام من وجهة نظرهم رمزًا ماديًّا للكتابة.

أوضح بازان هذه النقطة بعينها إذ نشر مقال «من أجل سينما مشوبة»، وكرَّرها عام ١٩٥٨ في مساهمته في عدد خاص بعنوان «الفيلم والرواية» من مجلة «لا ريفيو دي لتر مودرن» التي تبدأ ﺑ «الموقف النقدي» الذي اتخذه:
ربما لا يكون الأمر الجوهري أن يكون الفيلم «مُخلصًا» على نحو صارم للرواية. ما يمكن للأدب بالفعل أن يَجلبه للسينما ليس مستودعًا للموضوعات المهمة بقدر ما هو إحساس بماهية «الحكي». وما يهم هو فصل الفيلم عن «المشاهدة» حتى يُمكنه في النهاية التواصُل مع «الكتابة». من وجهة النظر هذه، ليست أعمال مثل «السيد ريبوا» («مسيو ريبوا»)، أو «الستارة القرمزية» («لا ريدو كراموازي») … أو «صباح الخير أيتها التعاسة» («بونجور تريستيس») الذي صدر مؤخرًا، قصصًا «ممثَّلة» [تصميم مشاهد]، ولكنها أعمال «مكتوبة» بالكاميرا والمُمثلين. وسواء أكانت تتضمَّن اقتباسات أم لا، فمن الواضح أنه، بهذا المعنى، يَنبغي أن ننتظر ونأمل الإحلال الأصيل للسينما محل الرواية.26

قبل أن يَختتم تروفو مقاله، ولكي يهزم العدو، أشهر سلاحه، فيلم «يوميات قس في الأرياف»، أفضل اقتباس عرفه، وهو اقتباس حافل بأمثلة تعبيرية رائعة للكتابة السينمائية. أبرز تروفو مشهد الاعتراف، الشهير في فيلم بريسون؛ حيث لم يغير بريسون الحوار ولا السياق؛ بدلًا من ذلك، مرَّر تيارًا سينمائيًّا قويًّا لشحن ما هو في الكتاب بالفعل: شخصية تخرج بالتدريج من الظل، تلمع عيناها بتحدٍّ وغضب. في السيناريو الذي سبق أن عرضه بيير بوس في البداية على بيرنانوس، عولج هذا المشهد نفسه بكامله، وحُوِّل إلى فرجة. ربما كانت نسخة «الجودة» ذات طابع «سينمائي» للغاية، لكنها لم تكن معبِّرة عن برنانوس ولا سينما حقيقية؛ ولذا رُفِض كما يُوضِّح تروفو شامتًا. بمصطلحات سارتر حينئذ، كانت نسخة بريسون «أصيلة» بينما كانت نسخة بوس زائفة بوضوح.

أصبح مقال تروفو فورًا معيارًا للإخراج الأصيل المتوثِّب الذي ميَّز ثقافة السينما الفرنسية لما تبقى من عَقد الخمسينيات وخلال عهد «الموجة الجديدة». انتزعت الحداثة السينمائية، باتخاذها من «الكاميرا-القلم» مجازًا تعريفيًّا لها، السلطة من أيدي كتاب السيناريو ومنتجي الاستوديوهات، ونقلتها إلى أيدي السينمائيين. كان التوقيت مثاليًّا؛ لأنه في تلك اللحظة بالتحديد، أصبحت أولوية «المخرَج الأصيل» (auteur) مركز النقاشات التي كانت تُعقد في نوادي السينما والمجلات. وبتحوُّلها إلى عقيدة تقريبًا في «كاييه»، بدت سياسة المخرج الأصيل ضرورية من أجل نضج الشكل الفني. وإذ كان جودار يكتب مثل تروفو في الدوريتين نفسيهما — «كاييه دو سينما» و«آرت» — فإنه رفع مُخرجَيه المفضلَين على أكتاف كتَّاب عظماء (فيلم نيكولاس راي ««انتصار بطعم الهزيمة» [بِتَر فيكتوري] هو أشبه بفيلم «فلهلم مايستر» (١٩٥٨) … أكثر الأفلام المصبوغة بروح جوته»، وجوزيف مانكيفيتس هو إعادة تجسيد لجون جيرودو … إلخ).27 كان جودار واثقًا بأن كتَّاب ذلك الوقت الذين يُشبهون ستيندال سيخرجون لصنع الأفلام. ففي النهاية، السينما مثل الأدب «ليست حرفة، إنها فن. لا تعني عملًا جماعيًّا. دائمًا ما يكون المرء وحيدًا في موقع التصوير كما لو كان أمام صفحة بيضاء. وتعني الوحدة طرح أسئلة، ويعني صنع الأفلام الإجابة عن تلك الأسئلة. لا شيء يُمكن أن يكون أكثر رومانسية من هذا من وجهة نظر كلاسيكية.»
عند هذه النقطة، احتجَّ بازان، وعارض مُتَّبِعيه الشباب. على الرغم من أنه كان يصرح علنًا بأن صانع الفيلم «في النهاية هو ندُّ الروائي»؛28 فإن اهتمامه بالوثائقيات دفع التأليف إلى هوامش اهتمامه النقدي، وفي مرات عدة خارج نطاق الاهتمام بالكامل. تُرسخ الوثائقيات اختلاف الوسيط السينمائي عن الفنون التقليدية؛ لأنها تَمتلِك القدرة على تقليص مكان الإنسان في عالم يظهر أحيانًا مرتَّبًا بعناية إلهية، وأحيانًا أخرى لا مباليًا وعشوائيًّا. تتبع بازان مصير الخيال والرغبة في أعمال صناع الأفلام الذين كرَّسوا أنفسهم لشيء ما وراء أنفسهم؛ ما وراء نوعهم البيولوجي؛ شيء أشار بازان إليه على نحوٍ غامض بأنه «زمن الشيء».29
أدرك تروفو الذي كان لا يستسيغ الوثائقيات، أن انجذاب بازان إلى «الموضوعات» العصيَّة على التصوير يُمكن أن يَسريَ على الأفلام الروائية كذلك، وأن صناع الأفلام يمكن أن يخضعوا لما هو أمامهم بدلًا من «إخراجه». في فيلم «سترومبولي» (١٩٥٠)، تحدِّق كاميرا روسيليني غير فاهمة في جبل ورواسبه البركانية، مثلما تفعل إنجريد برجمان إذ تسقط على ركبتَيها عاجزة على قمة البركان. هذه الروح الواقعية الجديدة تجلب أحيانًا الخلفية في وسط المسرح ليَطغى وجودها على الشخصيات (كما حدث في نهاية فيلم «الكسوف»، «ليكليس»؛ أنطونيوني، ١٩٦٢). على الرغم من ذلك، وفي أغلب الأحوال، يُصبح البشر (لا مجرَّد الشخصيات المكتوبة) الذين يَملئون أفلامهم الروائية، هم «موضوعات» صانع الفيلم الواقعي الجديد. بانسحابه من دور «المخرج»، يَستكشِف روسيليني ملامح وجه البطلة ومشيتها وصوتها وإيماءاتها (إنجريد برجمان، وآنا مانياني)، أو ممثلًا غير مُحترف اختاره من السكان المحليِّين. وسواء أكان البشر متحجِّرين أم طيِّعين، فهم لا يحتاجون حينما يظهرون على الشاشة، أن يكونوا وكلاء لخيال كاتب النص السينمائي أو المخرج. في نعي بازان الجميل لهمفري بوجارت، عزا إلى الشخص المكوَّن من لحم ودم النجاح في كثير من الأفلام التي مثَّل فيها. ورغم أنه لا يُمكِن إنكار أن المُخرجين الذين صوَّروا وجهه وصوته وتصرفاته، استفادوا منه استفادة إبداعية في الحكايات المتخيَّلة التي اختلقوها، فإن بوجارت يَفتننا (وفتن أكثر أولئك السينمائيين حساسية) على نحو يَتعدَّى أدواره.30 شارك جودار بازان حساسيته للشد والجذب بين الروائي والوثائقي. إذا كان فيلم «السادة المجانين» يوثِّق طقسًا تسيطر فيه الأدوار على الرجال، فإن إنجاز روش التالي، «أنا الزنجي» (موا آن نوار)، يَذهب لما هو أبعد من هذا. في هذا الفيلم، المفضل لجودار من إنتاج عام ١٩٥٨ (الذي منع الموت بازان من مشاهدته)، سلم «المخرج» السيطرة التأليفية إلى من يَبدُون أنهم هم «موضوعات» الفيلم. هؤلاء الشباب العاطلون عن العمل في أحياء أبيدجان الفقيرة يَختارون أسماء نجوم (إيدي كونستانتين ودوروثي لامور)، ويَحكون قِصَصهم. يتبعهم روش أكثر مما يُوجههم، بينما يجمِّع ما يمكن أن يستأهل أن يُطلَق عليه فيلمه.
تدحض هذه الأمثلة فكرة الإخراج الأصيل، وكان بازان مُستعدًّا لتوسيع نطاق هذا التناقض.31 أكيد أن كتابه عن ويلز، فضلًا عن مقالاته عن تشابلن وبونويل ورينوار، أثار تابعيه للإعلان عن بدء عصر جديد يَتساوى فيه صنَّاع الأفلام بالفعل مع الروائيين. لكن بازان لام هؤلاء التابعين صراحة بسبب إهمالهم أو تشويههم كثيرًا من القوى التي تنتج فيلمًا أو تؤثِّر فيه، بعضها يُمكن إدراجه في شارات البداية والنهاية (الكتَّاب والمُمثِّلين والمصوِّرين السينمائيين)؛ وبعضها يبقى مُحدَّدات تاريخية ضمنية (الرقابة والعوامل الاقتصادية والأعراف الاجتماعية، وغير ذلك). ربما يكون الشعراء، والروائيون، والرسامون مسئولين بقدر كبير عما يظهر في أعمالهم المُكتمِلة، لكن المخرج لا يَمتلك مثل هذه السيطرة على فيلم لا مفر من أن يقدم نمط إنتاجه الصناعي خللًا في النظام. كان بازان دائمًا مُتيقظًا للعوامل غير المقصودة وغير الواعية. وأشاد بالأفلام التي يَختفي فيها المخرج؛ ففي نهاية المطاف، كان بازان مبهورًا في أكثر المستويات أساسية بالصورة الفوتوغرافية «في صنع ما لا يلعب الإنسان فيه دورًا.» وكانت هذه هي وجهة النظر التي كان مُستعدًّا لتبنِّيها حتى حينما كان الموضوع رواية.

ولذا دعم بازان مقال تروفو الشهير بالتأكيد، لكن ليس بسبب أنه يجعل صنَّاع الأفلام حكامًا لعوالم خيالية. إنما وافَق على الأسلوب الذي يُطالب به مقال تروفو بأن تتناول السينما الروايات القوية بعناية. يجب على صناع الأفلام استكشاف الروايات كما لو كانت أرضًا خيالية؛ صلبة وكثيفة مثل النيجر في عمل روش، ونابولي في عمل روسيليني. يجب على أي اقتباس واعٍ أن يبحث عن وسائل جديدة لإبراز الجوانب المميزة في الكتاب الذي وقع الاختيار عليه؛ ففي النهاية، يكون أي كتاب مثيرًا للاهتمام فقط بسبب «تميُّزه». انسوا السينما، وانسوا المخرج الأصيل. فيما يتعلق بالاقتباس، كانت الرواية التي اهتمَّ بها بازان هي الرواية التي تُمثِّل نوعًا من الزمان الجامد المعقد الذي يجذب السينما الحديثة؛ الرواية التي تُمثل موضوعًا لن تقدر السينما أبدًا على تجسيده تمامًا رغم أنها ستحاول هذا أثناء نضوجها.

بالمقابل، تشمل السينما هيتشكوك، سيد التحكُّم في الأفلام، وأحد معبودي تروفو.

الشارة والمخرجون الأصلاء: بيئة للاقتباس

انجذب بازان بوضوح إلى الحدود القصوى في خمسينيات القرن العشرين، وهو عقد اعتُبر فاترًا بوجه عام. وليس مفاجئًا أنه كان يدعم الوثائقيات الإثنوغرافية، وأنه كان مهتَمًّا بالأفلام الروائية التي تَنتمي للواقعية الجديدة، والتي يظهر فيها شيء لم يُكتَب في النص بطريقة مثيرة خلال المُشاهَدة السينمائية. كان دعمه للاقتباسات أصعب على الفهم؛ حيث يجب أن يُسيطِر النص والتخطيط على مجريات الأمور. لكن فيلم «يوميات قس في الأرياف» جعله يدرك أنه حتى في حالة الاقتباس فإن لغة الروايات القوية ومواقفها يُمكن أن تكون بمنزلة موضوع غريب غرابة الحيوانات الوحشية، أو التضاريس النائية، أو الجماعات الاجتماعية الأجنبية. لكن أين تقع الصنعة السينمائية إذًا؟ ويتصل بذلك السؤال: من يَستحِق أن نَنسب الفضل إليه فيما نقدِّره على الشاشة؟

أجاب نقاد «كاييه» عن هذا السؤال بسرعة: في الأفلام ذات الشأن، المخرج الأصيل هو وحده المسئول. هذا الوضع هو ابتذال لمبادئ سارتر الأخلاقية الوجودية التي يكوِّن فيها اتصال المؤلف بنصه رمزًا للمسئولية، وهو ما يَنطبِق على كلٍّ منا إذ نصنع حيواتنا. لكن بازان — الذي لم يَبتعِد قطُّ عن هموم سارتر وإن كان نادرًا ما يتناغم معه — عرض رؤية تقترب من مذهب ما بعد الإنسانية في عصرنا الحالي. يُلمِّح بازان إلى أن روسيليني لا يقدم عالمه الشخصي الخاص، ولكن عالمًا يَنتمي للتاريخ (أو للرب)، بنفس الطريقة التي يعطينا بها نيكولاس راي أو جون هيوستن منفذًا إلى إحساس بوجارت، ويتيح لنا بريسون الشعور من خلالها ببرنانوس. ربما يكون بازان يستفزنا، حيث يرى أيضًا أن المخرجين «يُصَفُّون» ما يَسمحون بظهوره على الشاشة؛ ومع ذلك، ولكونه سرياليًّا أكثر منه سارتريًّا، فهو يعتبر المؤلف ناقلًا لشيء خارج ذاته يتواصل معه. ألا يُمكننا تسمية التسجيل التكنولوجي البسيط للضوء على الصفائح الفوتوغرافية نوعًا من «الكتابة الأوتوماتيكية»؟ ربما تُدرَك الأفلام وتُخرَج من قبل كائنات بشرية لها أسماء مناسبة، لكن ما نراه على الشاشة، وخصوصًا في أكثر اللحظات إثارة، يمكن أن يتجاوز الإدراك والإخراج. لذا، قبل أن يكون فيلمًا لجون هيوستن، يقدم «الملكة الأفريقية» («ذي أفريكان كوين»، ١٩٥١) الحضور المبهِج الذي تمتع به همفري بوجارت، وكاريزماه وأصالته. أدرك بازان بشكل يتجاوز هذا — أو على الأحرى، من تحت هذا — شيئًا آخر يَحدث في شريط السيليولويد، وهو الآثار التي ينتجها الضوء المنعكس من على وجه مألوف ولكنه فانٍ … التذكير الدائم والمرئي بغياب بوجارت وموته الحتمي.

ولذا، لمن ولماذا يُمكننا نسبة دلالة الصور وأهميتها؟ هل نذكر فضل جون كاسافيتز في الاستعانة بمُمثِّلين مُبدعين في فيلم «الظلال» («شادوز»، ١٩٥٩)، بما أن تعبيراتهم التلقائية تجسِّد الفيلم حقًّا؟ وماذا عن العزف المنفرد الشهير لموسيقار الجاز، تشارلز مينجس، في الفيلم؟ بارتجاله وهو يُشاهد نسخة أولية، هل صاحَب هذا العازف الفذ «فيلمًا لجون كاسافيتز» وتَمَّمه بالأسلوب ذاته المشابه ﻟ «أداءات» تلك الأفلام الصامتة؟ أم ينبغي أن نقول إن كاسافيتز أدخل بوق مينجس الآسر وسط نسق متكامل للأصوات والصور التي يأتي «توجيههم» الحاسم منه، أي المخرج، وحدَه؟

بحدود الوقت الذي كان كاسافيتز يُعِد فيه فيلم «الظلال»، وكان بازان يُكوِّن أعماله المجمَّعة، كتب رينيه كلير تقريرًا عن تاريخ الشارات ومشكلتها.32 يوسع طول الشارات المتزايد باستمرار (الذي لا يقتصر الآن على ما يسمَّى الطاقم الإبداعي، ولكن يشمل كل نظام الدعم الصناعي، وصولًا إلى متعهدي الأطعمة) من مسئولية إنتاج أي فيلم، ويسخر من ادِّعائه بأنه فن. أراد كلير شارات أفلام مختزلة إلى ما يجذب المشاهد أو يساعده، وأن تكون بمنزلة البطاقة البسيطة التي تُوضع أسفل اللوحات في المتاحف. بدلًا من ذلك، تحاكي الشارات الكُتيِّب الذي يُوزَّع في دور الأوبرا مفصِّلًا «توزيع» الأدوار في استعراض معيَّن، بالإضافة إلى الطاقم الإبداعي (وإن لم يكن يشمل عمال المسرح).

يُشتَهر كلير في مسيرته الإخراجية، بالتنظيم والتوجيه لكل بند محتمل يُمكن أن يساهم في الإحساس ﺑ «أفلامه». أدرك كلير أن الشارات، بوصفها مرشدًا إلى إيقاع الفيلم ومزاجه، حينما تُعرَض، تبطئ من الصور المتحرِّكة وتلوثها بالكلمات. ولأنها تأتي، كقاعدة، في بداية انطلاق الصور والأصوات، فالمقصود منها هو تهيئة المُشاهد لما سيأتي بعدها. يحضُر في هذه اللحظة أمل لا نهاية له حينما تُضيء الشاشة ويُسمَع أول ألحان الموسيقى التصويرية، ومن هنا يأتي الانتباه والمال اللذان وُجِّها إلى مَشاهد ما قبل شارة البداية، وإلى شارة البداية كذلك، التي يُكلَّف بصنعِ صُوَرها ورسوماتها اختصاصي، الطاهي المساعد (يُذكَر اسمه كذلك في الشارة) يَمتلك خيالًا خاصًّا. ثم يأتي بعد ذلك أول مَشاهد الفيلم الدرامية؛ حيث يكون المخرج والمصوِّر حُرَّيْن على نحو لن يتكرر مرة أخرى خلال الفيلم.

يتعلم دراسو السينما مُشاهَدة أول ٢٠ دقيقة من أي فيلم بتيقُّظ؛ لأنه في تلك الفترة تنطلق تجربة، وتبدأ في العثور على مسار تحليقها. تخيَّلوا هذه المرحلة المُبكِّرة وكأنها حركة عشوائية مَجَرِّية تضبط نفسها في أنماط منسَّقة من النجوم والأنظمة الشمسية. تُعبِّر سحب الغبار الكوني، وتصادُمات الأجرام السماوية، وتفجِّر اللهيب غير المتوقع عن طاقة أولية قوية لدرجة تُمكنها من الحفاظ على حركة هذه الأجسام حتى نهاية الزمن — بعد ساعتين. بمصطلحات فرويد، اللحظات الأولى مليئة بالتكثيف الخاص بالأحلام والإزاحة والتخيُّل الأوَّلي. بعد قليل، لا بد أن تدخل هذه اللحظات في نطاق «التفصيل الثانوي»، ثم تخرُج إلى نطاقات التأويل العام المفتوحة.33 وبشكل مُتكرِّر، تبدأ شخصيات الفيلم بتأويله. بعد ذلك، سواء أكنَّا نقادًا مُتمرِّسين أم مُشاهدين عاديين يبحثون عن ساعتين من الإلهاء، فإننا سنُدخِل ما شاهدناه وفهمناه ضمن ما نُدركه ونفهمه، موطِّنين الفيلم داخلنا بأسهل ما يُمكننا. لذا فإن مشاهدة فيلم ما تتبع سيناريو محبطًا: يبدأ بالأمل، والاستثارة، والوعد بشيء جديد بالفعل، وينتهي بنا على قارعة الطريق وليس معنا سوى قصة أخرى، عادة ما تكون القصة نفسها، قصة يُمكننا التحدُّث عنها، وتصنيفها، أو نسيانها ببساطة.

وحتى قبل أن تُضيء آلة العرض، فإن هذا النزول من المادة الخام المثيرة إلى فهم مُعالَج يُمكن إحساسه بمشاهَدة ملصقات الأفلام في رَدهة دار العرض؛ حيث تحيط الصور الآسرة بالشارة المكتوبة أو تُغطِّيها. يُنشِّط توتُّر بين هذين الثبتَين السيميائيين نطاقين نفسيين مختلفَين: الصور التي تُؤثِّر في اللاوعي، والكلمات التي لا تبني المعنى فقط ولكن مصدره أيضًا. الشارة التي كانت يومًا ما برنامجًا لا ورقيًّا ملائمًا، تدمج الآن على نحوٍ اعتيادي في التجرِبة التي يُوفرها أيُّ فيلم؛ فهي تمهد لهذه التجرِبة، وتوجِّه مشاهَدَتها وتفسيرها. في التنافس بين اللغة والصورة، تكوِّن الشارة حائطًا من الكلمات صُمِّم ليَحصُر الصور الطافية بحرِّية، التي لولا ذلك لأخذتنا في اتجاهات عديدة في آنٍ واحد. قد نتوقع، وقد استدرجَنا الوعد بمشاهدة عرض ضخم إلى دار العرض، أن نرتد إلى حالة من الدهشة الصامتة. لكن شارة البداية تفيقنا؛ لأنها تُعرِّف الصور، ليس بوصفها قوة طبيعية، ولكن بوصفها خطابَ شخصٍ ما.

يعمل شكل الشارة ووظيفتها على التحكم في التجرِبة السينمائية. إذا كنا نَمتلِك القدرة، هل سننزع السلطة من المؤلفين الذين يكبحون جماح الصورة، ليوجهوها في الطريق الأيديولوجي المناسب؟ هل يجب ألا نفعل هذا عندما يكون هناك مؤلف رئيسي نحاول الوصول له، أو حينما ينسب الفيلم بمجمله الفضل لمصدر أدبي معروف ويكون الفيلم مدينًا له وهو الذي يُثير اهتمامنا في المقام الأول؟ إذا عرض كل فيلم في البداية مفاوَضة بين حصان وراكبه، بين تدفُّق الصور والتوجيه الخطابي، فماذا عن الاقتباسات التي يَمضي فيها الفيلم نفسه تحت السلطة الملزمة لنصٍّ حاكم؟

علامة إشكالية الاقتباس هي توقيع المؤلف الذي يُنسَخ عادة على الشاشة بصورة طبق الأصل مثل توقيع إميل زولا في فيلم رينوار «الوحش الآدمي» («لا بت ايومين»، ١٩٣٨). حتى لو أن بضعة أفلام تبدأ اليوم بظهورٍ تدريجي للصورة بشكل مُبهِر بعد ظلام تام، فإن العنوان والمؤلف في الأعمال المُقتبَسة المهمة يَنشران هالة تحيط الأسماء الأخرى المدرجة في شارة البداية، مؤدية إلى دعم الإنتاج بطريقة غير مباشرة. اسم المؤلف، وهو تنويع على التوقيع، ربما يكون مجرَّد علامة سطحية، لكنه يتضمَّن بُعدًا رابعًا، وهو العملية الزمنية التي أخرجت في حالة الاقتباس فيلمًا كاملًا من نصِّ رواية. وبإرسائها على حافة قيمية غاطسة، فإن جميع الأفلام، وخصوصًا الأعمال المقتبَسة، تطفو إلى جماهيرها وهي مؤمَّنة بذلك الخط الرفيع للشارة الذي يَسمح لنا، أثناء تصديقه على منشئها، بأن نتتبَّع نَسَبها.

في حالة الاقتباس، يرجع النَّسَب — علمًا بأن كلمة «الشارة» (credits) تسمَّى «النَّسَب» (générique) في الفرنسية — إلى مصدر وحيد ثمين، وهو الكتاب الذي هو الأصل، وربما المقياس النهائي للفيلم. وحتى في عصرنا الشكوكي، فإن شريان الحياة هذا — لنسمِّه الأمانة — لن يُقطَع بسهولة.34 الأمانة هي الحبل السُّري الذي يُغذي أحكام المشاهدين العاديين أثناء تعليقهم على القيم الأخلاقية والجمالية على نحو فعَّال بعد خروجهم من فيلم باز ليرمان «روميو + جولييت» عام ١٩٩٦، أو فيلم ستيفن سبيلبرج «اللون الأرجواني» («ذا كلر بيربل»، ١٩٨٥)، أو فيلم مِل جيبسون «آلام المسيح» («ذا باشون أوف ذا كريست»، ٢٠٠٤). إذا أصغينا إلى هذه المناقشات، فربما نجد أنفسنا نستمع إلى نسخة عامية من دراسات سيمياء الوسائط المقارنة.

لبعض الوقت، تجاهُل الاتجاه الأكاديمي الرائد هذا الاهتمام بالأمانة، أو قلَّل من شأنه، معتبرًا الخيط «الرأسي» الذي يُرسي الفيلم على مصدره الأدبي مُثيرًا للسخط وتقييديًّا. يَجرؤ الدارسون اليوم على فصل الأفلام التي يَكتبون عنها عن مرساواتها وتركها تطفو حرة. ولمَ لا؟ فيما بعد الحداثة، يُقيَّم كل نص، ويتضمَّن هذا كل اقتباس، على أساس الطريقة التي يهز بها شبكة النصوص المجاورة «الأفقية»، التي لا يُعَد أيٌّ منها «فائقًا» بالضرورة، حتى نص الرواية التي تُقرِض اسمها وحبكتها وشخصياتها لفيلم ما. على العكس، فإن الاقتباس يُغذي الدراسات الثقافية، وهي علم وُلد لعصر الانتشار الحالي هذا الذي تَزيد فيه أهمية الانتشار النصي على التأويل النصي. تستجيب الدراسات الثقافية لإشارة المُنتجين الذين يطمحون إلى تضخيم أثر نص ما من خلال الإعلانات، والأجزاء التالية، والتفريعات، والترجمات، و«النُّسَخ» من كل الأنواع.

أظهر بازان مرارًا وتكرارًا افتتانه بالأسلوب الذي تتغلغل به السينما في آليات الثقافة. أشاد مقال «الاقتباس أو السينما بوصفها خلاصة» — وهو أول نظرة موسعة له للظاهرة — بالانتشار. أشار بازان إلى أن صناعة الاقتباس تزيد من مبيعات النص الأصلي، وتطوِّر ما سعت الفنون دائمًا إليه وهو أن يكون لها «جمهور». صحيح أنها تفعل هذا عمومًا بترويض أصلٍ قوي، لكن هذا لا يستلزم تغيير تكوينه. إنها تقلِّل، مثل «مُحوِّل» كهربائي، من شدة التيار الصادر من رواية مُلتهبة حتى لا تشعلَ النار في الشاشة؛ لكن الضوء والحرارة ما زالا يَصدُران من الرواية، حتى لو قُلِّصت حدتها. يقيس المنتجون (المحوِّلون) القدْر الذي يمكن أن يحتمله الوسيط السينمائي والجمهور من الرواية الأصلية. كان المثال الذي ذكره بازان هو رواية «الشيطان مُتجسِّدًا» التي كتبها صديق كوكتو الحميم، رايموند راديجيه، عقب الحرب العالمية الأولى، حينما اعتُبِرت رواية فاضحة لدرجة أنه لا يُمكن اقتباسها لفيلم. ورغم تقليل حدة الرواية من قبل أورونش وبو؛ من أجل اقتباسها للشاشة (الوصول إلى جمهور أعرض) عام ١٩٤٧، استمرَّت في إثارة الجدل؛ لأن موضوعها المتعلِّق بالشهوانية الجنسية الطاغية المتحدي للنزعة الوطنية كان صادمًا بالقدر نفسه بعد الحرب العالمية الثانية، حتى في جرعتها المخفَّفة.

ثمة مصادر عدة — ماذا يُمكننا أن نسميها غير ذلك؟ — عظيمة لدرجة أنه يمكن اقتباسها مرات لا تُحصى. هكذا كان شأن رواية «البؤساء» من البداية، وهي ظاهرة كان بازان يذكرها مرارًا. في هذه الرواية الجماهيرية التي صدرت في القرن التاسع عشر، لم يكتب فيكتور هوجو فقط لعامة الجماهير؛ بل كان يتوقَّع أن يقرأها كل إنسان. وهو ما حدث. قرأ الجميع هذا الكتاب. اصطفَّت الجماهير المُتلهِّفة أمام المحلات الفرنسية لبيع الكتب للحصول على أجزاء الرواية التي صدَرت تباعًا في أبريل ومايو ويونيو من عام ١٨٦٢. وصدَرت ترجمات الرِّواية بكثير من اللغات في عام النشر نفسه؛ وربح هوجو ما يَقرب من مليونَي دولار بقيمة العملة اليوم، من حقوق الترجمات الأولى فقط. لم يَسبِق أن رأت صناعة النشر شيئًا كهذا من قبل، واستغلَّها الناشرون إلى أقصى حد. واستجابت المبيعات للحملات الإعلانية المُرتبطة بإعادات الطباعة والنُّسَخ الفرعية. بيعت خمس ملايين نسخة من أول طبعة باللغة الصينية للرواية. وبوصول الرواية إلى أمريكا خلال حربنا الأهلية، كانت في أوانها تمامًا لدعم إعلان لينكولن «تحرير العبيد». ومنذ ذلك الحين وهي من أكثر الكتب مبيعًا هنا؛ حيث تزيد مبيعاتها كل ٢٠ عامًا تقريبًا بفضل النُّسَخ الجديدة المُقتبَسة منها للمسرح والسينما.

أتاحت «البؤساء» نفسها منذ البداية للرسَّامين ومُنتجي المسرح. وبحدود زمن قضية دريفوس، واستجابةً للتوتُّرات الاجتماعية، حوَّل تشارلز إبداع أبيه إلى ١٧ لوحة بنجاح لدرجة أن مديري الفِرَق المسرحية أصبحوا مُستعدِّين، منذ ذلك الوقت، لإحياء «البؤساء»، لاستغلال مواهب ممثِّلٍ نجم، أو حمَّى لحظة سياسية مُضطربة. وبالطبع، أحييت لربح المال كذلك — وهو شيءٌ حدَث دائمًا كما يُذكِّرنا عرض «البؤساء» الموسيقي الجولة تلو الجولة.

من وجهة نظر بازان، كانت «البؤساء» بمنزلة خرافة؛ مثل ملحمة «المهابهاراتا»، حيث تجاوَزت شخصياتها وحلقاتها تقديمها الأصلي الذي كتَبه هوجو. وإذ لحظَ نسخها السينمائية التي تُعدُّ بالعشرات (ومنها النُّسَخ المصرية والهندية والأمريكية)، ركَّز بازان على النُّسَخ الفرنسية التي صدَرت في أعوام ١٩١٣ و١٩٢٣ و١٩٣٤ و١٩٥٧؛ لأن اختلافاتها تُشكِّل قائمة من التحولات في مؤسسة السينما نفسها. عُرض فيلم ألبير كابيلاني في صورة مسلسل قبل الحرب العالَمية الأولى، بينما صدَرت نسخة ريموند برنار في هيئة ثلاثة أفلام كانت تُعرَض بالتزامُن في دور عرض مُتجاوِرة عام ١٩٣٤. وفي عام ١٩٥٨، قُلِّصت مدة العرض لتصل إلى نحو مِائتَيْ دقيقة، فأتاح هذا توزيعها في هيئة سهرة سينمائية واحدة؛ حيث وفَّرت الألوان والسينما سكوب الرحابة المفقودة في الاختصار. لكن ما هو أكثر من أسلوب العرض تغيَّر على مدار نصف قرن. ترى النسخ الأولى، وخصوصًا نسخة عام ١٩٣٤ العظيمة، أن السينما مُساوية لرومانسية هوجو الاجتماعية. وفي ظلِّ فيلم إيبل جانس «نابليون» (١٩٢٧)، يُضخِّم التمثيل والإضاءة والموسيقى الميلودراما بلا خجل.35 لكن السينما تطوَّرت منذ الحرب العالَمية الثانية، كما يُشير بازان مرة أخرى، وتبدو الآن هذه الخرافة والسينما نفسها مقلَّصتَين في فيلم يُخفِّف من قوة التمثيل وتصميم المشهد ليَتوافَق مع معايير خمسينيات القرن العشرين.

ترى ماذا كان يُمكن أن يكون رأي بازان في النسخ الكبرى الأربع التي ظهرت منذ عام ١٩٨٠؟ كان من شأنه بالتأكيد أن يستغلَّ الفرصة ليَتتبَّع ماذا حدث للسينما في السنوات الفاصلة بين تلك الفترة والثمانينيات؛ لأنه كان دائمًا مُستعدًّا لتتبُّع انتشار العناوين والمؤلِّفين والأفكار من وسيط إلى وسيط، ومن لغة إلى لغة، ومن عصر إلى عصر. في بيئة الثقافة — وبأخذ أكثر معانيها الضمنية الداروينية في الحُسبان — يُعدُّ الاقتباس أكثر كثيرًا من مجرد الممارسة الشائعة لكُتَّاب السيناريو والمنتجين؛ فهو اسمٌ يُطلَق على عمليات النمو والتحول والضمور «الأفقية» الواضحة داخل ظاهرة تحمل اسمًا مفردًا هو «السينما»، حتى وهي تتغيَّر من أجل البقاء خلال التاريخ. وبصفته مؤرِّخًا وعالمًا بالبيئة الثقافية، ومولعًا بالسينما، كان بازان منتبهًا لكل جوانب هذه العملية.

الأمانة: اقتصاد الاقتباس

كما يوحي العالم، الاقتباس حالة عامة للكائنات الحية، ومنها الكائنات الثقافية. استقت نسبة كبيرة من الأفلام اﻟ ٢٥٠٠ تقريبًا التي كانت تُنتَج سنويًّا في زمن بازان مادتها من مصادر موجودة. سارت صناعة السينما على نحوٍ آلي كغَيرها من الصناعات، وكلَّفت قطاع إنشاء قصصها بقطع غابات كاملة من الروايات والمسرحيات لتغذية مناشير تطوير النصوص السينمائية. لكن بازان رأى هذه العملية من منظور عضوي، وخصوصًا حينما كانت تتضمَّن أشجارًا كبرى؛ عادة ما كانت هذه «تُهضَم» لتغذية الثقافة من خلال النظام الدوري الذي يبث الصور إلى دور العرض والجمهور. وبفهم السينما بوصفها نوعًا ثقافيًّا ينمو بين أشكال أخرى وليس بمعزل عنها، فإنها تمتصُّ أو تلقَّفُ ما تحتاجه من جيرانها، وغالبًا ما تُعطي شيئًا مرة أخرى لبيئة «حياة الأنواع». يَزداد التعقيد حينما يُدرك المرء أن الأنواع تتطوَّر بمعدلات مختلفة؛ لذا، إذا كانت السينما ستتولى المهمة التي قامت بها الرواية لمدة طويلة، كما يُشير بازان، فهل ستقوم بمهمة بلزاك أم روب-جرييه؟ ناقش بازان مثل هذه المسائل تحديدًا مع كلود-إدموند مانيي بينما كانت تكمل كتابها «عصر الرواية الأمريكية: الجماليات الروائية للفيلم بين حربين» (١٩٤٨). وبينما كانا كلاهما من المخلصين لمالرو، فلا شك أنهما تَشرَّبا الكثير من سلف مالرو العظيم، هنري فوسيون، وكتابه «حياة الأنواع» الذي صدَر عام ١٩٣٤.36

يُدرك عدد قليل من العامة، بل عدد قليل من الدارسين، أن الأفلام تَزدهِر كغابة اقتباس متشابكة ذات أشكال فنية متداخلة، مُضاعِفةً التنوع الحيوي للأعمال الهجينة. بدلًا من ذلك، عادة ما يُنظَر إلى الاقتباس على أنه حقلٌ محاط بأسوار ومزروع بالأفلام المصنوعة من أعمال أدبية شهيرة. هذا الجزء الفرعي من الاقتباس سماه بازان «الترجمات» ليُفرِّق بينه وبين «الخلاصات» الأكثر اعتيادية. ويأتي مع الترجمات مسألةُ «الأمانة» المشاكسةُ التي وجد بازان أنها محتومة وقيِّمة. وعلَّل هذا بأنه ما دامت الاقتباسات حقيقة من حقائق السينما في هذه المرحلة من تطوُّرها، فإن نضوجها سيَتسارع في أي وقتٍ يُتاح فيه مصدر نصِّي مميَّز يَجعل السينما تُعيد التفكير في لغتها، وفي الجهد المبذول لتحويل تلك اللغة إلى شكل جديد. ربما يكون الاقتباس أداة تُمدِّد السينما بعيدًا وعبر الثقافة، لكن في حالات معيَّنة، يستطيع الاقتباس، بوصفه ترجمة، أن يوقف محرِّك الصناعة الدائر؛ وبدلًا من التحرُّك بسلاسة عبر الثقافة (الجماهيرية)، تمرُّ الترجمات رأسيًّا في الماضي الثقافي.

يُمكِن أن تتسبَّب سلسلة الأمانة «الرأسيةُ» التي تُرسي الاقتباس على صخرة مَصدرِه في أن يبتعد عن أسطول الأفلام الرئيسي الذي يَنجرِف مع تيار النزعة السائدة. رأى بازان حدوث هذا في فيلم «يوميات قس في الأرياف»، حيث غمر جمهوره بحسٍّ وبمنظومة قيم مختلفين. بمثل هذه التدريبات تنمو عضلات السينما؛ لأنها تُجاهِد مُقاوِمةً ما هو أصلي للأنماط المعاصرة.

الأمانة مفهوم يَصل بين مجموعتَي اهتمام بازان (ومسيرته): اهتمامه بوجود السينما، وبما أصرَرتُ أنا على تسميته نشوءها. يأتي ذكر الأمانة صراحة قرب نهاية دفاعه عن السينما المشوبة، حينما يربط بين الواقعية والاقتباس على نحوٍ يسمح لنا بتخيُّل نظريةِ مجالٍ موحَّدة محتملة للسينما:
كان يجب على التعبير السينمائي تحقيق نوع من التقدم الذي نجده في الأجهزة البصرية ليُحقِّق درجة عالية من الأمانة الجمالية. المسافة بين نظرية «الفيلم الأدبي» وفيلم «هاملت» [أوليفييه، ١٩٤٨] كبيرة مثل المسافة بين ظهور عدسة الفانوس السحري المكثِّفة البدائية ومجموعة العدسات المعقَّدة في السينما الحديثة. مع ذلك، فإن التعقيد المُدهِش في هذه الأمانة له هدف وحيد هو التعويض عن التشوُّهات والانحرافات والتشتُّتات والانعكاسات الناتجة عن العدسة؛ بمعنًى آخر جعل الكاميرا موضوعية قدر الإمكان. على مستوًى جمالي، يستلزم [الاقتباس] علم أمانة قابل لمُقارنته بعلم المصور السينماتوغرافي.37
يَحدث التطور في «التعبير السينماتوغرافي» من خلال «الترجمة» لأن الترجمة تستلزم الاستكشاف أو الخلق للتكافؤات داخل نظامَين لغويَّين. لا يتطلَّب عمل أصلي ثمين إحلالًا آليًّا للعناصر، ولكن تقريبًا ﻟ «روح» مكافئة، أو — كما قال بازان عن ترجمة بريسون لرواية برنانوس: «احترامًا إبداعيًّا مُستمرًّا لمصدره.»38
فهم ديفيد لين أن المُشاهِدين توقَّعوا أن يكون فيلمه المُميز «آمال عظيمة» («جريت إكسبكتيشنز»، ١٩٤٦) قريبًا من رواية ديكنز، بالطريقة نفسها التي يتوقَّع بها هذا قراء هذه الرواية المحبوبة في السويد أو بولندا. يُناقش أحد مُنظِّري الترجمة المعاصرين، وهو لورانس فينوتي، اقتباس الأفلام باستبعاده من البداية فكرة أن اللغات المختلفة (شفهية أم سمع-مرئية) يُمكنها توصيل المحتوى نفسه (الحبكة والشخصية والموضوع والقيمة). ويؤمن بأن ما يَحدث هو أن النصَّ الأصلي يُقدَّم من خلال وسيط «مُفسِّر» (أو شبكة أيديولوجية) في طريقه ليُصبح نصًّا جديدًا أو مقتبسًا.39 يتحكم المفسِّر في الاختيارات المتَّخَذة أثناء الاقتباس. بدلًا من النقل الميكانيكي من نظام سيميائي إلى آخر، يفسر صانع الفيلم المصدر عبر شكل سمع-مرئي يتضمن كذلك التوجهات والاهتمامات المستحضَرة إلى المشروع. يُكمل هذا رؤية بازان في أنه لا يغفل المسافة الزمانية والثقافية للنص الأصلي والترجمة، وليس فقط المسافة بين النظامين اللُّغويين. حينما يَفرِز فينوتي «المفسِّرين» المُتعدِّدين العاملين في لحظتَي الإبداع، يكون تقييمه حساسًا للقيم الثقافية وليس فقط للقيم السيميائية؛ ولذا فمن شأنه بالفعل أن يتضمن بُعدًا أفقيًّا ورأسيًّا بالمثل؛ حيث إن كل اقتباس يحدث داخل «أفق» من القيم المعاصرة، شاملًا نصوصًا أخرى داخل مجال صانع الفيلم والجمهور المستهدف. في مثاله الرئيسي، المحتفى به والمثير للجدل، وهو فيلم «روميو وجولييت» (١٩٦٨)، يمكن القول إن شكسبير كان له دور في انتشار القلق من الازدواجية الجنسية وسط شباب الهيبيز في ستينيات القرن العشرين؛ حيث سجَّل مخرج الفيلم الإيطالي، فرانكو زيفيرلي، دلالات لم يُنتَبه لها من قبل في النص الأصلي، وضخَّمها. نمت مسرحية شكسبير من خلال تفسير سينمائي ربما يُدين بشيء ما لأفلام أخرى حادة من الناحيتين النفسية والأسلوبية في تلك الفترة، مثل فيلم آرثر بين «بوني وكلايد» (١٩٦٧)، وفيلم ماركو بيلوكيو «قبضات في الجيب» («فيستس إن ذا بوكيت»، «إي بوجني إن تاسكا»، ١٩٦٥). أكيد أن تنوع السينما الأسلوبي قد زاد، فضلًا عن هيبتها، كما يقول بازان، بفضل هذا اللقاء بأعمال شكسبير.
ربما تقصَّى فينوتي عن عرض أعمال شكسبير عبر القرون؛ لأن المسرح في هيئته الحية دائمًا ما يتضمَّن «مُفسِّرين» يُعرَفون بأنهم مخرجون ومؤلفون مسرحيون. زيادة على ذلك، ربما استفسر عن «روميو وجولييت» كما عُرضَت باللغة الألمانية أو الروسية، أو بمعنًى آخر عن شرعية أيِّ ترجمة لأعمال الشاعر. يسأل بدلًا من شكسبير نفسه عما صاغه المُفسرون من «نسخته» لحكاية شخصيتَين تُسمَّيان روميو وجولييت؟ ما المصادر التي اعتمد عليها شكسبير؟ ما المسرحيات الأخرى (التي كتَبها كُتاب المسرح المنافسون) التي تطلَّع إليها؟ ماذا كانت تحتويه مكتبتُه؟ يُخاطر نهج فينوتي التأويلي بالانتشار رأسيًّا وأفقيًّا إلى ما لا نهاية. مع ذلك، فإن نصوص شكسبير تجعلنا نتوقَّف، كما يفعل الكتاب المقدس للمليارات من قرائه. فقد كانت تفسيراته — شاملة الترجمات والاقتباسات والرسوم الإيضاحية — ضرورية لنَشر الدين والثقافة، بقدر ما كانت مشحونة بالخلاف. استعان وولتر بنيامين بالكتاب المقدَّس ليختم مقاله العظيم «مهمة المترجم»؛ ليصل بوضوح إلى الرؤى التي نشرها بازان لاحقًا عن الأمانة والنص الأجنبي: يشجع التقاء نظامين لغويين على أرضية نص ثمين النموَّ في كل ما حوله.40 يُمكن الاعتقاد بأن بازان، شأنه شأن بنيامين، مُتناقض؛ لأنهما ناقشا الظواهر المعقدة من أكثر من زاوية في وقت واحد. وفي هذه الحالة، كان كلاهما يفهم أن ديناميات الإنتاج النصي «سائلة» (النشر)، لكنَّهما كانا يفهمان كذلك أن «جمود» بعض العلامات النصية (المَرْسَى) ليس أمرًا وهميًّا بالكامل.

•••

وفقًا لرأي بازان، يُمثِّل الاقتباس حالة أخرى، وإن كانت حالة رئيسية، كانت فيها السينما بمنزلة سفينة الاكتشافات الجريئة في القرن العشرين. تُجبرها لقاءاتها بما هو غريب عنها على النمو، وتطلب الشيء نفسه من أولئك المشاهدين على متنها. صدمت الواقعية الجديدة بازان بشدة عقب الحرب، حتى صار يبحث دومًا عن لقاءات مع أنواع سينمائية أخرى. على سبيل المثال، فإن مجموعة أفلام عن الرسم صُنِعت في أواخر الأربعينيات والخمسينيات صدمته بطريقة نادرًا ما شعر بها في زياراته للمتاحف.41 كتب بازان إن هذا النوع الجديد «تزايد منذ الحرب … ليُصبح أهم التطورات في آخر عشرين عامًا في تاريخ الوثائقيات، وربما في تاريخ السينما نفسها.»42 في مجال السينما الروائية، صعقته اليابان كما فعلت بثقافة السينما الأوروبية بالكامل. بعد النصر غير المتوقَّع الذي أحرزه فيلم «راشومون» (كوراساوا، ١٩٥٠) في مهرجان فينيسيا الدولي عام ١٩٥١، اتجهت عيناه شرقًا؛ حيث عثر هو ورفاقه في «كاييه» على صانع الأفلام الذي كانوا يحلمون به، كينجي ميزوجوشي. وبينما كانوا يشاهدون أفلامه واحدًا تلو الآخر، كان عليهم أن يتكيَّفوا مع حسٍّ سينمائي مختلف تمامًا، يؤدي إلى ثقافة خلابة ومتميزة. لم يرَ بازان ومتبعوه يابانَ ما بعد الحرب على الشاشة، ولكن التقاء ميزوجوشي (ويابان ما بعد الحرب) بإرثٍ خانته في جنونٍ حربُ المحيط الهادئ، وهو إرث جرَّمه الاحتلال الأمريكي، إرث احتاجَت اليابان الحديثة إلى اقتباسه إن كان للأمة أن تَبقى مميَّزة.

أجد التزام ميزوجوشي باقتباس تراث اليابان معروضًا بأوضح ما يكون في المشهد الافتتاحي لفيلم «أوتامارو ونساؤه الخمس» («أوتامارو آند هيز فايف وُمن»، ١٩٤٦) حينما يتحدى البطلَ الفنَّان للمُبارزة تابعٌ مغرور لمدرسة كانو الارستقراطية للرسم. كيف يُمكن لشخص من الطبقة الشعبية يَرسم من أجل المال أن يواجه رسامًا من النُّبلاء يرى الرسم نداءً دينيًّا؟ يبدأ نِزالٌ بفُرَش الرسم لا بالسيوف، ويتقدَّم أوتامارو بفضل ضربات رشيقة من فُرشاته ليَصنع لوحة لإلهة الرحمة. يقول أوتامارو منتصرًا: «حسنًا، هذا أفضل. ألا توافقني؟» مردفًا: «لقد بعثتُ الحياة في الشكل.» التدبير والتلقائية والتمثيل الحي لرمز ديني شهير؛ كل هذا كان في صفِّ الفنان الذي يأكل ويشرب وينام مع الناس. الواقع أن أوتامارو بعث إلى الحياة «جوانيان ذات الرداء الأبيض»، وهي أيقونة بوذية، منَحها الراهب الصيني موشي طابعًا دينيًّا في أواخر القرن الثالث عشر. يُصورها أوتامارو على الورق، ليس من خلال محاكاة تقليدية، ولكن من خلال تصوير روح الحركة والحياة التي أودَعها موشي في تحفته الفنية. ومثل أوتامارو تمامًا، أحسَّ ميزوجوشي بأنه هو وفنه في صف الناس، ومتصلان في الوقت نفسه بالمهمة التي يربط بها الفن الإنسانية بما هو مقدَّس.

هل تَحدُث مسائل النَّسْخ من الأعمال الأصلية الشهيرة — سواء بالترجمة أو الاستخلاص — في آسيا بالطريقة نفسها التي تَحدُث بها في الغرب؟ هنا، يؤسِّس ميزوجوشي لسابقة عظيمة؛ لأنه بمجرَّد أن سمحت الرقابة الأمريكية، أعاد إحياء بضعة نصوص يابانية شبه مقدسة، وقدَّمها للغرب. كان أول فيلم شد انتباه بازان هو «حياة أوهارو» («ذا لايف أوف أوهارو»، ١٩٥١) الذي يحمل عنوانه الياباني «سايكاكو إيشيداي أونَّا» اسم سايكاكو، المؤلف الياباني الشهير من القرن السابع عشر الذي يقتبس هذا الفيلم منه. بعد بضع سنوات، أعاد ميزوجوشي بدقة إحياء مسرحية عرائس محبَّبة، كتَبها شكسبير اليابان، مُحتفِظًا مرة أخرى باسم الشاعر في عنوان فيلمه «حكاية من تشيكاماتسو» (آ تيل فروم تشيكاماتسو). بين الفيلمَين، قدَّم ميزوجوشي واحدة من أشهر الحكايات اليابانية في فيلم «المأمور سانشو» (سانشو دايو)، معتمدًا على نسخة الأعمال الكاملة لموري أوجاي التي صدرت عام ١٩١٧، لكنه «طوَّرها» حيث يُنسَب الفضل إليه في إخراجها بالشكل الأمثل.43
ربما لأن موري أوجاي نفسه استعار الحكاية من نسخ سابقة،44 حوَّل ميزوجوشي اقتباسه إلى رمزٍ صريح للأمانة. في القصة، يُباع الطفلان المُختطَفان، أنجو وزوشيو، لمُعسكر عبيد بعيدًا عن أبويهما. وخلال محنتهما الطويلة، يُصلي أنجو لأيقونة بوذيسفاتا أعطاها والدهما لزوشيو. جعل ابنه يلمس الأيقونة بينما يُكرِّر بإخلاص حكمته: «كن رحيمًا بجميع البشر.» في النهاية، يتمسك زوشيو بروح التمثال وبالمعنى الحرفي للحكمة، تمامًا كما يتمسك ميزوجوشي بقوةٍ بالأسطورة التي اقتبسها خلال المُناخ الأخلاقي الآخذ في الاضمحلال في يابان ما بعد الاحتلال الأمريكي. لذا فقد صنَع ميزوجوشي من «المأمور سانشو» أيقونة تُمجِّد أيقونة أخرى، إلهة الرحمة المسكَّنة في وعاء ذخائر القصة.45

في عام ١٩٩١، أنتج تيرنس ماليك نسخة مسرحية من «المأمور سانشو» لأكاديمية بروكلين للموسيقى؛ كما أعدَّ اقتباسًا سينمائيًّا باللغة الإنجليزية، إلا أنه لم يُنتَج. هل كان عمل ميزوجوشي «الأصلي» رمزًا مقدَّسًا يُمكن لماليك إعادة إحيائه ببضع ضربات رشيقة، بالطريقة التي بعَث بها أوتامارو إلهة الرحمة؟ هل خطط ماليك لإعادة إنتاجه بتبجيل، وهو يضع اسمه على شارة الفيلم، كما فعل جاس فان زانت في إعادة صنعه لفيلم «المختل» (سايكو) عام ١٩٩٨؟ أم إن هذا المخرج الأصيل الشهير يهدف لتوسيع نطاق أسطورة عمرها آلاف السنين، مُرسلًا إياها من وراء الأفق إلى الجماهير الغربية بلغة جديدة؟ يكمن الفارق بين الأمانة (الرأسية) والتطبيق (الأفقي). اليوم، وفي مكانٍ بعيد غرب اليابان يقف تمثالا أنجو وزوشيو في انتظار السائحين الذين يأخذون حكايتهم أو سينماهم على مأخذ الجد. تُعلن الفنادق التقليدية أنها قريبة من موقع الحج هذا. لم تَنجح الأعمال المقتبسة التِّجارية إلا بالحفاظ على صِلَة بشيء مُتجذِّر بعمق.

وهكذا تعمل صناعة الاقتباس داخل اقتصاد ثقافي ثنائي الأبعاد.46 يَتحكَّم في المحور الرأسي الماضي والمستقبل، ويُقاس بالبُعد عن الأسلاف والآلهة الذين تُقتبَس منهم القيم الأخلاقية والدينية والأدبية؛ أما المِحوَر الأفقي فيُضاعف الثروة بنشر قيمة هذا الإرث عَبْر أرض معاصرة؛ لتصل إلى جماهير جديدة. بالتعامل في مفردات الاعتمادات والقيمة، يتعرض الاقتباس لتحليل اقتصادي، يتضمَّن الفهم اللاهوتي الأصلي للاقتصاد. منذ عام ٢٠٠٦، تعرَّف قراء «كاييه دو سينما» على هذا المنظور من خلال مقالات ماري-جوزيه موندازان، وهي مؤرِّخة للفنون حوَّلت خبرتها في حبِّ الأيقونات والخوف منها مباشرة إلى فهم الأفلام والتليفزيون في عصرنا الحالي.47 لكن عملها الأسبق هو ما يجيب على نحوٍ إيحائي عن الأسئلة التي يثيرها الاقتباس، وخصوصًا كتابها الرائع الذي يحمل عنوان «الصورة والأيقونة والاقتصاد: الأصول البيزنطية للمُتَخيَّل المعاصر».48
تَنبع سيطرة الغرب المبكرة على السينما من تقارب الحضارة المسيحية والرأسمالية بالتأكيد، وكذلك من أُلفتها الخاصة للصور، وهي ألفة نابعة من عقيدة الثالوث. بتأسيس نظام مالي كنَسي في نهاية الأمر يتاجر في الأيقونات، ينتمي «الاقتصاد» المسيحي الأولي إلى الثالوث. استخدم مؤسسو الكنيسة في أيامها الأولى هذا المصطلح لوصف إله واحد منقسم بين الأب والابن، صورته الطبيعية،49 ومرتبط بالروح القدس. هذا «السر» الثالوثي هو بمنزلة اختلاف أصيل داخل الشيء نفسه، مُثيرًا نقاشًا لا ينتهي بين الفلاسفة وعلماء اللاهوت، المؤمنين وغير المؤمنين. لكن ما يتجاوز النقاش هو خصوبة هذه العقيدة التي تؤسِّس لعدد من الوحدات الثنائية؛ مثل الفكر والكلمة، والصورة والجسم، وأخيرًا، الكينونة والمعنى.

يَعمل اقتصاد ثانٍ عمل حلقة التبادُل بين السماء والأرض من خلال المسيح. قادت نبوءات العهد القديم، والمظاهر الملائكية، والرؤى المسبَّقة إلى روايات العهد الجديد عن أفعال يسوع على الأرض في يهودا. تُفصِّل اثنتان من هذه الروايات (منسوبتان إلى متَّى ومرقص) لحظة مميَّزة؛ وهي لحظة «التجلي» التي ربَطت بين السماء والأرض على نحوٍ مرئيٍّ في صلة رأسية، حينما أشعَّ المسيح على جبل طابور بنورٍ سماوي. ومما هو بالغ الأهمية للكنيسة الشرقية خصوصًا، أن التجلي يَضمن قيمة الأيقونات التي هي نفسها صور سماوية مغمورة في النور، وتشعُّ به لأولئك الذين يُقدسونها.

الأيقونات شارات خاصة في تداول نظام اقتصادي لاهوتي ثالث، حيث يشتري المؤمنون الارتقاء من خلال تجارة للبركة تُنظِّمها الكنيسة. ولكون الأيقونات مبنيَّة على التشابه، ويُمكن نسخها، نبَّه تضاعُف أعدادها بعد القرن الخامس الميلادي الكنيسة، التي فقدت القدرة على ضبط استخدامها، وخافَت من تشتُّت السلطة. وعلى الرغم من أنها من صنع الإنسان، فهي تُشارك في نظام للقيمة، يَضمنه المسيح، «الصورة الطبيعية»، حين ينتجها بإخلاصٍ حِرفيٌّ مؤمن. تضمن الأمانة أن تمرَّ القيمة الفائقة للطبيعة، المبثوثة في النموذج الأوَّلي، إلى النُّسَخ. وحتى نُسَخ النُّسَخ تحمل القوة الروحية لمن يوقرونها.

يَختم كتاب موندازان بإظهار استمرار اقتصاد الصور في العصر الحديث. المثال المميَّز الذي تذكره هو نفسه الذي يَذكره بازان في مقاله «الأنطولوجيا»، وهو صورة «كفن تورينو المقدس». في ٢٩ مايو ١٨٩٨، سُمح لمصور هاوٍ يُسمَّى سيكوندو بيا بإزالة لوح زجاجي شفاف واقٍ من على الكفن، وتصويره لمدة عشرين دقيقة. تستشهد موندازان بتقرير الصحف: «غمس ألواحه الزجاجية في حوض التحميض؛ وفجأة، أظهرت الصورة السلبية أمام المصباح الأحمر صورة وجه المسيح التي لم يتوقَّع أحد لمدة ثمانية عشر قرنًا أن تظهر أمام عينيه.»50 بالجمع بين العلم والإيمان، والسلبية والإظهار، وكذلك الأيقونة والرمز، فإن صورة الكفن مُهمَّة أهمية الجثمان نفسه. من خلال النسخ الفوتوغرافي، أصبح بإمكان المؤمنين الآن الاحتفاظ بنُسَخ خاصة من «النسخة الأصلية» الرسمية للبقاء على اتصال بالمسيح، ولمسه حرفيًّا من خلال مجموعة من المُرحِّلات المادية. بدءًا من صورة الجيب حتى الصورة السلبية التي أنتجتها، إلى الصورة التي ظهرت عام ١٨٩٨ من الألواح الزجاجية التي ظهرت عليها صورة سلبية بفعل الضوء المنعكس أو المنبعث من الكفن، إلى الجسد الذي عاد للحياة، الذي ظلَّ لمدة ثلاثة أيام على اتصال بالكفن ليترك أثرًا غائمًا ودمويًّا لكنه لا يُمحَى. هكذا يسير اقتصاد الأمانة الرأسي؛ حيث يمكن تبجيل صورة بائسة الشكل تُظهر بالكاد لطخات غير قابلة للتفسير. لكن خارج هذا الاقتصاد، سواء فيما يخص غير المؤمن — أو المؤمن الذي أثبت له التأريخ بالكربون له أن الكفن مزيف — فإن الكفن ليس إلا خرقة بالية.

حينما أدخل بازان هذه الصورة كأول صورة توضيحية في كتاب «ما هي السينما؟» صحبها تعليقه: «هنا ينبغي للمرء حقًّا أن يفحص علم نفس الرُّفات والتذكارات التي تتمتع بميزات انتقال واقع ناشئ من «عقدة المومياء». دعونا فقط نُسجِّل في عُجالة أن كفن تورينو المقدس يجمع بين ما يشبه ملامح الجثمان والصورة.» ولذا فإن وثنًا (الصورة) لوثن حرفي (الكفن) يعمل كنوع من المباركة لمشروع بازان المكون من أربعة إصدارات. لكنها مباركة غير كاملة، إن جاز لنا قول هذا؛ لأنه بحلول عام ١٩٥٨ أدرك الجميع أن الكفن مزيف، وأن الصورة ما هي إلا دليل على خدعة، أو خرافة جامحة على الأقل. ما الذي كان في ذهن بازان حينما اقترح الصورة أو سمح لها بالتأثير في قراءتنا؟

تشي فقرة في وسط ذلك المقال بأحد الدوافع من خلال التلاعب بمعنى كلمة أمانة: «قد يُخبرنا رسم أمين للغاية حقًّا بالمزيد عن النموذج؛ لكن على الرغم من استثارة ذكائنا النقدي، فلن يَمتلك أبدًا القدرة غير العقلانية التي تملكها الصورة الفوتوغرافية على تغيير مسار إيماننا.»51 لماذا لا يَتساوى رسم «أمين» لجثة المسيح مع هذه الصورة الرثَّة في قوته النفسية؟ الآن ندرك الإجابة: يقول بازان إن الخواص الأيقونية التي تُقلد بها صورة فوتوغرافية الهيئة المرئية لما تُصوره، هي أقل سطوة بكثير من الصلة المادية للصورة بما تُصوره، ومنزلتها بوصفها نسخة منه. في هذه الحالة، فإن الصورة الفوتوغرافية هي نسخة من نسخة مزعومة للمسيح؛ لأن الكفن كان بمنزلة طبعة مباشرة بملامسة جسد المسيح. تُبجَّل صورة الكفن الفوتوغرافية فقط لأنها لا يَفصلها عن الإنسان الإله، مصدر الخلاص، سوى نسختين مطبوعتَين بطريقة الملامسة. «الإيمان» بالمسيح يُثير الإيمان بهذه الصورة الفوتوغرافية رغم تواضُعها الواضح أمام الرسومات أو اللوحات «الأمينة» التي تقدِّم وهم الحضور. على الجانب الآخر، فإن عدم نقاء تركيب هذه الصورة الفوتوغرافية يُصدِّق على الحضور الغريب لغياب الجسد المتصلة به، مهما يكن ذلك ضعيفًا. تكتسب كل الصور شيئًا من الأصالة التي تبثها الشوائب على سطحها؛ لأنَّ هذه تشير إلى أن الموضوع الحقيقي اختفى من الإشارة. ربما يقود بازان إلى دريدا ودولوز بتوسيعهما مفهوم «الفارق»، لكنه يقود هنا إلى موندازان، ويقود خصوصًا إلى جان-لوك نانسي الذي لا يكتب عن الفارق بل عن «التشابه» الجزئي الذي يؤدِّي من وراء المظهر إلى حقيقة حاضرة بسبب غيابها من الصورة.52 يُشير بازان كذلك إلى أن الاقتباسات، مثل الصور، يُمكنها الإشارة إلى حقائق وراء ظهورها.

في الواقع، يُنظَر إلى اقتباسات سينمائية معيَّنة على أنها أيقونات لإبداعات أدبية دينية. بحلول الأدب محلَّ الدين مصدرًا للسمو في المجتمع العلماني، يكون الدارسون هم كهنة الثروة الرُّوحية الموروثة المُعاصرون. يتجسَّد الصراع بين الانتشار الأفقي (لشكسبير أو جين أوستن على سبيل المثال) والسلطة الفنية أو الأكاديمية الرأسية اليوم في مناقشات حول الدراسات الثقافية. كان بازان مُهتمًّا بكلا الاقتصادين؛ وكما يُبيِّن مقاله العظيم «من أجل سينما مشوبة»، فقد رآهما متصلَين على نحوٍ صارم؛ حيث تستفيد الاقتباسات الشهيرة من «قيمة» الأعمال الأصلية، لكنها تُعزِّز في الوقت نفسه براعة السينما وهيبتها من خلال نوع من الأمانة.

يُختتم المثال الرئيسي الذي يَذكُره بازان بالصليب العاري الذي يَظهر في اللقطة النهائية لفيلم «يوميات قس في الأرياف». يُذكِّرنا بازان بأن ما هو موجود ليس أكثر من ظل لصليب (مرسوم بشكل أخرق على بطاقة مقدسة عادية) يسقط على الحائط الذي يعلو جثة القس من خلال قضيبَيْ نافذة. هذا «الافتراض» النهائي للصورة، هذا التجريد الروحي، أُعِد على مدى ساعتَين من خلال تغشية صوت القس، وكتاباته في دفتر يومياته، والآثار البيضاء والسوداء للبشر والأشياء، حتى نصل في النهاية إلى «إنجاز مهيب للسينما النقية. ومثلما تعتبر الصفحة البيضاء لمالارميه وصمت آرثر رامبو لغة في أرقى حالاتها، فإن الشاشة، بخُلوِّها من الصور وإرجاعها للأدب تُعتبر انتصارًا للواقعية السينماتوغرافية.»53

علَّم فيلمُ بريسون العظيمُ بازان أنه يُمكن لصناع الأفلام تحدِّي أنفسهم بتناول مادة أدبية غير سينمائية، وإنتاج «سينما مشوبة» من أفضل نوعٍ ثقافي. باستغنائهم عن «الأمانة الوهمية» في النَّسخ، تعلَّموا من خلال بناء السيناريو وتصميم المشهد مواجهة رواية أو مسرحية، وإنتاج شيء قريب من توازن الشكل والأفكار، يعمل في نطاق العمل الأصلي. أنجز بريسون، دون أن يكون تقليديًّا أو آليًّا على الإطلاق في اقتباسه للأصل، «أمانة مُدوِّخة تقريبًا من خلال الاحترام الإبداعي الدائم لمصدره.» لذا، فالأمانة الأصيلة تحتاج إلى الإبداع، وكذلك حسن النيَّة؛ مثل «الواقعية الحقيقية» التي ذكَرها بازان في مقال «الأنطولوجيا»، مُتحدِّيًا بها واقعية المظهر السطحية. ومثلما تصل الواقعية الحقيقية إلى جوهر موضوعها من خلال عمليات الاسغتراب الذاتي، أو عمليات التلميح والحذف، هكذا تتخلَّى الأمانة الأصيلة عن الملاءمة الواضحة لصالح الجانب الإبداعي. ربما يكشف التقاء اللغات بشأن نصٍّ قويٍّ عن شيء جديد عن النص الأصلي، وفي الوقت نفسه توسيع نطاق اللغتَين المستخدمتَين. بهذه الطريقة ما زال المنظور المحدود والنواقص والعيوب الحتمية لأي اقتباس سينمائي يستطيع تغيير هُوية السينما؛ وربما وجودها. يُساعد اللقاء التاريخي مع الأدب — ومع أيِّ موضوعٍ قوي — السينما في أن تُصبح ما تريد أن تكونه.

قبيل نهاية حياته، أبدع بول ريكور، زميل بازان في مجلة «إسبري» دراسة فلسفية عظيمة يخدم عنوانها فرضيتي: «الذات بوصفها آخر». السينما، مثل «الذات» في الهوية الشخصية؛ لن تثبَّت مطلقًا، لكنها في الوقت نفسه ليست سرابًا؛ فهي تعتمد على لقاءات مع «آخر» (ما هو خارج نطاقها). ورغم أن جسمك ليست له خلية واحدة شكلتك «أنت» منذ ثلاثين عامًا، وحتى إذا كانت ظروفك ومُعتقداتك وأصدقاؤك قد تغيَّروا، يُمكنك «إقرار» أفعالك، والالتزام بوعودك؛ يُمكنك أن تحكيَ تطورك. تتراكم الهُوية؛ وبدلًا من أن تكون قائمة لقاءات مُسلسلة زمنيًّا، هي، أكثر من ذلك، سرد للاكتشافات، تتبعه الوعود (حتى لو أُخْلِفَت)، والمواقف (حتى لو كانت أحيانًا سريعة الزوال). وهكذا، فإن السينما تَمضي قُدمًا حيث تقابل آثار عالَم أكبر؛ كما تمضي قدمًا كآلة ذكريات، مهيئة «نفسها» لما أصبحت عليه في هذه العملية من الاستكشاف والاشتباك بموضوع آخر، سواء أكان شخصًا أم ثقافة أم زمانًا.

يتَّضح أن عنوان دراسة ريكور مُقتبَس بشكل مباشر من قس بيرسون الريفي الذي كتب في يومياته قائلًا: «يعني السمو نسيان الذات.»54 باقتباس هذه الحكمة، دعوني أختم قائلًا: السينما، التي ليست شيئًا في حد ذاتها من حيث الأساس، إنما تُعنى بالاقتباس، تُعنى بما دُفعتْ لكي تَكونَه، وما يمكن أن تظلَّ عليه في السنوات المقبلة. أولئك الذين يهتمون من بيننا بما يكفي لتولي مهمة بازان، يجب أن يكونوا مُتيقِّظين في بحثنا عن السينما؛ لأنها تظهر بمظاهر جديدة دائمًا، متغيرة في جوهرها فقط.

هوامش

(1) Often thought to have been shot during a firefight, much of the dramatic footage of The Battle of San Pietro turns out to have been restaged, including the “involuntary” jerking of the camera. Still, Huston produced the experience of instantaneous action and risk. See Peter Maslowski, Armed with Cameras (New York: Free Press, 1993).
(2) Even in Hollywood, the 1948 Paramount Case had dealt a blow to the studios, freeing talent, encouraging independent producers, and opening the US market to foreign films.
(3) Eric Rohmer, “The Classical Age of Cinema,” in The Taste for Beauty (Cambridge: Cambridge University Press, 1989), 34–7.
(4) André Bazin, What is Cinema? (Berkeley: University of California Press, 1967), p. 72.
(5) Debord had gotten his start with The Lettrists. See Jennifer Stob, “With and Against Cinema: The Situationist International and the Cinematic Image.” Ph.D. dissertation (Yale, 2010).
(6) Marc Cerisuelo, in Trafic, 50 (Summer 2004), traces the genealogy of this expression and discusses Bazin particularly on pages 270–3. Bazin himself explicitly countered G. Altman (see Bazin, What is Cinema?, p. 55) and he would surely have objected to the title I have ironically given this book, as if we could know once and for all “what cinema is.”
(7) André Bazin, “Agnès et Roberto,” in Cahiers du Cinéma, 50 (August 1955).
(8) Varda was grateful for Bazin’s support and dedicated one of her shorts, Du Côté de la côte (1958), to him.
(9) This mode of exploration as self-critique had been pioneered by Michel Leiris in L’Afrique fantôme (Paris: Gallimard, 1934), a fundamental text for Rouch.
(10) In the 1950s, Bazin reviewed Rouch’s Les Maîtres fous, Resnais’ Night and Fog, Jean Painlevé’s shorts on insects, and Pierre Braunberger’s The Bullfight (La Course de taureaux, 1951). In writing of this latter, he brought up the disturbing case of newsreels of wartime atrocities and actual deaths. Here cinema reached its limit—the limit, that is, of human experience, since death amounts to “subject matter” that, properly speaking, lies just beyond the subject’s experience. Even the avant-garde finds the road barred here. See “Death Every Afternoon,” in Ivone Margulies (ed.), Rites of Realism (Durham, NC: Duke University Press, 2002).
(11) Jacques Rivette, “Letter on Rossellini,” in Jim Hillier (ed.), Cahiers du Cinéma, vol. 1, 1950s: Neorealism, Hollywood, New Wave (London: Routledge and Kegan Paul, 1985), pp. 192-3.
(12) Antoine de Baecque, Cinéphilie: invention d’un regard, histoire d’une culture, 1944–1968 (Paris: Fayard, 2003). See especially the section “La bataille du moderne,” pp. 311–21.
(13) A careful definitional and historical examination of these terms came out after I drafted this section. The reader is referred to András Kovács, Screening Modernism: European Art Cinema, 1950–1980 (Chicago: University of Chicago Press, 2008), esp. chs 1 and 2.
(14) Annette Michelson, review of What is Cinema?, Artforum, 6(10) (1968), pp. 68–72.
(15) Noël Carroll, Philosophical Problems of Classical Film Theory (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1988).
(16) Cited by François Dosse, Paul Ricoeur: les sens d’une vie (Paris: La Découverte, 1997), 270. Also see Dudley Andrew, “Tracing Ricoeur,” Diacritics, 30(2) (2000), pp. 43–69.
(17) Their dialogue began after Malraux’ Espoir was screened in 1945.
(18) As Bernanos’ literary executor, Béguin had awarded the project to adapt Le Journal d’un curé de campagne to Bresson after the author had turned down Pierre Bost’s proposal. Bazin alludes to this in his caustic final sentence to his review of the Bresson film. See Bazin, What is Cinema?, p. 143.
(19) Aaron Gerow, A Page of Madness, Cinema and Modernity in 1920s Japan (Ann Arbor: Center for Japanese Studies, 2008).
(20) Eric Rohmer, “The Classical Age of Film,” in The Taste for Beauty (Cambridge: Cambridge University Press, 1989), 34.
(21) Eric Rohmer, “The Classical Age of Film,” in The Taste for Beauty, p. 42. Originally published in Combat, June 15, 1949.
(22) Rohmer, “The Romance is Gone,” in The Taste for Beauty, p. 39.
(23) Bazin, What is Cinema?, p. 130. Hugh Gray, Bazin’s translator, singles out this sentence on page 7 of his intro duction.
(24) Ibid., p. 131.
(25) Bazin’s contribution to Sept Ans du Cinéma français took up that tiresome and discredited amalgam, “Filmed Theater.” Intent to find genuine cinema operating even here, he judged Cocteau’s Les Parents terribles a pure adaptation because it was undertaken by the author himself. Rather than rework the play’s subject in a new medium, Cocteau took the play itself as his subject, filming it as a witness might.
(26) André Bazin, “Position critique: Défense de l’adaptation,” La Revue des lettres modernes, 36–8 (Summer 1958), p. 195.
(27) I list other examples in Dudley Andrew, “Old as New,” an introduction to Breathless: Jean-Luc Godard, director (New Brunswick, NJ: Rutgers University Press, 1988).
(28) Bazin, What is Cinema?, p. 40.
(29) لَين على أكتاف كتَّ
Hervé Joubert-Laurencin has latched onto this enigmatic phrase in Bazin’s original version of the “Ontology” essay, which he modified for the 1958 collection.
(30) André Bazin, “The Death of Humphrey Bogart,” Jim Hillier (ed.), Cahiers du Cinéma, vol. 1, 1950s, pp. 98–101; originally published in Cahiers du Cinéma, February 1957.
(31) See Hervé Joubert-Laurencin, “Bazin contre la politique des auteurs. Pour contribuer à une archéologie de l’anti-bazinisme des Cahiers du Cinéma,” lecture given in Paris, December 7, 2007.
(32) René Clair, “On Credits,” in Cinema Yesterday and Today (New York: Dover, 1972), pp. 231–4.
(33) In two essays called “Le Travail du film” (Enclitic, Spring 1978 and Camera Obscura, Spring 1980), Thierry Kuntzel brilliantly explained how the first images and sequences of M (Fritz Lang, 1931) and The Most Dangerous Game (1932), respectively, are the core fantasies that the rest of these films unravel through the logic of the plot.
(34) J. D. Connor, “The Persistence of Fidelity: Adaptation Theory Today,” M/C Journal, 10(2) (2007).
(35) I discuss the coincidental historical drama that made this 1934 version politically charged in “Economies of Adaptation,” in Colin MacCabe, ed., The Virtues of Fidelity (Oxford: Oxford University Press, forthcoming).
(36) Claude-Edmonde Magny, The Age of the American Novel: The Film Aesthetic of Fiction between the Two Wars, trans. Eleanor Hochman (New York: Ungar, 1972). Henri Focillon’s Vie des formes came out in 1934, just when Magny was beginning to formulate her thesis. While Bazin was far more explicitly indebted to Malraux’ work in art history, he often spoke of “forms” in a way that seems to go straight to Focillon. Sally Shafto adds Focillon to the list of key names governing modern film aesthetics in “Leap into the Void: Godard and the Painter,” Senses of Cinema (online), originally published in French in CinémaAction, 109 (2003).
(37) André Bazin, What is Cinema?, trans. Timothy Barnard (Montreal: Caboose, 2009), p. 131. I use the Barnard version because it is far closer to the original, proving the point of the citation.
(38) Bazin, What is Cinema?, trans. Barnard, pp. 124-5.
(39) Lawrence Venuti, “Adaptation, Translation, Critique,” Journal of Visual Culture, 6(1) (2007), pp. 25–43.
(40) Walter Benjamin, “The Task of the Translator,” in Illuminations (New York: Schoken Books, 1968).
(41) See my “Malraux, Bazin, and the Gesture of Picasso” in Dudley Andrew (ed.), Opening Bazin (New York: Oxford University Press, 2010).
(42) André Bazin, “Le film d’art: est-t-il un documentaire comme les autres?” Radio-Cinéma-télévision, 75 (June 24, 1951).
(43) I elaborate this point in Dudley Andrew and Carole Cavanaugh, Sansho Dayu (London: British Film Institute, 2000), pp. 49-50.
(44) For the distinction between “borrowing” and adapting, see my “The Well-Worn Muse: Adaptation in Film History and Theory,” in Syndy M. Conger and Janice Welsch (eds.), Narrative Strategies in Film and Prose Fiction (Macomb: Western Illinois University Press, 1980); reprinted in Dudley Andrew, Concepts in Film Theory (Oxford: Oxford University Press, 1984), and in James Naremore, Film Adaptation (New Brunswick, NJ: Rutgers University Press, 2000).
(45) Should we care that Mizoguchi was seen praying to a Buddhist figure in his Venice hotel room the night before being awarded the Silver Lion for Ugetsu?
(46) Jim Collins argues that the high-concept adaptation has become the calling card of Global Hollywood. See his analysis of The English Patient (1996), Shakespeare in Love (1998), and other literary blockbusters in Bring on the Books for Everybody: How Literary Culture Became Popular Culture (Durham, NC: Duke University Press, 2010).
(47) Marie-José Mondzain, “Can Images Kill?, Critical Inquiry, 36(1) (2009).
(48) Marie-José Mondzain, Image, Icon, Economy (Stanford, CA: Stanford University Press, 2005). This book is cited by Jean-Michel Frodon, Horizon Cinéma (Paris: Cahiers du Cinéma, 2006), p. 30.
(49) Marie-José Mondzain, L’Image naturelle (Paris: Nouveau Commerce, 1995).
(50) Mondzain, Image, Icon, Economy, p. 197.
(51) André Bazin, “Ontology of the Photographic Image,” in What is Cinema? p. 14. Bazin’s famous phrase in the “Ontology” essay is as follows: “Le dessin le plus fidèle peut nous donner plus de renseignements sur le modèle, il ne possèdera jamais, en dépit de notre esprit critique, le pouvoir irrationnel qui emporte notre croyance.” This is translated by Barnard on p. 8 as “The most faithful drawing can give us more information about the model, but it will never, no matter what our critical faculties tell us, possess the irrational power of photography, in which we believe without reservation.” See also Philip Rosen, “On Belief in Bazin,” in Andrew (ed.), Opening Bazin.
(52) Jean-Luc Nancy, The Ground of the Image (New York: Fordham University Press, 2005), esp. ch. 3, “Forbidden Representation.”
(53) Bazin, What is Cinema?, p. 141.
(54) Paul Ricoeur, Oneself as Another (Chicago: University of Chicago Press, 1990), p. 24.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١