ثانيًا: التاريخ المتبادل

وتبدو القراءة في التاريخ الموازي والإحالات المُتبادلة، وردُّ تاريخ اليونان إلى تاريخ الأنبياء، ومسار الآخر إلى مسار الأنا. فإبراهيم وموسى في الفترة ما بين أفلاطون الطبيب وأسقليبوس الثاني. والمسيح في الفترة ما بين أبقراط وجَالينُوس. لا يهمُّ أي مسار في إطار الآخر، إنما الأهم هو تداخُل المسارَين في تاريخٍ مُتوازٍ ومتداخل ومُتعدِّد الرُّؤى.١ عاش أنبادقليس زمن داود. أخذ الحكمة منه وهو في الشام. وعاش جَالينُوس بعد المسيح بمائتي عام. ولا تُهمُّ الصحة التاريخية بقدر ما تهم إحالة اليونان إلى الأنبياء. لا يهمُّ حساب التاريخ، فالتاريخ نمَط مثالي وليس تتابُعًا زمنيًّا.٢ وعاش أبولن بعد زمن موسى.٣ وظهر جَالينُوس في زمان عيسى، وبقراط قبله، والفلسفة في اليونان قبل المسيح، وهوميروس بعد زمان موسى بنحو خمسمائة وستِّين عامًا، وأفلاطون الزنديق لجعله الله علَّة العِلَل؛ عاش في عصر موسى، عصر التكفير.٤ وظهر أبلن زمن موسى، وربما براق الحكيم وزمنه.٥ وكتب أفلاطون جوامع سياسة المدن زمن عيسى. ونشأ عِلم النجوم من بابل من جهة الكلدانيِّين زمان إبراهيم. وأحيانًا يُؤرَّخ للمسيحية باليونانية. فقد ظهرت النصرانية أيام جَالينُوس. ويُؤرَّخ لأول فيلسوف يوناني من وفاة موسى، وديمقريطس وأنكساجوراس في زمان مالاخا النبي.
ويُحدَّد تاريخ الروم بتاريخ الأنبياء، من إبراهيم إلى موسى، ومن موسى إلى المسيح، ومن المسيح إلى جَالينُوس، ومن أسقليبوس إلى إبراهيم، بصرْف النظَر عن دقَّة السنوات أسوةً ببداية التاريخ في الأناجيل وأنساب المسيح حتى آدم وإجابة على سؤال كيف بدأ التاريخ كما يتَّضِح في بعض العناوين «البدء والتاريخ».٦
كما تتمُّ إحالة تاريخ اليونان إلى تاريخ الفُرس وتاريخ الفرس إلى تاريخ اليونان، والإسكندر إلى دارا وأردشير ويزدجرد. وقد تمَّ قتل يزدجرد أيام عثمان عام ٣٢ﻫ بعد ملكٍ ساد لهم ٣١٤٦ عامًا، حتى أخَذَ مُلكهم مَلِكُ الملوك.٧ وعاش أبقراط زمن أردشير بهمن الفارسي جدِّ دارا بن دارا الذي عالجَه أبقراط ورفض أن يأخُذ أجرًا منه أو يُقيم عنده. وكانت ولادة أفلاطون ومَوته والإسكندر زمن أردشير. ولم يكن بطليموس بعيدًا عن عصره. وعاش أبقراط وديمقريطس في زمن بهمن بن أسفنديار بن كشتاسب. وبزغ نجم فيثاغورس زمان دارا الثاني. وعاش أفلاطون زمان أرطخشاست من بلاد فارس وهو كشتاسب الملك الذي خرج إلى زرادشت. وكان أبقراط أيَّام بهمن بن أردشير.
كما يُرد تاريخ اليونان إلى تاريخ البابليين، من طاليس إلى ملك نبختنصَّر.٨ كما ظهر طاليس أثناء ملك نبختنصر وبزغ نجم سقراط أيام نبختنصَّر. ونشأت الكتابة والحروف اليونانية زمن أردشير أربعة عشر حرفًا. والأقل إحالةً هو إحالة اليونان إلى بابل مثل ظهور بطليوس أيام نبختنصر.
وقد يُحال إلى العرب، فهوميروس الشاعر عند اليونان بمنزلة امرؤ القيس عند العرب.٩
ويؤرَّخ للكلدانيين بأنبياء بني إسرائيل. فقد ظهر علم النجوم في بابل زمن إبراهيم.١٠ ونادرًا ما يُحال إلى التاريخ الهندي. إلَّا أنَّ الشهرستاني الذي أفرد للهند مساحةً كبيرة في «الملل والنحل» يُحيل زمان ظهور موسى إلى زمان طهمورث، آخر ملوك الهند.١١
وقد يحيل التاريخ إلى نفسه، وتُحدَّد مُعاصَرة حكيمَين من حكماء الإسلام بالنسبة لبعضهم البعض. فثابت بن قرة وقسطا بن لوقا مُعاصران للكندي. ولا تُهم المعاصَرة التاريخية الزمانية بقدْر ما تُهم المعاصرة الفكرية. فالحكماء أنماط مثالية خارج التاريخ. وأحيانًا يؤرخ لظهور الإسلام بدولة هرقل.١٢ كما يُؤرَّخ اليونان باليونان. فعاش طاليس بعد هوميروس، وأفلاطون علَّم أرسطو، وظهر الشِّعر قبل الفلسفة عند اليونان. ويُؤرَّخ لأنكساجوراس بطاليس، والإسكندر باليونان، وإقليدس نقطة إحالة من غيره، الأقل شُهرة مثل أخريميدس إلى الأكثر شهرة.١٣ ويؤرخ لإسرائيل بإسرائيل، داود وسليمان.١٤ وهناك روايات مُتعدِّدة عن لقمان. ويؤرَّخ للفرس بالفرس، دارا ملك الفرس. ويؤرخ لبابل ببابل، الملك نبختنصر.١٥
فإذا ما قوي الوعي بالذات يُصبح التاريخ الهجري هو أساس كتابة تاريخ الحضارات الأخرى القديمة أو الحديثة كما فعل البيروني في تاريخ حضارة الهند بالهجري. ويكون التاريخ بالهجرة عند الشهرزوري كنقطة انتقال من الوافد إلى الموروث. وإبراهيم بن زهرون يؤرخ له بالهجري بعد أن كان التاريخ باليوناني، إقليدس أو الإسكندر.١٦
وهذا هو الذي يُسَمَّى بمقارنة الحضارات، وقراءة بعضها بالبعض الآخر كما يفعل البيروني عندما يقارن الهند باليونان والرومان، وباليهود والنصارى والسريان، وبالعرب والمسلمين ثم بأوروبا، من القمة إلى القاعدة، أو من المركز إلى الأطراف. فالغاية حوار الحضارات، ليس فقط من البيروني، بل من كل من يُريد أن يأتي بعدَه فيجد الطريق مُمهدًا أمامه بعرض عقائد الهند وفلسفاتها.١٧

وقد يكون الهرم مقلوبًا إذا كان القصد هو بيان مدى اتساع رُقعة المقارنة. فالهند هو الموضوع الرئيسي الأكثر اتساعًا تتمُّ مقارنته بدوائر أقل.

ولا تعني المُقارنات الاغتراب الحضاري، بل التمايُز الحضاري، التنوع والوحدة، بلغة الأنا والآخر، مثل ما بيننا وبينهم من اتفاق في عدد البروج وأربابها.١٨ وبالرغم من أنَّ الحضارات في التاريخ وعبر الزمان واختلاف العصور مقارنة بين الأوائل والأواخر إلا أنها تتمُّ خارج الزمان كأنماطٍ مثالية ووحداتٍ مستقلة. تدرس الهندوكية والمسيحية في علاقة النفس بالبدَن وأساطير الشرِّ وصِلة المانوية بالمسيحية. والإسلام هو المُوجِّه للمقارنة والموحِّد لأطرافها والقاضي بأحكامها النائية. ولكلِّ دِينٍ خاصيتُه ومحوره وماهيته. الإخلاص للإسلام، والتثليث للمسيحية، والسبت لليهودية، والتناسُخ للهندوكية.١٩ ويقارن بين العقوبات والسوط. وإذا ارتبطت السياسة بالدِّين فسد العالم، وإذا انفصلا صلُح حال العالم. والتاريخ المقارن ليس تاريخًا رصديًّا سرديًّا، بل هو أقربُ إلى قراءة التاريخ لأنه لا تتمُّ المقارنة إلَّا بناءً على قراءة أحد طرَفي المقارنة من منظور الآخر أو قراءة الطرفَين من منظورٍ ثالث يكشِف في العادة عن أوجه التشابُه أكثر مما يُبيِّن أوجه الاختلاف لأنه طرف ثالث وحدوي، يُوحِّد أكثر مما يُفرِّق.
ويُبيِّن البيروني السماوات السبع من أقوال يحيى النحوي وهوميروس الشاعر وأفلاطون لأرسطوطاليس.٢٠ الشعراء والأطباء والحكماء والأنبياء والقُوَّاد ساهَموا جميعًا في وضْع حكمةٍ واحدة. والحكمة والنبوَّة عند الشهرزوري من مشكاةٍ واحدة. ويمكن عقد حوار بين محمد وعمر وأرسطو بعد فتح مصر. فالثلاثة مُتعاصرون فكريًّا وليس زمانيًّا. والمُعاصَرة ليست بالضرورة من الدرجة الأولى، المعاصرة الحسِّية المباشرة، ولكن من الدرجة الثانية؛ أي الفكرية المعنوية. وقد تكون أكثر عُمقًا ودلالةً من المعاصرة الزمانية التاريخية.٢١ ويضع الشهرزوري في بداية الحضارة البشرية الشعراء والأطباء والحكماء والأدباء والقُوَّاد أي مجموع البشر. ويضع المسيحية والمسلمين، العرب واليونان، الشرق والغرب في بداية تاريخية واحدة. غريغوريوس وباسيليوس رمزان للشرق والغرب، للدين والحكمة، للنبوَّة والفلسفة، للنص والطبيعة، لا فرق بين آدم وشيث من ناحية وبين أفلاطون وأرسطو من ناحية أخرى. الكلُّ مُسلم. وتُعبِّر مجموعة الأمثال والحكم والمواعظ الصوفية الأخلاقية عن هذه الفلسفة الخالدة.
وكما يتكيَّف الوافد طبقًا للموروث يتكيَّف الموروث طبقًا للوافد، ويتحوَّل الإسلام إلى كهنةٍ وملوك ورعية وسياسة حتى يمكن المقارنة بينَه وبين الحضارات الوافدة. وتبرُز أهمية الحِكمة والعقل كما تبرُز أهمية السياسة والدولة. فالفلَّاحون كيمياء الأرض بالزَّرع والنبات لها حتى يمكن مقابلة اليونان، ومقابلة الوافد من فارس، كل ذلك في أسلوبٍ شرقي معروف عن الأنبياء «والحق أقول لكم.» مع إعلان عن الجهاد، والحدود الإسلامية مثل حدِّ الرجم. كلُّ الحكماء إلهيُّون. وكل حكيم إلهي أخلاقي بالضرورة. ولا يُوجَد حكيم منطقي أو طبيعي.٢٢ وقد تحدَّث الرسول عن أرسطو كما تحدَّث أرسطو عن الرسول في حلم المأمون وفي الأحاديث المَرويَّة من الرسول عن أرسطو: «والله لو كان أرسطو حيًّا لكان أول أتباعي.»

وحكماء اليونان تلاميذ الأنبياء. فقد أخذ أنبادقليس الحكمة من لقمان. فهو من تلاميذه. وحكماء بحر إيجه تلاميذ أنبياء الشام. إلا أنَّ أنبادقليس تكلم في خلق العالم ولم يَعرِف المعاد. فلا عقل بلا قلب، ولا فلسفة بلا تصوُّف، ولا نبوَّة بلا حِكمة. لذلك انتسب أنبادقليس إلى الباطنية. وبطبيعة الحال ليس المقصود التاريخ بل الرؤية للعالم. فالتاريخ نمَط مِثالي يتحكم فيه الفكر وليس الزمان. الفلسفة اليونانية مصدرها عبراني ومؤسِّسها لقمان. ولمَّا كان الإسلام وريث الأنبياء فإنَّ الإسلام في تاريخه الطويل مصدر اليونان منذ آدم.

وأعظم فلاسفة اليونان خمسة: أنبادقليس، وكان زمن داود، آمَن بخلق العالم، ولكنه قدَح في المعاد، وأنصاره من الباطنية. وفيثاغورس تلميذ سليمان في مصر، تعلم الهندسة والطبيعة والدِّين والألحان من المصريين. وسقراط تلميذ فيثاغورس؛ أي تلميذ الأنبياء والمصريين، انشغل بالعلوم الإلهية وزهد في حياته. خالف اليونانيِّين في عقائدهم. أمَّا أفلاطون وأرسطو فما زالا على عبادة الأصنام، وآراؤهما في المعاد ضعيفة. وفيثاغورس هو مُؤسِّس الفلسفة اليونانية. أخذ منه سقراط ثم أخذ أفلاطون من سقراط ثم أخذ أرسطو من أفلاطون. حتى أرسطو فيثاغورسي. وهو تلميذ أفلاطون الأثير. وضع المنطق تعبيرًا عن رياضيَّات فيثاغورس. وخلود النفس الذي عبَّر عنه أفلاطون في «فيدون» مُعبرًا عن رأي سقراط أصله من فيثاغورس. وتكشف محاورة طيماوس عن عالم روحاني، عالم المُثُل العقلية، عالم الربوبية. وإنَّ تصنيف أرسطو للفلسفة فيثاغورسي النشأة. فالفلسفة إمَّا علومها؛ أي الفلسفة النظرية، التعليمية والطبيعية والإلهية؛ وإمَّا أعمالها أي الفلسفة العملية، النفس والأخلاق والسياسة؛ وإمَّا آلتُها وهو المنطق.٢٣ واليونان مُوحِّدون بالله، لكنهم يتوسَّطون بالأصنام بينهم وبين العلَّة الأولى كالصابئة والعرَب.٢٤ وفيثاغورس أخذ الحكمة من مصر؛ فمصر هي الأصل. أخذ منها الهندسة كما أخذها من سليمان في مصر، داخلًا إليها من الشام، برًّا وليس بحرًا، حيث تعلم من الكلدانيين أيضًا. وعرف أنَّ فوق العالم الأرضي عالمًا علويًّا نورانيًّا لا يُدرَك إلا بالعقل. فاليونان تلاميذ المصريين والأنبياء إمَّا كطريقَين مُستقلَّين أو كطريقٍ واحد، الأنبياء في مصر، ومصر في تراث الأنبياء، فالفلسفة اليونانية مصدرها مصري. فقد أخذ مُعظم فلاسفة اليونان حِكمتهم من مصر، فيثاغورس، طاليس، أفلاطون، هيرودوت، أفلوطين، هرمس. ولا يُهمُّ من هي مصر تاريخيًّا. هل هي بلد العمالقة؟ هل العمالقة هم الفراعنة؟ لا يذكر اسم الفراعنة، بل القِبط سكان مصر. وأحيانًا يبدو المصريون أهل ذمَّة حتى وقت صاعد. وهل الإسكندرانيون يونان مُقيمون في مصر، أم مصريُّون يتحدَّثون اليونانية؟ فمصر هي نشأة الحضارات، والمصريون أساتذة اليونان، والجنوب مُعلم الشمال، وليس كما هو الحال الآن الشمال معلم الجنوب بعد نهبِه.
وأحيانًا أقلَّ أخذَ الأنبياء حِكمتهم من اليونان. فقد نُقِل الطبُّ اليوناني إلى إبراهيم وعيسى والمسيح.٢٥ تعلَّم العلوم الطبيعية والإلهية من المصريين، وأخذ الهندسة منهم ورجَع بها إلى اليونان. رابَط الكهنة بمصر، وتعلَّم منهم الحكمة، وصنَّف لغة المصريين بثلاثة خطوط، العامة والخاصة، وهو خطُّ الكهنة وخط الملوك. واشتاق إلى الاجتماع بكهنة مصر، فذهب إلى عين شمس وامتحنوه فقصَّر. وقبلوه كُرهًا. ولمَّا فشا ورعُه أعطاه أماسيس سُلطانًا على الضحايا للربِّ لم يُعطَ لغريبٍ قط. ثم رجع إلى بلاده. هناك إذن مصر وفلسطين قبل اليونان.٢٦
كانت مصر مَنبع العلوم وأصل الحضارات، ومهبط الوحي والرسالات. ربما ولد فيها إدريس، هرمس الهرامسة. وأتاها أفلاطون وأرشميدس وفيثاغورس وطاليس مُتعلِّمين. كانت مصر مركز الحضارات القديمة، وجمعت الإسكندرية بين حضارات الشرق وحضارات الغرب، وحافظَت مصر على التراث اليوناني من الضَّياع فيما عُرف باسم مدرسة الإسكندرية، وفيها تمَّ اللقاء بين الحضارات ونشأة العلوم. وإليها هبط الكلدانيُّون والكنعانيون على رغمٍ من هجاء بعض الشعراء لها.٢٧
واليونان أكثر توحيدًا وتنزيهًا وتقدُّمًا في الوعي الإنساني من عهد الهنود. وكانوا يستمدُّون علومهم من الله ومن القريحة؛ أي من الوحي والطبيعة التي تشمل العقل والفطرة.٢٨ فالحكماء أنبياء، والأنبياء حُكماء. كان اليونان أيام الجاهلية قبل ظهور النصرانية على ما عليه الهنود من العقيدة. ثم فازوا بالفلاسفة الذين نقَّحوا لهم الأصول الخاصَّة دون العامة؛ لأنَّ قصارى الخواص اتِّباع البحث والنظر، وقصارى العوام التهوُّر واللجاج إذا خلَوا عن الخوف والرهبة.٢٩ كان اليونان في القديم يوسِّطون الأصنام بينهم وبين العلَّة الأولى، ويعبدونها بأسماء الكواكب والجواهر العالية؛ إذ لم يصِفوا العِلة الأولى بشيءٍ من الإيجاب، بل بسلب الأضداد تعظيمًا لها وتنزيهًا. فكيف يقصدونها للعبادة؟ ولما نقلت العرب من الشام أصنامًا إلى أرضهم عبدوها كذلك ليقربوهم إلى الله زُلفى استشهادًا بأفلاطون في المقالة الرابعة من النواميس.٣٠ وجَالينُوس في كتاب «أخلاق النفس» يذكر صنمهم هرمس. والصابئة عبَدَة الكواكب والأصنام، علماؤهم فلاسفة، وفلاسفتُهم علماء، وهم مُحبُّو الحكمة التي تجمع بين الفلسفة والعلم. ولكن لما تنصَّر الروم منعوا الفلسفة وحرَّموا الكلام فيها؛ إذ كانت في الظاهر ضدَّ شرائع النبوَّة. تحملت الفلسفة الدين في البداية ولم يتحمَّل الدين الفلسفة في النهاية.٣١
وتتمُّ أسلمة الوافد ككل، فالحكماء يبحثون في أوصاف الخالق الواجبة له، إمَّا دهريون ويجحَدون الصانع (طاليس)، وإمَّا طبيعيُّون يبحثون في أفعال الطبائع مثل أصحاب الطبائع من قُدَماء المُعتزلة. فمجَّدوا الله وعظَّموه وتحقَّقوا بمخلوقاته. هنا تُرَدُّ الفلسفة إلى الدين، ويُصبح الحكماء من كبار المؤمنين بالله واليوم الآخر وبالبعث والنشور وما جاءت به الكتُب على لسان الأنبياء.٣٢ فالحكماء ثلاثة: دهريون مجدوا الخالق مثل طاليس، وطبيعيون انتقلوا من الخالق إلى المخلوق، وإلهيُّون وهم الحكماء المُتأخِّرون سقراط وأفلاطون وأرسطو.
وقد استمدَّ اليونان علومهم من الشرق القريب لهم من الكلدانيين والبابليين أو من الشرق الأبعد عنهم، فارس والهند. فالشرق أصل الحضارة والغرب تابِعُه. «ريح الشرق» بدأت أوَّلًا قبل «ريح الغرب»، وربما إليه يعود. لا تاريخ بلا جغرافيا، ولا زمان بلا مكان.٣٣ قد يكون زرادشت، نبي فارس، مصدر حكمة اليونان عند الشهرزوري. حكمة فارس مصدر حكمة أرسطو طبقًا لإحدى احتمالات الشهرزوري وطبقًا لأستاذه السهروردي الذي نهَل من أساطير فارس القديمة لتأصيل حِكمة الإشراق.٣٤ وفي ملك بهمن الفاضل ظهر ديموقريطس. فالاحترام ليس فقط لملوك اليونان بل أيضًا لملوك الفُرس.٣٥ وظهر ديمقريطس وأبقراط في زمن بهمن الفاضل بن أسفنديار بن كستاشب. وعرف اليونان كتابتهم في مُلك دارا بن أردشير. ووُلد أفلاطون في نفس الفترة. ومات قبل سنتَين من وفاة أرسخو. وملك على بلاد مقدونيا فيلبس زمن أردشير الثاني. ووُلد الإسكندر سنة ١٣ من ملك أردشير. وعاش فيثاغورس زمان دارا الثاني. وقد نقل العرب القُدَماء الدواوين الفارسية قبل الحكمة اليونانية. فضرورة العمل سابقة على ضرورة النظر، وعند بعض المُعاصِرين أصل الحكمة العروبة، والعروبة أصل الأشياء.٣٦

وأول الحكماء آدم أبو البشر تأكيدًا على تماهي النبوَّة والحكمة. فأول الأنبياء هو أول الحكماء، وأول الحكماء هو أول الأنبياء. فالحِكمة مُرتبطة بوجود الإنسان الأوَّل. وبصرْف النظر عن مكان إقامته على الأرض أو زمانه هو أول من استخرج العلوم والصنائع ودوَّنها. كل ذلك بناءً على توجُّهٍ لا شعوري من آية: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا. تدوين الحكمة وإنشاء الصنائع، فالعلم وراثة جيلًا وراء جيل.

وشيث ابن آدم عليه السلام كالأنبياء، هو أوريا الأوَّل. وأغاثاذيمون أستاذ هرمس الهرامسة المُسَمَّى إدريس عند العرب، وتنتسِب إليه الصابئة. فشيث هو مُمثل الحضارات كلها، كما أنَّ آدم مُمثل البشر جميعًا، مصري يوناني، عبري كلداني دون أن يتعدَّى الحدود إلى فارس. علم الصابئة جزء منه وجزء من يحيى. لا يقولون بحشْر الأجساد، بل الأرواح وحدَها. الفلسفة إذن أصيلة وقديمة، حروفهم نبطية، وكتابهم زبور مُكوَّن من مائةٍ وعشرين سورة، وقبلتُهم المقدس. ظهر بالشام أو صعيد مصر. وهذه تركيبة حضارية أولى تُمثل وحدة حضارية واحدة في الشرق الأوسط القديم. وتقوم مبادئ شيث ومذهبه على المعرفة بالله والملائكة وحملة العرش، معرفة الخير والشر، الطاعة للملك الذي استخلفه الله في الأرض، برِّ الوالدين، المعروف بقدْر الطاعة، مواساة الفقراء، التعصُّب للغرباء، الشجاعة في طاعة الله، العِصمة عن الفجور، الصبر بالإنابة واليقين، صِدق اللهجة، العدْل، القنوع في الدنيا، الضحايا والقرابين شكرًا لله على نِعَمه، الحلم وحمد الله على مصائبه، الحياء وقلَّة المُماراة. وواضح من هذه المبادئ أنها تجمع بين أصلَي التوحيد والعدل، والأخلاق الصُّوفية، والطاعة للحُكام، والعلاقات الأُسرية. إنما التعصُّب للغرباء هو الأمر الغريب الذي لا يتَّفق مع التوحيد والعدل وأخلاق الصُّوفية. واضح أنَّ هذه تركيبة ذهنية، إبداع حضاري في صورة شيث. وربما هي آليَّات للتَّخفِّي لمذهبٍ شيعي عن صِلة الراعي بالرعية بالرغم من علاقة الطاعة، مجرَّد رؤية حضارية شاملة تُعبِّر عن وحدة الحضارة البشرية في البداية قبل تنوُّعها.٣٧
شيث أول الحكماء، مصدر الحكمة والشريعة، وحدة الحضارات الأولى قبل أن تنقسِم إلى حكمة يونانية وحكمة إسلامية. وإذا كانت فضائل المؤمن ستَّ عشرة فضيلة، فأولها المعرفة بالله عز وجل وطاعته وقُدسية الملائكة وحمَلَة العرش.٣٨ ولا تُهمُّ الدقَّة في تاريخ الأنبياء وتسلسُلهم، بل المُهم هو النبوَّة كنمَط، الأنبياء كنموذج. فلِمَن كان شيث ابن آدم نبيًّا ولم يتكاثر البشر بعد؟ وكيف يُرسَل إلى أورويا الأوَّل ولم تكن هناك ممالك؟ وهل هو اسم مصري أو كلداني؟ ألم تكفِ تربية آدم لذُريته؟ وهل نَسِيت ذُريته تعاليم الأب كي يُذكِّرهم الله بنبي جديد ولم تمضِ أجيال وأجيال بعد؟ وكيف تبدأ البشرية بزواج الولد بأخته أو الابن بأمِّه؟ والاعتماد على النصوص القُدسية كلها خاصةً التوراة والزبور التي تقصُّ تاريخ البشرية، ومن البداية حتى النهاية مثل الاعتماد على القرآن.٣٩
١  إسحاق، ص١٥٦؛ ابن أبي أصيبعة، ص٦١، ١١٦؛ طاش كبري زاده، ج١، ص٥–١٦٠، ص٩٢-٩٣؛ ابن خلكان، ج١، ٩٦. ويمكن عمل رسالة جامعية عن التاريخ المُتبادل أو التاريخ المُوازي عند القدماء.
٢  صاعد، ص١٩–٣٣.
٣  ابن جلجل، ص١٥، ٤٢.
٤  «ورئيسهم أفلاطون المُلحِد لعنةُ الله عليه، قال لموسى بن عمران رسول الله وكليمه كلُّ شيء تقوله أصدقك عنه إلَّا قولك كلمتي عِلة العلل. انظر إلى اعتقاد هذا الخبيث، كان يُكذِّب رسول الله، ويعتقد أن الله تعالى لا كلام له البتَّة. تَسميته توجب لنفسها من غير اختيار، واعتقَدَ أنَّ العالم قديم» (الخوارزمي المُتأخِّر، ص٥٠٨؛ المُبشر بن فاتك، ص٣٠٢).
٥  الشهرزوري، ص١٠٨، ١٢٠، ٣٥٣، ٤٦١؛ طاش كبري زاده، ص٧٢.
٦  صاعد، ص١٥–١٧؛ ابن جلجل، ص١٦-١٧؛ السجستاني، ص٩٤–٩٦، ٢٠٣–٢٠٧؛ طاش كبري زاده، ج١، ص١٨؛ ابن خلكان، ج١، ٩٣؛ المُبشر بن فاتك، ص٤٨؛ الشهرزوري، ص١٠٨، ١٢٠، ٣٥٣، ٤٦١؛ طاش كبري زاده، ص٧٢.
٧  السجستاني، ص٩٥-٩٦، ٢٣؛ الشهرزوري، ص٨٠–٨٥، ص٩٢، ١٢٣؛ المُبشر بن فاتك، ص٤٨.
٨  السجستاني، ص٩٢، ١٢٣؛ المُبشر بن فاتك، ص٤٨.
٩  السجستاني، ص٩٢-٩٣؛ ابن خلكان، ج١، ص٩٦. ويمكن عمل رسالة جامعية عن التاريخ المُتبادل أو التاريخ الموازي عند القدماء.
١٠  الشهرزوري، ص١٠٩.
١١  الشهرستاني، ص٥٨.
١٢  ابن جلجل، ص٥٣.
١٣  السجستاني، ص٩٢، ٩٤.
١٤  الشهرزوري، ص٣١٠، ١٠٠، ١٠٥.
١٥  طاش كبري زاده، ص٦٨.
١٦  البيروني، ج١، ص٣٥–٣٥٢؛ الشهرزوري، ص٤٨٨؛ طاش كبري زاده، ص٧٦.
١٧  «ونرى فيما قصصناه كفاية لمن أراد مداخلة الهند فخاطبهم في المطالب بحقيقة ما هم عليه» (ص٥٤٨).
١٨  البيروني، ص٥٢٠. يذكر البيروني ألفاظ: «في زماننا»، «ذُكر في كتب الأوائل» (البيروني، ص٤١٦-٤١٧).
١٩  السابق، ص٣٨–٤٤.
٢٠  السابق، ص١٨٩.
٢١  هذا أيضًا رأي كيركجار في التفرقة بين التلميذ من الدرجة الأولى، حواري المسيح، والتلميذ من الدرجة الثانية وهو كيركجارد. وهو أكثر فهمًا للمسيحية من الحواريين الأوائل (الشهرزوري، ص٩-١٠).
٢٢  الشهرزوري، ص٦٨–٧٠.
٢٣  صاعد، ص١٩–٣٣؛ ابن أبي أصيبعة، ص٦١؛ الشهرزوري، ص٢٤.
٢٤  ما في أقوال أفلاطون وجالينوس من نصب الأصنام للتذكرة (البيروني، ص٩٤؛ القفطي، ج١، ص٣٠).
٢٥  صاعد، ص١٩–٣٣، ص٣٨–٤١.
٢٦  السجستاني، ص١١٠؛ الشهرزوري، ص١٠٠–١١٣، ٨٢–١٨٩.
٢٧  أفطمين وأنيقلاوس وغيرهما من الإسكندرية، ووطيقوس مهندس يوناني إسكندراني، وإيرن مصري رومي إسكندراني، وتاءون إسكندراني مصري، وجرجيس الأنطاكي نزل إلى مصر (القفطي، ص١٧، ٦٦–٦٨، ٧٢–٧٣، ٩٢، ١٠٨، ١٥٧–١٥٨). لذلك قال فيها الشاعر التميمي الذي عاش بمصر:
وكم تمنَّيتُ أن ألقى بها أحدًا
يُسلي من الهم أو يُعدي عن النُّوَب
فما وجدتُ سوى قومٍ إذا صدَقوا
كانت مواعيدهم كالآل في الكذِب
وكان لي سببٌ قد كنتُ أحسَبُني
أحظى به فإذا وافى من السبَبِ
فما مُقلِّم أظفاري سوى قلَمي
ولا كتائب أعدائي سوى كُتبي
٢٨  ابن أبي أصيبعة، ص٧-٨. وكذلك هجاء أُميَّة بن أبي الصلت والمُتنبي لها (القفطي، ص٨١).
٢٩  البيروني، ص١٨-١٩؛ طاش كبري زاده، ص١٥-١٦.
٣٠  البيروني، ص٩٤-٩٥.
٣١  الشهرزوري، ص٤٤.
٣٢  طاش كبري زاده، ج١، ص٥٠.
٣٣  هذا موضوع عدَّة رسائل جامعية حول الحضارة الشرقية كمصدرٍ للفلسفة اليونانية، مصر، بابل، فارس، الهند … إلخ.
٣٤  انظر دراستنا: «حكمة الإشراق والفينومينولوجيا»، دراسات إسلامية، الأنجلو المصرية، القاهرة ١٩٨٢م، ص٢٧٣–٣٤٣.
٣٥  الشهرزوري، ص١٠–١٠٩، ٣٤٣.
٣٦  علي فهمي خشيم: آلهة مصر العربية، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع، مصراته ١٩٩٠م.
٣٧  الشهرزوري، ص١٢٥–١٣٠.
٣٨  ابن فاتك، ص٤.
٣٩  إسحاق بن حنين، ص١٥٠-١٥١؛ ابن أبي أصيبعة، الباب الأوَّل، كيفية وجود صناعة الطب وأول حدوثها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١