سابعًا: حُكماء الإسلام

ثم يتغيَّر العالم بظهور الإسلام وانتشاره حتى عمَّ كل دعوة ظاهرة، وعلَتْ حِكمة التقوى. وصار للعرب دولة عُظمى ورئاسة كبرى، ونالوا حِكمة بالغة العُلى. وخمدَت كل دولة قاهرة، وتوارَتْ كل ملَّةٍ ظاهرة، واختار الله للدِّين الجديد يثرِب دارًا، والحجاز قرارًا، والأنصار أصحابًا. ظهور الإسلام علامة تحوُّل في التاريخ، وبداية فترة الانتصار الأولى قبل فترة الهزائم الأخيرة.١
ويتَّضح ذلك في تاريخ أطباء العرب أول ظهور الإسلام. فقد دعا الرسول الحارث بن كلدة الثقفي لمُعالجة مريض «فإنه رجل يتطبَّب.» أي يمارس الطبَّ صنعةً وظنًّا وليس طبيعةً ويقينًا. فالعقل من قِسمة الله تعالى قسَمه بين عباده لقِسمة الرزق فيهم من كلامه. لم يمنع الرسول من التطبيب، ولكنه نبَّهَ على الخير فيه: «أنزل الدواء من الداء.» والحارث بن كلدة هو الذي تنبَّأ بمَوت عمر عندما رأى اللبَن يخرج من الأمعاء. وقد قتَل النبيُّ النضر بن الحارث مع أسرى بدْر وحزِن عليه بعد سماع رثاء أُختِه: «لو سمعتُ هذا قبل أن أقتُلَه ما قتلتُه.» القتل خطأ، والحياة أهم، والشِّعر يؤثِّر في النبي. كما قال النبي لأبي رمنة التميمي الطبيب: «أنت رفيق والطبيب الله.» مكرِّرًا «الطبيب الله.» كما هو الحال عند الأشاعرة في نظرية الكسْب. ويشرَح عبد الله بن أبحر الكناني قول النبي: «سِرْ بدائك ما حملك.» وقد بعث الرسول إلى أُبي بن كعب طبيبًا يُعالجه. ويستمرُّ هذا التقليد عند الكندي الذي يُوصي الطبيب بتقوى الله حتى يُساعده على شفاء الأمراض. وقد استخار عمر بن عبد العزيز الله في إخراج كتُب الطب أربعين صباحًا ومنها كتاب أهرن بن أيمن القسي وترجمة ماسرجويه إلى العربية.٢
وعادةً ما تكون «الأسلمة» للوافد، فالموروث ثقافة إسلامية منذ البداية، ولكن لتقريب المسافة بين الوافد والموروث، يشرَح الموروث الوافد على نحوٍ إسلامي، أو يعرض نفسه على نحوٍ عقلي طبيعي، مثل طلَب الكندي أن يتَّقي المُتطبِّب الله تعالى ولا يُخاطر.٣ ونقد أحمد بن الطيِّب السرخي الشذوذ الجنسي اعتمادًا على حديث الرسول. ويتحوَّل الطبُّ النبوي إلى طبٍّ عِلمي يقوم على العقل والطبيعة حتى يبدو الاتفاق بين الوحي والعقل والطبيعة.٤ وعادةً ما تُروى الحكايات التي لا شأنَ لها بالعِلم في نوعٍ من الطب الأدبي ما دام الطبُّ جزءًا من الحِكمة. وتُذكَر بعض الأحاديث النبوية في عرْض الأطباء مثل: «الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة.» في مُهذَّب الدين بن هبل من أطباء العراق لتبرير أخْذ بعض المنافع والأدوية من الحيوانات.٥ وتُذكَر أحاديث أخرى في الدعاء لنزول الغيث وتحقيق النفع وحجْب الضرَّر عن النبات والحيوان والإنسان.
والانتقال من الطبِّ النبوي إلى الطب العِلمي هو خطوة من الموروث من أجل الالتقاء بالوافد من الطب العِلمي إلى الطبِّ الروحاني، في طبٍّ إنساني واحد يجمَع بين التنزيل والتأويل، بين الوحي والطبيعة.٦
أمَّا النقَلَة المُترجمون فإن عرضهم أقرب إلى التاريخ منه إلى القراءة، غير الشُرَّاح المُبدعِين. ليس بهم من الكبار أحدٌ إلا حنين بن إسحاق الذي أضيفَتْ عليه هالة التعظيم. فلم يعرِف فقط اليونانية والسريانية والعربية، ولم يكن فقط تلميذًا لسيبويه، بل إنه كان يعلَم الفارسية ولم ينقُل عنها. وقد تكون هناك صِلة بين الانشغال بالطبِّ والمذهب الحراني نظرًا لأنَّ كثيرًا من النقلة والأطباء كانوا على هذا المذهب. فالطبُّ من العلوم الطبيعية. والمذهب الحراني طبيعي. ويُقسِّم ابن أبي أصيبعة النقَلَة كمًّا إلى كثيرٍ ومتوسِّط وقليل؛ وكيفًا إلى جيِّدٍ صحيح النقل، ومتوسِّطٍ وضعيف دون فصاحةٍ وكثرة اللحن. والأفضل الكثير كمًّا الجيد كيفًا. والنقلَة أيضًا مجموعات تنتسِب إلى أُسَر مثل أُسرة بختيشوع وثابت بن قرَّة أو إلى مدارس مثل مدرسة حنين بن إسحاق.٧ وكان مُعظم النقلَة من اليهود أو النصارى أو الصابئة مما يدلُّ على تعدُّد الأمَّة، وخدمة الطوائف بعضها لبعض. يتعاملون مع خلفاء المسلمين ويجِدون عندَهم كل تقديرٍ وعون.
ويحيى بن عدي نقَل عن اليونانية مثل نقل خالد البرمكي عن الفارسية كليلة ودمنة. وهو فيلسوف أيضًا. فالإنسان قريب من الله، يسطع نور الله فيه، والله يخلق كل شيء.٨
وحنين بن إسحاق وابنه يأتيان في مُقدِّمة المُترجمين. ولا يُوجَد أعلم من حنين بعد الإسكندر باللغة العربية واليونانية.٩
أمَّا حكماء الإسلام فهم أطباء مسلمون. يؤلفون في الطب وفي التوحيد. لأحدِهم في التوحيد كتابٌ على طريق أصحاب المنطق في سلوك مراتب البرهان لم يسبِق إلى مِثله أحد، وكتاب آخر في إثبات النبوَّة أيضًا بطريق البرهان.١٠ هم حُكماء مُوحِّدون يذكرون من المقالات ما هو غير لائق. وللرازي كتاب في الطبِّ الروحاني. وكان أبو حفص عمر بن بريق طبيبًا نبيلًا قارئًا للقرآن مُطرب الصوت. وإذا كان الحكماء القدماء زُهَّادًا، فإن ابن سينا لم يكن كذلك. كان مشغوفًا بالخمر والجماع. برع في المنطق الطبيعي والرياضي، ولم يُبالغ في الرياضي لأنَّ من تذوَّق المعقولات ضنَّ بذهنه في الرياضيَّات. ثم أقبل على العلم الإلهي فعرفه بفضل الفارابي في أغراض كتاب ما بين الطبيعة الذي اشتراه من سوق الورَّاقين.١١
ويستبدل الخوارزمي بأمثلةِ المنطق اليونانية أمثلةً عربية كما يفعل الشُّرَّاح العرب، فالموضوع والمحمول هما المبتدأ والخبر، وتحويل قضايا المنطق إلى تركيب الجملة الخبرية، الفعل والفاعل. فالمنطق لغة اليونان، واللغة منطق العرب. ويُستعمل الشعر العربي لشرح المنطق. ويُحال إلى المُعتزلة طرق استعمال العقل. وجابر بن حيَّان مؤسِّس الكيمياء صُوفي عند طاش كبري زاده.١٢
وهناك أيضًا عند المؤرِّخين إحساس بإبداع حكماء الإسلام وتجاوزهم حُكماء اليونان بالإضافة إلى شرحِهم وتقديمهم. فالرَّازي نَسَخت تصانيفه في الطبِّ تصانيفَ المُتقدِّمين. والفارابي لم يكن قبله أفضلُ منه في حكماء الإسلام. وقال عنه ابن سينا: يئستُ من معرفة غرَض ما بعد الطبيعة حتى ظفرتُ بكتاب أبي نصر في هذا المعنى، فشكرتُ الله تعالى على ذلك وصُمتُ وتصدَّقتُ بما كان عندي. وكان أبو علي تلميذًا لتصانيفه. وشرط تعلُّم الحكمة عنده صحة الزواج والقرآن واللغة والشرع والعفَّة والأخلاق. وإخوان الصفا ينظُر إليهم طاش كبري زاده على أنهم من مُتكلِّمي المُعتزلة، ويذكُر نقد ابن سليمان وأبي حيان لهم. يَجمعون بين العقل والمعجزات والسحر. وهو موقف فِقهي ضدَّ الإخوان لإيمانهم بالتنجيم وبإدخالهم شرائع الأُمم السابقة ودياناتهم فأفسدَتْ أمَّة الإسلام.١٣
بل تتدخَّل التفسيرات الدينية المجازية في سلوك الناس. فعند أبي زكار النيسابوري تدفع الشياطين النصارى لأكل الخنزير، وتدفع المُسلمين إلى شُرب الخمر.١٤
وهناك ألقابٌ تدلُّ على المهنة والصناعة وهي غير ألقاب التعظيم والتفخيم والتقدير مثل: الأديب، القاضي، الشيخ. ويغلب على الألقاب النِّسبة إلى المكان، ثم الحكيم، ثم الطبيب، ثم الفيلسوف، ثم باقي المِهَن كالمُترجِم والمُنجِّم والتطبيب، ثم الخيَّام والخازن والطحَّان.١٥ وقد يكون اللقبُ دينيًّا كالإمام، المُفتي، البطريق، الجاثليق. وقد يجمَع بين لقبَي مِهنتين مثل الإمام المفتي، أو مكان ومهنة كالأصفهاني النحوي، الطبيب النيسابوري؛ أو مكانَين مثل الهرمزوي الماسوراباذي، أو مدحَين للتعظيم والتفخيم مثل الإمام الأجَلِّ، الإمام الفريد، الفيلسوف أوحَد الزمان، الإمام الأوحد، الإمام الصاحب، الوزير شرَف الدولة، السيد الإمام. وقد يكون اللقب نسبة القرابة ودرجتها مثل: الأب والابن وابن الأخ، ابن أخي البديع. وقد يجمع اللقب بين سِمةٍ للجسد والمكان مثل البغدادي الضرير. وقد تجتمِع ثلاثة ألقاب مثل: الأستاذ الحكيم المُحقِّق، الدستور الفيلسوف صحبة الحق، القاضي الإمام الفيلسوف. وأحيانًا أربعة مثل: السيد الإمام والفيلسوف شرف الزمان. وبطبيعة الحال تتكاثَر الألقاب على الملوك، مثل: الملك العادل العالم عضُد الدنيا والدين علاء الدولة. أمَّا لقب حنين بن إسحاق فهو الترجمان، وهو يدلُّ على السِّمة الغالبة. ويغفل الفيلسوف والطبيب. هو أحد أئمة التراجِم في الإسلام.١٦ وهو أيضًا أبقراط الثاني، أقرب إلى اللقب منه إلى المهنة. وأخذ بعض الحكماء لقب الشيخ مثل الشيخ أبو سليمان المنطقي.١٧ وأبو الخير الحسن بن بابا بن سوار بن بهنام، سمَّاه الرسول في المنام أبقراط الثاني. فالتَّسمية هنا من الرسول من أجل أن يتحوَّل اللقب إلى مُقدَّس تعظيمًا لصاحبه. والكندي فيلسوف العرب، وهو لقب قديم قبل أن يُعطيه له أحد المُعاصرين.١٨ ولم تَشِع بعض الألقاب مثل: الأستاذ الرئيس لأبي الفضل المجتبى، في حين شاع البعض الآخر. ولم تذكر ألقاب الشيخ الرئيس لابن سينا أو حجة الإسلام للغزالي لأنهما فيما يبدو من عصورٍ مُتأخِّرة. يذكُر القفطي أنَّ الفارابي هو المعلم الثاني. فالحكماء أربعة: اثنان قبل الإسلام؛ أرسطو وأبقراط. واثنان بعده؛ أبو نصر وأبو علي.١٩ وابن الهيثم هو بطليموس الثاني؛ لأنه كان تلو بطليموس في العلوم الرياضية والمعقولات. وقد تتكامَل الألقاب في تشبيهاتٍ عامَّة وليست في ألقابٍ دقيقة. المهندس بطليموس، والباني البتاني، والجصاص هو أبو محمد العدلي العايني تواضُعًا منه واعترافًا بفضل القُدَماء.٢٠
أمَّا ألقاب الشهرزوري فإنها تتعدَّد بين المكان والقرابة، وهي الطريقة العربية المعروفة بالنِّسبة إلى الأب والابن والقبيلة والمهنة، مثل: الطبيب، الفقيه، الخيَّام، عَين القضاة، القاضي، الأمير، المُفتي، الخازن، الفيلسوف، الحكيم، ثُم اللقب التعظيمي الذي يدلُّ على المكانة مثل: شرَف الملك، الشيخ الفاضل، أفضل الدين، تاج الدين، الإمام العلَّامة رضي الله عنه للرازي، الأستاذ المُختص عَضُد الدنيا والدين، الأستاذ المسجى المُجتبى. والمكان هو الأكثر.٢١

وقد يدلُّ اللقب على الدِّين والطائفة والملَّة مثل: الصابي، المسيحي؛ أو التيَّار الفكري مثل: إخوان الصفا، أو القبيلة مثل: الكندي. ويمكن الجمْع بين لقبَين: المكان والنَّسَب، المكان ولقب التعظيم والتشريف. وقد يدلُّ على الأستاذية مثل: ابن التلميذ، وقد يدلُّ على اللقب الديني مثل: الجاثليق، الشيخ، الإمام، الفقيه، الخطيب، مولانا.

وقد يُوضَع اللقب في البداية تعظيمًا وإجلالًا أو في النهاية إقرارًا ووصفًا. بل إنَّ الأسماء في اللغة العربية نفسها ألقاب، مثل: تاج الدين، شرَف الدين، وظهر الدين، بحيث يصعُب أحيانًا التمييز بين الاسم واللقب، بين الموصوف والصفة، كما كانت الأسماء في العربية صفات. ولا يأخذ حكيم من حكماء المسلمين لقبًا وافدًا إلا ابن الهَيثم المُلقَّب ببطليموس الثاني؛ والبغدادي بن مانا بن سوار بن بهرنام المُلقَّب بأبقراط الثاني.٢٢ وأخذ الفارابي لقَب المُعلم الثاني. فقبل الإسلام هناك أرسطو والإسكندر، وبعد الإسلام هاك أبو نصر وأبو علي. والمُقارنة أشبَهُ باللقب غير المباشر لأنها قراءة للموروث مِن خلال الوافد، وقراءة للوافد من خلال الموروث. فيُقارن ابن الشبل (٤٧٤ﻫ) مثلًا مع طاليس بالرغم من التعبير عن فلسفته بالشِّعر، ولكنَّ أقوال الطبائعيِّين الأوائل أيضًا كانت أقربَ إلى النَّظم وهو الشِّعر المنثور. فهل الألقاب من رُوح التشيُّع وتعظيمه للأئمة على حين أنَّ الرسول كان يُنادى باسمِه دون ألقاب التعظيم، ناهيًا عن الإطراء كما أطرَتِ النصارى عيسى ابن مريم حتى تحوَّل اللَّقب إلى إله. المكان والشرَف مثل: شرَف الملك أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا البُخاري، الشيخ الفاضل محمد بن محمد الفارابي. ولا تُرسَم شخصية حكماء الإسلام بالجسد كما يُرسَم حكماء اليونان لأنهم معروفون. رآهم الناس ولا حاجةَ إلى تمثيلهم وتحويل أفكارهم إلى سماتٍ جسدية ونفسية باستثناء لُقمان. فهو أسود حبشي مثل شمشون، تعلَّم في الشام ومات بالرَّملة، عبْد أسود غليظ الشفَتَين مُصفَّح القدمين مُصطك الركبتين، له رجولته وفحولته. وباستثناء أبي سهل الكوهي الذي وُصِف بأنه جميل الهيئة. وكان البيروني أسمر اللون قصيرَ القامة كثَّ اللحية أبيضَها، شيخًا مُتوغِّلًا في السِّن.٢٣
ويستعمل القرآن والحديث كمصدر للغة، وكشواهد نقلية على الحقائق العقلية مثل تفضيل الله الإنسان بالنُّطق والعِلم. كما يستعمل القرآن على نحوٍ حُرٍّ من أجل إثراء الأسلوب العربي مثل: فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ، وهي الآية التي كانت منذ نزولها صيحةَ إعجابٍ من كاتب الوحي لوصْف القرآن كيفية خلق الجنين في رحِم الأم.٢٤
ولا يخلو الكتاب من جَوِّ دينٍ إسلامي منذ البسملة الأولى، سواء كان ذلك من المؤلِّف أو الناسخ، والترحُّم على المؤلِّف من الناسخ. ويترحَّم على الراحلين ويعتمد على المشيئة الإلهية والعَون الإلهي. فكلُّ شيءٍ بإذن الله وبعون الله. ويختصُّ برحمته من يشاء، ويعدل بنعمته على من يشاء. كل شيء بيده وتأييده وكرَمِه ومَنِّه. هو الذي اختصَّ أُمَمًا بالاشتغال بالعلوم. وهم الذين فهموا غاية الله. والله وحدَه مُريد الإحاطة وفضيلة التمام لا ربَّ غيرُه. وهو الذي يمدُّ في عمر الحكَّام ويحرُس المدن. منه السداد وإليه المُنتهى. وهو الهادي والرازق. بيده الشفاء. والله المُستعان، والله المُستعان وبه التوفيق، بعون الله، بعون الله سبحانه وتعالى، والله الموفق. والحمد لله على كل شيء. والصلاة والسلام على رسوله. ولله الحمد والمِنَّة. والله عالم بكلِّ شيء. هو أعلم بالصواب، والله تعالى أعلم، والله أعلم، والله سبحانه وتعالى أعلم، والله أعلم وأحكم، والله أعلم بالقيامة.٢٥
كما يتم الاستشهاد بقول للسيد المسيح في الإنجيل الطاهر في بيئة أندلسية تجمَع بين الأديان، ولا تُفرِّق بين الكتب المقدسة. ويتم الترحُّم على الأموات. ومع ذلك يقترب الله والسلطان في الدعاء ويتداخلان. فالدعاء والحمد لكليهما بنية شعورية واحدة.٢٦
ودلالة العبارات الإيمانية في الموروث أقلُّ من دلالتها في الوافد لأنَّ الموروث بطبيعته يُعبِّر عن الرؤية الدينية للعالم في حين أنَّ الوافد يُوضَع فيها ويُختَم بها عليه. ويتمُّ عرض الوافد بلُغة الموروث، وتفسير السيرة الذاتية بعبارات الموروث مثل عودة جَالينُوس إلى وطنه «إن شاء الله.» كما يتمُّ عرض الموروث بطبيعة الحال بلُغته. فعند أبي القاسم الأنطاكي المُجتبي: يفتح الله بصَر العقل. وعند أبي زكريا الصيمري: رضا الإنسان عن نفسه مقرون بسخط الله تعالى. وعند مسكويه: من كان مَيله إلى غير رضا الله عز وجل فإنه يظلُّ محجوبًا عن العلم. فإذا كان الوافد قد ساعد على تعقيل الموروث فإن الموروث قد حاول ردَّ الوافد إليه ثُمَّ الارتداد إلى مصدره الأوَّل في التصوُّر الديني للعالم بلُغته وعباراته وشواهده. وتتدخَّل العناية الإلهية عند أبي سهل البوهي من أجل تحويله من اللعِب بالقوارير إلى وضْع علم الميكانيكا عِلم الحِيَل والانتقال والأُكَر المتحركة.٢٧
وتظهر الآيات القرآنية وبعض الأحاديث لإعادة الموروث إلى مصدره الأوَّل بعد إدخال الوافد في الموروث. وما أكثر آيات الحِكمة والنفس والعِلم والنعيم. ويتقنَّن الفكر بالقرآن، وتهتدي الفلسفة بالشريعة، وكأنَّه لا تُوجَد فلسفة خالصة.٢٨ وبعد الحمدلات والبَسملات تظهر البراعة في التأليف اعتمادًا على القرآن والحديث. البداية بشرعيَّة الأنا، وتقديم ما هو نافع له باعتباره علوم وسائل لا علوم غاياتٍ مع انفتاحٍ على الحضارات الأخرى كواجبٍ شرعي. بل إنَّ النوع الأدبي ذاته، الأقوال والحكمة والأمثال قد تمَّت صياغتُه بقراءة البنية للحكمة والفصل بينها وبين الشخص.٢٩
ويغلب الطابع الإيماني على أسماء الأعلام في هذا العصر المُتأخِّر، وتسُود العلوم النقلية على العلوم العقلية، ويتغلَّب الإيمان على العِلم. فالحُكماء مؤمنون أوَّلًا وأطباء ثانيًا. ويُطلب من الله عاقبة الأمور والجمع بين خير الدنيا والآخرة للناس بمَنِّه وكرَمِه ولُطفه ورحمته.٣٠
١  ابن جلجل، ص٥٣.
٢  ابن أبي أصيبعة، ص١٦١–١٧١، ٢٨٨؛ ابن جلجل، ص٥٤، ٥٨، ٦١.
٣  ابن أبي أصيبعة، ص٢٨٨، وهو حديث: «إذا اكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء، فعليهم الدبار» (ص٩٣).
٤  هذا هو الحديث المشهور الذي يشرَب فيه المريض العسَل مرَّتَين طبقًا لنصيحة الرسول، فيزيد الإسهال، في حديث: «صدَق الله وكذَب بطن أخيك.» كما يَروي ابن أبي أصيبعة الحديث عن يزيد بن يزيد (ابن أبي أصيبعة، ص٢٢٧، وأيضًا ٢٣٦–١٣٧). وقال لابن أثال النصراني: «إنَّ لله جنودًا منها العسَل.»
٥  ابن أبي أصيبعة، ص٤٠٧–٤٠٩، مثل: «اللهم اسقِنا غيثًا مُغيثًا مرئيًّا مُريعًا سحًّا سجالًا غدقًا طبقًا دِيَمًا عاجلًا غير رائث، نافعًا غير ضار، تُنبِتُ به الزرع، وتملأ به الضَّرع، وتُحيي به الأرض بعد موتها» (ص٧٠٤-٧٠٥).
٦  سُئل أبو الفرج عن قول الرسول: العِلم عِلمان: عِلم الأبدان وعِلم الأديان، تقدَّم عِلم الأبدان لأنَّ العبادات تصدُق مع صحَّة الأبدان، ولقول الله: وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ، وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ، ومُعالجات النبي معروفة (القفطي، ص٩٤).
٧  كان ماسرجويه يهودي المذهب سُريانيًّا، وبختيشوع مسيحي المذهب، ويوحنَّا بن ماسويه مسيحي المذهب سُريانيًّا، وقسطا بن لوقا البعلبكي مسيحي الملَّة، وإسحاق الطبيب مسيحي النِّحلة سُكناه قُرب مسجد طاهر.
٨  السجستاني، ص٢٧٧–٢٧٩.
٩  السابق، ص٢٨٠–٢٨٢؛ القفطي: ص١٧.
١٠  ابن جلجل، ص٧٤، ٧٧، ١٠٧؛ السجستاني، ص٨١.
١١  القفطي، ص٥٥.
١٢  الخوارزمي، ص٨١–٨٨؛ طاش كبري زاده، ص١٦٠-١٦١.
١٣  القفطي، ص٢١، ٣١، ٣٤-٣٥؛ طاش كبري زاده، ص٨٢–٨٨.
١٤  القفطي، ص٢٤-٢٥.
١٥  بتحليل ألقاب القفطي يتَّضِح الآتي: النِّسبة إلى المكان (٦٧)، الحكيم (١٨)، الطبيب (٧)، الفيلسوف (٦)، الإمام (٥)، المُترجم، المُتطبِّب، المُنجِّم (٢)، الخيَّام، الخازن، الطحَّان (١).
١٦  صاعد، ص٣١–٣٣؛ القفطي، ص١١٤.
١٧  ابن أبي أصيبعة، ص١٨، ٢٩، ١٥٢؛ القفطي: ص٢٩-٣٠.
١٨  ابن أبي أصيبعة، ص٢٨٨؛ مصطفى عبد الرازق: الكندي أو فيلسوف العرب.
١٩  القفطي، ص٣٠، ٥٥.
٢٠  السابق، ص٨٥، ٨٩.
٢١  المكان مثل: الحراني، الدمشقي، الرازي، العامي، الطبري، النجاري، البغدادي، الشهرزوري، الناتالي، القاشاني، البامياني، الأرموي، الديلمي، البلخي، الكرماني، الأسفزاري، الطوسي، البوزجاني، الكوهي، الهروي، الواسطي، النيسابوري، اللوكري، السجستاني، الأيلاقي، الميهني، الشهرزوري، القومسي، القمي، الهوشجاني، الجوشيي، السرخسي، البهيقي، الأنطاكي.
٢٢  البهيقي، ص٤٩٩–٥٠٣، ٥١-٥٢، ٥١٣–٥٥٥.
٢٣  الشهرزوري، ص٤٤٢؛ البهيقي: ص٥٢١، ٥٦٥.
٢٤  مثل: وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا لشرْح لفظ الوتَد (الخوارزمي، ص٣). وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا لشرح الإعراب (ص٣٢). وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ لبَيان نصب حمَّالة (ص٣٢). لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (ص٣٣). وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ (ص٣٤). لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ (ص٣٥). وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا (ص٧٤).
٢٥  ابن جلجل، ص١، ٥١، ٣، ٦؛ صاعد، ص٣١، ٩، ٥، ٤٨، ٩٠، ١١، ١٠، ٤٩، ٤٥، ٦٢، ٤، ٧٧، ٥٣، ٩٠، ٦١؛ القفطي، ص١٦، ٣١، ٣٨، ٦٨، ٥٦، ١٧٢، ٩٣، ١٥؛ البيروني، ص٦، ١٣٩، ١٩، ١٤٨، ٥٤٨، ٤٥٢؛ الخوارزمي، ص٩٤، ١٢٧، ٩٤، ٤؛ السجستاني، ص٢٠٥، ٩٨، ١٧٦، ٢٧٧؛ ابن أبي أصيبعة، ص٣٠١، ٥١٨، ٧، ٢١٩، ٢١١، ٢١٣، ٦١٠، ١٢٧، ٣١٣، ٣٠١–٣٠٣، ٦٦٤، ٢٤٦، ٣١٥.
٢٦  «وهذا أيها الشريف الأصل، والطيِّب النجر، الأموي القرشي، نجل الخلفاء، وسلالة الأئمة الدَّاعين إلى الهُدى» (ابن جلجل، ص٤).
٢٧  السجستاني، ص٢٦٩، ٣٣٦-٣٣٧، ٣٥١، ٨٨.
٢٨  يستشهد السجستاني بآيات: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ (ص٨٢). وبعده آيات لعرض أبي سليمان القدسي من إخوان الصفا مثل: وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ، وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا، يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي (ص٣٦٣). وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (ص٣٦٣)، رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (ص٣٦٣)، وَاللهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (ص٣٦٤). ومن الأحاديث: «إنكم تَرِدُون على الحوض غدًا» (ص٣٦٣).
٢٩  الشهرزوري، ص٧٣، ٧٩، من الآيات: فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ. ومن الأحاديث: «ما اتفق مُتفق ولا تصدَّق مُتصدِّق أفضل من كلام الحِكمة إذا تكلَّم الحكيم والعالِم فكل مستمع منه مُتفقِّه.» «نعم الهدية ونعم العطية.» «الكلمة من كلام الحِكمة يسمعها الرجل المؤمن ثم ينطوي عليها حتى يُهديها لأخيه المؤمن.» «الحكمة ضالَّة المؤمن يأخُذها حيث وجدَها ولا يُبالي من أي وعاءٍ خرجت.» «العلم كثير فخذوا من كلِّ شيءٍ أحسَنَه.» «خُذ ما تعرِف ودعْ ما تُنكر.» وأيضًا قول الرسول: «أوتيتُ جوامع الكلم واختُصر لي الكلام اختصارًا.»
٣٠  فقر الحكماء، ص٣٠١.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١