أوَّلًا: الانتحال إبداع حضاري

(١) التاريخ والإبداع

إذا كان فصل التاريخ قد قام على تحليل المصادر الرئيسية التي دوَّنت علوم الحكمة، وكان فصل «القراءة» قد قام على محاولة أسلَمَةِ هذا التاريخ صبًّا للوافد في الموروث، فإنَّ هذا الفصل «الانتحال» يقوم أيضًا على تحليل النصوص المُنتحَلة لأرسطو وأفلوطين؛ اليونانية المُترجمة أو العربية المؤلَّفة لمعرفة آليات الانتحال ومنطقه.

وقضية الانتحال ليست جديدة. عرَفَها المؤرخون القدماء في الفلسفة والشِّعر. فليس المطلوب عمل ثبْتٍ بالنصوص المُترجَمة كما يفعل المؤرِّخون القدماء والاستشراق الحديث، بل تحليل النصوص المُترجَمة لمعرفة كيفية النقل الحضاري وإخضاعه لمنطقٍ دقيق. وإذا كان الانتحال في الشِّعر الجاهلي وفي القرآن وفي الحديث، فلماذا لا يكون في كتُب القُدماء؟ فالانتحال إبداع حضاري. وكان الرسول إذا كمُل واحدٌ سمَّاه أرسطوطاليس هذه الأمَّة.١ والانتحال موجود عند اليونان فيما نُسِب إلى فيثاغورس وسقراط وأفلاطون وأرسطو، بل عند الشُّرَّاح مثل الإسكندر وثامسطيوس. وقد يكون الانتحال جزئيًّا مثل الألف الصُّغرى والكاف في كتاب «ما بعد الطبيعة» لأرسطو.٢ وليس الانتحال قاصرًا على حضارة دون حضارة أو على كتابٍ مُقدَّس دون كتابٍ مقدس أو على فيلسوفٍ دون آخر، بل هي قاسم مُشترك بين الجميع لأنه يُعبِّر عن إحدى مراحل الإبداع في تاريخ الحضارات. فهناك الانتحال في الفلسفة اليونانية والفلسفة الإسلامية. وهناك الانتحال في العهدَين القديم والجديد وفي الحديث النَّبوي نظرًا لأنه مرَّ بفترة شفوية تُقارِب القرنين قبل التدوين، في حين أنَّ القرآن دُوِّن منذ وقت الإعلان. وهي نفس مُشكلة شِعر هوميروس المنحول، والانتحال في الشعر العربي.٣
وليس الانتحال مقصورًا على علوم الحكمة، بل هناك الانتحال في علم الكلام والتصوُّف نظرًا لما يسمح به هذان العِلمان من إمكانياتٍ للإبداع في الجدَل بين الخصوم كما هو الحال في عِلم الكلام أو في ذروة الإبداع الفني في التصوُّف، سواء في النصوص الأصلية أو المُنتحَلة. بل قد يكون الانتحال في فرقةٍ كلامية أكثر من الأخرى، فالانتحال في الشيعة أكثر منه عند أهل السنة نظرًا للحالة الإبداعية الشديدة عند فِرَق المُعارَضة في مُقابل تزييف التاريخ عند فرقة السلطة.٤ بل هناك انتحال في الوثائق التاريخية. ففي لحظة الفتْح ونشوَة النصر تمَّ انتحال عديدٍ من رسائل النبي إلى الملوك والقياصرة الروم وفارس ومصر أو رسائله إلى بعض ملوك الجاهلية إمَّا من المُبدِع أو من المُتلقِّي ما دام هناك أصل للإبداع وهو رسالة النبي إلى المُقوقَس عظيم مصر ببلاغتها المعروفة: «أسلِم تسلَم، يؤتك الله أجرك مرَّتَين.»٥
ولا يختصُّ الانتحال فقط بالوافد، بل يكون أيضًا للموروث، مثل وصايا لقمان المنسوجة على وصايا يعقوب لذُرِّيته، ووصايا لقمان لابنه المذكورَين في القرآن كوصايا عامَّة دون تفصيل.٦
وكما أنَّ الفَرْق بين التاريخ والقراءة هو الفَرْق بين الموضوعي والذاتي، فإنَّ الفَرْق بين القراءة والانتحال هو الفَرْق بين الموضوعي والذاتي الخالص. فالقراءة حلقة مُتوسطة بين التاريخ والانتحال. التاريخ بذرة بلا زرع. والقراءة بذرة تحوَّلت إلى زرع، والانتحال هو الثمار. الفَرْق بينهما فرق في الدرجة لا في النوع. ولا يُوجد فاصل بين المستويات الثلاثة. فالتاريخ أولى مراحل الوصف السردي. ثم يختفي هذا الوصف تدريجيًّا بفضل القراءة والتأويل. التاريخ نقل للوافد، والقراءة وضْع للوافد في إطار الموروث، قراءة الآخر من خلال مقولات الأنا تحقيقًا لوحدة الثقافة ومنعًا لازدواجية الوافد والموروث. أمَّا الانتحال فهو استقلال القراءة عن المقروء وإبداع نصٍّ جديد يُعبِّر عن رُوح النصِّ القديم. إذا كان التاريخ هو الموضوع، والقراءة فهم الموضوع من خلال الذات فإن الانتحال هو خلق الذات نفسها موضوعَها من داخلها. إذا كانت الذات قد فهِمَت موضوعها، فإنَّ الفهم يتحوَّل إلى ماهية تخلُق نصوصًا جديدةً مُتكررةً تحمِل الماهية الأولى. ولا يعني الانتحال تجاوُز التاريخ تدريجيًّا مِن التاريخ إلى القراءة إلى الانتحال أو التحوُّل من النِّسبة الخاطئة للمؤلَّفات لغير أصحابها إلى المُنتحَلات الجزئية إلى المُنتحَلات الكاملة. لا يعني ذلك أي إغفال للدقة التاريخية كنواةٍ أولى يُبنى عليها صرح التأويل كله. فالمؤرِّخ يقوم بتصحيح أخطاء التاريخ، بداية بالتمييز بين أسماء الأعلام المُتشابهة. فبطليموس بيرلس ليس بطليموس صاحب المجسطي.٧ فالنقل الصحيح لا يُعارض الإبداع الصريح. كلاهما واقِعان، النقل والإبداع، التاريخ والشِّعر، الواقع والخيال. لذلك تتطابق أحيانًا بعض حكايات أبقراط في الطب بين التاريخ والانتحال.٨
والنسبة الخاطئة لعملٍ إلى غير صاحبه خطوةٌ على الانتحال؛ إذ تعني النِّسبة الخاطئة انفصال النصِّ عن مؤلِّفه وتحوُّله إلى نصٍّ مُستقل يُعزى إلى أيِّ مؤلف، وتُنسَج على منواله نصوص أخرى كثيرة بعد أن تحوَّل إلى معيارٍ أو نمطٍ مثالي. والمِثال الشهير على ذلك نسبة أثولوجيا أرسطوطاليس إليه، وهي ليس له، بل أجزاء من التاسوعات لأفلوطين. وكذلك نِسبة بعض أجزاءٍ من كتاب أثولوجيا لأبرقلس التي بها شُبهة قِدَم العالم لأرسطو.٩ وكذلك مثل نسبة مُحاوَرة طيماوس لأرسطو.١٠ هذه النسبة الخاطئة أولى الخطوات لفكِّ الرابطة بين النصِّ والمُؤلِّف حتى يُصبح النصُّ طليقَ السراح لنسبتِهِ إلى مؤلِّفٍ آخر أو لإبداع نصٍّ جديد قياسًا عليه.

والهدف من ذلك هو إكمال الناقص. فلمَّا كان لأرسطو المنطق والطبيعيَّات والإلهيَّات بمعنى ما بعد الطبيعة إلا أنه لم تكن لدَيه إلهيَّات واضحة تُفسِّر طبيعة الوافد وعلاقته بالعالَم، فسهَّل نسبة «أثولوجيا» لأرسطاطاليس وإخراجها من أفلوطين إلى أرسطو حتى يكتمِل النَّسَق الأرسطي في ذهن المؤرِّخين المُسلمين قبل أن يكتمِل في ذهن الحكماء؛ الفارابي وأرسطو.

وكما تكون بداية الانتحال فكَّ الارتباط بين النصِّ والمؤلف، كذلك تكون إحدى الخطوات نحوَه الخلط بين مُؤلِّفَين مثل الخلط بين ديوجانس المُتجرِّد وديوجنس الكلبي.١١ وتكون خطوة أخرى نحو الانتحال عندما لا يكتُب مؤلِّف شيئًا مثل سقراط أو عندما يكتُب كثيرًا مثل أفلاطون وأرسطو. فعندما لا يكتُب سقراط شيئًا يكثُر الانتحال، فكيف لا يكتُب الفيلسوف؟ وكيف لا يكتُب المسيح؟ وعندما يكتُب أفلاطون كثيرًا لماذا لا تستمرَّ الكتابة على نفس المنوال؟ وعندما يكتُب التلاميذ محاضرات أرسطو ويُدوِّنونها وراءه، فلماذا إذن لا يكتُب تلميذ آخر ما سمع، ويُكمِل ثانٍ ما لم يسمَع، ويكتُب ثالثٌ ما يُحب أن يسمعَه ولم يسمَعْه؟ وتتعدَّد الأمالي. وكلها تُعبِّر عن المُعلم الأوَّل، خاصةً لو كان معلمًا شاملًا وترَك شيئًا لم يتحدَّث فيه مثل كتاب النبات.١٢ ولا يُوجَد رباط ضروري بين أي قولٍ وأي قائل، أي نصٍّ أو أي مؤلِّف، بل تُوضَع أحسن الأقوال على لسان أفضل القائلين، وأبلغ الحِكَم والمواعظ والأمثال على لسان أفضل الناس وأبقاهم. فقد وُضِعَت كثيرٌ من الأقوال الأخلاقية على لسان الأنبياء والحُكماء والعظماء حتى يكون للقول أثرٌ أقوى وانتشار أوسع. ولمَّا كانت بدايات الانتحال فكَّ الارتباط بين النص والمؤلِّف فقد يكون الانتحال على لسان الآلهة، على لسان زيموس، إله الهرَب في الحرب أو إله الثبات، والقسَم بالله. ولا يُهمُّ أن يكون هناك تطابقٌ بين الشخصية التاريخية للنص الأصلي والصورة الفنيَّة المرسومة لها في الإبداع الثاني. الأولى واقع تاريخي والثاني خلقٌ فني. الأولى فردية والثانية عامَّة. لذلك تتكرَّر الشخصية الصوفية الأخلاقية، الإلهية الروحية بصرْف النظر عن اسمها. كما يتكرَّر نفس المعنى عند كلِّ الشخصيات بصرْف النظر عن الصياغات. هناك مؤلِّف واحد هو الناسك الصُّوفي الروحي الإلهي الأخلاقي الديني، الإشراقي الباطني. وهناك نصٌّ واحد إبداعي هو الفلسفة الإشراقية. لكن في العادة تُرسَم الشخصية الإبداعية الجديدة على منوال الفلسفة المنسوبة إليها حتى يحدُث تطابُق بين صورة الشخصية وفلسفتها وليس بين صُوَرها ونموذجها التاريخي الأوَّل. وعندما يكون النصُّ مجهول المؤلِّف مثل «فقر الحكماء» يكثُر فيه الانتحال لأنه نصٌّ مستقل، حرٌّ طليق، لا صاحبَ له، عمل فردي أو جماعي، يُعبِّر عن روح العصر والتاريخ. فهو أرض خصبة يحسُن فيها الزرع والحصاد. بعض الأسماء غير معروفة مثل زيمون الشاعر، أرسطوبوس، زيموس. وقد تكون خيالية، مجرَّد وسيلة للتعبير عن بعض الحِكَم.١٣

(٢) منطق الإبداع الحضاري

لا يعني الانتحال أي معنًى سلبي كما هو الحال في النزعة التاريخية التي سادت الدراسات الاجتماعية في الغرب في القرن الماضي، بل يدلُّ على أعلى درجةٍ من درجات الإبداع الحضاري من الوعي الجَمعي المُتراكم في أعماق الوعي الفردي.١٤ الانتحال دليل على الخصوبة، والنص الأوَّل ينزل في أرضٍ خصبة، في وعيٍ فردي وجماعي قادرٍ على الإنتاج. النصُّ قادر على الإخصاب، والأنا قابل للعطاء. لا ينزل النصُّ على أرضٍ جدْباء أو قاحِلة أو على صخرٍ يجرفه الماء أو تذروه الرياح، بل ينزل في ثقافةٍ قادرة على التفاعُل وقَبول كل شيءٍ واحتوائه وتمَثُّله وإعادة إنتاجه. مثال ذلك كتاب «التفَّاحة» وصية سقراط الشهيرة، و«سر الأسرار» للمُعلم الأوَّل، والرسائل المُتبادلة بين أرسطو والإسكندر، الأستاذ والتلميذ؛ والإسكندر وأمِّه روفيا، الابن والأم؛ ووصايا لقمان لابنه وهو يعِظه. ليس الدافع على الإبداع إذن أنَّ العقل الشرقي لم يستطع أن يهضم الفلاسفة اليونانيين إلا بعد أن وُضِعَت لهم، انتحالًا في أغلَبِ الأمر، أمثالٌ وجُمَل وحِكَم قصيرة مثل الكَلِم الروحانية لابن هندو؛ لأنَّ فهم الفلسفة اليونانية كان قد تمَّ قبل ذلك بقرنَين من الزمان، ترجمةً وتعليقًا وشرحًا وتلخيصًا وعرضًا وتأليفًا. ويختلف الإبداع من مؤلفٍ إلى آخر. وعادةً القادر على القراءة قادر على الإبداع مثل الشهرزوري. والمؤرخ الذي يرصُد ويصِف ويسرد أقلُّ إبداعًا مثل ابن أبي أصيبعة. فالخصوبة إمَّا من الموضوع مثل الإسكندر أو من الذات؛ أي المؤرخ. لذلك يحضُر الإسكندر عند الشهرزوري أكثر ممَّا يحضُر عند ابن أبي أصيبعة.
وقد تُساهِم أكثر من حضارة في إبداعٍ واحد كما هو الحال في هرمس المصري اليوناني البابلي العبري الفارسي، نموذج الحضارات القديمة كلها لأنه يُعبِّر عنها جميعًا كما عبَّر «ينبوع الحياة» لابن جبرول قبل نِسبته الصحيحة إليه عن اليهودية والمسيحية والإسلامية، ونسبتها جميعًا النصَّ إليها. وقد يستمدُّ الإبداع جزءًا من مادته من مصادرَ داخلية ثم يبني عليها بالخيال مثل بعض روايات الحسَن وإبراهيم بن أدهم وراء وصايا لقمان.١٥ فالإبداع لا يكون بالضرورة من مُبدعٍ واحد، بل يكون من عدَّة مُبدعين يشاركون في صنعة نموذجٍ واحد أو بناءٍ جديد على نموذجٍ قديم، مجموعة من الفلاحين لإنبات زرعٍ مشترَك. قد يكون الإبداع جماعيًّا وليس فرديًّا، وقد يكون لا شخصيًّا مجهول المصدر كما يكون شخصيًّا معلوم المصدر.
يعني الانتحال فَهم روح النص ثم إبداع نصٍّ جديد مُشابه في المعنى وإن لم يكن مُشابهًا في اللفظ، أحيانًا بنفس ألفاظ النص الأصلي، وأحيانًا بألفاظٍ مختلفة نسبيًّا أو كليًّا. وهو أشبه بالقياس الفقهي على مستوى الحضارة وليس على مستوى الفعل الفردي. فالمعنى هو العِلَّة المشتركة بين النصِّ الأصلي والفرع الإبداعي. وبمجرَّد استنباط العِلَّة من الأصل واقتناصها في الفرع يصدُر الحكم وهو النص الإبداعي الجديد كصياغة. ويسهُل الإبداع عندما يكون الأصل حكمةً أو مثلًا مثل وصايا الفُرس التي دوَّنها مسكويه في «الحكمة الخالدة»، ومثل «جمهرة أمثال العرب»، والشعر الجاهلي، وأحاديث الرسول. وهي جوامع الكلم التي أوتِيَها الرسول والتي تمَّ تدوينها في نوعٍ أدبي هو الأقوال والحِكم والأمثال والمواعظ. فهي المقياس النموذجي، الأصل المثالي الذي يتم عليه نسْج أقوالٍ أخرى مُشابهة تُضيف إلى مجموع الأمثال الأولى أمثالًا جديدةً، خاصةً وأنها بلا مؤلف. هو عمل جماعي ينتسِب إلى الجماعة وليس إلى فردٍ بعَينه. لذلك سهُل نِسبتها إلى أكثر من شخص.١٦ وكلما تجرَّد القول عن القائل، وانفصل النصُّ عن المؤلف، كان الأصل مؤهَّلًا لأن يكون أساس الإبداع ومِقياسه. ولهذا لم يكن مصادفةً أن يكون القِسم الأخير من الفصل الأوَّل عن الأقوال التي هي البِذرة للقراءة ثم الإبداع. لذلك غلَب على الانتحال الأقوال أوَّلًا سواء في صيغة حِكَمٍ أو أمثال أو وصايا أو رسائل أو مؤلفاتٍ قبل أن يكون نوادر وسِيَرًا شخصية، وقبل أن يكون وقائع وأشخاصًا؛ أي إبداع البذرة ذاتها أو الأصل الذي يتمُّ عليه نسْج الفرع.
وهناك آليات الانتحال يمكن معرفتها بعد تحليل النصوص المُنتحَلة منها:
  • (١)
    الحاجة العصرية لإبداع نصوصٍ جديدة تُنسَج على منوال القدماء الذين ما زالوا في الوعي الجمعي موضعَ احترامٍ وتقدير، مثل المُحرَّمات الثلاثة: الدين والسلطة والجنس. فقد تمَّ انتحال مُؤلَّف لأبقراط بعنوان «أوجاع العذارى».١٧
  • (٢)

    القدرة على الإبداع المُتمثلة في الخيال الشعبي الضروري وملَكة اللغة والكتابة والصياغة والتأليف الذي قد يُحوِّل القول إلى نادرة، والنادرة إلى قول.

  • (٣)

    فهم روح النص التاريخي الأوَّل عن طريق تخليصه من الشوائب وتركيزه على قصده الكُلِّي، وتمثُّله وإكماله بالإضافة في جانب، هو الجانب الإلهي الأخلاقي، وبالنَّقص في جانب، هو الجانب المجرَّد المنطقي الطبيعي الذي يصعُب نقله من الماضي إلى الحاضر لأنه وسيلة غير جيدة في التوصيل.

  • (٤)
    الموقف الدرامي في النص الأوَّل، مثل شهادة سقراط، فتوحات الإسكندر، وصايا أرسطو لتلميذه، وصايا أم الإسكندر إلى الإسكندر. وتكون أشكال الانتحال الأدبية أقرب إلى الموروث منها إلى الوافد، مضمون الوافد في قالب الموروث، روح الوافد في بدَن الموروث، معاني الوافد في ألفاظ الموروث. فأرطيبوس يتحدَّث بالشِّعر العربي، ويتحدَّث عن حقِّ إله العرش.١٨ فتستعمل ألفاظ الوصية والشريعة والفجَّار والعقيدة والنبوَّة والمعاد، وفي مقدمتها «الله تعالى»، وكل عبارات المدح والتعظيم مثل سبحانه وتعالى، جل ذكره … إلخ. وكلها ألفاظ من الموروث.
وكثيرًا ما يُصاغ الانتحال على لسان الحيوانات وهو نوع أدبي في التأليف معروف في الأدب العربي وفي الآداب المُترجَمة عن فارس والهند، كليلة ودمنة نموذجًا، أو من اليونان والرومان، حكايات إيسوب نموذجًا. ألَّف فيه من قبلُ إخوان الصفا «رسالة الحيوان»، ووضعوها في الطبيعيَّات مع أنها في السياسيات، شكوى الحيوان من بني الإنسان. وعرَّفه الجاحظ في كتاب «الحيوان» في إعطاء مادة علمية تجمَع بين الأدب والعلم لِمن يشاء الإبداع القصصي على لسان الحيوانات.١٩ وتكون المناسبة من الانتقال من عالَم الحيوان رمزًا إلى عالم الإلهيَّات حقيقة، ومن الديك والباز والسنُّور والفأر والثور والحمار والكبش والظبية والثعلب، إلى الله والبَسملة والحمْدلة وألفاظ الربِّ والمولى جل جلاله على لسان الحيوانات. وكثيرًا أيضًا ما يُصاغ الانتحال في نوادر على لسان النُّسَّاك والزُّهَّاد والعُبَّاد والحُكماء مثل سقراط وديوجانس الكلبي. وقد تكون قصص الحيوانات منقولة كعاملٍ درامي لمضمونٍ ديني، وقد تكون مؤلَّفة.
وغالبًا ما تبدأ الحكاية أو النادرة بلفظ «يُروى» للمَبني للمجهول، وقد لا يكون المقصود رواية تاريخية كما هو الحال في علم الحديث، بل مجرَّد البداية الخيالية لفنِّ القصص.٢٠ وأحيانًا تتغلَّب قواعد البلاغة العربية في الانتحال على النواة اليونانية إمَّا لنقصٍ في الأصل اليوناني أو لرداءة الترجمة العربية. وربما يبدأ الانتحال من بلاغة المُترجم رغبةً في إيصال نصٍّ عربي بليغ فيسهُل بذر البذور.
ولا فرق من حيث القيمة والأثر بين النصِّ الأصلي والنصِّ المُنتحَل، فكلاهما يُعبر عن روح واحدة، وكلاهما أثَّر في الفكر وأسَّس تياراتٍ وكوَّن تلاميذ. فالنصوص لها عالَمها المستقل عن واقعها التاريخي، تعمل في الوعي الفردي، وتتراكم في الوعي الجمعي كوحداتٍ مستقلة وكعِلَلٍ مباشرة. يتعامل البيروني بلا حرَجٍ أو تردُّد مع بليناس المنحول وأرسطو المنحول.٢١
١  يذكر طاش كبري زاده كتاب الرازي المُختَلَف عليه: «السر المكتوم في مخاطبة النجوم» (ج٢، ص١١١). ابن خلدون «المقدمة، ٤٩»: ترفُّع أهل المراتب عن انتحال الشِّعر. المُبشر بن فاتك «جوامع الحَكَم»: قال يحيى بن عدي: ينبغي أن يكون هذا منحولًا إلى أمنخيس (ص٣٥).
٢  «يا أرسطاطاليس هذه الأمة» (الشهرزوري، ص٧٥). «لعن رجل أرسطاطاليس، فقال الرسول: «مَهْ يا عمرو، إنَّ أرسطاطاليس كان نبيًّا فجهله قومُه»» (ص٧٩).
٣  من النصوص المُنتحَلة في العهد القديم كتاب يوديت وكتاب أخنوخ وحياة إبراهيم، ومن العهد الجديد أناجيل المصريين والعبرانيين وتوما وبرنابه وبطرس. ومن المُنتحَلات في الفلسفة اليونانية وصايا فيثاغورس الذهبية، و«سر الأسرار» لأرسطو، وكتاب «التفَّاحة» لسقراط (القفطي، ص٨٩). والرسائل المتبادَلة بين أرسطو والإسكندر، والإسكندر وأُمِّه روفيا، ورسالة أرسطاطاليس، ومن المُنتحَلات في الحضارة الفارسية بعض الكتُب المنسوبة إلى زرادشت (صاعد، ص١٥–١٧)، في الجواب عن مسائل للبراهمة أنفذها إليه الإسكندر (البيروني، ص٩٤-٩٥).
٤  يذكر ابن النديم بعض الرسائل الإسماعيلية المُنتحَلة (ابن النديم، ص٢٦٥).
٥  الخوارزمي المتأخر، ص٢٨.
٦  ابن أبي أصيبعة، ص٩٤–٩٦.
٧  المبشر بن فاتك، ص٩٩.
٨  فقر الحكماء، ص٢٥٥–٢٥٩.
٩  ابن النديم، ص٣٥٣.
١٠  طاش كبري زاده، ج١، ص٣٣٨-٣٣٩.
١١  المبشر بن فاتك، ص٧٢.
١٢  المُبشر بن فاتك، ص٩١–١٢٦.
١٣  فقر الحكماء، ص٢٩٥-٢٩٦؛ مقدمة، ص١٨–٢١.
١٤  مسكويه: الحكمة الخالدة، مقدمة عبد الرحمن بدوي.
١٥  وذلك مثل الباذرو غونيا، الهندي الرومي. وله كتاب استخراج المياه يُعبِّر عن آليَّات حضارات الشرق القديم (المبشر بن فاتك، ص١٠٠، ٢٧٢).
١٦  أبو سليمان، ص٣٠؛ البهيقي، ص٣٠٧.
١٧  ابن أبي أصيبعة، ص٥٥.
١٨  فقر الحكماء، ص٢٨٩-٢٩٠؛ الشهرزوري، ص٢٩٦.
١٩  قصة الديك والباز مع أرشميدس (فقر الحكماء، ص٢٩٢–٢٩٤). قصة الأسد والذئب والثور والحمار والكبش والظبية والثعلب مع هوميروس (فقر الحكماء، ص٢٦٢–٢٦٦). قصة السنور والفأر مع طاليس (ص٢٧٦-٢٧٧). وقصة الأسد والذئب والثعلب في سولون (ص٢٤٦–٢٤٨). وحكاية الذئب مع الأسد مع أنكساجوراس (ص٢٤٩-٢٥٠). والقط والعقعق مع ديموقراطيس (ص٢٥٢–٢٥٤).
٢٠  كما هو الحال في «الكوميديا الإلهية» لدانتي.
٢١  البيروني، ص٣٠، ٦٤.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١