ثانيًا: المُنتحَلات الصُّغرى

وقد لاحظ المؤرِّخون الانتحال في النصوص الفلسفية وفي الشكِّ في نِسبتها إلى أصحابها. فقد لاحظ القفطي أنَّ وصايا فيثاغورس الذهبية، وكتاب الفوائد لإقليدس وكلام ثامسطيوس على كتاب الشِّعر؛ أنَّ كل ذلك منحولًا.١ ويُلاحِظ صاعد أن كتُب هرمس في أحكام النجوم: كتاب الطول، كتاب العرض، كتاب قضيب الذهب، منحولة كذلك. وكذلك أيضًا بعض الكتب المنسوبة إلى زرادشت.٢ ولاحظ البيروني أنَّ كثيرًا ممَّا يُنسَب إلى الهند منحول، وبعضها عن بعضٍ منقول ومغلوط ومخلوط. ويُلاحِظ ابن أبي أصيبعة كثيرًا من المنحول على سقراط.٣ ويتحدَّث ابن أبي أصيبعة عن أعمال أبقراط الصحيحة والمنحولة.٤ ولاحظ المُترجمون أيضًا الانتحال، وهم أقدَرُ الناس على الحُكم على مضمون النص وأسلوبه، على رُوحه وألفاظه. فقد اكتشف يحيى بن عدي أن نصًّا لا بدَّ وأن يكون منحولًا على أمليخس.٥ وقد لاحظ ابن رُشد نفسه أن أثولوجيا أرسطاطاليس ليس له وهو في خِضَمِّ نقده للفلسفة الإشراقية عند الفارابي وابن سينا، خاصةً ابن سينا.
والمُنتحَلات ليست فقط في المترجَمات، بل في المؤلَّفات، مثل الشكِّ في نسبة رسالة الكندي «رسالة في الحيلة لدفع الأحزان» له. فهي رسالة إشراقية غريبة على أرسطي. أرسطو في الظاهر وأفلوطين في الباطن، نوع أدبي مثل وصايا لُقمان لابنه وليس بالضرورة وصايا أرسطو إلى الإسكندر، ومثل نداء فيثاغورس إلى الله مُتحدِّثًا باسم الكندي إلى مُعاصريه. والسبب في الشكِّ في نِسبتها إليه الطابع الاستشراقي لها والأسلوب العربي السَّلِس على غير أسلوب الكندي الذي لم يستقرَّ بعد، وغياب المصطلحات الفلسفية وعدَم وجود إحالات للحُكماء، بل فقط بعض المُنتحَلات مثل «سر الأسرار» و«الروابيع» و«معاذلة النفس» و«التفَّاحة»، واللغة التقويمية التي تدعو إلى تجاوُز الأحزان وليست التقريرية المعروفة عند الكندي، وغياب المُقدِّمات والتقسيمات والإحالات إلى باقي الرسائل، والإحالة إلى حكايات الإسكندر وسقراط وسينكا، مثل وصايا أرسطو إلى الإسكندر ووصية الإسكندر، وعدم الإحالة إلى أقواله الطبيعية وهي نقطة البداية عنده، مدح منهج الكندي الذي يبدأ بالمُصادرات والمؤلِّف لا يمدَح نفسه.٦
«الرسالة الذهبية» للإسكندر من المُنتحَلات تحثُّ على طاعة الله عز وجل، وألا يُسجَد إلا لباري الكل، وتصِف قورش وفازن بالإلهي، وتحمد الله الذي جعل أرسطو أهلًا لما آتاه الله من العلم، ويسأل الله تعالى النصر والتوفيق.٧ تُعبِّر عن الروح الإسلامية الأخلاقية الإنسانية، والاتجاه الصُّوفي العام؛ الزهد في الدنيا وهو نفس اتجاه فيثاغورس. قد يكون لها أصل يوناني. وأحيانًا تبدو العبارات الإسلامية وكأنها زيادة من النُّسَّاخ لوجودها في بعض المخطوطات دون الأخرى في إبداعٍ جماعي يُشارك فيه المؤلِّف الأوَّل والمُبدِع الثاني والقارئ والناسخ. تدفعهم جميعًا روح الحضارة وتُوجِّههم نحوَ مثالٍ واحد مشترك. فأول ما يُوحي به فيثاغورس بعد تقوى الله، تبجيل الذين لا يحلُّ بهم الموت من الله تعالى وأوليائه، وإكرامهم بما تُوجِبه الشريعة، ووثوق اليمين، والعمل بما تُوجِبه الشريعة، ومعرفة تدبير الله تعالى وأوليائه من أجل الوصول إلى جوار الله وكرامته.
وكما تُنتَحَل النصوص تُنتحَل الوقائع في الوافد والموروث على حدٍّ سواء، مثل حرْق الإسكندر كتُب المجوسية، وهدْم بيوت النيران، وقتل الموابذة والهرابذة، ونقل كتُب النجوم والطب والفلسفة إلى اليونان. فهذا ليس من عمل تلاميذ أرسطو ولا المُوحِّدين ولا الفلاسفة.٨ فالمُنتحِل الجاهل أراد أن يُعظِّم الإسكندر فحقَّره، خاصَّةً أن الانتحال قد يكون عملًا جماعيًّا يُساهم فيه الحُكماء والجهلاء معًا، الخاصة والعامَّة على حدٍّ سواء. ومن الموروث حريق مكتبة الإسكندرية عندما دخل عمرو بن العاص مصر. فالمُنتحِل أراد أن يضرَّ بالدين الجديد عن جهلٍ أو حميَّة.
وقد يكون النص مُنتحلًا عند اليونان، ويزداد الانتحال في الترجمة العربية. مثال ذلك «الوصية الذهبية» لفيثاغورس.٩ انتحالًا على انتحال. الانتحالُ الأوَّل في الثقافة اليونانية ذو طابعٍ أخلاقي، لذلك كان يقرؤها جَالينُوس كل يومٍ غدوةً وعشية. والانتحال الثاني في الثقافة الإسلامية. ولكل ثقافة أهدافها. ولمَّا كان فيثاغورس في الثقافة الإسلامية مؤسِّس الفلسفة الإشراقية كان المنحول أيضًا إشراقيًّا. يُوصي فيثاغورس بتقوى الله عز وجل، وبتبجيل الذين لا يحلُّ بهم الموت من الله وأوليائه وإكرامهم بما تُوجبه الشريعة وتَوق اليمين. والابتداء بالابتهال إلى الرب من أجل الوقوف على كُنه ما يجري عليه الأمر في تدبير الله عز وجل وأوليائه. الله هو الأب الواهِب للحياة، إذا كان في الناس جنسٌ إلهي، فالطبيعة الإلهية تقودُه إلى الوقوف على كلِّ واحدٍ من الأشياء. وفي النهاية تختم الوصية بحمد الله حقَّ حمده. يظهر البعد الديني الجديد في الثقافة الإسلامية منذ البداية، ويستمرُّ في الوسط والنهاية، فيتغلَّب الموروث على الوافد، وتدخُل المثاليَّات العقلية في الإيمانيَّات القلبية بسهولة ويُسر. المثاليَّات العقلية مثل ضبط النفس، وكتم الغضب، والسيطرة على الانفعالات، والإحجام عن القبائح، والإعراض عن الجاهلية. الكسْب لا يكون إلا حلالًا، والقصد في الطعام والشراب صحَّة للأبدان. محاسبة النفس ضرورية للترقِّي نحو الكمال، ويقظة العين تطهير للنفس. كل ذلك في أسلوبٍ عربي رصين يُوحي بأنَّ الوصية تأليف وليست ترجمة، إبداع وليست نقلًا، تعبيرًا عن الثقافة الإسلامية، وتصويرًا لأوضاع المُجتمعات الإسلامية بعد إعادة توظيفها وإنتاجها من الوافد إلى الموروث.
١  القفطي، ص٨٩، ٦٥، ٣٨.
٢  صاعد، ص١٧–١٩.
٣  «وكان قد وقع المِثال في فحوى الكلام على أديان الهند ومذاهبهم، فأشرتُ إلى أنَّ أكثرها مما هو مسطور في الكتُب هو منحول، وبعضها عن بعضٍ منقول ومغلوط مخلوط غير مُهذَّب على رأيهم ولا مُشذَّب» (البيروني، ص٤–٥).
٤  ابن أبي أصيبعة، ص٧٩، ٥٣–٥٦.
٥  المبشر بن فاتك، ص٣٥.
٦  عبد الرحمن بدوي، رسائل، ص٦–٣٢؛ مقدمة، ص٦–٨. عند فلتسر أنها منقولة من أصلٍ يوناني، رسالة مفقودة لثامسطيوس، كما تغلَّب على فلتسر المصدر اليوناني (القول في النفس، ص٢٧٧–٢٨٠).
٧  الشهرزوري، ص٤١١؛ وصايا فيثاغورس الذهبية، السجستاني، ص١١٩–١٢٤.
٨  المبشر بن فاتك، ص٢٣٣.
٩  «وصية فيثاغورس الذهبية»، نُبذة تولَّى نشرَها وعلَّق حواشيها الأب لويس شيخو اليسوعي. «مقالات فلسفية لمشاهير فلاسفة العرب مُسلمين ونصارى»، دار العرب للبُستاني، القاهرة ١٩٨٥م، ص٥٩–٦٣.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١