ثالثًا: المُنتحَلات الأفلاطونية

(١) «معاذلة النفس» و«الروابيع»

وكتاب «معاذلة النفس» منحول لأفلاطون في إحدى النُّسَخ، ولهرمس وأرسطو في نُسَخٍ أخرى.١ فما يهمُّ في الانتحال هو نسبة نصٍّ إبداعي يوناني أو إسلامي لأحد الحُكماء العظماء السابقين الذي يتَّفِق معه في الروح بصرْف النظر عن الاسم، أفلاطون أو هرمس. ربما تمَّ الانتحال في مصر قبل منتصف القرن السابع الهجري. فالانتحال ليس مواكبًا فقط للترجمة والشرح والتأليف، بل مُستمر باستمرار التأليف الفلسفي خاصةً الإشراقي. ولا يُهمُّ شخص المؤلف، عربي شرقي، مسلم يهودي مسيحي، غنوصي أفلاطوني مُحدث، مانوي غنوصي؛ لأنَّ روح الحضارة تضم كل هذه العناصر. وقد يكون الانتحال جماعيًّا وليس فرديًّا. ولا يعني نقد المسيحية أنَّ المؤلف ليس مسيحيًّا، فكثيرًا ما ينقُد الحكماء دياناتهم. وقد لا يكون مسلمًا بالضرورة لأنَّ الحديث عن الطلاق ووجود آثار لعلم الكلام ثقافة عامة عند الجميع. والمخطوط نفسه يشمل عديدًا من المُنتحَلات للعهد القديم ولسقراط والإسكندر.٢ وكلها تدخل في نوع أدبي واحد هو الوصايا. وملكيته لأحد النصارى كما هي العادة عند المسلمين في توثيق الملكيات والحجج الشرعية. وتتنوَّع المُنتحَلات على لسان الأنبياء والحكماء. وقد تكون البداية تاريخية ولكن النهاية مُنتحَلة. فالانتحال يبدأ من التاريخ ولا ينتهي فيه. يبدأ بجسد الحضارة وينتهي في روحها. ويتداخَل التاريخ والحضارة، والصحيح والمُنتحَل، والفرد والجماعة، والنقل والإبداع.٣
وتعرِض مقدمة الرسالة الموضوع والقصد مع الثناء على أفلاطون لاتِّفاقه مع روح الحضارة الإسلامية؛ رفَع النفس من الأمور السُّفلية إلى الأمور العلوية وحثَّها على الاستقامة والصلاح بأسلوبٍ واضح وسهْل للجميع اعترافًا بنِعَم الله وشكر المُنعم. وهي مقدمة تدلُّ على أنَّ المُنتحِل يريد أن يقدِّم عمله الإبداعي قبل تأليفه، يتمايز معه. المؤلِّف يتوحَّد مع عمله، والمُنتحِل يتغايَر معه.٤
وتُبتَدأ المُنتحَلات وتُختَم بالبسملات والحمدلات والدعاء كما هو الحال في الترجمات للنصوص الصحيحة والشروح والمؤلَّفات، لا فرقَ في ذلك بين مؤلَّفٍ إسلامي أو مؤلَّف نصراني. ويتم الترحُّم على المؤلِّفين مثل أفلاطون قدَّس الله روحه العزيز.٥
ويبدو الدافع الإسلامي على الانتحال، التعبير عن روح الحضارة على لسان الوافد والموروث في آنٍ واحد، والتعبير عن التصوُّر الإسلامي بمصطلحاته وألفاظه على لسان هرمس وأفلاطون وأرسطو. بل يُصبح أفلاطون أكثر صوفيةً وإلهية وروحانية أكثر مما يتطلَّب التصوُّر الإسلامي للعالم. فالنصُّ روحيٌّ خاوٍ من أي مضمونٍ اجتماعي، يصدُر عن بيئة صوفية خالصة، مسيحي بوذي هندوكي أكثر منه إسلامي، يُشبه مضمونه القصيدة العَينية لابن سينا ويبدأ بنداء «يا نفس» والابتهال إلى مُبدع الأشياء ومُبدئها ومُنشئها بتعبيراتٍ إسلامية «جل جلاله وتقدَّست أسماؤه». ويدعو النفس للتأمُّل في حكمة مُبدع هذه الأشياء. فالتأمُّل في هذه المعاني دليل على لُطف حِكمة مبدع العالم. المُبدع «جل اسمُه» كالناطق الفائض بالمعاني والجواهر. هو أبسط الأشياء وقابضها ومُبدئها ومُعيدها وواضعها ورافعها ومُنشِئها ومُبدِعها. فمَن عفَّ عن الشهوات عفَّت مصائب الدنيا عنه، ومن أسرع إلى شهوات الدنيا أسرعَتْ مصائبها إليه وخرج من الدنيا سقيمًا خاسرًا بعيدًا عن الله.٦
ومن المُنتحَلات «كتاب الروابيع» شرح أحمد بن الحسين لثابت بن قرَّة بالرغم من وضوح النص. فالمُنتحَلات أيضًا ليست فقط موضوعًا للترجمة، بل أيضًا موضوع للشرْح مع تمييزٍ بين النص المُترجَم وشرحه كما هو الحال في التفسير الكبير لما بعد الطبيعة لابن رُشد.٧ وهو نوع أدبي يعرفه الصوفية والفقهاء، سؤال من المُريد إلى الشيخ بكلِّ عناصر التشويق في السؤال وفي الجواب. وتدخُل شخصيات خيالية مثل أوماتيطس تلميذ أفلاطون وكتاب «ديالفون»، وربما يقصد المُحاورات التي ليست كتابًا بل نوعٌ أدبي. والاسم غريب «الروابيع»، ربما نوع أدبي مثل «الرُّباعيات» مع أنَّ رمز الشرق هو العدد سبعة كما هو الحال في الفيثاغورية والإسماعيلية.
والمقدمة ضرورية للإخراج تمايُزًا بين المؤلِّف وعمله كما يفعل الفنان. فالانتحال عمل فنِّي وإبداع حضاري. ويتغيَّر مكان الحوار من اليونان إلى بابل على مصبِّ الفرات حيث التقى الشيخ بالمُريد الذي لم تردَعْه وصية الشيخ عن الاشتغال بهذه الصنعة. فغادر المُريد الشيخ إلى اليونان بعد أن أدرك أنَّ الشيخ ينفي عن نفسه تُهمة الاشتغال بالباطل. يُنبِّه الشيخ المُريد على عواقب الأمور فيما يصير إليه من أمر الدهور، ولكن المُريد يشهد بالواحد الحي أنه حريص على الصنعة، الكيمياء، دون نفعٍ شخصي بل طلبًا للحق والرَّشاد. فأفلاطون الصوفي يتطلَّب ظهور الشرق الروحي، جمعًا لحِكمة الخالدين. لذلك غلَبَ على الانتحال طابع التجميع من هنا ومن هناك، والإحالة إلى اليونانيِّين، إلى أهل لوذيا في ادعاءاتهم وإلى أبقراط الطبيب وكتابه اليسابيع الذي فُقِد أصلُه اليوناني وليس له إلا ترجمة عربية مخطوطة وإلى باقي كتب أفلاطون، والإحالة إلى الهند جمعًا بين الشرق والغرب.٨ وينتهي الكتاب أيضًا بالاعتراف بالانتحال طبقًا لروح أفلاطون.٩
وموضوعه عِلم الصنعة أو الكيمياء القديمة لتحويل المعادن الخسيسة إلى معادن شريفة، فاستِنبات الذهب مثل استنبات الفكر في الشعور. وتظهر العلوم كلها مُجتمعة، طبيعيات وبيولوجية، بعيدًا عن الإلهيات والأخلاقيات. ويتمُّ التعرُّض للفلك وخُرافات التنجيم وأثر الفلك على الأرض وعلى الطب. فالموضوع طبيعيَّات إشراقية. ومن الطبيعي أن يكون لأفلاطون طبيعيَّات تُكمِل الإلهيات، كما أنه من الطبيعي أن يكون لأرسطو إلهيَّات تُكمِل الطبيعيات لإبداع تصوُّرٍ متكاملٍ للعالم عبَّر عنه الفارابي في «الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون الإلهي وأرسطوطاليس الحكيم.» والزهرة كوكب رطب يُضادُّ العلم والنظر وله استيلاء على الدولة والمِلة.١٠ وأَولى الأشياء في الأمور التوسُّط تعبيرًا عن رُوح الموروث، خير الأمور أوسطها.
وتُعبِّر عن الرؤية الدينية للعالم. فالعِلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان. وتتكرَّر العبارة حتى يَثبُت الحدْس الرئيسي ويتَّضِح القصد. فأفلاطون هو الشيخ أفلاطون وهو أحيانًا أفلاطون، والشيخ، والحكيم والفيلسوف. وفيثاغورس هو الشيخ فيثاغورس. ويتكرَّر لفظ الإله. فالإله الأوَّل «جل ثناؤه» حر، وجعل الله بحكمته أدعية، وللإله تدبير دقيق. وهو الإله «عز وجل». وهو الإله الحق. كما تتكرَّر صفة الإلهي. فالدماغ مَحلُّ الجزء الإلهي إلا أنه سيَّال، والنفس مَسكن الجزء الإلهي، والدماغ عضو إلهي. كما يظهر لفظ الرُّوحاني. ويتمُّ الإحالة إلى إقليدس وأسقليبوس، الرياضة والتصوُّف، أفلاطون وهرمس. وتُذكَر منازل القمر كما هو الحال في القرآن: وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ. وفي البداية وفي النهاية تظهر العبارات الدينية، والبسملات والحمدلات وكأنَّ المُنتحَل تأليف إسلامي أصيل.١١

(٢) «العهود اليونانية» و«الرسائل»

وكتاب «العهود اليونانية» مُنتحَل على أفلاطون من تأليف أحمد بن يوسف بن إبراهيم الذي عاش في مصر (٢٥٤–٢٧٠ﻫ). فالانتحال بدأ في القرن الثالث موازيًا للتأليف ممَّا يدلُّ على أنه تأليف مقصود كنوعٍ أدبي جديد لإكمال الناقِص في الوافد أو تسهيل تمثُّله بإعادة عرضِه داخل الموروث وبِلُغته وتصوُّراته وربما على صِلةٍ بالواقع الاجتماعي والسياسي للعصر، الحُكم المُطلق العبَّاسي أو البيزنطي، الأموي أو الخلافة الراشدة الأبوية أو الإيراني الثوري الذي انتسب إليه أبو جعفر المنصور. والسؤال الآن: أين أثر الديمقراطية الأثينية على هذا الفكر الأبوي التسلُّطي البيزنطي في الأعمال المُنتحَلة؟ لا يعني الانتحال «الأصول اليونانية للنظريَّات السياسية في الإسلام»، بل يعني وضع فلسفةٍ على لسان القُدَماء وبنفس الروح تسهيلًا لتمثُّل الوافد وقَبول الموروث له، وإكمالًا للوافد على العقل إضافة الشرع إلى العقل، وإلا كان اليونان هم الأصول والمسلمون هم الفرْع كما هو الحال في الاستشراق الغربي وامتداده العرَبي، وليس الفكر السياسي الإسلامي كلُّه الكلامي والفقهي والصوفي بل في علوم الحكمة وحدَها.١٢
كان للفكر السياسي مصدران، فارسي ويوناني.١٣ وانضمَّ صاحب «العهود اليونانية» إلى الفكر السياسي اليوناني. الانتحال هو تأليف مقصود على لسان القدماء؛ يونان وفرس، أفلاطون وأرسطو والإسكندر، أو زرادشت وكسرى وهوشنج. أراد أن يُضيف تأليفًا جديدًا على لسان أفلاطون كما أضاف يحيى البطريق «سر الأسرار» على لسان أرسطو. والدليل على الانتحال حديث أفلاطون عن نفسه مِثل حديث موسى عن وفاته في التوراة. اعتمد فيه على السياسة؛ أي الجمهورية، ترجمة حنين بن إسحاق والنواميس ترجمة حنين ويحيى بن عدي. ووضع لها الفارابي جوامع «تلخيص نواميس أفلاطون».
ويدلُّ عنوان «كتاب العهود اليونانية المُستخرَجة من رموز كتاب السياسة لأفلاطون وما انضاف إليه»، على أنَّ السياسة أخلاق، عهد ووصية كما هو الحال في عهود الأنبياء ووصايا لقمان. وهو مُستخلَص من كتاب السياسة؛ أي يهدف إلى المعنى وليس إلى اللفظ، يُعبِّر عن الروح وليس نقلًا للعبارة. وهو من رموز كتاب السياسة وبالتالي الحاجة إلى التأويل حتى يكون الإبداع الحضاري حُرًّا بلا قَيد. وأُضيفت إليه أشياء ممَّا يسمح بالإبداع الحضاري، فهو أقرب إلى التأليف منه إلى الترجمة؛ فليس فيه اقتباس حرفي وافد من أفلاطون، بل هو تعبير عن أفلاطون الشرقي، روح الحضارة القديمة الجامعة للشرق والغرب. ويتضمَّن ثلاثة عهود: الأوَّل من أدريانوس إلى ولي العهد، والثاني من وزير إلى ابنه، والثالث من رجلٍ من رجال الطبقة الثالثة إلى ابنه. وواضح أنَّ الخلافة عهد مثل عهد أبي بكر لعُمر وليست شُورى بين المسلمين. ولا تُهمُّ الأخطاء التاريخية. فالانتحال عمَل حضاري في التاريخ وخارجه. لا يُهمُّ إذا كان أدريانوس قبل موسى أو بعده أو أن يكون لأفلاطون ابن وزير. المُهمُّ أنَّ أدريانوس قبل موسى أي قبل التشريع وسابق على الوحي، وأنَّ أفلاطون فيلسوف وملك. أدريانوس التاريخي مُجرَّد بداية حضارية، شخصيته تَحظى بالإجلال مثل يُوحنَّا ويصبح نظيرًا للإسكندر.١٤
ونظرًا لأن «العهود اليونانية» مُنتحَلة لصالح اليونان فقد تحوَّل اليونان في العهد الأوَّل. عهد الملك إلى ولده، إلى مُسلمين موحِّدين بالله، مُصدِّقين بالصحف المُنزَّلة قبل موسى. الخلافة عندهم عهدٌ وليست شُورى.١٥ أمَّا الفرس فتقتضي الأخلاق عدَم ذُلِّهم في مقابل مدْح اليونان. فمِن مزايا الفرس حُسن السيرة ورجاحة الرأي وملك الأهواء وإنكار ذلك يتمُّ عن تعصُّب وتسلُّط. وفي نفس الوقت ذمُّ اليونان لتقصيرهم في السياسة غير صحيح. والدليل على ذلك «العهود اليونانية».١٦
وفي العهد الثاني، عهد الوزير إلى ابنه بيان تعظيم اليونانيين للوزارة وانتخاب من صلُح لها من سائر الناس بتتبُّع المواليد، واجتماع الناس في الهيكل للانتخاب مِثل تولية أبي بكر القائم على الدستور. وكله نصائح للعمل بالدِّين موجهة للملوك وليس للناس لاسترداد حقوقهم. وتُصنَّف أخلاق الملوك في أربع صفاتٍ كلٌّ منها لها أربعة احتمالات مما يدل على أهمية التقسيم العقلي.١٧ وفي العهد الثالث، عهد العامي إلى ولده كان اليونانيون يُصنِّفون الناس ثلاث طبقات، الملوك والوزراء والعامة. وهو عهد إيمان وتقوى وأن الله مُطلع على كل شيء، على خائنة الأعين وما تُخفي الصدور. تجِب لله الطاعة حتى يحصل الإنسان على الثواب في الدنيا والآخرة.١٨
والموضوع الإسلامي مثل الدعوة إلى المساواة بين الأغنياء والفقراء. والمصطلحات شرعية مثل الله والشريعة. والموقف فقهي مثل عدَم الدخول في النزاع والشجار بين الصحابة وأهل السَّلَف وطبقة العلماء. والرؤية إسلامية، تأسيس السياسة على الأخلاق، والأخلاق إسلامية ضدَّ الزُّهد والرياء والنفاق، والعلاقة بين الإنسان والله، بين الراعي والرعية، وفضل العابد وتطبيق الشريعة، والاستنصار في المِلة، وشكر الله على نِعَمه والثقة به والخوف من غضبه، وتجنُّب البُخل، ومراعاة أحكام الدين.١٩ وتظهر العبادات الإسلامية في العهد الثاني، عهد الوزير إلى ولده ابتداءً من البسملة حتى التضرُّع إلى الله تبارك وتعالى، ونَيل الحال المرضية عن الربِّ عزَّ وجل وتهوين التعَب للاقتداء بالربِّ عزَّ وجلَّ وسؤال الله والانتهاء بحمد الله، وتطبيق الشريعة حتى يُصبح الإنسان مُصوَّرًا في ملكوت السماوات.٢٠
والتوجُّه الإسلامي واضح من العنوان «العهود» والبدايات والنهايات الإيمانية في البسملات والحمدلات والصلوات على الرسول والدعوة إلى الانتفاع بالقرآن وكأنه تأليف إسلامي صِرف.٢١ ويمتلئ العهد بعبارات السَّلف الصالح وحمد الله عز وجل والخوف من الله والحمد له.٢٢ يشير السلف الصالح إلى سَلَف أفلاطون إسقاطًا من السلف الصالح للرسول. وتنتهي العَود بحمد الله وتوفيقه والصلاة والسلام على خير خلقه.٢٣
ومُعظم المنتحَلات تبدأ بأفعال القول «قال أفلاطون» مرة واحدة في البداية دون حرَج؛ أي لم يقُل بلسانه ولكن بروحه، ليس بشخصه ولكن بفلسفته، ليس أفلاطون الزماني بل أفلاطون الخالد.٢٤ وهي أقوالٌ قِصار تدل على عقلية الإبداع والأمثال والأقوال المأثورة، كالآيات القرآنية والأحاديث النبوية، حتى يمكن تذكُّرها واستيعابها وضرْب الأمثال بها. بل لقد اختلط البعضُ منها بأحاديث الرسول الموضوعة مثل: «لا تقسُروا أولادكم على آدابكم، فإنهم مخلوقون لزمانٍ غير زمانكم.» يأخذ الانتحال شكل الآداب التي يتمُّ فيها. النصائح والمواعظ والوصايا، مثل وصايا لقمان لابنه أو وصايا لقمان الحكيم. يغلب عليها الطابع العملي وليس التأمُّلات النظرية. وهي أقرب إلى الأخلاق والسياسة منها إلى الكلام والفلسفة. وقد تتكرَّر أفعال القول أمام كل قولٍ مأثور أو فقط في أوائل المقالات. مُعظمها في المَبنِي للمعلوم «قال»، وأقلُّها مبنيٌّ للمجهول «قيل». وقد تتعدَّد أفعال القول حتى لو كانت الكلمات قصيرةً لا تتجاوز كلٌّ منها جملةً واحدة.٢٥ وتتوزَّع هذه الأقوال بين أقسام الحِكمة الرئيسية، المنطق والطبيعيَّات والإلهيَّات. وفي الإلهيَّات يغلب موضوع النفس وقواها والعقل وأنواعه. وقد تغيب الإيمانيات المباشرة والعقائد والشرائع الإسلامية، ولكن الفلسفة المثالية مثلها قريبة منها، الإعداد العقلي للإيمان والبرهان عليه. ويغيب في الأقوال فنُّ التشويق، الحكايات والألغاز، لأنَّ القول قصير لا يتحمَّل الأسلوب القصصي أو الرواية الطويلة بما فيها من حوارات وشخصيات مُتعددة. وتذكر فيها أسماء أعلام اليونان عرَضًا وأسماء بعض مؤلفاتهم.٢٦ ولا يفُوت الانتحال ذكر اللسان اليوناني الأصلي الذي كُتِب به النصُّ المُنتحَل لإعطائها نوعًا من الأصالة الشرعية والإيحاء بالصحة التاريخية.
وقد جعل المسلمون أفلاطون يتحدَّث في كل الأنواع الأدبية المُمكنة، الكتاب، والرسالة، والوصية، والكلمات والمُلتقَطات، والفقر، والثمرة اللطيفة، بل والاعتراف بالمنحول كنوعٍ أدبي.٢٧ ولكل نوعٍ أدبي ميزته. الكلمات هي الأقوال، زبدة الفكر، والرسالة إجابة على سؤالٍ مثل المُستفتي والمفتي في علم الأصول. والوصايا ميراث النبوَّة مثل وصايا لقمان لابنه وهو يعِظه.٢٨ وهي إبداعات قصيرة، في صورة أقوال وحِكَم وأمثال. وهو شكل أدبي معروف في البيئة العربية التي يتمُّ فيها الانتحال دون بنية مُتكاملة. فالانتحالات الجزئية قبل الانتحالات الكلية. ولا تحتاج باستمرار إلى أسئلةٍ للإجابة عليها.٢٩
وكما حاور سقراط تلاميذه في الليلة الأخيرة، والمسيح حوارييه في العشاء الربَّاني، كذلك حاور أفلاطون تلاميذه وقد حضرتْهُ الوفاة في موضوع خلود النفس. وقد يكون الحوار افتراضيًّا في صيغة «إن قيل … قال» وهو الأسلوب الفقهي في الردِّ مُسبقًا على الاعتراضات.٣٠
ويغلب على الانتحال أسلوب التأليف والفَيض الروحي. فهو من روائع الأسلوب الأدبي على عكس الترجمات التي يغلب عليها أسلوب النقل والقيد اللفظي. لذلك سهُل الانتحال في الأدب خاصَّة الشعر، إبداع العرب الأوَّل. ولا فرق بين خطبة أفلاطون في اجتماع الفلاسفة في بيت الحِكمة وبين الإبداع الصوفي مثل أسلوب التوحيدي في «الإشارات الإلهية».٣١ وتظهر عادات أسلوب التأليف الإسلامي مثل مُخاطبة القارئ والدعوة له بالسعادة والتوفيق.٣٢ وقد يصِل حدُّ الانتحال إلى الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. فلا فرقَ بين الأنا والآخر؛ إذ يعبر الأنا عن ذاته على لسان الآخر، ويُعبِّر الآخر بلسانه عن ذات الأنا.
وفي الانتحال كلُّ فنِّ التشويق وعالم الرموز والأسرار مثل الصحيفة الصفراء التي تُقرأ في قرابين الهياكل: «لا يرتفع الحسد عن أحدٍ إلا رحمه الناس.» ومثل ألواح التوراة لموسى والألواح الذهبية ليوسف منو مؤسِّس المينونيين، واللوح المحفوظ، وصحف إبراهيم وموسى، والكتاب المسطور، والكتاب باليمين أو اللوح المُعلَّق في العُنق أو حتى الكتابة للدَّين أو للحقوق والشهادات. كما وُجِد في نفس الصحيفة الصفراء: «يا أيها الإنسان اكتُم في هذا العالم حُسن صُنعك عن أعيُن البشر، فإنَّ له عيونًا أشرف منها من عمَّر ملكوت السموات ببصرِه ويُجازي عليه.» وفيها حكايات مثل أراميس الحكيم الذي ضرب بالسيف مرَّتَين، الأولى في يده اليُسرى والثانية في خاصرته وهو يُوصي لذوي الأمانة بالصدق والعدل قبل أن تُفارق روحه جسده. وهو يدعو أيضًا دعاء الصحف، ومثل حكاية الملك أراد تكفير قُوَّام الشريعة فأيَّدَهم الله بالآيات، فأصبح من خدَّامِها. وتروى حكاية رجل من اليونانيِّين أنكر الدين الذي عليه وحلف بزيوس فعمِي بصرُه. كما يضرب المثَل على صِدق القول برجلٍ زوَّق الكلام أمام الملك لإطلاق سراحه، فلم يفعل، ثم عرَض شكواه دون حُسن القول فلم يؤجَّل. فلما عبَّر عن نفسه بصِدقٍ أطلق الملك سراحه. وحكاية مارينون ملك اليونانيين الذي يذكره هوميروس الشاعر لمعرفة الدلائل على صِدق النبوَّة، وأن الحكيم هو النبي، والحِكمة هي النبوَّة، وهو رأي أفلاطون. وحكاية المرأة التي أتت لشكاية زوجها إلى أسقليبوس وهو قائم في الهيكل، فأخبرَه بأنها هي التي خانتْه مع سكرانٍ في ليلة عيد الشمس وزوجها قائم في الهيكل. وحكاية ديوجانس الذي لم يقُم للملك أساخس لأنه عبد الله ولا يقوم عبدٌ لعبد.٣٣ وحكاية رفض الحكيم هدايا الملوك؛ لأنها تُبيِّن فقرهم.

ويتمُّ اختيار المكان، الحجاز وما يرمُز إليه من قوة الغر. واليونان هم الذين يتحدَّثون باسم الإسلام، عقيدة وشريعة. وملوك اليونان مصادر لروايات عنهم للتصوير والتشويق. كما اجتمعَتِ الفلاسفة في بيوت الحِكمة.

ويظهر الانتحال في الإخراج المسرحي وعناصر التشويق لجذْب القرَّاء مثل «نقوش نصوص خواتيم الفلاسفة». فقد نُقِش على خاتم أفلاطون: «تحريك الساكن أسهل من تسكين المُتحرِّك.» فالنقش على الخاتم من عادات الأنبياء مثل خاتم الرسول. ومن سِمات الملوك في الأساطير الشعبية مثل خاتم سليمان. كما خاطب أفلاطون في اجتماع الفلاسفة في بيوت الحِكمة نظرًا لرئاسته تقريظًا للحِكمة. فالانتحال في حاجة إلى مُعبِّر. وعندما يجلس ويُطلَب منه الكلام ينتظر حتى يأتي الناس. فإذا أتى أرسطو قال تكلَّم، فقد جاء الناس. فأرسطو وحدَه كل الناس! وهو تصوير جيِّد لحُب أفلاطون لأرسطو وتقديره له. ويتوجَّه ببعض نصائحه إليه مثل: «لا تُجالس إلا من يحفظ عليك وتستحي منه.»

ويتم الانتحال أيضًا في أفلاطون بمناسبة الإسكندر ووصاياه حتى لا ينفرد أرسطو وحده بالمناسبة التاريخية؛ إذ يتوجه أفلاطون بخطابٍ إلى الإسكندر وهو في فارس يدعوه إلى شكر الله على نِعَمه ويُقرُّ بمساواة الله عز وجل في مذاهب الذمم بين خلقه؛ إذ إنَّ نِعَمه عامة على العالمين لا تخصُّ شعبًا دون شعبٍ، ضد المركزية اليونانية أو الفارسية وإعلانًا للعالمية الإسلامية. ولا تُهم الصحة التاريخية مثل رسالة الحكيم المُطلق أرسطاطاليس إلى الإسكندر، من اليونان إلى فارس. فقد مات أفلاطون (٣٤٨ق.م.) قبل ولادة الإسكندر (٣٥٦ق.م.).٣٤
والانتحال خطوة بعد القراءة، فقراءة التاريخ لا يكفي فيها تأويل أفلاطون الصحيح، بل إبداع أفلاطون المنحول وتحويله إلى تاريخ. وتلك هي صورة أفلاطون في كتُب الحكمة. مثال ذلك صورة أفلاطون في نوادر ألفاظ الفلاسفة والحكماء وآداب المُعلمين القدماء لحنين بن إسحاق و«رسالة في آراء الحُكماء اليونانيين».٣٥ بل قد يُعادل أفلاطون المنحول أفلاطون الصحيح كمًّا.٣٦
ومع ذلك فالانتحال قراءة كما يبدو في المُلتقطات المُتفرِّقة لأفلاطون الإلهي. وهي أقرب إلى أفلاطون الأرسطي أو أرسطو الأفلاطوني نظرًا لأهمية الطبيعة والعقل والمنطق والغائية. وكلها عناصر أرسطية. الانتحال أفلاطوني والمنحول أرسطي نظرًا لعشق أفلاطون قلبًا، وإغراء أرسطو عقلًا.٣٧
وفي «رسالة في آراء الحكماء اليونانيين» وبطبيعة الحال يتصدَّر أفلاطون النصَّ المُنتحَل ثم فيثاغورس ثم سقراط وأرسطو ثم نكسقراطيس. وحتى يكون الانتحال مُوثَّقًا تتمُّ الإحالة إلى طيماوس التي يتحدَّث فيها أفلاطون عن خلْق العالم أو قِدَم الزمان؛ أي الطبيعيَّات، في أقواله عن النفس والصُّوَر الروحانية.٣٨ ويحتاج الانتحال إلى نموذجٍ سابق يتمُّ الانتحال طبقًا له حتى يرتبط الإبداع بالتاريخ. وهذا هو الفرْق بين الانتحال والإبداع. الانتحال له نقطة بداية في التاريخ، سقراط أو أفلاطون أو أرسطو أو أفلوطين، في حين أنَّ الإبداع لا يحتاج إلى ركيزةٍ في التاريخ. يحتاج الانتحال إلى أفعال القول في حين أنَّ الإبداع يعتمد على العقل الخالص المُتَّحِد مع الأشياء في رؤيةٍ واحدة. وفي كتاب «النواميس» يتصدَّر أفلاطون ثم مارينون ثم أسقليبوس ثم أوميردس وفيثاغورس وأنبادقليس وأراميس الحكيم. فأفلاطون يوضَع في سياقه التاريخي الإشراقي دون أرسطو والطبائعيين. لذلك كثُر ذكر اليونانيين، بل لا يُنسى الشرق، وتُذكَر الهند موطن الإشراق.٣٩
وفي «رسالة أفلاطون إلى فرفوريوس» ما يدلُّ على الانتحال. فما بين المُرسِل والمُرسَل إليه ما يزيد على ستمائة عام. إلا أنَّ الجامع بينهما أن أفلاطون تلميذ أرسطو وفرفوريوس تلميذ أفلوطين، وكلاهما إشراقي. أفلاطون هو الذي دوَّن سيرة أستاذه سقراط، وفرفوريوس هو الذي هذَّب تاسُوعات أستاذه أفلوطين. ولا يُذكَر إلا الإشراقيون في الغالب الأعم. ولا تُذكَر أفعال القول ولا اسم المُرسِل مرة واحدة.٤٠ ديوجانس وأثاخوس وهرمس الحكيم وسقراط ونيرن.
وقد لا يحتاج الانتحال إلى تاريخ مثل «وصية أفلاطون الحكيم»، فلا يُذكَر اسم أفلاطون أو أفعال القول. فالانتحال الخالص لا يحتاج إلى تعشيق.٤١ ولا يُهم عنصر التاريخ في الانتحال. فأفلاطون يردُّ على فرفوريوس في سؤاله عن حقيقة نفي الهمِّ وإثبات الرؤيا وهما لا يعيشان في نفس العصر. أفلاطون في القرن الرابع قبل الميلاد، وفرفوريوس تلميذ أفلوطين ومُعِد «التاسُوعات» في القرن الثالث الميلادي. إنه حوار آلهة الأولمب حول الحكمة الخالدة. يذكر أفلاطون جَالينُوس وأبرقلس وهما بعدَه. ويُحال إلى «النواميس» حتى يطغى التاريخ على اللاتاريخ. وقد يذكر أرسطو وحدَه تأكيدًا على العلاقة الحميمية بين المُعلم والتلميذ. وقد تذكر الأقوال دون أسئلة إلا مرة واحدة.
ويكشف تحليل النصوص المُنتحَلة اختيار أعلام اليونان كمحاورين افتراضيين لأفلاطون بصرْف النظر عن التعاصُر الزماني. وبطبيعة الحال يتصدَّر أفلاطون ثم أرسطو والمدرسة الأفلاطونية كلها خاصة فيثاغورس. ويدخل كل أعلام اليونان في هذه المدرسة ثم أنبادقليس وسقراط. بل يدخل الحكماء كلهم مثل أراميس الحكيم وديوجانس. بل يدخل أيضًا الآلهة وأنصاف الآلهة مثل هرمس الحكيم وأسقليبوس. ولا يغيب الشرق أيضًا مثل الهند وفارس. فقد انتشرت الفلسفة اليونانية في ربوع الشرق بعد فتوحات الإسكندر. وإذا كان أفلاطون فيلسوف الإشراق فإنه يكون شرقيًّا بقدْر ما هو غربي.٤٢ وحتى يكون الانتحال تاريخيًّا تُذكَر أسماء بعض مؤلفات أفلاطون مثل «طسماوس»، «النواميس». فإذا تعذَّر التاريخ تمَّ الاكتفاء بالإشارة إلى «بعض الحكماء».
أمَّا «وصية أفلاطون في تأديب الأحداث» ترجمة إسحاق بن حنين. فقد يكون انتحالًا يونانيًّا قبل أن يُعاد انتحاله إسلاميًّا.٤٣ في الانتحال اليوناني تحليل طبَقي للتربية للطبقة الوسطى، لا العُليا ولا الدُّنيا. فالقِيَم من صُنعها، قِيَم القانون والنظام. أمَّا الغِنى والفقر، الطبقة العُليا والطبقة الدُّنيا، فإنهما يتجاوزان القِيَم إلى الثروة أو البقاء. وفي مُقدمتها العِلم من أجل المهنة، والعدْل من أجل الحُكم، وإتقان العمل من أجل الإنتاج. وفي الانتحال الإسلامي الحَلْف على ذلك بالله والقسَم عليه ثم زيادة فضيلة الحِكمة، وهي التشبُّه بالله عز وجل، فهو المُعلم للحكمة والمُرشد إلى الأفعال الجميلة الفاضلة الموفِّق لها. ويُزاد عليها تطهير النفس من انفعالاتها مثل الحسَد الذي يُفرِّق بين الناس ويُباعِد القلوب، والاستسلام لله وللعقلاء الكامِلين الذين يستحقُّون الرئاسة بأفعالهم. والطاعة للحقِّ تستوجِب الأنفَةَ مثل أنفة الآلهة. ودراسة الموت الاختياري تؤدِّي إلى التفكُّر في الروحانيات، فالفلسفة هي تعلُّم الموت. ويساعد على ذلك الإكثار من ذِكر الله عز وجل وإحسانه إلى الناس فُرادى ومُجتمِعين. فإذا تحقَّقت هذه الفضائل أشرقت الحِكمة على الخلائق. وتمَّ شُكر الله المُدبِّر للكل، الأزلي القديم، القائم بالحقِّ والقِسط. فهي وصية يونانية إسلامية، تعتمِد على العقل والخير، فلا فرْقَ بين الوحي والعقل والطبيعة، الكل نظام واحد تؤكِّده التجربة البشرية. ولا فرْق بين إعلان الحقيقة عند اليونان أو في الإسلام، فالعقل والشريعة يتمُّ الانتحال ويستمر، طالما أن التخصيب بين الثقافتَين قد تم، بين موسيقى اليونان وموسيقى القرآن.

(٣) «الفقر» و«المُلتقطات»

ولمَّا كانت المُلتقطات مُتفرِّقة كان من الضروري إيجاد نسَقٍ موضوعي لها مثل النسَق الثلاثي الذي استقرَّ في علوم الحِكمة وقِسمتها إلى منطقٍ وطبيعيَّات وإلهيَّات كما هو الحال في «الشفاء» عند ابن سينا، أو النسَق الرباعي الذي فضَّله إخوان الصفا بإضافة النفسانيَّات والتركيز على السياسيات في العلوم الإلهية الناموسية والشرعية. وتبدو غلبة النفسانيَّات على المُنتحَلات. فأفلاطون فيلسوف النفس وأرسطو فيلسوف الطبيعة.٤٤

فالحكمة مُضادَّة للجهل، تُطلَب عن طريقها. والجاهل من جهل صورة الجهل. ومن عرَف صورته كان عاقلًا. واثنان يهُون عليهما كلُّ شيء، الحكيم الزاهد، والجاهل الذي لا يدري ما هو فيه. والحكيم الفاضل بالطبيعة، والمُتحكِّم فاضل بالصناعة. والجاهل يتوهَّم أنَّ البهائم تفعل مع أي انطباع للمحسوسات في الحسِّ المشترك ليس علمًا، وحذَرُها لا يعني تعقُّلها.

والعجيب أن يكون هناك انتحال في المنطق، وهو العلم المجرَّد. إلا أن الانتحال فيه هو القُدرة على الإتيان بمِثله أوَّلًا ثم نقْله من مستوى العقل الصوري الخالص إلى مستوى الإلهيَّات، ثم من الإلهيَّات إلى الإنسانيَّات كما هو الحال عند إخوان الصفا.

فمثلًا يربط الانتحال بين المنطق والهندسة. فالخطُّ المستقيم ذو وسطٍ والخط المُستدير ذو وسطَين. كما أنَّ القضية لها وسط. فالقضية في المنطق هي الخط في الهندسة. وتستطيع أفاعيل المنطق في الفِكر الكشف عن أفاعيل الصُّوَر الروحانية. فالمنطق فعل روحاني.

ويتمُّ الانتحال في مجث الحد. فالحدُّ إجراء العِلَّة في المعلول بنوعٍ منطقي، جمعًا بين الاستنباط والاستقراء. وحدُّ الأشياء في الصناعات يؤخَذ من مبادئها وغاياتها. وكل ما حُدَّ بحدٍّ طبيعي فإيضاحه في حده. وكل ما حُدَّ بحدٍّ صناعي فإيضاحه خارج حدِّه. والحدُّ الذي يُستدَلُّ منه على الشيء يُستدَلُّ به على ضدِّه. وعلى طالب الحدِّ استقصاؤه حتى لا يخرج منه شيء. والجوهر لا يُزاحِمه في ذاته ضِد. وهو قائم بذاته، المُحيط بالحد، تماميَّتُه خارجه كأعراض. وهو مُستغرق لحدِّ ذاته. ليس بسيطًا ولا جسمانيًّا. والجوهر يُجزِّئه المنطق دون أن يتجزَّأ في ذاته. والشيء يُوصَف من ذاته أو من خارجه. وتتداخَل الأسماء الخمسة بأسماء مُتعدِّدة كالصور. فالصور ثلاث: اثنتان مبسوطتان، يتجزَّأ عندها المنطق، وواحدة مُركَّبة لا يتجزَّأ عندها المنطق. الصُّوَر بين المنطق والطبيعة. ويختلف الشيء عن الآخر في الصورة. فيكون فعلًا أو جنسًا، والفصل بالخاصة. وهو لا يفصل الجوهر إلى غَير وغَير وإلَّا لما كان جوهرًا. والواحد واحد، لا من جهة الكثرة في الجنس. والاثنان اثنان من جهة الفصل. وإذا لزِم التحيُّز لزِم الفصل. والصعود في الجنس من الكمِّ إلى الكيف إلى الجوهر لرؤية الحق في كماله. هنا يُمحى الفرْق بين المنطق والطبيعيَّات والإلهيَّات.٤٥

وينتقل الانتحال إلى التصديق، من التصوُّرات إلى القضايا. فالكل يفعل في الأجزاء، ولا تفعل الأجزاء في الكل. لا تبعَث الأجزاء الكليَّات بل الكليَّات تبعَث الأجزاء. إن تجزَّأ الجُزء فليس بجزء، وإن تجزَّأ الكل فجزؤه مُتجزِّئ كما قال أفلاطون في «فادن». وجزء الفعل مطلوب في الحد. والجزء والاتفاق على الموضوع يسهُل بعده الاتفاق على المحمول. الكل غاية الكثرة. والوحدة غايتها كما بيَّن أرسطو في الردِّ على زينون السوفسطائي. هنا يتداخل التصديق بين منطق القضايا ومنطق الوجود بالاعتماد على أرسطو. والقياس توصيل الفرع بالأصل. والذكاء سرعة تخيُّل الشخص ومبادرته إلى الحد الأوسط من حدَّي النتيجة. وهو الذي تُوجَد به مُقدِّماتها. القياس فعلٌ من أفعال النفس. مَبدؤه ظاهر، يؤدِّي إلى غاية لم تكن ظاهرة. القياس هنا أقرَبُ إلى أفعال الشعور منه إلى القياس الصُّوري وأشكال القضايا وأنواع المُقدِّمات والنتائج.

ويستمرُّ الانتحال في منطق الظنِّ كما كان في منطق اليقين. فالصناعات ثلاث: أن يكون الكلام أكثر من الفعل، وهي الخطابة، أو أن يكون الفعل أكثر من الكلام وهو الطب، أو أن يكونا مُتساوِيَين فهي المُوسيقى، وهي أشرف الصناعات. فالمنطق نظر وعمل، عقل وتجربة، طب وموسيقى.٤٦

وفي الطبيعيَّات تبرُز قضية التناهي. فلا يكون اثنان بلا نهاية على عكس الواحد الذي لا نهاية له. للأشياء نهاية، وإن كانت بلا نهاية فهي الدَّهر. والعالم لا يزول لأنه ليس له أضداد. والضدُّ يدخل على ما هو بالقوَّة فيُفسِده وهو فاضل بذاته لأنه مُصوَّر ومُتمَّم، غاية كل شيء. ولا شيء في العالم إلا يفسد كما قال أفلاطون. الهوية علَّة الكون، والغَيرية علَّة الفساد. وترجع الأواخر إلى الأوائل، والكبير إلى الصغير. تلك دَورة الكون والفساد. تُعرَف الصفات بالأضداد. ولا تُطلب في عالم الكون والفساد صورة الفكر وتركيب العالم على خلاف مجاري الطبيعة ليطلُبها ويشتَبِهَ بها. هنا يبدو الانتحال أقربَ إلى أفلاطون الأرسطي.

والأركان أربعة: عدد ومنطق ومكان وزمان، ضمًّا للحساب والمنطق إلى الطبيعة، وخاصةً الحكم، وهو ما يُحفَظ تحت الزمان والمكان، وهي القضايا الجزئية أو الأحكام العملية. ثم تبدو ثنائيَّات الطبيعة اليونانية المكان والزمان، الهيولى والصورة، الخلاء والملاء، العلَّة والمعلول، الحركة والسكون، القوة والفعل، الكم والكيف … إلخ والتي تُمهِّد الطريق من الطبيعيات إلى الإلهيات.٤٧
المكان بعدُ لا شكلَ له ولا كيفية كما قال أفلاطون. وذكر في «فادن» أنه بين الروحاني والجسماني. وروى عن فيثاغورس قوله إنَّ المكان للنار فقط. أمَّا سائر الخليقة ففي المكان بالنوع الثاني. وقد أجاز المُعلِّم الفاضل ذلك. والمكان مع الأشياء في نوع ثالث. والأفق بسيط عند أفلاطون لأنَّ الشكل شبيهٌ بالسطح. وهو المكان بالنوع الأوَّل. والسماء مكان عن طريق الأجزاء وليس في مكان عن طريق الكلية. والجزء الذي لا يتجزَّأ إلى ما لا نهاية كلاهما خاطئ. الانتحال هنا فلسفي خالص ضدَّ المُتكلمين. أمَّا الزمان فبسيط. وكل بسيط مع الزمان. كل كون في زمان. وكل ما مع الزمان بسيط، وكل ما هو في الزمان مركَّب. والدهر مركز الزمان. وصار الدهر دهرًا لدوامِه وامتداده. وظنَّ البعض أنه لا نهاية له لدوام حركته ودورانه حول المركز. والإنسان في هيولى للصور كما أنَّ سائر الأجرام هيولى للإنسان. والهيولى ثلاث: الأولى لا صورة لها، والثانية لا إنية لها، والثالثة للأسطقات. وإن تخلخل الجسم كثُر، وإن تكاثف قل. والعالم ملاء لا خلاء فيه. والمكان مثل العالم ليس فيه خلاء. والكم في الهيولى، والكيف في الصورة. والفرق بينهما أن اجتماع الكمية يكون زائدًا على المكونات، واجتماع الكيفية يكون ناقصًا عن المكونات. ولا يتَّفق شيئان في جميع الخصوصيات الكمية والكيفية. لذلك وقع التغايُر. والحركة المُستديرة لجُرم مستدير. وتُوجَد في أربعة أشياء: الجوهر والكم والكيف والأين. وتعرف سُرعة الحركة أو بطؤها بالزمان. ولو قبِل الماء السكون كان أرضًا. ولو قبلت الأرض الحركة كانت هواء. ولو كان الهواء حادَّ الزاوية كان نارًا. ولو كانت الأرض مُنفرجة الزاوية كانت هواء. والهواء جسم كالإسفنجة. والنار تنمو من النار الصغير، تخرُج من القوة إلى الفعل. والفعل هو الشيء الجسماني الذي للطبيعة في حركتها. والقوة هو الشيء الروحاني. وتستحيل الأشخاص من أجل الأسطقات التي فيها بالقوة. وكل مُركَّب من طبائع أربع، اثنان بالقوَّة واثنان بالفعل. الأولان لا في جسد، والآخران في جسد. والشيء الذي بالفعل ليس بالقوة، والعكس أيضًا صحيح كما صرَّح بذلك أفلاطون في «فادن»، الفعل ابتداء خروج الحركة بالقوة. والحد الطبيعي هو الجامع للقوة والفعل. النار تحرق بالقوة قبل أن تحرق بالفعل. وأول مُركَّب من القوة والفعل. إذا ارتفع القابل ارتفع الفعل لأنَّ الفعل في القابل لا في الفاعل.٤٨
ثم تتحوَّل الطبيعيات إلى ميتافيزيقا صورية أو نفسانيات عملية، مرة إلى أعلى، ومرة إلى أسفل. فالعِلة واحدة لمَّا وقَع اثنان تحت اشتراك الأسماء. والوحدة عِلَّة الكثرة. وبقدر الارتفاع نحو الصورة تظهر الوحدة كما صرَّح أفلاطون بذلك في «طسماوس». والهُوَ والغير والسكون في العقل شيء واحد. والحسُّ هو الشيء وغيره لأنه يتجزَّأ، فصارت الغيرية فيه غير الهوية. والعقل هو ذاته وغيرُه لأنَّ له موضوعًا. وكل واحد له خاصية تفصِله عن غيره كما قال فيثاغورس، إنَّ الواحد هوَ هوَ لا الغير. وتدخل الهندسة في الطبيعيات. فالخطُّ نقطتان، والسطح خطَّان، والجسم سطحان. والحُسن ما أعطى قدْر وزنه من نفسه ومن الطبيعة.٤٩
ثم تتحوَّل الطبيعيَّات الصورية إلى الطبيعيَّات الحية ابتداءً من الجسم حتى الغائية. فاعتدال الحرارة الغريزية سبب الحلاوة والعذوبة واللِّين والمُلامسة وطِيب الرائحة واعتدال الحركة واستواء النمو. فالاعتدال ليس فقط في النفس، بل أيضًا في الطبيعة. والالتِذاذ لا يكون في الحاشيتَين، وإن كان فإنه ينتفي، بل في نُقطة الاعتدال. ولا يزال الشيء يزيد وينقُص حتى يعتدل. والسُّعال والعطاس نقص الطبيعة في آلة التنفُّس. ما تفعله الطبيعة بالعادة تفعله النفس بالأُنس. الطبيعة تعمل الجارحة والنفس تستعملها. وكما أنَّ عناصر جسم الإنسان الدم والمُرَّتان والبلغم، فكذلك عناصر القوى التي فيه الكواكب السيارة وغلبة بعضها على بعض. والفواق دفع الطبيعة شيئًا لحرق بجرم المعدة.٥٠

وكل شيء له غاية. ومَن ليس له غاية لا يتخارج، ويظلُّ في جوهريته. كلُّ شيء لأجْل أو لا مِن أجْل. وغاية الطبيعة أن يفعل الحيوان أفاعيل النفس. قد تفصل نحو مبادئها، ولكن الغاية المَنفعة، فيكون المبدأ الكُلِّي حسنًا والفعل الجزئي قبيحًا. والجنين لا يخرُج في الشهر الرابع بالرغم من اكتمال الصورة لأنه لم يكتمِل بعدُ ويصبح قادرًا على الحركة والاستقلال بعد الولادة. والطبيعة لا بخْتَ فيها. لا يقَع البخت إلا إذا انقطع النظام وكلُّ شيءٍ في العالم موزون. والتنضيد ذو قدر. البخت بذاته دفعة بلا سبب مُتقدِّم ولا رؤية. والطبيعة لا تفعل باطلًا: رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ.

والإلهيَّات قليلة لأن المنطق والطبيعيَّات مِثالِيَّا الطابع. فهي إلهيَّات مقلوبة، إمَّا إلى الداخل في المنطق أو إلى أعلى في الطبيعيَّات. فالحق لا يكون إلا واحدًا. وإذا كانت العلوم سبعة فأولها العِلم الإلهي. وهو علم عقلي ضروري مُجمَع عليه بلا طلَبٍ أو فحص. ثم الفلسفة والجدلي والحِسِّي، والخامس الشرعي، علم الأعيان والشرائع وما يلزم الإنسان من طاعات باريه فيما أمر به ونهى عنه في دينه واختيار الأفضل، ثم الطبيعي والصناعي. والاستدلال على معرفة الخالق بالخلْق كما هو الحال في أدلة وجود الله عند المُتكلمين.

وقد تتمُّ الإفاضة في وصْف الله، الله الملك الحق، ألا له الصدق، المُسَمَّى بصفات الإشراق، المقصود بالاتفاق، القديم، علَّة العِلل، مُفشي مبادئ الحركات، الأوَّل، خالق الأضداد ليُظهر قوَّته، متجاوزًا حدود العقول والأفهام، منعوت الذات، مُدرَك الصفات، سبحانه مُفيض العناصر، تقدَّست أسماؤه، وعلا قدره، نور الأنوار، زمان الأزمان، الدهر الداهر، سبحانه وتقدَّس، قدُّوسًا قدُّوسًا، وليُّ الخير، وعَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. هو الربُّ جلَّ اسمه، له الحمد والشكر.

ولا يُشار إلى جوهر الباري جلَّ وتعالى بشيءٍ سوى أنه هوَ لخلوِّ اللفظ من التجزئة في الزمان. ولا يمكن معرفة جوهر الباري جلَّ وعزَّ بما هو به، بل بما هو ليس به كما هو الحال في آيات السلوب واللاهوت السَّلبي عند المُتكلمين. لا يُوصف الباري إلا أنه هو وهو، لا تُدرَك له غاية، ولا يُعرَف له مبدأ ونهاية. لا يُوصَف بغير الهوية، جل جلاله لا إله غيره. ومع ذلك فله نعوتٌ فلسفية مثل المُطلَق غير المحصور، القائم بذاته علَّة لذاته، لا بنوعٍ ولا بحالٍ ولا بصفةٍ بل بجوهره فقط. صفاته من ذاته. والإنسان مُتناهٍ والله غير مُتناهٍ. والجود أول صورة أبدَعها الله عز وجل هو خيرٌ محض. لا يشوبُه شرٌّ ولا عدَم. اختصَّ به العقل الفعَّال. وقيل إنه الجوهر الأوَّل، فاعل بجوهريته، وجوهرُه لم يزل فعله، قديم الصفات بقِدَم الذات. وقيل العكس، الجوهر وجوب باضطرار العقل وليس بالمفعول. وهو تحوُّل لقضية قِدَم الصفات وحدوثها بين الأشاعرة والمُعتزلة من الكلام إلى الفلسفة. وليس الباري قوة واحدة أو قوى كثيرة، بل إنيته كل قوة من جهة المُبدَعات لا من جهة ذاته. هو عقل وعاقل ومعقول دون تركيب أو تعدُّد، الواحد المُتكثِّر بلا نهاية وبلا نهاية لوحدته. الفعل له نهاية والجوهر بلا نهاية.٥١
وبطبيعة الحال تظهر نظرية الفَيض التي يجتمِع فيها أفلاطون وأرسطو، أفلاطون الإشراقي وأرسطو الطبيعي كما هو الحال عند أفلوطين وفي الأفلاطونية المُحدَثة. فمن عالم الربوبية أخذت النفس العفاف والفضل، ومن عالم العقل أخذت الفكر والتمييز والصور الرُّوحانية. ومن عالمِها أخذت الحياة والحركة. ومن عالم الطبيعة أخذت الجسم الهيولاني. وهو العالم الأصغر بتعبير إخوان الصفا مما يدلُّ على أن الانتحال مُتأخِّر عنهم. وحدوث الصُّوَر الروحانية المُختلفة الأشكال يكون بإذن الله عند مطابقة العقل النفس. والأشياء كلها مملوءة من الدلالة على قُدرة الباري. وقد قدَّر الباري للدنيا مدَّة، وطبع أهلها على الحِرص والحاجة. ولولا هذا لما كثُر النسل ولا عمُر الحرث. وحياة الطبيعة ملازِمة لصلاح الجسد، وحياة الفلسفة مُلازِمة لفرَح العقل. فالهرَب من الأوَّل تشبُّهًا بالباري في فعل الخير بحسب طاقة الإمكان.٥٢
والنفس إحدى مُنفعلات الباري، سبَّبَها، ولم يُحبِط قواها، ولم يردَّ فِعلها، مما يجعل الشخص يستحقُّ الانتصاب في الشرائع وأوامرها. وسبب كمال الشخص أن يكون خالصَ النيَّة. وتَقدِمَةُ المعرفة هو علم النفس الناطقة بما سيحدُث وخروج ما هو بالقوة إلى الفعل عند أفلاطون. والربوبية موجودة في كلِّ جزءٍ من أجزاء العالم كما صرَّح بذلك في «طيماوس»، في الحيوان الناطق العاقل المُشابِه للباري بما فيه من العفاف والشرَف والفضل. فالأخلاق هي الرباط بين الإنسان والله. وعطية العلم هِبة من الله عزَّ وجلَّ لا تنفد وكاملة. والدُّعاء لله وحده دون الإشراك به. ولا يعبُد عِلة العِلل إلا نبي أو فيلسوف مُبرِّز. وهي تُحرِّك الأشياء بسكونها، وتُمسك نظام العالم. ولا يلحَق به بُرهان لأن البرهان لا يكون إلا للأجزاء. وهي نظرة صوفية تُنكِر الأدلة العقلية، ولا تعتمد إلا على شهادة القلب.٥٣ وتظهر بعض التعبيرات الإسلامية مثل: الله والباري عزَّ وجل، جلَّ وعلا، تعالى وتقدَّس، عزَّ وجل، تبارك وتعالى، جلَّ جلاله، جلَّ وتعالى، عزَّ ذكره، أُجِلَّ ذِكره، جلَّ ثناؤه، سبحانه، تعالى ذِكره، تبارك اسمُه.٥٤

ويكون الانتحال في موضوعات يسهُل التعشيق فيها مثل خلود النفس، وكأنَّ أفلاطون أصبح ابن سينا آخر في القصيدة العَينية. ويُركز الانتحال في النفس على عدَّة مستويات: صِلة النفس بالبدَن، وصِلتها بنفسها كجوهر مُستقل، وقواها ثم إدراكاتها الحِسِّية والعقلية. فالنفس مُتصلة بالجسم ولكنها ليست جسمًا. ولو كانت جسمًا لم تُلاقِ جسمًا دفعًا ولَزاد ثُقله. تموت الأجسام وتحيا النفوس. وموت النفس جهلها، وحياتها علمها، وموت الأنفس الجزئية في عالم الكيان. وإن كانت النفس ظاهرة في هيكل الإنسان فهي بالفروع أشغَلُ منها بالأصول. وإن كانت غائرةً فهي إلى الأصول أقرب. والنفس في الشخص تُغالب طبيعته ولا تُعرَف إلَّا بالفعل. والنفس صورة وبالتالي فهي أول. وهي لا تموت لأنها حيَّة بحياةٍ إلى الأبد.

والنفس كالملك والطبيعة كخادم. تجلب الطبيعة الهواء الطيِّب للنفس لتروِّحها. فإذا فسدت ردَّتْه النفس إليها فتطرَب لها الطبيعة. فإذا دخل الهواء الطيِّب ردَّتْه الطبيعة في أجزائها بمقادير مُتناسِبة، فتُصدِر ألحانًا تطرَب لها الطبيعة، نظرة موسيقية لعلاقة النفس بالبدَن، تُعبِّر عن روح أفلاطون. تطرَب النفس عند حركة الأوتار لأنَّ الطبيعة تُحرِّك الهموم. فالمُوسيقى صِلة النفس بالطبيعة، والنغمة الحادَّة أسرع إلى الأذن من الثقيلة. والطبيعة للنفس كالزَّوجة للرجل، البدَن للداخل والنفس للخارج. ولا يصِحُّ للزوجة أن تجُور على الزوج أو للزوج أن يجُور على الزوجة. ويطلب من الإنسان الحلو الجوهر أوَّلًا ثم العادي ثم النفس الصناعي. والنوم غَوص القوى في عميق المَغوص. وجميع مسام البدن تتفتح بتفتُّح الجنين.

ليس للنفس جوهر سوى الحياة، وجوهر الحياة الحركة. صارت النفس في أفق الحيوان لاحتياجه للحركة. والحركة طلَب وهرَب كالماضي والآتي، وهما مُتَّصِلان. النفس قائمة بذاتها. وعلة هبوطها إلى هذا العالم الاستطاعة. وحدُّ النفس بدء حركة ما خارج، والطبيعة بدء حركة ما داخل. القائم بذاته حدُّه داخل فيه، والذي ليس قائمًا بذاته حدُّه خارج عنه.٥٥
والعوالم ثلاثة: عالم العقل علمي، وعالم النفس قوائي، وعالم الطبيعة نسلي. والمنزل منزلان: العقل والنفس. ولو نزلت النفس لاختارت العقل. والنزول إلى النفس أصوَبُ لعلاج الناس كما بيَّن أفلاطون في كتاب «أقراطيس». والنفس من خمسة أوائل: الجوهر، والهوية وهي المعقولات، والغيرية وهي المحسوسات، والحركة، والسكون. النفس في حركةٍ وسكون، لها صحَّة وسقم، حياة وموت. صحَّتها الحكمة، وسقمُها الجهل، وحياتها أن تعرِف خالقها، وتتقرَّب إليه بالبر، وموتها بأن تجهَل خالقها، وتتباعَد عنه بالفجور. والأوائل أربعة: الزمان نحو الطبيعة، والمكان نحو النفس، والدهر نحو العقل، والأزلية نحو العلة الأولى.٥٦

وإدراك الشيء من حيث عِلته وحقيقته أن ينطبع في النفس بكامله. وللنفس أشكال لا يمكن التعبير عنها بالكلام. واللجاج عُسر انطباع المعقولات في النفس. وينشغل الأحداث بالحفظ أوَّلًا قبل انشغالهم بالفكر. والعقل الذي فينا جوهر كُلي، وشخصٌ جزئي. ومعرفة طبع الرجل باستشارته لمعرفة جُوره وعدله. والعقل والمعقول شيءٌ واحد. وقوة حفظ الإنسان تنقص من تمييزه بقدرِها. فهُما قوَّتان مُتضادَّتان. التمييز فعل، والحفظ انفعال.

ويرى البصر صورة الشيء في ذاته لا في المحسوس. وإذا خرج نور البصر على غير زاوية قائمة أبصر الصغير كبيرًا والكبير صغيرًا. والبصر والمُبصَر اثنان بتوسُّط الهواء. والبصر والسمع يُدركان الأشياء في وحدةٍ وكثرة في آنٍ واحد. والوحدة عِلَّة الكثرة. وإذا كان الحاسُّ والمحسوس شيئًا واحدًا فإن العقل والمعقول ليسا كذلك. العقل الكلي هو المعقولات. والعقل مُتصل بصورة المعنى لا بصورة الجوهر. والعقل لا يألم في طلب معرفة الأشياء. وبعض الأشياء تُعقل بألم، والبعض بدونه. والعقل بلا ألمٍ صورة العقل. والكل لا يألَم لأنه لا يُدرِك إلا ذاته. العلم وقوع البصر على الأشياء الكلية، والحفظ جمود الوهْم. وأحيانًا يكون الوهم إبداعًا؛ إذ يحتاج المرء أن يُصفي الفكر والوهم، الفكر نحو المعلوم، والوهم نحو المحسوس. العِلم يُدرِك الصور المعقولة، والوهم يُدرِك الصور المحسوسة. والسمع مُجانس للبصر والذوق للحس، والشحُّ متوسط بينهما. طلب العقل صورة الشيء من ذاته، وهيولته من الحس. العقل يعقل ذاته. فهو عقل ومعقول كما صرح بذلك في «طيماوس». والمعقول الأوَّل فعل محض. عالم العقل علمي، وعالم النفس قوائي، وإدراك آنية الشيء من جهة العقل إدراك لمِّيَّته، وإدراكها من جهة الصورة ليس إدراكًا للمِّيَّة لأن الآنية واللمِّيَّة في العقل شيء واحد. ولا تدرك المائية بنسبة اللميَّة. الحس يأخذ الأشياء عن قرب، والفكر عن بعد. الحس لا يُنتج والفكر يُنتج. المعرفة تذكُّر والعلم ثباتُه. الحس يجِد الثقيل ثقيلًا، والعقل يجِد الثقيل في نفسه. الجزء في الحسِّ والكل في العقل.٥٧ ويمكن الإحاطة بالأشياء بلا تعلُّمٍ واكتساب باستقصاء كُنه الشيء، وهو أقرب إلى المعرفة الحدسية.
وبالإضافة إلى جوهر النفس هناك قوى النفس. فالنفس ثلاث قوى: إلهية وبها الفكر والرويَّة ومسكنه الدماغ، والثانية غضبية ومسكنها القلب، والثالثة بها شوق المرء إلى اللذَّات ومسكنه الكبد. الاعتدال فضيلتها، لذلك كانت فضائل النفس أربع، وفضائل الجسد أربع: الحلم، والعدل، والشجاعة، والعفَّة للنفس، والتمام، والكمال، والقوة، والجمال للجسد. ومن ساد نفسه بالاعتدال توحَّد الغضب والشهوة. لكل منهما مقدار. لو زاد عن الحدِّ انقلب إلى شر. حركة القوة الشهوانية تلقاء الرغبة. وحركة القوة الطبيعية تلقاء الرهبة، وحركة الفكر تلقاء العِلة. وهي الطبقات الثلاث للناموس، الطبقة العُليا بالمحبة، والوسطى بالرغبة، والدنيا بالرهبة. والعشق طمَع يتولَّد في القلب وتعلُّق الرفيع بالوضيع يُسَمَّى شوقًا. وتعلُّق الوضيع بالرفيع يُسَمَّى محبة. فالشوق والمحبة مبادئ اتصال العالم. والفرق بين المحبوب والمعشوق أن المحبوب يؤثِره الإنسان لنفسه، والمعشوق يؤثر نفسه لها. وفي المعشوق قوَّة أكثر من العاشِق كي تطلب نفس العاشق منه قوة. ومحبة العاشق للمعشوق لحُسن التمام. وقد يختلف العاشقان في العشق، واحد عاشق والثاني غير عاشق. وهناك فرق بين الهمِّ والغم. الهمُّ تقسُّم الأفكار، وحيرة النفس وخمولها، وهو سريع الزوال. أمَّا الغم فخطرٌ كبير، يُذهِب القوة، ويفقد الحرارة، ويهدِم الجسم، ويكدِّر الأوقات. هو ألم نفساني لفقد محبوب أو فَوت مطلوب.٥٨ وليس الموت مكروهًا لمن عمِل وتدبر. الهم والغم غير واجبَين على الحقيقة. لهما أسبابهما فيما يألفه الطبع حتى يصير طريقًا للهم وسببًا للغم.٥٩ والنفس إذا فرِحَت قلقت الطبيعة، واشتدَّت حركتها، وفار الدم، واحمرَّ الوجه. ويكثر الضحك لاسترخاء العضلات. والحزن يؤدي إلى العكس، يصفرُّ الوجه. فانفعالات النفس لها أسباب عضوية، واللذَّة غاية الفعل على مجرى الطبيعة والقوة أبدًا. تحرُّك الشيء من غير موضعه. والفعل أولى من اللافعل، والوقوع أفضل من التوقُّع، والتضادُّ إزالة الأجزاء التي بالفعل إلى الأجزاء التي بالقوة لتخرجها إلى الفعل. ولا يضادُّ العقل والنفس غير لأنها بالفعل.٦٠

ثم يتحوَّل الانتحال إلى الأخلاق الفردية كما هو الحال عند الفلاسفة والصوفية حول فعل الخير بالطبيعة ومن تلقاء النفس. فالمرء الفاضل هو من يفعل أفعاله تلقاء العِلة لا تلقاء المعلول كما صرَّح بذلك أفلاطون في كتاب «السير». وربما يكون هو كتاب «السياسة». وكل فعل عن شهوة النفس لا تشارك فيه النجوم لأنه فعل خير لا محالة دفاعًا عن خلْق الأفعال. وكل فعل تشارك فيه الكواكب هو فعل مُركَّب وبالتالي ينشأ التضادُّ بين الخير والشر. والفعل الأوحد لا شرَّ فيه. والفعل فعلان، عام وخاص. والعام كله خير والخاص يُرى خيرًا أو شرًّا لأنه نابع من القوة الاختيارية. والفعل الخير هو ما وافق العقول. والشر عدَم الخير البتَّة. وليس المرَض وأمثاله شرًّا بل بعض الخير. الخير والشر ذاتيَّان وليسا موضوعيَّين، على مستوى المعرفة وليسا على مستوى الوجود: عَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. والله ليس مسئولًا عن الشرِّ في العالم لأنَّ كل ما يصدُر عنه فهو خير. لا يفعل الله إلا ما جمع بين القُدرة والحكمة. القدرة دون الحكمة تسلُّط، والحكمة دون القدرة ضَعف. ولا يفعل الباري شيئًا ضدَّ الفطرة، فهي البرهان على حِكمته. أعطى كل مادة مقدار احتمالها من وجوده، ولم يمنعها ما أطاقته من حوله. والصدق أمانة في القول. ويُضرَب المَثَل على ذلك من حروب اليونانيين عندما ضُرب أراميس الحكيم ضربتَين بالسيف، الأولى في يديه والثانية في خاصرته، وأوصى بالأمانة والصدق والعدل قبل أن يقضي نحبَه وتُفارق الروح الجسد. فالإخراج هنا يوناني حتى يكون الانتحال من البيئة ذاتها، خارجًا منها وليس آتيًا لها. والكلام الصادق يؤثِّر في النفس كما لاحظ أفلاطون. القلب يُبصر القلب والنية تُحسُّ بالنية.

ثم ينتقل الانتحال من الأخلاق الفردية إلى الأخلاق الاجتماعية أو السياسية. فالسياسية لا تعني الحُكم، بل تعني سياسة المرء لبدَنه ونفسه، وسياسة الأصحاب بمعنى إخوان الصفا بما في ذلك علاقة الإنسان بربه. فالدين بهذا المعنى سياسة، والسياسة دين. وأقوى الأسباب في محبة الرجل امرأته أن يكون صوتُها دون صوته، وتمييزها له دون غيرِه، وقلبها أضعف من قلبه. وسلوك الناس يقوم على ثلاثة دوافع: الأوَّل اقتضاء الحاجة مثل الطعام ضدَّ الجوع، والثاني الموافقة مثل طعام أفضل الأطعمة، والثالث للكمال والاستحسان. الأوَّل مثل الجماع لطلب الولد، والثاني لطلب المنفعة والتخلص من المني الزائد، والثالث للحُسن والجمال. لذلك كان الناس على ثلاث مراتب: الشهوة والغضب والعقل طبقًا لقوى النفس الثلاث، النقص، والكمال النسبي، والكمال المُطلق. وهي تعادل قسمة الأصوليين مقاصد الشريعة إلى تحسينات وحاجيات وضروريات. وتكون الاستشارة من نفس الطبقة خشية الانحراف عن العدل. ولا ضَير أن يكون المجادلون والمُتحكمون في المدينة. فمنهم تحدُث الآراء الرديئة حتى تقابلها الآراء الحَسَنة.

ثم يتحوَّل الانتحال من الأخلاق الفردية والاجتماعية إلى الأخلاق الدينية والشرعية. فليس من المعقول ألا يكون لأفلاطون الإلهي كتاب في التوحيد وكتُب أخرى في العقل والنفس وهو فيلسوف النفس، بل في الجوهر والعرَض حتى لا يقلَّ عن أرسطو في الطبيعيَّات. يؤمن بالقضاء والقدَر والوحي والنبوَّة، والمعاد والثواب والعقاب والجنة والنار. والطاعة للملك مثل طاعة الإمام، لا فرق بينَه وبين أولياء الله الصالحين. والوحي غير الرؤية والكهانة. الوحي أعلى من العقل، والعقل أعلى من النفس موطن الرؤية والكهانة. بينها وبين الوحي درجة مُتوسطة. الوحي ثابت لا زيادة ولا نقصان فيه على عكس الرؤية والكهانة. وهو التصوُّر المعروف بين الوحي والإلهام. ويقول الإله على لِسان القدماء أنه ينتقِم من الذين لا يُطيعون الله على سُنَّته. كما تظهر بعض القِيَم السلبية كما هو الحال في الثقافة الشعبية الوافدة من الأخلاق الصوفية مثل الاستسلام والصبر، وإيثار السلامة والطاعة.٦١
ويتجلَّى الانتحال في الأخلاق الدينية في «وصية أفلاطون الحكيم» في أن يكون الإنسان مع الله راضيًا بقضائه، محاسبًا لنفسه، مُحافظًا على ناموسه، مُعزًّا لأمره، مستفيدًا من عمره وتقسيمه بين الوظائف العلمية والعملية، والتودُّد دون النفاق، والتمتُّع بالدنيا طبقًا للشريعة كما ينصح بمُعاشرة الخاصَّة بالتواضُع، والعامَّة بالصمت، والأصحاب بالحلم، والعدو باليقَظة، والكل بالعدْل والإحسان والكتمان والشكر والعفو، وتفويض العمل إلى الأكفاء، وتجنُّب الكذِب والنميمة، وأولوية الباطن على الظاهر مع الجدِّ والحزم والصبر والتوكل على الله الذي بيده الخير، ويجِب له الدعاء، وهو قريب مُجيب. والعشق جنون إلهي. وأشد الناس موافقة لسُنة الله تعالى أعلمهم بالحسنات، وأشدُّهم رأيًا، وأعلمهم برضوان الله، وأكملهم أبعدهم عن الشكِّ في الله، وأحقهم بتعليمهم أعلمهم بالدنيا والآخرة، وأحسنهم عملًا أكثرهم صدقًا، وأوجبهم رجاءً أوثقهم بالله. وأحق الأشياء أن يستكمله أهل الدين التواضُع والورَع والتقويم.٦٢
ولمَّا كان أفلاطون صاحب «الجمهورية»، فكان من الطبيعي أن تظهر له مُنتحَلات في السياسة مثل «فِقَر التُقِطت وجُمِعت عن أفلاطون في تقويم السياسة»، أو «كتاب النواميس لأفلاطون الفيلسوف اليوناني» زيادة في تخصيصه كآخر حتى يجد الانتحال له الشرعية البيئية الأصلية. وتظهر في هذه المنتحلات المصطلحات الفقهية مثل الفَرْق بين الشريعة والسياسة من جهة أن نهاية السياسة هي طاعة الشريعة. السياسة وسيلة والشريعة غاية. وتظهر موضوعات الزَّجْر والفأل والفرق بينها وبين الوحي. وقد نطقت صُحف الباري تعالى وتقدَّست بالأسماء. وبعض أصحاب الشرائع يُثبتها الله عز وجل. وإن سقطت لزِم الباري أضدادُها مثل السميع والبصير اللذين لا يسقُطان إلا عن الأعمى والأصم. وهي صفات لِما دون الله عز وجل. فهي من أسماء الله جل وعلا. ويتصوَّر بعض الجهَّال أن من صفاته الملك المُتسلِّط القوي السلطان، يرضى ويسخط، ويُعذِّب ويعاقِب. وهي أوصاف جُور للمُتسلطين، تنزَّه الله تبارك وتعالى عنها. كما نسب بعض الجهَّال له صفات مُنفعلة، وأسقطوها من أنفسهم عليه فأصبح ذا جسم، والباري عز وجل مُنزَّه عن ذلك. وهو عِلة لِما اخترع. وتوحيد الباري عزَّ وجل أكثر من التوحيد العدَدي لأنه لا يليق إلا بالأشياء الطبيعية. إنما الباري جلَّ جلاله أزلي واحد. وهو العِلَّة القريبة لجميع ما يحدُث وهو ممَّا أوقع في الجبرية. وهو ما أنكرته العقول وذمَّته الشرائع. وطائفة أخرى أخذت الموقف المُضاد بأن جعلت النفس أو الطبيعة على كل شيء. وهو اعتقاد خاطئ لأنه يعطي للنفس أكثر مما يُعطي للباري جلَّ وعلا، وكأن الباري مُضطر إلى الاستعانة بالأطباء في العلل، وذلك لا يليق بالباري عزَّ اسمه. العلل الطبيعية للأمور الصناعية. والكل راجع إلى الله. والعادة تجري مجرى الطبع. لا يحتاج الباري إلى زمان أو حركة منفصلة عن معلوماته. وهو غير مُضطر إلى الاستعانة بالأطباء في العلل. له كرسي هو العرش.٦٣

وتبلغ ذروة الانتحال في نقل الناموس على الشريعة وتحويل أفلاطون من كونه صاحب النواميس إلى واضع الشرائع، من الفيلسوف إلى النبي، ومِن الحكمة إلى النبوَّة. فالنواميس هي الشريعة، والملك هو الإمام. وطاعة الشريعة بالعقول، والحرام في الشرائع ما لم يوافق جملة العالم وطبيعته. فالشريعة ليست فقط فردية أو اجتماعية، بل كونية. ومن كان مُحسنًا بقبيحٍ ثم تاب استُجيب له. فليست الغاية من الشريعة العقاب، بل حُسن الأخلاق. وكل إحسانٍ وإنعام يستحقُ الإعظام والتبجيل من أجل عدَم بخْس الناس حقوقهم. وإتيان الشريعة لا يكون فقط وقتَ الحاجة وإلا كان تجارة ومنفعة ويفسد الدين، بل على أُسسٍ عقلية صِرفة.

ولمَّا كانت الشريعة الإسلامية عبادات ومعاملات، فقد تمَّ الانتحال في هذين القِسمَين. ولمَّا كانت العبادات داخلية، تقوى القلب أن تكون خارجية، الأركان الخمس، فلا يجوز التوسُّع أو الاستسهال في الإيمان ثم الكفارات. وقد تُوفِّي أكثر الحُكماء من الحلف. والحلف بالله ثم الحنث به يُوجِب الصدَقة. والصوم والصلاة رياضات روحية للبدن للتحقُّق بفضيلة العدل. وهذا ما أوجبته الحكمة الإلهية من أحكام الشريعة. فوضع الشرائع لُطف من الله للسيطرة على الشهوة والغضب. لذلك قال فيثاغورس إن محاربة الرجل للملك أسهل من محاربته الشريعة. الصوم يكسِر الشهوة، والركوع رياضة بدنية وخضوع، والصوم لجام النفس الشهوانية.

وتأخذ بعض الأفعال الشرعية أُسسًا أخلاقيةً. فالشراب يفعل من الإيناس في ساعةٍ ما لا تفعله المنافسة في سنةٍ بشرط عدَم الإفراط والعجز عن السيطرة على حُسن تصريف الأعضاء. وأحقُّ الناس بتناول الشراب من ضعُف قلبه وقوي فِكره. وهنا يبدو التوفيق بين شراب اليونان وحذَر الإسلام. لذلك يضيف الانتحال حُرمة النبيذ إلا لمن اضطُرَّ غير عادٍ، مثل ضعف القلب، أو على صاحب التمييز القوي؛ لأنَّ السُّكر عِلة التحريم. وحرام الإضرار بالبدن عن طريق الطعام.

وتظهر بعض موضوعات الشريعة مثل الذبائح لدَرء الشر عن العالم الناتج عن حركات الكواكب. وفي الهند يُحرِّمون الذبائح، ويكثُر قتل البشر. والأعقل أن تكون الذبائح لصالح الإنسان. فالانتحال هنا تشريعات مُقارنة. ونقد الشرائع القائمة ليس في الغرب اليوناني وحدَه، بل أيضًا في الشرق الهندي، ما دام الانتحال غير مُحدَّد ببيئة، وما دام الإبداع عملية ذاتية لا يُهمُّ موضوعها الخاص. والأعياد لراحة البدَن عن طريق النفس.٦٤
وتبدأ المعاملات بالأحوال الشخصية، النكاح والأزواج والغُسل والزِّنا واللواط والميراث وبِر الوالدين. فالغُسل واجب على الناكِح من الجنابة. والزاني سارق للفرْج، مُفسِد للنَّسل، جزاؤه العقوبة الأليمة على عكس المُعاشرة الزوجية وما بها من جميل الصُّحبة وعظيم الوفاء. واللواط والسحق عدْوٌ على ما خُلِق الذَّكَر والفرْج له. ونكاح البنت والأخت والعمَّة والخالة حرام لضرورة. فالأرض التي تزرع نوعًا واحدًا لا تُنجِب، على عكس إباحة قومٍ من فارس له. فالشريعة الإسلامية أتتْ لتشقَّ طريقها بين فارس والهند شرقًا بتأييد اليونان غربًا. مع أنَّ اللواط كان في يونان. والانتحال تحويل لليونان إلى مثال لا نقْصَ فيه. وتزويج الرجل مَن دونه يجلب إليه الآفات والمَكارِه. فالزواج بين الأكفاء طبقًا للعادات القبلية التي تداخلت مع الشريعة في ديوان الأشراف. ونصيب الابن من أبيه أكثر من نصيبه ابنته لنسَب الابن للأب، والبنت يصِل إليها نسَب غيره. وهو تشريع لقانون الميراث: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ عن طريق النسَب.٦٥

وبرُّ الوالد أفضل من حُنوِّ الوالدين؛ لأنَّ الأوَّل من العقل والثاني من الطبيعة. والوحي يتأسَّس على العقل والطبيعة. وتزداد محبَّة الوالد لولدِه على محبَّة الولد لوالده لرغبة الأب في البقاء من خلال النوع، فوجد الأب ذلك في الابن، ولم يجِد ذلك في الأب، كما أن الأب يمتدُّ من خلال مواهبه، من خلال مُشاركة الولد فيها. وعلى الأب في ولده ثلاثة فروض: النفَقة والتعليم والقناعة.

والصدقة إخراج المال لمن يستحق، لمن هو أولى به، مثل خروج الدم الزائد من الجسم بالفصْد. ولا تجوز على السائل لأنَّ المسكنة ذلٌّ ضدَّ التعفُّف. وترد الوديعة حال استلامها. وعقاب السارق من المسروق مُباح. والتعويض واجب في الجراح وليس في القول؛ أي على الضَّرَر الفعلي الجسمي وليس النفسي الذي يُقابَل بالعفو والإعراض عن الجاهلين: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا. ومن غشَّ مُستشيرًا يتحمَّل مسئولية عدول المُستشير عن الصواب. ومن أفتى بغَير علم فقد جهل، ويستحقُّ العقاب. والشريعة ضدَّ الاحتكار لأنه إجحاف وملعون على لسان أسقليبوس. كما أنه ملعون على لسان الرسول. والملك في خدمة الشريعة، والملوك في طاعة قُوَّامِها المؤيدين بالعجائب الروحانية تبريرًا للمعجزات.

وحتى يبدو الانتحال نابعًا من الداخل بالإضافة إلى الخارج، من الموروث ومن الوافد في نفس، فإن كل ذلك مسطور في الصحف. لذلك يتخلل الانتحال كثيرٌ من الأساليب القرآنية مثل: مَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ، حثًّا على التعفُّف والزهد والمحافظة على أموال اليتامى والقُصَّر.٦٦ ولا عجَب أن تنتهي بعض المُنتحَلات ببعض التعبيرات الإيمانية مثل البسملات والحمدلات والتسهيلات والصلوات، سواء كان ذلك من المؤلِّف أو الناسخ أو القارئ. فالإبداع عمل جماعي. ولا بدَّ أن يأخُذ علامة الثقافة التي يتمُّ الإبداع فيها. كلمة السر، الماركة المسجلة على الصناعة الوطنية. كما تظهر تعبيرات المشيئة مثل: «إن شاء الله.» وتنتهي بعض الأعمال بالحمد لواهب العقل والكياسة أو الله أعلم وأحكَم. وتعطى لأفلاطون ألقاب التعظيم والإجلال مثل الفيلسوف الرباني، الحكيم اليوناني، تفلاطون، وتاريخ التأليف أو النسخ بالهِجري مع اسم الناسخ المُحتاج إلى ربه، مع بعض التعبيرات الفارسية إيغالًا في إضفاء الطابع الشرقي عليه. ولا ضرَر من إشراك القارئ في الخطاب، فهو جزء منه، والدعوة له بالتوفيق، والجواب على ما سأله طالبًا له الهداية.٦٧
١  عبد الرحمن بدوي، أفلاطون في الإسلام، معاذلة النفس، مقدمة، ص٣٨–٤٢، النص، ص٥٣–١١٦. وله عناوين عديدة: رسالة هرمس الحكيم الفاضل، رسالة هرمس المُثلَّث بالحكمة، رسالة أرسطاطاليس الحكيم الفاضل ويدعى زجر النفس. وذكَرَها حاجي خليفة بعنوان زجر النفس لهرمس الهرامسة. ويُشير إليها أبو البركات في «مصباح الظلمة وإيضاح الخدمة» للفاضل هرمس الحكيم، رسالة يخاطب فيها النفس تشتمل على حِكَم فلسفية وعِظاتٍ روحانية ومقاييس عقلية، أبوابها أربعة عشر، وتُسَمَّى رسالة المعاني.
٢  يشمل مخطوط باريس: أمثال سليمان بن داود من العهد القديم، كتاب قوهلهت الجامع المنسوب إلى سليمان في العهد القديم، وصية لقمان الحكيم لولده وعند مماته، يسيرًا من قول يشوع بين شيراخ الحكيم ووصية لوالده، قال سقراط الحكيم لولده في حُسن الخلق ووصايا لتلاميذه وتحذيرات من نوائب الزمان، من كلام الحكماء إذ جمَعْنا الورد ربحًا للسامعين، خبر القديس الجليل روسيما، سيرة الطوبائيين، موعظة الكهنة التي تُقرأ في الرابع والعشرين من هتور لأبونا القديس أنبا سويوس أسقف الأشمونيين المعروف قبل رهبانيته بأبي البشر بن المُقفَّع الكاتب المصري، أخبار الإسكندر الحكيم وسبب حرسة لسانه عن الكلام إلى حين مَماته بسلام آمين (رسائل، ص٤٧–٥٥).
٣  ويتضمَّن مخطوطٌ آخر: كتاب البستان وقاعدة الحكماء وشمس الآداب، مختارات من أقوال بعض الحكماء ومن الأخبار والأمثال ومحاسن الآداب، سليمان، أفلاطون، ديوجانس، أرسطاطاليس، سقراط، هرمس، أركوسيس، فيثاغورس، قس بن ساعدة، جالينوس، أغريغوريوس، بلوانيس، وبقراطس، بطليموس، كسرى، حكايات منسوبة إلى فلاسفة دون تعيين أسمائهم ثُم تأويلًا لمغزاها، وصايا إلى ولد، حكايات عن بعض القديسين المصريين ومواعظ، أقوال لبعض الأنبياء والحكماء، ألفاظ مختارة من بعض الحكماء والفلاسفة.
٤  رسالة منسوبة إلى هرمس الحكيم في مُعاتبة النفس وزجْرها في الأمور السُّفلية وحَضِّها على طلَب ما يُلائمها ويُشاكلها من الأمور العُلوية، وقصْوِها عما يؤذيها ويوبقها، وحثِّها على ما فيه استقامتها وصلاحها، وأوضح الدلائل والبراهين على ما شرَحَه مع ذلك. ولم يقتصر على سبْر المعنى بل أغرق في كشفها لكل أحدٍ بغير قصد تفسيرٍ ولا تنميق لفظٍ بل بما يقوم في العقول والأفكار ويقبله كلُّ ذي لُبٍّ صحيح، إذا كان ذلك مما يردع عن الانحطاط في شغب هذه الدنيا الغازية والتمسُّك بحبال غُرَّتها، ويُرشد إلى أعمال الخير ويمضي على الإكثار منه، وما يُقرِّب من خالقها، ويُزلِّف لدَيه، ويسكن نعيمه الذي لا زوال له، انقضاء لمُدَّته. نفع الله به قارئه، وألهمَه طاعته ووفَّقَه لمرضاته بمَنِّه وخفي لُطفه، والشكر لله كثيرًا مُستمرًّا (ص٥٣-٥٤).
٥  بسم الله الرحمن الرحيم، اذكُر يا رب عبدَك الحقير بشارة جرجس واسألْ كلَّ مَن اطلع عليه أن يدعو له بغفران الخطايات والذنوب بشفاعة الشهداء والقديسين. بمنِّه وكرمه، ووفقه إن شاء الله تعالى (ص٥٤). بسم الله الرحمن الرحيم، ضابط الكل نبتدئ بمعونة الربِّ سبحانه بكتب رسالة موسى الحكيم الفاضل … باسم الله الخالق والحي الناطق (ص٥٣-٥٤). تمَّت وكمُلَت رسالة هرمس الحكيم بخير والسبح لله دائمًا وأبدًا. تم كتاب مُعاذلة النفس والحمد لواهب العقل والصور والصلاة على أنبيائه وأوليائه وخصَّص بالصلاة مُحَمَّدًا وآله الطاهرين، في العشر الأُوَل من ذي القعدة الشريفة في تاريخ سنة أربعٍ وستِّين وألف بمدينة القسطنطينية المَحمية عمَّرَها الله تعالى عن الأفهام (ص١١٦). تمَّت رسالة هرمس الحكيم بعون السيد ربنا له المجد دائمًا وعلينا رحمة آمين … كمُلت أربع عشرة رسالة لأرسطاطاليس والمجد لواهب العقل والمعرفة والنعمة دائمًا آمين آمين … وقال أفلاطون قدَّس الله روحه العزيز في مخاطبته لنفسه.
٦  مُعاذلة النفس، بدوي، ص٥٦، ٦٢، ٦٤، ٦٧، ١٠١-١٠٢، ١١٢.
٧  وكما فعلنا نحن مع «تربية الجنس البشري» لِلِسنج، دار الثقافة الجديدة، القاهرة ١٩٧٧م.
٨  كتاب الروابيع، بدوي، ص١١٩–١٢١.
٩  ويعلم الحقُّ أني قد بذلتُ الوُسعَ في كشفِه حتى يحدُث أن أُخالف وأَحيد عن مذهب الفيلسوف (ص١٩٣).
١٠  كتاب الروابيع، بدوي، ص١٧١-١٧٢.
١١  السابق، ص١٣١، ١٦٣–١٦٥، ١٧٠–١٧٣، ١٩٣–١٩٧، ٢٠٣. بسم الله الرحمن الرحيم (ص١٤٩، ١٩٤). يا علي، المنَّة لله تبارك، وكلمات فارسية ودين زمانه رفيقي كه خال له ملك، والحمد لله وحده، وتنتهي الرسالة الأولى والحمد لله وحده. وتبدأ الثانية أيضًا «باسم الله الرحمن الرحيم، قال الإمام فخر الشريعة قدوة الحكماء إمام المُلحقين أحمد بن علي الأسنابادي قدَّس الله روحه.» وتنتهي «هذا هو العِلم اللاهوتي العظيم الذي لا يعلمه إلا الله تعالى والراسخون في العلم والحمد لله رب العالمين» (ص٤٦). وأنا مُبتهل إلى الله الحق أن يُعينني على نِيَّتي ويُوفقني لمُرادي العقلي لا المراد الطبيعي (ص١٢١). وأنا أسأل الله المُدبِّر للكل أن يجعل ثوابي في إخراجي ذلك مخرجًا يضمَنُه الفيلسوف في العاقبة لمن كان مدَّة أيام حياته قائمًا على العدْل، إن شاء الله (ص١٩٣).
١٢  ولأحمد بن يوسف مؤلَّفات أخرى تغلب عليها السِّيَر لأحمد بن طولون وخمارويه ومعارون وغلمان، وأخبار الأطباء والمُنجِّمين وإبراهيم بن المهدي. وله أيضًا مُختصر المنطق، وشرح كتاب الثمرة لبطليموس، والنسبة والتناسُب، والأقواس المُتشابهة، وشرح الطبيعة. وفي الأخلاق كتاب المكافأة، وكتاب حُسن العقبى (عبد الرحمن بدوي، الأصول اليونانية للنظريات السياسية في الإسلام، النهضة المصرية، القاهرة، العهد الأوَّل، ص٢٧–٣٢).
١٣  الكتابات الفارسية مثل كليلة ودمنة، سِيَر ملوك العجم، كتاب الأيين، كتاب التاج لعبد الله بن المُقفَّع بالإضافة إلى الأدب الكبير والأدب الصغير. ونقل إسحاق بن زيد سِيرة الفرس. وترجَم الحسَن بن سهل جاويد خرد. وعمَّت فلسفات الشعوب: للفرس السياسة، وللروم العلوم، وللهند الفكر، وللتُّرك الشجاعة كما وصف أبو حيَّان.
١٤  لا تُهم المعلومات التاريخية عن أدريانوس إلا من حيث خصوبته في إثارة الخيال في الإبداع الحضاري. فهو إمبراطور واسع الثقافة عادل مثل الإسكندر. انتهى الحُكم إليه بوصية. زار أوروبا كلها حتى أعمِدة هرقل في طنجة والتقى بمعشوقه الجميل أنطونيوس الذي غرِق في النيل. وهو أيضًا في ضمير اليهود والنصارى بعد أنْ لاقَوا مُرَّ العذاب على يد نيرون ثم طيطوس الذي هدَم بيت المقدِس وهيكل سليمان وطريانوس. استهل عهده بالسلام والمُهادنة وأعاد بناء القُدس وأعاد اليهود. ثم انقلبوا عليه غدرًا طمعًا في إقامة دولتهم فبعَثَ إليهم بالعساكر وضرَبَ المدينة وأسكنها اليونان الذين منَعوا اليهود من التجارة في المعبد كما فعل المسيح. وقد يكون مؤلِّفها يهوديًّا أو نصرانيًّا من الإسكندرية شرقيًّا غنوصيًّا، يُمثل في الضمير الشعبي الحِكمة. وهو مثل الإسكندر شخصية مؤمِنة موحِّدة مثل لاوتسي وبراهما وبوذا وعلي بن أبي طالب (مقدمة، ص١٠–٢٤).
١٥  كان من الشائع في اليونانيين المُعتقدين لتوحيد إله تبارك وتعالى المُصدقين بالصحف المُنزَّلة على رسُله، صلوات الله عليهم، قبل موسى عليه السلام أن ملكًا لهم يُعرَف بأدريانوس قد جمع إلى سَعة مُلكه جلالة المَحلِّ في الحكمة وحُسن السيرة لمَن يرعاه وطالت أيامُه بهم وزاد صَوته بُعدًا فيهم. ثم اضطرب عليه بعض أطرافه فاستخلف على مَملكته ابنًا له، وكان يرتضيه لِما بعدَه، وخرج بنفسه فعاناه حتى انقاد له فلمَّا أجمع على الشُّخوص إلى دار مُلكه اعتلَّ علةً يئس فيها من نفسه فكتَب إلى ابنه المُستخلَف بهذا العهد (ص٥).
١٦  قد تأمَّلتُ أيَّدَك الله ما عدَدْتَهُ للفرس من حُسن السيرة ورجاحة الآراء وملك الأهواء ورأيتُ ما صدَرَ عنك من ذلك غير مُجانب للحق ولا بعيد عن الصدق. ولو اقتصرتَ عليه دون ما قادك إليه جماح التعصُّب وحداك عليه ذلك التسلُّط من الطعن على من بان فضله ورجح وزنه من اليونانيين لوجدتَ مقالًا رحبًا ومستعرضًا فسيحًا. واعلم أنَّ أفضل المدح ما ساق إلى الممدوح فضيلةً ولم يُلحق بغيره رذيلة. لكنِّي أرى أن الأَوْلى بمن صحَّتْ فطرته وكَرُم طبعُهُ الإمساك عن معاييب الإعلام في كل حوزةٍ ونشر فضائلهم ليقتدي بها من أتى بعدهم واغتفار ما عثُر به من زِلَلِهم الصُّغرى في جنب ما تأدَّى إلينا من فضلهم وأفَدْناه منهم. فأمَّا تكريرك تقصير اليونانيين في السياسة فقد أنفذتُ إليك ثلاثة عهود لهم: منها عهد ملك منهم إلى ولده فيما أفضى إليه من أمر مملكته، وعهد وزير منهم إلى ولده فيما ينبغي أن يستعمله لتقليد الوزارة، وعهد رجل من أرقى طبقات العامَّة إلى ولده فيما ينبغي أن يعمله في تصرُّفه. فقابِل بها ما عنَّ إليك من غيرهم لترى محلَّهم من حُسن السيرة وفضلهم على غيرهم في السياسة (ص٣، ١٣).
١٧  عهد الوزير إلى ولده، ص٤٢–٥٤.
١٨  عهد العامي إلى ولده، ص٥٥–٦٤. واعلم أنك بعين الله في تصرُّفك وتقلُّبك، وأنه مُطلع على خائنة قلبك وما عقدْتَ عليه نيَّتَك مُخفيًا خلافَه. واجْرِ إلى طاعته يجمعْ لك بين إحسانه في الدنيا ورضاه في الآخرة (ص٦٤).
١٩  مثال ذلك: اعلم أنك بين الله وبين رعيَّتِك فصانِعْه تبارك اسمُه فيهم بالإحسان إليهم، أشدُّ من نجَمَ عليك قتالًا مُستنصِر في ملَّة أو مُنتصِر من ذِلَّة أو غيران على حُرمة أو مُطالِب بِوتْر … البخل يَحسُن في أربعٍ ويقبُح في سواها وهي الدين والحزْم وأيَّام الحياة والمُقاتلة، ولكل حال من الأحوال سياقُه، يستعملها العادل ولا ينبو عن حُكم الدين فيها (ص٣٠–٣٢). وأوعز أن يأذن للناس في المجالس العامَّة على حسب مواقفِهم في الشريعة ومنازلهم في المملكة، في فضل العابد من الملوك على المُتبتِّل من الزُّهَّاد، واعلم أنَّ رياء الناسِك أعظم حَوبًا وأشدُّ ضررًا من مُجاهرة المُتسلِّط لأنَّ رياء الناسِك يَستدرِج الساكن إلى ظاهره والقُربة به فيكثُر بذلك صَرْعاه وقتلاه. ومُجاهرة المُتسلِّط توحِش الناس منه وتُذعِرهم عنه فيسلم عليه الكثير منهم. وهما جميعًا يجاهران الله تعالى فيما أصرَّا عليه. إلا أنَّ المُرائي أقام التصنُّع بينه وبين الناس فخافَهم في الله عزَّ وجل ولم يخَفِ اللهَ فيهم، وهذا أوضعُ منازل من اجترأ عليه سبحانه وعين عنه. واعلم أنك في مجلسك ومُلابستك لأمور أهل مملكتك في طائفة من الله عز وجل وتعالى، ولتكن ثقتك بالله فيه، واذكُر عند تحرُّك غضبك عليه ذنوبَك إنْ خالفك عزَّ وجل، إنك تجِد عند الله ما أودعتَه، تلَقَّ بدء نهارك بذِكر الله عز وجل والعمل له، اعلم أنَّ بين الفقير والغني والضعيف والقوي حربًا لا ينام وترُها ما لم يقِفْ كل واحدٍ منهما على الواجب عليه (ص٩، ١٥–١٧، ٢٣–٢٦).
٢٠  عهد الوزير إلى ولده في الأصول اليونانية، ص٤٢، ٤٧، ٥١–٥٤.
٢١  مثل: «الحمد لله أهل الحمد ووليه والهادي إليه والمُثيب به. أحمده، أرضى الحمد له وأزكاه إليه، على تظاهُر آلائه وجميل بلائه حمدًا يُكافئ نِعَمه ويوافي مِنَنه ويوجب مَزيده. وأسأل أن يُولِعنا بذكره ويُلهِمنا بشكره وينفعنا بحُبِّ القرآن واتِّباع الرسول عليه السلام وحُسن القبول لما أدَّياه، ويُنوِّر بالعلم قلوبنا ويفتح بالحكمة أسماعنا، ويستعمل بالطاعة أبداننا، ويجعلنا ممَّن صمَتَ ليسلم وقال ليغنم وكتَبَ ليعلَم وعلِم ليعمل. والصلاة على محمد سيد المرسلين وجامع شمل الدين وعلى آله وصحبه أجمعين» (العهود، ص٣). وأنا أسأل الله لك هداية تقِف بك على مالك وعليك فإنَّ الفضل بيدِه والتوفيق منه وصلى الله على سيدنا محمد الداعي إليه وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليمًا (ص٤). وأنا أسأل الله تعالى أن يُحقِّق أملي فيك، ولا يُخلِف ظنِّي بك وأن يُعينك على ما قدَّرك ويتولاك فيه … وهو حسبي ونعم الوكيل (ص٤١).
٢٢  والبعض السَّلف الصالح، ومن المأثور عن السلف الصالح رضي الله عنهم (ص٣٤-٣٥). حمد الله عز وجل، إذا حمدتَ الله، بطَول الله ومَنِّه، ما وهبَ الله لهم من فضله، خَوف الله، أنَّ القتل أحبُّ إليَّ من أن ألقى الله سبحانه وأنا مُستحق له (ص٣٥–٤٠). وأسأل الله (ص١٣).
٢٣  وأنا أسأل الله الذي وسِع خلقَه من جُوده ما أعجز أذهانهم (ص٦٤). ثم كتاب العهود اليونانية بحمد الله وحُسن توفيقه والصلاة والسلام على خِيرته من خلقه محمد نبيه وآله وصحبه أجمعين. كتبَه العبد الفقير إلى رحمة ربه أبو الحسن بن أبي طالب ابن الدقَّاق حامدًا الله ومُصليًّا عليه وعلى نبيه محمد وآله وصحبه (ص١٤).
٢٤  فقد التقطتُ وجمعتُ عن أفلاطون في تقويم السياسة (أفلاطون في الإسلام، نصوص حقَّقها وعلَّق عليها عبد الرحمن بدوي، دار الأندلس، الطبعة الثالثة، بيروت ١٩٨٢م، ص١٧٤–١٩٦؛ كتاب النواميس لأفلاطون، السابق، ص١٩٧–٢٣٤).
٢٥  مُلتقطات أفلاطون الإلهي، السابق، ص٢٤٦–٢٩٢ (٢٨٨ قولًا)، أفلاطون (٥)؛ كلمات لأفلاطون، السابق، ص٢٥٥ (٦ أقوال).
٢٦  فيثاغورس (٤)، سقراط (٢)، أرسطاطاليس، زينون السوفسطائي (١). ومن أسماء المؤلفات: طيماوس (٥)، فادن (٣)، أقراطيس كتاب السيرة (١). ومن الفِرَق: القدماء (٣)، المُفسِّرون (١)، واليونانية (١) من كتاب نوادر ألفاظ الفلاسفة والحكماء وآداب المُعلمين القدماء لحنين بن إسحاق في آداب الفلاسفة المذكورين بالحكمة والمعرفة. ٣٣ قولًا، ٣ قيل (السابق، ص٢٩٠–٢٩٩).
٢٧  النواميس، السابق، ص٢٢١-٢٢٢.
٢٨  الفقر والمُلتقطات والمُنتخبات والكلمات والمنحول مثل: فقر التُقِطت وجُمعت من أفلاطون في تقويم السياسة الملوكية والأخلاق الاختيارية، مُلتقطات أفلاطون الإلهي، كلمات لأفلاطون، من منتخَب صوان الحكمة للسجِّستاني. والكتاب مثل: كتاب النواميس، من كتاب نوادر ألفاظ الفلاسفة القُدَماء لحنين بن إسحاق، من كتاب المسائل الثلاث لمسكويه. والرسالة مثل: رسالة أفلاطون إلى فرفوريوس في حقيقة نفي الهم، من رسالة آراء الحكماء اليونانيين رسالة أفلاطون في الرد على من قال إنَّ الإنسان تلاشى. والوصايا والثمرة مثل: وصية أفلاطون الحكيم، ثمرة لطيفة من مقاييس أفلاطون في أنَّ النفس لا تفسد. والمنحول مثل: منحول لأفلاطون في الكيمياء (السابق، ص١٧٣–٣٤٥).
٢٩  في أفلاطون الحكيم: الأقوال (٤٩)، سُئل (١)، المُلتقَطات المُتفرِّقة (٢٨٨).
٣٠  مُلتقَطات أفلاطون الإلهي، السابق، ص٢٥٣.
٣١  من كتاب «نوادر وألفاظ الفلاسفة الحُكماء وآداب المُعلمين القدَماء لحنين بن إسحاق»، السابق، ص٢٩٣–٢٩٥.
٣٢  رسالة في آراء الحُكماء اليونانيين، السابق، ص٣٠٧.
٣٣  رسالة أفلاطون إلى فرفوريوس في حقيقة نفي الهم وإثبات الرؤيا، السابق، ص٢٣٨، ٢٤٠-٢٤١.
٣٤  حكاية أفلاطون خطاب: يا إسكندر وندمت طول فرس. السابق، ص٣٤٠-٣٤١.
٣٥  من كتاب نوادر ألفاظ الفلاسفة الحُكماء وآداب المُعلمين القدماء لحنين بن إسحاق (أفلاطون في الإسلام، ص٢٩٣–٢٩٩؛ أفلاطون الحكيم، ص٣٠٥؛ رسالة في آراء الحكماء اليونانيين، ص٣٠٦–٣٢٠).
٣٦  أفلاطون الصحيح، ص٣–١٧٠ (١٦٨ص)، أفلاطون المنحول، ص١٧٣–٣٤٥ (١٧٣ص).
٣٧  وهي فِقَر التُقِطت وجُمِعت عن أفلاطون في تقويم السياسة، تضمُّ ١٨٤ قولًا لأفلاطون دون ذِكر اسمه.
٣٨  رسالة في آراء الحكماء اليونانيين، السابق، ص٣٠٦–٣٣٠. أفلاطون (٧٣)، فيثاغورس (٤)، سقراط، أرسطو (٣)، نكسقراطيس (١).
٣٩  كتاب النواميس لأفلاطون، السابق، ص١٩٧–٢٣٤. أفلاطون (٨) مارينون (٣)، أسقليبوس (٢)، هوميروس، فيثاغورس، أنبادقليس، أراميس الحكيم (١)، اليونانيون (٥)، الهند (١).
٤٠  رسالة أفلاطون إلى فرفوريوس، السابق، ص٢٣٥–٢٤٣. ديوجانس، أثاخوس، هرمس، سقراط، نيرن.
٤١  وصية أفلاطون الحكيم، أفلاطون في الإسلام، ص٢٤٤–٢٤٦. وأيضًا: كلمات لأفلاطون، السابق، ص٢٥٥. وأيضًا: ثمرة لطيفة من مقاييس أفلاطون في أنَّ النفس لا تفسد، السابق، ص٣٣١-٣٣٢؛ رسالة لأفلاطون الإلهي في الرد على من قال إن الإنسان تلاشى وفني، السابق، ص٣٣٧–٣٤١. أفلاطون (١)، منحول في الكيمياء، السابق، ص٣٤٢–٣٤٥.
٤٢  في الفقر: أفلاطون (١). وفي النواميس: أفلاطون (٨)، أسقليبوس، مارينوس (٢)، فيثاغورس، هوميروس الشاعر، أنبادقليس، أراميس الحكيم (١)، الهند، فارس (١). في رسالة أفلاطون إلى فرفوريوس: ديوجانس، هرمس الحكيم، سقراط، أناخس، نيرن (١). وفي أفلاطون الحكيم: أرسطو (٣). وفي المسائل الثلاث التي تشتمل على العلوم كلها: أفلاطون (٣)، أبرقلس (٢)، جالينوس (١)، الحكماء (١)، النواميس (١).
٤٣  ذكره المؤرخون القُدَماء مثل ابن النديم والقفطي وابن أبي أصيبعة، وينسِبُه بعض المؤرخين الأوروبيين إلى أحد تلاميذ أفلاطون أو إلى فلوطرخس، وهو آداب الصبيان المنسوب إلى أفلاطون (لويس شيخو: مقالات فلسفية لمشاهير فلاسفة العرب مُسلمين ونصارى، دار العرب للبستاني، القاهرة، ١٩٨٥م، ص٥٢–٥٨).
٤٤  الموضوعات النفسية مثل: العقل، الوهم، الاعتدال، التعلُّم، العِلم، الصور الروحانية، قوى النفس، النفس والطرَب، البصر والنوم، النفس والجسم، العشق، الحُسن. والطبيعية مثل: الحركة المُستديرة، الماء والأرض، القوَّة والفعل، العالم، الحركة، النار، الحياة، الزمان، المكان، الهواء، الاستحالة، السماء. والإلهية مثل: اللانهاية، الوحدة والكثرة، القائم بذاته، الأوَّل والآخر.
٤٥  السابق، ص٢٨٠، ٢٤٧، ٢٥٥–٢٥٨، ٢٦١، ٢٦٤، ٢٧٠–٢٧٧.
٤٦  السابق، ص٢٦٣، ٢٦٩-٢٧٠، ٢٧٢، ٢٧٨، ٢٨٠.
٤٧  السابق، ص٢٤٨–٢٥١، ٢٥٣، ٢٥٩، ٢٦١-٢٦٢، ٢٦٤، ٢٦٨-٢٦٩، ٢٧١.
٤٨  السابق، ص٢٥٣، ٢٥٥-٢٥٦، ص٢٦٧–٢٧٠.
٤٩  السابق، ص٢٦٤، ٢٦٦، ٢٦٨، ٢٧٢، ٢٧٦-٢٧٧، ٢٧٩.
٥٠  السابق، ص٢٧١، ٢٧٤-٢٧٥، ٢٧٨-٢٧٩.
٥١  رسالة أفلاطون إلى فرفوريوس في حقيقة نفي الهمِّ وإثبات الرؤيا جوابًا إليه عن سؤال سابق. السابق، ص٢٣٥-٢٣٦، ٢٤١.
٥٢  رسالة في آراء الحكماء اليونانيين، السابق، ص٣٠٦-٣٠٧، ٣٠٩–٣١١، ٣١٥-٣١٦، ٣٢٤–٣٢٦؛ المسائل الثلاث التي تشتمل على العلوم كلها لأبي علي أحمد بن مسكويه، السابق: ص٣٣٤.
٥٣  مُلتقطات أفلاطون الإلهي، السابق، ص٢٤٩، ٢٥٤، ٢٥٦، ٢٥٨، ٢٧٢.
٥٤  فقر، السابق، ص١٧٣؛ النواميس، السابق، ص٢١٠–٢١٦، ٢٢٢، ٢٢٤، ٢٠٦. من كتاب نوادر ألفاظ الفلاسفة والحكماء وآداب المُعلمين القدماء لحنين بن إسحاق (السابق، ص٢٩٥).
٥٥  السابق، ص٢٤٨، ٢٥٣، ٢٥٨، ٢٦١، ٢٦٧، ٢٧٧-٢٧٨.
٥٦  مُلتقطات أفلاطون الإلهي، السابق، ص٢٤٦، ٢٥٢–٢٥٤، ٢٥٨، ٢٦٤، ٢٦٨، ٢٧١، ٢٧٣-٢٧٤، ٢٧٧.
٥٧  ملتقطات أفلاطون الإلهي، السابق، ص٢٤٧–٢٤٩، ٢٥١–٢٥٦، ٢٦٢–٢٦٤، ٢٦٩–٢٧٣، ٢٧٨.
٥٨  رسالة أفلاطون إلى فرفوريوس في حقيقة نفي الهم وإثبات الرؤيا جوابًا إليه عن سؤال سابق، السابق، ص٢٣٥–٢٤٣.
٥٩  السابق، ص٢٧٠-٢٧١، ٢٧٤.
٦٠  السابق، ص٢٧٥، ٢٧٧.
٦١  السابق، ص٣٠٠؛ المُبشر بن فاتك، ص١٧-١٨؛ السجستاني، ص١٣١–١٣٣؛ النواميس لأفلاطون، أفلاطون في الإسلام، ص٢١٨؛ السابق، ص٢٠٧-٢٠٨؛ رسالة أفلاطون إلى فرفوريوس في حقيقة نفي الهم وإثبات الرؤيا، السابق، ص٢٤١؛ فقر، السابق، ص١٨٨، ١٩٤؛ ملتقطات، السابق، ص٢٨٠.
٦٢  ثمرة لطيفة من مقاييس أفلاطون في أنَّ النفس لا تفسد، السابق، ص٣٣١-٣٣٢؛ وصية أفلاطون الحكيم، السابق، ص٢٤٤. من كتاب نوادر ألفاظ الفلاسفة الحكماء وآداب المُعلمين القدماء لحنين بن إسحاق، السابق، ص٢٩٨؛ أفلاطون الحكيم، السابق، ص٣٠٣–٣٠٤.
٦٣  فقر، السابق، ص١٧٣–١٩٦؛ كتاب النواميس لأفلاطون، السابق، ص١٩٧–٢٣٤، وأيضًا ص٢٠٠، ٢٠١–٢٠٨، ٢١٠–٢٢١؛ رسالة أفلاطون إلى فرفوريوس في حقيقة نفي الهمِّ وإثبات الرؤيا، السابق، ص٢٣٩.
٦٤  السابق، ص٢٧٥-٢٧٦.
٦٥  السابق، ص٢٢٨، ٢٣٠-٢٣١، ٣٣٣-٣٣٤.
٦٦  فقر، السابق، ص١٨٩؛ النواميس، السابق، ص٢١٥-٢١٦. من كتاب نوادر ألفاظ الفلاسفة والحكماء وآداب المعلمين القدماء لحنين بن إسحاق، السابق، ص٢٩٦–٢٩٩.
٦٧  بسم الله الرحمن الرحيم، رسالة لأفلاطون الإلهي في الردِّ على من قال إن الإنسان تلاشى وفني (السابق، ص٢٣٧). بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، ربِّ سهِّل، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أنبيائه وأصفيائه (كتاب النواميس لأفلاطون، السابق، ص١٩٧). رسالة أفلاطون إلى فرفوريوس في حقيقة نفي الهم وإثبات الرؤية (السابق، ص٢٣٥-٢٣٦، ٢٤٣). والله أعلم وأحكم (وصية أفلاطون الحكيم، السابق: ص٢٤٤؛ مُلتقطات، السابق، ص٢٩٢).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١