بين الحرب والسلام

(حجرة خاصَّة لسيدة تُدعَى «السياسة» … بها فُرُش وثيرة، وأثاث للزينة ذو مرايا عديدة، وُضِعت عليه الأدوات والأصباغ! … ثم خزانة ملابس ضخمة … في صدر المكان مصباح ورديٌّ يضيء الحجرة إضاءةً شعريةً شاحبةً، في ذلك المساء … والسيدة جالسةٌ إلى مرآة الزينة تَطلِي شفتَيها بالأحمر … وقد جلس على مقربةٍ منها رجلٌ حسن المنظر، تبدو عليه الدَّماثة واللطف، يُدعَى «السلام».)

السلام (ناظرًا إليها مليًّا) : تُحبِّين الزينة فيما أرى!
السياسة (بدون أن تلتفت إليه) : عادة! … عادة قديمة!
السلام : نعم! … ويا لها من عادة! … ولكن الغريب أنكِ تستخدمين أصباغكِ هكذا علنًا!
السياسة : لقد أصبح من السذاجة أن نُخفِي ما يعرفه الجميع!
السلام : حتى أمامي؟! … وفي حضوري؟! … تفعلين ذلك ولا تجدين حرجًا؟!
السياسة : هذا خيرٌ من أن تراني قبيحة!
السلام : قلتُ لكِ يا عزيزتي ألف مرة: إني أُحبكِ على حقيقتكِ!
السياسة : أتظنُّ ذلك؟!
السلام : أُقسِم لكِ! … ولكنكِ لا تثقين بقسَمي! … إنكِ باردة القلب، لا تؤمنين بحبٍّ! … ولكني أنا أُومن بأني لا أستطيع أن أعيش إلَّا بكِ!
السياسة (وهي تنظر في المرآة بدلالٍ) : ألفاظٌ أسمعها كثيرًا!
السلام : تسمعينها كثيرًا؟! … ممَّن؟ … مِن غيري؟ … مِن زوجكِ؟!
السياسة (بغير مبالاةٍ وهي تُسوِّي أحمر شفتَيها) : نعم! … مِن زوجي أيضًا!
السلام : زوجكِ! … هذا الفظُّ الغليظ! … هذا الثقيل المدعوُّ «الحرب»! يستطيع مثلُه أن ينطوي على شعور رقيق؟!
السياسة (وهي تتناول إصبع الأحمر) : إنه يقول هو الآخَر إنه لا يستطيع أن يعيش إلَّا بي!
السلام : يُحبُّكِ إلى هذا الحد؟!
السياسة (بدلالٍ) : أَتَغارُ منه؟!
السلام : إني أَمقُتُه! … أَمقُتُه!
السياسة (باسمةً) : لا شكَّ أنه يُبادِلكَ عين الإحساس!
السلام : حَذارِ أن يكون قد ارتاب في وجود علاقة بيني وبينكِ!
السياسة : أتريد أن أَصدُقكَ القولَ؟
السلام (صائحًا) : يا للكارثة! … أَقُلتِ له؟!
السياسة : أأنا مجنونة؟! … اطمئن! … هدِّئ روعكَ!
السلام : ماذا يعلم عني؟!
السياسة : يعلم فقط أنكَ تُغازِلني من حين إلى حين.
السلام : أُغازِلكِ؟!
السياسة : هذا ما لم يكن في الإمكان إخفاؤه … وهذا ليس ذنبي أنا يا عزيزي! … فقد ضَبَطَكَ وأنت تطلبني بالتليفون ذات مرة، ثم ضَبَطَكَ يومًا تقف في الطريق أمام باب البيت، وتتطلَّع إلى نافذتي، وتُصفِّر بفمكَ أغنيتَكَ المعهودة؛ فلمَّا رأيتَه يُقبِل نحوكَ هربتَ … أليس كذلك؟ … ثم ضَبَطَ أخيرًا هديتكَ إليَّ التي سلَّمتَها للبوَّاب! … أزهار المشمش البيضاء، المُتفتِّحة على أغصانها … تذكرة بحلول الربيع.
السلام : هل سألكِ عني؟!
السياسة : بالطبع! … وأجبتُه: شابٌّ «يُعاكِسني» ولا حيلة لي في منعه … أليس هذا خير مَخرج؟!
السلام : وماذا قال عندئذٍ؟!
السياسة : لم يَقُل شيئًا … زمجر فقط، ثم همَسَ من بين أسنانه: أرجو أن يقع يومًا في قبضتي هذا الشاب، بغصنه الأبيض … وأُهشِّم رأسه، وأكسر عُوده!
السلام (مرتعدًا) : الله يبشرك بالخير!
السياسة (باسمةً) : هل خِفتَ؟
السلام (ملتفتًا إلى الأبواب المغلقة) : أأنتِ واثقة أنه الليلة مسافر؟!
السياسة : أَبَلَغَ بي الهوس أن أدعوك إلى حجرتي ليلقاك زوجي ويُهشِّم رأسك الجميل؟!
السلام : ربما كان يسُرُّكِ هذا المنظر!
السياسة : إنكَ لا تعرفني أيُّها العزيز، ولا تعرف ما يسُرُّني، وما يَسُوءُني!
السلام : أعرف، على الأقل، أنَّ وجودي معكِ لا يَسُوءُك كثيرًا!
السياسة : ما دمتَ تعرف ذلك، فَفِيمَ القلق؟!
السلام : كيف لا أقلق وأنا أُحبكِ؟! … إني أعرف كل ما في قلبي … ولكني لا أعرف كل ما في قلبكِ … مَن أدراني أنكِ لا تعبثين بي؟!
السياسة : وما مصلحتي؟!
السلام : وهل من السهل فَهْمُ مصلحتكِ؟! … أليس من المُحيِّر للعقل أن ترضى فاتنةٌ ذكيةٌ، لَبِقةٌ مثلُكِ، بهذا الثقيل الفظِّ زوجًا؟!
السياسة : هذا الزواج، على كل حال، لم يَقُمْ على الحب والغرام!
السلام : أنتِ إذن لستِ سعيدةً معه؟
السياسة (تتنهَّد) : سعيدة!
السلام : إني أَرثِي لكِ يا عزيزتي … وأتمنَّى لو أُنقِذكِ مما أنتِ فيه … إني طوع أمركِ … كلمة من بين شفتَيكِ، وأنا أحملكِ بعيدًا عن هذا الوحش!
السياسة : كيف تستطيع ذلك؟
السلام : المسألة في غاية البساطة … نهرب معًا، ونترك له البلد، ونسافر إلى أيِّ مكان!
السياسة : هكذا على رءوس الأشهاد! … تريدها إذن فضيحةً! … إنك لا تعرفني … إنِّي، أيها العزيز، أكره الفضائح المكشوفة!
السلام (يُفكِّر قليلًا) : هناك حلٌّ آخَر! … ولكنَّه يتوقَّف على هِمَّتكِ أنتِ أولًا!
السياسة : ما هو؟
السلام : واجهي زوجكِ بكل صراحةٍ، وقولي له بكل شجاعةٍ: إني لا أحبكَ ولا أحتمل قربكَ … ولا ينبغي لي أن أَقرِن حياتي بحياتكَ … ولا يجوز أن يعيش أحدُنا مع الآخَر تحت سقف واحد! … وإنه لم يَبْقَ هنالك مَفرٌّ من الطلاق!
السياسة : الطلاق؟!
السلام : نعم! … هذا ما ينبغي أن تسعَي إليه وتُلحِّي فيه؛ لتتخلَّصي من هذا الزوج!
السياسة : لا داعي إلى السعي والإلحاح … هذا لا يُكلِّفني أكثر من كلمة … إنَّ بيني وبينه رِهانًا … لَعِبنا بالأمس لعبة «يدس» … أتعرف لعبة «اليدس»؟!
السلام : لا.
السياسة : هي لعبة بسيطة: كلٌّ منا يحاول أن يعطي الآخَر شيئًا؛ فإذا أخذه ساهيًا ناسيًا ولم يَقُل «في بالي»، أسرع الآخَر قائلًا «يدس»، وأَملَى شروط انتصاره … إني واثقةٌ من أني سأنتصر عليه … وهنا أستطيع أن أجعل شرط انتصاري أن يمنحني الطلاق! … أرأيتَ كيف أنَّ هذا أمر لا يُكلِّفني أكثر من كلمة؟!
السلام (يفرح) : إذن أسرعي! … والله معنا!
السياسة : وبعدئذٍ؟
السلام : أتزوَّجُكِ أنا … ونعيش معًا أخيرًا في سعادة حقيقية دائمًا!
السياسة (باسمةً) : شيء جميل حقًّا!
السلام : أليس هذا هو خير حل؟!
السياسة : يا لكَ من ساذج أيُّها العزيز!
السلام (مصدومًا) : ماذا تقولين؟
السياسة : يُطلِّقني هو لتتزوَّجني أنتَ؟!
السلام : أترفضين؟!
السياسة : لستُ أرفضكَ أنتَ؛ فأنتَ تعرف شعوري نحوكَ! … إنك تريد أن تكفل لي السعادة … وربَّما كانت السعادة حقًّا في كنفي … من يدري؟! … ولكن هل من حقِّي أنا أن أفكِّر في السعادة وأتحدَّث عنها؟! … وهل أنا أهلٌ لها؟! … إني خائفة!
السلام : خائفةٌ مني؟!
السياسة : خائفةٌ من المستقبل!
السلام : وهل زوجكِ هذا هو الذي يُشعِرك بالأمن والاطمئنان على المستقبل؟!
السياسة : إنه، على كل حال، ذو سلطان، وقوة، ونفوذ!
السلام : نعم! … هذا صحيح! … إنكِ تعتمدين على قوته في تحقيق كثير من مَطالبكِ، وتنفيذ كثير من أغراضك … ولكنَّ السعادة! … السعادة! … السعادة!
السياسة (تتنهَّد) : آه! … نعم! … يا للحلم الجميل!
السلام : لا بد لنا من التضحية بأشياء لنَظفَر بأحلامنا الجميلة!
السياسة : ولكنَّ الأحلام الجميلة يجب أن تكون قصيرةً؛ كهذه الأُوَيْقَات التي نقضيها معًا، ونختلسها من الدهر اختلاسًا! … إنها لذيذة لأنها نادرة … تأتي في فترات كأنها النَّسَمات في أيام الحر الشديد! … بالله عليكَ أيها العزيز! … لا تُضيِّع هذه اللحظات في مثل هذا الكلام غير المُجدِي! … دعني ألبس لك أبدع ثيابي؛ لأكون جديرةً بهذه السهرة معك! (تنهض وتتجه إلى خزانة ثيابها وتفتحها) … ماذا تحب أن ألبس هذه الليلة؟!
السلام (يُلقِي نظرة طويلة إلى ما في الخزانة) : كل هذه الأثواب لكِ؟!
السياسة : إني أُحب التغيير والتبديل!
السلام : يا لكِ من امرأة!
السياسة (باسمةً وهي تستعرض أثواب الخزانة) : خمِّن! … كما أن المرأة هي التي تصنع الثوب … وكل ساعة في حياة المرأة لها ثوبها!
السلام : تُرَى ما هو الثوب الذي يليق بهذه الساعة التي نحن فيها؟!
السياسة (باسمةً) : إن الثوَّاب هو الذي يصنع المرأة!
السلام (يُرهِف الأذن، وقد سمع حركةً في الخارج) : أَسَمعتِ؟!
السياسة (تلتفت إليه) : ماذا؟
السلام : صوت باب يُفتَح ويُغلَق!
السياسة : أأنت متأكدٌ؟! … إذن هو زوجي قد عاد!
السلام (ناهضًا مضطربًا) : زوجكِ؟! … والعمل الآن؟
السياسة : هدِّئ روعكَ … واختبئ حالًا!
السلام (يلتفت حوله مضطربًا) : أين؟ … أين؟
السياسة (تلتفت باحثةً) : أسرِع إلى … إلى … إلى خزانة ثيابي هذه …. وسأُغلِق عليك بالمفتاح … هذا آمَنُ موضعٍ!
السلام (يهرع إلى خزانة الثياب) : أَنقذِيني سريعًا من هذه الورطة … أرجوكِ!

(تغلق عليه باب خزانة الملابس بالمفتاح، ثم تُخفِي المفتاح في صدرها … ولا يَمضي قليل حتى يُفتَح باب الحجرة، ويظهر الزوج «الحرب»، حاملًا طاقةً من زهر المشمش الأبيض في أغصانه.)

الحرب (مُقدِّمًا الطاقة إلى زوجته) : إليكِ يا عزيزتي طاقة من زهر المشمش الذي طلع في هذه الأيام … إني، كما تَرَين، لا أخلو من شعور لطيف نحوكِ!
السياسة (دون أن تَمُدَّ يدها) : أشكرك! … هذا حقًّا لطف منك … ولكن … لماذا عُدتَ الليلة قبل موعدك!
الحرب : أعرف أنك لا تُحبِّين أن أُفاجئكِ!
السياسة : أُحبُّ مجيئك في الوقت المرسوم لك! … وهكذا الزوج المثالي!
الحرب : إني دائمًا كنتُ لكِ زوجًا مثاليًّا! … أتُنكِرين ذلك؟! … ولكني الليلة جئتُ في وقت لا تتوقَّعينه؛ لأُقدِّم لك خصوصًا هذه الطاقة!
السياسة : نعم! … فهمتُ! … شكرًا لكَ يا عزيزي!
الحرب (مُقدِّمًا إليها الأزهار) : لماذا لا تأخذينها من يدي؟!
السياسة (وهي تأخذها) : آخذها من يدكَ؟ … ولكن: «في بالي»!
الحرب : يا لكِ من ماكرة!
السياسة (باسمة) : أتظنُّ أني ضعيفة الذاكرة مثلكَ؟! … إني لا يمكن أن أنسى الرِّهان الذي بيننا.
الحرب : أُفٍّ! … ضيَّعتِ عليَّ لذة الانتصار عليك!
السياسة : جئتَ إذن الآن كي تعطيني الطاقة! … آخذها من يدك ساهيةً لاهيةً ناسيةً!
الحرب : وأقول لكِ عندئذٍ «يدس»!
السياسة (ضاحكةً) : يا لكَ من ساذج!
الحرب (يتأمَّلها) : كنتِ تتزيَّنين فيما أرى.
السياسة : نعم! … لأشغل وقتي.
الحرب : لعلكِ كنتِ على وشك الخروج!
السياسة : فكرتُ في هذا فعلًا.
الحرب : وحدَكِ؟!
السياسة : ما هذا السؤال؟!
الحرب : عفوًا … ما قصدتُ قَطُّ الإشارة إلى شيء … إنما هو مُجرَّد حبِّ استطلاع!
السياسة : حبُّ الاستطلاع إذا صدر من زوج، فإنه يُسمَّى باسم آخَر!
الحرب : ماذا يُسمَّى؟!
السياسة : يُسمَّى أحيانًا «الارتياب»، وأحيانًا «الغَيرة»!
الحرب : ما الذي يجعلك تظنِّين أني أرتاب فيكِ أو أغار عليكِ؟!
السياسة : زهر المشمش المتفتح يهمس في أذني! … ما الذي ذكَّركَ بأزهار المشمش بالذات؟ … هذا الزهر الأبيض النابت على غصنه!
الحرب : ما هذا السؤال؟!
السياسة : عفوًا … إني ما قصدتُ الإشارة إلى شخص بعينه! … إنما هو محض استنتاج!
الحرب : مع احترامي لفرط ذكائكِ، وبراعة استنتاجكِ؛ فإني أؤكِّد لك أن ذلك الشاب الذي تقصدينه لا يستطيع أن يحرِّك في رأسي شعرة.
السياسة : أيَّ شاب تعني؟! … آه! … تعني ذلك الشاب الذي قلتُ لكَ إنه يغازلني، ولا حيلة في منعه!
الحرب : إنه لا يستحقُّ منِّي مُجرَّد التفكير في وجوده!
السياسة : حسنًا فعلتَ يا عزيزي! … إن التفكير في أمره مُتعِب … فهو شديد الإلحاح، والإصرار، والعناد! … تصوَّر أنَّه صنع المستحيل حتى تمكَّن من دخول هذه الحجرة!
الحرب (في صيحةٍ) : دخل هذه الحجرة؟! … متى؟
السياسة : الليلة … في غيبتك!
الحرب : أَوَقَابَلَكِ؟!
السياسة : طبعًا!
الحرب : أَوَحَادَثَكِ؟!
السياسة : طبعًا!
الحرب (يتأمَّل زينتها وأصباغها) : وكيف إذن كنتِ تفكرين في الخروج؟! … لعلكِ كنتِ خارجةً معه!
السياسة : طبعًا!
الحرب (صائحًا) : ما هذا الكلام يا امرأة؟! … أتَرَين من الطبيعي أن تخرجي مع هذا الشاب العاشق ليلًا؟! … وفي غَيبتي؟! … ومِن وراء ظهري؟!
السياسة : لستُ أدري ما الذي جرى لعقلي في تلك اللحظة! … لقد استهواني حقًّا وسلب لُبِّي!
الحرب : سلب لُبَّكِ؟!
السياسة : بل على الأصح؛ شرح لي وجهة نظره شرحًا فيه كثير من الصدق والإخلاص!
الحرب : وتركتِه يتكلَّم؟ … واستمعتِ إليه؟!
السياسة : طويلًا … وبكل هدوء!
الحرب : يا للعجب! … أَوَلَم تُلْقِي به من النافذة؟!
السياسة : إني لستُ مثلكَ؛ أتصرَّف بقبضتي!
الحرب : بل تُصغِين، وتُحسنين الإصغاء! … نعم! … أخبريني، من فضلكِ، ما هو ذلك الكلام الجميل الذي قاله لكِ؟!
السياسة : قال لي إنه يحبني، ولا يستطيع أن يعيش بدوني، ويريد أن يهرب معي.
الحرب : يهرب معك؟!
السياسة : بعيدًا عنكَ … ليمنحني السعادة التي لا يمكن أن أعرفها معكَ، أو ألقاها في كنف خُلُقكَ الفظِّ، وظلِّكَ الثقيل!
الحرب (ثائرًا) : يا للشقي!
السياسة : هدِّئ روعك أيها العزيز!
الحرب (صائحًا) : أُهدِّئ روعي؟! … كيف يهدأ روعي بعد الذي سمعتُ؟! … يهرب معكِ؟ … يخطفكِ مني؟ … هذا الشاب السخيف الضعيف، الذي لا يتحمَّل نفخةً مني يصير بعدها رمادًا … يذهب بكِ؟ … بعيدًا عني؟ … وكيف يستطيع أن يأخذكِ من زوجكِ؟ … أَنَسِيَ هذا الأحمق أني زوجكِ؟!
السياسة : توسَّلَ إليَّ أن ألتمس منكَ الطلاق!
الحرب : الطلاق؟!
السياسة : ليتزوَّجني مِن بعدكَ!
الحرب : أهو مجنون؟!
السياسة : بل هو في تمام عقله، وهو يعتقد بكل إخلاص أنه أحقُّ منكَ بي … وأن زواجي منكَ غلطةٌ لا تُغتفَر!
الحرب (صائحًا) : وأنتِ؟ … أنتِ؟! … أنتِ؟! … أتركتِه يقول كل هذا، دون أن تصفعيه؟!
السياسة : إني أترك مهمة الصفع لكَ أنت؟!
الحرب : الآن! … بعد أن تركتِه يفرُّ … هذا الجبان؟!
السياسة : ومَن قال لكَ إنه فرَّ؟
الحرب : لم يَفِرَّ؟! … أين هو إذن؟
السياسة : في قبضتكَ؟
الحرب (صائحًا) : لستُ أفهم … أَفْصِحِي!
السياسة : إنه هنا الآن في هذه الحجرة.
الحرب (منفجرًا) : هنا؟! … أين؟ … أين؟ … دُلِّيني على مكانه! … أسرِعي! … لأُحطِّمه وأُبيده من الوجود … أين هو؟!
السياسة : هنا … داخل خزانة الملابس!
الحرب : في خزانة ثيابكِ!
السياسة : نعم! … احتَلْتُ عليه حتى أدخلتُه فيها … وحبستُه داخلها كالفأر في المصيدة، إلى أن تأتي.
الحرب (صائحًا) : سُحقًا لهذا الفأر السامِّ! … سأطحن عظمه بلحمه! (يهجم على الخزانة ويَهُزُّ بابها) … إنها مغلقة بالمفتاح، أين المفتاح؟!
السياسة : المفتاح معي!
الحرب (صائحًا مادًّا يده) : هاتي!
السياسة (تُخرِج المفتاح من صدرها وتعطيه إياه) : خذ!

(الحرب يأخذ المفتاح من يدها وينطلق هاجمًا على الخزانة.)

السياسة (تصيح) : «يدس!»
الحرب (يقف في الحال مصدومًا) : يا لي من أحمق!
السياسة (في لهجة الظَّفَر) : أرأيتَ؟! … ألم أَقُل لك إنك لن تظفَر بالرِّهان!
الحرب : أَلَفَّقْتِ واخترعتِ كلَّ هذه الحكاية الطويلة العريضة لتحتالي عليَّ وتتوصَّلي إلى تسليمي هذا المفتاح؟! … إليكِ مفتاحكِ اللعين … أيَّتها الماكرة! (يُلقِي بالمفتاح على الأرض.)
السياسة : ليس هذا كل ما عليكَ أن تفعل!
الحرب : ماذا تريدين أن أفعل؟!
السياسة : تنفِّذ الشروط!
الحرب : ماذا تطلبين؟
السياسة : أطلب … أطلب … اﻟ…
الحرب : تكلَّمي!
السياسة (تُفكِّر) : أطلب! … عقدًا من اللؤلؤ الحر، طويلًا مزدوجًا من صفَّين … أُزيِّن به صدري!
الحرب : غدًا عندما تفتح الحوانيت، أُحضِر لكِ ذلك!
السياسة : الآن، لا بد أن نشرب معًا نخب انتصاري … انزل بسرعة يا عزيزي، وأَحضِر من عند البقَّال المجاور زجاجة «شمبانيا» فاخرة!
الحرب : أمركِ!

(يخرج مسرعًا طائعًا، ولا يكاد يخرج ويختفي، حتى تسرع هي فتلقط المفتاح من على الأرض، وتُبادِر إلى فتح خزانة الملابس.)

السياسة (للسلام وهو داخل الخزانة) : الآن … اخرج أيها العزيز! … بسلام!

(السلام يخرج شاحب الوجه.)

السياسة : ما هذا الشحوب يا عزيزي؟!
السلام (بصوت ضعيف) : أَوَتريدين أن يكون في جسمي قطرة دم؟!

(يتجه إلى الباب.)

السياسة : أتذهب؟!
السلام : بجلدي! … قبل أن يحدث مكروه!
السياسة (وهي تُشيِّعه إلى الباب) : إلى اللقاء … أيُّها العزيز … سأشرب الآن في صحتكَ!
السلام (كالمخاطب نفسه) : يا لكِ من امرأة!

(يخرج سريعًا دون أن ينظر إليها.)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦