الست هدى

لقد أثبتَ شوقي في جميع مسرحياته تقريبًا أنه لم يكن محرومًا من رُوح الفُكاهة، حتى لنرى تلك الرُّوح تحتلُّ مكانًا واضِحًا، وتلعب دَوْرًا هامًّا في مسرحية «أميرة الأندلس» بفضل شخصية مقلاص الذي لم تَعُدْ فكاهتُه لفظية، بل فكاهة نفسية عميقة تستند إلى صراحة قوية في فضح المعايب والمضحكات؛ ولذلك لا يُدْهِشنا أن ينتهي المطاف بشوقي إلى أن يكتب ملهاة قائمة بذاتها، وأكبر الظن أنه لو امتدَّ به العمر لكتب غيرَها بعد ما أصاب من توفيق في كتابة هذه الملهاة، التي، وإن يكن قد استخدم فيها الشعر، إلَّا أنه قد استطاع أن يلائم بين هذا الشعر وبين موضوعه الفكاهي الخفيف في روح لطيفة، وعبارات سلسة، نعجب كيف صدرتْ عن نفْس القيثارة العاتية، التي تغنَّتْ بأرْوع ألحان الشعر وأشدِّها أسْرًا.

وقصة الست هدى — التي لم تُنشر حتى اليوم — تتناول عيبًا أخلاقيًّا كان ولا يزال شائعًا في البيئة المصرية، وهو تكالُب الرجال على المرأة ذات الثراء، فالست هدى امرأةٌ استطاعتْ بفدادينها أن تتزوَّج قطيعًا من الرجال الواحِد تِلوَ الآخَر، وكلَّما مات أحدُهم، استبْدَلَتْ به غيرَه طامِعًا في مالها حتى فنِيَ الجميع! وعندما أدركها الموت ظنَّ آخِرُهم أنه قد أصاب الثراء، وتوافد الناس عليه مُهنِّئين، ولكنَّه لم يلبثْ أنِ اكتشف أنَّ الست هدى قد أوْصَتْ بكلِّ مالِها لبعض صديقاتها وبعض جهات البِرِّ، وأنه لم يَرِثْ شيئًا فجُنَّ جنونُه، وخرج من المسرح مُشَيَّعًا بالضحكات.

والموضوع كما لخَّصناه مضحك بطبيعته، كما أنَّ الضحك فيه له مغزاه الأخلاقي والاجتماعي؛ إذْ يعالج مشكلةً قبيحة من مشاكل حياتنا، ولكنَّ المشقة في هذا الموضوع تأتي من أنَّ الإضحاك والحبكة والدَّرْس الاجتماعي لا يتمُّ عرضُها وعلاجُها بتصوير قصة الزوج الأخير فحسب، بل لا بد من استعراض سلسلة القطيع السابقة حتى يبرز ما في قصة الزوج الأخير من سخف مُضْحك، ومن البديهي أنَّ شوقي لم يكن يستطيع أن يَعرِض على المسرح كلَّ هؤلاء الأزواج السابقين الذين افترض أنَّ الموت قد طواهم، ولو أنَّ هذا الموضوع كُتِب للسينما لكان أسهَلَ علاجًا؛ إذْ كان المُخرِج يستطيع أن يَعرِض الست هدى، وهي تسترجع بخيالها القطيع السابق، الواحِد بعدَ الآخَر، وفي لقطاتٍ خاطِفة تُتابع حياتَها مع كلِّ واحدٍ منهم، أمَّا والمسرح لا يملك مثل هذه الإمكانيات، فإنَّ شوقي لم يجد بُدًّا من أن يستعين بالقصص، وأن يستخدِمَه لتصوير شريط سينمائي يستغرق الجزءَ الهامَّ من الفصل الأول في المسرحية، التي تتكوَّن من ثلاثة فصول.

لقد عرض شوقي في الشريط السينمائي في حديثٍ يجري في مطلع المسرحية بين الست هدى وجارتها زينب.

وها نحن نُورد هذا الشريط:

الست هدى :
يقولون: إني قد تزوَّجتُ تسعةً
وإنيَ وارَيْتُ الترابَ رفاقي
وما أنا عزريلٌ، وليس بمالهم
تزوَّجتُ لكنْ، كان ذاك بمالي!
وتلك فداديني الثلاثون كلَّما
تولَّى رجالٌ جِئْنَنِي برجال
فما أكثرَ عُشَّاقي!
وما أكثرَ خُطَّابي!
ولولا المالُ ما جاءوا
أذِلَّاء إلى بابي
لستُ ما عشتُ ناسيةْ
لست سلو حياتيهْ
أولُ البَخْتِ مصطفى
مصطفى كان ساريةْ
حين يمشي تظنُّه
نخلة المرج ماشيةْ
مات! فكدتُ أموت حزنًا
وكان عمري عشرين عاما
ثم تزوَّجتُ بعد خمس
مَن ذا يَرى فعْلَتي حراما؟
زينب :
أجل، تعيشين وتدفنينا
حتى تُصِيبي منهمُ البنينا
الست هدى :
وزوجي الثاني علي
ما كان بالصالح لي
يا ليتني لم أقبلِ!
ذاك لِمالي اختارني
واخترتُه لمالِهِ
ما كان إلَّا مُفْلِسًا
وقعتُ في حِبالِهِ
يرحمه الله لقد عشْنا معا
من السنين الصاحبات أربعا
ثم مضى لربه لا رجعا
رحمة الله عليه
جُنَّ بالنسل جنونا
ثم لَمَّا مات ما خلـ
ـف لي إلَّا ديونا
ومات لم تبكِهِ عيوني
وكان عمري عشرين عاما
ثم تزوَّجتُ مِن سواه
مَن ذا يرى فعلتي حراما؟
زينب :
أجل، تعيشين وتدفنينا
حتى تُصيبي منهمُ البنينا
الست هدى :
وزوجي الثالث عمدة البلد
لقد بنى بي وهو يطلب الولد
وغير أطياني هناك ما قصد
يرحمه الله وإنْ
نغَّص يومًا عيشتي
ما جُنَّ بي وإنما
جُنَّ بأبعاديتي
رحمة الله عليه!
مات لم يترك تراثا
خلَّف المرحوم عشـ
ـرين ذكورًا وإناثا
ومات لم أكتئِبْ عليه!
وكان عمري عشرين عاما
ثم تزوجتُ بعدَ عام
مَن ذا يرى فعلتي حراما؟
زينب :
أجل، تعيشين وتدفنينا
حتى تُصيبي منهم البنينا
الست هدى :
ولستُ أنسى زوجيَ الرابعا
لا نافعًا كان، ولا شافعا
قالوا: أديب لم يروا مثله،
ولقَّبوه الكاتب البارعا
قد زيَّنوه لي، فاخترتُهُ
ما اخترتُ إلَّا عاطلًا ضائعا
رائح أكثر الزما
ن على الصحْف مغتدي
يكتب اليوم في «اللِّوا»
وغدًا في «المؤيَّدِ»
ليله أو نهاره
فارغ الجيب واليد
ويُعجبني عند المباهاة قوله:
بَنَيْتُ فلانًا، أو هدمتُ فلانا
وقد يصبح المبنيُّ أوْضع منزلًا
وقد يصبح المهدوم أرفع شانا
رحمة الله عليه!
كان لا يَحقِرُ مالا
كان إنْ أفلس لا
يسألني إلَّا ريالا
ثم تزوجتُ بيوزباشي قمر
نهى كما شاء هواه وأمر
لقد وددتُ أنه زوج العُمُر
عشنا ثلاثًا ثم افترقنا
وكان عمري عشرين عاما
طلَّقَني، فالتمستُ زوجا
مَن ذا يرى فعلتي حراما؟
زينب :
أجل، تعيشين وتدفنينا
حتى تُصيبي منهم البنينا
الست هدى :
وعشتُ عامين دون زوج
ثم تزوجتُ بالموظف
لم أنسه منذ مات يوما
ما كان أبهى! وكان أظرف!
كان خفيفًا، وكان حلوًا
ومن نسيم الربيع ألطف
ما كنتُ أدري إذا تولَّى
أجَيْبُه أم قفاه أنظف
يرحمه الله مات ما وجدوا
في جيبه غير قطعتي ذهب
وسبحة مِن خزانتي سُرقتْ
كانتْ على الرفِّ من وفاة أبي
ثم اقترنتُ بفقيهٍ
عالِمٍ في البلد
كهل أخو خمسين لكن
في نشاط الأمرد
زينب :
عرفْتُه ذاك الفقيـ
ـه الشيخ عبد الصمد
قد كان في الخطِّ وجيـ
ـها ومُقَبَّل اليد
وكل مَن مرَّ به
خاطَبَه بسيدي
الست هدى :
يرحمه الله! لقد أدَّبني
حتى عرفتُ كيف تخضع النسا
زينب :
أنت؟ … … …
الست :
… أجل، أدَّبني بيده
ورجله وبالعصا … …
زينب :
… … كيف؟ متى؟
الست :
رأى غبارًا عالقًا بجبهتي
ولم أكن أعلم من أين أتى
فقال: هذا الترب من نافذةٍ
مَن كنتِ تنظرين منها يا تُرَى؟
وهاج حتى خفتُ أن يقتلني
وشمَّر الذيل وجرَّد العصا
فقلت: يهواني، وتلك غَيْرة
يا حبذا الزوج الغَيور حبذا!
وقبله لم أرَ مَن غار ولا
مَن ظنَّ في قلبي لغيره هوى
لكنه منذ كنا
ما حل عقدة كيسه
يفضِّل الأكل من غـ
ـير ماله وفلوسه
عشتُ مع الشيخ نصف عام
وكان عمري عشرين عاما
ومات! فاختارني سواه
مَن ذا يَرى فعلتي حراما
زينب :
أجل، تعيشين وتدفنينا
حتى تُصيبي منهم البنينا
الست :
أتذكرين بعده
من جاء بيتي يخطبُ؟
زينب :
مَن ذاك؟ مَن؟ … …
الست :
… … … أنتِ التي
جئتِ به يا زينبُ!
زينب :
مهدي المقاول الثري؟
الممتلي من الذهبْ
الست :
قد ذهب الله به
أجل إلى النار ذهبْ
لم ينس أن يذكر أبعاديتي
ما للغبي ولطيني! ما له!
ولم يكن عند الطعام يستحي
يأكل مالي ويعد ماله
عشتُ اثنتين معه
لم أنتفع بفرشه
لو لم يَمُتْ لَمِتُّ من
تنفيسه وفشِّه
ظللت عامين في بلاء
وكان عمري عشرين عاما
ومات مهدي فاعتضتُ عنه
مَن ذا يرى فعلتي حراما؟
زينب :
أجل، تعيشين وتدفنينا
حتى تُصيبي منهم البنينا
الست :
ثم اقترنتُ بمحامٍ عاطل
شريب خمرٍ يحتسيها في الضحى
قلَّتْ دعاويه، وقلَّ مالُه،
وأصبح المكتب منه قد خلا
عبد المنعم (المحامي زوج الست هدى وهو سكران يصعد السُّلَّم) :
هدى! ضلال! أين أنتِ يا هدى؟
أين العجوز؟ أين جدتي هدى؟

وبعد هذا السِّجِلِّ الحافِل، الذي كان يُعتَبَر عرضُه المشكلة الأساسية أمام المؤلِّف، تنطلق أحداث الملهاة، ويجري الحوارُ فيها بهذا الشعر السَّلِس الخفيف، الذي لا يُسِفُّ إلى حدِّ الابتذال، ولا يرتفع إلى حدِّ الجفاف الذي يجرِّده من العصير الشعبي، حتى تنتهي الملهاة إلى خاتمتها المُضْحِكة، ضحكًا يُثير الأسى على نحوٍ يُخيَّل إلينا معه أنَّ هذه الملهاة تُعتَبَر مِن خير ما كتب شوقي من مسرحيات.

•••

ونختم هذا الحديث السريع عن شوقي ومسرحياته بالاعتذار إلى رُوح هذا الشاعر العظيم، وقيثارته الخالدة مردِّدين قول الناقد الفرنسي الشهير بوالو: «ما أسهلَ النقدَ! وما أشقَّ الفنَّ!»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠