نسيم من القبر

نسيم الليل كالآهات من جيكور يأتيني
فيبكيني
بما نفثته أُمِّي فيه من وجدٍ وأشواقِ
تنفس قبرها المهجور عنها، قبرها الباقي
على الأيام يهمس بي: «تراب في شراييني
ودودٌ حيثُ كان دمي، وأعراقي
هباءٌ من خيوط العنكبوت، وأدمعُ الموتى
إذا ادَّكروا خطايا في ظلام الموت … ترويني.
مضى أبدٌ وما لمحتك عيني!»
ليت لي صوتا
كنفح الصور يسمع وقعَه الموتى. هو المرَضُ
تفكك منه جسمي وانحنت ساقي
فما أمشي، ولم أهجركِ، إني أعشق الموتا
لأنك منه بعض، أنت ماضيَّ الذي يمض
إذا ما اربدَّت الآفاق في يومي فيهديني!
أما رنَّ الصدى في قبرك المُنهار، من دهليز مستشفى،
صداي أصيح من غيبوبة التخدير، أنتفضُ
على ومض المشارط حين سفَّت من دمي سفَّا
ومن لحمي؟ أما رنَّ الصدى في قبرك المنهارْ؟
وكم ناديتُ في أيام سُهدي أو لياليه:
«أيا أمي، تعالي فالمسي ساقي واشفيني.»
يئن الثلج والغربان تنعب من طوًى فيهِ،
وبين سريريَ المبتلِّ حتى القاع بالأمطارْ
قبركِ، تهدرُ الأنهارْ
وتصطخب البحار إلى القرار يخضُّها الإعصار.
أما حملت إليك الريحُ عبرَ سكينة الليلِ
بكاء حفيدتيكِ من الطوى وحفيدك الجوعانْ؟
لقد جعنا وفي صمتٍ حملنا الجوع والحرمان،
ويهتك سرنا الأطفال ينتحبون من ويلِ
أفي الوطن الذي آواك جوع؟ أيُّما أحزان
تؤرق أعين الأموات؟
لا ظُلم ولا جورُ
عيونهما زجاجٌ للنوافذ يخنقُ الألوانْ
هناك لكل ميت منزلٌ بالصمت مستورُ،
ولكنا هنا عصفت بنا الأقدارُ من ظلِّ
إلى ظلٍّ ومن شمس إلى شمس يغيب النورْ
على شرفات بيتٍ ضاحكاتٍ ثم يُشرق وهي أطلالُ
ويخفق حيث كركر أمسِ أطفالُ
صريرٌ للجنادب هامسات: «إنه المقدورْ
تصدَّعُ برج بابل منه وانهدمت صخور السور!»
أما حملت إليك الريح عبر سكينة الليلِ
بكاء حفيدتيك من الطوى بعلو من السهلِ؟
البصرة، ١٨ / ٤ / ١٩٦٣

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠