ساحرة

من وحي الحوادث الجارية

(حديقة الأسماك … المقهى أو «البوفيه» وهو خالٍ من الجمهور … والخادم أو «الجرسون» يُنظِّف الموائد وهو يترنَّم بأغنية شعبية … وإذا بآنسة في السادسة والعشرين هي «سعاد»، تُقبِل بعجلةٍ وحَذَرٍ وهي تتلفَّت خلفها.)

سعاد (للجرسون في شِبه همسٍ) : اسمع من فضلك يا …
الخادم (يلتفت إليها بأدبٍ) : أفندم!
سعاد : تسمح … أكلِّفك بخدمة بسيطة؟
الخادم : خَدَّامك!
سعاد (تفتح حقيبة يدها وتُخرج منها ورقة بخمسة قروش) : أولًا، خذ هذا لك.
الخادم (يتناول النقود) : عشتِ يا ست!
سعاد (تُخرِج من حقيبتها ورقة صغيرة مطويَّة على شيء صغير) : خذ هذا أيضًا.
الخادم : ما هذا؟
سعاد : قطعة سكر عادية.
الخادم : السكر عندنا كثير يا ست.
سعاد : مفهوم … ولكنِّي أريد منك أن تَدُسَّ هذه القطعة في السكر الذي عندكم.
الخادم (غير فاهم) : أدُسُّها في …
سعاد : في إناء السكر الذي ستُحضِره إلينا الآن مع الشاي … فهمت؟
الخادم : لا … لم أفهم!
سعاد : بعد لحظة … سيأتي هنا أفندي ويجلس معي وسنطلب الشاي … فإذا أحضرتَ إناء السكر مع الشاي، فليَكُن فيه هذه القطعة.
الخادم : فهمتُ … تريدين حضرتك أن أضع هذه القطعة في «السكَّريَّة» تعلقنا وأُحضِرها مع الطلب.
سعاد : مسألة بسيطة جدًّا.
الخادم (يتناول من يدها الورقة ويفتحها) : قطعة سكر عادية!
سعاد : طبعًا عادية!
الخادم : وما هي الحكمة؟!
سعاد : هذا موضوع يخصُّني أنا وخطيبي الأفندي الذي سيأتي هنا بعد لحظة.
الخادم : لا مؤاخذة على السؤال (يفحص قطعة السكر) … لا بد أن حضرتك معلِّمة قطعة السكر بعلامة.
سعاد : بالضرورة … المهم أنك تنفذ طلبي بكل دقة.
الخادم : وخطيب حضرتك عنده خبر؟!
سعاد : بماذا؟
الخادم : بهذا الموضوع.
سعاد : لا … طبعًا هذا سر بيني وبينك؛ لأن الحكاية حكاية مُداعَبة.
الخادم : مداعبة؟!
سعاد (تلتفت) : صه … ها هو ذا قادم … نفِّذ ما طلبتُه منك … ولا شأن لك بالباقي.
الخادم (وهو منصرف) : لا شأن لي أبدًا … الداخل بين البصلة وقشرتها …

(يذهب الخادم … ولا يلبث الأفندي الخطيب، وهو «عز الدين»، أن يظهر مسرعًا فيجد «سعاد» حائرة بين الموائد، كمن لا تدري أيها تختار.)

عز الدين (وهو ينظر إلى الساعة في معصمه) : أبطأتُ عليك يا «سعاد»؟
سعاد : لا … مطلقًا … إنك في ميعادك.
عز الدين : بالدقيقة!
سعاد : أنا أيضًا يا «عز الدين» لم أسبقك بأكثر من لحظة … إني، كما ترى، لم أجلس بعد.
عز الدين : أتريدين أن نجلس هنا من الآن؟ … أَلَا نذهب أولًا لمشاهدة السمك؟
سعاد : السمك؟ … أهذه أول مرة نأتي فيها إلى حديقة الأسماك؟!
عز الدين : ليست أول مرة … هذا صحيح … ولكن ربما جاءوا بنوع جديد من السمك.
سعاد : لم يأتوا بجديد … كل مرة نقول ذلك … ونجد السمك هو السمك لا زاد ولا نقص. اجلس يا «عز الدين» نشرب الشاي ونتكلَّم فيما هو أهمُّ.
عز الدين : نتكلم؟ … لا … نتمشَّى أولًا … هذا أحسن … نتمشَّى بين الأشجار كالعادة؛ لأن المكان هنا مكشوف … وقد يأتي مَن يشغل بعض هذه الموائد فيُعكِّر علينا صفونا.
سعاد : ولماذا لا نشرب الشاي أولًا ثم نمشي في الحديقة بعد ذلك؟
عز الدين : أمرك!
سعاد : ما قولك في هذه المائدة المفردة تحت هذه الأغصان؟ (تتجه إلى ركن في المكان.)
عز الدين (وهو يتبعها) : جنان!
سعاد (تجلس إلى المائدة) : سأموت من العطش!
عز الدين (يجلس ويصفِّق بيدَيه مناديًا) : يا جرسون!
الخادم (من الخارج صائحًا) : حاضر.
عز الدين : من فضلك!
الخادم (يظهر) : أفندم سعادة البك!
عز الدين : شاي.
الخادم (صائحًا) : اثنين شاي! (ثم يخرج.)
سعاد (تعتدل في جِلستها) : والآن … ماذا تحمل لي من أخبار سارَّة؟
عز الدين : لا شيء!
سعاد (في شيءٍ من الامتعاض) : لا شيء؟!
عز الدين : طبعًا … ألا تقرئين الصحف؟! … ما دام حزبنا بعيدًا عن الحكم فسأظل هكذا موظفًا في الدرجة الخامسة الإدارية.
سعاد (تتنهَّد) : نعم … وسأظل أنا هكذا أسمع منك هذه النغمة المملوءة بالسخط والتبرم.
عز الدين : حظ … حظ سيِّئ!
سعاد : حظك وحظي؟
عز الدين : بل حظ البلد … هذا البلد المسكين الذي لم يوفِّقه الله إلى الحزب الذي يُصلِح فاسده، ويُقيم اعوجاجه، ويقضي على المحسوبية والحزبية والفوضى.
سعاد : هذا الحزب المُصلِح هو بالطبع الحزب الذي تنتمي أنت إليه!
عز الدين : بالتأكيد.
سعاد : إني معجبة بإيمانك الأعمى به!
عز الدين : وأنت؟ … ألا تؤمنين به؟!
سعاد : إني أُومن بك أنت.
عز الدين : إيمانًا أعمى؟
سعاد (تُفكِّر قليلًا) : بل إيمانًا مُبصِرًا.
عز الدين : لا يا سعاد … لا أريد هذا الإيمان المُبصِر مع جامعية مثلك! … لأن عقلك الناضج، على الرغم منك، سيُبصِر عيوبي.
سعاد : اطمئن! … عيوبك أراها وأعرفها … وليس لها عندي أدنى تأثير.
عز الدين : عيوبي؟ … ما هي عيوبي؟
سعاد : كثيرة … أُخبِرك عنها فيما بعد.
عز الدين : متى؟
سعاد : عندما يحين الوقت … أنتَ أيضًا سوف تذكر لي عيوبي.
عز الدين : ليس لكِ عيوب.
سعاد : غير معقول!
عز الدين : ثقي أني أتكلَّم عن إيمان.
سعاد : مثل إيمانك بحزبك؟
عز الدين : إني أرى فيكِ كل شيء جميلًا … رفيعًا … مهذبًا … كريمًا … لطيفًا … رائعًا … ساميًا … رقيقًا … بديعًا!
سعاد : العفو، العفو … هذا كلام رجل غير مسئول.
عز الدين : غير مسئول؟
سعاد : غير مرتبط!
عز الدين : هذا كلام صادر عن إخلاص تام.
سعاد : آه لو استطاع هذا النوع من الإخلاص التام أن يعيش طويلًا في جو الحياة الزوجية!
عز الدين : وبغير هذا الشرط … إنه يستطيع أن يعيش جيدًا في حياة الصداقة.
سعاد (ممتعضةً) : أرأيتَ؟! … إنك تتحاشى معي دائمًا لفظ الزواج!
عز الدين : لم ألاحظ … لم أقصد!
سعاد : بل تقصد!
عز الدين : «سعاد» …!
سعاد : ليست هذه أول مرة.
عز الدين : إني …
سعاد : أنت حر.
عز الدين : ثقي يا «سعاد» أني …
سعاد : صه! … «الجرسون» قادم!

(يظهر الخادم وهو يحمل صينية عليها مُعَدَّات الشاي، ويضع فنجانَين فوق المائدة … أمام كلٍّ منهما فنجان … ويضع الأباريق وآنية السكر، ثم يُشير إليها بطرف عينه إشارةً خفيةً تفهمها «سعاد»، فتضغط على شفتها السفلى مشيرةً إليه بالصمت … ويذهب هو بعدئذٍ إلى آخر المكان، ويتشاغل بمسح الموائد قليلًا، ثم ينصرف.)

عز الدين (يمُدُّ يده نحو الإبريق) : تريدين الشاي باللبن؟
سعاد (تُسرِع إلى آنية السكر) : لا … دعني أنا أتولَّى عنك ذلك … تريد قطعة واحدة من السكر كالعادة؟
عز الدين : نعم.
سعاد (وهي تُحدِّق في السكَّريَّة وتستخرج منها قطعة بالذات) : قرِّب فنجانك! (تضع فيه قطعة السكر ثم تتناول الإبريق بسرعة وتصبُّ) شاي بدون لبن طبعًا.
عز الدين : طبعًا … أشكرك!
سعاد (وهي تملأ لنفسها فنجانها) : أما أنا فأعصابي لا تحتمل الشاي بغير قليل من اللبن.
عز الدين (وهو يُقلِّب فنجانه بالملعقة) : نعم … أعصابك يا «سعاد» في حاجة إلى الهدوء … إنك تغضبين لأقل سبب.
سعاد : متى غضبتُ؟
عز الدين : منذ لحظة.
سعاد : أهو غضب؟!
عز الدين (وهو يَجرَع فنجانه) : وما هو إذن؟
سعاد : يأس.
عز الدين (يسيغ الشاي بصعوبةٍ) : ما هذه المرارة؟
سعاد (في شيءٍ من الاضطراب) : مرارة الشاي؟
عز الدين : أيمكن أن يكون الشاي مرًّا هكذا؟!
سعاد (تتمالك نفسها) : الشاي في مثل هذه الأماكن ليس في الغالب من الصنف الجيد.
عز الدين (وهو يُواصِل الشرب) : معقول!

(سعاد تُحدِّق في وجهه.)

عز الدين (وهو يضع فنجانه وقد شربه) : لماذا تنظرين إليَّ هكذا؟
سعاد : ما هو؟ … ما هو شعورك الآن؟
عز الدين : شعوري؟
سعاد : نعم … أقصد شعورك العام.
عز الدين (باسمًا) : بخير … على كل حال، ليس هو شعور اليأس.
سعاد : لا شك عندي في ذلك … وما هو المُوجِب عندك أنت لليأس؟ … إن هذا الموقف هو وليد رغبتك أنت وإرادتك وتصميمك!
عز الدين : أي موقف؟
سعاد : أظن الإشارة تكفي.
عز الدين : أتعتقدين أني ذكي؟
سعاد : الموضوع لا يحتاج إلى ذكاء.
عز الدين : الموضوع يا «سعاد» هو أنك تنظرين إلى الأشياء بمنظار أسود.
سعاد : لا … إني لا أستخدم المنظار في النظر إلى الأشياء … إني أبصر بالعين المُجرَّدة … وأرى الأسود أسود، والأبيض أبيض … إني حقًّا يائسة … ولكني لست متشائمة … إني أرى الموقف على حقيقته، ولكني على الرغم من ذلك لم أقف مكتوفة اليدين … نعم … ثِقْ أني لست ممن يقفون أمام المصاعب مكتوفي الأيدي.
عز الدين : ماذا أنت صانعة؟
سعاد : صنعتُ وانتهى الأمر.
عز الدين : صنعتِ ماذا يا سعاد؟
سعاد : فلنترك النتائج تتكلَّم … هلمَّ بنا!
عز الدين : إلى أين؟
سعاد (ناهضةً) : إلى بيتي.
عز الدين : بهذه السرعة؟ … تعودين إلى البيت!
سعاد (وهي تتحرَّك مُطرِقةً) : أريد أن أخلو إلى نفسي!
عز الدين : انتظري … انتظري حتى أدفع … (ينادي) يا … يا جرسون!
الخادم (يظهر مهرولًا) : أفندم.
عز الدين : حسابك …
الخادم : عشرون قرشًا فقط يا سعادة البك.
عز الدين (وهو يدفع له النقود) : على شايكم المُر.
الخادم : مُر؟!
عز الدين (وهو منصرف) : حنظل!

(يذهب «عز الدين» و«سعاد» … ويبقى الخادم لينظف المائدة ويحمل الأباريق والفناجين وهو يغني أغنيته الشعبية، فيدخل عليه خادم آخر مسرعًا.)

الخادم الثاني (للخادم الأول) : يا عوضين!
الخادم الأول : «نعمين!»
الخادم الثاني : اسمح لي أقول لجنابك إنك حمار برأسين! … وإننا جميعًا بإذن الله سندخل بسببك اللومان!
الخادم الأول : اللومان؟
الخادم الثاني : الحكاية التي قلتها لي الساعة دارت في مخي، ووجدت فيها مسئولية علينا … ست تعطيك قطعة سكر مشبوهة لتضعها بعد ذلك في فنجان الأفندي … مَن أدرانا أنها ليست مسمومة؟! … إذا ظهر في الأمر جريمة، واتضح أن قطعة السكر التي سمَّت الأفندي كانت في السكَّريَّة تعلقنا … أليس نتيجة ذلك، يا «عوضين» يا حيوان، أننا جميعًا نروح في الحديد؟!
الخادم الأول : يا نهار أغبر! … كلام تمام … خصوصًا والأفندي قال إن الشاي مر حنظل! … والعمل؟ والعمل؟ … نمسك الست السمَّاوية؟
الخادم الثاني : اصبر، اصبر … خذ المسألة بالراحة!
الخادم الأول : قل لي الحل.
الخادم الثاني : الحل أننا نقول للأفندي الحكاية التي حصلت بالتمام والكمال … ونخلي مسئوليتنا.
الخادم الأول : كلام طيب. الأفندي واقف قدامنا مع الست تحت الشجرة … انتظرني.
الخادم الثاني (يستوقفه) : أستقول له في حضورها؟!
الخادم الأول : وأضع أصابعي في عينيها.
الخادم الثاني : حمار!
الخادم الأول : وآخرتها معك؟ … حيرتني!
الخادم الثاني : بالذوق … الذوق ليس أحسن منه … نادي الأفندي هنا وفهِّمه في السر.
الخادم الأول : أناديه بأي طريقة؟
الخادم الثاني : يا حفيظ! … دماغك مقفول بقفل «مصدي»! … اتركني أنا أتصرَّف!
الخادم الأول : تصرَّف يا سيدي.
الخادم الثاني (يتجه إلى آخِر المكان وينادي) : يا حضرة الأفندي … يا حضرة البك … تسمح هنا دقيقة … حصل غلط في الحساب.
الخادم الأول (وهو ينظر إلى جهة الشجرة في الخارج) : العقل زينة! الله ينور عليك يا «أبو درش»! … الأفندي سمع كلامك وجعل الست تنتظر تحت الشجرة … وأقبل جهتنا.
الخادم الثاني : مهمتي أنا انتهت … عليك أنت الباقي … قل له ما حصل بالضبط … لا زائد ولا ناقص.
الخادم الأول : وأنت؟
الخادم الثاني : موجود … أسمع لا غير.
الخادم الأول : تسمع وتسندني عند اللزوم.
الخادم الثاني : عند حصول «تلبيخ» من جنابك؟ … مفهوم!

(عز الدين يظهر.)

عز الدين (للخادم) : من الذي غلط في الحساب؟! … أنا أو أنت؟
الخادم الأول : الحساب مضبوط يا سعادة البك … الغرض كله أننا نقول لحضرتك كلمة صغيرة في السر!
عز الدين : كلمة؟ … تفضل!
الخادم الأول (يتنحنح) : المسألة بسيطة جدًّا … ولا نحب أن نُطيل عليك … الست التي كانت هنا مع حضرتك وضعت لك السم في فنجان الشاي!
عز الدين (صائحًا) : السم؟!
الخادم الثاني (يتدخَّل بسرعة) : اهدأ يا بك … زميلي غلط في الكلام … إنه يريد أن يقول إنها وضعت شيئًا في الفنجان … وهذا الشيء لا يعرف حقيقتَه أحدٌ منا … وليس من حقِّه أن يقول إنه سم أو غير سم.
عز الدين (مضطربًا) : وضعت لي السم؟!
الخادم الأول : لا يا سعادة البك … ليس هذا قصدي … الحكاية أنها وضعت لك قطعة من سكر من عندها … لا من عندنا؛ فإذا حصل لجنابك شيء فنحن غير مسئولين!
عز الدين (كالمُخاطِب نفسه) : سمَّتني؟ … «سعاد»؟!

(يرتمي على كرسي ويُمسك ببطنه.)

الخادم الثاني : لا تنزعج يا سعادة البك هكذا! … ما دمتَ لم تشعر بشيء للآن!
الخادم الأول : البك قال إنه شعر بطعم الشاي في مرارة الحنظل.
عز الدين : نعم، نعم … فهمتُ الآن، فهمتُ.
الخادم الأول : الشاي لا يمكن أن يكون في مرارة الحنظل أبدًا!
الخادم الثاني : اسكت أنت!
عز الدين : البوليس … استدعوا البوليس!
الخادم الأول : هل تشعر جنابك الآن بشيء؟
عز الدين (وهو يُمسك ببطنه) : مغص!
الخادم الأول : مغص؟!
عز الدين (صائحًا) : طبعًا … إني مسموم.
الخادم الأول (في حيرة) : والعمل؟
عز الدين (صائحًا) : طبيب … استدعوا الطبيب! … ألا يوجد بالقرب من هنا طبيب؟
الخادم الثاني : نطلب الإسعاف بالتلفون؟
عز الدين : نعم … الإسعاف.
الخادم الثاني : بسرعة يا «عوضين»! … اطلب الإسعاف بالتلفون، وبلغ نقطة «بوليس» الزمالك!
الخادم الأول : يا للكارثة! … مصيبة ونزلت علينا في الجنينة!
الخادم الثاني : من عقلك الوسخ … لو كنت قلت لي ساعة الست ما سلمتك الورقة الملفوفة، كنَّا عرفنا نتصرَّف ونمنع القدَر قبل وقوعه!
الخادم الأول : نمنع القدَر؟! … المكتوب على الجبين تراه العين ولو بعد حين.
الخادم الثاني : أهذا وقت الأمثال والمواعظ؟! … أسرِع يا «عوضين» … الأفندي وجهه أصفر كركم.
الخادم الأول (وهو يتحرَّك مسرعًا) : رقم الإسعاف كم؟
الخادم الثاني : اسأل السنترال يا أخي!
الخادم الأول (يرى سعاد مقبلة) : الست!
سعاد (تدخل مُسرِعةً) : ما هو الموضوع؟ ماذا حصل يا عز الدين؟
الخادم الأول : قطعة السكر إياها.
سعاد : أقلتَ له؟
الخادم الأول : طبعًا قلت له … الحكاية كبيرة … وفيها مسئولية علينا!
عز الدين (لسعاد) : وضعتِ لي هذه القطعة في الفنجان؟
سعاد : نعم يا عز الدين وضعتُها.
عز الدين : معترفة! … اذهبي إذن … بل ابقَي … وانتظري البوليس!
سعاد : البوليس؟
عز الدين : هذا هو تصميمك إذن؟ … أن تقتليني بالسم!
سعاد : ما هذا الذي تقول؟
عز الدين : فهمتُ الآن … الآن بعد فوات الأوان … قولك إنك لن تقفي مني مكتوفة اليدين.
سعاد : أقتلك بالسم؟! … أأنت جُنِنت؟
عز الدين (صائحًا) : أحشائي ستتمزَّق بعد قليل … اصنعوا شيئًا من فضلكم، ولا تقفوا هكذا تشاهدون!
الخادم الثاني (صائحًا) : الإسعاف يا «عوضين»!
سعاد (للخادم مستوقفةً) : انتظر! (تقترب من عز الدين كالوالهة) … «عز الدين» … «عز» … ماذا أسمع؟ … أأنت جاد؟ … أتؤلمك أحشاؤك حقًّا؟ … هذا مستحيل … ماذا تناولت؟ … ماذا شربت؟
عز الدين : لم أشرب غير الشاي الذي وضعتِ لي فيه أنت قطعة السكر!
سعاد : ما هذا الهراء؟
عز الدين : ابتعدي عني … ابتعدي … ابتعدي!
سعاد : أبتعد عنك يا عز؟! … أهذا معقول؟!
عز الدين : ماذا تريدين مني بعد ذلك؟ … روحي وانتزعتِها مني … في شربة!
سعاد (وهي تلتفت إلى المائدة) : أين الفنجان؟ … فنجانك الذي شربت منه؟!
عز الدين : لا … لا تلمسيه قبل الشروع في التحقيق.
سعاد (وهي تسرع إلى التقاط الفنجان) : أي تحقيق؟ … لا تفقد صوابك يا «عز الدين» بهذه السرعة … أليس هذا فنجانك الذي شربت منه الساعة؟
عز الدين : نعم هو بعينه … لأنه بدون لبن.
سعاد : انظر، لا تزال فيه بقية لم تشربها أنت … بقية تقرب من النصف!
عز الدين : ماذا أنت صانعة؟
سعاد : هذا … (تتجرَّع بقية الفنجان دفعة واحدة.)
عز الدين (مأخوذًا) : السم … أنت أيضًا؟
سعاد : نعم، لنموت معًا … استرحتَ الآن؟
الخادم الأول : الله! … كمثل رواية السيما يا «أبو درش» روميو وجولييت!
الخادم الثاني : هس! … اسكت أنت!
الخادم الأول : ومركزنا في الحكاية؟
الخادم الثاني (يشير إليه بإصبعه على فمه) : قلت لك: اسكت!
سعاد (لعز الدين المأخوذ) : استراح بالك يا «عز الدين»؟!
عز الدين (يُفيق) : أبدًا … نموت معًا؟ … وما ذنبي أنا أموت … ومن قال لك إني أريد أن أموت؟! … وبأيِّ حق تفعلين هذه الفعلة بدون رأيي؟ … وتنقلينني من هذا العالم بدون إذني؟!
سعاد : أليس لي الحق، لو كنتَ زوجي، أن أنقلك من شقَّة ضيقة إلى شقَّة أوسع بدون إذنك؟!
عز الدين : شقة أوسع؟
سعاد : جدًّا … جدًّا … وهل هناك أوسع من العالم الآخَر؟ … هناك على الأقل لا نحتاج إلى عقد زواج لنكون معًا طول الوقت … إلى أبد الآبدين!
عز الدين (صائحًا) : يا للمصيبة!
سعاد : بالعكس … إنها السعادة!
عز الدين (صائحًا) : يا «جرسون» … بوليس!
سعاد (صائحةً) : يا «جرسون» … قهوة!
الخادم الأول (للخادم الثاني) : رأيك … أُحضر أي طلب؟
الخادم الثاني : أَحضِر الطلب الذي فيه «بقشيش».
الخادم الأول (صائحًا) : اثنين قهوة!
عز الدين (صائحًا) : لا أريد الموت … لا أريد أن أموت … وأنتِ أيَّتها السفَّاكة، من أيِّ شيء أنتِ مصنوعة؟! ألا تخافين الموت؟! … ألا تشعرين بمغص؟! … لماذا لم تخبريني قبل ارتكاب الجريمة؟ … ثقي أني كنتُ تزوجتُك في الحال … وارتباطنا في هذه الحياة خير من الارتباط في حياة الأبد.
سعاد : حقًّا … كان ارتباطك في الحياة المؤقتة أهون لك وأخف وطأةً؛ لأن الأبد طويل … ولكن ما الحيلة معك وقد كنتَ تُراوِغ وتتهرَّب من مجرد لفظ الزواج … من لم يَرْضَ بالخوخ يَرْضَ بشرابه!
عز الدين : ليتَني رضيتُ بالخوخ وبالقطران أيضًا! … آه … لا أريد الأبدية … لا أريد أن أموت!
سعاد : حتى ولا معي؟
عز الدين : لا معك ولا بمفردي … الروح حلوة … أريد أن أعيش!
سعاد : معًا … في هذه الدنيا … هذه الشقة الصغيرة؟!
عز الدين : معًا ولو على قارعة الطريق!
سعاد : ستعيش يا عز!
عز الدين : أعيش؟! … والسم؟
سعاد : لا يوجد سم!
عز الدين : والمغص؟
سعاد : لا يوجد مغص … هو الوهم … إني واثقة أنه الوهم.
عز الدين : وقطعة السكر التي وضعتِها لي في الفنجان؟
سعاد : لا يوجد فيها أيُّ مادة ضارة.
عز الدين : وما هو الدليل؟
سعاد : لو كان فيها ما يضر لما شربتُ بقية فنجانك، مهما تَكُن النتيجة.
عز الدين : معقول!
سعاد (للخادمَين الواقفَين) : هل تريدان أن تتفرَّجا وتشاهدا فصلًا آخَر؟!
الخادمان (في ارتباك) : لا … يا ست!
سعاد : أسرِعا إذن بالقهوة … سكَّر على الريحة.

(الخادمان يخرجان.)

عز الدين (في شك) : أقسمي لي يا «سعاد» أنك لم تَسُمِّيني.
سعاد : أَسُمُّك؟! … أليس لك عقل يفكِّر؟! … بالعقل والمنطق، ما هي مصلحتي في ذلك؟
عز الدين : اليأس مني.
سعاد : اليأس منك ملأ نفسي حقًّا … ولكن هذا اليأس لا يمكن أن يدفعني إلى قتلك أنت … بل قد يدفعني إلى قتل نفسي!
عز الدين : معقول … فضلًا عن أن كل هذا لا يحل الموضوع … ولا يُقدِّم ولا يُؤخِّر.
سعاد : بالضبط.
عز الدين : كان الأمر إذن دعابة.
سعاد : نعم … لا أكثر ولا أقل … وقد أثمرت الدعابة، وحصلتُ بفضلها على وعدٍ منك صريح.
عز الدين : أيُّ وعد صريح؟
سعاد : ألم تَقُل الآن إنك تريد الارتباط بي في هذه الدنيا … هذه الشقة الصغيرة، ولو على قارعة الطريق؟!
عز الدين : أصدَّقتِ هذه الدعابة؟!
سعاد : أكانت دعابة؟!
عز الدين : طبعًا … دعابة ردًّا على دعابتك … «خالصين»!
سعاد : متشكرة جدًّا!
عز الدين : العفو!
سعاد : هكذا رجعتَ سريعًا في كلامك … وحنثتَ بوعدك … لم يَكَد يعود إليك الاطمئنان على حياتك الضيِّقة، حتى بادرتَ تطرد منها أخلَصَ الناس إليك.
عز الدين : أَعُدتِ إلى اليأس مني؟
سعاد (بعزم) : نعم … ولكن محالٌ أن أُسلِّم بالهزيمة، أو أركن إلى الفرار … إنك ملكي … وفي قبضتي … على الرغم منك.
عز الدين : على الرغم مني؟
سعاد : وعلى الرغم مني أنا أيضًا؛ فأنا كالمصيدة، وأنت كالفأر؛ فما أنا بمستطيعة أن أفتح بابي لأُطلِقك … وما أنت بمستطيع أن تخرج من تلقاء نفسك … لم تَعُد لنا إرادة الأمر!
عز الدين (كالساخر) : منذ متى؟
سعاد : منذ لحظة.
عز الدين : شيء عجيب! … ما الذي حدث منذ لحظة؟
سعاد : وسيلة فعَّالة اتخذتُها … ألم أَقُل لك إني لن أُحجِم عن اتخاذ أي وسيلة؟
عز الدين : ما هي هذه الوسيلة؟
سعاد : وَضْع تلك القطعة في فنجانك.
عز الدين : آه … عُدْنا إلى تلك القطعة الملعونة.
سعاد : لا تَخَفْ … قلتُ لك ليس فيها ما يضر … ولكن قد يكون فيها ما يُخجِل.
عز الدين : يُخجِل؟ … يُخجِل مَن؟
سعاد : يُخجِل إنسانة مثلي.
عز الدين : لستُ أفهم.
سعاد : في هذه القطعة سحر … أو على الأصح عمل، كما يقولون … نعم … فيها طلاسم وتمائم وأشياء لا أفهمها مما يُكتَب على الأحجبة، قيل إنها مُجرَّبة ومضمونة التأثير!
عز الدين : لمن هذا؟
سعاد : لك أنت بالطبع.
عز الدين : تسحرينني؟!
سعاد : أَسحَرُ إرادتكَ لتُقدِم وتتشجَّع وتتزوَّج! … هذا كلُّ ما في الأمر!
عز الدين : يا للسخافة! … أنتِ تفعلين هذا؟! … فتاة مثقفة مثلكِ … درسَتْ في الجامعة … تلجأ إلى السحر والتنجيم؟!
سعاد : احتقرتَني؟
عز الدين : تفعلين ما يفعله العامَّة والجُهَلاء؟!
سعاد : أفعل كل شيء في سبيل الحصول عليك.
عز الدين : سعاد … إني لا أستطيع أن أتصوَّر ذلك!
سعاد : ضع نفسك في محلِّي تجد هذا طبيعيًّا … إنك لي يا «عز» كل شيء! … إنك كل هدفي في الحياة … إنك تذهب إلى عملك فتفكِّر فيه وأنا كل عملي الذي أفكر فيه هو أنت … أنت أَمسِي ويومي وغدي … وأُفُقي الذي أتطلَّع إليه في كل شروق وكل غروب!
عز الدين : أنتِ؟ أنتِ يا «سعاد» تؤمنين حقًّا بهذه الخرافات؟
سعاد : أُومِنُ بكل ما يُوصِّلني إليكَ … كل إنسان يؤمن بما يُحقِّق له أمله … أنتَ يا «عز» … لماذا تؤمن بحزبك؟ أليس لأنَّه سيُوصِّلك إلى هدفك في الترقية؟
عز الدين : أَوَتُقارِنين حزبي المُصلِح بسحرك وتنجيمك؟
سعاد : إنك ترى حزبك مُصلِحًا لأنَّه سيقضي على محسوبية الآخرين حقًّا، ولكن لمصلحة محسوبيتك أنتَ! … ثِقْ يا «عز» أنَّه ليس من السهل التجرُّد من ذلك … كل شيء صالح … وكل شيء مُصلِح، وكل شيء فيه صلاح وإصلاح ما دام في مصلحتنا!
عز الدين : كلام فارغ!
سعاد : لا تخدع نفسك! … إن الله — تعالى — نفسه لا يؤمن به بعض الناس إلَّا لاعتقادهم أنه سيُحقِّق لهم أمانيهم … إن المجرم على حبل المشنقة له أمل في الله أن يغفر جريمته، ويُدخِلَه آخِر الأمر جنتَه، لولا ذلك ما هتف باسمه في آخر لحظاته … ليس على الأرض إنسان يرفض الإيمان بما فيه النفع له.
عز الدين : لا، لا تحاولي أن تُبرِّري التجاء مثلكِ إلى السحر والتنجيم!
سعاد : وما الضرر في هذا الالتجاء، إذا كان فيه فرصة للنجاح، ولو بمقدار واحد في المائة؟
عز الدين : ما هذا الخبل؟ … فرصة للنجاح! … أنت إذن مُصِرَّة على أن هذه التمائم والتعاويذ يمكن أن تؤدي إلى نتيجة؟
سعاد : وأيُّ نتيجة؟ … نتيجة باهرة يحار لها العقل … وقريبًا جدًّا … أقرب مما تظنُّ ومما كنتُ أظنُّ … الآن على الأخصِّ أدركتُ أن لها مفعولًا عجيبًا.
عز الدين : مفعولًا عجيبًا!
سعاد : نعم … بدأتُ أشعر بذلك الآن … أَنسيتَ أني شربتُ ما بقي في الفنجان؟! … هذا الباقي لم يكن بالقدر القليل … إنه يكاد يساوي القدر الذي شربتَه أنت.
عز الدين : بدأتِ تشعرين بماذا؟
سعاد : بدأتُ أشعر بنوعٍ من … من إحساس غريب … لا أدري كيف أَصِفُه … وأنتَ … ألم تشعر بعدُ بشيء؟
عز الدين : لا!
سعاد (تُحملِق فيه جيدًا) : أأنت متأكد؟
عز الدين : بماذا تريدين أن أشعر؟
سعاد : لا بد أن تكون الآن قد بدأتَ تشعر بشيء!
عز الدين : شيء مثل ماذا؟
سعاد : مثل الذي أشعر أنا به.
عز الدين : وما الذي تشعرين أنت به؟
سعاد : جفاف … أشعر بجفاف حلقي!
عز الدين (يبلع ريقه) : عجبًا! … أنا أيضًا أشعر بجفاف في حلقي!
سعاد (في لهجة الانتصار) : أرأيتَ؟
عز الدين : حقًّا … (يتنبَّه فجأةً) انتظري … أتضحكين من ذقني؟ … هذا الجفاف في الحلق لا بد أن يكون من الشاي المر الذي تجرَّعناه معًا!
سعاد (بخُبثٍ) : طبعًا … وهل قصدتُ أنا غير ذلك؟!
عز الدين : آه … ظننتُ أنك تقصدين شيئًا آخَر.
سعاد : لا … ثِقْ أني مخلصة في كل مشاعري، ولا يمكن أن أتحدَّث إليك إلا عمَّا يُخالِجني حقيقةً من ظواهر وإحساسات وأعراض.
عز الدين : هذا الجفاف علاجه سهل … (ينادي) يا جرسون!
الخادم الأول (من الخارج صائحًا) : حاضر! (ثم يظهر.)
عز الدين : كوبَين من الماء.
سعاد : والقهوة؟ … ألم نطلب قهوة؟!
الخادم الأول : قهوة؟! الطلب جد؟!
سعاد : طبعًا جد! … وهل بيننا مزاح؟!
الخادم الأول (وهو يخرج) : حاضر … حالًا … لا مؤاخذة! … حسبتُها مداعبةً بينكما داخلة في القصة.
عز الدين (وهو ينظر إلى الخادم المنصرف) : مداعبة بيننا؟
سعاد : هكذا يُخيَّل إليهم … أمَّا أنا فلم أَكُن في أي لحظةٍ من اللحظات جادةً معك مثلما أكون الساعة!
عز الدين (يُفكِّر في كلامها مليًّا) : وهل هذا من الصواب؟
سعاد : ربما كان هذا فعلًا من الخطأ أو من الجنون … ولكن الذي وقع قد وقع … ولم تَعُد لنا حيلة في رد القضاء … ومَن يدري؟ … ربما أندم يومًا على هذه الفعلة!
عز الدين : أيُّ فعلة؟
سعاد : هذا السحر الذي سيربطني بك.
عز الدين : وهل هو سيربطك بي؟
سعاد : هذا مُؤكَّد!
عز الدين : متى؟
سعاد (تنظر إلى الساعة في معصمها) : في ظرف نصف ساعة!
عز الدين : شيء عجيب!
سعاد : لا تعجب كثيرًا … هناك أسرار فوق أفهامنا … والقوى التي تؤثر في النفوس لا تُدرِكها دائمًا عقولنا … وليس ها هنا مجال شكِّي … إنما بدأت أشكُّ في مصلحتي أنا فيما أقدمتُ عليه! … هل ارتباطي بكَ أنت بالذات أمرٌ كان ينبغي أن أسعى إليه؟
عز الدين : هكذا بهذه السرعة تندمين على الارتباط بي؟!
سعاد : هذا ما يُدهِشني أنا نفسي!
عز الدين : إن للعصفور بهجةً حتى يقع في اليد … أليس كذلك؟
سعاد : نعم … الآن وأنتَ في يدي بدأ إدراكي يتسع وعيني تتفتح … وأراك على حقيقتك … من أنتَ؟ … وما قيمتك؟ … وما فائدتك لي … بدرجتك الخامسة الإدارية؟
عز الدين : والقلب يا «سعاد» … أليس له صوتٌ في كل هذا؟
سعاد : أيُّ قلب؟
عز الدين : ذلك الذي كان يقول منذ قليل إن «عز» هو كل عملك الذي تفكرين فيه … هو أَمسُكِ ويومُكِ وغدُكِ … وهو أُفُقكِ الذي تتطلَّعين إليه في كل شروق وكل غروب.
سعاد : لعلَّ صوت القلب هو الذي يستطيع أن يخفت صوت الندم.
عز الدين : صوت الندم … ما هذا الكلام الجديد؟! … أهذا يا «سعاد» حقًّا شعورك الأخير؟!
سعاد : نعم.
عز الدين : يا للعجب! … ألم نشرب معًا من فنجان الشاي؟! … لماذا لم أشعر أنا إذن بشعورك هذا؟!
سعاد : ليس لهذا الشعور دخل في الشاي الذي شربناه … إنما هو صادر عن عواقب تحقُّق الأمنية.
عز الدين : وإذا كنتِ نادمةً يا سعاد، فلماذا نُقدِم على هذا الزواج؟
سعاد : وكيف نستطيع الرجوع؟
عز الدين : أهو قد تمَّ؟
سعاد : أَوَلَا تشعر بذلك الآن؟
عز الدين : وأنتِ؟
سعاد : إني أشعر.
عز الدين : تشعرين بماذا؟
سعاد : أشعر … نعم أشعر تمامًا … هذا الآن واضح … مفعول الشاي قد سرى في نفسي، ولا سبيل إلى الإنكار … كلُّ كياني خاضع في هذه الدقيقة لقوةٍ لا أستطيع تعليلها ولا دفعها … لا بد أنك تشعر يا «عز» في هذه اللحظة … أنت أيضًا … بعين هذا الشعور.
عز الدين : أيُّ شعور؟
سعاد : عجيبة! … ألم تشعر بعد؟
عز الدين : بماذا؟ … أخبريني بماذا؟ … أرجوك!
سعاد : هذه القوة الخفية!
عز الدين : أيُّ قوة خفية؟
سعاد : مستحيل … مستحيل … إنك تُنكِر … إنك تُكابِر … أيمكن أن أحس هذا وحدي من دونك … وقد شربنا ذلك الشاي معًا؟!
عز الدين : صِفِي لي هذا الشعور، ربَّما كان عندي ولا أعلم!
سعاد : هو نوع من إحساس غامض، يستولي الساعةَ على نفسي، وكأنه يصيح بي من أعماق كياني هذه الصيحة الخافتة: «عز» و«سعاد» شيء واحد … «عز» و«سعاد» مرتبطان!
عز الدين : هذا صحيح … إني فعلًا أحس الآن أننا قريبان جدًّا أحدنا إلى الآخر.
سعاد : أرأيت؟
عز الدين : أرى هذا واضحًا في هذه اللحظة!
سعاد : لم يَعُد سبيلٌ إلى الشك في هذا الإحساس!
عز الدين : حقًّا!
سعاد : إنه شيء أقوى منا يا «عز»!
عز الدين : حقيقة … أقوى منا!
سعاد : «عز» و«سعاد» مرتبطان.
عز الدين : نعم! … «عز» و«سعاد» مرتبطان.
سعاد : آمنتَ بمفعول السحر؟
عز الدين : السحر؟ … لا تقولي هذا الكلام الفارغ … ولا تُشوِّهي جمال هذه اللحظة بهذه الدعابة التافهة … إني أشعر حقًّا أن شيئًا يربطني إليك الآن برباط قوي … ولا أحسبني سأندم على الزواج منك كما ندمتِ أنتِ منذ قليل … إني في الواقع لن أعطيك الآن غير درجتي الخامسة الإدارية … ولكن مَن يدري؟ … مَن يدري ماذا يعطينا الغد؟ … آمني بي يا «سعاد» … إني في حاجة إلى إيمانك بي … قولي إني أمسُكِ ويومُكِ وغدُكِ حتى أستطيع أنا أن أُومن بنفسي وغدي … وأرجوك … أرجوك ألَّا تندمي مرةً أخرى على هذا الإيمان بي!
سعاد : أخشى أن تندم أنتَ على كلامك هذا، بعد أن تغادرني إلى بيتك الآن.
عز الدين : لن أغادرك إلَّا إلى بيتنا.
سعاد : بيتنا؟

(الخادم الأول يدخل حاملًا صينية القهوة والماء.)

الخادم الأول : القهوة … سكر على الريحة.
عز الدين (ناهضًا) : اسمع يا جرسون … ألا يوجد بالقرب من هنا …؟
الخادم الأول (فَزِعًا) : خير إن شاء الله! (عز الدين ينتحي بالخادم ناحيةً ويهمس في أذنه بأمر) … حاضر … حالًا … تسمح دقيقة … زميلي يعرف (يتجه إلى أقصى المكان ويُنادِي) يا «أبو درش»!
الخادم الثاني (من الخارج) : نعم يا سي «عوضين»!
الخادم الأول (بصوتٍ خافتٍ ويُدارِي فمه بكفَّيه) : تعالَ بسرعة … البك الزبون إياه الموجود مع الست سألني يوجد بالقرب من هنا …
الخادم الثاني (من الخارج) : مفهوم، مفهوم … بوليس! … إسعاف؟
الخادم الأول : لا يا أخي لا، لا … المسألة كبيرة.
الخادم الثاني (يدخل بلهفة) : حانوتي؟
الخادم الأول (بصوت خافت) : مأذون!
الخادم الثاني (يبتسم بهدوء) : «كويسة!»
(ستار)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦