الفصل الثالث

نشأة البحث الاعتقادي في النبوة

«ما على جيلنا إلا أن يضطلع بمهمة جمع الكنوز التي بعثرها أسلافنا لحساب السماء.»١
هيجل

تمهيد

بدَا أن مفهوم «الأزمة»٢ يمثِّل واحدًا من أهم قِيَم التماثل بين عناصر النسق النبوي؛ إذ تنبثق النبوة — بوصفها لحظةً جزئية في نسق بنياني كلي — دائمًا، في إطار «أزمة» — بالمعنى التاريخي والميتافيزيقي — يتعذر تجاوزُها إلا بالنبوة ذاتها. وقد بدَا هذا الارتباط بين «النبوة» و«الأزمة» صميميًّا إلى حدٍّ دفع إلى القول بأن «الربَّ كان يسبِّب الأزمات التاريخية حتى يدفع بأنبيائه إلى الظهور».٣ وهو قول يجعل «الأزمة» ليست ظاهرةً غريبة وشاذة في الوجود، بل واحدة من مبررات الظهور الإلهي في التاريخ عبر النبوة. إنها تُنبئ بمرحلة يُعاد فيها بناء العالم.
وإذا كان مفهوم «الأزمة» قد برَّر ظهور النبوة، فيبدو أن ذات المفهوم، قد دفع إلى ظهور البحث العقائدي فيها عند المسلمين. إذ بدا مفهوم «الأزمة» مسيطرًا بقوة على الظروف التي أحاطَت بنشأة البحث العقائدي في النبوة، وظروف تطوُّره أيضًا. ويبدو أن ذلك يُرَد — في التحليل الأخير — إلى الظروف التي أحاطَت بنشأة علم العقائد (علم الكلام) ذاته، وكذا ظروف تطوُّره. فقد نشأ العلم أدنى إلى أن يكون تنظيرًا — في مجال العقيدة — للتناقض القائم بين قُوًى واقعية. إن بداية العلم — إذن — هي «واقع متعين»٤ يبحث في «بنية نظرية» عمَّا يتجاوز أزمته؛ ولذا كان لزامًا أن يرتبط العلم — في نشأته وتطوره — بكل أزمات هذا الواقع. ولعلَّ نظرة على المشكلات الأولى التي أثارها «العلم» تؤكد هذه البداية الواقعية؛ «فقد كان الخلاف حول قتال مانعي الزكاة (أو أهل الردة) أصلًا لما حدث بعد ذلك من الخلاف في الإيمان والإسلام وتضمنهما للعمل أو عدم تضمنهما له، وهي المسألة المعروفة كلاميًّا بالإيمان والعمل»،٥ كما كانت مسألة «القدر» — التي ارتبطت بقوة بقضية العدل الاجتماعي — «أول ما خاض فيه المسلمون وتجادلوا من مسائل الاعتقاد»،٦ وكذلك كان الخلاف حول الإمامة (أو شكل الحكم السياسي ومضمونه) هو أول ما نشأ من الخلاف بين المسلمين.٧ وهكذا لم يكن الخلاف بين فِرَق المسلمين «مجردَ اجتهاد ظني حول مسائل اعتقادية»، أو «خلافًا حول القيم الأخلاقية المستمدة من القرآن» فيما تصور البعض،٨ بل كان خلافًا يضرب بجذور عميقة في واقع ذي طابع إشكالي؛ ولهذا كانت «راية الله»، التي رفعَتها «كل الفرق المتصارعة» في آنٍ واحد، محضَ تغطية لتناقضات تحتية ضربَت بأصولها في أعماق البناء الاجتماعي».٩ وهكذا كانت «هذه الطوائف (الكلامية) التي نشأت بين العرب، ترمي — بادئ ذي بدء — إلى غرض سياسي محض رغم ظهورها بهذا المظهر الديني».١٠
يبدو — إذن — أن الطابع السياسي — لا الديني — كان هو الغالب — في البدء — على ما عداه.١١ وليس ذلك بالأمر الغريب؛ حيث «أخذت السياسة تزداد، حينئذٍ، بروزًا وتقدمًا لتشغل الاهتمام الأول في حياة العرب»،١٢ ولتصبح أيضًا، أساسَ كلِّ «نظر». ولذا كانت الفرق الإسلامية التي تبلور العلم بدءًا من رؤاها النظرية «أحزابًا سياسية تحتوي قوًى اجتماعية تشكَّلت وفقًا لطبيعة الأوضاع الاقتصادية».١٣ تُعَد «المسألة السياسية» أحدَ أهم العناصر المكوِّنة للعلم. وإذ تكون السياسة بلورة لمدى فاعلية الإنسان (حاكمًا أو محكومًا) في العالم، فإن «العلم»١٤ يكون، بذلك، قد تبلور في بدايته الأولى من السؤال عن الإنسان ومدى فاعليته في العالم. ويبدو أيضًا، أن هذه البداية «الإنسانية» قد ألقَت بظلٍّ على تفرُّع مباحث العلم وتطورها.١٥ حقًّا، إن ثمة مَن ارتأى بعد ذلك «أن جميع أطراف هذا العلم يحصرها النظر في «ذات الله» تعالى وفي صفاته سبحانه وفي أفعاله عز وجل، وفي «رسول الله» ، وما جاءنا على لسانه من تعريف الله تعالى».١٦ فبدا وكأن موضوع «العلم» مستغرق — على ما يقول المناطقة — بتمامه في دائرة «الله والرسول» فقط، أما «الإنسان» فبدا وكأنه غريبٌ عن «العلم» الذي بدأ منه ولأجله. وهكذا لاح ضربٌ من التناقض بين نقطة البدء في «العلم» وبين تطوره اللاحق؛ حيث انحرف العلم عن «جوهره الإنساني العيني» إلى «جوهرٍ متعالٍ مجرد»؛ أي إنه (العلم) بدأ من الإنسان وانتهى إلى «نسيانه».١٧ ومع ذلك، فإن انتهاء العلم إلى انحصار جميع أطرافه في النظر في «ذات الله والرسول»، لا يمكن فهمه إلا بوصفه تحولًا — تم لأسباب ما١٨ — عن موضوع النظر الأصيل؛ أعني الإنسان؛١٩ حيث لم يكن ذلك التحول غيرَ مَجْلًى «لتطور النزاع السياسي بين الأحزاب العربية إلى جهاد ديني».٢٠
تحول العلم — إذن — من نسق «أنثروبولوجي» إلى نسق «ثيولوجي»؛٢١ أو من النظر في «الإنسان» إلى النظر في «الله والرسول». والحق أن هذا التحول قد تحقَّق حين تبلورت حول الإسلام «سلطة» تحكم باسمه وتمارس أقسى ضروب القمع العقلي والسياسي.٢٢ يؤكد ذلك أن التشيع — الذي انبثقَت منه كلُّ فرق الإسلام سواء بالمعارضة أو المعاضدة — ظلَّ، مدة طويلة، عنوانًا على حركة سياسية فقط، ولم يتحول إلى «نسق لاهوتي مغلق» إلا مع الإمام السادس جعفر الصادق (٨٠–١٤٨ﻫ)، وهشام بن الحكم، وذلك بعد أن عانى التشيع من ضروب القمع السلطوي ما عجز — في صورته الأولى — عن تحمُّله.٢٣ وينطوي إدراك هذا «التحول» على دلالة خاصة فيما يتعلَّق بالنبوة، التي ارتبط النظر العقائدي فيها بالنظر في الإمامة، التي كانت واحدةً من أهم المسائل العملية الأولى التي تبلور حولها العلم. فاللافت — حسب المؤلفات التي تؤرخ للفرق٢٤ — أن أول ظهور للنبوة في حقل البحث العقائدي كان عند الشيعة. حيث ذهب «الغلاة» منهم إلى ادِّعاء النبوة والقول باستمرارها. ويبدو أنَّ ذلك كان مقدمةً ضرورية لبيان دور «الإمام» الذي انحصر — تبعًا لذلك — في إطار إبستمولوجي خالص. إذ جعلوا «صفة الإمام، صفة النبي».٢٥ وهكذا قاسوا الإمامة على النبوة، فتعلق بحث النبوة بتأسيس الإمامة. ولذلك حُقَّ القول «إن الوسط الشيعي هو الوسط الذي كان ملائمًا لينشأ فيه علم نبوة يكون مدارًا للتأمل والتطور».٢٦
من وراء ذلك يقف مفهوم «الأزمة» ملقيًا بظل. إذ يلحظ المرءُ دَور الأزمة في صياغة الأنساق الأساسية (شيعة – خوارج – معتزلة) داخل العلم، وكذا بلورة تحوُّلاته الجوهرية. فقد لاحت «الأزمة السياسية» — كما سبق أن ألمحنا — من وراء نشأة الفرق،٢٧ وكذلك فإن «التحول» في العلم من «العياني» إلى «المجرد» — الذي يُعَد التحول من «الإمامة» إلى «النبوة» أحد مظاهره — يتعذر فهمه تمامًا بعيدًا عن «الأزمات» العنيفة التي صادفَتها «الفرق» ذاتها؛ حيث دفعت بها هذه «الأزمات» إلى الاستغراق في «المجرد» بعد أن فقدت «المتعين».٢٨

(١) من «الإمامة» إلى «النبوة»

يفتقد الحديث عن «الأزمة» التي أحاطت بالتحوُّل من «الإمامة» إلى «النبوة» كثيرًا من اتساقه، دونما الحديث، قبلًا عن «الأزمة» التي دفعت إلى «تنظير» الإمامة، والتحول بها من مجرد «مسألة سياسية» إلى «أصل من أصول الدين»، لا يصح الإيمان إلا به. فإنه «لم يخفَ في هذه الأمة أن شبهاتها نشأت كلها من شبهات منافقي زمن النبي عليه السلام .. «فإن» الشبهات التي وقعت في آخر الزمان هي بعينها تلك الشبهات التي وقعت في أول الزمان».٢٩ وهكذا التاريخ ليس شيئًا أكثر من اجترار الماضي وإعادة استهلاكه.٣٠ وبالرغم من «صوفية» هذا التصور ولا تاريخيته، فإنه يعكس إدراكًا بأن «أزمات البدء» قد ساهمت في توجيه حركة التاريخ الثقافي اللاحق. ومن هنا يتجلَّى الطابع «التكويني» للإمامة بوصفها إحدى مشكلات البدء التي ساهمت في إنتاج قدر — غير قليل — من مشكلات الفكر اللاحقة؛ ومنها «النبوة» دون شك .. وهكذا يصبح الحديث عن «الإمامة»، أولًا، ضرورةً ملحَّة.
كان «أعظمُ خلاف بين الأمة خلافَ الإمامة؛ إذ ما سُلَّ سيف في الإسلام على «قاعدة دينية»، مثل ما سُلَّ على الإمامة».٣١ ومع أن ثمَّة ضربًا من «التواصل» في تاريخ الإمامة فإنه لا بد من التمييز — لضرورة منهجية — بين لحظتين في تاريخ «الإمامة»، أولاهما بعد وفاة النبي مباشرة، والأخرى بعد وفاة الإمام علي.٣٢ وهذا التمييز يستمد دلالته من أن الخلاف حول الإمامة لم يكن، منذ البدء، خلافًا حول «قاعدة دينية»، كما أشار النص الآنف؛ فقد كان الخلاف في «اللحظة الأولى» خلافًا حول «مسألة سياسية»،٣٣ ولكن تطور ليُصبح في «اللحظة الثانية» خلافًا حول «قاعدة دينية».٣٤ وهكذا هيمنت جدلية التحول مما هو «سياسي» إلى ما هو «ديني» على تطور «الإمامة».

(أ) الإمامة … مسألة سياسية

يبدو متعذرًا إمكان تصوُّر معنى مسألة خلافة النبي دون ما حدث من تنازع وشقاق. فقد مضى النبيُّ تاركًا أمرَ خلافته دون حسم.٣٥ وهكذا بات تقريرُ أمر الخلافة متروكًا للأمة، تختار وتعيِّن. ولكن الأمة — التي أدرك النبي، في مرض موته، التنازع يدب في أوصالها — لم تكن كيانًا متجانسًا على نحوٍ مثالي، بل كيانًا حيًّا — وككل حياة — مؤلَّفًا من قوى عدة تتنازعها المصالح والولاءات القديمة التي لم تجفَّ جذورها بعدُ، فإن «جذور الواقع الجديد لم تكن قد ترسخت، إلى حدٍّ يحول دون استمرارية بعض بصمات الأوضاع القديمة».٣٦ وهكذا فإن اختيار الخليفة لم يكن بيد أمة موحدة الأهواء والمصالح — ولا وجود لها إلا في ذهن البعض — بل كان أمرًا اختصت به «قوى» تصارعَت فيما بينها من أجل أن يحسم كلٌّ منها الأمر لصالحه.٣٧ ولقد كان طبيعيًّا أن يتقرَّر «أمر الخلافة» لصالح أعظم هذه القوى وأكثرها فعالية. ومن هنا صحَّ قول الطبري إن اختيار الخليفة لم يقع على أساس الشورى، بل كان مغالبة.٣٨
فبعد أن قُبض النبي اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة، وفي نيَّتهم مبايعة أحد شيوخهم خليفةً على المسلمين. وقد استندوا في ذلك إلى «سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب»،٣٩ فإنَّ النبيَّ قد «لبث في قومه بضع عشرة سنة، يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأوثان، فما آمن به من قومه إلا قليل»،٤٠ أما الأنصار فقد «خصَّهم الله بالنعمة، ورزقهم الإيمان به وبرسوله … فدانت بأسيافهم له العرب».٤١ «ولذا يناديهم شيخهم» أن: «شدوا أيديَكم بهذا الأمر، فإنكم أحقُّ الناس وأولاهم به».٤٢ ترتدُّ جدارة الأنصار بالخلافة، إذن، إلى «سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب». ويبدو أن إحساسهم بهذا التميُّز كان من الحدَّة بحيث رأى البعض في هرولتهم إلى مبايعة أحدهم بالخلافة «إظهارًا لعدم رضائهم عن سياسة النبي «نفسه» المتسامحة تجاه قرشيِّي مكة حديثي العهد بالدين (مسلمة الفتح)»،٤٣ أولئك الذين كان تدينهم شكليًّا إلى حد كبير، حيث تقبَّلوا تعاليم الإسلام «دون تمثُّل لروحها، بل ابتغاء ما يجنيه الانتماء للجماعة الجديدة من مكاسب، و«كذلك» لأن فروض الإسلام الخارجية تلائم مزاجهم التجاري إلى حدٍّ كبير».٤٤ وهكذا أقام الأنصار دعواهم بأحقية الخلافة على إحساسٍ حادٍّ بتميُّز المكانة الدينية.
في مقابل تميُّز «المكانة الدينية»، هذا، انبثق «تميُّز» قرشي مضاد، ارتكز في جزء منه أيضًا على «المكانة الدينية»، إلا أنه اعتمد بصورة أساسية على إحساسٍ حادٍّ بتفوُّق المكانة القبلية.٤٥ وبهذا اعتمدَت دعوى قريش بأحقية الخلافة على «أولوية الدين والقبيلة معًا».٤٦ وقد تجلَّى ذلك — كأوضح ما يكون — حين أكَّد أبو بكر — في اجتماع السقيفة — على وضعٍ قبليٍّ متميز بقوله: «نحن عشيرة رسول الله ، ونحن مع ذلك أوسط العرب أنسابًا، ليست قبيلة من قبائل العرب إلا ولقريش فيها ولادة.»٤٧ وذلك بعد أن كان قد أكد الوضع الديني المتميز أيضًا بقوله: «كنا معشر المهاجرين أول الناس إسلامًا، والناس لنا فيه تبع.»٤٨ والحق أن «عمر بن الخطاب» كان أكثرَ صراحةً في ردِّ أحقية قريش بالخلافة إلى أصل قبلي خالص، فإنه أسقط أيَّ اعتبار لتميُّز الوضع الديني أيضًا كما فعل أبو بكر. يقول — في تبرير أحقية قريش بالخلافة — مشيرًا للأنصار: «يريدون أن يختزلونا من أصلنا (كسادة وأصحاب سلطان بالطبع)، ويُغصبونا الأمر».٤٩ ثم أردف: «والله لا ترضى العرب أن تؤمِّركم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا ينبغي أن تُولي هذا الأمر إلا مَن كانت النبوة فيهم وأولو الأمر منهم. لنا بذلك على مَن خالفنا من العرب الحجة الظاهرة، والسلطان المبين. مَن ينازعنا سلطان محمد وميراثه، ونحن أولياؤه وعشيرته، إلا مُدلٍ بباطل أو متورط في هلكة.»٥٠ وهكذا حسمت قريش أمرَ الخلافة، اعتمادًا على أولوية دينية تارة، وأولوية قبلية تارة أخرى.
وعلى هذا ﻓ «إن قريشًا [هي التي] اختارت لنفسها فأصابت»،٥١ ولكن اللافت أن قريشًا التي اختارت، لم تكن قريش (بني هاشم) أفقر بطونها،٥٢ قبل أن يكون فرع الرسول، بل قريش (تيم وعدي وأمية) أغنى بطونها وأكثرها امتيازًا طبقيًّا واجتماعيًّا. والحق أنه بدا أن ثمة تواطؤًا٥٣ بين هذه القوى المتميزة اجتماعيًّا على الاستبداد بأمر الخلافة دون سائر المسلمين.
فقد قُبض النبي وكان علي بن أبي طالب، عندئذٍ، هو أبرز وجوه بني هاشم، ويبدو أنه كان واثقًا من خلافته للنبي، إلى حدِّ أنه رأى أن ليس لأحد أن يطلبَها غيرُه.٥٤ فقد كان يرى في نفسه، وهو الرجل الذي خبر سُنَّة الرسول خبرةً تامة، وكذلك رأى فيه فقراء الصحابة خاصة٥٥ الضمانة الأساسية لاستمرار النهج الاجتماعي الذي ساد شِبْهَ الجزيرة على يد النبي، «وأيضًا الضمانات الأساسية كي لا يعودَ ملأ قريش وأغنياؤها — الذين التحقوا بالإسلام عندما لم يجدوا طريقًا لمقاومته — للإمساك بالسلطة والسلطان تحت رايات الدين الجديد».٥٦ وهكذا فإنه حتى عمر — الذي هَمَّ بإحراق ابن أبي طالب٥٧ إبَّان تنازعهما على البيعة لأبي بكر — قد أدرك أخيرًا أنه «لو وَلِيَها الأجلح (علي بن أبي طالب) لحمل الناس على الجادة».٥٨
وبرغم ذلك كلِّه، وبالرغم من أن قريشًا قد احتجَّت على أحقيتها بالخلافة في مواجهة الأنصار بحجة تذهب بالخلافة إلى علي بن أبي طالب مباشرة،٥٩ وذلك في حال كون «الحجة» لا «القوة» هي سبيل السلطان، فإن قريشًا «قد اجتمع رؤساؤها واختاروا أبا بكر الصديق، رضي الله عنه، وكان قبل الإسلام وزيرًا في حكومتها، يتولَّى فيها منصبًا هامًّا، ومن بعده كان العهد إلى عمر بن الخطاب، وكان هو الآخر وزيرًا في حكومة قبل الإسلام، يتولَّى سفاراتها الخارجية».٦٠ وبالرغم من أنه كان أجدر بعمر — الذي أدرك أخيرًا أن عليًّا لو وُلِّي الخلافة لحمل الناس على الجادة — «أن يعهد بالخلافة لعلي كما فعل أبو بكر بالنسبة له، لكنه أوصى بعقد مجلس من كبار الصحابة وأناطه مهمة اختيار الخليفة من بعده، ومعلوم أن غالبية أعضائه كانوا من زعماء الطبقة الأرستقراطية الثيوقراطية. وبحكم مصالحهم الاقتصادية ووضعيتهم الاجتماعية ناوروا للحيلولة دون اختيار علي، وبايعوا عثمان بن عفان بالخلافة»،٦١ وهو من بطن أمية ذي السلطان العالي في حكومة قريش الجاهلية. وهكذا تواطأت «الأرستقراطية القرشية» على إقصاء ابن أبي طالب عن مقام الخلافة.٦٢ وإذ تحقَّق هذا الإقصاء بالتركيز على تميُّز المكانة الاجتماعية — التي يحدِّدها الوضع المالي والمادي عامة — للقوى المهيمنة — ولعل ذلك ما عناه أبو عبيدة حين قال لابن أبي طالب: «يا ابن عم، هؤلاء (يعني أبا بكر وعمر)٦٣ مشيخة قومك» — فإن عليًّا قد وجد نفسه بإزاء ضرب من ضروب «العصبية الاجتماعية» كشف عنها قوله يخاطب عالمًا جاء الإسلام ليقهره: «ألا إن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيكم».٦٤ وهكذا يبدو أن ما ترتَّب على اجتماع السقيفة٦٥ من استبداد «الأرستقراطية القرشية» — ذات المجد التليد — بأمرِ الخلافة، وغل يد الفقراء والمستضعفين عنها، يُعَد تحولًا بالإسلام عن قصده،٦٦ بل لعله يعني — كما قصد ابن أبي طالب — أنَّ العرب قد انتهَوا إلى وضع لا يختلف عن ذلك الذي كانوا عليه يوم بعث الله النبي، أي إنهم بتعبير صريح «قد عادوا إلى الجاهلية».٦٧
ولعلَّ أهم ما ترتب على اكتشاف هذه «الجاهلية» — التي انتهى إليها تحليل ابن أبي طالب للصراع حول الخلافة — هو ذلك الانقلاب الهائل في النظر إلى الإمامة ذاتها. فإنه إذا كان النظر لمسألة الإمامة أو الخلافة في إطار سياسي خالص قد انتهى بالعرب إلى ذلك التنازع الذي أودى بهم إلى هذه الجاهلية الأولى، فإنَّ تجاوز هذا الوضع لم يكن ممكنًا أبدًا، إلا بالنظر إلى الإمامة في إطار ديني خالص، ليتسنَّى القضاء على أيِّ تنازع تنشأ عنه «الجاهلية». فإن الإمامة والحال كذلك، تغدو أحدَ أصول الإيمان التي لا يجري عليها خلاف. والحق أن شيئًا لم يكن ليؤكِّد هذه الجاهلية — التي تحدَّث عنها ابن أبي طالب — أبلغ من موته الدامي، الذي تبدَّى عن إصرار، لا هوادة فيه، على استبداد وجوه قريش وسادتها بالخلافة دونه؛ وهو أمل المستضعفين في خلاصٍ لن يتحقق إلا عبر استمرارية نهج الرسول الذي وعد به ابن أبي طالب. ولقد أظهر هذا الإصرار — الذي بدا غريبًا٦٨ — وكأن خلافة ابن أبي طالب غير مرغوبة أو مستحبة من البشر، فانتهى أنصار الرجل ومشايعوه إلى أن «إرادة الأرض» تُعارض خلافة لم يشكوا لحظة في أنها وحدها الجديرة بتحقيق «مقاصد السماء». ولهذا انشغلوا بالبحث عن إرادة أعلى من إرادة البشر تستند إليها الإمامة مطلقًا، «فجعلوا السلطة والإمامة شأنًا من شئون السماء التي لا دخل للبشر فيها».٦٩ وكان ذلك مبتدأ التعالي بالإمامة من كونها إحدى «مسائل السياسة» إلى كونها أحد «أصول الإيمان»،٧٠ وهو ما غدا أهم سمة للفكر الشيعي إطلاقًا.

(ب) الإمامة … قاعدة دينية

انتهى أنصار الإمام المغدور إلى أنه «ليست الإمامة قضية مصلحية تُناط باختيار العامة وينتصب الإمام بنصبهم، بل هي قضية أصولية، وهي ركن الدين، لا يجوز للرسل عليهم السلام إغفاله وإهماله، ولا تفويضه إلى العامة وإرساله».٧١ وهكذا كان القول «بالنص والوصية» على شخص الإمام، هو أخطر ما ترتب على أن الإمامة شأنٌ من شئون السماء، لا اختصاص للبشر فيها. فقد بات السبيل إلى «نصب الإمامة» هو «النص والتعيين الذي حدث وتم من الله ورسوله على شخص الإمام أو على صفاته، نصًّا جليًّا أو خفيًّا — على خلاف بين فرقاء هذا المعسكر — لأن هذا الواجب ليس واجبًا على الجماعة المسلمة، وإنما هو واجب على الله. فليس للبشر سبيل واختصاص في هذا المقام».٧٢ وهكذا جوبه إقصاء «الفرد» — ابن أبي طالب — عن الإمامة، بإقصاء «المجموع» — الأمة بأسرها — عن مسألة الإمامة أيضًا.٧٣ إذ «إن الشيعة القائلين بالنصِّ قد جرَّدوا مجموع الأمة من الثقة التي تؤهلها لحمل أمانة اختيار الإمام، فوضعوا هذه الأمانة في الله وعلى الله».٧٤
ومن هنا تبدو منطقية القول بأن نظرية «النص والوصية» لم تتبلور — بحيث تغدو أحدَ أهمِّ ملامح الفكر الشيعي٧٥ — إلا بعد مقتل الإمام علي؛ إذ «لم يكن الشيعة من بداية الأمر يعتبرون مفهوم الإمامة والخلافة أمرًا مقدسًا لا يتغير؛ فقد كانوا وحسب يؤيدون حقَّ عليٍّ في الخلافة».٧٦ أي إن «هذا المذهب (مذهب النص والوصية) قد حدث قريبًا،٧٧ وإنما كان من قبل ذلك يذكر الكلام في التفضيل ومَن هو أولى بالإمامة».٧٨ وهذا يعني أن ثمة تحولًا شيعيًّا عن مجرد الاعتقاد في «أحقية» ابن أبي طالب للإمامة إلى الاعتقاد في «النص» على إمامته. والحق أن هذا التحول لا يجد تبريره إلا في أن الشيعة بعد أن تكررت ثوراتهم وانتفاضاتهم وتمرداتهم الفاشلة، وجرَّت عليهم المزيد من الاضطهاد، «عادوا إلى الذات فانكفئوا عليها، وعاشوا المأساة، وغدا الحزن وحبُّ آل البيت رباطًا عاطفيًّا ألَّف بين قلوبهم، ورصَّ لَبِنات بنيانهم … ثم تطلَّعوا إلى ربهم آملين مؤملين في الخلاص، فتمنَّوا وحلموا بسلطة إلهية عادلة تتمثَّل في إمام معصوم، عصمة الأنبياء، عالم علم الأنبياء، منزه عن نواقص البشر، لم يشترك البشر — العصاة غير المعصومين — في اختياره والبيعة له، «وإنما السماء هي التي اختارته وعيَّنَته، والله سبحانه هو الذي صنعه على عينه كي يملأ الأرض عدلًا بعد أن مُلئت بالجور والفساد».٧٩
لعلَّ أخطر ما ترتَّب على القول بالنص — من الله — على شخص الإمام، أن «الإمامة» اتَّخذت من النسق الشيعي مكانةً طالت مقام النبوة، إن لم تُجاوزه. فإذا كان «ليس للناس أن يتحكموا فيمن يعيِّنه الله هاديًا ومرشدًا لعامة البشر، كما ليس لهم حقُّ تعيينه أو ترشيحه أو انتخابه؛ لأن الشخص الذي له من نفسه القدسية استعدادًا لتحمُّل أعباء «الإمامة» العامة وهداية البشر قاطبة يجب ألَّا يُعرف إلا بتعريف الله ولا يُعيَّن إلا بتعيينه».٨٠ وهكذا «لا تكون «الإمامة» إلا بنص من الله سبحانه وتوقيف»،٨١ فتصبح بذلك كالنبوة «التي ترجع «بدَورها» إلى قول (نص) الله وتوقيفه».٨٢ ولهذا اعتقد الشيعة «أن الإمامة كالنبوة لا تكون إلا بالنص من الله تعالى على لسان رسوله أو لسان الإمام المنصوب بالنص على الإمام من بعده،٨٣ وحكمها في ذلك حكم النبوة بلا فرق».٨٤ ولهذا، ﻓ «إن دفع الإمامة كفر، كما أن دفع النبوة كفر؛ لأن الجهل بهما على حدٍّ واحد … لأن منطلق الإمامة هو منطلق النبوة، والهدف الذي لأجله وجبت النبوة هو نفس الهدف الذي من أجله تجب الإمامة. واللحظة التي انبثقت بها النبوة هي نفسها اللحظة التي انبثقت بها الإمامة … واستمرت الدعوة ذات لسانين: النبوة والإمامة، في خط واحد، وامتازت الإمامة على النبوة أنها استمرت بأداء الرسالة بعد انتهاء دور النبوة. إن النبوة لطف خاص، والإمامة لطف عام».٨٥
ومن أخطر ما ترتَّب أيضًا على القول «بالنص» — الذي بدا مظهرًا ليأس شيعي شامل من خيارات البشر — أن الإمامة لم تَعُد «منصبًا إنسانيًّا دنيويًّا»، بل «منصبًا إلهيًّا يختاره الله بسابق علمه بعباده كما يختار النبي».٨٦ وقد اقتضى ذلك ضربًا من التطور على مهام الإمام، التي اتسعت لتشمل — عند الشيعة — على كلِّ مهام النبي،٨٧ فأخرجهم ذلك إلى القول بأن الإمامة قرين النبوة».٨٨ والحق أن ثمة ضربًا من التماثل اللافت بين دور الإمام في النسق الشيعي وبين دور النبي في النسقَين الأشعري والاعتزالي. فالإمام — حسب الشيعة — «يكون في كل حال بمنزلة الرسول في أنه يبلِّغ ويعلِّم ويُرجع إليه في المشكل، ويؤخذ عنه الدين، وكما لا يجوز ألَّا يكون الرسول مع الحاجة إلى معرفة الشريعة، فكذلك لا يجوز ألَّا يكون الإمام في كل حال مع الحاجة إلى ذلك».٨٩ وهكذا فكما «أن الرسول إذا انبعث كان انبعاثه لطفًا في الأحكام العقلية، «بحيث» ينتدب العقلاء لها عند إرسال الرسول»،٩٠ فإن الإمام — طبقًا للشيعة الاثنَي عشرية — «يكون — بدوره — لطفًا في الزجر عن المقبحات العقلية».٩١ إذ «إن الأحكام الشرعية الإلهية لا تُستقى إلا من مائهم (يعني الأئمة)، ولا يصح أخْذها إلا منهم، ولا تفرغ ذمة المكلف بالرجوع إلى غيرهم، ولا يطمئن بينه وبين الله إلى أنه قد أدى ما عليه من التكاليف المفروضة إلا من طريقهم».٩٢ ومن ناحية أخرى، فإنه إذا كان من بين مهام «النبي» عند الأشاعرة أن «يبين الأغذية والأدوية وتمييزها عن السموم المؤذية والمضرة، «حيث إن» شيئًا من ذلك لا يُستدرك عقلًا»،٩٣ فإن بعض غلاة الشيعة يرون من مهام «الإمام» أن «يُعلمنا اللغات وأن يُرشدنا إلى الأغذية ويميزها عن السموم»؛٩٤ وذلك «لأن التكليف لا يتم إلا بسلامة البدن؛ فما لا تتم السلامة إلا به صار كأنه من باب الدين».٩٥ وإذا كان المعتزلة قد احتجوا على جواز بعثة الرسل بأن «العقل يدل على الشكر والعبادة الله تعالى … ولكنه لا يدل على أعيان الأفعال التي بها يُعبد، وعلى شروطها، وأوقاتها وأماكنها؛ لأنها لو دلت على ذلك، لكان ذلك كدلالتها على سائر الواجبات العقلية، التي عند وجود سببها لا تختلف أحوال المكلفين فيه. فكان يجب أن تكون هذه أحوال هذه الأفعال. وكيف يدل العقل على أن الصلاة بلا طهارة لا تكون عبادة، ومع الطهارة تكون عبادة، وحال الخضوع فيها وبها لا يتغير … وذلك يبين أنه لا مجال للعقليات «في الوقوف على أعيان الأفعال التي بها يُعبد الله ويُشكر».»٩٦ ومن هنا تجب بعثة الرسل لتبيينها؛ فقد رأى الشيعة أن هذه الواجبات، وإن كانت تُعلم صفتها وشروطها من قِبَل الرسول، فإنها تُعلم كذلك من قِبَل الإمام، فإن «نعمة الله هي الأصل، فلا بدَّ من وجوب شكره عليها؛ فإذا لم يُعلم كيف يشكره، فلا بد من مبيِّن لذلك (هو الإمام)».٩٧ فالإمام، عند الشيعة، هو «بيان؛ لأنه حجة الله تعالى على خلقه، و«لذا» لا يخلو الزمان من حجة هو نبي أو إمام؛ فإذا لم يَجُز خلو المكلفين من الأنبياء لكونهم حجة، فكذلك الأئمة».٩٨ وعلى هذا، فإن مهام الإمام الشيعي لم تَعُد «من مصالح الدنيا، «التي» ليس فيها إلا اجتلاب نفع عاجل، أو دفع ضرر عاجل، دون الثواب والعقاب»،٩٩ فقد أصبحت كبرى مهامه «أن تُعلم من قِبَله الأمور كما تُعلم من قِبَل الرسول».١٠٠
وقد اقتضى استبداد «الإمام» بمهام «النبي»؛ القول بدوام النبوة ذاتها في الأئمة، أو — بعبارة أصرح — القول بأن «الأئمة أنبياء».١٠١ فإنه إذا كان «كل الناس في الإسلام ينادون بأن دورة النبوة قد خُتمت مع خاتم النبيين، فإن ما قد خُتم فعلًا — حسب الشيعة — ليس سوى النبوة التشريعية».١٠٢ أما النبوة، بحصر المعنى «فهي علمٌ أبديٌّ يشعُّ نورُه باستمرار على الأرض، سواء ظهرت في شخص معين أو ظلَّت كامنةً عند الله؛ فالنبوة لا نهائية، أي لا خاتمة لها».١٠٣ وهكذا اندفع الغلاة في الزعم بنبوة أئمتهم،١٠٤ الذين «هم مبلِّغو العلم الذي هو إرث نبوي، وبهذا التبليغ تستمر هذه النبوة الباطنية التي هي الولاية «الإمامية» إلى يوم الحشر».١٠٥ «ومن هنا نشأت مع فكرة الإمامة المستمرة، فكرة النبوة المستمرة».١٠٦
وقد انبثقت فكرة الإمامة المستمرة — التي تفرَّع عنها القول بالنبوة المستمرة — من ضرورة «إثبات حجة قاطعة «للخلاف» في الكتاب والسنة»،١٠٧ أو «قيِّم على الكتاب (القرآن) يخلف النبي الناطق».١٠٨ إذ «إن نص القرآن وحده لا يكفي؛ لأن له معنًى مستورًا وأعماقًا باطنة وتناقضات واضحة. فهو ليس كتابًا يمكن استخراج علمه بالفلسفة المشتركة، بل لا بد من أن نُؤوِّل النص وأن نعود به إلى مستوى يكون فيه معناه حقيقيًّا. وتلك ليست مهمة الجدل الكلامي؛ لأننا لا ننشئ هذا المعنى بالقياس؛١٠٩ وإنما نحتاج في ذلك إلى رجل ملهَم ذي إرث روحي، يُمسك بالظاهر وبالباطن معًا. وهذا هو حجة الله وقيِّم الكتاب والإمام».١١٠ وقد برهن على هذا المعنى، جعفر الصادق، حين «نظر في القرآن، فإذا هو يخاصم به المرجئ والقدري والزنديق الذي لا يؤمن به، حتى يغلب الرجال بخصومته، «فعُرف» أن القرآن لا يكون حجة إلا بقيِّم، فما قال فيه من شيء كان حقًّا … «ومن هنا» فإن عليًّا كان قيِّم القرآن، وكانت طاعته مفترضة، وكان الحجة على الناس بعد رسول الله.»١١١
والحق أن الشيعة قد أدركوا — حتى قبل رؤية المرجئة والقدرية والزنادقة يخاصمون بالقرآن، فيغلبون الرجال بخصومته — أن «القرآن، إنما هو خطٌّ بين الدفتين، لا ينطق بلسان ولا بدَّ له من ترجمان، وإنما ينطق عنه الرجال …»١١٢ ولكن بماذا ينطق الرجال عن القرآن؟ … أبعلم مكنون في الصدور اكتسبَته «الصفوة» — وهم الأئمة بالطبع — إرثًا عن الأنبياء أو إلهامًا من الرب؟ أم بوعي منفتح على العالم يحاول تأسيس أيديولوجيا، تتكئ على نصٍّ ديني يراه محايدًا وحمَّال أوجه، وذلك في معارضة أيديولوجيا مسيطرة؟ … هنا، أيضًا، يلحظ المرء ذلك الضرب من التحول الشيعي الأثير من «ما هو سياسي» إلى «ما هو ديني». فالحق «أن التأويل (أو النطق عن القرآن) الشيعي لم يظهر إلا معارضة لتأويل خاص يخدم مصلحة سياسية».١١٣ فقد «جاء التأويل الشيعي معارضًا للتأويل الأموي١١٤ الذي بدأه معاوية في جداله لأبي ذر في تفسير آية كنز الذهب».١١٥ فبينما يرى معاوية أن الآية: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ١١٦ «قد نزلت في أهل الكتاب فقط، وأنه لا ضير على المسلم من أن يكنز الذهب والفضة، فإن أبا ذر يقول: «بل نزلت فينا وفيهم».»١١٧ وإذا كان معاوية من ناحية أخرى، «يستأجر المؤوِّلين ليستغل القرآن في تثبيت أمره ومقاومة عليٍّ ودعوته، فقد كان من الطبيعي أن يرد الشيعة على هذا (التأويل السياسي) بالمثل».١١٨ وهكذا انبثق التأويل (أو النطق عن القرآن) الشيعي، ذو طبيعة سياسية واجتماعية خالصة.١١٩ ولكن سرعان ما لحقه التحول الأثير من ما هو «سياسي» إلى ما هو «ديني»، أو من «الأيديولوجيا» إلى «علم الباطن».
وقد ارتبط التحول في هذا الميدان، كغيره، من مستوى «الأيديولوجيا» إلى مستوى «العلم الباطن» بتراجع الشيعة على الصعيد السياسي.١٢٠ فإذا «انسحب الأئمة من ميدان السياسة والكفاح وانزوَوا في بيوتهم في المدينة، اهتبل الغلاة هذه الفرصة في الكوفة، وتمسكوا بالتأويل وأسبغوا القدسية والإلهية على الأئمة».١٢١ وهكذا استحال الإمام من «منظِّر سياسي» إلى «إنسان مؤلِّه» «ذي إرث روحي، يمسك بالباطن وبالظاهر معًا». واستحال التأويل (أو النطق عن القرآن) بدوره، من «صياغة واعية لأيديولوجيا سياسية معارضة» إلى «حديث صعب مستصعب، لا يحتمله ملك مقرَّب ولا نبي مرسل، ولا مؤمن ممتحن»١٢٢ وهو حديث «مخصوص، لا يصلح إلا للخصوص، والخصوص قليل»١٢٣ وهؤلاء الخصوص هم الأئمة «الذين ليس لغيرهم من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين فيه حظ ولا نصيب».١٢٤
بهذا العلم الباطني المستور، «اختص الأئمة بتأويل القرآن دون غيرهم من البشر»،١٢٥ «فالتأويل مستودع عند واحد «فقط»، دونه التأويلات الزائفة. إذ إن «باب المعاني مقفل»، بعد أن «أضحى مفتاحُه بأيدي خزنة العلم الإلهي».»١٢٦ فقط، وهم الأئمة من آل البيت.١٢٧ وهكذا بات الإمام مصدرَ أيِّ علم ديني، بل ودنيوي، فهو «إمام في سائر الدين» «كما» يجب أن يكون «عالمًا بالسياسة التي أمرُه ونهيُه منوطٌ بها».١٢٨ ويصدر الإمام في علمه هذا عن «قوة الإلهام، التي تسمَّى بالقوة القدسية، والتي تبلغ عنده الكمال في أعلى درجاته. فيكون في صفاء نفسه القدسية على استعداد لتلقِّي المعلومات في كل وقت وفي كل حالة. فمتى توجَّه إلى شيء من الأشياء وأراد معرفته استطاع علمه بتلك القوة القدسية الإلهامية، بلا توقف، ولا ترتيب مقدمات، ولا تلقين معلِّم، وتنجلي في نفسه المعلومات كما تنجلي المرئيات في المرآة الصافية، لا غطش فيها ولا إبهام».١٢٩ وهذه القوة القدسية التي يرى فيها الشيعة مصدر «علم الإمام الإلهامي»، هي ذاتها مصدر «وحي النبي»؛ لأنه إذا كانت للنبي «روح القدس، فيه حمل النبوة. فإنه إذا قبض النبي انتقل روح القدس فصار إلى الإمام».١٣٠ وهكذا لم يَعُد علم الأئمة علمًا إنسانيًّا فيه أثرٌ للتحصيل أو المراجعة والتأمل في العالم، بل علم «لدني من الله يتم بالإلهام والنكت في القلب والنقر في الأُذُن والرؤيا في النوم، والملك المحدِّث، ورفع المنار، والعمود والمصباح، وعرض الأعمال».١٣١ وهكذا لا يصبح من فارق البتة بين «إلهام الإمام» وبين «وحي النبي»؛ إلا في أن الشيعة يسمون «إلهام الإمام» «تفهيمًا وتحديثًا»، بدلًا من تسميته «وحيًا»، ويرون أن الفارق بين «التحديث» وبين «الوحي» أن الإمام لا يرى الملك، وإنما هو «يسمع الصوت ولا يرى الشخص»، «ويُعطَى السكينة والوقار حتى يعلم أنه كلام الملك»؛١٣٢ أي إنه ليس من فارق جوهري بين الإمام والنبي. ومن هنا فإن «الأحكام الشرعية الإلهية لا تُستقى إلا من مائهم — أي الأئمة — ولا يصح أخذها إلا منهم».١٣٣ إذ «إن أسرار الدين متوقفة على تعليم الأئمة من نسل فاطمة الزهراء، فهم الكواكب والنجوم والمصابيح تُرسل نور المعرفة إلى قلوب أتباعهم، كما أن العين المبصرة بدون القمر والشمس والمصباح لا تحقق الفائدة المرجوة، كذلك المسلم لا بد له من أن يستمد من الأئمة أنوار العلم والمعرفة، وإلا فإن العقول١٣٤ وحدها لا تكفي».١٣٥ وهكذا بات «الإمام ضرورة معرفية (إبستمولوجية)؛ لأنه «لا مدرك للعلوم إلا بالتعليم» منه، على قول الغزالي؛ ولذا فإنه (الإمام) «مرشد ضروري وجوده في كل عصر حتى لا يبقى العالم جاهلًا».»١٣٦ وقد ارتبطت هذه الضرورة لا بحاجة إلى الإمام «معرفية» فقط، بل «دينية» في الأساس. إذ بات الإمام — كذلك — «حجة يُهتدى بها إلى الله، مَن تركه هلك، ومَن لزمه نجا».١٣٧ وقد ردَّ الشيعة هذا الاحتياج «المعرفي» و«الديني» للإمام إلى تعليم النبي نفسه؛ إذ قال: «تعلموا من عالم أهل بيتي أو ممَّن تعلَّم من عالم أهل بيتي تنجوا من النار».١٣٨ وهكذا ارتبط الإيمان الحق، والنجاة من النار، لا بتمثُّلٍ واعٍ لتعليم الدين، بل باتباع تعليم الإمام. ولهذا بدا أن «مَن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية». وتبعًا لذلك صار «الموت عن جاهلية» مصيرًا لذلك الذي مات ولم يعرف «إمام» زمانه، تمامًا كما كان مصيرًا لذلك الذي مات ولم يعرف «نبي» زمانه. فبدا وكأن ضرورة الإمام المعرفية والدينية، تهدف عند الشيعة إلى إبرازِ ضربٍ من التطابق الكامل بين النبوة والإمامة، أو التأكيد — على الأقل — على «أن لعلم النبوة متممًا ضروريًّا هو علم الإمامة.»١٣٩
وقد أفضى القولُ بالضرورة المعرفية «الإبستمولوجية» للأئمة — التي تفرَّع عنها القول بتناسخ النبوة في الأئمة — إلى القول بالضرورة الوجودية «الأنطولوجية» لهم، والتي ترتب عليها إثبات نوع من الوجود المتميز أو المفارق للإمام. ومن هنا نشأت «ميتافيزيقا الإمامة» التي نشأت «ميتافيزيقا النبوة»،١٤٠ كقطبٍ موازٍ لها فيما بعدُ. فإذا كان «الأشاعرة» قد ردوا اختصاص النبي بالنبوة إلى اصطفاء من الله، لا تدركه العقول، وردَّ «المعتزلة» هذا الاختصاص إلى «رفعة مخصوصة» تمكن منها النبي بعمله، فإن الشيعة قد اندفعوا لتبرير اختصاص أئمتهم بالنبوة المستمرة إلى تأسيس — ما يمكن تسميته — «ميتافيزيقا الإمامة»، وتعني النظر إلى الإمامة بوصفها أحدَ أهم العناصر في نسق شامل للوجود العام (الأنطولوجيا).١٤١ إذ اعتقد الشيعة أن للأئمة قدسيةً وخصوصية تبلغ حدَّ الاعتقاد «بوجود «إنسان رباني» أو «رب إنساني» دون أن تتضمن هذه المقالة فكرة التجسد.»١٤٢ ومن هنا تميَّز الأئمة بضرب من الوجود المتعالي على وجود البشر.١٤٣ إذ إن لهم وجودًا مفارقًا سابقًا، في الأزل، على وجودهم الأرضي، أشار إليه الله نفسه؛ إذ خاطب النبي: «يا محمد، إني خلقتك وعليًّا، قبل أن أخلق سمواتي وأرضي وعرشي، فلم تزل تُهللني وتُمجدني، ثم جمعت روحَيكما فحللتهما واحدة، فكانت تُمجدني وتقدسني وتهلِّلني، ثم قسمتها ثنتين، وقسمت الثنتين ثنتين، فصارت أربعًا: محمد واحد وعليٌّ واحد والحسن والحسين ثنتان، ثم خلق الله فاطمة، ابتدأها روحًا بلا بدن.»١٤٤ ولكن النبي إذ أدرك — فيما يبدو — ما في خلقه والأئمة — قبل خلق السموات والأرض والعرش — من غلو جامح، فقد قنع بالقول: «خُلقت أنا وعليٌّ من نور واحد، قبل أن يخلق الله آدم بأربعة عشر ألف عام».١٤٥ ومن هنا فإنه كما كان النبيُّ «نبيًّا وآدم بين الطين والتراب»، كان عليٌّ بدوره «وليًّا (إمامًا) وآدم بين الطين والتراب».١٤٦ ولهذا بدَا أن الإمامة، كالنبوة، وجهٌ من وجوه الحقيقة الإلهية الكامنة في الأزل تتجلَّى دوريًّا على الأرض في صورة إمام. فكما أن «سنَّة النبي قد جرَت على أن يتصور في كل زمان بصورة أكمل البشر ليُعلي شأنهم … «إذ» له من التمكين في التصور بكل صورة حتى يتجلَّى في هذه الصورة «الأخيرة».»١٤٧ فإن عليًّا — على قول النبي — قد أُرسل مع كافة الأنبياء-الصور سرًّا، وأرسل معه جهرًا.١٤٨ بل إن عليًّا قد رأى لنفسه، «التمكين في التصور بكل صورة»، تمامًا كالنبي؛ ولذا تصور نفسه «آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى، ينتقل في الصور كيف يشاء، مَن يراه فقد رآهم».١٤٩ وبهذا صار «الإمام» — تمامًا كالنبي عند الصوفية المتفلسفة — مصدرَ «وحدة دينية وكونية»١٥٠ حيث «يجمع بين النواميس المختلفة المتفرقة المتبائنة بالكشف عن حقائقها فتصير مجموعة كأنها شريعة واحدة. وكأن أممها أمة واحدة.»١٥١ فالإمام هو «نهاية الكل من الرسل»،١٥٢ وهو كذلك أيضًا و«آدم بين الطين والتراب». ولهذا يعد الإمام — عند الشيعة — كالنبي عند الصوفية،١٥٣ في مرتبة «الإنسان الكامل» الذي «هو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره، وهو واحد منذ كان الوجود إلى أبد الآبدين، ثم له تنوع في ملابس ويظهر في كنائس».١٥٤ وبهذا استحال الإمام من «معلم لا مدرك للعلوم إلا به» إلى «قطب تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره»؛ أي إن تميز الأئمة «إبستمولوجيًّا» قد تأدَّى إلى تميزهم «أنطولوجيًّا»؛ حيث ترتدُّ جدارتهم بالنبوة المستمرة إلى ضربٍ من الوجود المفارق يجعلهم «ظاهرًا من جنس البشر»، وباطنًا من جنس «الإنسان الرباني» الذي «أقرَّت له جميعُ الملائكة والروح والرسل بمثل ما أقروا به لمحمد؛ «لأنه» يحمل مثل حمولته، وهي حمولة الرب».١٥٥ وهكذا يكون النسق الشيعي قد تأدَّى من الضرورة «الإبستمولوجية» إلى الضرورة «الأنطولوجية» للإمامة التي لم تَعُد فقط مفيضةً للمعرفة على العقول، بل «فاعلة لجميع الأشياء أولًا وآخرًا».١٥٦
وقد تأدَّى الشيعة — بتأثير الضرورتين الإبستمولوجية والأنطولوجية للإمامة، فيما يبدو — إلى القول «بوجوب» الإمامة. والحق أنه ليس هناك خلاف بين فرق الإسلام حول هذه القضية. إذ «اتفق جميع أهل السنة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة».١٥٧ وهكذا «قال الناس كلهم: لا بد من إمام.»١٥٨ ولهذا لم يفارق الشيعة جمهرة الأمة بمجرد القول بوجوب الإمامة، بل فارقوها — حقًّا — في «الطريق الذي منه تجب الإمامة». إذ الوجوب قد يكون مأخوذًا من السمع أو العقل. فطبقًا لمعتزلة البصرة، وكذلك الجبائيان؛ أبو علي وأبو هاشم، وجمهور أهل السنة، «لا ينبغي أن تظن أن وجوب ذلك مأخوذ من العقل.»١٥٩ «أما الشيعة فكلهم يقولون إن طريق وجوبها هو «العقل»، ومن المعتزلة أيضًا مَن قال إن طريق وجوبها العقل — ولكن بمفهوم مختلف اختلافًا تامًّا عن مفهوم الشيعة — وهم المعتزلة، البغداديون والجاحظ من معتزلة البصرة.»١٦٠ ويتمثل الفارق الجوهري بين الشيعة والمعتزلة في إيجاب الإمامة عقلًا، في أن الشيعة يوجبونها عقلًا على «الله»، في حين يقول المعتزلة بإيجابها عقلًا على «البشر». وقد ردَّ الشيعة إيجابهم للإمامة عقلًا على الله إلى أن «نصب الإمام لطف، لأنه مُقرِّب من الطاعة ومُبعد عن المعصية، واللطف واجب على الله.»١٦١ وبدورها، كانت النبوة — عندهم — «من الألطاف الواجبة على الله.»١٦٢ وعلى هذا فإن «الهدف الذي لأصله وجبت «النبوة» هو نفس الهدف الذي من أجله تجب «الإمامة» … فكما أن النبوة لطف من الله كذلك الإمامة».١٦٣ وهكذا يتبدَّى اعتبار «الإمامة قرين النبوة» أحد أهم موجهات النسق الشيعي على الإطلاق.
ويبدو أن المعتزلة — إذ قالوا: إن النبوة واجبة بالعقل على الله تعالى لمصلحة المكلفين؛ «لأنها لطف في العقليات»١٦٤ — كانوا، دون سائر الفرق الأكثر إدراكًا لارتباط «بحث النبوة» باعتقاد الشيعة في الإمامة. وقد بلغ هذا الإدراكُ حدَّ الخوف من تصور «إلزاماتهم على الشيعة في الإمامة ترجع عليهم في النبوات.»١٦٥ وهو ما اعتذروا عنه بأن «وجوب النبوة عندهم كان مقيدًا بحسنها»،١٦٦ في حين كان وجوب الإمامة، عند الشيعة، مطلقًا. والحق أن «القاضي عبد الجبار» كان — بين المعتزلة — الأكثر إدراكًا لارتباط بحث «النبوة» باعتقاد «الإمامة»؛ إذ «استنفد شطرًا كبيرًا من محاولته «تثبيت دلائل النبوة».»١٦٧ في «تفنيد دلائل الإمامة» كما تصورها الشيعة، وذلك إضافة إلى إشارته اللافتة في بحثه للإمامة — ضمن أجزاء المغني — إلى التوتر الدائم بين النبوة والإمامة. ولعلَّ ذلك يجعل القول بأن «بحث النبوة» قد انبثق في مواجهة «اعتقاد الإمامة» قولًا ممكنًا.
بان، إذن، أن البحث الاعتقادي في النبوة قد نشأ مرتبطًا — تاريخيًّا ونظريًّا — بتبلور عقيدة الشيعة في الإمامة، التي كان الخلاف حولها أول ما نشأ من الخلاف بين المسلمين. فقد تمحور النسق الشيعي — سياسيًّا وعقائديًّا — حول الإمامة، التي تحوَّلت — بتأثير القمع السياسي — من «مسألة سياسية» إلى «عقيدة دينية». وقد ترتَّب على ذلك أن تضخَّم «دور الإمام» حتى استوعب «دور النبي»، بل «والله» عند الغلاة. ولهذا كان لزامًا١٦٨ التنظير «لاعتقاد في النبوة» موازٍ لاعتقاد الشيعة في الإمامة. ومن هنا أصبح «الوسط الشيعي هو الوسط الذي كان — دون غيره — ملائمًا لينشأ فيه (وبالأحرى في غيره، كردِّ فعلٍ على تمحوره حول الإمامة) علمُ نبوة يكون مدارًا للتأمل والتطور».١٦٩
والحق أنَّ ثمة تداعيات أخرى، انبثق في إطارها البحث الاعتقادي في النبوة، انعكست — خاصة — في الصورة التي ظهر عليها البحث في المصنفات الكلامية الأولى. فاللافت أن النبوة لم تظهر كإحدى العقائد، في أيٍّ من المصنفات الأولى الخاصة ببيان عقائد الإيمان، وكان أول ظهورها في مصنفات التأريخ للفِرَق والرد عليها.١٧٠ ولعلَّ ذلك يكشف عن حقيقة أساسية جوهرها أن مبحث النبوة عند كلٍّ من الأشاعرة والمعتزلة قد نشأ بادئ ذي بدء، مبحثًا دفاعيًّا خالصًا يهدف إلى الرد على آراء الفرق المخالفة في مسألة النبوة. وكان ذلك في نهاية القرن الثاني الهجري، فيما يبدو إذا كان الإمام الشافعي ٢٠٤ﻫ (أحد أسلاف الأشاعرة المتقدمين) أول من صنَّف في «تصحيح النبوة والرد على البراهمة».١٧١ كما كتب بشر بن المعتمر ٢١٠ﻫ — كأول معتزلي١٧٢ — في «إثبات النبوة»١٧٣ في ذات اللحظة التاريخية تقريبًا،١٧٤ واللافت أن ثمة حسًّا دفاعيًّا حادًّا يتبدَّى في عنوان المصنفين؛ فالأول يتحدث عن «تصحيح» لا بدَّ أن سبقه «اعوجاج» وراءه — دون شك — البراهمة الذين تكفَّل المصنف بالرد عليهم، وكذلك يتحدث الثاني عن «إثبات» لا بد أن ثمة «إنكارًا»١٧٥ كان سابقًا عليه. وقد ظلت النبوة هكذا؛ مبحثًا دفاعيًّا متداولًا في كتب التأريخ للفرق والرد عليها، إلى أن كان القرن الرابع الهجري، حيث انتقلت النبوة من التداول في كتب الفرق فقط، إلى الظهور، كإحدى العقائد المستقلة، في كتب العقائد، مثل «العقيدة الطحاوية» للطحاوي ٣٢١ﻫ، و«كتاب التوحيد» للماتريدي ٣٣٣ﻫ. وهكذا استغرق انتقال النبوة من «مصنفات الفرق» إلى «مصنفات العقائد» قرنًا كاملًا، اختمرت خلاله — دون شك — عوامل هذا الانتقال التي تتبلور أساسًا في اتساع نطاق «العلم» — علم الكلام — وبلوغه مزيدًا من الاكتمال والتطور.
وبالرغم من أن حجج البراهمة في إبطال النبوات — التي تقوم على مفارقة قاسية تُلزم العقل إلزامًا يتعذر تجاوزه إلا بما يجاوز العقل ذاته١٧٦ — هي التي استنهضت كافة الردود الدفاعية عند المتكلمين، فإن الأمر لم يكن ليمضيَ على هذا النحو، لو أن الحجج البرهمية قد احتفظت بوجودها في إطارها الحضاري الخاص،١٧٧ دون أن تتسرب إلى الوسط الحضاري الإسلامي. فقد بدا أن ثمة، في الوسط الإسلامي، من «أُعجب بقول البراهمة بإبطال النبوات»؛١٧٨ كابن الراوندي الملحد ٢٩٧ﻫ، والرازي «الطبيب» ٣١١ﻫ، بل وإبراهيم النظَّام المعتزلي ٢٣١ﻫ.
وبصرف النظر عن النظَّام،١٧٩ فإن موقف ابن الراوندي الملحد من النبوة يكاد أن يكون اجترارًا كاملًا لموقف البراهمة منها، حتى إنه «يُعلن في أول بحثه أنه لا يعمل شيئًا سوى أنه يردِّد أقوالًا جرَت على ألسنة البراهمة في ردِّ النبوات».١٨٠ فإنه والرازي «الطبيب» أيضًا — كالبراهمة — يكرِّسان التناقض بين العقل والنبوة بدلًا من تفكيكه ورفعه، ولكن مع فارق جوهري بينهما، يتمثَّل في أنه إذا كان ابن الراوندي — كما أعلن — «لا يعمل شيئًا سوى أن يردِّد أقوالًا جرَت على ألسنة البراهمة في ردِّ النبوات.» فإن الرازي «الطبيب» قد تقدَّم خطوة بتأسيس إنكاره للنبوة على أساس عقلي خاص،١٨١ استمده من ممارساته العلمية والتجريبية، دون أن يكون — كما كان ابن الراوندي — مجرد متابع لأقوال البراهمة. ومع ذلك، فإن منهج ابن الراوندي في النقل عن البراهمة يُعد مقدمةً ضرورية لمنهج الرازي في تمثُّل عقلانية دخيلة بقصد استيلاد عقلانية أصيلة.١٨٢
وقد أفرد ابن الراوندي كتاب «الزمردة»١٨٣ لإنكار الرسل وإبطال رسالتهم. وأول ما يبدأ به حجة البراهمة الشهيرة في «أن العقل أعظم نعم الله. وأنه هو الذي يُعرف به الرب ونِعمه، ومن أجله صح الأمر والنهي والترغيب والترهيب. فإن كان الرسول يأتي مؤكدًا لما فيه (أي العقل) من التحسين والتقبيح والإيجاب والحظر فساقط عنَّا النظر في حجته وإجابة دعوته (أي النبي)؛ إذ قد غُنينا بما في العقل عنه، والإرسال على هذا الوجه خطأ. وإن كان بخلاف ما في العقل من التحسين والتقبيح والإطلاق والحظر، فحينئذٍ يسقط عنا الإقرار بنبوته».١٨٤ وهكذا تبدو النبوة في الحالَين لا معنًى لها؛ لأنها إما أن تُقرَّ ما يُقرُّه العقل، وحينئذٍ تكون تابعةً له، ولا حجة فيها، وإما أن تُخالف ما يُقرُّه العقل، وحينئذٍ يجب رفضها.١٨٥ وإذ صاغ ابن الراوندي العلاقة بين العقل والنبوة على هذا النحو، فإنه يقرِّر أن النبوة تخالف ما يُقرُّه العقل، «فإن الرسول أتى بما كان منافرًا للعقول؛ مثل الصلاة وغسل الجنابة، ورمي الحجارة (في الحج)، والطواف حول بيت لا يسمع ولا يُبصر، والعَدْو بين حجرَين (الصفا والمروة) لا ينفعان ولا يضران، وهذا كلُّه مما لا يقتضيه عقل، فما الفرق بين الصفا والمروة، إلا كالفرق بين أبي قبيس وحرى (جبلان بمكة)، وما الطواف على البيت إلا كالطواف على غيره من البيوت».١٨٦ وهكذا لم يأتِ الرسول إلا «بما كان منافرًا للعقول»؛ ولهذا فإن القول بأن «الرسول شهد للعقل برفعته وجلاله»،١٨٧ إن دلَّ على شيء، فإنما على كذب الرسول، لأنه «إن كان صادقًا، فلِمَ أتى بما ينافره».١٨٨
ولأن النبوة تخالف ما يُقرُّه العقل، والرسول كاذب، فإن المعجزات التي يحتجُّ بها الأنبياء على النبوة غير مقبولة؛ لأن «المخاريق شتى وأن فيها ما يبعد الوصول إلى معرفته، ويدق عن المعارف لدقته».١٨٩ ومن ناحية أخرى، فإن أخبار هذه المعجزات قد تواترت إلينا عن «شرذمة قليلة يجوز عليها المواطأة في الكذب»؛١٩٠ إذ «مَن ذا الذي يسلم أن الحصى يسبِّح أو أن الذئب يتكلم؟»١٩١ كما يباشر ابن الراوندي نقدًا لمنطق المعجزة الداخلي المتهافت، خاصة حين يسخر من معجزة الملائكة الذين أنزلهم الله يوم وقعة بدر لنصرة النبي، قائلًا: «إنهم كانوا مغلولي الشوكة، قليلي البطشة، على كثرة عددهم، واجتماع أيديهم وأيدي المسلمين، فلم يقدروا على أن يقتلوا زيادة على سبعين رجلًا …» ثم يتساءل: «أين كانت الملائكة في يوم أُحُد لمَّا توارى النبي ما بين القتلى فزعًا، وما باله لم ينصروه في ذلك المقام؟!»١٩٢ ويتبدَّى المنطق المتهافت للمعجزة — طبقًا لابن الراوندي — في أنه «إذا كانت المعجزة نصرًا من الله يجيء في وقت الحاجة إليه، فإن حدوثها في الحالات الأكثر حرجًا وضيقًا أولى من حدوثها في الحالات الأقل حرجًا وضيقًا.»١٩٣
ولا يتوقف ابن الراوندي عند انتقاد هذه المعجزات المتواترة فقط، بل يتطرف في نقد المعجزة الدائمة؛ أعني القرآن. فإن كان إعجاز القرآن يتأتى من «نظمه العجيب في البلاغة والفصاحة الخارجة عن العادة»،١٩٤ فإن ابن الراوندي يرى «أنه لا يمتنع أن تكون قبيلة من العرب أفصح من القبائل كلها، وتكون عدة من تلك القبيلة أفصح من تلك القبيلة، ويكون واحد من تلك العدَّة أفصح من تلك العدَّة — وهَبْ أن فصاحته (القرآن) طالت على العرب، فما حكمه على العجم الذين لا يعرفون اللسان، وما حجته عليهم».١٩٥ أي إن فصاحة القرآن — طبقًا لابن الراوندي — ليست بمعجزة؛ لأنها ليست عملًا «خارجًا عن العادة» — يتعذر تفسيره — بل عملًا يبدو في مقدور البشر بلوغه، وحتى تجاوزه. ولذا رأى ابن الراوندي أن كلام «أكثم بن صيفي» مثلًا، أحسن من «إنا أعطيناك الكوثر».١٩٦
وإذ أدرك ابن الراوندي أن «بعض أهل الكلام «يقولون أيضًا» إن نظمه «القرآن» ليس معجزًا.»١٩٧ فإنه اضطر للعبور من هذا «النقد الخارجي» المتعلق بالصياغة الأسلوبية، إلى ضرب من «النقد الداخلي»، الأكثر جذرية، يرد نشأة النص (القرآن) إلى شعور١٩٨ الجماعة، ولا شعورها أيضًا، أو يهدف — على الأقل — إلى إبراز تحدي معنى النص للعقل، فإن النبي «لما وصف الجنة، قال: فيها أنهار من لبن لم يتغير طعمه، وهو الحليب، ولا يكاد يشتهيه إلا الجائع، وذكر العسل، ولا يطلب صرفًا، والزنجبيل، وليس من لذيذ الأشربة، والسندس يُفرش ولا يُلبس، وكذلك الإستبرق الغليظ من الديباج … ومن تخايل أنه في الجنة يلبس هذا الغلظ ويشرب الحليب والزنجبيل، صار كعروس الأكراد والنبط».١٩٩ يودُّ ابن الراوندي أن يؤكِّد — طبقًا لهذا القول — أن «وصف الجنة» مستمدٌّ بأَسْره من تجربة العيش في الصحراء، بما فيها من شظف وقسوة، وبهذا يكون النص من وضع الشعور، وليس تبليغًا أو وحيًا من الله.
ومن جهة أخرى، يؤكد ابن الراوندي أن ثمَّة في القرآن — من جهة المعنى — ما يناقض حقائق العقل، فهو يرى أنَّ اللغة نتاجٌ إنساني قديم؛ «فإن الكلام مُستملَى عن الوالدين، صاعدًا قرنًا فقرنًا إلى ما لا نهاية له، فليس للخلق أول».٢٠٠ وهذا يعني أن اللغة اصطلاحٌ وتواطؤ، وليست توقيفًا ووحيًا؛ أي أنها ليست تعليمًا من الله. وفي هذا ما يناقض تفسير الآية: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا، التي تعني أن الله هو الذي أعطى اللغة لآدم.٢٠١ وهكذا بات إعجاز القرآن — إن من حيث مبناه أو معناه — على غير وفاق العقل، وهذا ما كرَّس إبطال النبوة تكريسًا تامًّا. وبهذا النقد الأخير «للنص» بدَا ابن الراوندي مجاوزًا للإطار الصوري للنقد البرهمي، الذي استنفد قواه في إبراز مجرد التناقض الصوري بين العقل والنبوة. إذ غدا «النقد» عنده، نقدًا «للموضوعي»، وليس «للصوري».
ولكن نقد ابن الراوندي للنبوة وإبطاله لها، لم يتمخَّض — بالرغم من ذلك — عن تطوير إطار معرفي بديل، تنتفي منه مآخذه على نمط المعرفة النبوي؛ وأعني الاتِّباعية والتقليد خاصة. فالحق أنه كان — هو نفسه — متابعًا ومقلِّدًا للبراهمة في الكثير. ولهذا كان الرازي «الطبيب» ٣١١ﻫ، أكثرَ تقدمًا، حين بدَا أنه يُبطِل النبوة، بقصد إفساح الميدان لمعرفة مدارها العقل والطبيعة. فقد طوَّر الرازي نقدًا عامًّا للنبوة والدين على أسس عقلية وتاريخية وأنثروبولوجية؛ ولهذا بات قريبًا من تيار التنوير الأوروبي، الذي استند في «نقد الدين» إلى الأسس ذاتها، وازداد التقارب قوة، حين طوَّر الرازي نقدًا متقدمًا للكتب المقدسة. وهكذا، يمكن القول — حتى بصرف النظر عن الإقرار بأن نقد الرازي للدين والنبوة «كان منبعَ الاعتراضات التي وجَّهها عقليُّو أوروبا إلى الدين والنبوة في عهد فردريك الثاني»٢٠٢ — إن التقارب بين الرازي وبين تيار التنوير الأوروبي يبدو أكثرَ من لافت.٢٠٣
وقد أبطل الرازي النبوةَ انطلاقًا من قناعة كاملة بأن «الأولوية» — في أي معرفة أو أخلاق — هي للعقل الذي «أدركنا به جميعَ ما ينفعنا ويحسن ويطيب به عيشُنا ونَصِل إلى بُغيتنا ومرادنا، وبه أدركنا الأمور الغامضة البعيدة منا المستورة عنا، وبه وصلنا إلى معرفة الباري عز وجل الذي هو أعظم ما استدركنا وأنفع ما أصبنا».٢٠٤ ولعلَّ أهم ما يُظهره «النص» أن في العقل كفايةً عن كل ما سواه، وأن النبوة لا تُضيف شيئًا إلى ما يعرفه الإنسان «بالعقل». فبالعقل لم يعرف الإنسان الحياة والأخلاق والصنائع فقط، وإنما عرَف الله كذلك. وعلى هذا بات أصلُ الدين والدنيا (أو مضمون النبوة) معروفًا بالعقل، وهذا يعني أنه لا حاجة إلى النبوة. وهكذا يتأتى إبطال النبوة عند الرازي، لا من التعارض مع العقل، بل من التوافق التام بينهما.٢٠٥
ويبدو أن نظريته في المساواة بين البشر هي النتاج المنطقي للقول «بأولوية» العقل في ميدان المعرفة، لأن «العقل هو أعدل الأشياء قسمةً بين الناس جميعًا». فالبشر جميعًا يملكون نصيبًا متساويًا من الاستعداد للمعرفة، دون أن تكون هناك «طبقية معرفية» تُقسم الناس إلى إمام ومأموم أو فاضل ومفضول. ولهذا، فإنه «من أين «يجب» أن الله اختصَّ قومًا بالنبوة دون قوم، وفضَّلهم على الناس، وجعلهم أدلةً لهم، وأحوج الناس إليهم؟ ومن أين «يجوز» في حكمة الحكيم أن يختار لهم ذلك ويشلي (يعلي) بعضهم على بعض؟»٢٠٦ وهكذا يرى الرازي، أنَّ النبوة — من حيث هي اختصاص للبعض بمهام التعليم والهداية — تُقوِّض المساواة القائمة على وحدة القسمة العادلة للعقل بين البشر؛ لأنها تؤدي إلى تفضيل بعض الناس على بعض. وهذا ما يأباه العقل ولا يُقرُّه؛ إذ يؤدِّي هذا «التفضيل والاختصاص» إلى الشقاق والعداوة بين الناس؛ ولذلك فإن «الأولى بحكمة الحكيم ورحمة الرحيم أن يُلهم عبادَه أجمعين معرفةَ منافعِهم ومضارِّهم من عاجلهم وآجلهم، ولا يفضِّل بعضهم على بعض، فلا يكون بينهم تنازع ولا اختلاف فيهلكوا، وذلك أحوط لهم من أن يجعل بعضهم أئمةً لبعض، فتصدِّق كلُّ فرقة إمامَها، وتكذِّب غيره، ويضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف، ويعم البلاء ويهلكوا بالتعادي والمحاربات.»٢٠٧ وهكذا طوَّر الرازي «نقدًا أنثروبولوجيًّا» للنبوة، إذ عدَّها أساسًا لتقويض «الاجتماع الإنساني»؛ لأنها تؤدي إلى أن «يعمَّ البلاء ويهلكَ الناس بالتعادي والمحاربات»؛ حيث «تجعل بعضهم أئمة لبعض». وقد بدا أن الرازي يعارض، بذلك، أولئك الذين جعلوا النبوة أصلًا للاجتماع الإنساني؛ «لأن الإنسان إذا استقلَّ بأمر نفسه، ازدحم على ما يشتهيه … فيقع من ذلك الهرج والتنازع، ويختل أمر الاجتماع، وهذا الاختلال لا يندفع إلا بعدل يحفظه شرع يفرضه شارع يختص بآيات ظاهرة ومعجزات باهرة تدعو إلى طاعته وتحثُّ على إجابته».٢٠٨ ولعلَّ الأرجح أنَّ هذا التصور الأخير، هو الذي انبثق في معارضة تصور الرازي أصلًا. وهكذا تفترض النبوة «اختلال أمر الاجتماع الإنساني» اختلالًا لا يندفع إلا بها، في حين يبقى «العقل» مصدرًا أوحد لوحدة وسواسية البشر. وإذ كان «استواء البشر في الهمم والعقول»، هو الدَّرب الذي تأدَّى بالرازي إلى إبطال النبوة، فإنه لم يكن غريبًا أن تتطور كلُّ محاولات نقض الرازي من تصور للبشر وقد تفاوتوا في الهمم والعقول.٢٠٩
وإذ تبدَّت «النبوة» للرازي — على صعيد السوسيولوجيا — مثارًا «للتعادي والمحاربات» بين البشر، في حين بقيَ «العقل» عنده، شاهدًا على وحدة وسواسية البشر؛ فإن ذات التباين قد تبدَّى له، على صعيد الإبستمولوجيا؛ إذ يتأدَّى العقل إلى وحدة المعرفة الإنسانية، وذلك في الوقت الذي لا تحمل فيه دعاوى الأنبياء، غير التناقض وحده. فقد «زعم عيسى أنه ابن الله، وزعم موسى أنه لا ابن له، وزعم محمد أنه مخلوق كسائر الناس … وماني وزرهشت (زرادشت) خالفَا موسى وعيسى ومحمدًا في القديم، وكون العالم، وسبب الخير والشر. وماني خالف زرهشت في الكونية (النور والظلمة) وعالمهما. ومحمد زعم أن المسيح لم يُقتل، واليهود والنصارى تُنكر ذلك وتزعم أنه قُتل وصُلب».٢١٠ وهكذا فإنه ليس سوى «التناقض»٢١١ بين الأنبياء. وهذا يعني — طبقًا للرازي — إبطال النبوة؛ لأنه لما كان مصدر النبوة، وهو الله، واحد، والله لا يمكن أن يتناقض، فإن الأنبياء — إذن — هم الذين يتناقضون، وهذا يعني «أنهم لا ينطقون عن الحق، والنبوة بالتالي باطلة».٢١٢
وقد ذهب الرازي — استنادًا إلى كون «العقل» فقط، هو «الحجة»، على المستويَين الأنثروبولوجي والإبستمولوجي — إلى تفنيد الزعم «بحجية» الكتب المقدسة. وتبعًا لذلك، أبطل إعجاز القرآن، إن من حيث مبناه أو معناه؛ لأنه إن كان ثمة مَن يزعمون «أن المعجزة قائمة موجودة، وهي القرآن، ويقولون: من أنكر ذلك فليأتِ بمثله،٢١٣ «فإن الرازي يرد» إن أردتم بمثله في الوجوه التي يتفاضل بها الكلام، فعلينا أن نأتيَكم بألف مثله من كلام البلغاء والفصحاء والشعراء وما هو أطلق منه ألفاظًا وأشد اختصارًا في المعاني، وأبلغ أداء وعبارة وأشكل سجعًا، فإن لم ترضَوا بذلك، فإنَّا نطالبكم بالمثل الذي تطالبوننا به».٢١٤ وإذا كان هذا النقد يتعلق بالقرآن من حيث مبناه فقط، فإنه من حيث المعنى أيضًا «مملوء من التناقض، وهو أساطير الأولين، وهي خرافات».٢١٥ ولهذا تعجَّب الرازي من القول بأن «القرآن هو المعجزة»،٢١٦ حيث إنه «لو وجب أن يكون كتاب حجة؛ لكانت كتب أصول الهندسة والمجسطي الذي يؤدي إلى معرفة حركات الأفلاك والكواكب ونحو كتب المنطق وكتب الطبِّ الذي فيه علوم مصلحة الأبدان، أولى بالحجة ممَّا لا يفيد نفعًا ولا ضرًّا ولا يكشف مستورًا».٢١٧ وهكذا تأدَّى الرازي من «إعجاز الإلهي» إلى «إعجاز الإنساني»؛ حيث رأى أن هناك نتاجًا «إنسانيًّا» أعلى من القرآن،٢١٨ إن من حيث الشكل والمبنى، أو من حيث المضمون والمعنى.
وإذا كانت النبوة — وبالتالي الدين — تخرج بذلك كله، عن حكم العقل تمامًا؛ فإن الرازي يردُّ الانتشار الواقعي للدين بين البشر إلى سيادة اللاعقلانية في النظر والعمل. فإن «أهل الشرائع أخذوا الدين عن رؤسائهم بالتقليد، ورفعوا النظر والبحث عن الأصول … وروَوا عن رؤسائهم أخبارًا تُوجب عليهم ترك النظر ديانةً، وتوجب الكفر عمَّن خالف الأخبار التي روَوها … وإن سُئل أهل هذه الدعوى عن الدليل على صحة دعواهم، استطاروا غضبًا، وهدروا دمَ مَن يطالبهم بذلك، ونهَوا عن النظر، وحرَّضوا على قتل مخالفيهم. فمن أجل ذلك اندفن الحق أشدَّ اندفان، وانكتم أشد انكتام».٢١٩ وهكذا ساد الدين واندفن الحق (العقلي بالطبع) بين أهل الشرائع بالتقليد والإكراه، وكذلك «من طول الإلف لمذهبهم، ومر الأيام والعادة، واغترارهم بلحَى التيوس المتصدرين في المجالس، يمزقون حلوقهم بالأكاذيب والخرافات، وحدثنا فلان عن فلان بالزور والبهتان، وبرواياتهم الأخبار المتناقضة».٢٢٠ إن سيادة الدين، إذن، ترتبط بسيادة «اللاعقلانية» في النظر والعمل. وهكذا بدا وكأن الرازي — الذي «ينزع نزعة فكرية حرَّة من كل آثار التقليد أو العدوى، ويؤكد حقوق الفعل وسلطانه الذي لا يحدُّه شيء، وينحو منحًى تنويريًّا شبيهًا كلَّ الشبه بحركة التنوير عند السوفسطائيِّين اليونانيِّين، وخصوصًا بحركة التنوير في العصر الحديث في القرن الثامن عشر»٢٢١ — يضع العلاقة بين العقل والنبوة في إطار من التناقض التام. فانتهى إلى التضحية «بالنبوي» لأجل «العقلي».

وقد كان ضروريًّا أن تنبثق في مواجهةِ ذلك كلِّه، ردودُ المتكلمين ودفاعاتهم، ولكن مع القشور — في الأغلب — دون اللباب. فالحق أن تيار إبطال النبوة عند ابن الراوندي والرازي وغيرهما، كان يبدو على أنه الرد النظري الممكن على اغتراب الإنسان — السياسي والاجتماعي — وضياعه في العالم. وكعادتهم، اكتفى المتكلمون بالرد النظري على دعوى «إبطال النبوة»، دون الاقتراب من نقد الظروف القاسية التي تؤدي إلى ضياع الإنسان واغترابه. ولعلَّه كان مؤسفًا، حقًّا، أن يتأدَّى الردُّ الكلامي — خاصة الأشعري — إلى تكريس مزيد من الشروط التي يبدو الإنسان في ظلِّها كيانًا غريبًا بلا حول ولا قوة.

١  نقلًا عن: محمود رجب، الاغتراب، ص١٢٤.
٢  انظر الفصل السابق.
٣  انظر الفصل السابق.
٤  ولو أن البداية كذلك، إلا أن العلم قد تمكَّن — في مرحلة لاحقة — من بلورة آليات منهجية خاصة، وتطور بها في استقلال نسبي عن الواقع، وتلك طبيعةُ كلِّ علم ولا شك.
٥  مصطفى عبد الرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، مطبعة لجنة التأليف والترجمة، القاهرة، ١٩٦٦م، ط٣، ص٢٨٤.
٦  المصدر السابق، ص٢٨٦.
٧  الأشعري، مقالات الإسلاميين، ج١، النهضة المصرية، القاهرة ١٩٥٠م، ط١، ص٣٩.
٨  محمود إسماعيل، سوسيولوجيا الفكر الإسلامي، ج١٠، دار الثقافة الجديدة، القاهرة، بدون تاريخ، ص١٦٩.
٩  المصدر السابق، ص١٧٠.
١٠  فان فلوتن، السيادة العربية والشيعة والإسرائيليات، ترجمة حسين إبراهيم حسن، محمد زكي إبراهيم، القاهرة، ١٩٦٥م، ط٢، ص٦٩.
١١  كان ذلك — ولا شك — يمثِّل إحدى ضرورات مرحلة تاريخية، انطوَت على حركة انتقال من «مشروع تاريخي» اعتمد «حياة القبيلة» بوصفها الشكلَ الأمثل لوجود الإنسان المدني، إلى «مشروع تاريخي» آخر، تبلور حول فكرة «الدولة السياسية» التي يتَّسع فيها وعيُ الإنسان وولاؤه ليشمل كيانات أخرى غير كيانه الطبيعي (قبيلته). بعبارة أخرى: تُمثل هذه المرحلة انتقالًا من «طور الوجود الطبيعي» إلى «طور الوجود السياسي الأشمل».
١٢  أدونيس، الثابت والمتحول، دار العودة، بيروت، ١٩٧٤م، ص١٧٦.
١٣  محمود إسماعيل، سوسيولوجيا الفكر الإسلامي، ص١٦٧، نقلًا عن: كلود كاهن، تاريخ العرب والشعوب الإسلامية، ص١٠.
١٤  نعني بلفظة العلم هنا، وفيما يلي ذلك، علم العقائد أو الكلام.
١٥  سبقت الإشارة لبعض الإشكالات التي استمد منها «العلم» بدايته، وقد تجلَّى طابعها الإنساني الصريح. ويبدو أن ذات الطابع الإنساني يمكن أن يتجلى عبر تحليل «أيديولوجي» لبعض مسائل العلم الدقيقة — التي تتجاوز مرحلة البدء — كمبحث «الذات والصفات»، وبعض مباحث المعرفة والوجود، كشيئية المعدوم عند المعتزلة مثلًا … إلخ. ولكن ذلك يتجاوز ما نحن فيه.
١٦  الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد، مكتبة الحلبي، القاهرة، بدون تاريخ، الطبعة الأخيرة، ص٤.
١٧  شاع لفظ «النسيان» في حقل الفلسفة المعاصرة، بعد أن استخدمه هيدجر لتشخيص أزمة الميتافيزيقيا الغربية. ويبدو أن كون الأزمة قائمة في «النسيان»، يجعل تجاوزها قائمًا في «التذكر»، وإن كان لا بدَّ من فهم «التذكر» في حدود تاريخية خالصة، دون أيِّ إحالات ميتافيزيقية، كالحال عند أفلاطون؛ حيث يعني «التذكر» هنا، استرجاعًا واعيًا للحظة متقدمة في بناء «العلم» بعد انقطاعه عنها تراجعًا في خطِّ تطوره. وهكذا رأى هيدجر أن تجاوز أزمة المتيافيزيقيا الغربية، التي تتمثل فيما أسماه «نسيان الوجود» والاقتصار على التفكير في الموجود الحاضر، يكمن في إعادة بنائها بالبحث في معنى الوجود بوصفه عملية (لا تحجب) ينكشف خلالها الموجود. ودعا هيدجر إلى تبيُّن عناصر هذا التجاوز عند فلاسفة ما قبل أفلاطون خاصة؛ حيث لم يكن الانفصال بين المحسوس والمعقول قد ترسَّخ في تاريخ الفلسفة؛ إذ كانت حيوية وجدلية العلاقة بينهما تنفي استبعاد واحد منهما لحساب الآخر. ويبدو — تبعًا لذلك — أن أزمة علم الكلام تتمثَّل في «نسيان الإنسان» والتفكير في المجرد. ويبدو أيضًا أن تجاوز أزمة هذا العلم يرتبط بالتعرف على مرحلة من «العلم» لم يكن فيها النظر في «الله والرسول» فقط قد استغرق جميع أطراف العلم، بل كان بين كلٍّ من «الله» و«الإنسان» ما يسمح بالحديث عن علاقة صميمية بينهما، لا تستبعد طرفًا لحساب آخر.
١٨  يمكن النظر إلى هذا التحول بوصفه ضربًا من ضروب «الاغتراب» الذي هو «تضحية بالعياني في سبيل المجرد»، وذلك ما ينشأ «حين يعيش الإنسان في وضع تاريخي بالغ البؤس والشقاء ويتميز أساسًا بفقدان الحرية السياسية». والحق أن في ظروف هذا التحول ما يقترب به من هذا التفسير. انظر: حسن حنفي، الاغتراب الديني عند فيورباخ، مجلة عالم الفكر، مجلد ١٠، عدد ١، الكويت، ١٩٧٩م، ص٤٧٠؛ وأيضًا: محمود رجب، الاغتراب، الإسكندرية، ١٩٧٨م، ص١٣٤.
١٩  لعل إدراك ذلك يُعَد من أكثر الأمور جوهرية لكل محاولات التجديد والنهضة، التي لن تلقَى غير الإخفاق، إذا ما تجاهلت «الإنسان» بوصفه أصلًا للعالم ونقطة البدء فيه، وبذلك تكون نقطة البدء في «العلم» — وهي أقدم نقاطه — هي ذاتها نقطة البدء في التجديد، وتلك هي مفارقة التجديد الذي يتحقَّق بالغوص في أعماق القديم (لا بقصد الحفاظ عليه — على طريقة السلف — بل بقصد تفجيره من الداخل لبيان حدوده وإثراء مضمونه). ليس التجديد، إذن، قفزة فوق التاريخ أو تجميدًا له، كما أنه ليس محاولة للجمع عن طريق التجاور بين عالَمَين لن يلتقيا إلا من خلال القسر والانتقاء، إنما التجديد محاولة لإعادة بناءِ وعيِ الأمة عبر تخليقه هُوية جديدة لها من تفاعل عناصر تنتمي إلى «القديم والجديد» ولا يستبعد عنصر منها الآخر.
٢٠  فان فلوتن، السيادة العربية والشيعة والإسرائيليات، سبق ذكره، ص٧٣.
٢١  بدأ العلم، تبعًا لذلك، «سائرًا على قدمَيه» ثم تحوَّل إلى «السير مقلوبًا على رأسه»؛ إذ إن ثمة ضربًا من «الانقطاع الأبستمولوجي» بين لحظتين في العلم، يقتضي تجاوزُه «انقطاعًا آخر» يعود بالعلم إلى وضعه الطبيعي. ولعلَّ هذا التحوُّل يُظهر جوهر أزمة العلم التاريخية والنظرية، التي يقتضي تجاوزُها فحصًا نقديًّا يتخطى «الفهم التراثي للعلم»، إلى استكشاف بنيته أو أبنيته المحورية القادرة على استيعاب جميع ظواهره وتحولاته، ثم رصد «تكوين» هذه الأبنية وربطها بمجالها التاريخي بكل أبعاده الثقافية والسياسية والاجتماعية.
٢٢  يبدو أنَّ هذا «التحول» عامٌّ؛ فقد قدم هيجل تحليلًا، يتعلق بالديانة المسيحية، لظاهرة التحول هذه، وذلك في كتابه «وضعية الديانة المسيحية»، وفيه ردَّ هيجل تحوُّلَ المسيحية من دين لا مجال فيه لاغتراب الإنسان عن ذاته، إلى مذهب كهنوتي جامد، إلى تحول المسيحية إلى «سلطة» تحقق أهدافها عن طريقِ خنقِ كلِّ حرية للإرادة والعقل. انظر: محمود رجب، الاغتراب، سبق ذكره، ص١٢٧–١٣٣؛ وانظر أيضًا: زكريا إبراهيم، هيجل، سبق ذكره، ٤٤-٤٥.
٢٣  انظر: محمد عمارة، تيارات الفكر الإسلامي، دار الهلال، ١٩٨٢م، ص٣١٧-٣١٨.
٢٤  انظر مثلًا: التنبيه والرد للملطي، التبصير في الدين للإسفرائيني، مقالات الإسلاميين للأشعري، والملل والنحل للشهرستاني.
٢٥  القاضي عبد الجبار، المغني، ج٢٠، ق١، «في الإمامة»، القاهرة، بدون تاريخ، ص١٢.
٢٦  هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، الترجمة العربية، بيروت، ١٩٦٦م، ص٨٦.
٢٧  يبدو أنَّ في مجرد «تسميات» الفرق الأولى دلالةً قاطعة على تبلورها في «الأزمة». فقد نشأت الشيعة من «التشيع» لآل البيت ضد إقصائهم المتعمد — وخاصة الإمام علي — عن الحكم. وكذلك نشأت الخوارج من «الخروج» على الإمام علي إبَّان «أزمة» التحكيم المشهورة. أما المعتزلة، فثمة ضربٌ من «الاعتزال السياسي» المبكِّر، قيل في تفسيره: إن فريقًا من المسلمين آثروا السلامة، فلزموا الديار، و«اعتزلوا» الناس إبَّان الأزمة بين الإمام علي ومعاوية، أما «الاعتزال النظري» فيرجع إلى الفريق الذي «اعتزل» المسلمين بموقفه المتميز من «مرتكب الكبيرة»؛ تلك «الأزمة» التي تفجَّرت في الوسط الإسلامي إبان «حرب الجمل» بين عائشة وصاحبَيها وبين الإمام علي، والتي نشأ عنها أيضًا «الإرجاء» الذي «يُرجئ» الحكم في صاحب الكبيرة إلى يوم الحساب. وهكذا انتسبت الفرق الأولى — بحسب اشتقاق تسمياتها — إلى «مواقف وأحداث» ولم تنتسب إلى «أشخاص» كالحال في الأشعرية والماتريدية. وبذلك يمكن وصفُ الفرق الأولى بأنها «فرق الأزمة» حقًّا.
٢٨  الحق أن التحول في العلم من «العياني» إلى «المجرد» قد ارتبط بأزمات الفرق، فاللافت أنَّ الفرق الأولى عامة قد تبلورت بوصفها أحزابًا للمعارضة السياسية. وقد كانت هذه المعارضة — في البدء — معارضة «عملية»، تمثَّلت في عديد من الثورات، أضرمها كلٌّ من الشيعة والخوارج والمعتزلة ضد السلطة القائمة. وإذ جُوبهت هذه الثورات بالقمع والإبادة العنيفة؛ فقد اضطرَّت هذه الفرق إلى تبنِّي ميكانيزمات دفاعية ملائمة، تجلَّت في الانكفاء على الذات والتحول بالمعارضة من ميدان «الفعل» إلى ميدان «القول»، واكتفَت بصياغة عقائد مضادة للعقائد التي تُروج لها السلطة (وإن كان التاريخ يحدِّثنا عن لحظات اضطرت فيها السلطة إلى تبنِّي بعض هذه العقائد المضادة، أو اضطرت الفرق إلى التراجع). المهم أن التناقض، الذي كان «متعينًا» حلَّق في سماء «المجرد»، وبتقادم العهد ضاع «المتعين» وبقي «المجرد».
٢٩  الشهرستاني، الملل والنحل، مؤسسة الحلبي للنشر والتوزيع، القاهرة، ١٩٦٨م، ج١٠، ص١٩.
٣٠  يُجلي هذا التصور أهم العقبات التي تحول دون تبلور «وَعْينا التاريخي»؛ فمشكلات «الحاضر» هي ذاتها مشكلات «الماضي»، وهذا يعني أن حلول «الحاضر» لا بد، بدورها، أن تكون حلول «الماضي». وكذلك فإن أعداء «اليوم» هم أعداء «الأمس»، وتبعًا لذلك فإن انتصارات «اليوم» هي بدورها انتصارات «الأمس». فالوعي المعاصر — رغم ادعائه العلمية — يرى التاريخ تكرارًا مملًّا، وليس تراكمًا للخبرة يُحدث التقدم.
٣١  الشهرستاني، الملل والنحل، سبق ذكره، ص٢٢.
٣٢  تمثِّل «اللحظة الأولى» — طبقًا للشهرستاني — خامس خلافات الأمة في حين تمثِّل «اللحظة الثانية»، الخلاف العاشر في سلسلة من الخلافات المرتبة طبقًا لتاريخ حدوثها، والتي تتصاعد ليتبلور منها تاريخ الإسلام الثقافي بأسره. انظر: الشهرستاني، الملل والنحل، سبق ذكره، ج ١، ص١٩–٣١.
٣٣  «فلم يزعم الذين اختلفوا على خلافة أبي بكر الصديق ٥١ق.ﻫ.–١٣ﻫ ولا الذين اصطرعوا حول تصرفات عثمان بن عفان (٤٧ق.ﻫ.–٣٥ﻫ)، أن واحدًا من فرقاء هذا الصراع والخلاف قد مرق عن الدين، أو أن الإسلام، كدين، قد أصبح وقفًا على موقف فريق دون فريق … إذ كان خلافًا سياسيًّا أو اجتماعيًّا تسهم في تغذيته عواملُ قبلية أو إقليمية، ويقوم بين أبناء الدين الواحد، دون أن يزعم طرفٌ من أطرافه أنه له صبغة من الدين.» انظر: محمد عمارة، تيارات الفكر الإسلامي، سبق ذكره، ص١٢.
٣٤  فقد كان الخلاف حول إمامة «علي» نقطةَ تحوُّل في الماهية والطبيعة التي أضفيَت على الصراعات التي حفلت بها حياة العرب والمسلمين. إذ لم يقف الخلاف عند الحدود السياسية، بل أُضيف إليه طابع من الدين، فأصبحت سائر فرق الإسلام تُضفي على مبادئها السياسية وآرائها الفكرية والاجتماعية صبغةً من الدين وعقائده، انسياقًا مع تيار سلطان العقيدة الدينية الجارف حينًا، وتملقًا للعامة واستجلابًا لتأييدها في أغلب الأحايين، فانطبعت خلافات الساحة الإسلامية بالطابع الديني عندما انتقل الجميع بما هو «سياسي» إلى ساحة ما هو «دين». انظر أيضًا: محمد عمارة، تيارات الفكر الإسلامي، ص١٣.
٣٥  ثمَّة اتجاهات ثلاثة تتباين فيما يتعلق بهذا الأمر: «الأول»، يرى أن النبي قد آثر ترك الأمر للأمة، تختار من تشاء بأي طريقة تشاء، دون أن تتقيد بوصية أو نص يمكن أن يكون غلًّا على حركة التاريخ فيما بعد. و«الثاني» يرى أن قوى بعينها قد حالت بين النبي وبين كتاب كان سيكتبه حتى لا تضل الأمة، فقد قيل: «إنه لما اشتدَّ بالنبي مرضُه الذي مات فيه، قال: ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعدي، فقال «عمر» رضي الله عنه: «إن رسول الله — — قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله». وكثر اللغط، فقال النبي : «قوموا عني، لا ينبغي عندي التنازع».» انظر: الشهرستاني، الملل والنحل، ج١، ص٢١. والحجة في ذلك «أنه من غير المعقول أن يُهمل النبي فلا ينص على طريقة الاستخلاف ولا يضع قانونًا ملزمًا لها يحول بين المسلمين والفتن.» انظر: حسن الأمين، دائرة المعارف الإسلامية الشيعية، المجلد الأول، بيروت، ١٩٧٣م، ط٢، ص١٤. أما «الثالث» فيذهب إلى أن أمر خلافة النبي كان أجلَّ من أن يُترك لاختيار أمة قد تضلُّ وتهوَى؛ ولذا فإن ثمة نصوصًا عدة — صريحة أو ضمنية — تدل على شخص بعينه اختاره النبي لخلافته.
٣٦  محمود إسماعيل، سوسيولوجيا الفكر الإسلامي، ج١، سبق ذكره، ص٦٤.
٣٧  وإذ يأبى التاريخ القول بأنَّ هذه القوى المتصارعة تمثِّل تكوينًا أفرزه الدين الجديد، فإنَّ من الضروري تقصِّي جذور هذه القوى في واقع ما قبل الإسلام. وهكذا فإن أي محاولة لفهم الصراع حول «الخلافة» بعيدًا عن جذوره الأقدم — في واقع ما قبل الإسلام — سيكون مآلها الإخفاق دون شك.
٣٨  الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج٣، القاهرة، بدون تاريخ، ص٣٨٨.
٣٩  ابن قتيبة الدينوري، الإمامة والسياسة، تحقيق طه الزين، طبعة الحلبي، القاهرة، ١٩٦٧م، ج١، ص١٣.
٤٠  المصدر السابق، ص١٣.
٤١  المصدر السابق، ص١٣.
٤٢  المصدر السابق، ص١٣.
٤٣  E. A. Belyaev: Arabs, Islam and the Arab caliphate in the early middle ages, Pall Mall Press. London 1969, 121.
٤٤  هاملتون جب، دراسات في حضارة الإسلام، ترجمة إحسان عباس «وآخرون»، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٦٤م، ص٧.
٤٥  الحق أن موقف القرشيِّين — من غير آل البيت — من مسألة «التميز» هذه، قد اتَّسم بضرب من التفاوت؛ وذلك بحسب مَن يُبرزون «تميزهم» بإزائه. فحين يكون ذلك بإزاء الأنصار فإن (التميُّز) يكتسب مضمونًا دينيًّا وقبليًّا معًا. أما حين يتعلَّق الأمر بآل البيت، فإنه لا مجال للحديث عن تميُّز قرشي ديني؛ وقد تكشَّف ذلك من حوار للعباس مع أبي بكر قال فيه: «إن الله بعث محمدًا كما زعمت نبيًّا، وللمؤمنين وليًّا، فمنَّ الله بمقامه بين أظهرنا حتى اختار له ما عنده، فخلَّى على الناس أمرَهم ليختاروا لأنفسهم، مصيبين للحق، لا مائلين عنه بزيغ الهوى؛ فإن كنت برسول الله طلبت، فحقنا أخذت، وإن كنت بالمؤمنين طلبت، فنحن منهم متقدمون فيهم، وإن كان هذا الأمر إنما يجب لك بالمؤمنين، فما وجب إذا كنا كارهين.» انظر: ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، سبق ذكره، ج١، ص٢١. ومن هنا لم يبقَ أمام «القرشيين» إلا مواجهة «آل البيت» بتميُّز وضعهم القبلي داخل قريش نفسها. وهذا ما أوضحه «أبو عبيدة بن الجراح»، بقوله لعلي بن أبي طالب، مبرزًا أحقية أبي بكر بالخلافة: «يا ابن عم … هؤلاء مشيخة قومك.» انظر: المصدر السابق، ص١٨.
٤٦  أدونيس، الثابت والمتحول، دار العودة، بيروت، ١٩٧٤م، ج١، ص١٢٢.
٤٧  ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، سبق ذكره، ج١، ص١٣.
٤٨  المصدر السابق، ص١٣.
٤٩  الطبري، تاريخ الرسل والملوك، سبق ذكره، ج٣، ص٢٠٥.
٥٠  ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، سبق ذكره، ج١٠، ص١٥.
٥١  في لجاج مع ابن عباس (ابن عمِّ النبي) حول الأحق بالخلافة، قال عمر بن الخطاب: «إن الناس قد كرهوا أن يُجمعوا لكم النبوة والخلافة، وإن قريشًا اختارت لنفسها فأصابت.» وهكذا يكفي الهاشميين شرفُ النبوة الروحي والمعنوي، «أما السلطان السياسي والمادي والدنيوي، فلقد آثرت به قريش مَن كانوا يتولَّونه قبل الإسلام». انظر: محمد عمارة، الفكر الاجتماعي لعلي بن أبي طالب، منشور ضمن كتاب: علي بن أبي طالب، نظرة عصرية جديدة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ١٩٨٠م، ط٣، ص١٣.
٥٢  كانت قبيلة قريش تتألف من عشرة بطون (فروع)، يتحدد وضعُ كلِّ واحد منها في السلم الاجتماعي للقبيلة، حسب الوزن المادي والمالي والقتالي لكل بطن. وبينما كانت بطون «تيم وعدي وأمية» التي انتسب إليها على التوالي كلٌّ من «أبي بكر وعمر وعثمان»، تأتي في أعلى درجات السلم الاجتماعي، وذلك بحسب ما يتميزون به من وضع مالي ومادي متفوق؛ فإن فرع بني هاشم (آل الرسول) كان يأتي — طبقًا لتواضع نصيبه من الثروة — في أدنى درجات السلم الاجتماعي. انظر: محمد عمارة، الفكر الاجتماعي لعلي بن أبي طالب، سبق ذكره، ص٥–١٢.
٥٣  لا تصلح «الصدفة» وحدها أساسًا لتفسير هرولة «ابن الخطاب» وسَعْيه للقاء «أبي بكر» بالذات، حين عرف باجتماع الأنصار لمبايعة أحد شيوخهم خليفةً للنبي . فالحق أن شيئًا ما قد جمع بين الشيخَين يتجاوز حدودَ وعيِهما الصريح إلى كوامن الرغبة الدفينة. لهذا لم تجمعهما «الصدفة» بقدر ما جمع بينهما ذلك الشيءُ الذي يرتدُّ إلى حدود عالمهما السابق على الإسلام وانتمائهما الاجتماعي المتماثل؛ ذلك الشيء الذي تبدَّى في الإصرار الحاسم — وخاصة من جانب ابن الخطاب — على إقصاء بني هاشم (آل البيت)، وهم فقراء قريش، عن خلافة النبي . وإذ تحقَّق هذا الإقصاء فعلًا، ولكن بخشونة جعلت فاطمة تستصرخ أباها الذي لم يجفَّ الثرى حول قبره، باكيةً: «يا أبتِ يا رسول الله، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة.» انظر: ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، ج١، ص٢٠، فإن علي بن أبي طالب قد اضطر، لذلك، إلى اتهام الشيخين صراحةً بالتواطؤ على الاستبداد بالخلافة؛ حيث اتَّجه بخطابه إلى عمر — حين حاول هذا الأخير أن يغصبَه على مبايعة أبي بكر — قائلًا: «احلب حلبًا لك شطره، واشدد له اليوم أمره يردده عليك غدًا». انظر: المصدر السابق. ومن هذه الخشونة التي أظهرتها، عبارة فاطمة الآنفة، ومن التواطؤ الذي فضحه ابن أبي طالب، انبثق تيارٌ من التعاطف المتنامي مع آل البيت، تزايد وزنُه بتزايد المظالم. ويبدو أنه قد قُدر لهذا التيار ذاته أن يتحول بالإمامة من مسألة سياسية إلى كونها أحدَ أهم أصول الإيمان، وكان ذلك جزءًا من حربهم مع سلطة جائرة.
٥٤  لما قُبض رسول الله قال العباس لعلي بن أبي طالب: «ابسطْ يدك أبايعك، فيقال: عمُّ رسول الله بايع ابنَ عمِّ رسول الله ، ويبايعك أهل بيتك، فإن هذا الأمر إذا كان لم يُقِل (من الإقالة). فقال له عليٌّ (بثقة): ومَن يطلب هذا الأمر غيرنا.» انظر: ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، ج١، ص١٢.
٥٥  لعلَّ من أهم الصحابة الذين تخلَّفوا عن بيعة أبي بكر ومالوا مع علي بن أبي طالب: سلمان الفارسي، وأبا ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، والمقداد بن الأسود، وحذيفة بن اليمان. وهم جميعًا من المستضعفين والعبيد والغرباء الذين يُوحي موقفهم بأن فقراء المسلمين هم الذين والَوا عليًّا؛ وذلك حرصًا منهم على «العدالة»، لا ضرورات «القرابة».
٥٦  محمد عمارة، الفكر الاجتماعي لعلي بن أبي طالب، سبق ذكره، ص١٢.
٥٧  ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، ج١، سبق ذكره، ص١٩.
٥٨  محمود إسماعيل، سوسيولوجيا الفكر الإسلامي، ج١، سبق ذكره، ص٧١.
٥٩  احتجَّت قريش على الأنصار بالقرابة من النبي . ولا شكَّ أنَّ ابن أبي طالب هو الأقرب إلى النبي، على أيِّ معنًى تُفهم هذه القرابة (قرابة دينية أو قرابة دم). ولهذا احتجَّ ابن أبي طالب على قريش بنفس ما احتجَّت به على الأنصار، قائلًا: «أنا أحق بهذا الأمر منكم وأنتم أولَى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي . وتأخذونه منَّا أهل البيت غصبًا! ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر لما كان محمد منكم، فأعطوكم المقادة، وسلَّموا إليكم الإمارة؟ وأنا أحتجُّ عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار. نحن أولى برسول الله حيًّا وميتًا، فأنصفونا إن كنتم تؤمنون، وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون.» انظر: ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، ج١، ص١٨.
٦٠  محمد عمارة، الفكر الاجتماعي لعلي بن أبي طالب، سبق ذكره، ص١٢.
٦١  محمود إسماعيل، سوسيولوجيا الفكر الإسلامي، ج١، سبق ذكره، ص٧١.
٦٢  يكاد ابن أبي طالب أن يكون الخليفة الأوحد الذي اختاره العامة والدهماء من الناس دون وصاية؛ فقد بُويع عليٌّ خليفةً، لا بوصاية مباشرة من خليفة، كما أوصى أبو بكر بعمر، ولا بمجلس ينعقد لاختيار الخليفة كما حدث لعثمان. واختاره أولئك الذين أسماهم معاوية «أوباش أهل العراق وحمقى الفسطاط (مصر) وغوغاء السواد»، وليس أشراف القوم وسادتهم. وهكذا، لأول مرة، يختار المستضعفون من العامة والدهماء وليس الأشراف والرؤساء. والحق أن عليًّا نفسه لم يستوعب، لأول وهلة، ما ترتَّب على قتل عثمان من تغيُّر جوهري — كان مؤقتًا للأسف — في بنية النظام السياسي. فإنه عندما «أتى الناس [يتحدث النص عن «الناس» لا «السادة»] عليًّا في داره، فقالوا: نبايعك، فمُدَّ يدك، لا بدَّ من أمير، فأنت أحق بها، فإنه قد قال: ليس ذلك إليكم، إنما هو لأهل الشورى وأهل بدر؛ فمَن رضيَ به أهل الشورى وأهل بدر فهو الخليفة». ولولا أنَّ الناس قد خوَّفوه وثاروا عليه، لكان قد عصر عينَيه عليها ثالثة، كما خوَّفه الأشتر النخعي. انظر: ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، ج١، ص٤٧، ٧٤.
٦٣  لا يحتمل المقام أدنى شك في السيرة الحسنة للشيخَين وخلافتَيهما. فالحقُّ أن عدالة الشيخَين وإدارتهما الصارمة لشئون المسلمين، قد حالَت دون حدوث استقطابات اجتماعية حادة كتلك التي شهدها عصر عثمان. جلُّ ما في الأمر أن الشيخَين كانا — بالفعل — من الجناح المتميز (اجتماعيًّا واقتصاديًّا) في قريش قبل الإسلام، وأن هذا الجناح قد صارع بلا هوادة من أجل الاستبداد بسلطة الخلافة بعد وفاة النبي . وبالرغم من ثورة العامة والدهماء على هذا الاستبداد التي انتهت بمقتل عثمان، فما لبث هذا الجناح أن استردَّ قوته مطيحًا بابن أبي طالب — رمز العدالة وإمام المستضعفين — ومؤكدًا أن تاريخ الإسلام قد صنعَته «القوى المتميزة اجتماعيًّا وقبليًّا»، بأكبر مما صنعه «المستضعفون في الأرض»، الذين ودَّ الإسلام لو كانوا «الأئمة والوارثين»، لا بد، إذن، من التمييز بين شخص الشيخين وسيرتهما — وهي حسنة في جوهرها — وبين دلالة توليهما «بالذات» الخلافة، هذه الدلالة التي تعبِّر عن قصد تاريخي عام يتجاوز الشيخَين وينطوي على خلافتَيهما بوصفهما مجرَّدَ لحظتين في حركة تاريخية يمثِّل اكتمالها ضربًا من الانحراف عن قصد الإسلام النهائي.
٦٤  نقلا عن أدونيس، الثابت والمتحول، ج١، سبق ذكره، ص١٢٧.
٦٥  «إن فكرة الدولة، كما تأسست في اجتماع السقيفة، لا تستمد قوتها من إرادة الناس العامة الحرَّة، بقدر ما تستمدها من إرادة بشر معينين خاصين [أرستقراطية قريش مثلًا] ومن الخليفة … وهذا يعني أن القضايا الكبرى، السياسية والاجتماعية، لا تُقررها إرادة عامة، وهي إرادة الأفراد الأحرار المتساوين، وإنما يقررها الخليفة.» المصدر السابق، ص١٢٤-١٢٥.
٦٦  وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (القصص: ٥).
٦٧  المصدر السابق، ص١٢٧.
٦٨  لعل ابن أبي طالب قد مات بخنجر ابن ملجم، غير آسف على شيء قدر الأسف على إخفاقه المرير في تنفيذ خططه الطموحة نحو إعادة الحياة بما يحقق مقاصد الإسلام. فإن «المشكلات الكبرى التي واجهَته استنزفَت جهوده؛ فالأرستقراطية القرشية ثارت عليه ولم ترتدع إلا بعد معركة الجَمل المشهورة، وكان عليه بعد ذلك أن يواجه أرستقراطية بني سفيان، ولم يكن ثمة بدٌّ من معركة أخرى، وفي صفين تم اللقاء». انظر: محمود إسماعيل، قضايا في التاريخ الإسلامي، دار العودة، بيروت، ١٩٧٤م، ص٦٩، وأخيرًا كانت حرب الخوارج التي لم يُوقفها سوى موته الحزين على يد أحد رجالهم. وهكذا حروب كبرى ثلاثة، لوحظ أنها جرَت، جميعًا، على جبهة الإسلام الداخلية، التي بدا وكأنها لا تحتمل الرجل أبدًا.
٦٩  محمد عمارة: المعتزلة وأصول الحكم، دار الهلال، القاهرة، ١٩٨٤م، ص٤٠.
٧٠  هكذا تراءى الحل أمام شيعة ابن أبي طالب، ولو أنَّ «الظرف التاريخي»، كان يسمح بأكثر من ذلك، لأدركوا أن ما بلغوه لم يكن حلًّا يتجاوز المأزق، بقدر ما كان تحولًا من أرستقراطية ذات مضمون «قبلي» إلى أرستقراطية ذات مضمون «ديني» انحصرَت في آل البيت خاصة. وهكذا قدموا تجاوزًا مقلوبًا لمأزق ما كان ليتسنَّى تجاوزه إلا عبر مزيد من «الأنسنة والتسييس» ذي المضمون «الديمقراطي»، لا «الأرستقراطي». وهكذا كان ما قدَّموه «تحولًا» لا «تجاوزًا». إذ كان يتحقق التجاوز الحق، لا باستعادة مضمون جديد للشكل ذاته، بل بتفجير النمط السائد، شكلًا ومضمونًا، والبحث عن شكل ومضمون جديدَين، لعله كان يمكن بلوغهما لو تأمَّل الذهن المغزى الحق لتولِّي الخلافة ابن أبي طالب، الذي تحقق «بإرادة حرة» ذات مضمون اجتماعي لافت؛ حيث مارسها أولئك الذين أسماهم معاوية «الأوباش والحمقى والغوغاء». وبالرغم من أن هذا التحول، قد أمدَّ النسق الشيعي بقدرة هائلة على الصمود والمقاومة، لأنه استحال بالموت في سبيل الإمام إلى استشهاد، فإنه يمثِّل مأزقًا لهذا النسق ذاته. إذ يلحظ المرء — بأسف — تضاؤل الشعور الديمقراطي في الحركة الإسلامية المعاصرة بإيران.
٧١  الشهرستاني، الملل والنحل، ج١، سبق ذكره، ص١٤٦.
٧٢  محمد عمارة، المعتزلة وأصول الحكم، دار الهلال، القاهرة، ١٩٨٤م، ص٣٤.
٧٣  يبدو أن الفكر الشيعي المعاصر قد أدرك قصور هذا التصور، بل وتمثِّل «الثورة الإيرانية» اختبارًا نموذجيًّا لمصداقيته، فقد أنجزت التحول من «استبعاد» المجموع إلى «استبقاء» ذلك المجموع الذي واجه، بالصدر العاري، جبروت «ملك الملوك»، فأكَّد — ربما لأول مرة — خرافة الزعم بأن «الجيوش» تنوب دائمًا عن «الشعوب» في إحداث التغيير في بلاد العالم المتخلف.
٧٤  المصدر السابق، ص٤٠.
٧٥  هذا ما أدركه القاضي عبد الجبار المعتزلي، الذي نصح، لذلك، مُحاور الشيعة أن «يكلمهم «أولًا» فيما يدعونه من النص، فهو الأصل». انظر: القاضي عبد الجبار، تثبيت دلائل النبوة، تحقيق عبد الكريم عثمان، القاهرة، ١٩٦٦م، ج١، ص٢٩٤.
٧٦  بطروشوفسكي، الإسلام في إيران، ترجمة السباعي محمد السباعي، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، ١٩٨٢م، ص١٨٩.
٧٧  اضطرب الرأي بصدد الفترة التي حدث فيها هذا المذهب بالضبط. فبالرغم من أن ثمة مَن يرى: «أننا لا نجد في مواطن الجدل من حول الخلافة (الإمامة) — منذ اجتماع السقيفة، حتى عصر هشام بن الحكم ١٩٠ﻫ — مَن احتج «بالنص والوصية» انتصارًا لعلي بن أبي طالب وتزكيةً لحقه في الخلافة». انظر: محمد عمارة، تيارات الفكر الإسلامي، سبق ذكره، ص٣٠٨. فإن الشهرستاني يؤكد أن عبد الله بن سبأ — الذي كان معاصرًا لعلي بن أبي طالب — هو أول مَن أظهر القول بالنص بإمامة علي — رضي الله عنه — … «ويبدو أنه» إنما أظهر هذه المقالة بعد انتقال علي — رضي الله عنه — (أي: بعد موته). انظر: الشهرستاني، الملل والنحل، ج١، سبق ذكره، ص١٧٤. وهكذا فإن الأمر الذي يتجاوز الاضطراب هو أن القول بالنص لم يتبلور إلا بعد مقتل علي؛ إذ «ثبت أن أحدًا من السلف لم يذكر في الإمامة أنها لا تكون إلا بالنص». انظر: القاضي عبد الجبار، المغني «في الإمامة»، ج٢٠، ق١، سبق ذكره، ص١٠٢.
٧٨  القاضي عبد الجبار، المغني «في الإمامة»، ج٢٠، ق١، سبق ذكره، ص١٢٧.
٧٩  محمد عمارة، تيارات الفكر الإسلامي، سبق ذكره، ص٣١٧.
٨٠  محمد رضا المظفر، عقائد الإمامية، بيروت، ١٩٧٣م، ص٧٤.
٨١  الأشعري، مقالات الإسلاميين، ج٢، سبق ذكره، ص١٣٢.
٨٢  الجويني، الإرشاد، سبق ذكره، ص٣٥٥.
٨٣  ثمة رواية — أوردها المسعودي — تؤكِّد أن النص من الله على الإمام لم يتمَّ — شفاهة — على لسان رسوله أو لسان الإمام المنصوب. ذلك أنه «لما قرب أمر الرسول، أنزل الله — جل وعلا — من السماء «كتابًا» مسجلًا، نزل به جبرائيل مع أمناء الملائكة، فقال جبرائيل: يا رسول الله، مُرْ مَن عندك بالخروج من مجلسك، إلا وصيك، ليقبض منَّا كتاب الوصية، ويشهدنا عليه. فأمر رسول الله مَن كان عنده في البيت بالخروج، ما خلا أمير المؤمنين «علي» وفاطمة، والحسن والحسين. فقال جبرائيل: يا رسول الله، إن الله يقرئ عليك السلام، ويقول لك: «هذا كتاب بما كنت عهدت وشرطت عليك، وأشهدت عليك ملائكته، وكفى بي شهيدًا.» فارتعدت مفاصل السيد محمد (هكذا يقول النص!) فقال: هو السلام، ومنه السلام، وإليه يعود السلام، صدق الله، هات الكتاب، فدفعه إليه، فدفعه من يده إلى علي، وأمره بقراءته، وقال: هذا عهد ربي إليَّ وأمانته، وقد بلغت وأديت. فقال أمير المؤمنين: وأنا أشهد لك، بأبي أنت وأمي، بالتبليغ والنصيحة والصدق على ما قلت، ويشهد لك به سمعي وبصري ولحمي ودمي. فقال له النبي: أخذت وصيتي، وقبلتها مني، وضمنت لله تبارك وتعالى الوفاء بها؟ قال «علي»: نعم، عليَّ ضمانها، وعلى الله — عز وجل — عوني … فأشهد رسول الله جبرائيل وميكائيل والملائكة المقربين على أمير المؤمنين عليه السلام. ثم دعا رسول الله فاطمة والحسن والحسين، فأعلمهم الأمر مثل ما أعلمه أمير المؤمنين وشرح لهم ما شرحه له، فقالوا مثل قوله. وخُتمت الوصية بخواتيم من ذهب لم تُصبه النار. ودُفعت إلى أمير المؤمنين». انظر: المسعودي، إثبات الوصية، طبعة طهران، ١٣١٨ﻫ، ص٩٢-٩٣. واللافت في هذا النص أن الله قد أنزل «كتابه» هذا مع جبرائيل، لا وحده، بل وجَمْع من أمناء الملائكة جاءوا يشهدون على تبليغ الوصية لابن أبي طالب — وهو ما لم يحدث مع النبي نفسه الذي جاءه جبرائيل بالوحي وحيدًا، ليس معه أحدٌ من الملائكة. فأصبح للضمير الشيعي أن يثق، هذه المرة، من حسن تبليغ جبرائيل، الذي لم يغفر له الشيعة أبدًا سهوَه الذي تمخض عن ذهابه بالوحي إلى «محمد»، في حين كان القصد «علي». فقد حدث السهو، لأن جبرائيل كان وحيدًا حال نزوله «بالنبوة». ويبدو أن «الله» قد أدرك ذلك، فأرسله مع جمع من «أمناء الملائكة» حال نزوله بالنص على «الإمامة». وبذلك تنسد أيُّ ثغرة يأتي منها السهو أو الخطأ فلا يُواجه الشيعة مدَّعٍ يقول — على طريقتهم — أن جبرائيل قد جاء بالنص على إمامة «فلان»، ولكنه أخطأ فمضى بالنص إلى «علي»، فهناك الملائكة الأمناء هذه المرة.
٨٤  محمد رضا المظفر، عقائد الإمامية، سبق ذكره، ص٧٤.
٨٥  الطوسي، تلخيص الشافي، تحقيق حسين صالح بحر العلوم، النجف، ١٣٨٤ﻫ، ج٤، ص١٣١-١٣٢.
٨٦  محمد الحسين آل كاشف الغطاء، أصل الشيعة وأصولها، ط ٩، بيروت، بدون تاريخ، ص١٠٧.
٨٧  والحق أن الأمر لم يقف عند هذا الحدِّ، فقد تضخمت مهام الإمام — في النسق الشيعي — إلى حدِّ الاستبداد بمهام «الأمة» أيضًا. إذ استبدل الشيعة عقل الإمام المعصوم بعقل الأمة ووعيها التاريخي المنبثق في بعضٍ من الدروب المؤدية إلى ضرب من المعرفة الموثوقة، كالتواتر والإجماع، فجردوا، بذلك، مجموع الأمة من الثقة التي تُؤهلها لحمل أمانة حفظ الدين ورواية الشريعة. ﻓ «إن شريعة نبينا … لا بدَّ لها من حافظ، ولا يخلو الحافظ من أن يكون: جميع الأمة، أو بعضها. وليس يجوز أن يكون الحافظ لها الأمة؛ لأن الأمة يجوز عليها السهو والنسيان، وارتكاب الفساد، والعدول عما علمته … وإن ما جاز على آحادها جائز على جميعها، من حيث لم يكن إجماعها أكثر من انضمام آحادها بعضها على بعض … وإذا كانت العصمة مرتفعة من كل واحد على انفراد، فيجب أن تكون مرتفعة عن الكل … فإذن، لا بد للشريعة من حافظ معصوم، يُؤمَن من جهة التغيير والتبديل والسهو، ليتمكن المكلفون من المصير إلى قوله. وهذا هو الإمام الذي نذهب إليه».
انظر: الطوسي، تلخيص الشافي، سبق ذكره، ج١، ص١٣٣-١٣٤. وانظر كذلك: القاضي عبد الجبار، المغني، ج٢٠، سبق ذكره، ص٦٩، ٧٨. وقد دافع الأشاعرة والمعتزلة بلا هوادة، عن عصمة الأمة في حفظ الدين ورواية الشريعة. فالأمة «حقيقة كلية فريدة» تُجاوز مجرد كونها «حاصلَ جمعِ أفراد»، بحيث نجد أن ما كان يجوز على الفرد الواحد من أفرادها لا يجوز على الأمة في كليتها وشمولها. فإذا كان «لا يمتنع أن يكون المعلوم من حال عشرة بأعيانهم أن كل واحد منهم لا يختار مع صاحبه إلا الصواب، وإن كان قد يختار الخطأ إذا انفرد. كما لا يمتنع فيهم أن يُصيبوا في الرأي إذا اشتركوا فيه، وإن جاز أن يخطئ كلُّ واحد منهم فيما يستبد به. وإذا جاز ذلك لم يمتنع بأن يردَّ النصَّ بأن إجماعهم حق، ويكون إجماعهم مخالفًا لقولِ كلِّ واحد منهم». انظر: القاضي عبد الجبار، المغنى، ج١٧، سبق ذكره، ص١٥٧. ولهذا فإن «الإجماع «من الأمة» إنما كان حجَّة لأن المجمعين لمجموعهم معصومون عن الخطأ والكفر والضلالة، وإن كان ذلك جائزًا في آحادهم». انظر: الشهرستاني، نهاية الإقدام في علم الكلام، تحقيق ألفرد جيوم، بدون تاريخ ومكان الطبع، ص٤٩٢، وعلى هذا فإن الأمة هي «الحجة «في حفظ الدين ورواية الشريعة»، وإن لم تظهر عليها المعجزات، ولا بانت بعلم يوجب ذلك فيها».
انظر: القاضي عبد الجبار، المغني، ج١٥، سبق ذكره، ص٥٨.
٨٨  القاضي عبد الجبار، المغني، ج٢٠، سبق ذكره، ص٣٦.
٨٩  القاضي عبد الجبار، المغني، ج٢٠، سبق ذكره، ص٨٢.
٩٠  الجويني، الإرشاد، سبق ذكره، ص٣٠٣.
٩١  الرازي، محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين، تحقيق طه عبد الرءوف سعد، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، بلا تاريخ، ص٢٤٠.
٩٢  محمد رضا المظفر، عقائد الإمامية، سبق ذكره، ص٧٠.
٩٣  الجويني، الإرشاد، ص٣٠٤؛ وانظر أيضًا: الباقلاني، التمهيد، تحقيق يوسف مكارثي، بيروت، ١٩٥٧م، ص١٢٦–١٢٩؛ وكذلك: الإيجي، المواقف، شرح السيد السند، سبق ذكره، ص٥٥٣.
٩٤  الرازي، المحصل، سبق ذكره، ص٢٤٠.
٩٥  القاضي عبد الجبار، المغني، ج٢٠، ص٣٥.
٩٦  المصدر السابق، ج١٥، ص٢٧-٢٨.
٩٧  المصدر السابق، ج٢٠، ص٣٤.
٩٨  القاضي عبد الجبار، المغني، ج٢٠، ص١٩.
٩٩  المصدر السابق، ص٧٧.
١٠٠  المصدر السابق، ص٣٦.
١٠١  الشهرستاني، الملل والنحل، ج١، ص١٨٠.
١٠٢  هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، الترجمة العربية، سبق ذكره، ص٩١-٩٢. ولكن يبدو أن الغلاة قد جعلوا فعالية الأئمة تطال أيضًا هذه «النبوة التشريعية»، إن لم تجاوزها. فهم لم ينتحلوا لأئمتهم النبوة فقط، بل «انتحلوا النبوة والرسالة معًا». انظر: الأشعري، مقالات الإسلاميين، ج١، ص٧٨، وهكذا فإن «الرسل — الذين شُرِط فيهم كتاب من السماء — لا تنقطع أبدًا». انظر: الشهرستاني، الملل والنحل، ج١، ص١٧٩. وعلى هذا، فإن من الأئمة مَن زعم «أنه عُرج به إلى السماء، ورأى معبوده، فمسح بيده رأسه، وقال له: يا بُني، انزل فبلِّغ عني، ثم أهبطه إلى الأرض.» انظر: المصدر السابق، ص١٧٩. ولم يكن من هذا المبلِّغ عن الله — حين هبط الأرض — إلا أن «استحل النساء والمحارم، وأحلَّ ذلك لأصحابه، وزعم أن الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر والميسر وغير ذلك من المحارم، حلال.» انظر: الأشعري، مقالات الإسلاميين، ج١، ص٧٤-٧٥. ومن هنا حُقَّ لبعض الغلاة أن يقولوا عن أحد أئمتهم «إنه نسخ بعض شريعة محمد». انظر: الإسفرائيني، التبصير في الدين، سبق ذكره، ص٧٢. وهكذا بات «الأئمة ينسخون الشرائع ويهبط عليهم الملائكة، وتظهر عليهم الأعلام والمعجزات، (بل) ويوحى إليهم». انظر: الأشعري، مقالات الإسلاميين، ج١، ص٨٦.
١٠٣  أدونيس، الثابت والمتحول، ج١، سبق ذكره، ص٢٧٤.
١٠٤  تزخر كتب الفِرق بالعديد من مزاعم الغلاة عن نبوة أئمتهم. انظر مثلًا، لا حصرًا، الأشعري، مقالات الإسلاميين، ج١، ص٦٧–٨٦؛ الإسفرائيني، التبصير في الدين، ص٧٢–٧٦؛ والشهرستاني، الملل والنحل، ج١، ص١٧٤–١٨٩؛ البغدادي، الفرق بين الفرق، ص٢٢٧–٢٤٠؛ الملطي، التنبيه والرد، ص٢٠–٢٣؛ النوبختي، فرق الشيعة.
١٠٥  هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، سبق ذكره، ص١١٤.
١٠٦  أدونيس، الثابت والمتحول، ج١، ص٢٧٥.
١٠٧  القاضي عبد الجبار، المغني، ج٢٠، ص٦٧.
١٠٨  هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، ص٩٤.
١٠٩  تبلغ مركزية الإمام في النسق الشيعي، حدًّا يلغي إمكانيةَ أيِّ اجتهاد أو قياس؛ فقد بدا أنه ليست بأحد حاجة لقياس أو نظر، ما دام يوجد بين الناس إمام يتلقى العلم — حتى بما يستجد من وقائع — من لدن الله مباشرة، «إلهامًا وتحديثًا أو نكثًا في القلب». إنَّ الإمام وحده، إذن، هو مصدر العلم الشامل؛ ولهذا فإن مَن يطلب علمًا بشيء، اجتهادًا برأي أو قياسًا بعقل — من غير إمام — ليس أحمقَ فقط، بل كافر لا محالة. أكَّد ذلك جعفر الصادق، حين نسب إلى النبي حديثًا يقول: «أول مَن قاس أمرَ الدين برأيه إبليس. قال الله له «اسجُد لآدم». فقال: أنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين. فمَن قاس برأيه قرنَه الله تعالى يوم القيامة بإبليس؛ لأنه تبعه بالقياس». انظر: محمد حسن الأعظمي، الحقائق الخفية عن الشيعة الفاطمية والاثني عشرية، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة ١٩٧٠م، ص٢٧. وبالرغم من أن هذا التصور يعكس — كما سبق أن ألمحنا — يأسًا شيعيًّا هائلًا من «المجموع الخامل» تقابله ثقةٌ لا محدودة في «الفرد الصفوة»، يبقى الأمل في تجاوز النسق الشيعي ليأسه من «مجموع» أكدت «الثورة الإيرانية» أنه ليس خاملًا على الدوام.
١١٠  هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، ص٩٤.
١١١  محمد عمارة، المعتزلة وأصول الحكم، ص٣٠٢.
١١٢  الإمام علي، نهج البلاغة، بشرح الشيخ محمد عبده، تحقيق محيي الدين عبد الحميد، بدون تاريخ، ج٢، ص٧.
١١٣  كامل مصطفى الشيبي، الصلة بين التصوف والتشيع، ط ٢، دار المعارف بمصر، القاهرة ١٩٦٩م، ص٢٠.
١١٤  ويبدو أن الأمر لم يقف عند حد المعارضة النظرية، وإلا ما كان عمار بن ياسر — الصحابي المشهور وأحد كبار مشايعي علي — قد وصف حرب صفين مع معاوية، بأنها حرب على «التأويل»، وذلك في قوله: «نحن ضربناكم على تنزيله … واليوم نضربكم على تأويله»، عن الشيبي، الصلة، سبق ذكره، ص٤١٢، وينطوي البيت على حقيقتَين هامتَين؛ أولاهما: أن التأويل يُعدُّ امتدادًا للتنزيل، ومن هنا يتبلور الفهم الشيعي «اللاحق» للتأويل بوصفه وراثة للنبوة اختصَّ بها الأئمة، والثانية: أن مقصد التأويل هو «العالم» بقدر ما هو «النص» أيضًا.
١١٥  كامل مصطفى الشيبي، الصلة بين التصوف والتشيع، ص٤١٣.
١١٦  التوبة: ٣٤.
١١٧  المصدر السابق، ص٢٠.
١١٨  المصدر السابق، ص٤١٣.
١١٩  يرتبط النص (أي نص) ارتباطًا صميميًّا «بعالم» خارجه. ولذا يتسم تأويلُ أيِّ نص أو تفسيره من داخله بضرب من القصور الناتج عن تجميد التوتر أو الجدل الخلاق بين ثنائية «النص/العالم» بعد غياب أحد أطرافها. ولذا فإن «التفسير (التأويل) لا يمكن أن يتحقق إلا من زاوية خارج النص. إذ إن أيَّ تفسير يتطلَّب إطارًا مرجعيًّا (A frame of refrence) يمكن ربط النص المراد تفسيره به. إن مثل هذا الإطار يكون بمثابة أفق واسع للتفسير، يقدم الأسئلة التي تُستدعى إجاباتها من النص. وهكذا يصبح التفسير مستحيلًا بدون إطار مرجعي خارج نطاق النص، ومن هنا ندرك مجددًا لماذا لم يكتمل تفسيرُ أيِّ نص. إن الأطر المرجعية في تغيُّر، يُستبدل بعضها بالبعض الآخر، وتبعًا لذلك تتغير التفسيرات ويحل بعضها محلَّ بعض». انظر: هورست شتاينمتز: حول إهمال الوظيفة الاجتماعية للتفسير، ترجمة: مصطفى رياض، مجلة فصول، المجلد الخامس، العدد الثالث، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ١٩٨٥م، ص٦٨.
١٢٠  بدا ذلك لأحد الباحثين «من المفارقات التي تلفت النظر في تاريخ الحركة الإسماعيلية (أحد أهم الجماعات الشيعية)»، وقد وجد لمفارقته تفسيرًا في أنه «كما أن متطلبات الحفاظ على السيطرة السياسية، (في مصر وأفريقيا). قد جعلت الدعاة الإسماعيليِّين يركزون نشاطهم هناك في الميدان السياسي في حدود «الظاهر»، مهتمين أكثر بضمان ولاء الناس للدولة لا للفلسفة، فإن متطلبات الهيمنة الثقافية، والحفاظ عليها قد جعلت الدعاة في إيران ينصرفون عن العمل السياسي المباشر إلى العمل الفكري ويركزون بالتالي على الفلسفة «وعلم الباطن» أساسًا». انظر: محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، دار الطليعة للطباعة والنشر، ط ١٠، بيروت، ١٩٨٤م، ص٢٦٨–٢٧٠.
١٢١  كامل مصطفى الشيبي، الصلة بين التصوف والتشيع، ص٤١٣.
١٢٢  نقلًا عن أدونيس: الثابت والمتحول، ج١، ص٢٠٠.
١٢٣  أبو طالب المكي، قوت القلوب، ج١، القاهرة، ١٩٣٣م، ص٣١. نقلًا عن الشيبي، الصلة، ص٤٨.
١٢٤  نقلًا عن: أدونيس، الثابت والمتحول، ج١، ص٢٠٠.
١٢٥  محمد حسن الأعظمي، الحقائق الخفية عن الشيعة الفاطمية والاثني عشرية، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة، ١٩٧٠م، ص٢٥.
١٢٦  أنشد الشيرازي — في مجالسه المؤيدية — هذه المعاني شعرًا، يقول:
وإنما باب المعاني مقفل
وأكثر الأنام عنها غفل
مفتاحه أضحى بأيدي خزن
بهم إلهي علمه قد خزن
أولئك الأبرار آل المصطفى
ومَن بهم مروة عزت والصفا
ولهذا فإن:
تأويله مستودع عند واحد
وإن لم تُسائله فزورًا تأوَّلتا
وأحمد بيت النور لا شك بابه
أبو حسن، والبيت من بابه يؤتى
نقلًا عن: محمد حسن الأعظمي، الحقائق الخفية عن الشيعة الفاطمية والاثنَي عشرية، سبق ذكره، ص٢٥.
١٢٧  وهكذا يتخذ النسق الشيعي كغيره، من النص الديني، نقطة مركزية يبتدئ منها، ولكن ليس من «النص» بوصفه بنية عقلية تتأسس حولها ضروبٌ من المعنى المتعدد، يكون النص محورها جميعًا، أو تختلف إطاراتها المرجعية فقط؛ بل من النص بوصفه مظهرًا لمعنًى باطني مطلق، يكون النص معه، ليس أكثر من مجرد مجلى ظاهري. ولهذا فإن المعنى عند الشيعة ليس «تكوينًا إنسانيًّا» تولد عن قرارات تاريخية خالصة، انبثقت عن التجربة الإنسانية، بل «معطى إلهي» يتمثل في ضرب من العلم المطلق اكتسبه الإمام في لحظة ما — يبدو أنها لا تاريخية بدورها — من الله ينبوع العلم المطلق. وبهذا يصبح «المعنى» هبوطًا من الغيب، لا انبثاقًا من واقع البشر.
١٢٨  الطوسي، تلخيص الشافي، ج١، سبق ذكره، ص٢٤٥–٢٤٩.
١٢٩  محمد رضا المظفر، عقائد الإمامية، سبق ذكره، ص٩٧.
١٣٠  الكليني، الكافي، ج١، ص٢٧٢، نقلًا عن: محمد عمارة، المعتزلة وأصول الحكم، سبق ذكره، ص٢٢٠.
١٣١  سعد بن عبد الله الأشعري، المقالات والفرق، طهران، ١٩٦٣م، ص٩٧، نقلًا عن: أدونيس، الثابت والمتحول، ج١، ص١٩٩.
١٣٢  الكليني، الكافي، ج١، ص٢٧١، نقلًا عن محمد عمارة، المعتزلة وأصول الحكم، ص٢٢٠.
١٣٣  محمد رضا المظفر، عقائد الإمامية، ص٧٠.
١٣٤  ظل اليأس من العقل واستبعاده من النظم المعرفية أمرًا لافتًا على مدى التاريخ الثقافي للإسلام. ورغم تباين التداعيات، فإن الثابت هو ارتباط هذا الاستبعاد دومًا بسلطة ما (نصية – تعليمية – سياسية). فالعقل ينوء تحت «سلطة نص» — «لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها» — عند الأشاعرة؛ ولهذا فإنه بينما «الخبر المتواتر (أو النص المنقول) يوجب العلم الضروري» … «فإن» «النظر العقلي لا يؤدي ضرورةً ولا يقينًا إلى العلم». انظر: البغدادي، الفرق بين الفرق، ص٣١٢، وأيضًا: أحمد محمود صبحي، في علم الكلام، الأشاعرة، ج٢، مؤسسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية، ١٩٨٢م، ط ٤، ص١٢٢. وعند الشيعة، تلاشى دور العقل تمامًا بإزاء سلطة الإمام، إذ إن «مبدأ مذاهبهم إبطال الرأي وإبطال تصرُّف العقول، ودعوة الخلق إلى التعليم من الإمام المعصوم، وأنه لا مدرك للعلوم إلا بالتعليم». انظر: الغزالي، فضائح الباطنية، وحتى «عقل» المعتزلة — عقلانية الإسلام — تراجع، بإزاء الاضطهاد العباسي تراجعًا كبيرًا، يؤكده التفاوت بين «جذرية» النظَّام، وبين «مهادنة» القاضي عبد الجبار، وإن تجاوز المرء عن انسحاق العقل في النظام العرفاني الصوفي، فإن المدهش حقًّا، هو ما أظهرته بعض أنساق الفلسفة — خاصة النسق السينوي — من محاولة لتأسيس «العرفان» على «البرهان» — في الإشارات والتنبيهات خاصة — فانتهت إلى كونها «فلسفة عقل جعل منتهى طموحه تقديم استقالته». انظر: محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، ص٢٦٣–٢٦٨.
١٣٥  محمد حسن الأعظمي، الحقائق الخفية عن الشيعة الفاطمية والاثنَي عشرية، ص٢٤.
١٣٦  المصدر السابق، ص٢٥.
١٣٧  نقلًا عن: أدونيس، الثابت والمتحول، ج١، ص١٩٨.
١٣٨  محمد حسن الأعظمي، الحقائق الخفية عن الشيعة الفاطمية والاثني عشرية، ص٢٤.
١٣٩  هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، ص٧٠.
١٤٠  انظر الفصل الأول من هذا البحث، ص٢٣–٢٦؛ حيث أشرنا بإيجاز — يقتضيه الحال — إلى ما يسمى «ميتافيزيقا النبوة» التي اختص بالخوض فيها صوفيةُ الإسلام المتفلسفة، مستلهمين — فيما يبدو — التراث الشيعي في بناء «ميتافيزيقا الإمامة» ومن هنا، فقط، تبدأ محاولة ربط التصوف بالتشيع إلى حد القول بأنهما «تعبيران عن أمر واحد». انظر: هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، ص٧٢. وذلك مع ملاحظة أن مفهوم «الحقيقة المحمدية»، كان محورَ «ميتافيزيقا النبوة» عند الصوفية، في حين كان مفهوم «الوصي – الناطق – الإمام» هو محور «ميتافيزيقا الإمامة» عند الشيعة.
١٤١  فإنه حتى إذا تجاوز الذهن، تأسيس «الإسماعيلية» لنظرية عقلية شاملة في علم الوجود «الأنطولوجيا» على نظرية في المعرفة «الإبستمولوجيا» تتمحور حول «نظرية الإمامة» — وذلك لصياغة أكمل «أيديولوجيا» شيعية مضادة للأيديولوجيا المهيمنة، فإن ثمة «صيغًا أنطولوجية» — تمثِّل الإمامة أهم عناصرها — تظهر، مبكرًا، عند غلاة الشيعة. وقد أورد الشهرستاني — مثالًا لهذه الصيغ — صيغة طويلة نسبها إلى أحد الغلاة (المغيرة بن سعيد العجلي، ١١٩ﻫ)، تقول: «إن الله تعالى لما أراد خلق العالم تكلَّم بالاسم الأعظم، فطار فوقع على رأسه تاج، وذلك قوله: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى». ثم اطلع على أعمال العباد وقد كتبها على كفِّه، فغضب من المعاصي فعرق، فاجتمع من عرقه بحران: أحدهما مالح، والآخر عذب، والمالح مظلم، والعذب نير، ثم اطلع في البحر النير فأبصر ظله، فانتزع عين ظله، فخلق منها الشمس والقمر، وأفنى باقي ظله، وقال: لا ينبغي أن يكون معي إله غيري، ثم خلق الخلقَ كلَّه من البحرين، فخلق المؤمنين من البحر النير، وخلق الكفار من البحر المظلم. وخلق ظلال الناس أول ما خلق. وأول ما خلقه هو ظلُّ محمد — عليه الصلاة والسلام — وظلُّ عليٍّ قبل خلق ظلال الكل، ثم عرض على السموات والأرض والجبال أن يحملنَ الأمانة، وهي أن يمنعن علي بن أبي طالب من «الإمامة»، فأبينَ ذلك، ثم عرض ذلك على الناس، فأمر عمر بن الخطاب أبا بكر أن يتحمَّل منْعَه من ذلك، وضَمِن له أن يُعينَه على الغدر به على شرط أن يجعل الخلافة له من بعده، فقَبِل منه وأقدمَا على المنع متظاهرَين، فذلك قوله تعالى: وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا. انظر: الشهرستاني، الملل والنحل، ج١، ص١٧٧. وقد وردَت ذات الصيغة — مع بعض التغيير — عند الأشعري، مقالات الإسلاميين، ج١، ص٧٢-٧٣. وبالرغم من أن تأثيرًا واسعًا للأديان الشرقية يبدو واضحًا على هذا التصور، فإن مركزية الإمامة فيه، هي الأمر الذي يستلفت النظر حقًّا.
١٤٢  هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، ص٨٨.
١٤٣  والحق أن هذا الضرب من الوجود المتعالي على وجود سائر البشر، قد اقتضى القول بتوالد الأئمة، لا من آدم — الذي لم يكن آنئذٍ — بل من الله مباشرة. فقد «تولد من النور العلوي [الله] النور الشعشاني، فكان منه الأنبياء والأئمة، فهم بخلاف طبائع الناس، وهم يعلمون الغيب، ويقدرون على كل شيء ولا يُعجزهم شيء، ويَقهرون ولا يُقهرون، ويَعلمون ولا يُعلمون، ولهم علامات معجزات وإمارات، ومقدمات قبل مجيئهم وظهورهم وبعد ظهورهم يُعرفون بها، وهم مباينون لسائر الناس في صِوَرهم وأطباعهم وأخلاقهم وأعمالهم». انظر: أبو الحسين الملطي، التنبيه والرد، سبق ذكره، ص٢٠. ولهذا صار الأنبياء والأئمة «ظاهرًا من جنس البشر، وباطنًا مباينين عنهم في أطوارهم وأخلاقهم ونفوسهم وقابلياتهم». انظر: المجلسي، الاعتقادات، ص٢، نقلًا عن الشيبي، الصلة بين التصوف والتشيع، ص٤٥٥. وإذا كان ثمة مَن يرى في ذلك «نوعًا من العِرقية والطبقية والحديث عن الدم الأزرق، كما عرفَته أمم وشعوب وحضارات أخرى … «فإنه» بقية من عبادة الملوك، تلك العبادة التي كانت مشهورة عند قدماء الفرس». انظر: محمد عمارة، المعتزلة وأصول الحكم، ص٤٤، وأيضًا: فان فلوتن، السيادة العربية والشيعة والإسرائيليات، سبق ذكره، ص٧٦، فإنه يمثل — وهو الأهم — أحد التداعيات اللازمة عن التطابق المطلق بين الأنبياء والأئمة.
١٤٤  الكليني، أصول الكافي، طبعة طهران، ١٢٧٨ﻫ، ص١١٦، نقلًا عن: كامل مصطفى الشيبي، الصلة بين التصوف والتشيع، ص٤٥٢-٤٥٣.
١٤٥  هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، ص٩٠، ومن ناحية أخرى، فإن هناك تصورًا أقل تطرفًا، يجعل خلق آدم سابقًا على خلق النبي والأئمة، طرحه «الحسن العسكري» في التفسير المنسوب إليه. ويتلخص هذا التصور في «أن الله لما خلق آدم وسوَّاه وعلَّمه أسماءَ كلِّ شيء، وعرضهم على الملائكة، جعل محمدًا وعليًّا وفاطمة والحسن والحسين أشباحًا خمسة في ظهر آدم، وكانت أنوارهم تُضيء في الآفاق، من السموات والحجب والجنان والكرسي والعرش، فأُمروا مع الملائكة بالسجود لآدم تعظيمًا له؛ لأنه قد فضله بأن جعله وعاء لتلك الأشباح التي قد عمَّت أنوارُها الآفاق فسجدوا إلا إبليس.» نقلًا عن: كامل مصطفى الشيبي، الصلة بين التصوف والتشيع، ص٤٥١-٤٥٢. واللافت في النص أن أفضلية آدم ترجع، لا إلى كونه خليفة على الأرض، أبًا للبشر، وحاملًا للعلم بكل الأسماء، بل إلى كونه حاملًا لأشباح محمد والأئمة في ظهره. وهكذا تتبدَّى — أبدًا — مركزية الإمامة.
١٤٦  هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، ص٨٩.
١٤٧  عبد الكريم الجيلي، الإنسان الكامل، سبق ذكره، ج٢، ص٧٥.
١٤٨  استراب بعض الشيعة في حديث للنبي، رآه البعض الآخر قاطعًا، يقول: «أُرسل عليٌّ مع كافة الأنبياء سرًّا، وأُرسل معي جهرًا.» انظر: هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، ص٩١.
١٤٩  معصوم علي: طرائق الحقائق (بالفارسية)، طبعة طهران، ١٣١٩ﻫ، ج ١، ص٤٣ نقلًا عن: مصطفى كامل الشيبي، الصلة بين التصوف والتشيع، ص٤٥٥.
١٥٠  تُعَد هذه «الوحدة الدينية والكونية» نتيجة لازمة، عن «قول الصوفية» بأن نبوة الإسلام هي باطن وحقيقة النبوات السابقة جميعًا من جهة، وعن «قول الشيعة» بأن الإمامة (أو الولاية، لا فرق) هي باطن نبوة الإسلام من جهة أخرى. «فروحانيته — — موجودة وروحانيةُ كلِّ نبي ورسول، فكان الإمداد يأتي إليهم من تلك الروح الطاهرة …» «ولذا فإنه إذا كان قد نُسب كلُّ شرع إلى مَن بُعث به، «فهو» في الحقيقة شرع محمد .» انظر: ابن عربي، الفتوحات المكية، ج٢. تحقيق عثمان يحيى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ١٩٧٢م، ص٢٩٣. وهكذا تكون نبوة الإسلام — حسب ابن عربي — هي باطن النبوات السابقة جميعًا. وكذا فإن «الإمامة هي بالذات باطن النبوات السابقة جميعًا، وما ذلك إلا لأنها باطن «نبوة» الإسلام». انظر: هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، ص٩١.
١٥١  أبو يعقوب السجستاني، إثبات النبوءات، تحقيق عارف تامر، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، ١٩٦٦م، ص١٩١.
١٥٢  المصدر السابق، ص١٩١.
١٥٣  يؤكد هذا التلازم أن «مبحث النبوة» الكلامي، لم يكن وحده، الذي انبثق في مواجهة «مبحث الإمامة» عند الشيعة؛ إذ ظهر معه مبحث النبوة عند الصوفية. ولهذا فكما أدرك المعتزلة «أن إلزاماتهم على الشيعة في باب الإمامة قد ترجع عليهم في باب النبوات». انظر: القاضي عبد الجبار، المغنى، ج٢٠، ص٢٢، فقد أدرك جلُّ باحثي التصوف الكبار أن بناء «النبوة والولاية» عند الصوفية، يتفق في جوهره مع «بناء الإمامة» عند الشيعة، وأن كثيرًا من اعتقادات الصوفية في «النبي» ليست إلا بناءً موازيًا لاعتقادات الشيعة في «علي». فالحق أن ثمة أفكارًا صوفية كثيرة «قد ظهرت مبكرًا جدًّا عند الشيعة»، ولكن بفارق جوهري، هو أن «النبي» هو مدار الفكرة الصوفية، في حين كان «علي» هو غايةُ أيِّ تصور شيعي. انظر: رينولد آلن نيكولسون، في التصوف الإسلامي، ترجمة أبو العلا عفيفي، القاهرة، ١٩٦٩م، ص١٥٩ وما بعدها، ولمزيد من التفصيل انظر: مصطفى كامل الشيبي، الصلة بين التصوف والتشيع، سبق ذكره.
١٥٤  عبد الكريم الجيلي، الإنسان الكامل، سبق ذكره، ج٢، ص٧٤.
١٥٥  الكليني، الكافي، ج١، ص١٩٦، نقلًا عن: محمد عمارة، المعتزلة وأصول الحكم، ص٣٠٣.
١٥٦  طاهر بن إبراهيم الحارثي اليماني، الأنوار اللطيفة في فلسفة المبدأ والمعاد، تحقيق محمد حسن الأعظمي، القاهرة ١٩٧٠م، ص١٦٦.
١٥٧  ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، طبعة القاهرة، ١٣٢١ﻫ، ج٤، ص٨٧.
١٥٨  الأشعري، مقالات الإسلاميين، ج٢، ص١٣٣. والحق أن أحدًا لم يشذَّ عن هذا الاتفاق … «حاشا النجدات من الخوارج، فإنهم قالوا لا يلزم الناس فرض الإمامة، وإنما عليهم أن يتعاطَوا الحق بينهم». انظر: ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج٤، ص٨٧، وكذلك أبو بكر الأصم — من المعتزلة — فإنه قال «لو تكافَّ الناس عن التظالم لاستغنَوا عن الإمام.» انظر: الأشعري، مقالات الإسلاميين، ج٢، ص١٣٣.
«فالإمامة — طبقًا لهؤلاء — غير واجبة في الشرع وجوبًا لو امتنعت الأمة عن ذلك استحقوا اللوم والعقاب، بل هي مبنية على معاملات الناس، فإن كل واحد من المجتهدين مثل صاحبه في الدين والإسلام والعلم والاجتهاد، والناس كأسنان المشط، والناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة. فمن أين يلزم وجوب الطاعة لمن هو مثله … «أما إذا» احتاج الناس إلى رئيس يحمي بيضة الإسلام، ويجمع شمل الأنام، وأدَّى اجتهادهم إلى نصبه، مقدمًا عليهم، جاز ذلك بشرط أن يبقى في معاملاته على النَّصَفة والعدل، حتى إذا جار في قضية على واحد وجب عليهم خلعه ومنابذته.» انظر: الشهرستاني، نهاية الإقدام في علم الكلام، سبق ذكره، ص٤٨١–٤٨٤. وهكذا الإمامة «جائزة» — غير واجبة — إذا احتاج الناس إليها. وبهذا تنتقل الإمامة من قضية دينية «واجبة» إلى مصلحة دنيوية «جائزة».
١٥٩  الغزالي، الاقتصاد في الاعتقاد، سبق ذكره، ص١١٣.
١٦٠  محمد عمارة، المعتزلة وأصول الحكم، ص٢٤. ويجد هذا الجمع الظاهري بين الشيعة ومعتزلة بغداد في قول واحد — يتباين المفهوم منه عند الفريقين تباينًا تامًّا — تفسيره في تقارب الاعتزال والتشيُّع آنئذٍ، «حتى أطلق على معتزلة بغداد «متشيعة المعتزلة» تمييزًا لهم عن معتزلة البصرة». انظر: أحمد محمود صبحي، في علم الكلام، ج١، المعتزلة، سبق ذكره، ص٢٦٥.
١٦١  نصير الدين الطوسي، تلخيص المحصل، مطبوع بذيل محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين للرازي، سبق ذكره، ص٢٤١.
١٦٢  القزويني، قلائد الخرائد في أصول العقائد، تحقيق وتعليق: جودة كاظم القزويني، مطبعة الإرشاد، بغداد، ص٦٩.
١٦٣  الطوسي، تلخيص الشافي، ج٤، ص١٣١.
١٦٤  القاضي عبد الجبار، المغني، ج١٥، ص٩٦.
١٦٥  المصدر السابق، ج٢٠، ص٢٢.
١٦٦  القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، سبق ذكره، ص٥٦٤.
١٦٧  انظر: القاضي عبد الجبار، تثبيت دلائل النبوة، جزءان، تحقيق عبد الكريم عثمان، طبعة القاهرة، ١٩٦٦م.
١٦٨  كان لزامًا … لأن التشيع: إذ تسلَّح بإطار عقائدي صارم يعضد رؤيته السياسية، فإن صياغة إطار عقائدي مضاد يُعَد إحدى ضرورات المواجهة السياسية مع التشيع. وهي مواجهة باتَت ضرورية بعد أن غدا التشيُّع عنوانًا على حركة اجتماعية، بل وقومية — فيما يرى البعض — تشكِّل خطرًا داهمًا على الدولة. ولعل تلك الطبيعة العينية Concrete — لا المجردة Abstract — للمواجهة هي ما يستلفت النظر حقًّا. المهم أن النسق الشيعي؛ إذ محور إطاره العقائدي حول إمام، جعل «صفته صفة النبي» — كما أشار القاضي عبد الجبار — فإن نسقًا مضادًّا لا بد له — كخطوة أولى — من عزل «النبوة» عن «الإمامة» وبيان حدود كل منهما. ومن هنا يصبح لقول أحد الباحثين: «إن نظرية النبوة عند ابن تيمية قد نشأت في معارضة لنظرية الشيعة عن الإمامة» دلالة عامة تتجاوز حالة ابن تيمية الخاصة. انظر: هنري لاووست، نظريات شيخ الإسلام ابن تيمية في السياسة والاجتماع، ترجمة: محمد عبد العظيم علي، دار الأنصار، القاهرة، ١٩٧٩م، ص٤٠.
١٦٩  هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، ص١.
١٧٠  هناك نوعان من المصنفات الكلامية؛ اقتصر «الأول» على عرض آراء الفرق والتأريخ لها والرد عليها (وأهم نماذج التصنيف في هذا النوع: «كتاب الرد على القدرية» لأبي حنيفة ١٥٠ﻫ، وكتاب «تصحيح النبوة والرد على البراهمة»، و«الرد على أهل الأهواء»، وكلاهما للإمام الشافعي ٢٠٤ﻫ، و«الرد على الزنادقة والجهمية» لابن حنبل ٢٤١ﻫ، وكتاب «الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد» للخياط ٢٩٠ أو ٣٠٠ﻫ، و«مقالات الإسلاميين»، للأشعري ٣٣٠ﻫ، و«التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع» للملطي ٣٧٧ﻫ، و«التمهيد في الرد على الملحدة المعطلة والرافضة والخوارج والمعتزلة» للباقلاني ٤٠٣ﻫ، و«الفرق بين الفرق» للبغدادي ٤٢٩ﻫ، و«الفصل في الملل والأهواء والنحل» لابن حزم ٤٥٦ﻫ، و«الملل والنحل» للشهرستاني ٥٤٨ﻫ، و«اعتقادات فرق المسلمين والمشركين»، و«المحصل في أفكار المتقدمين والمتأخرين» وكلاهما للرازي ٦٠٦ﻫ … إلخ). أما «النوع الثاني» فقد اختص بصياغة عقائد الإيمان، وإن عرض للفرق، فالقصد هو بناء العقيدة لا غيرها (ومن أهم مصنفاته: «الفقه الأكبر» لأبي حنيفة ١٥٠ﻫ، و«الإبانة عن أصول الديانة» للأشعري ٣٣٠ﻫ، و«كتاب التوحيد» للماتريدي ٣٣٣ﻫ، و«العقيدة الطحاوية» للطحاوي ٣٢١ﻫ، و«أصول الدين» للبغدادي ٤٢٩ﻫ، و«شرح الأصول الخمسة»، و«المغني في أبواب التوحيد والعدل» وكلاهما للقاضي عبد الجبار ٤١٥ﻫ، و«الإرشاد» و«العقيدة النظامية» للجويني ٤٧٨ﻫ، و«الاقتصاد في الاعتقاد» للغزالي ٥٠٥ﻫ، و«بحر الكلام» للحنفي ٥٠٨ﻫ، و«نهاية الإقدام في علم الكلام» للشهرستاني ٥٤٨ﻫ، و«أصول الدين» و«أساس التقديس» للرازي ٦٠٦ﻫ، و«غاية المرام في علم الكلام» للآمدي ٦٣١ﻫ، و«طوالع الأنوار» للبيضاوي ٦٨٥ﻫ، و«العقيدة الأصفهانية» لابن تيمية ٧٢٨ﻫ، و«المواقف» و«العقائد العضدية» للإيجي ٧٥٦ﻫ … إلخ). وبالرغم من أنه لا يمكن — من الناحية التاريخية — القول بأسبقية التصنيف في أيٍّ منهما على التصنيف في الآخر — إذ تصاحب التصنيف فيهما معًا — فإنه لا بد من الانتباه إلى أن «نفي الأسبقية التاريخية يتعلق بمجرد «التصنيف والتدوين» دون «الاشتغال والنظر».» إذ الحق أنه يتعذر — من الناحية المنطقية — القول بأن «بناء عقائد الإيمان» قد انبثق في ذات اللحظة التاريخية التي بدأت فيها مجادلات الفرق حول مسائل الخلاف. فمن الطبيعي ألَّا تصاغ عقائد الإيمان، طبقًا لفرقة ما إلا بعد استواء مجادلاتها مع الفرق الأخرى، وهكذا يبدو «المنطقي» موجِّهًا «للتاريخي»، فبان، بذلك، أن العقائد — بالرغم من طبيعتها البالغة التجريد — تُصاغ من قلب التاريخي، وليس من خواء المجرد.
١٧١  علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، ج١، سبق ذكره، ص٢٤٤.
١٧٢  يُعَد بشر بن المعتمر ٢١٠ﻫ، أحد أهم رجالات الطبقة السادسة من «طبقات المعتزلة»، والتي تضم إضافة إليه العلَّاف والنظَّام، ومعمر بن عباد السلمي، والفوطي، والأصم. وهؤلاء — فيما يبدو — أعظم وجوه الاعتزال الذين انتقلوا به إلى طور النضوج والاكتمال. انظر: أحمد محمود صبحي، في علم الكلام، ج٢، سبق ذكره، ص١١٢.
١٧٣  المصدر السابق، ص٢٧٠.
١٧٤  وفي ذات الفترة تقريبًا، كتب الخياط ٢٩٠ أو ٣٠٠ﻫ في «الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد» الذي تمثَّل إلحاده في إنكار النبوة خاصة. وأدرك أحد المعتزلة الزيود — الإمام يحيى بن الحسين ٢٩٨ﻫ — أن عليه بعد أن كتب في «تثبيت إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب» أن يكتب أيضًا في «إثبات النبوة لمحمد ». ولعله، أيضًا، أدرك لغطًا — سبق أن ألمحنا إليه — عند الشيعة، حول «مسألة النبوة والإمامة»، فكتب جوابًا عليها. انظر: الإمام يحيى بن الحسين، رسائل العدل والتوحيد، ج٢، سبق ذكره، ص٢٣.
١٧٥  فقد تعرَّف الاعتزال «ذاته»، على الدوام، في مواجهة «الآخر». وهكذا انبثق الاعتزال — في طور النهوض — يواجه «خطرًا داخليًّا» تمثل في «تغييب الإنسان» — مضمون العقيدة — من أولئك القائلين بالجبر. فصاغ المعتزلة (أصل العدل)، دفاعًا عن الإنسان. ثم أدرك الاعتزال — في طور النضوج — «خطرًا خارجيًّا» يتمثل في «تغييب الله والنبي»، من جانب الثنوية والزنادقة والبراهمة. فعارضه المعتزلة بصياغة «أصل التوحيد» — أساس العقيدة — و«إثبات النبوة». ومن هنا كان «إثبات النبوة» — عند المعتزلة — أحد مهام «طور النضوج» لا «طور النهوض».
١٧٦  وهنا يتبدَّى الموقف الكلامي مشابهًا — مع الفارق — للموقف الكانطي. فإذ أدرك كانط استحالة تأسيس الميتافيزيقا على تصورات العقل النظري المجرد، الذي ما إن يجاوز «التجربة» حتى يسقط فريسة نقائضه، فقد بدَت له الميتافيزيقا بناءً يمكن تأسيسه فقط على مسلمات العقل العملي. ويبدو أن المتكلمين قد أدركوا أن الحجة البرهمية في أن «النبوة إما أن تكون موافقة لما في العقل؛ ففي العقل كفاية، أو مخالفة لما في العقل، فتكون عبثًا» هي أحد تصورات العقل النظري المجرد؛ ولهذا اندفعوا يبررون النبوة — بإزاء البراهمة — تبريرًا عمليًّا خالصًا.
١٧٧  فالحق أن هذا الإنكار البرهمي للنبوة يرجع إلى الطبيعة الخاصة للدين الهندي، التي تبلورت بدورها من مفهوم خاص للألوهية. فقد غاب تصور «إله شخصي» يؤمن به الهندي الذي تسلطت على ذهنه «فكرة الألوهية الشاملة لكل شيء والمتغلغلة في كل شيء، وهي البرهما أو الحقيقة المطلقة». انظر: جورج يونس، مترجم، أناشيد من الشرق، تقديم خليل الجر، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، ١٩٧٠م، ص«ب» من المقدمة. وفي إطار هذه الألوهية الشاملة يبدو «أن الجزئية قد ابتلعها الكلي الذي هو الوجود الخالص، وأن الوعي التجريبي الجزئي مضافًا إليه كل الجزئيات في الطبيعة والعالم المتناهي هي كلها عدم أمام هذا الكلي أو «الألوهية الشاملة».» انظر: ولتر ستيس، فلسفة هيجل، سبق ذكره، ص٦٧١. وعلى هذا يتبدَّى أنه لا انفصال البتة بين العقل الكلي (الله) وبين العقل الجزئي (الإنسان). بل ثمة وحدة كونية تفنى فيها الجزئيات المتناهية في جوف الكلي أو الألوهية الشاملة. ومن ثَم تنتفي النبوة — التي تفترض سلفًا هذا الانفصال — لأنها، أصلًا، ليست إلا محاولة لقهره والقضاء عليه. ويبدو أن هذه النظرة الوحدوية — التي انتفت بسببها النبوة — ترتد إلى التصور الهندي عن خلق العالم؛ ذلك الذي يردُّ خلق الإنسان والكون إلى اتحاد حقيقتَين متباينتَين، هما: البرهمان (الله أو المطلق)، والأثمان (النفس أو الذات). فالواقعة الأساسية في الخلق الهندي إذن، هي الوحدة بين الإلهي من جهة وبين الإنساني والطبيعي من جهة أخرى، وليس انفصالهما السائد في العديد من الصيغ الدينية والأسطورية، والذي تنبثق النبوة لتجاوزه وقهره. ومن ناحية أخرى، يكشف التصور الهندي للخلق عن حقيقة أساسية تبدو في أن الله ليس جوهرًا «مفارقًا»، بل جوهرًا «مباطنًا» للإنسان والعالم. ولهذا فإنَّ أيَّ حركة تبغي الاتصال بالله، إنما يُبلورها «التأمل في الداخل» وليس «التلقي من الخارج». فالهندي الذي ينطوي على نفسه، ويغوص في أعماق وجدانه (وكذا أعماق العالم) يكتشف الله والحقيقة القصوى. انظر جورج يونس (مترجم)، أناشيد من الشرق. سبق ذكره ص (ب) من المقدمة. وقد غاب إدراك ذلك كله عن وعي الأقدمين من علماء الكلام الذين اندفعوا في الرد على البراهمة ودحض حججهم. ويبدو أنه كان ينبغي أن يغيب إدراك ذلك، لأنه قد غاب أصلًا عن أولئك الذين اندفعوا يُرددون، في الوسط الإسلامي حجج البراهمة في إبطال النبوات دون وعيٍ بعبثية هذه الحجج في إطار مغاير للإطار الحضاري الذي تبلور فيه الدين الهندي. فبدا وكأنَّ الفريقين — كمعظم المعاصرين — قد أراقا الكثير من الجهد والفكر في حسم صراع، لا شك في اغترابه عن عالمهما معًا.
١٧٨  البغدادي، الفرق بين الفرق، ص١١٤.
١٧٩  بالرغم مما بدا «للبغدادي» من أن النظَّام قد «أُعجب بقول البراهمة بإبطال النبوة»، فإن الأمر — حقًّا — يبدو عكس ذلك بالمرة. فإنه إذا كان البراهمة قد أسندوا دعوى إبطال النبوة على التناقص المطلق بين العقل والنبوة، فقد أراد النظَّام — بإنكاره ما تواتر عن النبي من معجزات حسية، يبدو فيها كسر نظام الطبيعة والعقل شاملًا — رفع التناقض بين العقل والنبوة، وليس «التوصل من ذلك إلى إنكار النبوة» كما زعم البغدادي، وهكذا كان قَصْد النظَّام النهائي مناقضًا تمامًا لقصد البراهمة إبطال النبوة. فالأرجح أنه كان يقصد تقويض حجج البراهمة، من حيث تصور البعض إعجابه بها.
١٨٠  إبراهيم مدكور، في الفلسفة الإسلامية، ج١، سبق ذكره، ص٨٦.
١٨١  تأسس مشروع الرازي «الطبيب» المعرفي؛ جوهريًّا، على إيمان — لا يتزعزع — بالتفكيرِ الحرِّ النابع من استقلال العقل ورفض التقليد. فالعقل عنده هو المصدر الأول والأهم للمعرفة؛ ولذلك ينبغي «ألَّا نحطَّه عن رتبته، ولا نُنزلَه عن درجته ولا نجعلَه وهو الحاكم محكومًا عليه، ولا وهو الزمام مزمومًا، ولا وهو المتبوع تابعًا». انظر: الرازي، رسائل فلسفية، نشرة كراوس، القاهرة، ١٩٣٩م، ص١٨. ولهذا، لو أن الرازي قد ابتدأ حجج إنكاره للنبوة بتعبير «يقول البراهمة»، لكان بذلك يدحض حججه من الأساس؛ فهذه الحجج تستمد قوتها فقط من أن العقل مستقل في التفكير غير تابع أو مقلِّد للأنبياء أو للبراهمة سواء بسواء.
١٨٢  وقد كان ذلك موافقًا لأحد أهم الآليات المنهجية التي اتبعَتها الحضارة الإسلامية في أزمنة «الازدهار والتفتح»؛ وأعني بذلك الانتقال من «النقل والترجمة» إلى «التمثل والإبداع». أما في أزمنة «الانهيار والتخلف» فلم يَعُد سائدًا إلا «النقل والترجمة والشرح والاجترار» فقط، وتبقى «النهضة» مشروطة بالانتقال من ذلك كلِّه إلى «التمثل والإبداع». وبهذا تتأكد دومًا، الطبيعة المتناقضة للتجديد بوصفه انبثاقًا من أعماق القديم.
١٨٣  لم نكن لنعرف شيئًا عن هذا «الكتاب» لولا أنَّ «الخياط» قد أشار في ردِّه على ابن الراوندي إلى الكثير من مسائله، ولولا أنَّ «المؤيد الشيرازي» قد احتفظ في «المجالس المؤيدية» بفقرات أساسية منه؛ حيث يعرض الشيرازي لأقوال ابن الراوندي في الطعن على النبوة ويعقب عليها بالنقض والرد، وذلك في المجلس السابع عشر من المائة الخامسة، إلى المجلس الثاني والعشرين. انظر: إبراهيم مدكور، في الفلسفة الإسلامية، ج١، ص٨٥.
١٨٤  عبد الرحمن بدوي، من تاريخ الإلحاد في الإسلام، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ١٩٤٥م، ص٨٠.
١٨٥  ويتأتى هذا التناقض — الذي يبدو رفعه مستحيلًا — من كون العلاقة بين العقل والنبوة، علاقة «هُوية صورية»، في حين كان يمكن قهر هذا التناقض ورفعه، لو أمكن صياغة العلاقة بين العقل والنبوة على «الطريق الجدلية». فلو أنَّ ابن الراوندي قد أدرك الدلالة الحقة لحديث النبي عن اكتمال الدين به، لتجلَّى له ضربٌ من التطور الديني المتصاعد للأمام لا يجد تفسيرًا إلا في حياة البشر ووعيهم المتصاعد بدوره. فالوعي البشري يكون في بعض مراحل تطوره — خاصة أطوار شقائه واغترابه — في حاجة إلى عون على إدراك ذاته وكشف جوهره. وهذا ما يقوم به «الوحي»، الذي كان لزامًا عليه — تبعًا لذلك — أن ينقطع بعد اكتمالِ الوعي وتمامِ تحرُّرِه. وهكذا تبدو العلاقة الحقة بين «الوحي» و«الوعي» اتصالًا، لا انفصالًا، وتداخلًا، لا تناقضًا. وهذا ما لم يكن بمقدور البراهمة إدراكه؛ لأن الدين الهندي، هو في جوهره، وعيٌ خالص بالذات وبالعالم، لا مكان فيه «لوحي» خارج نطاق «الوعي». ولهذا تجلَّى «الوحي» للبراهمة مناقضًا «للوعي».
١٨٦  المصدر السابق، ص١٠١-١٠٢.
١٨٧  المصدر السابق، ص١٠٢.
١٨٨  المصدر السابق، ص١٠٢.
١٨٩  المصدر السابق، ص١٠٢، وقارن ذلك بما قاله اسبينوزا من أنَّ المعجزة عمل من أعمال الطبيعة، نجهل عِلَلها، ولا نستطيع إدراكها بالنور الفطري (العقل)، وبالتالي يمكن تفسير المعجزات التي يرويها الكتاب لو عرفنا عللها الطبيعية. انظر: اسبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، سبق ذكره، ص٢٢٤.
١٩٠  عبد الرحمن بدوي، من تاريخ الإلحاد في الإسلام، ص١٠٣.
١٩١  إبراهيم مدكور، في الفلسفة الإسلامية، ج١، ص٨٦.
١٩٢  عبد الرحمن بدوي، من تاريخ الإلحاد في الإسلام، ص١٠٦-١٠٧.
١٩٣  أدونيس، الثابت والمتحول، ج٢، سبق ذكره، ص٧٥.
١٩٤  البغدادي، أصول الدين، سبق ذكره، ص١٨٣.
١٩٥  عبد الرحمن بدوي، من تاريخ الإلحاد في الإسلام، ص١٠٣.
١٩٦  المصدر السابق، ص١١١.
١٩٧  ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج٣، سبق ذكره، ص١٦.
١٩٨  «فالشعور — هنا — هو الذي يُدرك العالم ويتصوره ثم يعبِّر عنه في صورة مثل أو قصة أو حكاية خيالية أو أسطورة، وتُحركه بواعث وغايات قصدية، وبهذا يكون النص من وضع الشعور». انظر: حسن حنفي، مدرسة تاريخ الأشكال الأدبية، مجلة ألف، منشورات الجامعة الأمريكية بالقاهرة، العدد الثاني، ١٩٨٢م، ص٢٩.
١٩٩  عبد الرحمن بدوي، من تاريخ الإلحاد في الإسلام، ص١٣٣.
٢٠٠  المصدر السابق، ص١٠٧.
٢٠١  المصدر السابق، ص١٢٣.
٢٠٢  إبراهيم مدكور، في الفلسفة الإسلامية، ج١، ص٩٠.
٢٠٣  فكما طوَّر الرازي — استنادًا إلى ثلاثية العقل والطبيعة والتاريخ — نقدًا شاملًا للدين والنبوة، استقام التنوير الأوروبي بدوره، على ذات الأضلاع الثلاثة. فقد بات «العقل» هو السلطة الوحيدة في ميدان المعرفة والدين والأخلاق؛ حيث أنجز التنوير مشروعًا أساسيًّا يتمثل في إدخال النقد العقلي إلى ميدان الحياة الدينية والاجتماعية، بعد أن كان سلطانُ العقل قاصرًا — لضرورة تاريخية — فلم يَطُل الدين والأخلاق عند ديكارت. أما «الطبيعة» فلم تَعُد ميدانًا للإشراق أو التجلِّي الإلهي، بل مجالًا للعلم وإطارًا للتقدم. وأخيرًا أصبح «التاريخ» ميدانًا لنشأة «النص الديني» وانبثاق العبادات والعقائد، ومن هنا ترعرع علم النقد التاريخي للكتب المقدسة.
٢٠٤  الرازي، رسائل فلسفية، نشرة كرايوس، القاهرة، ١٩٣٩م، ص١٨.
٢٠٥  لعل من قبيل المفارقة أن الرازي قد أبطل النبوة استنادًا إلى توافقها التام مع العقل. فقد أسَّس الفلاسفة المسلمون — في المقابل — للتقارب بين العقل والنبوة على هذا التوافق ذاته؛ أعني على أن مضمون «العقل» نبوة، ومضمون «النبوة» عقل. ويبدو أن الرازي قد استفاد هذه الحجة من البراهمة الذين أبطلوا النبوة، استنادًا إلى كفاية العقل؛ لأنها تأتي مؤكِّدة لما في العقل من التحسين والتقبيح والحظر والإيجاب. وبالرغم من هذا الحس البرهمي، فإن الرازي تقدَّم البراهمة حين تجاوز الوضع الصوري للعلاقة بين العقل والنبوة في إطار المخالفة أو الموافقة، ثم الرفض في الحالَين، وأسَّس إبطاله للنبوة على أحد بدائل «إما» … «أو»، دونهما معًا.
٢٠٦  المصدر السابق، ص٢٩٣.
٢٠٧  الرازي، رسائل فلسفية، ص٢٩٥.
٢٠٨  أبو الثناء شمس الدين الأصفهاني، شرح مطالع الأنوار، سبق ذكره، ص١٩٨-١٩٩.
٢٠٩  ومن هنا، أكَّد أبو حاتم الرازي — الخصم الألد للرازي الطبيب — «أننا لا نرى في العالم، إلا إمامًا ومأمومًا، وعالمًا ومتعلمًا في جميع الملل والأديان والفلسفات. ولا نرى الناس يستغنون عن الأئمة والعلماء؛ «لأنهم» لم يُلهموا معرفة مضارهم ومنافعهم … بل يحتاجون إلى علماء يتعلمون منهم.» انظر: الرازي، رسائل فلسفية، ص٢٩٦. ومن هذا الإقرار بالتفاوت بين البشر تتأتى النبوة. ويبدو أن هذا التصور قد بلغ مداه عند الشيعة خاصة؛ فقد أدرك كوربان — الذي لا يشك البعض في تشيعه — أن «إنكار كلِّ بنيان يقوم فيه العالم على أساس تراتبي، ذي علل وسيطة يهدم فكرة النبوة من أساسها». انظر: كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، ص٨٨. ولهذا فإن الوسط الشيعي — حسب كوربان — «هو الوسط الذي كان ملائمًا لينشأ فيه علمُ نبوة»؛ لأنه يستند — جوهريًّا — إلى بنيان يقوم فيه العالم على أساس تراتبي.
٢١٠  عبد الرحمن بدوي، من تاريخ الإلحاد في الإسلام، ص٢٠٧.
٢١١  لم يُدرك الرازي — دون شك — التلاحم الصميمي بين أطوار «الوحي» وأطوار «الوعي». ذلك التلاحم الذي يُذيب ما ارتآه من «تناقض» بين الأنبياء، في «وحدة جدلية» تتبدَّى، فقط، وراء ضروب التناقض. انظر أيضًا: حاشية رقم «١٨٤» من هذا الفصل.
٢١٢  عبد الرحمن بدوي، من تاريخ الإلحاد في الإسلام، ص٢٠٨.
٢١٣  يبدو هذا المنطق التعجيزي — طبقًا للرازي — متهافتًا وبليدًا؛ لأنه «ليس في وسع إنسان أن يأتيَ تمامًا بما أتى به آخر». انظر: عبد الرحمن بدوي، من تاريخ الإلحاد في الإسلام، ص٢١٩.
٢١٤  المصدر السابق، ص٢١٥-٢١٦.
٢١٥  المصدر السابق، ص٢١٥.
٢١٦  المصدر السابق، ص٢١٥.
٢١٧  المصدر السابق، ص٢١٩.
٢١٨  والحق أن هذا التصور — أعني تصور وجود نتاج إنساني أعلى من القرآن — قد شاع منذ القرن الثاني الهجري تقريبًا. ويرجع ذلك — فيما يبدو — إلى اطلاع العقل العربي — بتأثير حركة الترجمة — على نصوص لم يعرف مثلها سابقًا؛ كالنصوص اليونانية والهندية خاصة. هذه النصوص التي كشفت — للعقل العربي — عن قدرة العقل الإنساني على أن يؤلف نتاجًا يبلغ من الجودة — شكلًا ومضمونًا — حدًّا لا يقل كثيرًا عن النص الإلهي. بل لعله يزيد كما رأى الرازي مثلًا.
٢١٩  عبد الرحمن بدوي، من تاريخ الإلحاد في الإسلام، ص٢١١-٢١٢.
٢٢٠  المصدر السابق، ص٢١٢.
٢٢١  المصدر السابق، ص٢٢٧-٢٢٨.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤