الفصل الثاني

(١) المؤسسات التعليمية عند العرب قبل تأسيس المدرسة

كانت المساجد والكتاتيب وبعض الأماكن العامة والخاصة هي المؤسسات العلمية الأولية عند العرب في عهد رسول الله وخلفائه الراشدين، وفيها كان المسلمون الأولون يتلقَّوْن هم وأبناؤهم وبناتهم ومواليهم آيات الكتاب المبين، وعلم الفرائض والدين، كما تدل على ذلك مئات الأحاديث والآثار المروية عن الرسول وصحابته وتابعيه.١

وكان العلماء والمتعلمون يتذاكرون في المسجد النبوي بالمدينة، والمسجد الحرام بمكة، والمساجد الأخرى في سائر العالم الإسلامي، وفي الدور، والمجالس في الأماكن الخاصة والعامة … ضروب العلم من دين وأدب وتاريخ وسِيَر ومواعظ وعبر، ويُفتُون من يسألهم في أمرٍ من هذه الأمور. ولما آلت الخلافة الإسلامية إلى بني أمية تطور الأمر في سبيل الاستكمال على ما بيَّنَّا في الباب السابق. وكان إلى جانب تلك المؤسسات العلمية التي ذكرناها مواطن جديدة للتعليم، وهي قصورهم وقصور كبار أمرائهم، ومنازل الأعيان والوجوه الذين استقرت أحوالهم أيام هذه الدولة، وبعد أن توسعت الفتوح وكثرت الأموال وسارت الحياة الاجتماعية في طور حضاري جديد.

وقد كانت هذه القصور والدور عونًا لتلك الأماكن العامة والخاصة في نشر العلم وتسهيل سبل تعميمه؛ فقد كان يعقد فيها كثير من حلقات الآداب والعلوم والفقه والحديث والحكمة، كما كانت تُقام بعض الحلقات العلمية في بعض الطرقات والأسواق.٢

وقد ظلت هذه الأماكن جميعًا من مساجد وخزائن كتب وقصور ودور وطرقات مراكزَ الحركة العلمية في البلاد الإسلامية، منذ فجر الإسلام إلى أن ظهرت المدرسة بمعناها الصحيح في أواخر القرن الرابع للهجرة، وسنبيِّن فيما يلي أحوال تلك المؤسسات العلمية وتطوُّر أمرها منذ أن وُجدت إلى أن تأسست المدرسة.

(١-١) حلقات المساجد والقصَّاص والمجالس الخاصة والعامة

انقسم علماء الآثار الإسلامية من العرب والمستشرقين الذين اهتموا بدراسة المعاهد الإسلامية الخاصة بالعبادة أو بالدراسة إلى فرقاء ثلاثة:
  • فريق أول: وهو غالبية المستشرقين، فقد ذهبوا إلى أن معاهد العبادة الإسلامية قد اقتبست نظام بنائها، وأسلوب ريازتها architecture من نظام الكنائس المسيحية والمعابد الكلدانية والسريانية في العراق، وسورية ومصر، وحجة هؤلاء هي أن المسلمين لم يتخذوا المساجد للعبادة إلا بعد أن تُوفِّي النبي وخرج المسلمون في الفتوح خارج الجزيرة العربية، فاتصلوا بأهل هاتيك الديار وعرفوا شيئًا كثيرًا عن أماكن عبادتهم؛ إذ إنه لم يكن لهم قبل ذلك أمكنة للعبادة سوى صحن منزل الرسول في المدينة. وعلى رأس هذا الفريق من العلماء البرنس كايتاني، والكابتن كريسويل، والبروفسور بدرسون.٣
  • وفريق ثانٍ: يرى أن المعاهد الإسلامية — وعلى رأسها «المسجد» — قد اقتبست صورتها ونظامها البنائي من «الكعبة»، فإنها المكان المقدس الذي رآه المسلمون قبل الإسلام وبعده وتعلقوا به، فطبيعي أن يقلدوه فيبنوا أمكنة عبادتهم على نسقه. وعلى رأس هذا الفريق من العلماء والباحثين المستشرقان لين بول ودييس. وحجتهما أن الكعبة هي البناء الديني العتيق الذي رآه المسلمون في بلادهم قبل إعلان الدين الجديد، فلما أرادوا أن ينشئوا أمكنة عبادة للدين الجديد اقتبسوا نمط ذلك المكان من الكعبة،٤ وقد يكون هذا الرأي صحيحًا لو أن معلوماتنا وافرة عن الكعبة ونظامها البنائي والتعبدي في الجاهلية، ولكن ما نعرفه عن ذلك قليل جدًّا لا غناء فيه.
  • وفريق ثالث: وهو غالبية الباحثين من العرب والمسلمين، يرَوْن أن المعاهد الإسلامية قد وُجدت منذ صدر الإسلام، وأن الرسول كما اتخذ من صحن بيته الساذج البسيط في حيطانه وسقفه مسجدًا للمسلمين، كذلك اتخذ الرسول مساجد جامعة أخرى ليصليَ فيها المسلمون ويقوموا بشعائر دينهم. وليس لبناء هذه المساجد أية علاقة بالكنائس المسيحية أو غيرها من أماكن العبادات عند الأمم الأخرى.
أما الفريق الأول فقد استدل أربابه على نظريتهم بأن في مساجد الإسلام الأولى آثارًا مقتبسة من المعابد المسيحية، ولا نريد هنا أن نستقصيَ أقوال المستشرقين الذين قالوا بهذا القول، وإنما نكتفي بإيراد أقوال طائفة من كبارهم؛ يقول البروفسور هنري سلادان في كتابه عن «مسجد سيدي عقبة في القيروان»:
… إن هذا المسجد يتجه من الشمال الغربي نحو الجنوب الشرقي، وهذا هو الأمر في كافة مساجد مدينتَي سوسة وتونس، وهذا الاتجاه إنما هو اتجاه المعابد المصرية القديمة والمعابد الكلدانية …٥
ويقول البروفسور جورج مارسيه في كتابه عن «الفن الإسلامي»:
… لا شك في أن الكنائس المسيحية التي حوَّلها المسلمون إلى معابد كانت الأساس في ابتكار بعض حقائق المسجد الإسلامي؛ لأن شكلها لم يعارض ما يحتاجون إليه في مسجدهم …٦
وهناك أقوال أخرى يذهب أصحابها إلى أن العمارات الإسلامية ومخططاتها وريازتها منذ فجر الإسلام راجعة إلى أصول غير عربية من مصرية أو كلدانية أو بيزنطية. وحجج هؤلاء العلماء ليست قوية كما ترى، ولا تستند على حقائق علمية ثابتة، وإنما اندفع أصحابها في الأغلب إلى القول بها إشباعًا لرغباتهم التعصبية ضد الإسلام والعروبة. ثم إن هؤلاء المستشرقين جميعًا قوم غرباء عن الإسلام وعن أهله، لا يستطيعون أن يدركوا حقائق حاجات أهله وخصائص أحوالهم؛ لأن للإسلام روحًا وطابعًا لا يستطيع أن يسبر غورهما غير العربي العالِم المتضلع المسلم، ابن اللغة العربية والبيئة العربية، فكيف بالمستشرق الغربي النصراني البعيد عن روح اللغة العربية، والنائي عن البيئة الإسلامية؟! ولا أدل على ذلك من زعم المستشرق سلادان؛ فإن قوله لا يمكن أن يصدر عن باحث مهما انحطت مداركه العلمية؛ لأن الإسلام قد نصَّ نصًّا لا يحتمل الجدل أو النقاش في مسألة الصلاة، وفي مسألة القبلة، وفي وجوب الاتجاه نحو الكعبة في أية بقعة من بقاع الأرض كان المصلي، وقد أجمع المسلمون — بلا خلاف — في كافة مذاهبهم على هذا الأمر، ولم يخالف فيه أحد؛ لأن الله يقول في كتابه: وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ،٧ ولا تصح لمسلم صلاة إذا لم تكن قبلة مسجده صحيحة الاتجاه نحو المسجد الحرام. وقد تشدد الفقهاء المسلمون في هذا الأمر منذ القرن الأول في تحديد مواطن القبلة، والصلاة ركن من أركان الإسلام الخمسة، فكيف يسوغ لأمير إقليم، أو لأي مسلم يريد أن يختط مسجدًا، أو أن يقلب معبدًا مسيحيًّا أو وثنيًّا إلى معبد إسلامي، أن يتساهل في أمر القبلة، أو أن يبنيَ محرابها في اتجاه المعابد القديمة كما يزعم البروفسور سلادان في قوله عن قبلة مسجد سيدي عقبة؟ ولا شك عندي في أن ذلك البحَّاثة ما قال قولته إلا وهو جاهل — أو متجاهل — هذه البديهية التي يعرفها أقل المسلمين حظًّا من العلم والفقه. وإذا كان مسجد سيدي عقبة أو غيره من مساجد القيروان وتونس وسوسة قد انحرفت عن القبلة قليلًا فإن مرجع ذلك إلى ظن المسلمين الأولين الذين اختطوا المساجد هناك أن القبلة كانت في ذلك الاتجاه، وإذا كانت جهات المساجد الإسلامية هناك قد تساوقت ووجهات المعابد الوثنية أو المسيحية هناك أو في مصر، فإن ذلك بمجرد الصدفة ليس غير.

ومثل قول البروفسور سلادان قول البروفسور جورج مارسيه، فإن المعابد التي حوَّلها المسلمون إلى مساجد إما أبقَوْها على شكلها الظاهري القديم ما لم يعارض الشكل الإسلامي المطلوب، أما إذا عارضه فإنهم يبدلونها ليجعلوها ملائمة للغرض الذي تقام المساجد من أجله، وإذا اضطرتهم طبيعة البناء القديم في بعض الحالات إلى إبقاء بعض النواحي المعمارية لتعسُّر هدمه، فإنه من العبث والباطل أن يقال إنهم في الأبنية الجديدة التي يبنونها كانوا يتعمدون بناء تلك النواحي العمرانية التي اضطُروا إلى الإبقاء عليها في الأماكن القديمة المحوَّلة إلى مساجد.

وأما أرباب الفريق الثاني، وهم الذين قالوا إن المسلمين أخذوا ترتيب مساجدهم في المدينة عن معبد أهل مكة وهو الكعبة، فقد يكون لهؤلاء النفر شيء من الحق، ولكن المعلومات الصحيحة عن وضعية الكعبة ووصفها قبل الإسلام مجهولة أو كالمجهولة، وكل ما يَعتمد عليه هؤلاء العلماء من حجج إنما هو أقوال لم تثبت صحتها.

وأما أرباب الفريق الثالث، وهم الذين قالوا بأن المسجد الإسلامي نشأ في زمن الرسول ساذجًا كما نشأت التعاليم الإسلامية ساذجة، وكما نشأ الدين نفسه ببساطة ما بعدها بساطة، فإن هناك نصوصًا كثيرة وأدلة عديدة تثبت ما ذهبوا إليه.

منها: أن القرآن الكريم نصَّ في آيات كثيرة على أن المسلمين كانت لهم «مساجد» في حياة النبي لا كما يزعم أرباب الفريق الأول، فقد قال الله تعالى: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ،٨ وقال أيضًا: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ،٩ وقال أيضًا: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ،١٠ وقال تعالى: وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ،١١ وقال أيضًا: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ،١٢ وقال تعالى: وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ،١٣ وقال أيضًا: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا.١٤

فهذه «المساجد» و«البيوت» بصيغة الجمع تدل على أن المسلمين في حياة الرسول كان لهم أكثر من مسجد يقيمون فيها شعائر الله.

ومنها: أن سورة الجمعة قد نُصَّ فيها على أن الله قد فرض على المسلمين صلاة معينة في ذلك اليوم اسمها «صلاة الجمعة»، وأن هذه الصلاة لا تصح إلا في مسجد جامع كبير. كما أن الآثار الكثيرة المتواترة دلت على وجوب «صلاة الجمعة»، وهذه لا تكون إلا في «مسجد»، ولعل كلمة «جمعة» و«جماعة» وكلمة «جامع» التي تدل على الكثرة والتجمُّع، تقوم دليلًا على أن المسلمين في عهد الرسول كانوا «يتجمعون» في أماكن متعددة للصلاة، وبخاصةٍ صلاة «الجمعة» التي كانت تقام في عهد الرسول، والتي قال الله تعالى في حقها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ،١٥ ومعنى هذا أن الله يأمر كافة المسلمين أن يسعَوْا إلى مكان واحد يتجمعون فيه لأداء صلاة «الجمعة»، وأنه يجب عليهم أجمعين ترك أعمالهم وغلق محلاتهم التجارية والالتقاء في مكان واحد لتأدية هذه الشعيرة المفروضة، وقد صح أن المسلمين كانوا يؤدونها في عهد الرسول وفي مسجده؛ فلا شك إذنْ في أنه قد كان للمسلمين مسجد جامع تقام فيه «الجمعة» و«الجماعات».
ومنها: أن أقدم مصادر السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي — كسيرة ابن اسحق وطبقات ابن سعد — قد نصت على أن الرسول لما دخل المدينة أقام مسجده في المربد الذي وقفت عنده ناقته، وأنه كان مربدًا لسهل وسهيل — غلامين يتيمين من الأنصار — وكانا في حجر أبي أمامة أسعد بن زرارة، فدعا رسول الله بالغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدًا، فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير. وقال معمر عن الزهري: أمر أبو بكر أن يعطيَهما ذلك، وكان جدارًا مجدرًا ليس عليه سقف وقِبلته إلى بيت المقدس، وكان أسعد بن زرارة بناه، فكان يصلي بأصحابه فيه ويجمع بهم في الجمعة قبل مقدم رسول الله ، فأمر رسول الله بالنخل الذي في الحديقة وبالغرقد الذي فيه أن يُقطع، وأمر باللبِن فضُرب، وكان بالمربد قبور جاهلية فأمر بها فنُبشت وأمر بالعظام أن تُغيَّب، وكان بالمربد ماء مستنجل فسبروه حتى ذهب، وأسسوا المسجد فجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، ومن هذين الجانبين مثل ذلك فهو مربع، وكان يقال أقل من مائة ذراع، وجعلوا الأساس قريبًا من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة ثم بنوه باللبِن، وجُعلت قِبلته إلى بيت المقدس، وجُعل له ثلاثة أبواب: باب في مؤخره، وباب يقال له باب الرحمة وهو الباب الذي يدعى باب عاتكة، والباب الثالث الذي يدخل منه رسول الله وهو الباب الذي يلي باب آل عثمان، وجُعل طول الجدار بسطةً، وعُمُده الجذوع وسقفه الجريد …١٦ فهذا النص يدل على أن هذا المسجد كان قبل مقدم رسول الله إلى المدينة مهاجرًا، وأن أسعد كان يجمع فيه الجمعة، وأن الرسول بناه على الشكل الذي رأينا أول مقدمه إلى المدينة، وأنه ابتناه على هذا الشكل الساذج. ويقول الرواة إنه ظل طول عهد أبي بكر كما كان في عهد النبي ؛ قال البلاذري: فلما استُخلف أبو بكر — رضي الله عنه — لم يُحدث في المسجد شيئًا، واستُخلف عمر فوسَّعه لما ضاق بالمسلمين، ثم إن عثمان بن عفان بناه في خلافته بالحجارة والقَصَّة،١٧ وجعل عُمُده حجارة وسقفه بالساج وزاد فيه ونقل إليه الحصباء …١٨
ولما تولى بنو أمية وشرعوا في بناء المساجد الضخمة في الشام ومصر وإفريقية والعراق والمشرق، أمر الوليد بن عبد الملك بإعادة بناء المسجد النبوي على شكل ضخم فخم، كما أمر بتوسعة مسجد المدينة،١٩ ولم يكن المسجد النبوي هو الوحيد في الحجاز، بل كانت ثَمَّةَ غيره.٢٠
ولما شُيدت المساجد الإسلامية العظمى في الأمصار كالفسطاط والقيروان والكوفة والبصرة، بنَوْها على نمط مسجد الرسول، وأول المساجد التي شادها المسلمون خارج الجزيرة مسجد الكوفة؛ فقد بُني في سنة ١٧ للهجرة، ويحدثنا الطبري والبلاذري أن المسجد أول شيء خُطَّ في الكوفة وأنهم بنَوْه كالمسجد النبوي مربعًا في حدود … وجعلوا له صحنًا وبيتًا للصلاة، إلا أنهم لم يقيموه على جذوع النخيل كالمسجد الأُموي أول ما بُني، بل على أعمدة من الحجر وسقَّفوه بألواح من الخشب.٢١ وفي تلك السنة أيضًا أعاد أبو موسى الأشعري بناء مسجد البصرة لمَّا كان واليًا عليها، وبناه على النمط الذي بُني عليه مسجد الكوفة، وقد كان بناه أولًا عتبة بن غزوان في سنة ١٤ﻫ لمَّا اختط المدينة. وفي سنة ٢١ﻫ أقيم في الفسطاط بمصر مسجد ضخم له ظلة وسقف وصفوف من الأعمدة الحجرية، شاده فاتح مصر عمرو بن العاص أول ما افتتح المدينة. وفي سنة ٥٠ﻫ بنى فاتح إفريقية عقبة بن نافع مدينة القيروان واختط فيها المسجد الأعظم المعروف في أيامنا هذه بمسجد سيدي عقبة.
وكل هذه المساجد الجامعة إنما بُنيت ببساطة لم تُحوِج بُناتَها إلى الاستعانة بالمعابد أو الكنائس المصرية والإفريقية أو الرومية كما يزعم المستشرقون. قال الأستاذ أحمد فكري في كتابه عن مسجد القيروان: «… فواجبات الصلاة إذنْ وفروضها وسننها وعادات العرب وطبيعة بلادهم؛ كل هذه دون غيرها كانت الأساس في تكوين نظام البيت الذي يجتمع فيه المسلمون للصلاة، وهي الأساس في تكوين مسجد الرسول بالمدينة، وإن لِبيت الصلاة عنصرًا آخر هو المحراب … وقد اتفق المؤرخون وعلماء الآثار على أنه لم يدخل في نظام مساجد الإسلام الأولى … ولكننا لا نذهب إلى مثل ما ذهبت إليه غالبيتهم من أن هذا العنصر من المسجد مشتق من الكنائس أو أنه محوَّر من محاريبها … فمحراب الكنائس فناء كبير في صدر الكنيسة يتسع على الأقل لمنضدة توضع عليها معدات الشعائر والمراسيم، وفضاء فسيح يروح فيه القائم بهذه الأشياء ويغدو من غير عائق، أما محراب المسجد فهو جوفة في حائط لا تتسع لغير ركوع الإمام وسجوده وجلوسه. والاختلاف شديد بين الوظيفة التي يؤديها هذا والمهام التي يسعها ذلك …»٢٢
وفي المسجد النبوي والمساجد الأولية الأخرى التي شُيدت في عهد النبي وخلفائه كانت تقوم حلقات العلم ومجالس القصَّاص الذين كانوا يُذكِّرون الناس ما نسُوا من أمر الآخرة، ويعلمونهم أمور دينهم، ويمزجون ذلك ببعض ضروبٍ من العلم والحكمة والمعرفة والموعظة الحسنة من نثر ونظْم. وقد ظهر هؤلاء القصاص في زمن مبكر جدًّا،٢٣ ويقال إن أول من قص في المسجد النبوي هو الصحابي الفصيح العالم تميم الداري،٢٤ فقد رَوَوْا أنه كان يحلق حوله حلقات يعظ فيها الناس في مسجد النبي كل يوم جمعة قبل الصلاة في أيام عمر بن الخطاب، فلما استُخلف عثمان بن عفان استأذنه تميم أن يقوم في الناس مرتين للوعظ والإرشاد فأذن له بذلك، فلما جاء عهد علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، وأخذ الخليفتان — حين وقعت الفتنة بين المسلمين في تلك الآونة — يتخذان قصص القصاص آلة للدعاوة لهما، والدعاء على أعدائهما والتنفير منهم وانتقاص أهل الفتنة،٢٥ وكان هدفهم في هذه المجالس نشر التعليم الديني وتثقيف العامة بتفسير بعض آيِ القرآن الكريم، وسرد ما يحفظونه من أحاديث الرسول وما وعَوْه من حكيم الشعر والنثر. وكانوا يمزجون ذلك كله بما تناقل إليهم من أخبار الماضي من عرب وغير عرب،٢٦ ولم يقتصر أمر القصص على الحجاز؛ فقد وردت أخبار كثيرة عن جماعة من القصاص في الأقطار الإسلامية الأخرى.
فقد روَوْا أن سليمان بن عتر التجيبي قاضي مصر في سنة ٣٨ﻫ كان يقص على الناس في مسجد عمرو بن العاص بالإضافة إلى وظيفة القضاء التي كان يتولاها،٢٧ ويظهر أن كثيرًا من القضاة في الأمصار الإسلامية كانوا يقصون على الناس في المساجد الجامعة.٢٨

ومما يجب أن نلاحظه أن التعليم كان يماشي القصص، ولا نستطيع أن نميز بين النواحي التعليمية والنواحي القصصية في عمل القصاصين؛ فإنهم كانوا يمزجون بين معلوماتهم ومواعظهم مزجًا يصعب معه التمييز بينهما، وقد كان لهؤلاء القصاص كراسيُّ يجلسون عليها، ويشرفون منها على طلاب الفقه والحديث وطلاب العلم والمعرفة، كما كانوا يحلقون حولهم حلقات صغيرة أو كبيرة تختلف بحسب شهرة القاصِّ وبراعته في اجتذاب قلوب الناس إليه، وسعة علمه.

وهكذا نستطيع أن نقول إن «أصحاب الكراسي» هؤلاء كانوا هم أول طبقة للمعلمين في الإسلام.

وكان نشاط «أهل الكراسي» هؤلاء نشاطًا عامًّا في الديار الإسلامية كلها في المغرب والمشرق منذ أيام بني أمية إلى العصر العباسي،٢٩ وكذلك كان شأن الفاطميين في مصر؛ فإنهم منذ أن دخلوا مصر واستولَوْا على الأمر فيها ألفوا هؤلاء الوعاظ والقصاص يقومون بإرشاد الناس وتعليمهم في مساجد القاهرة، وبخاصةٍ في مسجد عمرو ومسجد ابن طولون.٣٠
ومما هو جدير بالإشارة إليه أن الفاطميين كانوا يقيمون حلقات للقصَّاص في قصورهم يقرءون فيها آيات من القرآن، وبضعًا من الأحاديث النبوية والأخبار المروية عن آل البيت، ثم يعلقون على ذلك بما فيه تأييد للمذهب الفاطمي.٣١
ولما كثر عدد هؤلاء القصاص وانضم بينهم نفر من الغلاة أو السذج الذين كانوا يتساهلون في رواية الأخبار والأقاصيص الإسرائيلية، انتصب لهم العلماء العاملون والأئمة الصادقون ينتقدونهم، ويحذرون الناس من أباطيلهم وتُرَّهاتهم، حتى إن بعض المؤلفين كأبي طالب المكي صاحب «قوت القلوب» لم يضعوا هؤلاء القصاص في الطبقة الرفيعة من رجال الدين أمثال المتكلمين والزهاد والفقهاء، بل جعلهم طبقة أحط منهم قدرًا.٣٢
أما أسلوب الوعاظ الأوَّلين في وعظهم وطرائق قصصهم فقد ضاعت؛ لأن قدماء القصاص لم يحفظوا لنا قصصهم في مدونات، وإنما نعثر على فقرات منه ونماذج من أسلوبه في بعض كتب الأدب القديمة، أو رسائل الصوفية العتيقة، أو كتب بعض الوعاظ المتأخرين أمثال الجاحظ في «البيان والتبيين» وابن عبد ربه في «العقد»٣٣ وابن الجوزي في «التبصرة» وغيرها من كتبه، والزمخشري في «ربيع الأبرار» وغيرها.٣٤
ومما يؤسف له أشد الأسف أن هذا القصص، الذي كان في صدر الإسلام وسِنِيه الأولى عنصرًا من عناصر التثقيف والتوجيه والتعليم، أضحى في العصور المتأخرة — أي في القرن الرابع والخامس وما بعدهما — مملوءًا بالأباطيل والإسرائيليات والأسجاع السخيفة المملة التي لا غناء كبيرًا فيها،٣٥ كما يتجلى ذلك في «مدهش» ابن الجوزي. وقد اضطَر هذا الأمرُ المفكرين والكُتَّاب والنقاد أن يقسموا القصص إلى نوعين اثنين؛ أحدهما: قصص العامة، والثاني: قصص الخاصة. أما قصص العامة الذي كان روَّاده من العوام والسوقة فقد كانت موضوعاته تافهة، أما قصص الخاصة فقد كان دروسًا في الدين والتوحيد والعلم، وكان يقوم به نفر من كبار الأئمة والمجتهدين الفضلاء. وقد حمل المقريزي على قصص العامة وقال إنه أمر مكروه لا خير فيه.٣٦ ويذكر ابن الحاج أن الإمام مالك بن أنس، وعبد الله بن عمر، وأبا داود كانوا يحملون على قصص العامة، وأن الإمام عليًّا طرد أصحابه من مسجد البصرة، وأن الخليفة المعتضد بالله منعهم من الجلوس في المساجد سنة ٢٨٤ﻫ وحظر عليهم أن يلتف الناس حولهم …٣٧ ومهما يكن من شيء فإن القصص بنوعيه، وعلى الرغم مما صار إليه من انحطاط، كان مدرسة شعبية أفاد عوام الناس منه معلومات وأخبارًا قد استنارت بها عقولهم، وزكت بها نفوسهم.

•••

وأما حلقات مجالس التعليم الخاصة في القصور والدور، فقد ورد عنها الكثير في كتب الفقه والأدب والتاريخ، ونُقلت إلينا نصوص عديدة تدل على أنه كان للقوم مجالس للتعليم يعقدونها في قصور المدينة ودمشق والعواصم الإسلامية الأخرى، كما أن دور بعض العظماء والوجوه كان يُعقد فيها مجالس للتعليم والمناظرة والإفادة.

أما الأسواق العامة فأمرها في التعليم أشهر من أن يُذكر، وقد كان هذا الأمر معروفًا في الجاهلية، وأخبار أسواق عكاظ ومجنة وذي المجاز والطائف وغيرها كثيرة منثورة في كتب الأدب والتاريخ والسيرة، ولقد لعبت هذه الأسواق في الجاهلية وصدر الإسلام — بل وفي العصر الأموي — دورًا هامًّا في نشر العلم وحفظ التراث الفكري والعقلي والأدبي في الجاهلية والإسلام.

والحق أن الخلفاء والأمراء الذين كانوا يهتمون بالنواحي الثقافية والنشاط العلمي كانوا يجمعون في قصورهم مشاهير العلماء في كافة فروع العلم والأدب ويستمعون إلى مناقشاتهم، وكثيرًا ما كانوا يشاركونهم هم أنفسهم في ذلك النشاط العلمي.٣٨ وقد تطور أمر هذه المجالس في القصور إلى مجالس كانت تُعقد في المحلات العامة كالطرقات والأندية، يتناقش فيها العلماء ويتناظرون أمام الجمهور بشكلٍ جذاب ومفيد.٣٩

ومن أشهر مجالس الأماكن العامة مجالس المربد وحلقاته في البصرة، وقد كانت تضم إلى علماء المدينة وأئمتها جمهرة كبيرة فاضلة من علماء البادية ورواة أخبارها، الذين كانوا يقصدون «المربد» للامتياز والمشاركة في ذلك النشاط الأدبي والنحوي واللغوي بصورة عامة.

وكان العلماء والإخباريون الحضريون يرحبون بمقدم هؤلاء البدو الأذكياء ليفيدوا من علمهم ورواياتهم، وكان كثير من طلاب العلم يقصدون تلك المجالس ليدوِّنوا ما يجري فيها من الأحاديث، أو لينقلوا عن علماء البادية ما يحفظون من أخبار قبائلهم وأنسابها وأشعارها ومنثورها. وفي «المربد» أيضًا كان جرير والفرزدق والأخطل وأصحابهم يُلقون قصائدهم ومعارضاتهم. وقد ظل هذا الأمر طوال العصر الأموي، فلما جاء العصر العباسي وكثر العلماء ازدادت الحركة في تلك الأسواق العلمية وأضحت في فجر العصر العباسي «مدارس» منظمة إن صح استعمال هذا التعبير.

وكان كثير من أئمة النحو واللغة أمثال الأصمعي وأبي عمرو بن العلاء وقطرب والكسائي والخليل وسيبويه و… يقصدونها ويفيدون منها، بل إن كثيرًا منهم اعتمد في تثقيف نفسه وتخريجها على ما حفظه من رواة البادية الفحول الذين كانوا يقصدون تلك الأسواق العلمية.

(١-٢) الكتاتيب ومعلموها

الكتاتيب: عُني العرب منذ «الجاهلية» وصدر الإسلام بأطفالهم عنايةً خاصة؛ فأبناء الخواص منهم كانوا يَلقَوْن عناية شديدة لتثقيفهم روحيًّا وتربيتهم جسمانيًّا،٤٠ كما أن أبناء العوام لم يكن أمرهم مهملًا. يقول المستشرق دييس في دائرة المعارف الإسلامية: إن التعليم في مدارس الأطفال «الكتاتيب» كان أقدم من التعليم الذي جاء به الإسلام؛ بحيث إن الطفل الجاهلي كان يلقن مبادئ القراءة والكتابة، وكذلك كان الأمر في صدر الإسلام، وقد كان ليهود المدينة أثر واضح في تعليم أطفال العرب،٤١ ويقول البلاذري نقلًا عن الواقدي وغيره: «كان الكتاب (أي الكتابة) بالعربية في الأوس والخزرج قليلًا، وكان بعض اليهود قد علم كتاب العربية وكان يعلِّمه الصبيان بالمدينة في الزمن الأول؛ فجاء الإسلام وفي الأوس والخزرج عدة يكتبون …»٤٢
ويقول الإمام محمد بن سحنون في رسالته «آداب المعلمين» مما دونه عن أبيه سحنون عن الصحابي الجليل أنس بن مالك أنه قال: «إذا محت صبية الكتَّاب تنزيل رب العالمين بأرجلهم نبذ المعلم إسلامه خلف ظهره.» قيل لأنس كيف كان المؤدبون على عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم؟ قال أنس: كان المؤدب له إجَّانة، وكل صبي يجيء كل يوم بنوبته ماءً طاهرًا فيصبه فيها فيمحون به ألواحهم. وقال أنس: ثم يحفرون له حفرة يصبون ذلك الماء فينشف.٤٣ وروى أنس أيضًا عن رسول الله أنه قال: «أيما مؤدب ولي ثلاثة صبية من هذه الأمة فلم يعلمهم بالسوية فقيرهم مع غنيهم وغنيهم مع فقيرهم حُشر يوم القيامة مع الخائنين»٤٤ فهذان الحديثان الجليلان يدلان على أنه كان في عهد الرسول وخلفائه الراشدين كتاتيب منتظمة يتعلم فيها أبناء المسلمين الأغنياء مع أبناء المسلمين الفقراء بصورة عامة، وأن التعليم كان صناعة لها آدابها وأصولها، وأنه كان يتولاها جماعة مخصوصة من الناس، وأنه كانت لهم طرائق في التعليم وفي تهذيب أطفال المسلمين والعناية بتهذيبهم وإصلاح أحوالهم.
ومما ينبغي أن نذكره هنا أنه قد كانت في المدينة دار تسمى «دار القرآن»، وأن بعض القراء كانوا يسكنونها ليحفظوا آيَ كتاب الله ويجوِّدوا قراءته، ويقصدهم الناس إليها فيفيدون مما عندهم من علم كتاب الله وما حفظوا من حروفه. قال المستشرق دييس في دائرة المعارف الإسلامية: «ويظهر أنه قد وجدت منذ فجر الإسلام أمكنة كانوا يجتمعون فيها لاستظهار القرآن وتدارسه.» ولا شك في أن هذه المواضع كانت كالمدارس الأولية يتعلمون فيها مبادئ القراءة وأصول الكتابة العربية، كما يحدثنا الواحدي ويذكر أن عبد الله ابن أم مكتوم كان يسكن دار القرَّاء بالمدينة.٤٥
ولما سارت جيوش المسلمين في فتوحاتهم الواسعة خارج الجزيرة العربية برزت الكتاتيب القرآنية بصورة واضحة، وتعددت في كافة الأرجاء التي حلَّ الفاتحون فيها من عواصم المدن والدساكر والقرى القريبة والنائية،٤٦ ولا غرو في أن كثرة الفتوح واتساع رقعة المملكة وتحمُّس الناس الشديد للقرآن قد سبب كل ذلك.
وقد لعب المسلمون الأولون من أهل الحجاز والشام والعراق ومصر دورًا كبيرًا في إيجاد هذه الكتاتيب حيثما انتقلوا من الديار المفتوحة في خراسان والمشرق والمغرب، ليعلِّموا أولادهم القرآن وليلقنوا أبناء المسلمين من أهل هاتيك الديار آيات كتاب الله البينات؛ وهكذا وُجدت الكتاتيب بكثرة في البصرة والكوفة والفسطاط والقيروان ودمشق وحلب والإسكندرية وغيرها من العواصم؛ فقد رُوي عن غياث بن أبي غياث لمَّا كان طفلًا في الكُتَّاب أن الصحابي الجليل سفيان بن وهب كان يزور كُتَّابهم، ويلاطف الأطفال ويباركهم ويدعو لهم بالفتوح والبركة.٤٧
ولما استقل بنو أمية بأمر المسلمين ازدادت عنايتهم بالثقافة زيادة واضحة لتوسُّع رقعة الملك وحاجة الدولة إلى المتعلمين. وقد نبغ في هذا العصر جمهرة من كبار المعلمين والمؤدبين ذوي المكانة السامية والفضل والقدر الرفيع والشهرة. وقد كانت للأمويين عناية خاصة بتهذيب أبنائهم وأبناء رجالات دولتهم، فكانوا يرسلونهم إلى البادية لتفصح ألسنتهم وتتقوَّى أجسامهم، متبعين في ذلك السَّنَنَ الذي كان يفعله آباؤهم قبل الإسلام حين كانوا يرسلون أطفالهم إلى البادية فيُرضعونهم فيها وينتقون لهم أشرف المراضع من بنات القبائل الشريفة الفصيحة.٤٨
قال عبد الملك بن مروان: «… أضر بالوليد حبنا له فلم نوجهه إلى البادية.» ولذلك خرج الوليد لحَّانة، وكذلك كان أخوه محمد لحَّانًا، على عكس أخويهما هشام ومسلمة؛ فإنهما كانا فصيحين لأنهما خرجا إلى البادية فتفصحا فيها. وقد أساء لحْن الوليد إلى نفسه وإلى الأمة إساءة خطيرة؛ قال الجاحظ بعد أن روى حكمة عبد الملك السابقة في ابنه الوليد: لحَن الوليد على المنبر فقال الكروس: لا والله إن رأيته على هذه الأعواد قط فأمكنني أن أملأ عيني منه من كثرته في عيني، وجلالته في نفسي، فإذا لحَن هذا اللحن الفاحش صار عندي كبعض أعوانه، وصلى الوليد يومًا الغداة فقرأ السورة التي تُذكر فيها الحاقة فقال: يا ليتُها كانت القاضية. فبلغت عمر بن عبد العزيز فقال: أما إنه إن كان قالها إنه لأحد الأحدين. وقالوا: لم يكن في أولاد عبد الملك أفصح من هشام ومسلمة.٤٩

•••

أما في العصر العباسي فقد انتظم أمر هذه الكتاتيب بصورة فنية فائقة؛ لعناية الناس بأمر أولادهم من جهة، ولاشتداد الدولة واهتمامها بأمر التعليم وما إليه من الشئون العامة من جهة أخرى.

ويلاحَظ أن معلمي الكتاتيب منذ العصر الأُموي قد كانوا منقسمين إلى قسمين:
  • أولهما: معلمو كتاتيب العامة الذين كانوا يهتمون بتعليم أبناء الطبقة المتوسطة وسواد الشعب.
  • وثانيهما: معلمو أبناء الطبقة العليا والأمراء والنبلاء والأثرياء، وكان لهؤلاء المعلمين اسم يمتازون به وهو اسم «المؤدبين».

وكان إلى جانب هؤلاء جميعًا طبقة هي طبقة كبار المؤدبين الذين امتازوا بسعة اطلاعهم في الثقافة العربية الإسلامية، إلى جانب تعمقهم في ضروب من العلم والأدب واضطلاعهم بآداب الأمم السابقة وتقاليد الملوك الغابرة، وكَلِمِ الحكماء والفلاسفة القدماء، وكان هؤلاء يختصون بتربية أبناء الخلفاء وولاة العهد وغيرهم من أبناء الأسرة الحاكمة وكبار الأمراء. نذكر منهم الأئمة سيبويه والكسائي والأصمعي، وغيرهم من طبقة كبار علماء الإسلام.

وكان إلى جانب هؤلاء أيضًا طبقة من العلماء الأعراب البداة الذين ورثوا علم البادية، وحفظوا أشعار القبائل ووعَوْا أخبارهم، وكانت لهم ثقافة واسعة في العربية، فكان هؤلاء يطوفون على أصحاب الكتاتيب والمؤدبين وكبار العلماء فيفيدونهم من علمهم ويستفيدون مما عندهم. ونذكر منهم أسعد الرياحي، وأبا مسهر مؤدب البرامكة، وأبا العميثل بن خليد معلم عبد الله بن طاهر ومحمد قادم، وأبا عمرو الشيباني، وغيرهم ممن سنذكرهم بعد.٥٠
كما يلاحظ أيضًا أن الكتاتيب قد انقسمت إلى قسمين أيضًا:
  • أولهما: كتاتيب أولية كان يتعلم الأطفال فيها القراءة والكتابة ويحفظون القرآن ومبادئ الدين وأوليات الحساب.
  • وثانيهما: كتاتيب قانونية — إن صح هذا التعبير — كانت لتعليم الأطفال والشبان علوم اللغة والآداب، وكانوا يتوسعون فيها بعلوم الدين والحديث وسائر صنوف العلم الأخرى بصورة عامة.

معلمو الكتاتيب وآدابهم

قلنا فيما سبق إن الحكومة لم تكن تشرف في صدر الملة الإسلامية على المعلمين وكتاتيبهم، وإنما كانت الرقابة متروكة لدين المعلم ووجدانه وخُلقه، وقد كان الناس في صدر الملة الإسلامية يخافون الله فيراقبون أنفسهم، وكان كثير من المعلمين والمربين يعلِّمون وهم لا يبغون من التعلُّم إلا الاحتساب وطلب الثواب، فلما تطوَّرت الحياة في المجتمع الإسلامي، ودخل في كيان الدولة الفساد صار الآباء يهتمون بانتقاء أفاضل المعلمين لأولادهم كما ينتقون العارفين بهذه المهنة، وكانوا يتطلبون من معلم الكتاب أن يكون ذا ثقافة محدودة، وعلم بعينه، ويطلبون منه أيضًا أن يكون عارفًا بسياسة الأطفال وعلم نفسياتهم، وأن يكون دَيِّنًا وَرِعًا متزوجًا، ولا يجيزون للشباب المراهقين مزاولة هذه المهنة.

هذا وقد اشترط المسلمون منذ زمن مبكر في معلمي الكتاتيب وأساتيذ الأطفال والشبان في التعليم الأوَّلي والثاني شروطًا عديدة، أهمها:
  • (١)

    أن يقصد الواحد منهم لعمله التهذيبي هذا وجهَ الله تعالى، وأن يكون اشتغاله بالتعليم في سبيل الله تعالى لإصلاح ناشئة المسلمين، لا طمعًا في مال أو جاه، فإن فعل ذلك ضل. قال سفيان بن عيينة: كنت قد أوتيت فهم القرآن فلما قبلت الصرة من أبي جعفر سُلبتُه.

  • (٢)

    أن يكون قوي اليقين بالله عز وجل، وأن يقوم بشعائر الدين وإظهار السنن وإخماد البدع، وأن يتخلق بمحاسن الأخلاق حتى يقذف الله في قلبه الفهم. قال ابن مسعود: ليس العلم بكثرة الرواية، إنما العلم نور يقذفه الله في القلب.

  • (٣)

    أن يتنزه في ساعات فراغه عن امتهان المهن الحقيرة كالحجامة والدباغة وما إلى ذلك …

  • (٤)

    أن ينظف جسمه بإزالة الأوساخ وتقصير الأظافير، واجتناب الروائح الكريهة.

  • (٥)

    أن يقتصد في ملبسه ومطعمه ومسكنه. قال الإمام الشافعي: ما شبعت منذ ست عشرة سنة.

  • (٦)

    أن يبتعد ما استطاع عن الحكام والملوك. قال الأوزاعي: ما شيء أبغض إلى الله تعالى من عالم يزور وزيرًا.

  • (٧)

    أن يتشبه بأهل الفضل والدين من معلمي الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أكابر العلماء.

  • (٨)

    أن يكون ذا عناية بالعلوم المفيدة، وأن يتجنب غير المفيدة التي يقل نفعها ويكثر الجدل فيها والقيل والقال عنها.

  • (٩)
    أن تكون عنايته بتحصيل العلم النافع في الآخرة من نوع ما رُوي عن الإمام شقيق البلخي أستاذ حاتم الأصم أنه قال لحاتم: منذ كم صحبتني؟ فقال: منذ ثلاثٍ وثلاثين سنة. فقال: وما تعلمتَ مني في هذه المدة؟ قال: ثمانيَ مسائل. قال شقيق: إنا لله وإنا إليه راجعون! ذهب عمري معك ولم تتعلم إلا ثمانيَ مسائل. فقال: يا أستاذ، لم أتعلَّم غيرها ولا أريد أن أكذب. فقال: هات هذه المسائل الثمانيَ حتى أسمعها، فذكرها وهي: محبة الحسنات، ومدافعة الهوى، والصداقة، والتقوى، وترك الجسد، ومصادقة الخلق وعداوة الشيطان، وملازمة الطاعة، وترك الذل للخلق بسبب المعيشة، والتوكل على الله. فقال شقيق: يا حاتم، وفقك الله! إني نظرت في علم التوراة والإنجيل والزبور والفرقان فرأيته يدور على هذه المسائل الثماني.٥١
  • (١٠)

    أن لا ينصب نفسه للتعليم حتى يستكمل أهليته ويشهد له أفاضل أساتذته بذلك. قال الشبلي: من تصدَّر قبل أوانه فقد تصدَّى لهوانه.

  • (١١)

    أن يؤدب طلابه وتلاميذه بسيرته وعمله قبل تأديبهم بقوله وموعظته.

  • (١٢)

    أن لا يُذِل العلمَ بالذهاب إلى المتعلم وإن كان كبير القدر. قال الزهري: هوان العلم أن يحمله العالم إلى بيت المتعلم، فإن دعت الضرورة وحسنت فيه النية فلا بأس.

  • (١٣)

    أن يحب تلاميذه ويصونهم عن الأذى ما استطاع. قال أبو عباس: أكرم الناس عليَّ جليسي الذي يتخطَّى الناس حتى يجلس إليَّ، ولو استطعت أن لا يقع عليه الذباب لفعلت.

  • (١٤)

    أن يغفر لتلاميذه خطاياهم ويعذرهم على هفواتهم، فإن أراد تنبيههم على ذنوبهم أدَّبهم أولًا بالتلميح، فإن لم يتعظوا صرَّح لهم، فإن لم يفدهم ذلك وبَّخهم. قال رسول الله : «علموا ولا تعنفوا؛ فإن المعلِّم خير من المعنِّف.» وقال: «لينوا لمن تعلِّمون، ولمن تتعلَّمون منه».

  • (١٥)

    أن يرحِّب بطلبته إذا حضروا إليه، ويسأل عنهم إذا غابوا عنه. وكان أبو حنيفة أكرم الناس مُجالسة، وأشدهم إكرامًا لأصحابه، وإذا غاب أحدهم غَيبة طويلة سأل عنه، فإن لم يخبَر عنه أرسل إليه أو قصد منزله بنفسه، وإن كان مريضًا عاده، وإن رآه في غم خفض عنه، وإن رآه محتاجًا قضى له حاجته.

  • (١٦)

    أن يقول «لا أدري» إذا سُئل عما لا يعرفه. قال ابن مسعود يوصي المعلمين: يا أيها الناس من علم شيئًا فليقل به، ومن لا يعلم فليقل «الله أعلم»، فإن من العلم أن تقول «الله أعلم».

  • (١٧)

    أن يتفهَّم مستوى فهم طلابه ويخاطبهم على قدر فهمهم وإدراكهم، فيكتفي للحاذق بالإشارة، ويوضح لغيره بالعبارة، ويكرر لمن لا يعلم، ويبدأ بتصوير المسألة ثم يوجهها بالأمثلة، ويقتصر على ذلك من غير دليل ولا تعليل، فإن سهل عليه الفهم فيذكر التعليل والمأخذ، ويبيِّن الدليل المعتمد ليعتمده، والضعيف لئلا يغترَّ به، ويبيِّن ما يتعلق بالمسألة من النكت اللطيف والألغاز الطريفة والأمثال والأشعار.

  • (١٨)

    أن يذكر لهم قواعد الفن التي لا تنخرم مطلقًا أو غالبًا مع مستثنياتها إن كانت موجودة، وأن يحرضهم على الاشتغال في كل وقت ويطالبهم بإعادة محفوظاتهم، فمن وجده حافظًا أثنى عليه، ومن وجده مقصرًا عنَّفه، وأن يطرح عليهم أسئلة يختبر بها أفهامهم، ويأمرهم بالاعتدال في الطلب إذا ما أسرفوا فيه وظهر ذلك على أجسامهم وفي وجوههم، وإذا ما رأى من أحد ضجرًا أو نحوه أوصاه بالراحة والاستجمام.

  • (١٩)

    أن لا يعلِّم أحدًا ما لا يحتمله ذهنه أو سنه، ولا يشير على أحد بقراءة كتاب يقصر عنه ذهنه، فإن استشاره من لا يعرف حاله في قراءة فنٍّ مُشكِل أو كتابٍ مُعضِل أو بحث عويص، لم يشر عليه بشيء حتى يمتحنه، فإذا امتحنه سمَّى له الكتاب الذي يقدر عليه، ولا يمكِّن طالبًا من الاشتغال بعدة فنون لا يستطيع إتقانها معًا.

  • (٢٠)

    أن لا يدرِّس وهو منزعج النفس فيه ملل أو مرض أو جوع أو غضب أو نعاس؛ فإن ذلك مضر بنفسه وبطلابه ضررًا بالغًا.

  • (٢١)

    أن يكون له «نقيب» فَطِن كيِّس دَرِب يرتِّب الطلاب على أقدارهم، ويوقظ منهم الغافل، ويأمرهم بحسن الاستماع والانتباه، ويراقب الذي يمحون به ألواحهم بكونه طاهرًا، وأن لا يُلقى في أماكن قذرة، ولا يدعهم يمحونها بأرجلهم.

  • (٢٢)
    أن يجعل للطلاب أوقاتًا معينة يعرضون فيها عليه ما حفظوه من القرآن والكتب، وكان المعلمون قديمًا يجعلون ذلك عشية يوم الأربعاء وصبيحة يوم الخميس، ويتركون طلابهم أحرارًا عشية الخميس وطيلة الجمعة للاستراحة والاستجمام. قال سحنون: وذلك سُنة للمعلمين منذ كانوا، فأما بطالتهم كل يوم الخميس فهذا بعيد، إنما دراسة الصبيان أحزابهم وعرضهم إياه على معلميهم في عشي يوم الثلاثاء والأربعاء وغدو يوم الخميس إلى وقت الكتابة، والتخاير إلى قبل انقلابهم نصف النهار، ثم يعودون بعد صلاة الظهر للكتاب أو الخيار٥٢ إلى وقت صلاة العصر، ثم ينصرفون إلى يوم السبت يبكرون فيه إلى معلميهم؛ وهذا حسن بالغ رفيق بالصبيان.
  • (٢٣)
    أن يتركهم أحرارًا في الأعياد، وكانوا يبطلون الدرس في عيد الفطر يومًا واحدًا وربما جعلوها ثلاثة أيام مع بعض الديار الإسلامية، وفي عيد الأضحى ثلاثة أيام وربما جعلوها خمسة، ولا بأس ببطالة بعض الأيام الأخرى كأيام ختمة بعضهم أو غير ذلك من المناسبات المشروعة.٥٣

المتعلمون وآدابهم

وكما اشترط المربون المسلمون في المعلمين شروطًا بينَّاها في الفصل السابق، اشترطوا كذلك على الطالب شروطًا يجب عليه أن يتخلَّق بها، وقد أسهبوا في بيان ذلك. ونرى أن نذكر هنا أهم تلك الشروط لأنها تعطينا صورة موجزة عما يجب أن يتحلَّى به الطفل المسلم من أخلاق في الكُتَّاب وغيره:
  • (١)

    يجب عليه أن يفهم أنه إنما يتعلم العلم لله وللخير وللدين لا لأمور الدنيا ولا لأي عرَض زائل، وأن يحافظ على شعائر الدين ومكارم الأخلاق وإظهار السنن، ويخشى الله، ويطهِّر قلبه من الصفات الذميمة كالحسد والرياء والعجب واحتقار زملائه والغش، وما إلى ذلك من فاسد الأخلاق.

  • (٢)

    يجب عليه أن يجدَّ في الدراسة، وينشط في الحفظ والعمل، وأن لا يتأخر عن مواعد الدروس والحفظ.

  • (٣)

    يجب عليه أن لا يسأل أستاذه أسئلة تعنُّت وتعجيز، وأن يهذب أسئلته، وأن لا يستنكف عن التعلم ممن هو دونه من رفقائه إذا كان أعلم منه؛ فقد ثبتت في الصحيحين وغيرهما من كتب الأئمة رواية جماعة من الصحابة عن التابعين وسؤالهم إياهم عن بعض مسائل العلم والدين.

  • (٤)

    أن لا يعاشر غير إخوانه المجدِّين من الطلبة؛ فإن الطبع سرَّاق.

  • (٥)

    أن لا يفتش في ابتداء دراسته عن اختلافات العلماء، وبخاصةٍ في المباحث العقلية والسمعية؛ فإن ذلك مما يفسد ذهنه ويشوِّشه.

  • (٦)

    أن لا ينتقل من بحث قديم إلى بحث جديد إلا بعد إتقان البحث القديم، إلا إذا كان ذا مواهب كبيرة وأهلية واسعة، وبعد استئذان أستاذه ومشورته بذلك.

  • (٧)

    أن لا ينظر إلى «أستاذه» و«نقيبه» بغير الإجلال والاحترام. ويُروى عن الشافعي أنه قال: كنت أصفح الورقة بين يدي مالك — رحمه الله — صفحًا رفيقًا؛ هيبةً له لئلا يسمع وقْعها. ويُروى أن الإمام يحيى بن سعيد القطان كان يصلي العصر ثم يستند إلى أصل منارة مسجده، فيقف بين يديه علي بن المديني، والشاذكوني، وعمرو بن علي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهم، يسألونه عن الحديث وهم قيام على أرجلهم إلى أن تحين صلاة المغرب لا يقول لواحد منهم: اجلس، ولا يجلسون هيبةً له وإعظامًا.

  • (٨)

    أن يبجِّل أستاذه في حضوره وغَيبته، ولا يخاطبه بتاء الخطاب وكافه ولا يناديه من بعيد، بل يقول له: يا سيدي، يا أستاذ، يا أيها المعلم، يا أيها الحافظ، ويخاطبه بصفة الجمع، ويَذكره في غَيبته بقوله: قال الشيخ، أو قال شيخنا، أو قال شيخ الإسلام، أو حجة الإسلام، أو غير ذلك.

  • (٩)

    أن يصبر على بعض هفوات أستاذه أو جفوته أو سوء خلقه. قال الشافعي: قيل لسفيان بن عيينة إن قومًا يأتونك من أقطار الأرض تغضب عليهم يوشك أن يذهبوا ويتركوك! فقال: هم حمقى إن تركوا ما ينفعهم لسوء خلقي.

  • (١٠)

    أن يسبق أستاذه في الحضور إلى المكتب أو الحلقة، وأن يجلس في حضرته بأدب ويتعاهد تغطية قدميه وإرخاء ثيابه، ولا يستند بحضرته إلى حائط أو مخدة، ولا يدير إليه ظهره أو ما أشبه هذا.

  • (١١)

    أن يلقيَ بسمعه إلى الشيخ وهو شهيد لما يلقيه؛ بحيث لا يحيجه إلى إعادة الكلام، ولا يلتفت ولا يتمخط ولا يتمطَّى ولا يتثاءب ولا يتجشأ ولا يضحك إلا بقدر.

  • (١٢)
    أن لا يأكل ما يُفسد عليه ذوقه وفهمه أو يضر بصحته أو ينسيه، أو يسبب إفساد صحته وسوء فهمه.٥٤
  • (١٣)
    أن يقلل النوم حتى لا يلحقه الضرر من ذلك في بدنه وذهنه، وأن لا يزيد في نومه في اليوم والليلة على الثماني ساعات وإلا تبلد ذهنه، وأن ينشط ذهنه بالترويح عن النفس في التفرج على المستنزهات والرياضة. قال ابن خلكان في ترجمة الفارابي: وكان الشيخ مدة قيامه بدمشق لا يكون غالبًا إلا عند مجتمع ماء أو مشتبك رياض يؤلف هناك كتبه ويتناوبه المشتغلون عليه.٥٥
  • (١٤)

    أن لا يسيء معاملة أستاذه أو يسخر منه، أو يقوم هو ورفقاؤه من الأطفال ببعض الأعمال الشائنة التي تحط من قدر الأستاذ أو تجعله أضحوكة بين التلاميذ أو الناس. وينبغي على شيخ الكُتَّاب إذا رأى من أطفال كُتَّابه عملًا أو قولًا أو حركاتٍ يراد بها الاستهزاء به أن يتظاهر بأنه مطَّلع على حركاتهم هذه، وأنه سيعفو عنهم هذه المرة، فإن كرروا العمل عاقبهم عقابًا شديدًا ليَرهبوه وينزجر بهم رفقاؤهم، وينبغي عليه أن لا يثور عليهم ثورات تدل على حمقه أو سخفه. وقد اتُّهم معلمو الكتاتيب منذ القديم بأنهم حمقى حتى ضُربت بهم الأمثال في ذلك؛ قال الجاحظ: ومن أمثال العامة أحمق من معلم كُتَّاب. وقد ذكرهم صقلاب فقال:

    وكيف يرجَّى الرأي والعلم عند من
    يروح على أنثى ويغدو على طفل
    وقال بعضهم: لا تستشيروا معلمًا ولا راعيَ غنم ولا كثير القعود مع النساء … وقد سمعنا في المثل «أحمق من راعي ضأن ثمانين.» فأما استحماق رعاة الغنم في الجملة فكيف يكون صوابًا وقد رعى الغنم عدة من جلة الأنبياء صلى الله عليهم وسلم … وقد سمعنا قول بعضهم «الحمق في الحاكة والمعلمين والغزالين.» وقال: «الحاكة أقل وأسقط من أن يقال لهم حمقى، وكذلك الغزالون؛ لأن الأحمق هو الذي يتكلم بالصواب الجيد ثم يجيء بخطأ فاحش، والحائك ليس عنده صواب جيد في فعال ولا مقال … وما زلت أسمع هذا القول في المعلمين. والمعلمون عندي على حزبين؛ منهم رجال ارتفعوا عن تعليم أولاد العامة إلى أولاد الخاصة، ومنهم رجال ارتفعوا عن تعليم أولاد الخاصة إلى أولاد الملوك أنفسهم المرشحين للخلافة، فكيف تستطيع أن تزعم أن مثل حمزة بن علي الكسائي ومحمد بن المستنير الذي يقال له قطرب وأشباه هؤلاء يقال لهم حمقى؟! ولا يجوز هذا القول على هؤلاء ولا على الطبقة التي دونهم، فإن ذهبوا إلى معلمي كتاتيب القرى، فإن لكل قوم حاشية وسفلة، فما هم في ذلك إلا كغيرهم، وكيف نقول مثل ذلك وفيهم الفقهاء والشعراء والخطباء مثل عبد الحميد الكاتب و…»٥٦

    والحق أن المعلمين هم الصفوة المختارة الذين نذروا نفوسهم لتعليم أبناء الأمة، وأذابوا نفوسهم لإضاءة الطريق أمام الجيل الصاعد، وإن ظهر من بعضهم سخف أو حمق فهو كالذي يظهر من غيرهم من طبقات الناس كالمهندسين والأطباء وغيرهم.

كيف كان يجري التعليم في الكتاتيب

كان الطفل يُرسَل إلى الكُتَّاب الذي كان يكون في الغالب إلى جانب المسجد، وقد يكون بعيدًا عنه، ونادرًا ما يكون فيه لعدم تحرز الأطفال عن الوساخة والضوضاء، وكان يشرف على الكُتَّاب معلم قارئ حافظ مثقَّف يتخذ التعليم حرفة ومكتسبًا، وقد يشترك أكثر من معلم واحد في كُتاب واحد إذا كان عدد الأطفال كثيرًا، ولم تكن للحكومة أية رقابة على هذه الكتاتيب إلا متأخرًا حينما وُجدت وظيفة «المحتسب». وكان الآباء ينتقون لأبنائهم الكتاتيب، ويتَّفقون مع معلميها على الأجر ويشارطونهم على مقدارها أسبوعيًّا أو مشاهرة أو مسانهة، كما يشارطونهم على ما يجب أن يتعلمه أبناؤهم، ولم يكن الكُتَّاب في الغالب دارًا متعددة الغرف، كما هو الحال اليوم في دور الحضانة أو حدائق الأطفال أو المدارس الابتدائية أو الأولية، وإنما هي غرفة واسعة أو ضيقة أو غرفتان على الأكثر، متواضعة الفرش والأثاث، تتسع لعدد من الأطفال يشرف عليهم المعلم والنقيب.

وكان من العادة أن يذهب الطفل إلى الكتاب مبكرًا فيبدأ يومه بحفظ حزب من القرآن الكريم، وبعد أن يحفظه يبدأ بالنسخ والكتابة والتمرُّن على تجويد الحفظ إلى وقت الظهر، ثم يعود إلى بيته للغداء أو يتغدى في الكتاب، ثم يبدأ عمله ثانية بعد صلاة الظهر حتى فترة العصر يقرأ ويكتب إلى حين الانصراف إلى أهله بعد العصر.

وكان للأطفال نصف يوم الخميس وطول يوم الجمعة عطلة للاستراحة، بالإضافة إلى أيام عيد الفطر الثلاثة وأيام عيد الأضحى الخمسة، وبعد عطل أيام المناسبات كيوم ختم أحدهم أو طهوره أو ما أشبه هذا.

وكانت مدة بقاء الطفل في الكُتَّاب خمسة أعوام أو ستة على الأكثر، وتكون على الغالب ابتداءً من السنة الخامسة أو السادسة من عمره إلى السنة العاشرة أو الحادية عشرة، يحفظ الطفل خلالها القرآن الكريم كله أو بعضه عن ظهر قلب أو روايةً وإتقانًا، ويتقن فنَّي الكتابة والخط، ويلم بمبادئ العربية، ومبادئ الحساب الأولية.

وطريقة التعليم في الكتاب هو أن يقرأ المعلم آية من القرآن ثم يرددها الطفل حتى يحفظها، فينتقل إلى آية أخرى سواها، أو يكتب الآيات المطلوبة في لوح من الحجر أو اللخاف أو العظام أو الجلود ثم يحفظها، فإذا حفظها محاها في إجانة ماء يلقى به في مكان طاهر فتبتلعه الأرض.

وكان في الكُتَّاب عقوبات يتلقاها الطفل المخطئ أو المهمل أو الكسول، وأول تلك العقوبات التوبيخ وحده ثم أمام زملائه، ثم التهديد العلني ثم الضرب باليد أو العصا.

وإذا أتم الطفل مدة الدراسة في الكُتَّاب وحفظ القرآن أو رواه امتحنه المعلم لمعرفة ذلك والتأكُّد منه، فإذا اجتاز الامتحان احتفل ﺑ «الختمة»، ثم يدخل معركة الحياة العملية، أو يبدأ الدراسة الثانوية فالعالية إذا ما أراد ذلك.

هذا بإيجاز وصف الحالة التي كان عليها الكُتَّاب ومدتها، وسنعود إلى تفصيل دقائق ذلك بعد.٥٧

أهداف الكتاتيب ومناهجها وبرامجها

يظهر أن الكتاتيب التي وُجدت في صدر الإسلام كانت كتاتيب ساذجة، يتعلم الطفل منها أوَّليات القراءة ويحفظ القرآن كله أو بعضه، فلما انتظمت شئون الدولة الإسلامية في عهد بني أمية، عُني الناس عنايةً شديدة بهذه الكتاتيب لتخريج طبقة من الكُتَّاب ومستخدمي الدولة وعُمالها ورجال الأعمال في مصالح الدولة وخارجها. ولم يكد يطلُّ القرن الثاني للهجرة حتى كانت هذه الكتاتيب قد انتظمت شئونها وصار لها برامج تُطبَّق في كتاتيب الصبيان كما تُطبَّق في كتاتيب البنات. وقد حفظ لنا الإمام الجليل محمد بن سحنون وغيره طرفًا مهمًّا من أحوال تلك الكتاتيب وأنظمتها وقواعدها مما سنفصله بعد.

ولا شك في أن أول مقررات تلك البرامج هو القرآن الكريم؛ فقد كانت العناية به جد شديدة، وكانوا يبدءون في إقراء الطفل للقرآن بجملته قراءة دَرْج، ثم يعمدون إلى تحفيظه إياه كله أو ما تيسر منه، وقد يبدأ المعلم بإعراب بعض آياته، وتفسير غريبه تفسيرًا وجيزًا، وطريقة ترتيله وتجويده، كما يعلِّمهم مبادئ العلوم والآداب التي تعينهم على تفهُّم معاني كتاب الله.

قال ابن سحنون: وينبغي له أن يعلمهم إعراب القرآن وذلك لازم له، والشكل والهجاء والخط الحسن، والقراءة الحسنة والتوقيف والترتيل … ولا بأس أن يعلِّمهم الشعر مما لا يكون في فحش من كلام العرب وأخبارها، وليس ذلك بواجب عليه، ويلزمه أن يعلِّمهم ما علم من القراءة الحسنة، وهو مقرأ نافع٥٨ ولا بأس إن أقرأهم لغيره إذا لم يكن مستبشَعًا،٥٩ ولا يجوز أن يقرأ القرآن بالألحان، ولا أرى أن يعلِّمهم التحبير؛٦٠ لأن ذلك داعية الغناء وهو مكروه، وأن ينهى عن ذلك بأشد النهي، وليعلمهم الأدب فإنه من الواجب لله عليه النصيحة وحفظهم ورعايتهم، وليجعل الكَتْبَ من الضحى إلى وقت الانقلاب — أي الانصراف — ولا بأس أن يجعلهم يُملي بعضهم على بعض؛ لأن في ذلك منفعة لهم، وليتفقد إملاءهم، ولا يجوز أن ينقلهم من سورة إلى سورة حتى يحفظوها بإعرابها وكتابتها إلا أن يسهِّل له الآباء … ويلزمه أن يعلمهم الوضوء والصلاة لأن ذلك دينهم …٦١

ويظهر أن هذه الطريقة كانت متَّبَعة في أكثر أنحاء العالم الإسلامي إلا الأندلسي، ويظهر أن الإمام أبا بكر بن عربي العالم الأندلسي المشهور (؟–٥٤٣) قد انتقد هذه الطريقة بعد أن طاف في العالم الإسلامي ووجد أن أطفال المسلمين في كافة أصقاع الإسلام التي زارها يبدءون بتعلُّم القرآن دون أن يَعُوه؛ فانتقد ذلك في العواصم من القواصم «… فصار الطفل عندهم إذا عقل، فإن سلكوا به أمثل طريقة لهم علَّموه كتاب الله، فإذا حذقه نقلوه إلى الأدب، فإذا نهض منه حفَّظوه الموطأ، فإذا أتقنه نقلوه إلى المدونة …»

ويقول ابن خلدون، في الفصل الذي عقده لبيان تعليم الولدان واختلاف مذاهب الأمصار الإسلامية وطرقه: «اعلم أن تعليم الولدان للقرآن شعار من شعار الدين أخذ به أهل الملة ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن وبعض متون الأحاديث، وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعدُ من الملكات، فأما أهل المغرب فمذهبهم في الولدان الاقتصار على تعليم القرآن فقط، وأخذهم أثناء المدارسة بالرسم ومسائله واختلاف حملة القرآن فيه، لا يخلطون ذلك بسواه في شيء من مجالس تعليمهم لا من حديث ولا من فقه ولا من شعر ولا من كلام العرب إلى أن يحذق فيه أو ينقطع دونه … وأما أهل الأندلس فمذهبهم تعليم القرآن والكتاب من حيث هو؛ وهذا هو الذي يراعونه في التعليم، إلا أنه لَمَّا كان القرآن أصل ذلك ورأسه ومنبع الدين والعلوم جعلوه أصلًا في التعليم فلا يقتصرون لذلك عليه فقط، بل يخلطون في تعليمهم للولدان رواية الشعر في الغالب والترسل وأخذهم بقوانين العربية وحفظها وتجويد الخط والكتاب، ولا تختص عنايتهم في التعليم بالقرآن دون هذه، بل عنايتهم فيه بالخط أكثر من جميعها إلى أن يخرج الولد من عمر البلوغ إلى الشبيبة … فأفادهم التفنن في التعليم وكثرة رواية الشعر والترسل ومدارسة العربية من أول العمر حصول مَلَكة صاروا بها أعرف في اللسان العربي، وقصروا في سائر العلوم لبُعدهم عن مدارسة القرآن والحديث الذي هو أصل العلوم وأساسها؛ فكانوا لذلك أهل خط وأدب بارع أو مقصر على حسب ما يكون التعليم الثاني من بعد تعليم الصِّبا.

ولقد ذهب القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب رحلته إلى طريقة غريبة في وجه التعليم وأعاد في ذلك وأبدأ، وقدَّم تعليم العربية والشعر على سائر العلوم كما هو مذهب أهل الأندلس، قال: لأن الشعر ديوان العرب. ويدعو إلى تقديمه وتعليم العربية في التعليم ضرورة فساد اللغة، ثم ينتقل منه إلى الحساب ليتمرن فيه حتى يرى القوانين، ثم ينتقل إلى درس القرآن فإنه يتيسر عليه بهذه المقدمة. ثم قال: ويا غفلة أهل بلادنا في أن يؤخذ الصبي بكتاب الله في أول أمره يقرأ ما لا يفهم ويُنصَّب في أمرٍ غيرُه أهمُّ عليه. ثم قال: ينظر في أصول الدين ثم أصول الفقه ثم الجدل ثم الحديث وعلومه، ونهى مع ذلك أن يخلط في التعليم علمان، إلا أن يكون المتعلم قابلًا لذلك بجودة الفهم والنشاط. هذا ما أشار إليه القاضي أبو بكر — رحمه الله — وهو لعمري مذهب حسن إلا أن العوائد لا تساعد عليه وهي أملك بالأحوال، ووجه ما اختصت به العوائد من تقدُّم دراسة القرآن إيثارًا للتبرك والثواب وخشية ما يعرض للولد في جنون الصِّبا من الآفات والقواطع عن العلم فيفوته القرآن لأنه ما دام في الحِجر منقاد للحكم، فإذا تجاوز البلوغ وانحل من ربقة القهر فربما عصفت به رياح الشبيبة فألقته بساحل البطالة فيغتنمون في زمان الحِجر وربقة القهر تحصيل القرآن لئلا يذهب خلوًا منه. ولو حصل اليقين باستمراره في طلب العلم وقبوله التعليم لكان هذا المذهب الذي ذكره القاضي أولى ما أخذ به أهل المغرب والمشرق …»٦٢

فأنت ترى من هذا أن ابن خلدون يفضِّل الطريقة المتبَعة في سائر ديار الإسلام على الطريقة التي يقترحها القاضي ابن العربي لأنها الطريقة التي تلائم عقلية الطفل ويتقبلها مستواه الفكري.

ولا يسعنا في هذا الموضع أن نهمل الإشارة إلى رأي المستشرق الفرنسي هنري بيريس الذي كتب كتابًا قيِّمًا عن الشعر الأندلسي في القرن الخامس للهجرة/الحادي عشر للميلاد — فقد ذكر في بعض فصول كتابه مشيرًا إلى الطريقة التي اقترحها ابن العربي في تعليم الأطفال في الأندلس: «… إن الطريقة التي تُذكر عن ابن العربي وينتقدها ابن خلدون هي الطريقة التي كانت متبَعة في بلاد الأندلس، وإنها الأفضل على الرغم من انتقاد ابن خلدون إياها.» وقد اعتمد البروفسور بيريس هذه النظرية وزعم أن الأندلسيين إنما خالفوا المشارقة في طريقتهم لأنهم وجدوا خطأ الطريقة الشرقية … ولم يكتفِ بهذا القول، بل قال أيضًا: «… إن الأندلسيين إنما فعلوا ذلك لأنهم وجدوا أن هذه الطريقة أجدى في التعليم.» ثم أخذ يفتش عن الأسباب التي حدت بالأندلسيين في زعمه إلى سلوك هذه الطريقة، وقد أداه بحثه إلى أن الأندلسيين إنما فعلوا ذلك متأثرين بالطريقة اليهودية والنصرانية التي كانت متبَعة في تعليم الأطفال في بلاد الأندلس قبل دخول الإسلام إلى هاتيك الديار، كما أنهم قد تأثروا ببقايا التراث الإسباني القديم في تعليم الأطفال …٦٣
وهذا قول غريب جدًّا واستنتاج جد عجيب؛ إذ لا يقوم عليه دليل، ولا يؤيده برهان، ولا يسيغه المنطق. والذي نراه ونؤمن به هو أن من فعل ذلك من الأندلسيين في تعليم أطفالهم إنما فعل ذلك مهتديًا إليه بطبيعته العربية وسليقته الأدبية، وقد رأيت أن ابن خلدون، على الرغم من انتقاد تلك الطريقة، قد أُعجب بها لما فيها من تقويم اللسان وتقوية المَلَكات قبل البداءة بدراسة القرآن، ثم إن الأندلسيين لم يكونوا وحدهم متبِعين تلك الطريقة؛ فقد كان في المشارقة أيضًا نفر ذهبوا في تعليم أولادهم هذا المذهب، وقالوا إنه لا يصح أن يبدأ الولد بتعلُّم القرآن قبل معرفة العدة والآلات التي تعينه على فهمه وإداراك معانيه. وممن قال بهذه الطريقة ابن الأعرابي الإمام النحوي المشهور والأديب اللغوي المعروف (؟–٢٣١ﻫ)؛ فقد كان يرى أنه يَحسن بالطفل أن يبدأ بتعلُّم العربية واللغة ويطَّلع على الشعر والنثر القديمين، فإذا أتقن ذلك كله طُلب إليه أن يقرأ القرآن حتى إذا ما قرأه استطاع أن يعيَه ويفهمه. وقد نقل المُبرِّد مثل هذا الرأي عن الإمام علي رضوان الله عليه وسلامه،٦٤ ونقل الجاحظ عن الحجاج بن يوسف الثقفي أنه أوصى مؤدب ولده — وهو المؤدب المعلم القديم — بأن يعلِّمهم السباحة وما إليها من ترويض الجسم أولًا ثم يعلمهم القراءة والكتابة، قال: «علِّم ولدي السباحة قبل الكتابة؛ فهم يصيبون من يكتب عنهم ولا يصيبون من يسبح عنهم»،٦٥ ويروي الجاحظ أيضًا أن عمر بن الخطاب كتب إلى ساكني الأمصار: أما بعد فعلموا أولادكم العوم والفروسية ورَوُّوهم ما سار من المثل وحسُن من الشعر،٦٦ فأنت ترى من هذه الأقوال أن في المسلمين من المشرق جماعةً كانت تذهب مذهب أهل المغرب من وجوب تقديم تعليم آلات القرآن على القرآن نفسه.

أمور أخرى تتعلق بالتعليم الأوَّلي في الكتاتيب

  • أخْذ الأجرة على التعليم: أشرنا فيما مضى إلى أن جماعة من قدماء المعلمين والمربين كانوا يتحرجون من تناول الأجرة على التعليم، وبخاصةٍ تعليم القرآن وعلوم الدين، ونحب ها هنا أن نفصل هذا الأمر الهام الذي يبيِّن لنا طرفًا ساميًا من أخلاق المسلمين الأوَّلين، كما يبيِّن لنا سرًّا من أسرار التقدم العلمي العجيب الذي قام به العرب على الرغم من قلة الوسائل وقصر المدة.

    أورد البخاري في الجامع الصحيح عن الإمام ابن عباس أن النبي قال: «أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله.» فهذا نص صريح في أنه لا بأس من أخذ الأجرة على التعليم، ولكن رُوي عن الرسول أيضًا حديث آخر رواه ذلك الأنصاري الذي علَّم بعض أهل الصُّفَّة شيئًا من آيِ القرآن وأخذ منه مقابل ذلك قوسًا لأنه لم يكن يملك مالًا، وأن النبي لمَّا أبصره يحمل القوس قال له: من أين لك هذه القوس؟ فقال: أعطانيها رجل ممن يستقرئونني. فقال رسول الله: ارددها وإلا فقوس من النار. وقال أيضًا في حديث آخر: «اقرءوا القرآن ولا تأكلوا به ولا تراءوا ولا تسمَّعوا به.» فهذان الحديثان يخالفان حديث ابن عباس، والحقيقة أنه لا خلاف، فإن الرسول في الحديث الأول بين لنا جواز أخذ الأجرة على التعليم إلا إذا كان المتعلم فقيرًا أو أنه لا يملك إلا شيئًا قليلًا كصاحب القوس؛ فإنه لا يجوز أخذ الأجرة منه مقابل تعليمه، كما أنه يحرم أخذ شيء من المتعلم إذا كان لا يعلم شيئًا من القرآن أو أنه إنما يريد بتعلمه الاهتداء إلى الدين الحنيف، وإلا فإن الأجر على التعليم مباح لا بأس به، كما أن الأجر على الأذان وإقامة الصلاة والإمامة والقضاء وغيرها من الأمور الشرعية مباح، إلا إذا تعمَّد القائم بها أن لا يقوم إذا لم يُدفع له أجره. قال القابسي: إن أئمة المسلمين في صدر هذه الأمة ما فيهم إلا من قد نظر في جميع أمور المسلمين بما يصلحهم في الخاصة والعامة، فلم يبلغنا عن أحد منهم أنه أقام معلمين يعلِّمون للناس أولادهم من صغرهم في الكتاتيب ويجعلون لهم على ذلك نصيبًا من مال الله عز وجل، كما صنعوا لمن كلفوه القيام للمسلمين في النظر بينهم في أحكامهم والأذان لهم في مساجدهم مع سائر ما جعلوه حفظًا لأمور المسلمين وحيطة عليهم، وما يمكن أن يكونوا أغفلوا شأن معلم الصبيان، ولكنهم — والله أعلم — رأَوْا أنه شيء مما يختص أمره كل إنسان في نفسه؛ إذ كان ما يعلِّمه المرء ولده فهو من صلاح نفسه المختص به، فأبقوه عملًا من عمل الآباء الذي لا ينبغي أن يحمله غيرهم إذا كانوا مطيقيه.

    ولما ترك أئمة المسلمين النظر في هذا الأمر، وكان حتمًا لا بد للمسلمين أن يفعلوه في أولادهم ولا تطيب نفسهم إلا على ذلك، واتخذوا لأولادهم معلمًا يختص بهم ويداويهم ويرعاهم حسب ما يرعى المعلم صبيانه، وتعذر أن يمكن أن يوجد من الناس من يتطوع للمسلمين أن يستأجروا من يكفيهم تعليم أولادهم … ويكون هذا المعلم قد حمل عن آباء الصبيان مئونة تأديبهم وتبصيرهم استقامة أحوالهم وما ينمي لهم في الخير أفهامهم، ويبعد عنهم في الشر مآلهم، وهذه عناية لا يكثر المتطوعون بها، ولو انتظر من يتطوع بمعالجة تعليم الصبيان القرآن لضاع كثير من الصبيان … ولقد ذكر الحارث بن مسكين في تاريخ سنة ثلاث وسبعين أخبرنا ابن وهب قال سمعت مالكًا يقول: كل من أدركت من أهل العلم لا يرى بأجر المعلمين — معلمي الكتاتيب — بأسًا …٦٧ فأنت ترى أن القوم قد ناقشوا هذه القضية مناقشة عقلية وتربوية منذ زمن، وأبانوا ضرورة وجود المعلمين وأباحوا لهم تناول الأجرة على تعليم الصبيان كتاب الله، والضروري من العلم الديني والدنيوي. وأما غير ذلك من العلوم كالتوسع في علوم اللغة والفقه والعربية والحديث والشعر والدين والحساب، فقد اختلفوا في جواز أخذ الأجرة، ولكن الأكثرين أباحوا ذلك. قال ابن حبيب: لا بأس بإجازة المعلم على تعليم الشعر والنحو والرسائل وأيام العرب. وعلى الرغم من هذه الفتوى فقد ظل من العلماء والمعلمين نفر يعلِّمون في سبيل الله لا يأخذون على التعليم أجرًا، وكان في مقدمة هؤلاء المعلمين أئمة المتصوفة ورجالات الزهد والورع ممن كانوا يكتفون باليسير ويطلبون المثوبة على عملهم من اللطيف الخبير.٦٨
  • سن ابتداء التعليم: ذكرنا فيما سلف أن السن التي كانوا يبدءون فيها بتعليم الطفل كانت في الخامسة أو السادسة، والحقيقة هي أننا لم نعثر على نص يقطع بتعيين مبدأ سن الدراسة؛ فبعضهم كان يبدأ بتعليم أولاده في الرابعة،٦٩ وبعضهم في السنة السابعة أو الثامنة،٧٠ ولكن الأكثرين فيما رأينا من المصادر يذهبون إلى أن السنة السادسة أو السنة السابعة هي السن المعتدلة التي يمكن للطفل فيها أن يستوعب ما يلقى إليه. قال ابن الحاج العبدري (؟–٧٣٧): وينبغي له — أي للمعلم — أن يمتثل السُّنَّة في الإقراء، ومن جملة ذلك أن السلف الماضين — رضي الله عنهم — إنما كانوا يُقرِئون أولادهم في سبع سنين لأنه يؤمر الولي أن يكلِّف الصبي بالصلاة والآداب الشرعية فيها، فإذا كان الصبي في تلك السن فهو غير محتاج إلى من يأتي به إلى المكتب إن أمن عليه غالبًا، فإن لم يأمن فليرسل معه وليُّه من يثق به في ذهابه إلى بيته لضرورته وغذائه ومن يأتي به إلى المكتب؛ فهو أسلم عاقبة … والغالب في هذا الزمان أنهم يُدخلون أولادهم المكتب في حال الصغر بحيث إنهم يحتاجون إلى من يربيهم ويسوقهم إلى المكتب ويردهم إلى بيتهم، بل بعضهم تكون سنه بحيث لا يقدر أن يمسك ضرورة نفسه، بل يفعل ذلك في المكتب ويلوث به ثيابه ومكانه، فليحذر من أن يُقرئ مثل هؤلاء؛ إذ لا فائدة في إقرائه لهم إلا وجود التعب غالبًا … ألا ترى أن الغالب منهم أنهم يرسلون أولادهم إلى المكتب في حال صغرهم لكي يستريحوا من تعبهم لا لأجل القراءة.٧١
    ورأْي ابن الحاج هذا رأْي وجيه أيَّدته البحوث التربوية الحديثة؛ فقد ذهب المربون المحدثون إلى أنه لا يحسن تعليم الصبي قبل اكتمال وعيه، وأن هذا الاكتمال لا يتم في الأغلب إلا بعد السنة السادسة، أما في السنة الرابعة فإن في ذلك إرهاقًا للطفل. ولقد أحصى البروفسور رودس كثيرًا من طلاب الأطفال الذين يذهبون في سن مبكرة جدًّا إلى المدرسة، فوجد أن من بدءوا تعلُّمهم في السنة الرابعة بدلًا من السن الخامسة أو السادسة كانوا أضعف معلوماتٍ ومداركَ ممن ذهبوا إليها بعد تلك، وذلك حين اختبرهم في سن الثانية عشرة، إلا أنه قال: أما المحفوظات فإنهم يتساوون فيها، وأما الأشغال اليدوية فإن الذين ذهبوا إلى المدرسة في سن مبكرة يتفوَّقون على من ذهبوا إليها في سن متأخرة.٧٢
    أما السن التي يجب أن يترك الأطفال فيها الكُتَّاب فلم تُحدَّد، ولكن القابسي يذكر أنه ينبغي أن يخرجوا من الكُتَّاب إذا بلغوا سن الحُلُم، وهذه السن تتراوح عند الأطفال الذكور بين الثالثة عشرة والخامسة عشرة. يقول القابسي «… وإنه لينبغي للمعلم أن يحترس الصبيان بعضهم من بعض إذا كان فيهم من يُخشَى فساده يناهز الاحتلام أو يكون له جرأة …»٧٣
  • عقوبة الأطفال للتعليم: اهتم المربون المسلمون منذ القديم بأمر عقوبة الطفل المقصر لتعليمه وتهذيبه؛ فرأى بعضهم أنه لا بد من العقوبة، على أن لا تتجاوز حدود الإنذار فالتوبيخ فالتشهير فالضرب الخفيف. وقال آخرون بإباحة الضرب والعقوبة الجسدية الشديدة إذا ما تجاوز الطفل حدود المعقول المقبول ولم ينفع فيه الإنذار والتوبيخ والتشهير والزجر والضرب الخفيف. والأكثرون على أن العقوبة تنقسم إلى قسمين:
    • أحدهما: روحي.
    • وثانيهما: بدني.
    ويجب أن تسبق القسمين النصائح والتوجيهات، فإن لم تُجْدِ نفعًا ولم يجد المؤدب بدًّا من اللجوء إلى العقوبة، فإنه يبدأ بالعقوبة الروحية من العبوس، فاللوم، فالإهانة على انفراد، فالتوبيخ أمام الرفقاء، فإن لم تُجْدِ تلك العقوبة الروحية نفعًا لجأ إلى العقوبة الجسدية من الوخز والضرب. وهم يستدلون على جواز ذلك بالحديث النبوي القائل: مُرُوا أولادكم بالصلاة لسبع سنين واضربوهم عليها لعشرٍ بعصًا لا بخشبة، وبالآية الكريمة: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ.
    قال المربي الإمام القابسي في فصلٍ عنوانه «سياسة المعلمين»: ومن حسن رعايته لهم أن يكون بهم رفيقًا؛ فإنه قد جاء عن عائشة: «اللهم مَن ولي مِن أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به.» وقد قال رسول الله : «إن الله يحب الرفق في الأمر كله، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.» وإذا أحسن المعلم القيام وعُني بالرعاية وضع الأمور مواضعها؛ لأنه هو المأخوذ بأدبهم والناظر في زجرهم عما لا يصلح لهم، والقائم بإكراههم على مثل منافعهم؛ فهو يسوسهم في كل ذلك بما ينفعهم؛ فكونه عبوسًا أبدًا من الفظاظة الممقوتة، ويستأنس الصبيان بها فيجترئون عليه، لكنه إذا استعملها عند استئهالهم الأدب صارت له دلالة على وقوع الأدب بهم فلم يأنسوا إليها، فيكون منها إذا استعملت أدب لهم في بعض الأحايين دون الضرب، وفي بعض الأحايين يوقع الضرب معها بقدر الاستئهال الواجب في ذلك الجرم. ولكن ينبغي أن لا يتبسَّط إليهم تبسُّط الاستئناس في غير تقبض موحش في كل الأحايين، ولا يضاحك أحدًا منهم على حال، ولا يبتسم في وجهه وإن أرضاه وأرجاه على ما يجب، وإن استأهل الضرب فاعلم أن الضرب من واحدة إلى ثلاث، فليستعمل اجتهاده لئلا يزيد في رتبة فوق استئهالها … وربما كان من صبيان المعلم من يناهز الاحتلام ويكون سيئ الرعية غليظ الخلق لا يريعه وقوع عشر ضربات عليه ويرعى للزيادة عليه مكانًا، وفيه محتمل مأمون فلا بأس — إن شاء الله — من الزيادة على عشر ضربات، والله يعلم المفسد من المصلح … وليتجنب أن يضرب رأس الصبي أو وجهه …٧٤ فالقابسي يبيح للمعلم أن يؤدِّب أطفال كُتَّابه إذا لم يُفِدِ اللطف والإيناس معهم، ويبيح له ذلك على أن لا يتجاوز ثلاث ضربات، إلا إذا كان الطفل سيئ الأخلاق، قد ناهز الاحتلام، فلا بأس من ضربه عشر ضربات وإلا فلا يجوز له؛ لأن أبناء الناس وديعة في يده. قال ابن خلدون: «… إن من كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر، وضيق على النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعا إلى الكسل وحمل إلى الكذب والخبث، وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفًا من انبساط الأيدي بالقهر عليه … فينبغي للمعلم في متعلمه، والوالد في ولده أن لا يعتدوا عليهم في التأديب …»٧٥ فابن خلدون يعالج مشكلة تربوية نفسية جد خطيرة، وهي أن من يُعوَّد على القيام بواجبه مكرهًا، لا يفعل الواجب إذا زال الإكراه، وفي هذا فساد عظيم، ويرجع ذلك كله إلى التربية الظالمة التي يلجأ إليها بعض الآباء والمعلمين.
    وكما يعاقِب المعلم تلميذه على إهمال دروسه، يعاقبه على الإسراف في لعبه ولهوه، وعلى الهرب من كُتَّابه، وعلى إيذاء إخوانه. قال القابسي: «… وهذا هو أدبه إذا أفرط فتثاقل عن الإقبال على العلم، فتباطأ في حفظه، أو أكثر الخطأ في حزبه أو كتابة لوحه من نقص حروفه وسوء تهجيته وقبح شكله وغلطه في نقطه، فنبَّهه مرة بعد مرة فأكثر التغافل ولم يُغْنِ فيه البذل والتقريع بالكلام الذي فيه التوعد من غير شتم ولا سب بعِرض، كقول من لا يعرف لأطفال المؤمنين حقًّا فيقول: يا مسخ، يا قرد … فلا يفعل هذا …»٧٦ على أن كثيرًا من المؤدبين كانوا يُلحُّون إلحاحًا شديدًا بوجوب عدم الضرب والشتم لما فيهما من الفساد، حتى قال سحنون لمؤدب ولده محمد حينما سلمه إياه ليعلمه: «… ولا تؤدبه إلا بالمدح ولطف الكلام، وليس هو ممن يؤدب بالضرب أو التعنيف.»٧٧ فهذا يدلنا على أن نفرًا من المسلمين المربين كرهوا الضرب أصلًا وأوجبوا عدم العنف لِمَا في ذلك من الضرر البالغ.
  • إلزامية التعليم: الدين الإسلامي دين ديمقراطي؛ لأنه جاء بالتساوي بين الناس، ولأنه لا يفضِّل أحدًا على أحد إلا بالتقوى والصلاح والعلم والكمال، وأن ما جاء عن النبي من علم وصلاح وهدًى هو للناس أجمعين، كما نص عليه القرآن وتواترت به السنة وسار عليه الرسول وخلفاؤه الراشدون من بعده. ومبدأ الديمقراطية والتساوي بين الناس جميعًا وإلزامية التعليم والتساوي فيه مبدأ يقره الإسلام بروحه، وهو وإن لم ينص عليه فإنه يدعو إليه بل يحض عليه، وقد قام الرسول بعمل باهر في هذا الصدد حين افتدى عشرة من الأسرى الكفار بتعليم أطفال المسلمين، ثم إنه حضَّ الناس على التعليم، وأمر بالتعليم احتسابًا لوجه الله، ولنيل الأجر والمثوبة عند الله، وفي هذا أيضًا ما يُشعر بإلزامية التعليم.

    وقد ظل المعلمون والمفتون زمن الرسول وأيام الخلفاء الراشدين والأمويين حتى القرن الثاني للهجرة، وهم في خلاف على جواز أخذ الأجرة على التعليم كما أسلفنا، ولقد بحث الفقهاء مطولًا ومنذ زمن مبكر في حكم التعليم بصورة عامة هل هو مباح أو واجب، وإذا كان واجبًا فمن هو المكلَّف به، وما هو نوع التعليم الذي يجب أن يكلَّف به؟ ولعل أجلَّ كاتب تعرَّض لهذه النقطة الخطيرة وناقشها مناقشة دقيقة وانتهى إلى أن الإسلام يُلزم تابعيه بوجوب التعليم هو الإمام القابسي في رسالته القيِّمة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين. وقد حلل الدكتور الفاضل الأهواني ناشر رسالة القابسي ما جاء فيها مما يتعلق بهذا الأمر تحليلًا مفيدًا حيث يقول: «… فالقابسي يريد أن يعلم أبناء الشعب جميعًا لأنه يريد أن ينتشر الدين ولا يحرم أحدًا، ولم يَرِدْ في القرآن نص على وجوب التعليم ولا يوجب الحديث مثل ذلك، ولم يُعهد عن الصحابة والتابعين أنهم أوجبوا على الناس تعليم أولادهم وإرغامهم على إرسالهم إلى الكتاتيب أو استحضار المعلمين لهم؛ لذلك احتال القابسي للحكم في هذه المسألة الجديدة التي لم يسبقه إليها أحد، وبين أيدينا كتاب ابن سحنون في التعليم الذي دوَّنه عن أبيه، فلا نجد فيه ذكرًا لهذا الموضوع.»

    وأدلة القابسي قوية أخَّاذة تنقلك من فكرة إلى أخرى حتى تنتهيَ بك إلى أن تعليم الصغار ضروري واجب، وأن هذا الوجوب هو الوجوب الشرعي على طريقة الفقهاء، وذلك أن معرفة العادات واجبة بنص القرآن، ومعرفة القرآن واجبة أيضًا لضرورتها في الصلاة، وأن الوالد مكلَّف بتعليم ابنه القرآن والصلاة؛ لأن حكم الولد في الدين حكم أبيه، فإذا لم يتيسر للوالد أن يعلِّم أبناءه بنفسه فعليه أن يرسلهم إلى الكُتَّاب لتلقِّي العلم بالأجر، فإذا لم يكن الوالد قادرًا على نفقة تعليم ولده فأقرباؤه مكلَّفون بذلك، فإذا عجز أهله عن نفقة التعليم فالمحسنون مرغَّبون في ذلك، أو أن معلِّم الكُتَّاب يعلِّم الفقراء احتسابًا أو من بيت المال … والنتيجة التي يريد أن يصل إليها القابسي هي تعليم أبناء المسلمين أغنياء وفقراء، وهذا هو نص التعليم الإلزامي الذي أعلنه القابسي في القرن العاشر للميلاد؛ أي في صميم القرون الوسطى التي كان أهل أوروبا يعيشون فيها مع الجهل …٧٨

    ولقد أقر كثير من الفقهاء المغاربة والمشارقة الإمام القابسي على نظريته هذه لأنها نظرية سليمة، وفتواه وجيهة؛ ولذلك أوجبوا التعليم الإلزامي الابتدائي للأطفال المسلمين مستندين في ذلك إلى الحديث النبوي الكريم القائل: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.» وهم وإن اختلفوا في نوع هذه العلم المفروض طلبه على كل مسلم ومسلمة، فإنهم طرًّا مجمعون على إلزام تعليم ضروريات من الدين، ولا يُتوصل إلى تعليم تلك الضروريات الدينية إلا بتعلُّم مبادئ القراءة والكتابة ودراسة القرآن الكريم. وبتعلُّم تلك المبادئ ودراسة القرآن يخرج المرء من الأمية إلى العلم.

  • تعليم البنات: من الأمور التي لها علاقة وشيجة بإلزامية التعليم أمر تعليم البنات، وقد انقسم المربون المسلمون في القدر الواجب تعليمه للفتاة المسلمة؛ فقد رُوي عن الرسول أنه قال للشِّفاء العدوية، إحدى مثقفات قريش وعوالمهم في «الجاهلية»: «ألا تعلِّمين حفصة رقية النملة كما علمتِها الكتابة.»
    وقد ذكر المؤرخون جمهرة صالحة من كواتب العرب قبل الإسلام وبعده، ومنهن السيدات عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، وأم كلثوم بنت عقبة، وحفصة زوجة النبي ، وهند بنت أبي سفيان … وغيرهن. ويظهر أن المسلمين في صدر الإسلام كانوا في شغل عن هذه القضية فلم يولوها عنايتهم، ولعل أول كاتب مسلم فصل في هذه القضية القولَ هو الإمام القابسي؛ فقد ذكر في رسالته عن التعليم أن «من حسن النظر أن لا يخلط بين الذكران والإناث، وقد قال سحنون: أكره أن يعلم الجواريَ ويخلطهن مع الغلمان؛ لأن ذلك فساد لهن …»٧٩ فهذا النص صريح يدلنا على أن البنات كن يتعلمن منذ زمن مبكر جدًّا، وأنهن كن يقصدن الكتاتيب، وابن سحنون والقابسي يريان أن تُفصل البنات عن الصبيان خشية الفساد.
    روى الجاحظ في البيان والتبيين أن الوليد بن عبد الملك مرَّ بمعلم صبيان فرأى عنده جارية فقال: ويلك! ما لهذه الجارية؟! فقال: أعلِّمها القرآن. قال: فليكن الذي يعلِّمها أصغر منها.٨٠

    ولعل الخشية على البنات من فساد أخلاقهن ومن معلمي السوء هي التي جعلت كثيرين من الفقهاء منذ زمن بعيد يحرِّمون عليها تعلُّم الكتابة ويبيحون لها تعلم القراءة، وقراءة القرآن فحسب، ويوصونها بتعلُّم سورة النور خاصةً لما فيها من الوعظ والتأديب والتعلُّم المتعلق بها.

    قال الجاحظ: وكان يقال لا تعلِّموا بناتكم الكتاب، ولا تُروُّوهن الشعر وعلِّموهن القرآن، ومن القرآن سورة النور.٨١ ومثل هذا ما نجده منثورًا في سقط الزند، فإن أبا العلاء المعري — غفر الله له — كان يكره أن تُعلَّم الفتاة، وكان يوصي أهلها أن يجنبوها القراءة والكتابة.

    ومثل هذا ما دفع العلَّامة العراقي المتأخر أبا الثناء الآلوسي أن يؤلف رسالة خاصة في تحريم تعليم الفتاة سمَّاها «الإصابة في منع النساء من تعلُّم الكتابة».

    ولكن الأمر لم يَسِرْ في هذه الطريق المتشددة؛ فقد كان كثير من الفقهاء والعلماء يحرصون على تعليمها، حتى نبغ منهن في الإسلام قديمًا وحديثًا من لا يُحصَيْنَ كثرة ولا يُقارَنَّ بكثير من الرجال. قال القابسي: «وأما تعليم الأنثى القرآن والعلم فهو حسن ومن مصالحها، فأما أن تُعلَّم الترسل والشعر وما أشبهه فهو مخوف عليها …»٨٢
    ويقول العلامة التونسي حسن حسني عبد الوهاب: ولا تحسبن أن التعليم الابتدائي كان يختص بالولدان الذكور دون البنات، بل إنه كان شاملًا الجنسين، لا سيما عند المياسير … فهذا القاضي الورع عيسى بن مسكين (؟–٢٧٥) كان يُقرئ بناته وحفيداته، قال عياض: «فإذا كان بعد العصر دعا بنتيه وبنات أخيه ليعلِّمهن القرآن والعلم، وكذلك كان يفعل قبله فاتح صقلية أسد بن الفرات بابنته أسماء التي نالت من العلم درجة كبيرة، والإمام سحنون بابنته خديجة … وروى الخشني أن مؤدبًا كان بقصر الأمير محمد بن الأغلب وكان يعلم الأطفال بالنهار والبنات في الليل …»٨٣

    وصفوة القول أن الإسلام لم يحرِّم التعليم على الفتاة، ولكن الذي نهاها عنه بعض العلماء هو قول الشعر الفاحش، والكلام المقذع وقراءة هذا وأمثاله، أما أن تقول الشعر الحكيم الرصين وتتعلم المحكم الحسن والجيد المتقن فأمور يدعو إليها الشرع ويحرص عليها.

  • المكتبة، دار العلم: عُني الخلفاء المسلمون منذ فجر العهد الأموي بالكتاب العربي وتكثيره ونشره بين الناس وإنشاء الخزائن التي تضم الكتب والدفاتر والسجلات، كما عُنُوا بالحصول على كتب العلم القديمة لتكون مرجعًا لهم ولأولادهم، وكانوا يزوِّدون المساجد الجامعة من كل إقليم بالخزائن التي تضم المصاحف والأجزاء الحديثة، وكتب العلم، وكان كثير من العلماء منذ زمن قديم يقفون كتبهم وأوراقهم ومخطوطاتهم على خزائن المساجد ودور العلم يتقربون بذلك إلى الله، ويرجون نشر العلم ومعونة أصحابه.٨٤
    ولعل أقدم الخزائن العربية التي عُرفت بعض أخبارها هي خزانة الخليفة الأموي الحكيم خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان (؟–٨٥)، وكان من كبار علماء المسلمين وعقلائهم، اشتغل بالعلم واهتم بالكيمياء والطب والنجوم فأتقنها وألَّف فيها رسائل، ولما مات أبوه أجمع بنو أمية على توليه الخلافة، فأقام فيها ثلاثة أشهر ثم غلب عليه حبُّه كُتُبَه وبحوثَه فعزم على ترك الأمر وجمع الناس وخطبهم فقال: إن جدي معاوية نازع الأمر مَن كان أولى به، ثم تقلده أبي، ولقد كان غير خليق به، ولا أحب أن ألقى الله تعالى بتبعاتكم، فشأنكم وأمركم. ثم خلع نفسه، ولزم بيته يطالع في كُتبه ويدرس إلى أن توفاه الله. قال ابن النديم في الفهرست: كان خالد بن يزيد فاضلًا في نفسه له همة ومحبة للعلوم، خطر بباله حب الصنعة — الكيمياء — فأمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونان ممن كان ينزل مصر وقد تفصح بالعربية وأمرهم بنقل الكتب من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي؛ وهذا أول نقل كان في الإسلام من لغة إلى لغة. وقال الجاحظ: «خالد بن يزيد خطيب شاعر، وفصيح جامع، جيد الرأي، كثير الأدب، وهو أول من ترجم كتب النجوم والطب والكيمياء. وقد وقف هذا الخليفة نفسه على العلم وخدمته، وجمع الكتب وتأليف الرسائل.»٨٥ وقد ظلت خزانة خالد هذه محفوظة في البلاط الأموي، ولما ولي الخلافة الأموية عمر بن عبد العزيز فتحها للناس للإفادة منها والتعليم من نفائسها، وقد انقطعت أخبارها بعدئذٍ فلم نعثر لها على خبر بعد خلافة عمر بن عبد العزيز سوى ما يذكره القفطي العالم المؤرخ الأشهر المعروف بعلم الكتب والخزائن؛ فإنه ذكر في «تاريخ الحكماء» أثناء ترجمة الفلكي المعروف بابن السنبدي: «إن الوزير أبا القاسم أحمد علي بن أحمد الجرجاني تقدم في سنة ٤٣٥ قبل وفاته باعتبار خزانة الكتب بالقاهرة وأن يعمل لها فهرست ويرمَّ ما أخلق من جلودها، وأنفذ القاضي أبا عبد الله القضاعي وابن خلف الوراق ليتولَّيَا ذلك وحضر القصر، وحضرت لأشاهد ما يتعلق بصناعتي، فرأيت من كتب النجوم والهندسة والفلسفة خاصةً ستة آلاف وخمسمائة جزء، وكرة نحاس من عمل بطليموس وعليها مكتوب «حملت هذه الكرة من الأمير خالد بن يزيد بن معاوية» وتأملنا ما مضى من زمانها فكان ألفًا ومائتين وخمسين سنة.»٨٦
    وممن ذُكر عنه الاعتناء بجمع الكتب من خلائف أمية الوليد بن عبد الملك (؟–٩٦) الخليفة الفاتح المصلح المحب للبناء والعمران، وأول من أحدث المستشفيات ودور المجذومين في الإسلام؛ فقد روَوْا أنه كان محبًّا للقراءة وجمع الكتب، وأنه جمع خزانة وجعل عليها خازنًا اسمه سعد، وكان يلقَّب بصاحب المصاحف، ولا يقصدون بذلك مصاحف القرآن فقط، وإنما يقصدون مصاحف العلم من أدب وشعر ودين. وقد اختار سعد هذا خالد بن أبي الهيَّاح لكتابة المصاحف العربية والشعر والأخبار ونسخها، وكان حسن الخط، وحسن الكتابة والنسخ.٨٧
    وممن ذُكر عنه أيضًا من خلائف بني أمية أنه كان يعتني بجمع دفاتر الكتب في الخزائن الوليد بن يزيد بن عبد الملك (؟–١٢٦)، وقد كان من فتيان قريش وأدبائهم وظرفائهم على الرغم من حبه للَّهو والمرح؛ فقد ذكروا أنه على الرغم من حبه للشراب وانهماكه بالمرح والسماع، كان محبًّا للعلم منقبًا عن كتبه ودواوين الشعر، وأنه جمع خزانة كتب كبيرة في قصره على الرغم من قصر مدته؛ إذ إنه لم يبق في الخلافة إلا سنة وثلاثة أشهر. ويقول ابن سعد: حملت الدفاتر على الدواب من خزائنه.٨٨
    هذا ما كان عليه الأمر في عهد بني أمية، فلما استُخلف بنو العباس اهتموا كذلك بالعلم وكتبه، وكان أبو جعفر المنصور (٩٥–١٥٨) مؤسس هذه الدولة من العلماء الأعلام في الفقه والأدب والحكمة، وهو أول من عُني بالعلم والترجمة، وأمر مَن حوله مِن أهل الفضل بترجمة الكتب القديمة والاهتمام بعلم الفلك، وفي زمنه عمل أول أسطرلاب عربي صنعه الفيلسوف المهندس المنجم محمد بن إبراهيم الفزاري،٨٩ ويروي ابن الأثير في تاريخه أن المنصور كان له دفاتر علم، وكان شديد الحرص عليها حتى أوصى ابنه المهدي بها عند وفاته.٩٠ ويقول القفطي: قدم على المنصور في سنة ١٥٦ رجل من الهند بالحساب المعروف عندهم بالسند هند في حركات النجوم … مع ضروب من أعمال الفلك والكسوفين ومطالع البروج وغير ذلك في كتاب يحتوي على عدة أبواب … فأمر المنصور بترجمة ذلك الكتاب إلى العربية وأن يؤلَّف منه كتاب تتخذه العرب أصلًا في حركات الكواكب، فتولى ذلك محمد بن إبراهيم الفزاري.
    ويظهر أن الخزانة الكبرى التي تناقل الناس أخبارها في عصر بني العباس هي الخزانة التي عُني بها الخليفة المأمون العباسي (؟–٢١٨)؛ فقد نقلت الأخبار عنه اهتمامه بالعلم وأهله وبجمع الكتب وترجمتها، وأنه كان يتحف ملوك عصره بالهدايا النفيسة طالبًا إليهم أن يعطوه ما في خزائنهم من كتب الحكمة والفلسفة، فبعثوا إليه بعدد كبير من آثار أفلاطون وأرسطو وأبقراط وجالينوس وبطليموس وإقليدس وغيرهم، فأمر بترجمة تلك الآثار واختار لها البارعين من التراجمة، ونشرها بين الناس وحض على قراءتها واستنساخها، وأمر بتشييد درا الحكمة ووضع فيها هذه الكتب وترجمتها، وكان لا يفتأ يبعث البعوث العلمية إلى بلاد الروم وفارس والهند والصين يشترون له الكتب ويترجمونها، وقد بلغت محفوظات هذه الدار آلافًا في جميع فروع العلم من حديث وقديم، وقد تولى أمرها جمهرة من أهل الفضل، نذكر منهم الفيلسوف المتكلم غيلان الشعوبي (؟–؟) وأبا سهل بن نوبخت (؟–؟) وسهل بن سابور الطبيب (؟–٢١٨) وسلمًا المترجم (؟–؟) وأبا حسان المنجم (؟–؟)، وغيرهم من أئمة العلم والفلسفة في العصر المأموني الزاهر.٩١
    ولا شك عندنا في أن هذه الدار كانت مركزًا ثقافيًّا جليلًا في بغداد، وأن العلماء كانوا يقصدونها من شتى أنحاء العالم الإسلامي، ولكنا لا نستطيع أن نقول إنها كانت مركزًا تعليميًّا أو مدرسة أو ما أشبه ذلك، بل إنها كانت في الغالب مركزًا ثقافيًّا مفتوحًا للناس أجمعين يقصدونها ويطالعون ما فيها من الآثار، وإن هؤلاء العلماء والفلاسفة المقيمين فيها أو الذين يتولَّوْن أمورها كانوا يُعِينون من يقصد إليها إذا ما أشكل عليه فهم نص من نصوص كتبها، وبخاصةٍ سلم المترجم الفيلسوف؛ فقد كان من عيون الناس وفضلائهم، وهو الذي أتقن تفسير المجسطي،٩٢ وكان يتولى أمر البعوث العلمية ويوالي الأسفار إلى بلاد الإغريق لانتقاء الكتب النفيسة من خزائنها وترجمتها ووضعها في هذه الدار تلبيةً لرغبة الطالبين. ويحدثنا القاضي القفطي في ترجمة أرسطوطاليس أن المأمون رآه في نومه، فلما استيقظ من منامه حدثته نفسه بطلب كتب أرسطو، فلم يجد منها شيئًا ببلاد الإسلام، فاغتم لذلك وأخذ يتطلبه، واستحضر منها خمسة أحمال سُيِّرت إليه، فأحضر لها المأمون المترجمين فاستخرجوها من الرومية إلى العربية.٩٣ ولا ريب في أن المأمون ومن اختارهم للخدمة في تلك الدار من العلماء والتراجمة كانوا ينقلون نفائس الكتب إلى العربية ويضعونها في خزائنها المفتوحة للطالبين يفيدون منها ضروب العلم والحكمة. ويظهر أن هؤلاء التراجمة كانوا ينقطعون فيها للترجمة والبحث؛ فقد اقترنت أخبار رجال الترجمة في العصر المأموني بأخبار هذه الدار، فسلم المترجم كان صاحبها على ما يحدثنا ابن النديم وابن أبي أصيبعة والقفطي،٩٤ ومحمد بن موسى الخوارزمي المترجم يصفه القفطي بأنه «كان منقطعًا إلى خزانة الحكمة للمأمون، وهو من أصحاب علم الهيئة.»٩٥ وموسى بن شاكر المهندس وبنوه الثلاثة محمد وأحمد والحسن العلماء المشهورون بعلم الحيل والرياضيات والهيئة كانوا من التراجمة الأفاضل الذين نَشَئُوا في تلك الدار. يقول ابن القفطي: إن المأمون اعتنى بأولاد موسى الثلاثة فوصى بهم إسحق بن إبراهيم المصعبي وأثبتهم مع يحيى بن أبي منصور في بيت الحكمة، وكانت كتبه ترد من بلاد الروم إلى إسحق بن إبراهيم المصعبي بأن يراعيهم ويوصيه بهم ويسأل عن أخبارهم حتى قال: جعلني المأمون داية لأولاد موسى … فخرج بنو موسى نهاية في علومهم …٩٦ فهذه الأخبار كلها تجعلنا نذهب إلى أن تلك الدار كانت خزانة حكمة، ومقر حركة للنشاط والعلم والترجمة في عهد المأمون.

    أما المواد التي كانوا يهتمون بها في تلك الدار فهي — في الأغلب — المواد الحكمية من فلسفة وطب وهندسة ورياضيات وتنجيم وفلك وحيل ومنطق وطبيعة وموسيقى، وما إلى ذلك مما كانوا يسمونه علوم القدماء أو العلوم القديمة.

    ونحن إذا تتبعنا ما قيل في سير بني موسى بن شاكر الذين تخرجوا في هذه الدار وما أتقنوه من علم، نستطيع أن نتعرف إلى المواد التي كان علماء الدار مهتمين بها؛ فالقفطي يحدثنا عن محمد بن موسى بن شاكر — وهو أكبر الثلاثة — أنه كان وافر الحظ من الهندسة والنجوم عالمًا بإقليدس والمجسطي وجميع كتب النجوم والهندسة والعدد والمنطق وكان حريصًا عليها، وأن أخاه أحمد كان مثله في العلم إلا صناعة الحيل — أي علم الميكانيك — فإنه قد فُتح له فيها ما لم يُفتح مثله لأخيه ولا لغيره من المتحققين بالحيل، وأن الحسن — وهو ثالثهم — كان منفردًا بالهندسة، وله طبع عجيب فيها لا يدانيه أحد، وأنه علم كل ما علم منها بطبعه، ولم يقرأ من كتب الهندسة إلا ست مقالات من كتاب إقليدس …٩٧

    فأنت ترى من هذه النصوص أن هذه الدار كانت مجمعًا علميًّا، ومقرًّا للنشاط الحكمي والفلسفي يقصده كل من يرغب في التزود من علوم القدماء.

    وكان إلى جانبها «مرصد» بناه الخليفة المأمون ليكون مقرًّا لمباحث الفلك والجغرافية الطبيعية، وكان يتولى الإشراف عليه أيضًا جمهرة من المنجمين والفلاسفة والفلكيين أمثال يحيى بن أبي منصور٩٨ وخالد المروزي٩٩ وعباس الجوهري١٠٠ وغيرهم. ويزعم الأستاذ الخطاب السبكي في كتابه تاريخ التربية أن جزءًا من هذه الدار ظل باقيًا إلى أواخر القرن الخامس للهجرة.١٠١
    وتدعي دائرة المعارف الإسلامية أنها ظلت إلى حين استيلاء هولاكو على بغداد.١٠٢ أما الأستاذ السبكي فيعتمد على ابن خلكان وياقوت اللذين يذكران أنها «دار العلم» التي زارها أبو العلاء المعري إبان إقامته في بغداد. وهو اعتماد خاطئ لأن المعري إنما زار الدار التي شادها الوزير سابور بن أردشير سنة ٣٨١، وهي غير الدار التي شادها المأمون، ويؤكد هذا ما ذكره الصلاح الصفدي في عيون التواريخ حيث يقول في حوادث سنة ٣٩١: صادر سابور دارًا في محلة بين السورين وسماها «دار العلم»، وجعل فيها عشرة آلاف مخطوطة أدبية وعلمية، وإلى هذه الخزانة يشير المعري بقوله:
    وغنَّت لنا في دار سابور قينة
    من الوُرق مطراب الأصائل منهال١٠٣
    ومثل قول صاحب عيون التواريخ قول ياقوت في معجم الأدباء عن «أبي القاسم بن ناقيا أنه دخل دار العلم على ابن فضال المجاشعي المغربي المتوفَّى سنة ٤٧٩ وهو يدرس النحو فيها.»١٠٤ فابن ناقيا الشاعر الأديب الكاتب المتوفَّى سنة ٤٨٥ إنما دخل على الدار التي شادها الوزير سابور لا دار المأمون، وكذلك قول ابن خلكان في ترجمة أبي العلاء: «قال أبو العلاء: حدثني عبد السلام المصري خازن دار العلم ببغداد …»١٠٥ فدار العلم هذه ليست دار علم المأمون أو خزانته العلمية، وإنما هي دار علم سابور، كما ذكر ذلك المعرِّي في بيته، وكما يقول الصلاح الصفدي.
    وأما دائرة المعارف الإسلامية فلا نعرف لقولها مصدرًا يُعتمد عليه أو يوثَق به لأنها لم تذكر المصدر الذي نقلت عنه، وأغلب ظننا أن كاتب المقالة فيها عن دار العلم قد توهم كما توهم الأستاذ السبكي، وأن تشابه الاسمين قد خدعه فانخدع.١٠٦

    ويظهر أن تاريخ دار العلم — أو دار الحكمة كما تسمَّى في بعض النصوص — التي شادها المأمون قد اعتوره الغموض؛ فإني لم أجد فيما بين يدي من المصادر الموثوقة شيئًا يعرِّفني بأمرها وتاريخها وأحوالها وما آل إليه أمرها، وينبغي أن ننتظر قليلًا حتى نعثر على بعض المخطوطات القديمة التي قد تكشف لنا تلك النواحيَ المجهولة من تاريخ هذه المؤسسة الجليلة.

    •••

    ولا نحب أن نترك هذه النقطة قبل أن نتحدث عن النشاط الثقافي في مصر والمغرب في العهد الفاطمي؛ فإن ثَمَّةَ تشابهًا بين الحركتين؛ فقد حذا الفاطميون في مصر حذو العباسيين في العراق، وعُنوا بالثقافة العامة والاهتمام بالكتب وخزائنها. وقد روت لنا المصادر الموثوق بها أنهم أسسوا خزانة كتب في القاهرة زودوها بنفائس المخطوطات وأعلام الكتب والدفاتر ليكسفوا شهرة بغداد ودار كتبها، كما أنهم اتخذوا بعد سنة ٣٥٨ في قصر الخلافة بالقاهرة خزانة كتب ضخمة وُصفت بأنها من أجلِّ خزائن الكتب في الإسلام إن لم تكن أجلَّها، وأنها كانت مقرًّا لحركة علمية وثقافة واسعة، وقالوا أيضًا إن عدة الخزائن التي كانت برسم الكتب في سائر العلوم بالقصر أربعون خزانة، من جملتها ثمانية عشر ألف كتاب من العلوم القديمة، وأنها كانت تحتوي على عدة رفوف مقطعة بحواجز، وعلى كل حاجز باب مقفل بمفصلات وقفل، وفيها من أصناف الكتب ما يزيد على مائتي ألف كتاب من المجلدات، ويسير من المجردات، فمنها في الفقه على سائر المذاهب والنحو واللغة وكتب الحديث والتواريخ وسير الملوك والنجامة والروحانيات والكيمياء من كل صنف … ويقال إنه كان فيها نيفٌ وثلاثون نسخة من كتاب العين منها نسخة بخط الخليل، وما ينيف على عشرين نسخة من تاريخ الطبري، ومائة نسخة من الجمهرة لابن دريد …١٠٧ أما المصاحف والربعات المخطوطة بالذهب والتزاويق والمكتوبة بالأقلام المنسوبة، فشيء لا يُحصر، وكان فيها عدد من النساخ والمذهبين والمجلدين والفراشين ومن إليهم.١٠٨ وإن هذه الخزانة مرت بعدة نكبات، أعظمها النكبة التي وقعت بديار مصر في عهد الخليفة المستنصر بالله الفاطمي (٤٢٧–٤٨٧) أيام المجاعة الكبرى التي بيع فيها رغيف الخبز بخمسين دينارًا ودام الجوع سبع سنين. ويذكر المسبحي المؤرخ أنه شاهد وهو بمصر في سنة ٤٦١ﻫ خمسة وعشرين جملًا موقرة كتبًا محملة إلى دار الوزير أبي الفرج محمد بن جعفر المغربي وزير المستنصر (؟–٤٧٨) وقال: فسألت عنها فعرفت أن الوزير أخذها من خزائن القصر، وذكر لي من له خبرة بالكتب أنها تبلغ أكثر من مائة ألف دينار، ونُهبت جميعًا من داره يوم انهزم ناصر الدولة بن حمدان من مصر في السنة نفسها.. هذا سوى ما كان في خزائن دار العلم بالقاهرة، وسوى ما صار إلى عماد الدولة أبي الفضل بن المحترق بالإسكندرية ثم انتقل بعد مقتله إلى المغرب، وسوى ما ظفرت به ولاته محمولًا مع ما صار إليه بالابتياع والغصب في بحر النيل إلى الإسكندرية سنة ٤٦١ وما بعدها، من الكتب الجليلة المقدار المعدومة المثل في سائر الأمصار صحة وحسن خط وتجليد وغرابة، التي أخذ جلودها عبيدهم وإماؤهم برسم عمل ما يلبسونه في أرجلهم وأحرق ورقها تأولًا منهم أنها خرجت من قصر السلطان أعز الله أنصاره، وأن فيها كلام المشارقة الذي يخالف مذهبهم، سوى ما غرق وتلف وحُمل إلى سائر الأقطار وبقي منها ما لم يحرق، وسفت عليه الرياح والتراب وصار تلالًا باقية إلى اليوم في نواحي آثار تعرف بتلال الكتب …
    والنكبة الثانية العظيمة التي حلت بهذه الخزانة كانت أيام الفتح الأيوبي والقضاء على الدولة الفاطمية؛ فقد نقل المقريزي عن ابن أبي طي أن صلاح الدين الأيوبي بعدما استولى على القصور الملكية الفاطمية أمر ببيع ما في الخزانة، وكانت من عجائب الدنيا، ويقال إنه لم يكن في جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم من التي كانت بالقاهرة في القصر، ومن عجائبها أنه كان فيها ألف ومائتا نسخة من تاريخ الطبري إلى غير ذلك،١٠٩ ويقال إنها كنت تشتمل على مائة ألف وستمائة كتاب، وكان فيها من الخطوط المنسوبة أشياء كثيرة، ويؤيد قول ابن أبي طي أن القاضيَ الفاضل عبد الرحيم لما أنشأ المدرسة الفاضلية بالقاهرة بعد الفتح الأيوبي جعل فيها من كتب القصر مائة ألف كتاب، وباع ابن صورة الدلال — دلال الكتب — منها جملة في مدة أعوام … ويعلق المقريزي على هذا الخبر بقوله: فلو كانت مائة ألف كلها لما فضل عن القاضي الفاضل شيء. وذكر ابن أبي واصل أن خزانة الكتب كانت تزيد على مائة وعشرين ألف مجلد.١١٠ ويقول المقريزي في كلامه عن المدرسة الفاضلية: إن القاضيَ الفاضل (؟–٥٩٦) وقف عليها جملة عظيمة من الكتب في سائر العلوم، ويقال إنها كانت مائة ألف كتاب وذهبت كلها «وكان أصل ذهابها أن الطلبة الذين كانوا بها لما وقع الغلاء بمصر سنة ٦٩٤ مسَّهم الضر، فصاروا يبيعون كل مجلد برغيف خبز حتى ذهب معظم ما كان فيها، ثم تداولت أيدي الفقهاء عليها بالعاربة فتفرقت.» وبها إلى الآن مصحف قرآن كبير القدر جدًّا مكتوب بالخط الأول الذي يُعرف الآن بالكوفي ويسميه الناس مصحف عثمان بن عفان، اشتراه بنيف وثلاثين ألف دينار على أنه مصحف أمير المؤمنين عثمان، وهو في خزانة مفردة له بجانب المحراب من غربيِّه وعليه مهابة وجلالة،١١١ ولا غرابة في هذا المبلغ؛ فإن القاضيَ رحمه الله كان معروفًا بحب الكتب والإنفاق عليها إنفاقًا عجيبًا؛ فقد ذكر عنه عبد اللطيف البغدادي أنه دخل عليه فرأى شيخًا ضئيلًا كله رأس وقلب … وأنه كان يقتني الكتب من كل فن ويجتلبها من كل جهة، وله نساخ لا يفترون ومجلدون لا يبطلون. قال لي بعض من يخدمه في الكتب إن عددها قد بلغ مائة ألف وأربعة عشرين ألفًا، وهذا قبل موته بسنة.١١٢
    ومهما يكن من أمر فإن هذه الخزانة الملكية الضخمة كانت من مراكز العلم في الديار المصرية منذ أواسط القرن الرابع حتى استقر الفاطميون بمصر، ولما استوزروا الوزير العالم يعقوب بن يوسف بن إبراهيم بن هارون بن كلس (٣١٨–٣٨٠) في عهد العزيز نزار بن المعز الفاطمي، اهتم بنشر العلم والمذهب الفاطمي. قال المقريزي: أول ما عرف إقامة درس من قِبل السلطان بمعلوم جارٍ لطائفة من الناس بديار مصر في خلافة العزيز بالله نزار بن المعز ووزارة يعقوب بن كلس، فعمل ذلك بالجامع الأزهر … ثم عُمل في دار الوزير يعقوب ابن كلس مجلس يحضره الفقهاء، فكان يقرأ فيه كتاب فقه على مذهبهم، وعمل أيضًا مجلسًا بجامع عمرو بن العاص من مدينة الفسطاط لقراءة كتاب الوزير،١١٣ ولما استخلف الحاكم بأمر الله المنصور بن العزيز نزار (٣٧٥–٤١٠) وكان عالمًا مشتغلًا بعلوم الفلسلفة والتنجيم والرصد، أمر سنة ٣٩٥ﻫ بإشادة دار العلم في القاهرة لتكون مقرًّا للدعوة الفاطمية ومستودعًا للذخائر والكتب الفلسفية والحكمية والأدبية والدينية «وكانت بجوار القصر الغربي من بحريِّه إلى شماليِّه» قال الأمير المختار عز الملك محمد بن عبيدان بن أحمد المسبحي المؤرخ (؟–٤٢٠) الذي كان في خدمة الحاكم: وفي يوم السبت هذا — يعني العاشر من جمادى الآخرة سنة ٣٩٥ — فُتحت الدار الملقبة بدار الحكمة بالقاهرة وجلس فيها الفقهاء وحُملت إليها الكتب من خزائن القصور المعمورة، ودخل إليها الناس ونسخ كل من التمس نسخ شيء مما فيها ما التمسه، وكذلك من رأى قراءة شيء مما فيها، وجلس فيها القراء والمجتمعون وأصحاب النحو واللغة والأطباء بعد أن فُرشت هذه الدار وزُخرفت وعُلقت على جميع أبوابها الستور وأقيم قوَّام وخدام وفراشون وغيرهم، وسموا بخدمتها، وحصل في هذه الدار من خزائن أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله من الكتب التي أمر بحملها إليها من سائر العلوم والآداب والخطوط المنسوبة ما لم يُرَ مثله مجتمعًا لأحد قط من الملوك، وأباح ذلك كله لسائر الناس على طبقاتهم ممن يؤثر قراءة الكتب والنظر فيها؛ فكان ذلك من المحاسن المأثورة أيضًا التي لم يسمع مثلها من إجراء الرزق السني لمن رسم له بالجلوس فيها والخدمة لها من فقيه وغيره، وحضرها الناس على طبقاتهم، فمنهم من يحضر لقراءة الكتب، ومنهم من يحضر للنسخ، ومنهم من يحضر للتعلم، وجعل فيها ما يحتاج إليه الناس من الحبر والأقلام والورق والمحابر … وفي سنة ٤٠٣ﻫ أحضر جماعة من دار العلم من أهل الحساب والمنطق وجماعة من الفقهاء منهم عبد الغني بن سعيد وجماعة من الأطباء إلى حضرة الحاكم بأمر الله، وكانت كل طائفة تحضر على انفرادها للمناظرة بين يديه ثم خلع على الجميع … ووقف الحاكم أماكن في فسطاط مصر على عدة مواضع وضمنها كتابًا. وقد ذكر عند الجامع الأزهر وذكر فيه «دار العلم» وقال: ويكون العشر وثمن العشر لدار الحكمة لما تحتاج إليه في كل سنة من العين المغربي مائتان وسبعة وخمسون دينارًا من ذلك الثمن:
    الحصر العبداني وغيرها لهذا الدار ١٠ دنانير
    ولورق الكاتب، يعني الناسخ ٩٠ دينارًا
    وللخازن بها ٤٨ دينارًا
    ولثمن الماء ١٢ دينارًا
    وللفراش ١٥ دينارًا
    وللورق والحبر والأقلام لمن فيها من الفقهاء ١٢ دينارًا
    ولمرمَّة الستارة ١ دينار
    ولمرمَّة ما عسى أن يتقطع من الكتب وما عساه أن يسقط من ورقها ١٢ دينارًا
    ولثمن لبود للفرش في الشتاء ٥ دنانير
    ولثمن الطنافس في الشتاء ٤ دنانير
    ٢٠٩*
    انظر الخطط المقريزية ٣٣٤/٢، ٣٣٥.

    ويظهر أنه قد كانت ثَمَّةَ بعض الوظائف الأخرى التي سقط ذكرها من النسخة المطبوعة للخطط المقريزية، فإن مرتب الوظائف التي ذكرها أقل من مجموع المبلغ الموقوف وقدره (٢٧٥) دينارًا.

    وقد استمرت هذه الدار على نشاطها التعليمي إلى عهد الوزير الأفضل ابن أمير الجيوش؛ فإنه أمر بإغلاقها في ذي الحجة سنة ٥١٦ﻫ، وإنما فعل ذلك لأنها حادت عن الطريق التي وُجدت من أجله وهو الدعاوة للمذهب الفاطمي. فقد حدثنا المقريزي عن ابن المأمون المؤرخ المصري أنه قال: وفي هذا الشهر — يعني ذا الحجة سنة ٥١٦ﻫ — جرت نوبة القصَّار وهي طويلة، وأولها من الأيام الأفضلية، وكان منهم رجلان يسمَّى أحدهما بركات والآخر حميد بن مكي الأطفيحي القصار مع جماعة يعرفون بالبديعية، وهم على الإسلام والمذاهب الثلاثة المشهورة، وكانوا يجتمعون في دار العلم بالقاهرة، فاعتمد بركات من جملتهم من استفسد عقول جماعة وأخرجهم عن الصواب، وكان ذلك في أيام الأفضل، فأمر للوقت بغلق الدار والقبض على المذكور … في قصة طويلة خلاصتها أن بركات هذا وحميدًا قد أخذا ينشران بين زوار الدار أفكارًا تنافي المذهب الفاطمي فيها شيء من مذهب الأشعري والتصوف ومذهب الشافعي والحنفي والمالكي، وكان أصحاب هذا المذهب يسمَّوْن بالبديعية، وأخذ الناس وفيهم بعض مماليك دار الخلافة يعتنقون البديعية، فخشي الوزير الأفضل مغبة ذلك فأمر بغلق الدار.

    وقد ظلت هذه الدار مغلقة طول عمر وزارة الأفضل، فلما مات أمر الخليفة الآمر بأحكام الله وزيره المأمون بن البطائحي بإعادة فتحها على الأوضاع الشرعية. ثم عاد حميد القصار … فأفسد عقول بعض الجماعات وادَّعى الربوبية، فحضر الداعي ابن عبد الحقيق إلى الوزير المأمون وعرفه بأن هذا قد تعرَّف بطرف من علم الكلام على مذهب أبي الحسن الأشعري ثم انسلخ عن الإسلام وسلك طريق الحلاج في التمويه … فرسم المأمون بالقبض عليه وعلى جميع أصحابه وقُتلوا سنة ٥١٧ﻫ.

    ويقول ابن عبد الظاهر مؤرخ مصر: «… وكان لإبطالها أمور سببها اجتماع الناس والخوض في المذاهب والخوف من الاجتماع على المذهب النزارني.»١١٤
    ولم يزل الخدام يتوصلون إلى الخليفة الآمر بأحكام الله حتى تحدث في ذلك مع الوزير المأمون … فأجاب المأمون إلى ذلك وقال بشرط أن يكون متوليها رجلًا ديِّنًا والداعي الناظر فيها، ويقام فيها متصدرون برسم قراءة القرآن، فاستُخدم فيها أبو محمد حسن بن آدم، فتولاها وشرطا عليه ما تقدم واستُخدم فيها مقرئون.١١٥
    وقد عقد المقريزي لدار العلم الثانية هذه بابًا خاصًّا عنوانه «دار العلم الجديدة»، وقال إنها كانت بجوار القصر الكبير الشرقي، وإنها فُتحت بعد مقتل الوزير الأفضل، وأن الوزير المأمون امتنع من إعادتها في موضعها الأول بباب التبانين، ففُتحت في جوار القصر في ربيع الأول سنة ٥١٧ وأنها لم تزل عامرة إلى أواخر عهد الدولة الفاطمية.١١٦
    ولا شك في أن هذه المؤسسة بخزانتها ورجالاتها كانت مفتوحة لنشر المذهب الفاطمي؛ فقد اهتم الفاطميون بنشر مذهبهم الديني لأنه كان السبب في فرض سلطانهم السياسي، فأذاعوا عقائدهم على جماهير المستجيبين وأعانوا العلماء وأجزلوا لهم العطاء، وجعلوا من دار العلم هذه مركزًا من مراكز الدعوة يلقي العلماء فيه الدروس والمحاضرات على الدعاة والعامة، كما أنهم قد جعلوا جانبًا من جوانب قصرهم مركزًا من مراكز الدعوة، وهو المعروف «بالمحول»، وفيه كانت تُلقى المحاضرات والدروس على الخاصة ورجالات الدولة. ويذكر ابن خلكان أن الخليفة الظاهر بن الحاكم بأمر الله قد أمر الناس بحفظ كتاب «دعائم الإسلام» للقاضي النعمان، وأنه جعل لمن حفظه مالًا كثيرًا، ويذكر أيضًا أن الوزير يعقوب بن كلس ألَّف كتابًا في الفقه الفاطمي ورتب لنفسه مجلسًا في كل ليلة جمعة يقرأ فيه مصنفاته على الناس، وكان يحضر هذا المجلس جماعة من كبار رجالات الدولة كالقضاة والفقهاء والقراء والنحاة وجميع أرباب الفضائل والعدول.١١٧
    ويقول المقريزي: إن الإمام الظاهر الفاطمي طلب إلى الناس أن يحفظوا كتاب مختصر الفقه للوزير ابن كلس.١١٨ وفي ديوان الإمام المؤيد في الدين داعي الدعاة هبة الله بن موسى بن داود الشيرازي (؟–٤٧٠) الكاتب الأديب العالم المعروف برسائله التي ناظر بها أبا العلاء المعري في موضوع أكل اللحم مقطوعة، قيل إن الخليفة المستنصر بالله أرسلها إليه يحثه فيها على نشر علوم أهل البيت الفاطميين وفقههم، وفيها قوله:١١٩
    يا حجة مشهورة بين الورى
    وطود علم أعجز المرتقي
    … شيعتنا قد عدموا رشدهم
    في الغرب يا صاح وفي المشرق
    فانشر لهم ما شئت من علمنا
    وكن لهم كالوالد المشفق
    وفي «سيرة داعي الدعاة المؤيد في الدين» التي كتبها بقلمه،١٢٠ وفي «المجالس المستنصرية» التي كتبها الداعي ثقة الإمام علم الإسلام،١٢١ وقد نشرهما الأستاذ الدكتور محمد كامل حسين المصري، شيء كثير عما كان يجري في «دار العلم» و«المحول» من البحوث الكلامية وأخبار العقائد الفاطمية.
    ونرى قبل أن نختم الحديث عن «دار الحكمة» أو «دار العلم» هذه أن نعرض إلى أقوال بعض الباحثين الذين أرادوا أن يجعلوا من هذه الدار «مدرسة» أو «جامعة» كما يقول البروفسور متس١٢٢ والأستاذ خطاب عطية،١٢٣ فإن الأول ذهب إلى «أن مجرد اسم دار علم يدل على الفرق بينها وبين دور الكتب القديمة، وإن دار الكتب قديمًا كانت تسمى خزانة حكمة، وهي خزانة كتب ليس غير، أما المؤسسات الجديدة فتسمَّى دور علم وخزانة الكتب جزء منها، وتزيد على دور الكتب بالتعليم وبإجراء الأرزاق على من يلازمها.» وأخذ الثاني كلام الأول وأضاف إليه قوله «ودار العلم التي نحن بصددها ينطبق تمامًا عليها هذا القول، فقد كانت «جامعة» حقة تضم عدة حلقات دينية وأدبية وعلمية، وجلس فيها القراء والفقهاء وأصحاب النحو واللغة والمنجمون والأطباء …»

    ونحن نرى في هذا القول، وبخاصةٍ قول الأستاذ خطاب، مبالغة كبيرة؛ فإن إطلاق كلمة «جامعة» على «دار العلم» هذه فيه كثير من التساهل، ﻓ «المدرسة» أو «الجامعة» لها شروط عديدة، منها:

    أن يكون المكان مشيدًا للعلم والتعليم خاصة.

    وأن يكون للدخول فيه شرائط معينة.

    وأن يرتب لمن فيه من الطلاب والأساتذة الرواتب الخاصة.

    وأن تكون تلك الرواتب لكل منتسب إليه لا للفقراء والمعوزين الذين يقصدونه.

    وأن يكون له هدف خاص معروف.

    وأن يكون مزودًا بكل ما تحتاج إليه الدراسة من عدد الدرس وآلاته كالكتب والألواح والغرف المهيأة.

    وأن توقف بعض الوقوف الدارَّة عليه لاستمرار العمل فيه طويلًا.

    وأن يزود بالموظفين الكفاة الذين يقومون بالسهر عليه وعلى مصالحه.

    ونحن لا نعرف مؤسسة روعيت فيها هذه الشروط إلا المدرسة النظامية التي أسسها الوزير نظام الملك السلجوقي. أما «دار العلم» أو «دار الحكمة» أو «المحول» أو «الجامع الأزهر» نفسه، فإنها مؤسسات علمية وثقافية، إلا أن هذه الشروط غير متوفرة فيها؛ فلذلك لا يصح أن يطلق عليها اسم «مدرسة» أو «جامعة»؛ لأننا لا نعرف معهدًا روعيت هذه الشروط فيه إلا المدارس النظامية التي شيدها نظام الملك في بغداد وغيرها من نواحي العالم الإسلامي. فقول البروفسور متس والأستاذ خطاب قول مبالغ فيه ولا يعتمد على الواقع العلمي، إلا إذا تساهلنا في إطلاق لفظ «المدرسة» أو «الجامعة» على أي مكان يدرس فيه، وليس في هذا الإطلاق أية دقة علمية.

    ونحن نحب أن نختم هذا المبحث بأن كلمة «دار علم» صارت تطلق فيما بعدُ على كثير من خزائن الكتب التي ليس لها أية صفة جامعية أو مدرسة؛ ففي طرابلس الشام مثلًا شاد أميرها القاضي جلال الملك خزانة كتب ضخمة للكتب عُرفت باسم «دار العلم»، وقد ذكرها الشاعر أبو عبد الله أحمد بن محمد علي التغلبي الدمشقي المعروف بابن الخياط (؟–٥١٧)؛ فقد كتب مرة إلى القاضي أبي الفضل بن أبي روح، وكان قد أمره القاضي جلال الملك أن يفرق شيئًا من المال على أهل العلم فيها، فلم يعط ابن الخياط شيئًا، وكان ابن أبي روح هذا متوليًا دار العلم، فبعث إليه ابن الخياط بالبيتين الآتيين:

    أبا الفضل كيف تناسيتني
    وما كنت تعدل نهج الرشاد
    فأوردت قومًا رواء الصدور
    وحلأت مثلي وإني لصاد
    فاضطُر ابن أبي روح أن يعطيَه شيئًا من ماله.١٢٤
    وفي بغداد شيد الأديب الفقية المحدث المؤرخ الطبيب أبو بكر عبيد الله بن علي بن نصر، المعروف بابن المارستانية ناظر أوقاف المارستان العضيدي؛ دارًا بدرب الشاكرية سماها «دار العلم»، وجعل فيها خزانة كتب ووقفها على طلاب العلم، ولكن سيرته لم تحمد في نظارة الأوقاف فقبض عليه وصودرت أمواله وبيعت دار العلم بما فيها من الكتب.١٢٥

(١-٣) مؤسسات أخرى للتعليم

لم يقتصر التعليم عند العرب على المسجد والجامع والكتاب ودور العلم وخزائن الكتب كما رأينا، بل وُجدت عندهم مؤسسات أخرى كانوا يتلقَّوْن فيها العلم إلى جانب الأغراض الأخرى التي أُسست من أجلها كالخانقاه، والرباط، والزاوية، والبيمارستان. وسنفرد فيما يلي بحثًا موجزًا لكل مؤسسة من هذه المؤسسات:
  • الخانقاه: ويقال لها الخانكاه أيضًا، وتجمع على خوانق وخوانك، وهي كلمة فارسية الأصل معناها البيت. قال المقريزي: «هي كلمة فارسية معناها بيت، ويقال إن أصلها خونقاه، أي الموضع الذي يأكل فيه الملك.» وقال مؤلف «فرهتك خيَّام»: «خانقاه معرب خانكاه.»١٢٦ وإن معنى «خانكاه» هو مقام درويشان، أي بيت الدراويش والصوفية والفقراء. وقد حدثت الخوانق في الإسلام في حدود الأربعمائة من سِنِي الهجرة، وجعلت لتخلي الصوفية فيها للعبادة،١٢٧ وكانت تُبنى في الغالب على شكل مساجد الصلاة، إلا أن فيها غرفًا عديدة لبيت الفقراء والصوفية وبيتًا كبيرًا لصلاتهم مجتمعين وللقيام بأورادهم وأذكارهم، ولا يكون فيها في الغالب منبر لأنها لا تقام فيها صلاة الجمعة إلا نادرًا، فإن الصوفية عادة كانوا يخرجون منها أيام الجمع إلى أقرب مسجد. وربما أقيمت صلاة الجمعة في بعض الخوانق كخانقاه يكتمر بمصر،١٢٨ وكانت الخوانق في العادة تزود بحمام ومطبخ ومخازن للأطعمة والمؤن، وفرن تصنع فيه الأخباز والمأكولات.١٢٩
    وكان يكون لكل خانقاه شيخ يلقَّب ﺑ «شيخ الشيوخ». قال المقريزي في كلامه عن الخانقاه الكبرى الصالحية التي كانت دار سعيد السعداء في دوبرة الصوفية بمصر: «هذه الخانقاه كانت أولًا دارًا تُعرف في الدولة الفاطمية بدار سعيد السعداء، وهو الأستاذ قنبر ويقال عنبر أحد الأستاذين المحنكين خدام القصر، عتيق الخليفة المستنصر قُتل في سابع شعبان سنة ٥٤٤ﻫ، فلما استبد الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شاذي بملك مصر عمل هذه الدار برسم الفقراء الصوفية الواردين من البلاد الشاسعة، ووقفها عليهم في سنة ٥٦٩ وولى عليهم شيخًا، وشرط أن من مات من الصوفية وترك عشرين دينارًا فما دونها كانت للفقراء ومن أراد منهم السفر يعطى تسفيرة، ورتب للصوفية في كل يوم طعامًا ولحمًا وخبزًا وبنى لهم حمامًا بجوارهم، فكانت أول خانقاه عملت بمصر وعُرفت بدوبرة الصوفية، ولُقب شيخها بشيخ الشيوخ، واستمر ذلك بعده إلى أن كانت الحوادث والمحن سنة ٨٠٦، واتضعت الأحوال وتلاشت الرتب، فلقب كل شيخ خانقاه ﺑ «شيخ الشيوخ»، وكان سكانها من الصوفية يُعرفون بالعلم والصلاح وترجى بركتهم … أخبرني الشيخ أحمد بن علي القصار أنه أدرك الناس في يوم الجمعة يأتون من مصر إلى القاهرة ليشاهدوا صوفية خانقاه سعيد السعداء عندما يتوجهون منها إلى صلاة الجمعة بالجامع الحاكمي.»١٣٠ وكانوا يخصصون في كل خانقاه عددًا من الصوفية يقيمون فيها، وربما بلغ عددهم في بعض الخوانق خمسمائة صوفي، كما كان الحال في خانقاه الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، فقد بنى في مصر بناءً فخمًا جعله خانقاه وجعل إلى جانبه رباطًا قال عنه في الخطط المقريزية: «ولما كملت في سنة ٧٩٩ قرر في الخانقاه أربعمائة صوفي، وبالرباط مائة من الجند وأبناء الناس الذين قعد بهم الوقت.»١٣١ وكانوا يجعلون في تلك الخوانق دروسًا في الفقه والدين والعربية والتصوف والحديث، فقد جعل الملك المظفر بيبرس دروسًا في الحديث وسمى لذلك مدرسًا وعنده عدة من المحدثين والقراء،١٣٢ وربما جعل بعضهم في الخانقاه دروسًا لتدريس المذاهب الأربعة، وكانوا كثيرًا ما يُلحقون بالخوانق كتاتيب لتعليم الأطفال المسلمين القرآن والكتابة والقراءة مع تجويد الخط العربي،١٣٣ كما كانوا يجعلون في الخوانق خزائن للكتب والمصاحف القرآنية والربعات، وربما وضعوا فيها بعض الكتب الفلكية وآلاتها؛ فقد روَوْا أن الأمير بسكتمر الساقي جعل في خانقاهه شيخًا وإمامًا وعشرين صوفيًّا وقراءً وهيَّأ لهم كل ما يحتاجون إليه من طعام وغذاء ودواء، وظل ذلك إلى أن وقعت الفتن في مصر سنة ٨٠٦، فتعطل كثير من تلك الخيرات وخربت الحمام والبستان التابعان للخانقاه وتمزق ما كان فيها من الفرش، وآلات النحاس والكتب والربعات والقناديل النحاس المفرغة والقناديل الزجاج المذهب، وغير ذلك من الأمتعة والنفائس الملوكية.١٣٤
  • الرباط: هو في الأصل مصدر «رابط»، قال في المصباح المنير: «الرباط اسم من رابط مرابطة، إذا لازم ثغر العدو.»١٣٥ وقد أُطلق لفظ «الرباط» على نوع من الثكنات العسكرية التي تُبنى على الحدود الإسلامية وقرب الثغور، يقيم فيها المجاهدون «المرابطون» الذين رابطوا في هذه الأمكنة للدفاع عن دار الإسلام بسيوفهم. وقد كانت الأربطة منتشرة في أيام بني أمية وبني العباس بين ديار الإسلام وديار الحرب. وأجلُّ هذه الربط ما كان في شمالي بلاد الشام وشمالي إفريقية، وقد كانت في تصميمها تشبه الحصون البيزنطية، ومعظمها بُني على شكل مستطيل وفي أركانها الأربعة أبراج للمراقبة، أما داخلها فبناء تحفُّ به القاعات التي لا نوافذ لها في الغالب.١٣٦ وقد كان إلى جانب هذه الأربطة ساحات فسيحة معدة لخيول المجاهدين استعدادًا لردِّ العدو أو مبادرته بالقتال تنفيذًا لمنطوق الآية الكريمة: وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ.
    ثم على مرور الأزمنة تطوَّر معنى هذه اللفظة، فأصبحت تطلَق على الأمكنة التي يرابط فيها من نذروا أرواحهم للجهاد في سبيل الله ونصرة دينه، فأصبحت تطلَق على البيوت التي يسكنها المتقشفون والصوفية. قال المقريزي: «الرُّبُط جمع رباط، وهو دار يسكنها أهل طريق الله.» قال ابن سيده: الرباط من الخيل الخمسة فما فوقها، وأصلها أن يرابط كل واحد من الفريقين خيله، ثم صار لزوم الثغر رباطًا، وربما سُميت الخيل نفسها رباطًا، والرِّباط والرُّباط المواظبة على الأمر. قال الفارسي: هو ثانٍ من لزوم الثغر، ولزوم الثغر ثانٍ من ربْط الخيل، وقوله تعالى: وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا قيل معناها جاهدوا، وقيل واظبوا على مواقيت الصلاة. وقال أبو حفص السهروردي في كتاب عوارف المعارف: وأصل الرباط ما تربط به الخيل، ثم قيل لكل ثغر يدافع أهله عمن وراءهم رباط، فالمجاهد المرابط يدفع عمن وراءه، والمقيم في الرباط على طاعة الله يدفع بدعائه البلاء عن العباد والبلاد، وروى داود بن صالح قال: قال لي أبو سلمى بن عبد الرحمن: يا ابن أخي، لم يكن في زمان رسول الله غزو تربط فيه الخيل ولكنه انتظار للصلاة بعد الصلاة، فالرباطُ جهاد النفس، والمقيم في الرباط مرابطٌ مجاهدٌ نفسه، واجتماع أهل الرُّبُط إذا صح على الوجه الموضوع له الربط، وتحقق أهل الربط بحسن المعاملة ورعاية الأوقات وتَوقِّي ما يفسد الأعمال ويصحح الأحوال يعود بالبركة على البلاد والعباد. وشرائط سكان الرباط قطع المعاملة مع الخلق وفتح المعاملة مع الحق، وترك الاكتساب اكتفاءً بكفالة مسبب الأسباب، وحبس النفس عن المخالطات واجتناب التبعات، ومواصلة الليل والنهار بالعبادة متعوضًا بها عن كل عادة، والاشتغال بحفظ الأوقات وملازمة الأوراد، وانتظار الصلوات واجتناب الفضلات، ليكون مجاهدًا مرابطًا. والرباط بيت الصوفية، ومنزلهم، ولكل قوم دار، والرباط دارهم، وقد شابهوا أهل الصُّفَّة في ذلك؛ فالقوم في الرباط متفقون على قصد واحد، وعزم واحد، وأحوال متناسبة، ووضع الرباط لهذا المعنى.١٣٧ ولقد كانت الرُّبط في أيام بني أمية وبني العباس بكثرة على الثغور الرومية والبيزنطية وإلى أقصى الشرق وعلى حدود ما وراء النهر وفي شمالي إفريقية وسائر بلاد المغرب، وكان يقيم فيها المجاهدون، وطبيعي جدًّا أن هؤلاء المرابطين كانوا في خلال الأوقات التي لا تكون فيها الحرب أو الاستعداد لها، كانوا يعملون على ترويض أنفسهم جسميًّا أو روحيًّا، وكانوا يقرءون ما تيسَّر لهم من القرآن أو نصوص العلم والدين أو أحاديث الرسول . ويظهر أنه منذ القرن الرابع أخذ بعض أهل الخير يقفون مساكن في ضواحي المدن الكبرى، يجعلونها مؤبدة على الزُّهاد والعُباد؛ أي في الوقت الذي شرعوا يبنون فيه الخوانق. والرباط هو الخانقاه إلا أن أهل العراق قلما استعملوا كلمة الخانقاه، أما أهل مصر والشام فقد استعملوا كلمة رباط. وقد جعلوا الرباط مأوى الصوفية الفقراء المجردين غير المتأهلين، وربما كانوا يقفون بعض الربط على النساء من أهل الصلاح والفقر والخير والدين، ويجعلون لها شيخات من فواضل النساء وعوالمهن. قال المقريزي في الكلام عن رباط البغدادية: بَنَتْه السيدة الجليلة تذكار باي خاتون ابنة الملك الظاهر بيبرس سنة ٦٨٤ للشيخة الصالحة زينب بنت أبي البركات المعروفة ببنت البغدادية، فأنزلتها به ومعها النساء الخيِّرات، وما برح إلى وقتنا هذا يُعرف سكانه من النساء بالخير، وله دائمًا شيخة تعظ النساء وتذكِّرهن وتفقِّههن،١٣٨ وكما جعلوا في الخانقاه شيخًا ومدرسين وقراءً، فكذلك جعلوا في الرباط. ومن أشهر الربط التي كانت فيها حلقات لتعليم القراءة والكتابة والدين والتصوف رباط الآثار الذي عمره الصاحب تاج الدين محمد بن الصاحب فخر الدين محمد، فقد قرر فيه دروسًا للفقهاء الشافعية وجعل له مدرسًا وعنده عدة من الطلبة ولهم جار.١٣٩
    وقد كانت الربط مأوًى يلجأ إليه العلماء الرحَّالون وطلاب العلم الذين ينتقلون في أرجاء العالم الإسلامي طلبًا للحديث النبوي أو علوم الدين والعربية. قال الإمام الكبير القاضي أبو بكر بن العربي (٤٦٨–٥٤٣) الإمام المجتهد والمحدث الجليل لما خرج من الأندلس قاصدًا المشرق دخل بغداد ونزل في رباط أبي سعد بإزاء المدرسة النظامية، فاجتمع فيه بالإمام الغزالي فقرأ عليه ولازمه. ذكر المقري في نفح الطيب نقلًا عن ابن العربي أنه قال: «ورد علينا دانشمند — وهو لقب فارسي للإمام الغزالي معناه العلَّامة — فنزل برباط أبي سعد بإزاء المدرسة النظامية مُعرِضًا عن الدنيا مُقبِلًا على الله، فمشينا إليه وعرضنا أمنيتنا عليه، وقلت له: أنت ضالتنا التي كنا ننشد وإمامنا الذي به نسترشد، فلقينا لقاء المعرفة، وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة …»١٤٠
  • الزاوية: هي كالرباط والخانقاه إلا أنها أصغر في الغالب، وهي أكثر ما تكون في الصحاري والأمكنة الخالية من السكان، وربما أُطلقت على ناحية من نواحي المساجد الكبرى تُقام فيها بعض حِلق العلم، فقد كان في جامع عمرو بن العاص بمصر عدة زوايا، قال المقريزي: «وبالجامع زوايا يُدرَّس فيها الفقه، منها «زاوية الإمام الشافعي» يقال إنه درَّس فيها الفقه فعُرفت به، ولم يزل يتولى تدريسها أعيان الفقهاء وجلة العلماء، وفيها «الزاوية المجدية» بصدر الجامع فيما بين المحراب الكبير ومحراب الخمس داخل المقصورة الوسطى بجوار المحراب الكبير، رتبها مجد الدين أبو الأشبال الحارث بن مهلب الأزدي، ويعدُّ تدريسها من المناصب الجليلة، ومنها «الزاوية الصاحبية» رتبها الصاحب تاج الدين محمد بن فخر الدين، وجعل لها مدرِّسَين؛ أحدهما مالكي والآخر شافعي، ومنها «الزاوية الكمالية» بالمقصورة المجاورة لباب الجامع الذي يدخل إليه من سوق الغزل … وغير ذلك من الزوايا الصوفية.»١٤١ وكانوا يقفون هذه الزوايا — ومثلها التكايا — على الفقراء الصوفية، ويجعلون لها شيخًا واحدًا أو أكثر من واحد، ويحددون عدد من يباح لهم الإقامة الدائمة فيها، ومن يحق لهم البقاء فيها موقتًا مدة من الزمن.

    ومما تجدر الإشارة إليه أن المسلمين قد خصصوا بعض الخوانق والربط والزوايا للنساء خاصة، يقمن فيها ويتلقين بعض الدروس في الدين من القرآن والحديث والفقه والأدب من شعر ونثر، ومن أشهر هذه الربط النسوية «رباط البغدادية» الذي بنته السيدة الجليلة تذكار باي ابنة الملك الظاهر بيبرس سنة ٦٨٤ للشيخة الفاضلة الزاهدة زينب ابنة أبي البركات البغدادية (؟–٧١٤)، فأنزلتها به مع النساء الصالحات، وله دائمًا شيخة تعظ النساء وتذكِّرهن وتفقِّههن. قال المقريزي: وآخر من أدركنا فيه الشيخة الصالحة سيدة نساء زمانها أم زينب فاطمة بنت عباس البغدادية (؟–٧٩٦)، وكانت فقيهة وافرة العلم زاهدة قانعة باليسير عابدة واعظة حريصة على النفع والتذكير … انتفع بها كثير من نساء دمشق ومصر، وكان لها قبول زائد ووقْع في النفوس … أدركنا هذا الرباط وتودع فيه النساء اللاتي طُلقن أو هُجرن حتى يُزوَّجن أو يرجعن إلى أزواجهن صيانة لهن لما كان فيه من شدة الضبط وغاية الاحتراس والمواظبة على وظائف العبادات.

  • البيمارستان: «البيمارستان» — ومخففها «مارستان» كلمة فارسية معناها «المستشفى»، وهي مؤلَّفة من كلمة «بي» ومعناها: «بدون»، و«مار» ومعناها: «الحياة، أو الحيوية»، و«ستان» ومعناها مكان؛ فمعنى الكلمة كلها «مكان المرضى».
    وقال الجوهري في الصِّحَاح: المارستان بيت المرضى، معرَّب. وقد أُطلقت في الأصل على كل مستشفًى، ثم خُصصت بمستشفى المجاذيب، وأول من عمل البيمارستانات في الإسلام الوليد بن عبد الملك في سنة ٨٨، وجعل فيها الأطباء وأجرى عليهم الجرايات، وعمل دور الضيافة، وأمر بحبس المجذومين والعميان، وكانوا يودِعون في هذه البيمارستانات الأدوية والعقاقير والأكحال، ويجعلون فيها الأطباء والكحالين والجِرَاحيين والخدم وكل ما تحتاج إليه المشافي من عُدد وآلات، وربما جعلوا في بعضها خزائن الكتب١٤٢ وغرفًا وأواوين ومعاهد لتدريس الطب والصيدلة وما إليها، وربما ألحقوا مكان التدريس بجانب البيمارستان ليكون الطلاب في جو هادئ، وإذا ما أراد الأستاذ تدريسهم وإجراء التطبيق العملي نقلهم من المدرسة إلى البيمارستان أو من البيمارستان إلى المدرسة، وممن عمل ذلك الخليفة المستنصر العباسي؛ فإنه جعل في مدرسته المستنصرية العظمى معهدًا لتدريس الطب والصيدلة، وإلى جانبه شاد البيمارستان ليطبق الطلاب علومهم النظرية على الحالات المرضية في ذلك المستشفى.
    وكذلك فعل الملك المنصور قلاوون الألفي الصالحي؛ فإنه بنى البيمارستان الكبير المنصوري في القاهرة سنة ٦٨٢، وجعل فيه قبة ومدرسة وبيمارستانًا، وإن ذلك كله تم في أسرع مدة وهي أحد عشر شهرًا، وكان مقدار ذرعها عشرة آلاف وستمائة ذراع، وكان الشروع في البناء سنة ٦٨٣، ووقف عليها ما يقارب من ألف ألف درهم في كل سنة لمصاريف البيمارستان والقبة والمدرسة ومكتب الأيتام، وجعل مكانًا تفرق فيه الأدوية والأشربة، ومكانًا يجلس فيه رئيس الأطباء لإلقاء الدروس في الطب، وقرر في القبة خمسين مقرئًا يتناوبون قراءة القرآن ليلًا ونهارًا، ودرسًا للتفسير له مدرس ومعيدان وثلاثون طالبًا، ودرس حديث نبوي، وجعل بها خزانة كتب وستة خدام طواشية لا يزالون بها، ومتصدِّرًا لإقراء القرآن، ودروس في الفقه على المذاهب الأربعة، ورتب بمكتب الأيتام معلمَين يقرئان الأيتام القرآن١٤٣ الكريم، وقد مدحها الشرف البوصيري بقوله:
    أنشات مدرسة ومارستانا
    لتصحح الأديان والأبدانا

    وقال أيضًا:

    ومدرسة ودَّ الخورنق أنه
    لديها حظير والسدير غدير
    مدينة علم والمدارس حولها
    قرًى أو نجوم بدرهنَّ منير
    تبدت فأخفى الظاهرية نورها
    وليس بظهر للنجوم ظهور
    بناها كأن النحل هندس شكله
    ولانت له كالشمع فيه صخور
    ولما دخل صلاح الدين مصر أمر بفتح مارستان للمرضى. قال القاضي الفاضل: في متجددات سنة ٥٧٧ في تاسع ذي القعدة أمر السلطان بفتح مارستان للمرضى والضعفاء فاختير له مكان في القصر، أفرد برسمه من أجرة الرباع الديوانية مشاهرة قدرها مائتا دينار، واستخدم له أطباء وطبائعيين وجِرَاحيين ومشارف وعاملًا وخدامًا، ووجد الناس فيه رفقًا وإليه مستروحًا وبه نفعًا. وكذلك بمصر أمر بفتح مارستانها القديم وأفرد برسمه من ديوان الأجناس ما تقدير ارتفاقه عشرون دينارًا، واستخدم له طبيبًا وعاملًا ومشرفًا وارتفق به الضعفاء.١٤٤
    والمستشفيات التي كانت فيها حلقات لتدريس الطب كثيرة في الإسلام. قال الدكتور أحمد عيسى في فصل عنوانه «تدريس الطب بالبيمارستان وفي مدارس خاصة»: ذكرنا أن طلبة الطب كانوا يتلقَّوْن علومهم على أساتذتهم في البيمارستانات؛ إذ كانت تهيأ لهم الإيوانات الخاصة المعدة والمجهزة بالآلات والكتب أحسن تجهيز، فيقعدون بين يدي معلمهم بعد أن يتفقدوا المرضى وينتهوا من علاجهم كما كان يفعل أبو المجد بن أبي الحكم في البيمارستان النوري الكبير، وإن بعضًا من مشايخ الطب وكبار رؤسائهم كان يجعل له مجلسًا عامًّا لتدريس صناعة الطب للمشتغلين عليه في منزله أو في المدارس الخاصة،١٤٥ ويقول ابن أبي أصيبعة: إن الفيلسوف الطبيب أبا الفرج بن الطبيب كان يقرئ الطب في البيمارستان العضدي ويعالج المرضى فيه،١٤٦ وإن الإمام الطبيب إبراهيم بن مكس كان يدرس الطب في البيمارستان العضدي في بغداد وكان له ما يقوم بكفايته،١٤٧ وقال ابن كثير في حوادث سنة ٥٧٢: وفيها بنى الأمير مجاهد الدين قايماز نائب قلعة الموصل جامعًا حسنًا — هو الجامع المجاهدي — ورباطًا ومدرسة ومارستانًا متجاورات بظاهر مدينة الموصل على دجلة وأوقف عليها الأوقاف،١٤٨ ولما زار ابن جبير مدينة الموصل في سنة ٧٢٨ وجد فيها مارستانًا أمام مسجدها الجامع.١٤٩ ويَذكر ابن كثير أن الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي لما كان ملك دمشق سنة ٥٤٩ ابتنى بها سنة ٥٦٩ بيمارستانه العظيم المشهور بالمارستان النوري الكبير، وأن ذلك البيمارستان لم تخمد منه نار منذ بنائه إلى أيامنا هذه؛ أي سنة ٧٧٤، وهي سنة وفاة ابن كثير. ويقول ابن أبي أصيبعة: إن نور الدين لما أنشأ بدمشق بيمارستانه هذا جعل أمر الطب فيه إلى الطبيب الأشهر أبي المجد بن أبي الحكم الباهلي، وأنه كان يدور على المرضى ويتفقد أحوالهم ويعتبر أمورهم وبين يديه المشارفون والقوام لخدمة المرضى، فكان جميع ما يكتبه لكل مريض من المداواة والتدبير لا يؤخر عنه ولا يتوانى في ذلك، وبعد فرغه من ذلك وطلوعه إلى القلعة وافتقاده المرضى من أعيان الدولة يأتي ويجلس في الديوان الكبير بالبيمارستان، وجميعه مفروش، ويحضر كتب الاشتغال. وكان نور الدين — رحمه الله — قد وقف على هذا البيمارستان جملة كتب من الكتب الطبية، وكانت في الخرستانين اللذين في صدر الديوان، فكان جماعة من الأطباء والمشتغلين يأتون إليه ويقعدون بين يديه ثم تجري مباحث طبية ويقرئ التلاميذ، ولا يزال معهم في اشتغال ومباحث ونظر في الكتب مقدار ثلاث ساعات،١٥٠ وقال ابن أبي أصيبعة: كنت بعدما يفرغ الحكيم مهذب الدين والحكيم عمران من معالجة المرضى بالبيمارستان وأنا معهم أجلس مع الشيخ رضي الدين الرحبي، فأعاين كيفية استدلالاته على الأمراض ومداواتها، وكان معه — أي مع مهذب الدين — في البيمارستان لمعالجة المرضى الحكيم عمران، وهو من أعيان الأطباء وأكابرهم في المداواة والتصرف في أنواع العلاج، فتتضاعف الفوائد المقتبسة من اجتماعهما ومما كان يجري بينهما من الكلام في الأمراض.١٥١
    وكانت البيمارستان قسمين؛ أحدهما للرجال، والآخر للنساء، وفي كلا القسمين ما يحتاج إليه الأطباء أو المستخدمون من العدد والآلات والكتب، كما كان كلٌّ منهما مجهزًا بالالات المخصصة لمختلِف الأمراض والعلل والجراحات والجبائر،١٥٢ وما إلى ذلك، وكان إلى جانب هذه البيمارستانات أو داخلها في الغالب صيدليات ربما سمَّوْها «الشراب خاناه»، وفيها رئيس وموظفون، ويسمى هذا الرئيس «صيدليًّا» أو «صيدلانيًّا» أو «شاد الشراب خاناه».١٥٣

    وكان الأطباء في صدر الدولة يطببون — بعد أن يدرسوا الطب على شيوخه — حين يجدون في أنفسهم الكفاية ويأذن لهم أستاذوهم بذلك، ويظهر أنهم لما وجدوا بعض المتطفلين على هذه الصناعة يدسون أنفسهم في عداد الأطباء، رأَوْا ضرورة صيانة هذه الصنعة الحساسة فأوجدوا للرقابة عليهم رجالًا مخصوصين.

    ويقال إن الخليفة المقتدر بالله العباسي هو أول من فرض على من يريد انتحال هذه الصنعة أن يؤديَ امتحانًا حتى ينال إجازة التطبيب، قال سنان بن ثابت رئيس أطباء عصره وطبيب الخليفة المقتدر: لما كان في سنة ٣١٩ اتصل بالمقتدر أن غلطًا جرى على رجل من العامة من بعض المتطببين فمات الرجل؛ فأمر الخليفة أبا إبراهيم بن محمد بن أبي بطيحة المحتسب أن يمنع المتطببين من التصرف إلا مَن امتحنه سنان بن ثابت بن قرة، فصاروا إلى سنان وامتحنهم وأطلق لكل واحد منهم ما يصلح أن يتصرف فيه، وبلغ عددهم في جانبَي بغداد ثمانمائة رجل ونيفًا وستين طبيبًا، سوى من استغنى عن امتحانه باشتهاره وتقدمه في صناعته، وسوى مَن كان في خدمة الخليفة. وصار النظام بعد ذلك أن من أتم دراسة الطب يتقدم إلى رئيس الأطباء لامتحانه وأخذه الإجازة في العراق أو الشام أو سائر الأقطار الإسلامية. يقول الدكتور أحمد عيسى: وكان طالب الإجازة يتقدم إلى رئيس الأطباء برسالة في الفن الذي يريد الحصول على الإجازة في معاناته، وهذه الرسالة أشبه بما يسمى اليوم أطروحة thèse، وتكون هذه الرسالة له أو لأحد مشاهير الأطباء المتقدمين أو المعاصرين يكون قد أجاد دراستها فيمتحنه فيها ويسأله في كل ما يتعلق بما فيها من الفن، فإذا أحسن الإجابة أجازه الممتحن بما يطلق له التصرف فيه من الصناعة، ومن محاسن الصدف أني عثرت في دشت قديم في خزانة كتب أستاذنا وصديقنا أحمد زكي باشا على صورتين لإجازتين في الطب من القرن السادس عشر، مُنحت إحداهما لفصاد والأخرى لجراح أنقلهما هنا لكي يعلم الباحث ما كان عليه الحال في تلك العصور.١٥٤

    وقد بلغت المارستانات في الإسلام مبلغًا عظيمًا، أحصاه الدكتور أحمد عيسى في كتابه القيم. وقد تجاوز عدد المشهور فيها المائة بيمارستان، ولم يكد يخلو منها قطر من أقطار الإمبراطورية الإسلامية إذ ذاك.

(٢) المدارس وأساتذتها وطلابها وكل ما يتعلق بها

(٢-١) المدارس

أقدم النصوص الأدبية التي نجد فيها ذكر «المدرسة» بمعناها الاصطلاحي المفهوم — فيما أرى — هو قول دعبل بن علي الخزاعي (؟–٢٤٦) في قصيدته التي يرثي بها آل البيت وما يلقَوْن من تقتيل وتعذيب، وما أصاب معاهد العلم والدين من قتلهم:

مدارس آيات خلت من تلاوة
ومهبط وحي مقفر العرصات

ولا شك في أنه يقصد ﺑ «المدرسة» معناها الاصطلاحي؛ أي الأمكنة التي كانت تشاد لإقراء القرآن وتلاوة آيِ الذكر الحكيم.

أما أقدم النصوص التاريخية التي نجد فيها ذكر «المدرسة»، فهي كما يلي على ما أحصاه العلَّامة المستشرق البروفسور وستنفلد في كتابه القيم الذي ألَّفه في الإمام الشافعي، قال:١٥٥
  • (١)
    شيَّد الإمام أبو حاتم البستي الأديب المحدث المشهور (؟–٣٤٥) مدرسة «دارًا» في بلده بُست، وجعل فيها خزانة كتب وغرفًا للطلاب، وخصص مبالغ مالية وأرزاقًا للغرباء من طلاب العلم فيها، وقالوا إنه جمع في تلك الدار جميع مؤلفاته ووقفها فيها ليطالعها الناس، وقد قرئ عليه أكثرها.١٥٦
  • (٢)
    بنى الشافعيون بنيسابور، المعجبون بعلم الإمام النيسابوري «أبي علي الحسين بن علي الحافظ الكبير» (؟–٣٤٩) مدرسة خاصة به.١٥٧
  • (٣)
    بنى وجوه طهران للإمام الحاتمي (؟–٣٦٢) مدرسة يفقه فيها الناس على المذهب الشافعي.١٥٨
  • (٤)
    أسس الإمام المحدث الشيخ أبو علي الحسيني (؟–٣٩٣) مدرسة لتعليم علوم الحديث وروايته، وقد بلغ عدد طلابها ألف طالب من شتى بقاع الأرض.١٥٩
  • (٥)
    شاد الإمام الإسماعيلي (؟–٣٩٦) مدرستين في بغداد لتعليم المذهب الشافعي، عهد بتدريس إحداهما إلى الإمام الإسفرائيني، وبالثانية إلى الإمام الباقي.١٦٠
    ويمكن أن نضيف إلى هذه القائمة مدارس أخرى شيدت في القرن الرابع أو أوائل القرن الخامس، وهي:
    • (أ)
      يحدثنا المؤرخان ابن عساكر وابن خلكان أن فقهاء مدينة نيسابور استدعَوا الإمام المحدث الأديب ابن قورك محمد بن الحسن الأنصاري الواعظ المتكلم الجليل (؟–٤٠٦) والإمام الفقيه الشافعي أبا إسحق الإسفرائيني إبراهيم بن محمد إبراهيم (؟–٤١٨) ليقوما بالتدريس والوعظ في مدرستين جليلتين بنَوْهما لهما.١٦١ ويقول السبكي: إن المدرسة التي بُنيت للإسفرائيني لم يُبْنَ قبلها بنيسابور،١٦٢ وإن المدرسة التي بُنيت لابن قورك في نيسابور قد جعل إلى جانبها دارًا لسكنه.١٦٣
    • (ب)
      ويقول السبكي في الرد على أستاذه الذهبي لزعمه أن نظام الملك هو أول من بنى المدارس في الإسلام: «… وليس كذلك؛ فقد كانت المدرسة البيهقية بنيسابور١٦٤ قبل أن يولد نظام الملك، والمدرسة السعيدية بنيسابور أيضًا بناها الأمير نصر بن سبكتكين أخو السلطان محمود لما كان واليًا بنيسابور، والمدرسة الثالثة بنيسابور بناها أبو سعد إسماعيل بن علي بن المثنى الاسترابادي الواعظ الصوفي شيخ الخطيب،١٦٥ ومدرسة رابعة بنيسابور أيضًا بُنيت للأستاذ أبي إسحق الإسفرائيني. وقد قال الحاكم في ترجمة الأستاذ: لم يُبْنَ بنيسابور قبلها، يعني مدرسة الأستاذ، مثلها، وهذا صحيح في أنه بُني قبلها في غيرها …»١٦٦

فهذه النصوص تدل على أنه قد كانت في القرنين الرابع وأوائل الخامس مدارس، وأن نظام الملك السلجوقي لم يكن أول من أوجد هذا النوع من المعاهد على ما سنفصله بعد، ونريد هنا أن نذكر أن المدرسة كانت موجودة ومعروفة في القرن الرابع، وأنها كانت مكانًا خاصًّا بالتدريس غير «المسجد» و«الكُتَّاب» و«دار العلم» و«دار الحكمة». ونحن وإن كنا لا نعرف شيئًا ذا خطر عن «المدرسة» في ذلك الحين ولا عن ترتيبها وتنظيمها وما يُدَرَّس فيها، ولكن يغلب على ظننا أنها كانت أمكنة خاصة بالتعليم والمعلمين يدرسون فيها، وربما كانت فيها غرف يسكنها الطلاب الغرباء، وربما سكن فيها بعض الشيوخ أيضًا. وأن هذه المدارس قد كانت تتمتع ببعض الأحوال في سبيل الهدف الذي أُنشئت من أجله، وخصوصًا تلك التي بناها بعض الأمراء كمدرسة نصر بن سبكتكين والمدرسة الجليلة التي بُنيت لأبي إسحق الإسفرائيني، وأن هذا النوع من المعاهد كان منتشرًا في العالم الإسلامي وفي الشرق وبنيسابور بصورة خاصة. أما في مصر والمغرب والأندلس فلم نعثر على نصوص تفيد أن شيئًا من هذه المعاهد كان موجودًا قبل العصر الأيوبي.

قال ابن خلكان في ترجمة الملك الناصر صلاح الدين بن أيوب: ولما ملك السلطان صلاح الدين الديار المصرية لم يكن فيها شيء من المدارس، فإن الدولة المصرية كان مذهبها مذهب الإمامية فلم يكونوا يقولون بهذه الأشياء، فعمر في القرافة الصغرى المدرسة المجاورة لضريح الإمام الشافعي — رضي الله عنه — وبنى مدرسة في القاهرة في جوار المشهد المنسوب للحسين بن علي وجعل عليها وقفًا كبيرًا، وجعل دار سعيد السعداء خادم المصريين خانقاه ووقف عليها وقفًا طويلًا، وجعل دار العباس المذكور في ترجمة الظافر العبيدي والعادل بن السلار مدرسة للحنفية وعليها وقف جيد كبير، والمدرسة التي بمصر والمعروفة بزين التجار وقفًا على الشافعية ووقفها جيد أيضًا، وبنى بالقاهرة داخل القصر مارستانًا وله وقف جيد، وله مدرسة بالقدس وقفها كثير، وخانقاه بها أيضًا، وله بمصر مدرسة للمالكية …١٦٧ ويذهب المؤرخان المصريان المقريزي والسيوطي مذهب ابن خلكان في أن مصر لم يكن بها مدارس قبل الدولة الصلاحية،١٦٨ أما الجامع الأزهر والمعاهد العلمية الأخرى التي شادها الفاطميون فلم تكن مدارس بالمعنى الاصطلاحي، وهي بجامع عمرو بن العاص والجامع الطولوني في مصر ودار الحكمة ودار العلم في بغداد وطرابلس على ما سنفصله بعد، ﻓ «المدرسة» إذنْ بمعناها الاصطلاحي المعروف وُجدت في الشرق أولًا ولم ينتظم أمرها وتتخذ طريقها الثقافي الواسع إلا حين أسس نظام الملك الطوسي «مدارسه» في بغداد وغيرها من عواصم الدولة الإسلامية التابعة للسلطة السلجوقية في عهده. ويعتبر عمل نظام الملك هذا أول عمل رسمي قامت به الدولة الإسلامية لتنظيم الدراسة وترتيبها بتهيئة الأسباب وإيجاد الموارد الضرورية، وإعداد الرواتب والنفقات للأساتذة والطلاب، وتثبيت بعض التقاليد التي كانت غير مستقرة قبلًا مما يتعلق بأنظمة الدروس وتقاليد العلم والتأليف والقضاء على الفوضى التعليمية التي كانت سابقًا.
ولا يعترض على هذا بأن العلم كان مزدهرًا في الدولة الإسلامية قبل تأسيس «المدرسة»، وأن النتاج الفكري كان عظيمًا من قبل؛ فإن همم الناس كانت في العصور الإسلامية الأولى تتغلب على كل العقبات، أما في القرن الخامس وما بعد حين فقد فترت الهمم وكثر الهدامون فوجب الاعتناء بالعلم وأهله وتهيئة الأسباب لذلك؛ ولهذا كان عمل نظام الملك المصلح الاجتماعي والإداري الكبير عملًا جليلًا صان به الحركات العقلية وحماها من التدهور وسوء المصير، على أن نظام المدارس، وإن كان قد صان العلم وحفظه، فإن كثيرًا من العلماء لم يكونوا يميلون إليه، بل فضلوا النظام السابق — أعني نظام التعليم الحر في «المساجد» — على نظام «المدارس» وأسلوبها الجديد المبني على النظام والترتيب؛ فمن ذلك ما يُروى عن بعض العلماء في ما وراء النهر أنهم لما بلغهم تأسيس «المدارس» في الشرق أقاموا مأتمًا للعلم وقالوا: كان يشتغل به أرباب الهمم العليَّة والأنفس الزكية الذين يقصدون العلم لشرفه والكمال به فيأتون علماء يُنتفع بهم وبعلمهم، وإذا صار عليه أجر تدانى إليه الأخساء وأرباب الكسل،١٦٩ ومن ذلك قول ابن الجاح في المدخل: «… لا يخلو موضع التدريس من ثلاثة أحوال، إما أن يكون بيتًا أو مدرسة أو مسجدًا، وأفضل مواضع التدريس المسجد؛ لأن الجلوس للتدريس إنما فائدته أن تظهر به سُنة، أو تخمد به بدعة، أو يُتعَلَّم به حُكم من أحكام الله علينا، والمسجد الذي يحصل فيه هذا الغرض متوفر؛ لأنه موضع الناس رفيعهم ووضيعهم وعالمهم وجاهلهم بخلاف البيت، فإنه محجور على الناس إلَّا من أبيح له وذلك لأناس مخصوصين، وإن كان العالم قد أباح بيته لكل من أتى لكن جرت العادة أن البيوت تُحترم وتُهاب؛ فكان المسجد أولى لأنه أهم في توصيل الأحكام وتبليغها للأمة، وكذلك أيضًا بالنظر إلى هذا المعنى يكون المسجد أفضل من المدرسة لوجهين؛ أحدهما: أن السلف لم تكن لهم مدارس وإنما كانوا يدرسون في المساجد وإن كان ذلك في المدرسة فيه المنفعة والخير والبركة، لكن لما أن لم يقع ذلك للسلف كان أخذه في المساجد فيه صورة الاقتداء بهم في الظاهر وإن كان غيره يجوز، وكفى لنا أسوة بهم. الوجه الثاني: أن المدرسة لا يدخلها في الغالب إلا آحاد الناس بالنسبة للمسجد؛ لأنه ليس كل الناس يقصد المدرسة وإنما يقصد أعمُّهم المساجد، وليس كل الناس أيضًا له رغبة في طلب العلم، وإذا كان التدريس أيضًا في المدرسة امتنع توصيل العلم على من لا رغبة له فيه …»١٧٠ فهذا يدل على أن كثيرًا من زهَّاد العلماء وأهل البصيرة في المشرق كرهوا اتخاذ المدارس كما كره المغاربة ذلك، ولكن الضرورة هي التي دفعت المشارقة إلى تأسيس هذه المعاهد، وللضرورة أحكامها.

(٢-٢) المدرسون وآدابهم

كانت المدارس تُبنى لبعض الأئمة الكبار الذين أوتوا نصيبًا من العلم عظيمًا كما رأينا فيما سبق من بناء المدارس للأئمة البيهقي والإسفرائيني وابن قورك البستي، وهم من كبار أئمة الإسلام في علوم الدين والحديث والعربية والآداب والكلام، ولما بنى نظام الملك السلجوقي مدرسته في بغداد اختار لها إمام أئمة الشافعية في عصره، وهو أبو إسحق الشيرازي، وكذلك جعل في كل مدرسة من المدارس التي بناها في ديار الإسلام شيخًا جليل القدر معروفًا في تلك المدينة بالفقه والدين والورع وسعة الاطلاع. وكذلك كان بناة المدارس بعده يختارون لمدارسهم شيوخًا عُرفوا بالعلم الواسع والخلق الرضيِّ. وقد تعارف الواقفون منذ القديم على كثير من الشروط التي يجب أن تتوفر في المدرسين والأساتذة والشيوخ. ولما انتظمت شئون المدارس في القرن السادس وما بعده — بعد تأسيس المدارس النظامية التي أضحت المثل الذي احتذاه الواقفون ومؤسسو المدارس فيما بعد — صار لتلك المدارس ومدرسيها تقاليد وآداب وقواعد حين قامت في الشرق وفي العراق والشام ومصر والمغرب تلك المدارس.

فمن تلك التقاليد احترام الطالب أستاذه احترامًا يجعله في مصاف الوالدين بل أسمى منهما مقامًا، قال الإمام الغزالي: «فمن علم وعمل بما علم فهو الذي يُدعى عظيمًا في ملكوت السموات؛ فإنه كالشمس تضيء لغيرها وهي مضيئة في نفسها، وكالمسك الذي يطيب غيره وهو طيب، ومن اشتغل بالتعلم فقد أتى أمرًا عظيمًا وخطرًا جسيمًا فليحفظ آدابه ووظائفه …»١٧١ وقد جعلوا للأساتذة آدابًا مهمة، فمنها غير ما ذكرناه في الفصل الخاص بمعلمي الكتاتيب ما سنذكره فيما يلي:

(٢-٣) أساتذة المدارس وآدابهم

لقد اشترطوا منذ زمن مبكر جدًّا في أساتذة المدارس شروطًا نُجملها فيما يلي:

أن لا ينتصب لهذا المنصب العلمي الخطير إلا بعد أن يستكمل عدته ويشهد له بذلك أفاضل أساتذته وكبار علماء عصره أو بلدته على الأقل، وأن يتفرغ للتعليم ولا يشرك بعمله الشريف هذا عملًا آخر، إلا إذا كان ممن ينزه نفسه عن أخذ أموال الأوقاف فيحتاج حينئذٍ إلى القيام ببعض المهن الشريفة ليقوم بأود نفسه وإصلاح أهله، وأن يستعلم عن أسماء طلبته وحاضري درسه وأنسابهم ومواطنهم وأحوالهم؛ لما في ذلك من تقوية الصلات بينه وبينهم والتعرف إلى ماضيهم.

وأن لا يمتنع عن تعليم أحد منهم علمًا أو بحثًا إذا أنس منه الفهم، وأن يتدرج معه في تفهيمه، وأن يذكر له قواعد الفن وضوابطه التي لا تنخرم مطلقًا أو غالبًا مع مستثنياتها إن كانت موجودة، وأن يبدأ بعدئذٍ بالأمور المتفرعة عن تلك القواعد، فيصور له المسألة ثم يوضحها بالأمثلة والشواهد ليقربها إلى ذهن الطالب مع غير ذلك الأدلة والعلل، فإن عرف ذلك جاءه بالأدلة والعلل والمآخذ.

وأن يطرح على التلاميذ أسئلة كثيرة يفهم منها مقدار ما استوعبوه من دروسه وما فهموه من مقرراته، فإن لم يجدهم قد استفادوا أعاد عليهم الكَرَّة، وإن وجدهم قد فهموا منه أثنى على البارع منهم وشجَّع المتوسط، وأن يختبر مقدار فهمهم وعلمهم فيوصي كل واحد منهم بقراءة الكتب التي تلائم مستواه الفكري ومقدار علمه.

وأن يصون مجالس درسه عن الغوغاء واللغط وسوء الأدب والمباحثة، وأن يُراعيَ مصلحة طلابه في تعيين مواعيد الدروس وساعاتها، وأن لا يرفع صوته، وأن لا يدَّعي علم ما يجهل؛ فإذا سأله تلاميذه عن شيء يجهله قال «لا أعلم»، وأن يجلس على منصة وهو مستقبل القبلة بوقار متربعًا، لا مقعيًا ولا رافعًا إحدى رجليه على الأخرى ولا مادًّا رجليه ولا متكئًا من غير عذر.

وأن يهتم مع طلابه بالدروس المهمة فيقدم ما تكثر حاجتهم إليه على غيره، وأن يكون مطلق الحرية في توجيه الطلاب بالشكل الذي يريده ما لم يخالف روح الشريعة والتقاليد الإسلامية المَرْعِيَّة.

وأن يكون مهذبًا متدينًا متحليا بالأخلاق النبيلة، كاظمًا لغيظه حليمًا وقورًا متئدًا رفيقًا بطلابه.

وأن يكون متقيدًا بشروط واقف المدرسة منفذًا لرغباته، ولا بأس بمخالفة تلك الشروط إذا كانت المخالفة لمصلحة الطلاب وفائدتهم العلمية أو التهذيبية.

وأخيرًا، أن يكون حريصًا على حفظ أثاث المدرسة وكتبها وأدواتها، وأن يوصيَ الطلاب بذلك.١٧٢

(٢-٤) طلاب المدارس وآدابهم

أخذ أهل الورع والخلق من طالبي العلم يقيدون أنفسهم بقيود وآراء يفرضونها على أنفسهم لئلا يخسروا في الدنيا والآخرة؛ فمن تلك القيود والآداب أن ينتخب الطالب المدرسة التي يريد أن يدخل فيها، وقد عقد المربي ابن جماعة في الباب الخامس من كتابه التربوي النفيس «تذكرة السامع» أحد عشر فصلًا بيَّن فيها تلك الشروط والآداب، نورد إليك خلاصتها فيما يلي:١٧٣
  • (١)

    أن ينتخب لنفسه من المدارس بقدر الإمكان ما كان واقفه أقرب إلى الورع وأبعد من البدع؛ بحيث يغلب على ظنه أن المدرسة ووقفها من جهة حلال. ومهما أمكن التنزه عما أنشأه الملوك الذين لا يُعلم حالهم في بنائها ووقفها فهو أولى. وأما من عُلم حاله فالإنسان على بينة من أمره مع أنه قل أن يخلوَ جميع أعوانهم عن ظلم أو عسف.

  • (٢)

    أن يكون المدرس فيها ذا رياسة وعقل ومهابة وجلالة وناموس وعدالة، ومحبة في الفضلاء وعطف على الضعفاء، يقرِّب المحصلين ويرغِّب المشتغلين ويبعد اللعَّابين وينصف البحَّاثين، حريصًا على النفع مواظبًا على الإفادة. وينبغي للمدرس الساكن بالمدرسة أن لا يكثر الخروج من غير حاجة؛ فإن كثرة ذلك تسقط حرمته من العيون، ويواظب على الصلاة في الجماعة فيها ليقتديَ به أهلها، وينبغي أن يجلس في كل وقت معين ليقابل مع الجماعة الذين يطالعون دروسه من كتبهم، ويصححونها ويضبطون مشكلها ولغاتها واختلاف النسخ في بعض المواضع وأولاها بالصحة، ليكونوا في مطالعتها على يقين فلا يضيع فكرهم ويتعب. وإذا اشترط الواقف استعراض المحفوظ كل شهر أو كل فصل على الجميع حقق قدر العرض على من له أهلية البحث والفكر والمطالعة والمناظرة؛ لأن الجمود على يقين المسطور يشغل عن الفكر الذي هو أم التحصيل، وأما المبتدئون والمنتهون فيطالب كلًّا منهم على ما يليق بحاله.

  • (٣)

    أن يتعرف شروط الواقف ليقوم بحقوق المدرسة ويستحق معلوم الراتب بحق. ومهما أمكنه التنزه عن معلوم المدارس فهو أولى، لا سيما في المدارس التي ضُيِّق في شروطها، فإن كان تحصيله البلغة يضيع رفاقه ويعطفه عن تمام الاشتغال أو لم يكن له حرفة أخرى تحصل بلغته وبلغة عياله فلا بأس بالاستعانة بذلك، ولكن يتحرى القيام بجميع شروطها ويحاسب نفسه على ذلك.

  • (٤)

    إذا حصر الواقف أمر سكنى المدرسة على المرتبين بها لم يسكن غيرهم فيها، وإن لم يحصر ذلك فلا بأس إن سكن فيها من كان أهلًا، وإذا سكن فيها غير المرتب وجب عليه أن يكرم أهلها من المرتبين ويقدمهم على نفسه، ويحضر دروسها ولا يرفع صوته بقراءة أو تكرار رفعًا منكرًا، أو يغلق بابه أو يفتحه بصورة شديدة ونحو ذلك.

  • (٥)

    أن لا يشتغل فيها بالمعاشرات والصحبة وما إلى ذلك، بل يُقبل على الدرس. واللبيب المحصل من يجعل المدرسة منزلًا يقضي وطره فيه ثم يرتحل عنه، وإن عاشر من يعينه على تحصيل مقاصده ممن يوثق بأمانته فلا بأس بذلك، وليكن له أنفة من عدم ظهور الفضيلة مع طول المقام فيها، وليطالب نفسه كل يوم باستنارة علم جديد ويحاسب نفسه على ما حصله ليكون مرتبه حلالًا، فإن المدارس وأوقافها لم تُجعل لمجرد المقام والعشرة ولا لمجرد التعبد والصلاة كالخوانق، والعاقل يعلم أن أبرك الأيام عليه يوم يزاد فيه علمًا.

  • (٦)

    أن يكرم أهل المدرسة التي يسكنها بإفشاء السلام وإظهار المودة والاحترام، فإن لم يستقر خاطره بينهم فليرتحل عنهم، وإذا استقر خاطره فلا ينتقل من غير حاجة؛ فإن ذلك مكروه للمبتدئين جدًّا، وأشد منه كراهية تنقُّل الأطفال من كُتاب إلى كُتاب؛ فإنه علامة على الضجر واللعب وعدم الصلاح.

  • (٧)

    أن يختار لجواره أصلح الطلاب حالًا وأكثرهم اشتغالًا، والمساكن العالية في المدارس لمن لا يضعف عن الصعود أولى. وقد قال الخطيب البغدادي: إن الغرف أولى بالحفظ، أما الضعيف أو من يُقصَد للفتيا والاشتغال عليه فالمساكن السفلية أولى بهم. والمراقي التي تقرب من الباب أو الدهليز أولى بالموثوق بهم، والمراقي الداخلية أولى بالمجهولين.

  • (٨)

    أن يحافظ على أثاث المدرسة من الإتلاف والأوساخ.

  • (٩)

    أن لا يتخذ باب المدرسة مجلسًا، بل لا يجلس فيه إلَّا للحاجة كانقباض صدر أو ضيق، ولا يجلس كذلك في دهليزها المؤدي إلى الطريق، ولا يكثر من المشي في ساحة المدرسة من غير حاجة.

  • (١٠)

    أن لا ينظر في غرفة أحد من الطلاب أثناء مروره من شقوق الباب، وإن سلَّم سلَّم وهو ماشٍ، ولا يُكثر الإشارة والالتفات إلى الشبابيك والطاقات، لا سيما إذا كان فيها نساء، ويتحفظ من الضوضاء والصياح.

  • (١١)

    أن يتقدم الطلاب على الدرس في حضور الدرس ويكونوا في أحسن الهيئات. وكان الشيخ أبو عمر بن الصلاح يقطع من يحضر من الطلاب بغير عمامة أو مفكك أزرار الفرجية والجبة.

هذه هي الشروط والآداب التي أضحت تقاليد متبعة في أكثر المدارس في الإسلام بعد أن وُجدت تلك المدارس وكثرت واستقرت أنظمتها واتسقت أحوالها وبرامجها.

(٣) التعليم عند المسلمين «أهدافه، مواده، مناهجه»

(٣-١) توطئة في التعليم عند الأمم القديمة

قدمنا في الفصل الخاص ﺑ «الكتاتيب» شيئًا عن برامج التعليم فيها، ونريد هنا أن نبيِّن شيئًا عن برامج «المدرسة» وأهداف التعليم فيها، ونريد قبل أن نشرع في تفصيل ذلك أن نلم إلمامة بالتعليم عند الأمم القديمة المجاورة للمسلمين من فرس ويونان وروم ومسيحيين؛ لما في ذلك من فائدة، ولأن المسلمين قد اقتبسوا بعض ما يتعلق بالتعليم عن هذه الأمم. ولقد ظلت الدواوين في الدولة العربية بالفارسية والرومية إلى أيام عبد الملك، فكان طبيعيًّا جدًّا أن يركن إلى نظام التعليم عند الفرس والروم ليفيدوا منه ما يلائم أوضاعهم وأسلوب دولتهم، يقول الجهشياري: «… ولم يزل في الكوفة والبصرة ديوانان؛ أحدهما بالعربية لإحصاء الناس وأعطياتهم، وهذا الذي كان عمر قد رسمه، والآخر لوجوه الأموال الفارسية، وكان بالشام مثل ذلك أحدهما بالرومية والآخر بالعربية، فجرى الأمر على ذلك إلى أيام عبد الملك.»١٧٤ وقال في موضع آخر: «وكان أكثر كُتاب خراسان إذ ذاك مجوسًا، وكانت الحسابات بالفارسية، فكتب يوسف بن عمرو — وكان يتقلَّد العراق في سنة أربع وعشرين ومائة — إلى نصر بن سيَّار كتابًا أنفذه مع رجل يُعرف بسليمان الطيَّار يأمره ألَّا يستعين بأحد من أهل الشرك في أعماله وكتابته.»١٧٥ ولا شك في أن العرب كانوا يستمدُّون من الفرس والروم ما عندهم من آداب ونظم وتعاليم. أما عن الفرس فيقول الأستاذ علي أكبر مظاهري في رسالته المفيدة التي سماها «الأسرة الإيرانية قبل الإسلام»: «كان الطفل الإيراني قبل الإسلام يتعلم مهنة أبيه؛ لأن النظام الاجتماعي الفارسي في إيران كان يقضي بتوزيع الناس إلى طبقات يتوارث أبناء كل طبقة صناعة آبائهم وأهلهم.» وفي ذلك يقول الفردوسي:
لم يُعرف أن أحدًا كان أبوه حدادًا فصار هو كاتبًا، بل يرث كل طفل صناعة أبيه؛ فابن الفلاح يرث صناعة الفلاحة، وابن الصانع يرث الصناعة، وابن الكاتب يرث الكتابة، وابن الكاهن يرث علوم أبيه الكهنوتية، والجندي يرث صناعة أبيه الحرب …١٧٦

فهذا يدلُّ على أن الناس في الأمة الإيرانية قبل الإسلام كانوا طبقات منظمة، وأن العلم كان له أربابه، وكذلك الكتابة والكهانة، وهي كلها صناعات ثقافية. وطبيعي جدًّا أن تؤثر هذه الصناعات الثقافية وأساليبها في العرب حين دخلوا بلاد فارس أو أن ينقلها الفرس إلى ديار الإسلام حين يعتنقون الإسلام. ومما هو جدير بالإشارة إليه أنه كان لدى طبقة الأشراف في فارس مُربُّون يعلمون أبناءهم في قصورهم ولا يذهبون إلى المدارس الابتدائية كما يذهب أبناء طبقة الكُتاب، وكان هؤلاء المربون يعلمون أولئك الأطفال معلومات عامة في الدين والأدب والرياضة والفروسية والموسيقى. وتلي طبقةَ الأشراف هذه طبقةُ الكُتاب التي يسعى أبناؤها إلى المدارس فيتعلمون الدين والآداب والفنون وآداب السلوك والأخلاق. ومما هو جدير بالذكر أيضًا أنه على الرغم من وجود تلك الطبقات وتميُّز طبقة الأشراف بالمؤدبين، فإن أبناء الطبقات الأخرى جميعًا كانوا متساوين في شيء واحد هو التعليم الديني الذي يتلقَّوْنه في المعابد، وكان ذلك التعليم الديني مزاجًا من الديانة والتاريخ المقدس والتقويم والتراتيل الدينية. وقد كان لرجال المعابد طريقة تعليمية مفيدة يعلِّمون بها الأطفال وهي طريقة السؤال والجواب على النمط الآتي: أيها الطفل الإيراني، من تكون أنت؟

من أين جئت إلى هذا العالم وإلى أين تذهب؟

إلى أي الآلهة تنتسب، إلى أهورا أم أهرمن؟ إلى خالق الخير أم خالق البشر؟

ما الخير أيها الطفل؟ وما الشر أيها الطفل؟ … إلخ.

وكانوا يعلِّمونه أجوبة هذه الأسئلة ويشرحونها له.١٧٧

وبعد أن يُتم الطفل علم هذه الأشياء ينصرف إلى صناعة أبيه، ولم يكن هؤلاء الأطفال يتعلمون القراءة والكتابة؛ لأن ذلك مخصوص بالطبقتين الرفيعتين اللتين سبق ذكرهما، وهما الأشراف والكُتاب.

وأما الروم فهم قوم أصحاب حضارات عريقة، وإلى جانب حضارتَي اليونان والرومان الوثنيتين ظهرت في بلادهم الحضارة المسيحية التي أخذت تشرق وتقوى لطابعها الرومي شيئًا فشيئًا، وتحاول القضاء على الوثنية اليونانية، وعلى الرغم من أنها قضت عليها إلا أنها قد تأثرت بآثار عميقة من التراث اليوناني والروماني. وقبل أن نعرض إلى ما جاءت به الديانة المسيحية من آداب التعليم والتربية، نريد أن نلم إلمامة قصيرة بما كان عند اليونان والرومان مما يتعلق بالأطفال وتعليمهم، ومن أمور الثقافة بصورة عامة؛ كانت أدوار التربية عند اليونان الإسبارطيين كما يلي:
  • (١)

    من حين الولادة إلى السنة السابعة، ويكون الطفل فيها تحت إشراف الأم.

  • (٢)

    من السنة السابعة إلى الثامنة عشرة، ويكون الطفل فيها في الثكنات العسكرية تحت إدارة أولاد أكبر منه.

  • (٣)

    من السنة الثامنة عشرة إلى العشرين، ويكون في بعض الثكنات كضابط ومربي أولاد أصغر منه سنًّا.

  • (٤)

    من السنة العشرين إلى الثلاثين، يتدرب في الجيش على المعارك الحقيقية أثناء الحروب الحقيقية، أو الاصطناعية أثناء السلم.

  • (٥)

    من السنة الثلاثين فما فوق يصبح مواطنًا ينال ما يستحق من مراكز الدولة.

    وكانت أدوار التربية عند الأثينيين كما يلي:
    • (أ)

      من الولادة إلى السابعة، تقوم إحدى الإماء المدرَّبات بتربيته عوضًا عن الأم.

    • (ب)
      من السابعة إلى السادسة عشرة، تقسم تربية الطفل بين مدرستين «البالستر» Palestre وهي مدرسة التربية البدنية، و«الموسيقى» وهي مدرسة الغناء، ويكون الطفل دومًا مصحوبًا بعبد يشرف عليه يسمى «البيداغوغ» Pédagogue.
    • (جـ)
      من السادسة عشرة إلى الثامنة عشرة، تقسم تربيته إلى مدرستين «الجمنازيوم» Gymnasium وهي مدرسة يدرس فيها الرياضة بصورة عامة، و«مدرسة المعلومات المدنية» وهي التي يدرس فيها ما يؤهله للحياة العامة. وفي سن الثامنة عشرة يحلف يمين الإخلاص لأثينا.
    • (د)

      من الثامنة عشرة إلى العشرين، يدخل مدرسة التعليم العسكري الإجباري بحيث يقضي سنة في أثينا وسنة في خارجها.

    • (هـ)
      من العشرين إلى ما فوق، يصبح مواطنًا وينال مركزه اللائق به في الحياة الاجتماعية. وكانت الغاية من التعليم عند اليونان هي تنمية الطفل خَلقًا وخُلقًا. إلا أن الناحية العقلية عند الأثينيين كانت موسعة، بينما كانت الناحية الجسمية عند الإسبارطيين هي الموسعة. كان الشاب الأثيني يدرس أشعار هوميروس ليفيد منها الآداب والأخلاق ويطلع على المعلومات الثقافية العامة، كما كان يدرَّب على حضور المجامع العامة والمحاكم، أما الإسبارطي فكان يصرف وقتًا طويلًا على الرياضة ويحشو دماغه بكثير من المحفوظات، وبخاصةٍ قوانين «ليسرغوس» الفقيه الإسبارطي المشهور، وبضع مختارات من «هوميروس» فينشدها بإتقان ويدرَّب على الكلام الفصيح الموجز، أما في أثينا فكان الطفل على خلاف ذلك؛ إذ كان يمرَّن على الموسيقى والرقص والقراءة والكتابة والحساب، وكانوا يُقرئونه «هوميروس» ويُحفِّظونه كثيرًا منه. ومن أهل أثينا نبغ الفلاسفة وعلماء البيان، وفي أثينا قامت «الجامعة» Université حوالي ٢٠٠ق.م وكانت مقسمة إلى قسمين؛ أحدهما للفلسفة، وثانيهما للآداب، وظلت أثينا إلى سنة ٣٠٠ق.م مركز العلم والفكر في العالم، وقد شجع الملوك هذه الجامعة، ولما منع جوستنيان في سنة ٥٢٩ تعليم الفلسفة في أثينا كان ذلك — في الحقيقة — عهد القضاء على الجامعة، وكان لليونان جامعة أخرى في الإسكندرية، وكانت لها مكتبة عظيمة ومتحف أثري. ولما أُحرقت هذه المكتبة في القرن الثالث للميلاد تقهقرت الجامعة وتقهقر العلم في المدينة حتى الفتح العربي سنة ٦٤٠ للميلاد.

أما الرومان فهم ورثاء اليونان، وقد أفادوا كثيرًا من خبرتهم في التعليم والثقافة وضروب الحضارة، كما أنهم أضافوا أشياء كثيرة إلى ما اقتبسوا منهم في فنون العلم والآداب.

وقد ازدهرت الخطابة في عهدهم وارتقت رقيًّا فاق ما كان عليه في أيام اليونان. أما الفلسفة فإنهم لم يستطيعوا أن يبزوا فيها أساتيذهم، وكانوا مقلدين أكثر منهم مخترعين. أما الرقص والرياضة والألعاب فقد أهملوا أمرها.

وتنقسم تربية الأطفال عند الرومان إلى أدوار ثلاثة، خصصوا كل دور بمعهد:
  • (١)
    الدور الابتدائي: ويدرس الطفل فيه بالمدرسة الابتدائية «لودوس ببليكوس»، وهي مدارس مختلطة يجتمع فيها البنات والصبيان من السنة السابعة حتى العاشرة، ولم يكن للرومان عناية شديدة بهذه المدارس، وإنما كانوا يكتفون بتعليم الطفل فيها مبادئ الكتابة والحساب، وما كانوا يهتمون بانتقاء المعلمين اهتمامهم بهم في الدور الثانوي.
  • (٢)
    الدور الثانوي: ويدرس الطالب فيه بالمدرسة الثانوية التي لا يدخلها سوى الشباب الذين تجاوزوا العاشرة إلى السادسة عشرة. ومنهج الدراسة في هذه المدرسة يشتمل على دروس اللغة اللاتينية نحوها وغريبها، ودروس في الإنشاء والآداب وتاريخها، والخطابة والفصاحة، ودروس في الموسيقى والفنون الجميلة. وكان لهم اهتمام شديد بهذه المدارس، وكانوا ينتقون لها أفاضل المثقفين من علمائهم وفلاسفتهم.
  • (٣)
    الدور العالي: ويدرس الطالب فيه بالمعاهد العالية والجامعات التي يدخلها من تجاوز السادسة عشرة. ونهج الدارسة في هذه الكليات مشتمل على محاضرات في فنون الخطابة والفصاحة، والقانون والأحكام الشرعية والقضائية والجنائية، وعلم المناظرة في القوانين، ودروس في الأخلاق والفلسفة.١٧٨ ومدة الدراسة في هذا الدور ثلاث سنوات. وكانت أرقى الجامعات جامعة روما الشهيرة ﺑ «الأثينيوم» التي امتازت بمن كان فيها من العلماء وكبار المدرسين، وما احتوت عليه في مكتبتها من نوادر المخطوطات التي جمعها الرومان من بلاد اليونان حين كانوا يغزونها في حروبهم منذ القرن الثاني ق.م، وكان الإمبراطور فسباسيان في ٧٥ق.م هو الذي أسس تلك المكتبة العظيمة. ولما انحطت الإمبراطورية الرومانية انحطاطًا سياسيًّا خلال القرون الثلاثة التي عقبت القرن الثانيَ للميلاد أخذت الثقافة اليونانية تنحط وشرعت الثقافة المسيحية تحل محلها. وأهم عناصر الثقافة المسيحية الجديدة مما يتعلق بتربية الأطفال هو التربية الروحية، والبحث عن ماهية الإنسان وخلقه، والاهتمام بنظرية وجود الله سبحانه وتوحيده، والقول بالمبدأ والمعاد وما إلى ذلك مما لم تكن التربية الرومانية تعرفه. وبانتشار المسيحية بين الرومان خلال تلك القرون الثلاثة انزوى الناس عن الثقافة الرومانية واتَّجهوا إلى الثقافة المسيحية، وأخذت المعاهد الرومانية بأصنامها الثلاثة تنحط، وكانت الكنيسة هي الأم التي حضنت الثقافة الجديدة، وقد أوجدت الكنيسة في الأديرة والكنائس والكاتدرائيات مدارس ابتدائية وثانوية وعالية يُعلَّم فيها الدين الجديد وفلسفته والآداب والتاريخ والطبيعيات طبق تعاليم الكنيسة. وكانت هذه المعاهد مقصورة على رجال الدين وأبنائهم، وغرضها هو تخريج رجال للكنيسة. وقد لمع اسم هذه المعاهد وأضحت المؤسسات الرسمية للتعليم بعد أن اعتنقت الدولة الرومانية الدين المسيحي سنة ٣٩١م، وازداد نفوذ تلك المؤسسات الرسمية حين أصدر الإمبراطور جوستينيان سنة ٥٠٠م أمره بوجوب غلق المعاهد الرومانية الوثنية؛ وبذلك انتصرت التربية المسيحية على التربية الوثنية، ويمكننا أن نقسم المعاهد المسيحية على الشكل التالي:
    • (أ)
      الدور الابتدائي: ويدرس فيه الطفل بمعهد أوَّلي مُلحق بالدير أو الكنيسة، ويتلقَّى فيه مبادئ القراءة والكتابة والدين، وهذا الأمر كثير الشبه بالذي حدث بعدئذٍ عند المسلمين.
    • (ب)
      الدور الثانوي: ويدرس فيه الفتى بمعهد ثانوي ملحق بالكنيسة أو الكاتدرائية، ويتلقَّى فيه تعاليم الدين ومبادئ اللغة اللاتينية وآدابها وبعض مباحث الفلسفة المسيحية التي تؤهله أن يكون من رجال الدين.
    • (جـ)
      الدور العالي: ويدرس الطالب في مدرسة الكاتدرائية أو الكنيسة مباحث اللاهوت وعلوم اللغة والآداب والفلسفة وعلوم الطبيعة والرياضيات والتاريخ الكنسي؛ بحيث يصبح المتخرج قسيسًا عالمًا بالدين. وقد انقسمت الأساليب الدراسية في هذه المعاهد إلى طرائق عديدة، أشهرها البندكتية والفرنسيسكانية والدومينيكية.

هذه صورة مجملة لما كان عليه الوضع الثقافي للأطفال والشُّبان لدى الفرس واليونان والرومان في بلادهم وفي الديار الخاضعة لنفوذهم في الشام ومصر منذ العصور القديمة إلى أن فتح المسلمون ديارهم.

فلما فتح الله على العرب تلك الديار كانت الثقافة فيها مضطربة تبعًا للاضطراب السياسي الذي كانت عليه البلاد؛ فقد تدهورت البلاد سياسيًّا، وعمَّتها الفوضى، وانحطَّت الثقافة وانصرف الناس إلى الكسل ومُتع الحياة عن الحزم والجد. وعلى الرغم من أن المسيحية أرادت إحياء النفوس وتطهيرها من الجهالة والفساد الخُلُقِي والانحلال الاجتماعي، فإنها لم تستطعْ ذلك، وقد رأى زعماء الكنيسة أنهم لا يستطيعون الوقوف أمام تيار الفلسفة الإغريقية الوثنية المادية إلا بالتسلح بالأدلة العقلية والفلسفة المنطقية لمحاربة أولئك المادِّيين. وكانت «جامعة الإسكندرية» مركزًا من مراكز تلك الحركة الاصطلاحية. وعلى الرغم من أن المسيحية في أيامها الأولى قد انزوت عن الحكومة ولم يكن بينها وبين الدولة صلات قوية، فإنها اضطُرَّت — حين وجدت انهيار الحكومة — أن تدخل في المعترك وأصبحت دولة ضمن دولة، ولمع من أقطاب الكنيسة وأحبارهم قوم تداخلوا في السياسة محاولين بسط نفوذهم على كل مرافق الحياة وإصلاح ما يمكن إصلاحه في الدولة. وقد اعتبر بعض المسيحيين الزاهدين في الدنيا والمنصرفين عن أمور السياسة وفِتَنِها، والمعتقدين بأن هذا العالم كله شرور وآثام؛ أن إقدام هؤلاء الأقطاب والأحبار أمر غير محمود العاقبة، فانزَوَوْا في الديارات والصوامع لاجئين إلى الصحاري والقفار، ناجين بأنفسهم عن معترك السياسة ورذائل الحياة الدنيا؛ بهذا العمل ظهرت الرهبنة في المسيحية في الشرق ثم انتقلت منه إلى الغرب في أوائل القرن الرابع للميلاد.

والمسيحية منذ ظهرت وجدت نفسها أمام ثقافة وثنية غنية من آداب اليونان والرومان وفنونهم وعلومهم ولغتهم؛ فأخذت تعد العدة لخلق ثقافة رفيعة وتعليم سامٍ، ولكنها لم تجد بدًّا — كما قلنا — من اصطناع بعض أصول الثقافتين الوثنيتين لغناهما الأدبي واللغوي والعقلي. وقد افتتحت المسيحية عددًا كبيرًا من المدارس لتعليم شُبان المسيحيين في الكنائس والأديرة في الشرق والغرب، وكانت هذه المدارس هي النواةَ التي سمقت منها دوحة العلم في الغرب فيما بعد، وكانت مناهج تلك المدارس مزاجًا من علوم الدين والدنيا إلا أن الروح الديني مسيطر عليها. وقد اقتبست هذه المدارس كثيرًا من قواعد التعليم وموادِّه عن اليونان والرومان، والشيء الوحيد الجديد الذي انفردت به هو أنها ألزمت الطلاب بالدراسة في مكان معين وعلى أستاذ معين بعد أن كان الطلاب لدى اليونان والرومان أحرارًا في اختيار أساتذتهم وأحرارًا في التنقل من مكان إلى آخر. وقديمًا كان الشاب يتلقى قواعد اللغة وأدبها من أستاذ، ثم يتلقى الموسيقى والرقص من أستاذ آخر، ويتلقى الخطابة والفصاحة من أستاذ ثالث ينتخبه. أما المدرسة المسيحية في الدير أو الكنيسة فقد كانت من نمط آخر يدرس الطالب فيها على أستاذ بعينه ويلازمه فيتخلَّق بكثير من أخلاقه ويتطبع بطابعه الروحي والخلقي والمعاشي. ثم إن هناك فرقًا آخر بين الطالب المسيحي والطالب الوثني؛ فالأول طالب يدرس لتسموَ روحه وتصقل شخصيته بصقال إلهي ويتفلسف فلسفة دينية سماوية، أما الثاني فطالب يدرس ليصقل عقله ويجمل جسمه وتنمو معلوماته بالحياة ويتعرف على ماهية الكون ويتفلسف فلسفة اجتماعية ترفع قدره بين أترابه ومواطنيه.١٧٩

والخلاصة أن المسيحية جاءت بنمط جديد حين ربطت التعليم بالكنيسة والدير، وهي وإن أحسنت من ناحية فقد أفسدت من ناحية أخرى؛ أما الناحية التي أحسنت فيها فهي أنها نظمت شئون التعليم وهيَّأت له الأمكنة الصالحة، وسارت به في طريق صحيحة مستقيمة، وأما الناحية التي أفسدت فيها فهي أنها ضيَّقت نظام التعليم وجعلته مقصورًا على طبقة الكهنوت ومن يتصل بها بعد أن كان التعليم قبلًا عامًّا لجميع أفراد الشعب. وسير التعليم في الإسلام يشبه سيره في المسيحية؛ فقد كان التعليم كما رأينا في صدر الإسلام يهدف إلى تعليم القرآن وما إليه، وكانت المساجد هي المركز الأول الذي احتضن التعليم، إلا أن الفَرق بين الإسلام والنصرانية في هذا أن الإسلام جعل التعليم لكافة الناس، أما النصرانية فإنها تفرضه على طبقة رجال الكهنوت، وفي هذا دليل على أن الإسلام لم يقتبس نظام الكتاتيب من المدارس المسيحية والأديرة أو الكنائس، كما قال بعض الباحثين من المستشرقين؛ فقد رأينا أن الفرق واضح بين «المدرستين» الإسلامية والمسيحية، ثم إن التعليم الإسلامي نشأ مع الإسلام نفسه وتطور بتطوره؛ فقد كان بسيطًا سمحًا في عصر الرسول وخلفائه ثم تعاظم في العصر الأموي وبلغ درجة الكمال في العصر العباسي وفقًا لسُنة النشوء والارتقاء.

(٣-٢) أهداف التعليم عند المسلمين

اختلف المؤلفون المسلمون وغير المسلمين في بيان الأهداف التي قصد إليها الإسلام من وراء حَضِّه على العلم؛ فمنهم من قال إن أهدافه من وراء ذلك هي إحياء شعائر الإسلام والقيام بفروضه لا غير؛ فالأغراض الدينية بحتة، والرسول حين قال: «طلب العلم فريضة على كل مسلم.» قصد التعليم الديني من قرآن وسُنَّة وما إليهما، وأنه فسر هذا العلم بقوله في حديث ثانٍ: «أفضل الناس المؤمن العالِم.» وهذا العالِم هو المقصود بقوله تعالى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ. ومنهم من قال إن أهداف الإسلام من التعليم هي أهداف دينية ودنيوية معًا؛ فإن الدين الإسلامي لا يمنع أهله من الإفادة مما في الكون من ملاذَّ ومُتعٍ ومن توجيه العقل إلى اكتساب المال بالطرق المشروعة من تجارةٍ وصناعةٍ وزراعةٍ، وما إلى ذلك مما وردت في حله وإباحته الآيات والأحاديث النبوية. ومنهم من قال إن وراء الهدفين الديني والدنيوي هدفًا ثالثًا، وهو هدف اللذة الروحية من العلم، وذلك الهدف هو الذي يدفع صاحبه إلى التعلُّم والبحث لا لشيء سوى البحث والتعلُّم لذاتهما مكتفيًا بلذة البحث عن الحقيقة والتفتيش عن دفائن المعرفة. وقد تعرَّض الأساتذة خليل طوطح وأسماء حسن فهمي والأهواني إلى مناقشة هذه المسألة بإسهاب، وأكتفي هنا بإيراد ما قاله الدكتور الأهواني؛ فإنه أحصى القول فيه وعلَّق عليه ووصل فيه إلى نتيجة طيبة؛ حيث يقول في فصل عنوانه «مناقشة الغرض من التعليم»: «لم يذكر القابسي من الأغراض التي يبتغيها الإنسان حين يتعلم إلا الغرض الديني، وقد ذكر الأستاذ خليل طوطح أن التعليم عند المسلمين كان يرمي إلى أربعة أغراض: غرض ديني، وغرض اجتماعي، والْتِذَاذ عقلي، وغرض مادي. وقسَّمت أسماء فهمي أغراض التعليم إلى ثلاثة أقسام: غرض ديني، وغرض عقلي وثقافي، وغرض نفعي.١٨٠ وكلاهما يأخذ هذه الأغراض من شتى الكتب العربية، مثل «تعليم المتعلم» للزرنوجي، و«جامع بيان العلم» لابن عبد البر، و«إحياء العلوم» للغزالي، و«كشف الظنون» لحاجي خليفة، و«مفتاح السعادة» لطاش كبري زاده، و«رسائل إخوان الصفاء» … والرأي عندنا أنه لا توجد أغراض للتربية عند العرب على وجه الإطلاق، وإنما يجب أن نذكر صاحب المذهب ثم نذكر الغرض من التعليم الذي يلائم المذهب؛ فطريقة التعليم مستمَدة من مذهب صاحبها.
والغرض من التعليم عند القابسي — وهو من فقهاء أهل السنة — غرض ديني يقصد منه تعليم القرآن ومعرفة العبادات المفروضة. وقد أوجزنا القول في حقل آخر عن التربية عند العرب وعرضنا هذه المذاهب المختلفة لنبيِّن أن الاختلاف في أغراض التعليم ووسائله عند المسلمين إنما يرجع إلى اختلاف هذه المذاهب العقلية …»١٨١ وقال في فصل آخر عنوانه «آراء المسلمين في التربية والتعليم»: «… ونحن نرمي من هذا الغرض أن نبيِّن أمورًا ثلاثة؛ الأول: أن المستشرقين الذين كتبوا في التربية الإسلامية — ومَن تبعهم مِن المؤلفين في الشرق — درجوا على تقرير آراء معينة في التعليم، قالوا عنها إنها آراء المسلمين أو العرب فيما يختص بأغراض التعليم ومناهجه وطرقه وأصوله. وهذا التعميم خطأ؛ لأن أمور التعليم اختلفت باختلاف الأقاليم واختلاف الأشخاص القائمين عليها … والثاني: أن الآراء التعليمية لمفكرٍ ما وحدة متماسكة في ذهن صاحبها؛ فقد يذكر منهجًا خاصًّا يلائم الغرض من التعليم الذي يذهب إليه وكذلك طريقة التعليم التي سلكها في تحقيق ذلك المنهج؛ فلا يصح أن ننقل جزءًا من مذهب مفكرٍ في التعليم ونترك سائر ما ذكره. والثالث: أننا نذهب إلى أبعد من ذلك فنقول إن مذهب المفكر في التعليم جزءٌ أو صدًى لمذهبه العام في الحياة أو فلسفته؛ إذ كانت الفلسفة هي النظر الشامل للحياة، وقد الْتَزمنا هذه المنهج في بحثنا …»١٨٢ ثم عرض إلى رأْي القابسي، فرأْي إخوان الصفا، فرأْي ابن سينا، فرأْي الغزالي، فالزرنوجي، فابن عبد البر، وختم برأْي ابن خلدون. ولا نريد إطالة البحث ببيان آراء هؤلاء ها هنا مفصلة، وإنما نريد أن نقول إن من يدقق في دراسة آرائهم لمعرفة أهداف المسلمين من التعليم يرى أن أهدافهم كانت ثلاثة: دينية، ودنيوية، وعلمية. أما القول بأن التعليم إنما كان له هدف واحد كما ذهب إليه القابسي والأهواني١٨٣ فهو قول المتزمت المبالغ؛ فقد روى ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» كلمة رائعة لعبد الملك بن مروان يوصي بها بنيه، وهي قوله: «يا بنيَّ تعلموا العلم، فإن استغنيتم كان لكم جمالًا، وإن افتقرتم كان لكم مالًا …»١٨٤
ويقول حاجي خليفة: «… فالعلوم ليس الغرض منها الاكتساب، بل الاطلاع على الحقائق وتهذيب الأخلاق. على أن من تعلَّم علمًا للاحتراف لم يأتٍ عالمًا إنما جاء شبيهًا بالعلماء. ولقد كوشف علماء ما وراء النهر بهذا الأمر ونطقوا به، ولما بلغهم بناء المدارس في بغداد أقاموا مأتم العلم، وقالوا كان يُشغل به أرباب الهمم العالية والأنفس الذكية الذين يقصدون الشرف والكمال به فيأتون علماء يُنتفع بهم وبعلمهم، وإذا صار عليه أجرة تدانى إليه الأخساء وأرباب الكسل.»١٨٥ وهناك أقوال كثيرة أخرى نُقلت لنا عن القدماء والمتأخرين، وهي كلها تدل أن للعلم أهدافًا غير الأهداف الدينية، منها أهداف دنيوية واجتماعية، ومنها أهداف سامية لا يبغي منها صاحبها إلا العلم نفسه، وهذا كان هدف عشرات من العلماء الذين بذلوا أعمارهم في سبيل العلم والبحث ولم يقبلوا عليه أجرًا ولا وظيفة، ولا أباحوا لأنفسهم أن يقبلوا درهمًا ولا دينارًا في سبيل العلم والبحث أمثال عشرات من الصحابة والتابعين، وفي طليعتهم أبو بكر وعمر وعلي وابن عباس وابن عمر، وأبو حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل والأوزاعي، وسيبويه والكسائي والخليل، والأشعري والبخاري ومسلم، والمعري والماوردي والذهبي والبطليوسي والبيضاوي والسيوطي والزرنوجي والأفغاني ومحمد عبده — رضوان الله عليهم.

(٣-٣) المواد

ذكرنا في الفصل الخاص بالكتاتيب اختلاف الديار الإسلامية في المواد التي كان الأطفال المسلمون يتعلَّمونها في الكتَّاب، أما مواد التدريس في الحقبة الثانية التي تلي تلك الحقبة، سواءٌ أكانت في الكتَّاب أو المدرسة أو غيرهما، فقد بحث المسلمون فيها وقسَّموا العلوم إلى درجات، فقالوا: أولُ ما يجب على الطالب درسه بعد القرآن ومبادئ العلوم الدينية والعلوم العربية هو علم التفسير، ثم علم الحديث، ثم علم أصول الدين، ثم علم أصول الفقه، ثم علم الفقه، ثم علم الخلاف بين المذاهب الإسلامية. وقال بعض المربِّين: بل الأَوْلى أن يقدِّم علم النحو والعربية على علم الخلاف. وقال آخرون: بل الأولى أن يقدِّم علم الجدل.

ولهم في ترتيب مواد التدريس هذه أقوال كثيرة وآراء مختلفة لا نريد التفصيل فيها، وإنما نريد أن نشير ها هنا إلى أنهم قسَّموا العلوم إلى أربعة أقسام:
  • (١)
    علوم مفروضة فرض عين: وهي علوم القرآن الكريم والضروري من علم الدين أصولًا وفروعًا.
  • (٢)
    وعلوم مفروضة فرض كفاية: وهي العلوم الدينية كلها، فإنَّ تعلُّمها فرض كفاية، إذا قام بها البعض كفى.
  • (٣)
    وعلوم مباحة: وهي العلوم المفيدة، ولكنَّ تعلُّمها ضروري في الحياة الاجتماعية الراقية، كالموسيقى أو التوقيع والخط والتذهيب وما إلى ذلك.
  • (٤)
    وعلوم محرمة: وهي العلوم الباطلة المضرة، كالسحر والشعوذة والسيمياء وما إلى ذلك.١٨٦
وقد صنَّف الإمام الغزالي في الإحياء هذه العلوم تصنيفًا آخر، فقال:
«بيان العلم الذي هو ضروري»؛ اعلم أن الفرض لا يتميز عن غيره إلا بذكر أقسام العلوم، والعلوم بالإضافة إلى الفرض الذي نحن بصدده تنقسم إلى شرعية وغير شرعية، وأعني بالشرعية ما استُفيد من الأنبياء — صلى الله عليهم وسلم — ولا يرشد العقل إليه مثل الحساب، ولا التجربة مثل الطب، ولا السماع مثل الفقه؛ فالعلوم التي ليست بشرعية تنقسم إلى ما هو محمود وإلى ما هو مذموم وإلى ما هو مباح، والمحمود ما يرتبط به مصالح أمور الدنيا كالطب والحساب، وذلك ينقسم إلى ما هو فرض كفاية وإلى ما هو فضيلة وليس بفريضة. أما فرض الكفاية فهو كل علم لا يُستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب؛ إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان على الصحة، والحساب فهو ضروري في المعاملات وقسم التركات والوصايا والمواريث وغيرها، وهذه العلوم التي لو خلا البلد عمن يقوم بها جُرح أهل البلد، وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن الآخرين؛ فلا تتعجب من قولنا إن الطب والحساب من فروض الكفاية؛ فإن أصول الصناعات أيضًا من فروض الكفاية، كالملاحة والحياكة والسياسة والحجامة والخياطة؛ فإنه لو خلا البلد عن الحجام لسارع الهلاك إليهم وخرجوا بتعريضهم أنفسهم للهلاك، فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء وأرشد إلى استعماله وأعد الأسباب لتعاطيه؛ فلا يجوز التعريض للهلاك بإهماله. وأما ما يعد فضيلة لا فريضة فالتعمق في دقائق الحساب وحقائق الطب وغير ذلك مما يُستغنى عنه ولكن يفيد زيادة قوة في القدر المحتاج إليه. وأما المذموم منه فعلم السحر والطلسمات وعلم الشعبذة والتلبيسات. والمباح منه علم الأشعار التي لا سخف فيها وتواريخ الأخبار وما يجري مجراه …١٨٧
فهذا يرشدك إلى بعض مواد التدريس التي كانوا يدرسونها في الدور الثاني من العلم. وقد فصَّل ابن خلدون في المقدمة مباحث هذه العلوم وأفضل بحوثها وخير الطرق في تعليمها.١٨٨ ولا شك في أن مناهج التعليم الثانوي عند كل قوم هي الأسس التي ينبغي أن توضع لبناء مقومات تلك الأمة وإعداد أبنائها الإعداد الصالح الملائم للحياة التي يحياها أبناء تلك الأمة، وتوجيههم توجيهًا تقدميًّا نحو حياة أكمل من حياتهم، أو نحو بيئة اجتماعية أفضل من بيئتهم. فمن ينظر إلى ما ذكرناه فيما سبق عن التربية ومناهج التعليم عند الفرس واليونان والرومان المسيحيين في القديم يجدها تلائم حياتهم والأهداف الاجتماعية التي يسعون إليها؛ فالإسبارطيون كانوا يُعنَوْن عناية شديدة بتدريب أبنائهم على الرياضة والحرب لأنهم كانوا قوم قتال، والأثينيون كانوا شديدي العناية بالفلسفة والآداب والبيان والموسيقى لأنهم كانوا يحبون الحكمة والفنون الجميلة، والرومان جمعوا بين المذهبين السابقين لأنهم اقتبسوا مذاهب الحياة ومناهج التعليم عن اليونان، والمسيحيون كيَّفوا مناهج الدراسة في الكنائس والأديرة والكتدرائيات تكييفًا دينيًّا ممزوجًا بما اعتقدوا فيه الصلاح والخير من التراث اليوناني والروماني الوثني القديم، والفرس كذلك رتَّبوا برامج دراسة أطفالهم دراسة تلائم بيئتهم وتقاليدهم الدينية والاجتماعية؛ أما المسلمون فقد كيَّفوا مناهج التربية عندهم بحسب بيئتهم الإسلامية الجديدة الممزوجة بتقاليدهم الموروثة مما قبل الإسلام.

ونحن إذا رحنا نتتبَّع المناهج التي ذكرها المؤلفون الإسلاميون في كتبهم في القديم والحديث نجدها كلها تحوم حول محورين؛ أولهما: محور الموادِّ الواجب درسها، والثاني: محور الموادِّ الاختيارية. فالمحور الأول يحيط به مباحث ترويض الجسم وتعليم القراءة والكتابة ودرس القرآن وبعض أخبار السُّنَّة ومعرفة أوَّليات الدين والعربية والحساب، والمحور الثاني يحيط به التوسع في دراسة علوم القرآن والدين وبحوث اللغة وآدابها ودراسة الحساب وما إليه من العلوم. وقد كانت هذه المناهج متبَعة منذ زمن الرسول وخلفائه الراشدين والأُمويين وصدر العباسيين لأنها كانت تلائم البيئة الاجتماعية التي يحياها العرب المسلمون بصورة عامة في تلك الأزمان، فلما تطوَّرت الحياة وتعقَّدت وسمت في سبيل الحضارة بعد صدر العصر العباسي، تطوَّرت المناهج الدراسية في الدور الثاني، وأضحى التعمق في علوم الفلسفة والكلام والعقائد والآداب من شعر ونثر وتجويد وخط وفنون رفيعة وما إلى ذلك، وقد ظلت هذه المواد في سموٍّ طول العصر العباسي، فلما انحطَّت الأمة بعد سقوط الدولة العباسية انحطَّت البرامج وتراجع الناس إلى برامج ساذجة لا تهتم بتنمية الجسم والعقل ولا تعمل على إذكاء روح البحث والجدل، وإنما ترمي إلى حشو الأدمغة ببعض القشوريات ومباحث الجدل والتصرف. ولم يقتصر هذا الأمر على تعلُّم الشبان في الكتاتيب الأولية، بل تعدَّاه إلى تعليم الكبار في المعاهد العالية قليلًا، وأصبحت المناهج عبارة عن محفوظات ومكررات ومماحكات لقضية لا طائل كبيرًا تحتها بعد أن كانت مناهج رفيعة تهدف إلى رفع مستوى الطالب الفكري والاجتماعي والعقلي.

(٣-٤) المناهج

انقسمت مناهج البحث والتعليم في الإسلام بعد أن تطوَّرت العقلية العربية في العصر العباسي إلى قسمين: قسم حافَظ على المنهج العربي الخالص ولم يمزجه بشيء من الثقافات غير العربية وآرائها ومحتوياتها؛ وهو منهج أصحاب الحديث في الحجاز والشام ومصر والمغرب. وقسم أضاف إلى المنهج العربي القديم مباحث جديدة استقاها من ثقافات جديدة؛ وهو منهج أهل الرأي، وهم أهل العراق.

قال الشهرستاني: المجتهدون من الأئمة محصورون في صنفين لا يعدوان إلى ثالث: أصحاب الحديث، وأصحاب الرأي. أصحاب الحديث — وهم أهل الحجاز — هم أصحاب مالك بن أنس وأصحاب محمد بن إدريس الشافعي١٨٩ وأصحاب سفيان الثوري وأصحاب أحمد بن حنبل وأصحاب داود بن محمد الأصفهاني، وإنما سُموا أصحاب الحديث لأن عنايتهم بتحصيل الأحاديث ونقْل الأخبار وبناء الأحكام على هذا النحو، ولا يرجعون إلى القياس الجلي والخفي ما وجدوا خبرًا وأثرًا، وقد قال الشافعي: إذا وجدتم لي مذهبًا ووجدتم فيه خبرًا على خلاف مذهبي فاعلموا أن مذهبي ذلك الخبر. ومن أصحابه أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني، والربيع بن سليمان الجيزي، وهم لا يزيدون على اجتهاده اجتهادًا، بل يتصرفون فيما نقل عنه توجيهًا واستنباطًا ويصدرون عن رأيه جملة ولا يخالفونه بتةً.
وأصحاب الرأي — وهم أهل العراق — هم أصحاب أبي حنيفة النعمان، وإنما سُموا أصحاب الرأي لأن عنايتهم بتحصيل وجهٍ من القياس والمعنى المستنبط من الأحكام وبناء الحوادث عليها، وربما يقدمون القياس الجلي على آحاد الأخبار. وقد قال أبو حنيفة: علمنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه، فمن قدر على غير ذلك فله ما رأى، ولنا ما رأيناه. وهؤلاء ربما يزيدون على اجتهاده اجتهادًا ويخالفونه في الحكم الاجتهادي، وبين الفريقين اختلافات كثيرة في الفروع، ولهم فيها تصانيف وعليها مناظرات، وقد بلغت النهاية في مباهج الظنون.١٩٠

والحق أن أصحاب المذهب الأول — وهم أهل الحديث — هم قوم تتبَّعوا أحاديث الرسول الكريم وآثار الصحابة الأوَّلين فوجدوها وفيرة، واستطاعوا أن يحلوا بها كافة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والدينية التي كانت تحلُّ بهم. أما أصحاب الرأي فقوم لم تُتَحْ لهم تلك الكثرة من الأحاديث والأخبار والروايات والآثار، ثم إنهم تشدَّدوا في قبول الأحاديث وصعَّبوا في شروط الرواية عن الرسول وصحابته فقلَّ الحديث الصحيح عندهم، واضطُروا في دراساتهم أن يَلجَئْوا إلى القرآن الكريم ويُحكِّموا فيه عقولهم، ويقيسوا الأشباه بالأشباه، ويجمعوا النظائر مع النظائر، وقد أجمع المسلمون على أن أصول «الاجتهاد» وأركانه أربعة، وهي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.

أما القرآن، فقوله فصل لأنه مرويٌّ بالتواتر، وكل ما ورد فيه من الأحكام مقبول قبولًا لا يحتمل المناقشة والتأويل.

وأما السنة، فما صحَّ منها مقبول مسلَّم به، وقد اختلف الأئمة في شرائط المقبول منها.

وأما الإجماع، فهو إجماع أهل الحل والعقد على رأي عام، والرأي العام للأمة لا يأتيه الباطل، فمتى أجمع أهل زمانٍ على شيء كان مقبولًا.

وأما القياس فقد قبل به جمهور كبير من المسلمين، وردَّه بعضهم وهم أهل الظاهر مثل الإمام داود الأصفهاني وتابعيه ومن اقتدى بهم؛ فإنهم قالوا لا يجوز الاجتهاد في الأحكام، وقالوا إن أصول الأحكام ثلاثة: الكتاب والسنة والإجماع، أما القياس فأمر خارج عن مضمون هذه الثلاثة.

وبعدُ، فنحن إذا أردنا بعد ما تقدم أن نكون أكثر تدقيقًا في تصنيف مناهج البحث عند المسلمين، نجدها تنقسم إلى أقسام ثلاثة:
  • (١)

    منهج أهل الحديث، وهم مالك وأصحابه ممن قالوا بالأصول الأربعة ولكن اعتمادهم على القرآن والحديث الإجماع، أما القياس وما إليه من تحكيم الرأي في أمور الدين فلم يكن يُلجأ إليه إلا قليلًا وحين الضرورة.

  • (٢)

    منهج أهل الرأي، وهم أبو حنيفة وأصحابه ممن قالوا بالأصول الأربعة ولكن جُلَّ اعتمادهم على القرآن وعلى ما صح من الحديث — وهو قليل عندهم — وعلى الإجماع والقياس.

  • (٣)

    منهج أهل الظاهر وهم داود وأصحابه ممن قالوا بالأصول الثلاثة: القرآن والسنة والإجماع، ومنعوا العمل بالتأويل والرأي والقياس.

وقد غلبت بعض هذه المناهج الثلاثة على أقاليم دون غيرها؛ فمذهب أهل الحديث غلب على أهل مكة والمدينة ومصر ومُسلمي إفريقية والأندلس وصقلية، ومذهب أهل الرأي غلب على أهل العراق والمشرق والأندلس ولكنه لم يعمر طويلًا.

(٣-٥) أمور تتعلق بالتعليم الثانوي والعالي في المدارس الإسلامية: (الفتيا، المناظرة، الرحلة في طلب العلم واستملاء الحديث، التدوين)

لم يقسم مربو المسلمين التعليم إلى أوَّلي وثانوي وعالٍ، وإنما صنَّفوه — كما رأيت فيما سبق — إلى: تعليم في الكتاتيب وتعليم في المدارس والمعاهد الأخرى.

وربما كانوا يعلِّمون — في بعض الأقطار والأزمنة — بعض مواد تعليم المدارس في الكتاتيب، والعكس صحيح.

ولقد ارتأيت تسهيلًا للبحث أن أطلق اسم «التعليم الأوَّلي» على تعليم الكتاتيب كما أسلفت، وأن أطلق اسم «التعليم الثانوي والعالي» على تعليم المدرسة وما إليها من المعاهد الأخرى كالمكتبة، ودار العلم، ودار الحكمة، والخانقاه، والبيمارستان، والمسجد، والرباط وما إلى ذلك من المعاهد التي كانت تكون ميدانًا لنشاط فكري عالٍ يتجلَّى في مباحث الفُتيا والاستملاء والتدوين والتأليف على ما سأبينه فيما يلي:

الفتيا

وردت في القرآن الكريم والحديث النبوي نصوص كثيرة تتعلق بالفتيا والاستفتاء، وهذا النوع التعليمي من أقدم أنواع التعليم في الإسلام؛ فقد ورد في القرآن قوله: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ، وفيه أيضًا: يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ، وفي الحديث: «إن الله لا يقبض العِلم انتزاعًا ينزعه من الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبقِ عالمًا اتَّخذ الناسُ رؤساءَ جُهَّالًا، فسُئلوا فأفْتَوْا بغير علم فضَلُّوا وأضَلُّوا.» وقال : «من أفتى بفُتيا من غير ثبتٍ فإنَّما إثمه على مَن أفتاه.» وقال أيضًا: «أَجْرؤكم على الفُتيا أَجْرؤكم على النار.» فهذه الآيات والأحاديث تدلنا على أن الفتيا كانت من العناصر التعليمية البارزة الأثر في الإسلام، كما أنها كانت معروفة في «الجاهلية»؛ فقد كان عندهم مُفتون وعرفاء وحكماء يرجعون إليهم ويستفتونهم في حل مشاكلهم،١٩١ وفي زمن الرسول عُرفت جمهرة من الصحابة وفضلائهم بالفتيا والبراعة في تفهُّم مشاكل الناس وأسئلتهم وحلها، وفي طليعتهم الخلفاء الأربعة الراشدون، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمار بن ياسر، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأُبَيُّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، وحذيفة بن اليمان، وأبو موسى الأشعري، وسلمان الفارسي، وأبو الدرداء.
وكان من تقاليد المفتين إذا سألهم السائلون واستفتاهم المستفتون أن يتورَّعوا عن الفتيا، على الرغم من تبحُّرهم في العلم والأعراف والتقاليد، لما جاء به عن الرسول من وجوب تحرِّي الحقيقة تحرِّيًا شديدًا، والتنقيب عنها بدقة فائقة، كما كانوا كثيرًا ما يُحيلون المستفتِيَ إلى من يرَوْنه أفضل منهم وأعلم وأزكى. قال محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (؟–١٤٨):١٩٢ أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله يُسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول. وقال البراء بن عازب (؟–٧١): لقد رأيت ثلاثمائة من أهل بدر ما فيهم مِن أحد إلا وهو يحب أن يكفيَه صاحبُه الفتيا.١٩٣

وقد ظل القوم في صدر الإسلام وفي طول عهد الصحابة وأوائل عهد التابعين يتورَّعون عن الفتيا والإسراع فيها إلا بقدر الضرورات لما كانوا يخشون من الوقوع في الأخطاء، قال أبو حصين التابعي يعتب على التابعين إسراعهم في الفتيا: إن أحدكم لَيفتي في المسألة ولو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر. ورُوي عن معاوية أن رسول الله نهى عن الأغلوطات؛ وهي القضايا التي لم تقع، أو التي لا يمكن أن تقع وإنما يخترعها المفيهقون من الناس ليتعاملوا أو ليوقعوا غيرهم في الأخطاء، وقد نهى الإسلام عن أمثال هذه لما فيها من فساد العلم والدين، وإنه لمن الطبيعي أن لا يتقدم للفتوى إلا من استكمل شرائطها.

وأول تلك الشروط: المعرفة والفطنة والتحري. وقد اشترط المتأخرون في المفتي شروطًا لا شك في أن القدماء اعتبروها كلها لما في ذلك من التحري؛ قال العلموي: شرطٌ في المفتي كونه مسلمًا، مكلَّفًا، عدلًا، ثقةً، مأمونًا، متنزِّهًا عن أسباب الفسق وخوارم المروءة، سليمَ الذهن، رصينَ الفكر، صحيحَ التصرُّف والاستنباط، قويَّ الضبط متيقظًا، سواء فيه الحُر والعبد والمرأة والأعمى.١٩٤
وقد قسَّموا المفتيَ إلى قسمين:
  • مفتٍ مستقل.

  • ومفتٍ غير مستقل.

فالمستقل هو المجتهد الذي يكون متعمقًا بمعرفة أدلة الأحكام الشرعية من الكتاب والسُّنة والإجماع والقياس، عارفًا بالعلوم الشرعية من قرآن وحديث وعربية وما إلى ذلك، قادرًا على الفهم والاستنباط والاقتباس، ذا دُربة وارتياض على حل المشاكل وفهم عويصها، ووجود هذا النوع من المفتين بين المسلمين هو فرض كفاية إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين، والمفتون المستقلون هم أرباب المذاهب، وقد أجمع أهل السنة على اعتبار أبي حنيفة النعمان بن ثابت (؟–١٥٠) ومالك بن أنس الأصبحي (؟–١٧٩) ومحمد بن إدريس الشافعي (؟–٢٠٤) وأحمد بن حنبل (؟–٢٤١) وداود بن علي الأصبهاني الظاهري (؟–٢٧٠) هم الأئمةَ المجتهدين، والمفتين المستقلين، كما أجمع المتأخرون على انقطاع وجود المستقلين من المفتين من دهر طويل.١٩٥ أما الشيعة الجعفرية فقالوا بأن المفتين المستقلين لم ينقطعوا، وأن كل مَن اجتمعت فيه الشرائط المطلوبة في المفتي المستقل نال تلك المرتبة؛ لأن باب الاجتهاد لم يُقفل، والخير في أمة محمد إلى قيام الساعة.
والمفتي غير المستقل هو المفتي المقلد لأحد المفتين المستقلين، ويُشترط فيه أن يطَّلع على فروع المذهب وعلى صحته ودلائله، وأن يكون حافظًا لمذهب إمامه، يستطيع تمييز الحجج وتبين صحيحها وسقيمها، ومرتبتُه قريبة من مرتبة المفتي المستقل، لكنه قصر عنه، وهذه صفة كثير من المؤلفين وكبار الفقهاء منذ القرن الثالث إلى أواخر القرن الرابع.١٩٦ وكما أن وجود المفتي المستقل فرض كفاية، فكذلك وجود المفتي غير المستقل، ولكنه ينقلب فرض عين إذا لم يكن في الناحية أحد لكيلا تخلوَ الناحية من فقيه مرشد.
وللإفتاء آداب وأركان، فمنها:
  • (١)

    أن يدرس القضية المستفتى عنها من كافة نواحيها لئلا يقع في خطأ فاحش.

  • (٢)

    وأن يبتعد عن تتبع الحيل الشرعية والشُّبه غير الواضحة، والرخص التي لا يُلجأ إليها إلا في الضرورة.

  • (٣)

    وألا يفتيَ وهو في حالٍ غير طبيعية من مرض أو تعب أو إرهاق وما إلى ذلك.

  • (٤)

    وألا يأخذ أجرًا على فتواه، ولو أخذ شيئًا مقابل ذلك كان أخذه مباحًا.

  • (٥)

    وأن يكون ملمًّا باصطلاحات إقليم المستفتي وتعبيرات بلده ولهجة إقليمه إذا كان من العوام لئلا يقع في خطأ.

  • (٦)

    وأن يكون الجواب على الاستفتاء واضحًا لا لَبس فيه ولا إغراب في ألفاظه، وخصوصًا إذا كان المستفتي أُميًّا أو عاميًّا.

  • (٧)

    وأن يرتِّب الفتوى ترتيبًا منطقيًّا إذا كان فيها عدة قضايا؛ بحيث لا يضطرب المستفتي أو القارئ حين يقرؤها.

  • (٨)
    وأن يكون دقيقًا في فهم القضية، سواء في ذلك القضية الصعبة أو القضية السهلة. وكان محمد بن الحسن الشيباني — صاحب الإمام أبي حنيفة — يفعل ذلك، وإن كان في القضية المستفتى عنها كلمة غريبة أو مشتبهة سأل عنها ونقطها وضبطها، وإن وجد في القضية لحنًا فاحشًا أو خطأً يحيل المعنى طلب إصلاحه أو أصلحه لتستقيم القضية، وإن رأى في أثناء سطر من سطورها بياضًا خطَّ عليه أو شغله؛ لأنه ربما قصد المستفتي إيذاء المفتي بإضافة بعض الألفاظ التي تفسد الفتوى أو تحيل معناها.١٩٧
  • (٩)

    وأن يكتب الجواب بخطٍّ واضحٍ وسطٍ لا دقيق ولا غليظ، واستحبَّ بعضهم ألَّا تختلف أقلامه وخطوطه في فتاويه خوفًا من التزوير، ولئلا يشتبه خطه.

  • (١٠)

    وأن يكتب اسمه في آخرها ويختم بعده، قال الصيمري: ولْيختمْها بقوله «والله أعلم» أو «بالله التوفيق»، ويكتب بعده «كتبه أو قاله فلان بن فلان الفلاني»، فينتسب إلى ما يُعرف به من قبيلة أو بلد أو صنعة أو غير ذلك، ثم يذكر مذهبه، فإن كان مشهورًا بالاسم فلا بأس بالاقتصار عليه.

  • (١١)
    وأن يكون الجواب ملصقًا في آخر الاستفتاء، ولا يدع فرجة لئلا يزيد السائل شيئًا يفسدها، وإن ضاق موضوع الجواب فلا يكتبه في ورقة أخرى على ظهرها، وأن يكتب فتواه بالحبر دون المداد خوفًا من الحك والتزوير؛ لأن الحبر أبقى وأثبت.١٩٨

المناظرة

المناظرة نوع من أنواع البحث العلمي، وقد عَرَفها العرب في أسواقهم الأدبية قبل الإسلام وبعده، وقد شجَّع الرسول الكريم هذا النوع من البحث العلمي المفيد، ومضى العلماء والفضلاء من صحابته على التباحث والتناظر في قضايا العلم والأدب والنسب لتتجلى الحقيقة، وقد ورد في القرآن الكريمِ الكثيرُ من أحاديث المناظرات، سواء في القصص الديني الذي رواه رسول الله عن أهل الأديان السابقة مع خصومهم، أو في مناظرة كفار قريش ومجادلتهم في عباداتهم. وكان الغالب على المناظرات قبل الإسلام وفي أيام الرسول والخلفاء الراشدين روح التساهل والبساطة وتحكيم المنطق العقلي السليم، فلما دخلت الحضارات الأجنبية في البيئة العربية وتغلغلت في أواخر العصر الأُموي وأوائل العصر العباسي وما بعده، وتعمَّقت جذور الفلسفة والحكمة القديمة، وامتزجت الثقافات القديمة بالثقافة العربية الإسلامية؛ ظهرت روح المنطق والفلسفة والمجادلة في تلك المناظرات، وخصوصًا حين نجم الزنادقة والملاحدة وأرباب الأهواء والفِرق في الإسلام وأرادوا نشر مبادئهم، فزخرفوها للناس وأخذوا يحبذون إليهم الدخول فيها، ويجذبون قلوب الشُّبان والعامة إليها، فكان طبيعيًّا أن ينبريَ لهم المسلمون الغُيُر ويجادلوهم في تلك الأمور، ويناظروهم فيما يدَّعون لتزييف معتقداتهم وآرائهم، وقد كان لظهور فرقتَي «الجبرية» و«المعتزلة» أثر كبير جدًّا في تطوير أمر المناظرة وآدابها وتكوُّن أسسها وأنظمتها. قال الإمام أبو حامد الغزالي:
… نبغت طائفة المتكلمين من المعتزلة وغيرهم، وظهر من الصدور والخلفاء مَن مال إلى البحث عن العقائد وإلى التعصُّب منه، وأقبلوا على مَن اشتغل بذلك العلم، فأكبَّ الناس على علم الكلام وأكثروا التصانيف، ورتَّبوا فيه طرق المجادلات والمناقضات، وزعموا أن غرضهم الذَّبُّ عن الدين والنضال عن السنة، كما زعم مَن قبلهم أن غرضهم الاستقلال بالفتوى ليتميز الحلال من الحرام. ثم ظهر بعد ذلك من الصدور مَن لم يستصوب الخوض في أصول العقائد لما فيه من الفتنة، فأعرض عن المتكلمين وأقبل على التعصب للمذاهب في الفروع، وأقبل على من يناظر، وبيان الأولى من مذهب أبي حنيفة والشافعي — رضي الله عنهما — خاصةً، فترك الناس الكلام وانثالوا على المسائل الخلافية بين أبي حنيفة والشافعي خاصةً، وزعموا أنهم إنما فعلوا ذلك لله تعالى وغرضهم استنباط دقائق الشرع وبيان مآخذ الأحكام، وأكثروا فيه التصانيف ورتَّبوا طرق المجادلات، وأعرضوا عن الخلاف مع مالك وأحمد بن حنبل وسفيان، مع أنهم كانوا يخالفونهم في جملة الأحاديث والبحث عن معاني الأحاديث وما لا يصح منها وما يصح لهم في مآخذ الأحكام، ولكن كانت رغبتهم بحسب ميل الصدور للتوصل إلى الصلات والولايات؛ فلم يشتغلوا إلا بما يروح عندهم ثم لم يسكتوا عن قولهم إنه لا باعث لهم إلا الدين وإحياء الشرع، ولو مالت نفوس أرباب الولايات إلى الخلاف مع أحمد بن حنبل ومع مالك وغيرهما لاشتغلوا بالبحث عن مذاهبهم ومناقضاتهم … فهكذا كان ترتيب الأعصار إلى الآن، ولا ندري ما قدَّره الله تعالى فيما بعد من الأعصار، فهذا هو الباعث على الإكباب على الخلافيات والمناظرة لا غير … وقلما تجد رجلًا يتعلم الخلاف خوفًا من أن يقال له يوم القيامة لم تتعلم الخلاف، وما من أحدٍ إلا ويخاف يوم القيامة؛ لِمَ لَمْ تخلص في علمك وعملك، ولِمَ راءَيْت الناس بطاعتك يا فاجر ويا غاوي ويا فاسق ويا مرائي، كما ورد في الخبر أن المرائيَ ينادى بهذه الألقاب، ومع ذلك لا يتعلم علم الإخلاص، وطريق الحذر من الرياء، وما يجري هذا المجرى من صفات القلب …١٩٩
هذا ما يقوله الإمام الغزالي، وهو في رأينا تفسير صحيح لظهور علم المناظرة والخلاف والاختلاف بهما في الدولة العباسية منذ زمن المأمون إلى ما بعده، وبخاصةٍ في القرن الرابع والخامس واهتمام الناس بهما هذا الاهتمام الشديد، بعد أن كان وجودهما في عصر النبي وخلفائه الراشدين والأُمويين ظهورًا غير واضح الأثر لقرب الناس من طراوة الإسلام وسذاجته، فلما أن تعقدت الحياة العامة واضطربت أحوالها تعقد تفكير الناس واضطربوا وأخذوا يفتشون عن علم الجدليات وعن علم المنطق والمناظرة والبحث وما إلى ذلك، ليظفروا بالغلبة على خصومهم، وتنتصر مبادئهم وعقائدهم. ومهما يكن من أمر المناظرة والجدل فإنهما قد تطوَّرا تطورًا عظيمًا في القرنين الرابع والخامس للهجرة، وكان لهما تأثير في تطوير العلم الإسلامي بصورة عامة، وفي السير قُدمًا بالفكر العربي.
وقد اشترط العلماء للمناظرة شروطًا، وألَّفوا فيها عدة كتب جيدة مفيدة لا مجال للتحدث عنها أو البحث فيها ها هنا، وإنما نريد أن نشير إشارة عابرة إلى أهم الشروط التي اشترطها علماء المناظرة وأرباب الجدل في بحوثهم بما يلي:
  • (١)

    أن يكون غرض المتناظرَين بحث العلم وإحياء الحق والهدف الثقافي البحت، لا الجدل الخالص وحب الانتصار على الخصم، وهكذا كان جدل الأئمة الكبار، والفقهاء والعلماء أمثال الشافعي، وإسحق بن راهويه، وأبي حنيفة، ومحمد بن الحسن، والقاضي أبي يوسف، وغيرهم من الجلة.

  • (٢)
    وأن يكون المتناظران عالمَين بارعَين متسامحَين غير حقودَين ولا غيورَين ولا مرائيَين.٢٠٠

وهكذا كانت روح المناظرة في البيئات الإسلامية الأولى، ولكنها ما لبثت أن فسدت بعدُ حين أراد الناس من المناظرة مجرد الجدل وإقامة الحجج الشكلية لا البحث عن الحقيقة والكشف عن طرق الصواب في العلم والدين.

الرحلة في طلب العلم واستملاء الحديث

عُني المسلمون عناية كبيرة بالرحلة في سبيل العلم من دين وأدب، وخصوصًا حين تفرق الأئمة من العلماء والقراء في الأقطار الإسلامية النائية بعد أن اتسعت رقعة ديار الإسلام. قال عبد الله بن المبارك الإمام الرحَّالة المحدث الثقة (؟–١٨١):٢٠١ دوَّخت العلماء وعاينت الرجال بالشامات والعراقين والحجاز فلم أجد الأدب إلا مع ثلاثة؛ ابن عون غريزته الأدب، وعبد العزيز بن أبي رواد متكلف الأدب، ووهب المكيِّ كأنه وُلد مع أدب،٢٠٢ وكانوا يرحلون في طلب الأدب والحديث النبوي قبل تدوينهما في الكتب وبعد تدوينهما، لما في الرحلة من فوائد الاطلاع على أحوال الدنيا ومعرفة أوضاع الشعوب الإسلامية وغيرها وتقاليدها وتوسيع الثقافة العامة.
قال الذهبي: قال ابن إسحق سمعت مكحولًا يقول: طفت الأرض في طلب العلم، وروى أبو وهب عن مكحول أنه قال: عُتقت بمصر فلم أدع بها علمًا إلا حويته فيما أرى، ثم أتيت العراق ثم المدينة فلم أدع بها علمًا إلا حويته، ثم أتيت الشام فغربلتها. ومكحول هذا هو عالم أهل الشام، وهو أبو عبد الله بن أبي مسلم الهذلي مولاهم، وكان فقيهًا أديبًا محدثًا، كان مولًى لامرأة من هذأيل، وأصله من أهل كابل، تُوفِّي سنة ١١٣.٢٠٣ وقال الذهبي أيضًا: قال أبو الزناد عبد الله بن ذكوان القرشي (؟–١٣١) كنا نطوف مع الزهري «محمد بن مسلم القرشي» (؟–١٢٤) على العلماء ومعه الألواح والصحف يكتب كل ما يسمع. وقال سعيد بن المسيب: إني كنت أسير اللياليَ والأيام في طلب الحديث الواحد.٢٠٤ وروى أبو صالح عن الليث بن سعد (؟–١٧٥): ما رأيت عالمًا أجمع من الزهري يحدِّث في الترغيب فنقول لا يحسن إلا هذا، وإن حدَّث عن العرب والأنساب قلنا لا يحسن إلا هذا، وإن حدَّث عن القرآن والسنة كذلك.٢٠٥ وقال الذهبي أيضًا: قال أبو الطيب الطبري: رحلت قاصدًا إلى أبي بكر وهو حيٌّ فمات قبل أن ألقاه. قال حمزة: وسمعته يقول: لما ورد نعيُ محمد بن أيوب الرازي بكيت وصرخت ومزَّقت القميص ووضعت التراب على رأسي، فاجتمع أهلي عليَّ وقالوا ما أخبارك؟ قلت: نُعي إليَّ محمد بن أيوب ومنعتموني الارتحال إليه. قال فسلَّوْني وأذنوا لي في الخروج وأصحبوني خاليَ إلى الحسين بن سفيان، ولم يكن ها هنا شعرة، وأشار إلى وجهه، وأبو بكر هذا هو أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي الذي قال عنه الحاكم: كان الإسماعيلي واحد عصره وشيخ المحدثين والفقهاء، مات سنة ٣٧١.٢٠٦

فهذه الروايات وكثير غيرها في كتب الأدب والتاريخ والفقه تدلنا على شدة اهتمام السلف بالارتحال في طلب العلم من بلد إلى آخر، وخصوصًا فيما يتعلق بالسنة النبوية وجمعها، خوفًا من الكذَّابين والوضَّاعين، والزنادقة المارقين.

قال ابن السمعاني في معرض حديثه عن تتبُّع الأسانيد: «وألفاظ رسول الله لا بد لها من النقل، ولا تُعرف صحتها إلا بالإسناد الصحيح، والصحة في الإسناد لا تُعرف إلا برواية الثقة عن الثقة والعدل عن العدل. وقد رُوي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن أبيه عن رسول الله أنه قال: إذا كتبتم الحديث فاكتبوه بإسناده، فإن يك حقًّا كنتم شركاء في الأجر، وإن يك باطلًا كان وزره عليه. وقال ابن سيرين: كانوا في الدهر الأول لا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد لكي يأخذوا حديث أهل السنة ويدَعوا حديث أهل البدعة. وقال ابن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. وقال عبدان: ذكر هذا عند ذكر الزنادقة وما يضعون من الأحاديث …٢٠٧
وقد كانت للعلماء ولطلاب العلم في أخْذ الحديث النبوي الشريف عن الشيوخ طرق عديدة:
  • منها: أن يملي الشيخ فيسمعه الطالب أو يكتبه في دفتره الخاص.

  • ومنها: أن يقرأ الطالب على الشيخ الحديث فيقره على ما يقرأ.

  • ومنها: أن يقرأ قارئ الحديث، والشيخ والطالب يسمعان منه.

  • ومنها: أن يعرض الطالب على الشيخ كتابًا مكتوبًا فيخبره الشيخ بروايته.

  • ومنها: أن يكتب الطالب إلى الشيخ كتابًا من بلده يستجيزه رواية الحديث فيجيزه.

وأفضل هذه الطرق أن يملي الشيخ ويكتب الطالب، وأسوأها أن يعرض الطالب على الشيخ كتابًا فيجيزه بروايته دون أن يقرأ عليه منه شيئًا، وذهب بعض العلماء إلى عدم جواز هذه الإجازة؛ قال شعبة: لو صحت الإجازة لبطلت الرحلة.٢٠٨
وقد وُجد في التابعين ومن بعدهم جماعات يعقدون المجلس للإملاء والاستملاء، وكان الناس يرحلون إليهم من أقصى ديار الإسلام، أمثال شعبة بن الحجاج، ووكيع بن الجراح، وأبي حنيفة، والشافعي، ومالك، وأحمد، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وكانت هذه الحلقات العلمية تتسع بشكل عجيب، وربما بلغ عدد الطلاب الألوف؛ فيُضطَر الشيخ أن يستعين بالمبلغين عنه والمستملين منه ليبلغوا عنه. وقد وردت روايات عجيبة عن كثرة طلاب بعض الشيوخ الأجلاء؛ فقد ذكر ابن السمعاني أن طلاب مجلس يزيد بن هارون كانوا سبعين ألفًا،٢٠٩ وأن المعتصم وجَّه من يحرز مجلس عاصم بن علي بن عاصم في رحبة النخل التي في جامع الرصافة، وكان عاصم بن علي يجلس على سطح المسقطات وينتشر الناس في الرحبة وما يليها فيعظم الناس جدًّا في سمعته، يقول يومًا: «حدَّثنا الليث بن سعد.» ويستعاد قوله هذا، فأعاد أربع عشرة مرة، والناس لا يسمعون، قال: فكان هارون المستملي يركب نخلة معوَّجة ويستملي عليها، فبلغ المعتصم كثرة الجمع فأمر بحرزهم، فوجه بقطاعي الغنم فحرزوا المجلس عشرين ألفًا ومائة ألف.٢١٠ وقال صالح بن محمد البغدادي: كان محمد بن إسماعيل البخاري يجلس ببغداد، وكنت أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثر من عشرين ألفًا، وربما تعدَّد المستملون حتى يبلغوا المئات، ولمَّا ورد أبو بكر جعفر بن محمد الغريابي إلى بغداد استقبل بالطيارات والزبازب — وهما أنواع من السفن — ثم أوعد الناس له إلى شارع المنار بباب الكوفة ليسمعوا منه، فاجتمع الناس فحرز من حضر مجلسه لسماع الحديث فقيل نحو ثلاثين ألفًا، وكان المستملون ثلاثمائة وستة عشر.٢١١ وروى القاضي أبو الحسن علي بن محمد البصري قال: كنا نجلس مجلس أبي إسحق إبراهيم بن علي الهجيمي للحديث، فكان يجلس على سطح أهله ويمتلئ شارع بلجهم بالناس الذين يحضرون للسماع، ويبلغ المستملون عن الهجيمي. قال البصري: وكنت أفوقه في السَّحَر فأجد الناس قد سبقوني وأخذوا مواضعهم، وحسب الموضع الذي يجلس فيه الناس وكُسِّر فوجد مقعد ثلاثين ألف رجل.٢١٢
وبعد أن يورِد ابن السمعاني هذه الأخبار يعلِّق عليها بقوله: فرحم الله السلف الماضين، كان العلم مطلوبًا في زمانهم، والرغبات متوافرة، والجموع متكاثرة؛ فالآن خمدت ناره، وقل شراره، وكسد سوقه حتى سمعت أبا حفص عمر بن طفر المغازلي ببغداد يقول: فرغنا من إملاء الشيخ أبي الفضل بن يوسف نكتب فيها أسماء من حضر فما وجدنا.٢١٣

وكما اشترط العلماء للفتيا والمناظرة شروطًا، كذلك اشترطوا للإملاء والاستملاء شروطًا أحصاها الإمام السمعاني وابن الصلاح العراقي ومن بعدهما من مؤلفي علوم مصطلح الحديث، وها نحن أولاء نوردها موجزة فيما يلي:

ينبغي للمحدث قبل بدايته بالإملاء أن يصلح هيئته، وأن يكون على أكمل هيئة وأفضل زينة اقتداءً بالنبي ؛ فقد رُوي أنه كان له ثوبان ينسجان في بني النجار، فكان يقول عجِّلوا بهما علينا نتجمل بهما في الناس. وكان عمر بن الخطاب يقول: إنه ليعجبني أن أرى القارئ النظيف. وكان مالك بن أنس إذا أراد أن يجلس للحديث اغتسل وتبخَّر وتطيَّب ولبس أحسن ثيابه.٢١٤

فإذا خرج من بيته إلى المجلس فليقصد في مشيه وليسلِّم على الناس، فإذا وصل إلى المجلس ابتدأ بإملائه، فإذا أتم المجلس عمد الطلاب معًا — أو الطلاب والشيخ — إلى معارضة ما كتبوا وإصلاح ما قد يكون وقع من الخطأ أو زاغ عنه القلم.

هذه هي آداب الشيخ المحدث. أما آداب الطالب فنوجزها بما يلي:

ينبغي لطالب العلم أن يبكِّر إلى مجلس الاستملاء لئلا يفوته شيء فيتعذر عليه تلافيه، وخصوصًا إذا كان الشيخ ممن يكرهون إعادة الحديث، كما رُوي عن سفيان بن عُيينة ويزيد بن هارون والأعمش؛ فقد رُوي أن رجلًا جاء الأعمش فرآه قد أتم درسه فقال له: يا أبا محمد، اكتريت حمارًا بنصف درهم وأتيت لأسألك عن حديث كذا وكذا. فقال له: اكْتَرِ بالنصف الثاني وارجع.٢١٥

وينبغي أن يحرص على القرب من مجلس الشيخ إذا كان المجلس كثير الطلاب لئلا تفوته بعض الفوائد.

وينبغي عليه إذا حضر وغيره من الطلبة إلى دار الشيخ أو مجلسه وأذن لهم بالدخول أن يدخلوا مقدِّمين أسنهم وأفضلهم، فإذا دخلوا سلموا، ويجلس الواحد منهم حيث ينتهي به المجلس ولا يتخطى الرقاب، فإن استدناه الشيخ تقدَّم، وإن أكرمه بمخدة أو غيرها فلا يردها، ولا يقم أحد من مكانه، ولا يجلس وسط الحلقة ولا في صدر المجلس، ولا بين اثنين، ويجلس على ركبتيه ويبالغ في تعظيم أستاذه ويكنِّيه ولا يسمِّيه، ويقوم له ويقبِّل يده.

وينبغي أن يكون حسَن الاستماع والكتابة، وإذا شرع فيها كتب بالحبر دون المداد؛ لأن السواد أصبغ الألوان وأبقاها، ويحضر أدوات الكتابة من ورق ومحبرة وأقلام ومقلمة وسكين. وتُكره الكتابة على ما ليس طاهرًا نظيفًا، وتجوز على الجلد والخزف والألواح. ويحسِّن خطه، ويتقن كتابته.

هذه هي آداب الطالب. أما آداب المستملي فنوجزها بما يلي: ينبغي أن يكون فصيحًا جهوري الصوت واضح البيان حسن العبارة، يستطيع أن يبلغ كلام الشيخ إلى البعيد عنه بأمانة وفصاحة وصوت مسموع، كما ينبغي أن لا يكون بليدًا مغفلًا، كما يُحكى عن بعض المستملين، ومنهم مستملي يزيد بن هارون؛ فإنه قال يومًا: «حدثنا به عدة.» فصاح المستملي: «يا أبا خالد، عدة ابن مَنْ؟» فقال يزيد: «عدة ابن فَقَدْتُك.» وينبغي أن لا يكون ثقيل الظل، ولا متحذلقًا، ولا ثرثارًا، وأن يقعد على مكانٍ عالٍ مرتفع، فإن لم يجده وقف …

وقد كره بعض القدماء هذه الوظيفة وربما هاجموا صاحبها، وكان شعبة يقول: لا يستملى إلا سفلة أو نذل. وقال ابن عيينة: إن لكل قوم غوغاء، وغوغاء المحدِّثين المسمِّعون.٢١٦ ومما اشترطوه أيضًا في المستملي أن يكون ممن عرف الحديث وأنس به، وإذا كثر الزحام كثر المستملون. ولما حدَّث أبو مسلم الكجي في رحبة غسان كان في مجلسه سبعة مستملين يبلغ كل واحد منهم صاحبه الذي يليه، وكتب الناس عنه قيامًا بأيديهم المحابر.٢١٧ وأول واجبات المستملي أن يستنصت الناس، وأن يقرأ سورة من القرآن، ثم يقول للشيخ «من حدَّثك رحمك الله؟» أو «من ذكرت رحمك الله أو رضي الله عنك؟» ثم يبدأ الشيخ بالإملاء. قال يحي بن أكثم: جالست الخلفاء وناظرت العلماء، وتقلدت الوزارة مرتين وأنا في هذا الوقت قاضي القضاة، فما سُررت بشيء قط سروري بقول المستملي: «من ذكرتَ رضي الله عنك؟»٢١٨ فإذا سرد المملي الحديث، أعاد المستملي قوله كلمة كلمة محاكيًا ألفاظ الشيخ، فإذا فرغ الشيخ ودعا للحاضرين دعا المستملي مثل دعائه للحاضرين ولنفسه.
وقد كانت الرحلة في طلب العلم واستملاء الحديث منتشرة في كافة أرجاء مملكة الإسلام، وكانت قبلة الناس في القرن الأول هي المدينة ومكة والحجاز بصورة عامة. وقد ظل هذا الاتجاه معمولًا به في العصر الأُموي على الرغم من انتقال العاصمة إلى دمشق ووفود العلماء إليها؛ لأن الحجاز ظل طوال ذلك القرن هو العاصمة الروحية للإسلام. وما جاء القرن الثاني للهجرة حتى أخذت الرحلات تتنوع إلى ديار الإسلام الأخرى؛ لأن قسمًا كبيرًا من أهل الحجاز والمسلمين الأولين في الجزيرة أخذوا يستوطنون البلاد المفتوحة ويستقرون فيها، كالفسطاط ودمشق والبصرة والكوفة وبغداد ومدن المشرق. وكان طلاب العلم في الأندلس والمغرب على الرغم من نبوغ جمهرة كبيرة منهم في ديارهم، فإنهم كانوا يرحلون إلى المشرق في سبيل طلب العلم والحديث إلى مصر والحجاز خاصةً؛ فإن الحلقات العلمية في مساجد ديارهم لم تكن لتشبع نهمهم العلمي؛ فقد كانت مصر بمساجدها وحلقاتها منذ القرن الأول من مراكز الثقافة الإسلامية الكبرى؛ ظهر فيها الشافعي وانتشر فيها مذهب مالك إمام أهل المدينة. وأما الحجاز فهي مهبط الوحي، وقد نبغ فيها المئات من الأئمة والفقهاء والمحدِّثين والأدباء، وعلى رأسهم الإمام مالك، وقد اتصل المغاربة والأندلسيون بمالك وتلاميذه في الحجاز ومصر، فأحبوا مذهبه واعتنقوا طريقته وتحمَّسوا له واختصوا به. قال ابن خلدون: وأما مالك فاختص بمذهبه أهل المغرب والأندلس لما أن رحلتهم كانت غالبًا إلى الحجاز وهو منتهى سفرهم، والمدينة يومئذٍ دار العلم ومنها خرج إلى العراق، ولم يكن العراق في طريقهم، فاقتصروا على الأخذ من علماء المدينة وشيخهم يومئذٍ وإمامهم مالك وشيوخه من قبله وتلاميذه من بعده، فرجع إليه أهل المغرب والأندلس وقلدوه ممن لم تصل إلينا طريقته.٢١٩

التدوين

يراد به تدوين العلم وكتابته في الكتب والسجلات والدفاتر. وقد زعم بعض الباحثين من المستشرقين والشرقيين أن التدوين عند العرب لم يظهر في الإسلام إلا في أواسط القرن الثاني للهجرة؛ أي بعد انقضاء الدولة الأُموية، وأن التدوين قبلئذٍ لم يكن معروفًا إلا في نطاق ضيق جدًّا، وهو نطاق القرآن وبعض الأحاديث النبوية، وأن العرب لم يدوِّنوا أدبهم إلا بعد أواسط المائة الثانية للهجرة، وكانوا قبل ذلك يتناقلون أدبهم حفظًا ورواية ليس غير، إلى أن جاء العصر العباسي فدوَّنه الكُتَّاب والمؤلفون.

وليس لهؤلاء الباحثين من المستشرقين والشرقيين حجج قوية يعتمدون عليها، وإنما هي أوهام وظنون وأباطيل سار بها بعض الشعوبيين من الكُتَّاب القدماء، فتلقفها المستشرقون وشعوبيو اليوم، ورفعوا بها عقائرهم، ومَلَئُوا بها كتبهم وهدفُهم الأول من وراء ذلك هو التهجُّم على العرب، والطعن في تاريخهم، وهتك حرمة آدابهم، والطعن في صحة ما ابتدعوه قبل الإسلام أو بعده من الحكمة والشعر الخالدَين، وليس قول هؤلاء جميعًا إلا باطلًا في باطل، فإن التدوين الأدبي كان معروفًا عند العرب قبل الإسلام؛ فقد دوَّن عرب زمن الفترة شعرًا وعلقوه على الكعبة، كما دوَّنوا كثيرًا من مأثور كلام عقلائهم شعرًا ونثرًا، كما دوَّن متهوِّدوهم ومتنصِّروهم في الجزيرة آيات من الكتاب المقدس؛ فإنه لا يُعقل أصلًا أنهم كانوا يؤدون شعائر الدين الموسوي أو النصراني بالعبرية أو السريانية، فإنهم كانوا عربًا يعتزون بلغتهم ويفخرون بلسانهم العربي المبين.

وليس هذا القول قولًا جزافًا ألقيناه بدافع العصبية لأجدادنا وتاريخنا وقوميتنا العربية، وإنما هو قول يَعتمد على سنن الكون وأنظمة الحياة؛ فقد كتب العرب قبل الإسلام وكانت لهم حضارة وكان لهم علم وكان لهم أدب، وكانت عندهم كتاتيب ودُور للتعليم على ما فصلناه قبلًا، وقال المرزباني في الموشح في معرض حديثه عن النابغة الذبياني إن العرب في الجاهلية كانوا صنفين؛ أهل البوادي وأهل القرى أي المدن. أما أهل البادية فقد كانوا بدوًا أُميين، أما أهل الحواضر والمدن فقد كانوا متعلمين ذوي حصافة وحِس مرهف، وإن «أهل القرى ألطف نظرًا من أهل البدو، وكانوا يكتبون لجوارهم أهل الكتاب».٢٢٠ ولا ريب في أن نصارى الحيرة والشام من المناذرة وآل غسان كانوا ذوي حضارة زاهية وأدب وعلم وكتابة وفهم؛ لأن آثارهم الباقية وقصورهم الشاهقة لَتدل على مبلغ ما سَمَوْا إليه من رُقي، وروى العالم الثقة الثبت العالم ابن جني عن حماد الراوية (؟–١٥٥) أنه قال:
أمر النعمان «ابن المنذر اللخمي» (؟–٨ق.ﻫ) فنسخت له أشعار العرب ثم دفنها في قصره الأبيض، فلما كان المختار ابن أبي عبيد «الثقفي أمير الكوفة» (؟–٦٨) قيل له إن تحت القصر كنزًا، فاحتفره فأخرج تلك الأشعار؛ فمِن ثَمَّ أهل الكوفة أعلم بالشعر من أهل البصرة.٢٢١
فهذا يدل على أن العرب كانوا قبل الإسلام قد دوَّنوا بعض أشعارهم وتراثهم الأدبي الذي يفخرون به ويعتزون باحتوائه. ولا ريب في أن أبا قابوس النعمان إنما فعل ذلك افتخارًا بآثار قومه، وقد كان من الملوك الذين ازدهت بهم الحيرة لعلمه وفضله، ولأنه كان ممن يتذوقون الشعر، وكان بلاطه موئلًا لفحولة الشعراء أمثال النابغة الذبياني، وحسان بن ثابت، وحاتم الطائي، وغيرهم من أئمة الشعر العربي، وهو صاحب قصة إيفاد الحكماء العرب إلى كسرى، وهو باني مدينة النعمانية على ضفة دجلة اليمنى، وليس هذا الخبر مكذوبًا اخترعه حماد الراوية الذي يتهمونه بالوضع، وإنما هو خبر روى مثله أيضًا هشام الكلبي (؟–٢٠٦) المحدِّث الراوية النسابة المشهور الموثق؛ فقد قال: «كنت أستخرج أخبار العرب وأنسابهم وآل نصر بن ربيعة ومبالغ أعمار من ولي مهمة لآل كسرى وتاريخ نسبهم من كتبهم بالحيرة.»٢٢٢

ونحن حين نقول هذا القول لا نقصد أن العلم والتدوين وما إليهما كانا منتشرَين في المدن والقرى العربية قبل الإسلام انتشارًا عامًّا، ولكننا نريد أن ننفيَ القول بفشُوِّ الأمية والجاهلية وسيطرتها، وعدم وجود التدوين عند العرب أصلًا قبل أواسط القرن الثاني للهجرة كما زعم أولئك المستشرقون والشرقيون؛ فقد رأيت أن الكتابة كانت فاشية عند العرب قبل الإسلام، وبخاصةٍ في المدينة ومكة والطائف والحيرة ومدن مشارق الشام العربية ومدن اليمن وحضر موت؛ لأن قومًا كانت لهم تلك الحضارة لا يمكن أن يكونوا أُميين، وما يقال عن عرب ما قبل الإسلام — ولا أبيح لنفسي أن أسم ذلك العهد بسمة الجاهلية — يقال عن عرب صدر الإسلام؛ فقد كانت الكتابة منتشرة في البيئة النبوية في المدينة، وفي العواصم الإسلامية التي شادها العرب في الديار التي فتحوها كالبصرة والكوفة في العراق، والفسطاط والقطائع في مصر، والقيروان في شمالي إفريقية، وفي عواصم الأقاليم التي دخلوها كدمشق وحلب وبيت المقدس والمدائن والري وغيرها.

وكان معلمو الصحابة كأبي الدرداء وأبي ذر وأبي موسى الأشعري وأُبي بن كعب وجبير بن حية، وغيرهم من علماء الصحابة، يحلقون حلق العلم في مساجد العواصم الإسلامية التي يحلُّون فيها. قال سويد بن عبد العزيز: كان أبو الدرداء «عويمر بن مالك الأنصاري (؟–٣٢) قاضي دمشق»٢٢٣ إذا صلى الغداة في جامع دمشق اجتمع الناس للقراءة عليه، فكان يجعلهم عشرة عشرة، وعلى كل عشرة عريف، ويقف في المحراب يرمقهم ببصره، فإذا غلط أحدهم يرجع إلى عريفهم وإذا غلط عريفهم رجع إلى أبي الدرداء فسأله عن ذلك.٢٢٤ وقال مسلم بن مشكم: قال لي أبو الدرداء اعدد من يقرأ عندي القرآن، فعددتهم بأمره ألفًا وستمائة ونيفًا، وكان لكل عشرة منهم مقرئ.٢٢٥
وهكذا كان الأمر في مساجد حلب وبيت المقدس والإسكندرية والفسطاط والبصرة والكوفة، وغيرها من العواصم الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين والأُمويين، فإذا كان هذا عدد الكُتَّاب في العصر الأُموي والراشدي، كان من الطبيعي جدًّا أن يكون لهذا العدد العديد من المتعلمين مدونات وكتب جُمع فيها شيء من تعاليم الدين وحديث الرسول والآداب والعلوم الإسلامية، ولولا وجود هذه المدونات في زمن مبكر لما كره بعض المتزمتين أن يدوَّن غير القرآن؛ خوفًا من اختلاطه بالسنة أو غيرها من الأخبار، وحجة هؤلاء القوم قول الرسول : «لا تكتبوا عني شيئًا سوى القرآن، فمن كتب عني شيئًا سوى القرآن فليمحُه.» ومثل هذا قول زيد بن ثابت حين دخل على معاوية وسأله عن شيء من حديث رسول الله ثم أمر كاتبًا له أن يكتبه، فنهاه زيد وقال: إن رسول الله أمرنا أن لا نكتب شيئًا من حديثه، فمحاه.٢٢٦ ولما رأى أبو سعيد الخدري جماعة من تلاميذه يكتبون الحديث عنه نهاهم عن ذلك وقال: أتريدون أن تجعلوها مصاحف؟ إن نبيكم كان يحدِّثنا فنحفظ، فاحفظوا كما نحفظ.٢٢٧
ولكن بعض هؤلاء المتزمتين أباحوا كتابة القرآن حين وقع الاطمئنان في نفوسهم من أن شيئًا من ذلك الذي تخوَّفوه لن يكون، فأجازوا كتابة الحديث بعد أن كانوا يكرهونه لكيلا يختلط بالقرآن، أو لكيلا يعتمد العالم على الكتاب، بل على حفظه.٢٢٨
وقد احتج من أباح الكتابة ببعض الروايات التي رُويت عن النبي وكبار الصحابة؛ فمن ذلك ما رُوي عن أبي هريرة أنه أذن لأبي شاة اليمني أن يكتب عنه خطبة يوم فتح مكة.٢٢٩ وقال أبو هريرة: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله أكثر مني حديثًا إلا عبد الله بن عمرو بن العاص؛ فإنه كتب ولم أكتب.
وفي العهد الراشدي دُونت بعض المدونات الشعرية أيضًا؛ فقد روى أبو الفرج أن عمر بن الخطاب كتب إلى أميره على العراق وفاتح القادسية وباني الكوفة سعد بن أبي وقاص (؟–٥٥): أما بعد، فاجمع من قبلك من الشعراء فسلهم ماذا فقدوا من شعرهم وما بقي منه. فجمعهم سعد فسألهم عن ذلك فكلُّهم زعم أنه أغزر ما كان شعرًا وأقدر عليه إلا لبيد، فإنه حلف بالذي هداه للإسلام ما قدرت على أن أقول بيتًا واحدًا منذ أسلمت، فكتب بذلك إلى عمر.٢٣٠ ومثل ذلك ما ذكره أبو الفرج أيضًا أن عبد الله بن الزبعري السهمي وضرار بن الخطاب الفهري طلبَا من حسان بن ثابت أن يتناشدوا ما قيل من مناقضات بين الأنصار ومشركي قريش في صدر الإسلام، فأنشداه أشعار قريش من الأنصار، ثم ذهبَا قبل أن يسمعَا شعره في قريش، فغضب حسان وذهب إلى عمر بن الخطاب، فجمعهما بحسان وأمرهما أن يسمعَا مناقضته لكفار قريش، فاستمعَا إليه بمحضر عمر وكبار الصحابة، ثم إن عمر قال لمن حضره: إني قد كنت نهيتكم أن تذكروا مما كان بين المسلمين والمشركين شيئًا دفعًا للتضاغُن عنكم وبث القبيح فيما بينكم، فأما إذا أبَوْا فاكتبوه واحتفظوا به. فدوَّنوا ذلك عندهم، قال: فأدركته — أي ذلك السجل الذي دوَّنوا فيه الأشعار — ومما دُوِّن في عهد عمر بن الخطاب غير هذه الكتب الأدبية دواوين أنساب القبائل العربية، التي أمر عمر بن الخطاب بتدوينها وتسجيل أسماء كل قبيلة وأفخاذها وأسماء من ولد كلٌّ منهم.
وما إن دخل النصف الثاني للقرن الهجري واستولى بنو أمية على الخلافة الإسلامية حتى كثر التدوين في الأدب والحديث؛ فقد روى لنا المُبَرِّد عن المعلمَين الشاعرَين المشهورَين؛ الكَمِيت بن زيد، والطِّرِمَّاح بن حكيم، عن رؤبة بن العجاج أنه قال: قدمت فارس على إبان بن الوليد البجلي منتجعًا له، فأتاني رجلان لا أعرفهما، فسألاني عن شيء ليس من لُغتي فلم أعرفه، فتغامزا بي فتقبَّعت عليهما فهمدا، ثم كانا بعد ذلك يختلفان فيسمعان مني الشيء فيكتبانه ويُدخلانه في أشعارهما، فعلمت أنهما ظريفان، وسألت عنهما فقيل لي هما الكميت والطرماح.٢٣١
فلا شك في أن العالمَين الشاعرَين الأديبَين المعلمَين كانا يدوِّنان ما يسمعان من رؤبة ومن غيره ما يستجيدان من الشعر والغريب وأخبار العرب. ويروي الإمام الرَّاوية الثقة أنه رأى الطرماح بسواد الكوفة وهو يكتب ألفاظ النبيط ويتعلمها ويُعربها ويُدخلها في شعره،٢٣٢ وأغلب ظننا أنه كان ينتقي الألفاظ الفنية والعلمية فيُعربها ويُدخلها في شعره، وقد كان الطرماح وزميله الكميت شاعرَين فحلَين من فحول شعراء الإسلام وأجودهم معانيَ وأحسنهم صورًا، ولم يكن هذان الشاعران وحدهما اللذَين دوَّنا شعرهما في العصر الأُموي؛ فقد روي أن الفرزدق كان يدوِّن شعره وقد كان له أربعة رواة يكتبون شعره عنه ويدوِّنونه ويذيعونه عنه،٢٣٣ وكذلك كان جرير يدوِّن شعره، بل يروي صاحب الأغاني أن بعض موالي بني كُليب بن يربوع — وكان بائعًا للرطب في البصرة — يدوِّن شعره، قال: كنت أجمع شعر جرير وأشتهي أن أحفظه وأرويَه، فجاءني جرير ليلةً فقال إن راعيَ الإبل النميري قد هجاني وإني آتيك الليلة فأعدَّ لي شواء وفراشًا ونبيذًا محشفًا، فأعددت له ذلك، فلما أعتم جاءني فقال: هلم عشاءك. فأتيته به فأكل ثم قال: هلم نبيذك. فأتيته به فشرب أقداحًا ثم قال: هات دواة وكتفًا. فأتيته بهما فجعل يُملي عليَّ قوله:
أقِلِّي اللومَ عاذِلَ والعِتابا
وقولي إنْ أصبتُ لقد أصابا٢٣٤

ويروي أبو الفرج أن رجلًا من الأنصار لاحق عدي بن الرقاع العاملي (؟–٩٥) معاصر جرير وشاعر الوليد بن عبد الملك وقال له: اكتب لي شيئًا من شعرك. فقال عدي: ومن أي العرب أنت؟ قال: أنا رجل من الأنصار. قال: ومن منكم القائل:

إن الحمام إلى الحجاز يهيج لي
طربًا ترنمه إذا يترنم
فقيل له: سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت. فقال: عليك بصاحبكم فاكتب شعره فلستَ تحتاج معه إلى غيره.٢٣٥
ويروي المرزباني أن ذا الرُّمَّة (؟–١١٧) كان يكتب وأن عيسى بن عمر قال: قال لي ذو الرمة: أنت واللهِ أعجب إليَّ من هؤلاء الأعراب؛ أنت تكتب وتؤدي ما تسمع، وهؤلاء يهون على أحدهم وقد نحته من جبل أن يجيء به على غير وجهه. قال قلت: إني لم أصل منك بشيء. قال: كنت مشغولًا، عُد إليَّ. فعدت إليه فتعاييت في شيء فتهجَّاه لي فقلت: أراك تكتب يا أبا الحارث. قال: إياك أن يعلم هذا أحد، تعلمت الخط من رجل كان عندنا بالجَفَر، فكان يجلس إليَّ من العتمة إلى أن ينكفت السامر يخط لي في تراب البطحاء. وقال شعبة بن الحجاج (؟–١٦٠): لقيت ذا الرمة فقلت أَكْتِبْنِي شعرك، فجعل يملي عليَّ ويطلع في الكتاب فيقول: ارفع اللام من السين وشق الصاد، ولا تعور الكاف، فقلت من أين لك الكتاب؟ قال: قدم علينا رجل من الحيرة فكان يؤدب أولادنا فكنت آخذ بيده فأُدخله الرمل فيعلمني الكتاب، وأنا أفعل ذلك لئلا تقول عليَّ ما لم أقل.٢٣٦ ولم يكن الشعراء وحدهم هم الذين يدوِّنون؛ فقد دوَّن كثيرون في العصر الأُموي خُطب الخطباء وأقوال الحكماء كخطب الحجاج وزياد وغيرهما،٢٣٧ وكان للخلفاء الأُمويين كالوليد بن عبد الملك والوليد بن يزيد خزائن فيها كثير من الدفاتر والكتب التي سُجلت فيها كتب العلم والأدب والشعر،٢٣٨ ويحدثنا صاحب الأغاني أن عبد الحكيم بن عمرو بن عبد الله بن صفوان الجُمَحي (؟–حوالي سنة ١٠٠ﻫ) قد اتخذ بيتًا فجعل فيه شطرنجات ونردات وقرقات ودفاتر فيها من كل علم، وجعل من الجدار أوتادًا، فمن جاءه علَّق ثيابه على وتد منها ثم جرَّ دفترًا فقرأه أو بعض ما يلعب به فلعب به مع بعضهم، وأن الأحوص الشاعر (؟–١٠٥) قد زار هذا البيت بدعوة من صاحبه عبد الحكيم.٢٣٩
ولم يقتصر التدوين على الشعر والأخبار كما أسلفنا، بل يظهر أن جماعة من العلماء ألَّفوا بعض المصنفات الأدبية؛ فهذا صحار بن العباس العبدي ألَّف في عهد معاوية بن أبي سفيان كتابًا جمع فيه أمثال العرب كما يذكر ذلك ابن النديم في الفهرست،٢٤٠ وهذا عبيد بن شرية الراوية الإخباري المشهور، وعطاء بن مصعب الراوية المحدث الأديب، والشرقي بن القطامي الأديب النسابة الإخباري، ويونس بن سليمان الكاتب الأديب (؟–حوالي سنة ١٣٥)؛ يؤلفون الكتب والمجموعات في الأدب والنسب والأخبار والأمثال والأغاني،٢٤١ وهذا زياد بن أبيه الأمير القائد المشهور يؤلف كتابًا في المثالب يتهجَّم فيه علي من عيَّروه،٢٤٢ ثم جاء من بعده الهيثم بن عدي فألَّف في المثالب لأنه كان دعيًّا، فأراد أن ينتقص أهل الأنساب والأشراف،٢٤٣ ثم جاء بعدهما النضر بن شميل الحميري وخالد بن سلمة المخزومي (؟–١٣٢) وألَّفا كتاب الواحدة في المثالب.٢٤٤ فهذه الكتب كلها قد أُلِّفت في العصر الأُموي وتناقل الناس أخبارها كما روَوْا بعض الأخبار مما ورد في فصولها. ومما أُلِّف في هذا العصر الأُموي أيضًا من الكتب غير ما سلف ذلك الديوان الضخم الذي جُمعت فيه أشعار العرب وأخبارها وأنسابها؛ فقد روى ابن النديم عن أبي العباس ثعلب النحوي أنه قال: جَمع ديوان العرب وأشعارها وأخبارها وأنسابها الوليد بن يزيد بن عبد الملك ورد الديوان إلى حماد وجناد.٢٤٥
هذه نبذة عن حركة التدوين قبل الإسلام وبعده إلى أواخر العصر الأُموي. أما في العصر العباسي، فقد انتظمت تلك الحركة بشكل تام واتبعت طريقة علمية صحيحة في ذلك ووضعوا لها القواعد ورتبوها ونظموها، كما فنَّنوا أصول الكتابة وقواعد النسخ والتدوين وطرائق الخط وأساليب التأليف. قال ابن جماعة الكناني: ويُشترط فيمن نصَّب نفسه للتدوين والتصنيف أن يكون تام الأهلية كامل الفضيلة. إلى آخر الشروط التي اشترطها، وقال الخطيب مبينًا فضائل التدوين إنه «يثبت الحفظ ويذكي القلب ويشحذ الطبع ويجيد البيان، ويكسب جميل الذكر وجزيل الأجر.» وقال ابن جماعة في بيان ما يجب على المؤلف والمدوِّن البداءة به: «والأَوْلى أن يعتنيَ بما يعم نفعه وتكثر الحاجة إليه، وليكن اعتناؤه بما لم يسبق إليه تصنيفه متحريًا إيضاح العبارة في تأليفه معرضًا عن التطويل المُمل والإيجاز المُخل، مع إعطاء كل مصنف ما يليق به، ولا يخرج تصنيفه من يده قبل تهذيبه وتكرير النظر فيه وترتيبه، وبين الناس من ينكر التصنيف والتأليف في هذا الزمان على من ظهرت أهليته وعُرفت معرفته، ولا وجه لهذا الإنكار إلا التنافس بين أهل الأعصار …»٢٤٦ وقد اشترطوا في التأليف منذ فجر عصر التأليف أن يبدأ الكتاب بالبسملة ثم يكتب «قال الشيخ» ويذكر اسمه، ثم يشرع في الكتابة والتدوين، وإذا فرغ من كتابه ختمه بالحمدلة والصلاة على النبي وبقوله «آخر الجزء الأول والثاني ويتلوه كذا وكذا» إن لم يكن أكمل الكتاب، فإن أكمله فليقل «كمل الكتاب الفلاني» وكلما كتب اسم الله أتبعه بالعظيم، وكذلك اسم النبي، ولا يكتب «صلعم» ولا «صلسم»، وكذلك إذا ذكر أحدًا من الأعلام، ولا يهتم بتحسين الخط بل بصحته وتصحيحه، ويتجنب خط التعليق وهو خلط الحروف التي ينبغي تفريقها، كما يتجنب خط المشق — هو الخط المستعجل المتلاصق الكلمات — وشر القراءة الهرذمة وأجود الخط أبينه، ولا يكتب الكتابة الدقيقة إلا إذا كان فقير الحال عاجزًا عن ثمن الورق، أو رغبة في حمل الأسفار، ويكتب بالحبر الأسود الثابت لا بالمداد الملوَّن،٢٤٧ وربما كتبوا بعض كتب العلم منذ زمان مبكر جدًّا بماء الذهب؛ فقد ذكر السمعاني أن أحمد بن مهدي قال: أردت أن أكتب كتاب الأموال لأبي عبيد فخرجت لأشتريَ ماء الذهب فلقيت أبا عبيد، فقلت يا أبا عبيد إني أريد أن أكتب كتاب الأموال بماء الذهب، فقال اكتبه بالحبر فإنه أبقى.٢٤٨ كما اعتنَوْا منذ القديم بالحبر والمحابر والأقلام والكواغد والمعالم والسكاكين والمقاطِّ والألواح والتجليد، وغير ذلك من أدوات الكتابة وعدد الكُتَّاب، وألَّفوا في ذلك الكتب، ومن أقدم ذلك كتاب أدب الكُتَّاب للصولي، وطراز الذهب في أدب الطلب لابن السمعاني — وهو مفقود — وكتاب أدب الإملاء والاستملاء للسمعاني أيضًا، الذي نشره المستشرق ويسملر، وكتاب المعيد للعلموي.

(٤) تصنيف العلوم عند العرب

ذكرنا في الباب الثاني شيئًا من المواد التي كان الأطفال والشبان يتعلمونها في الكتاتيب ومعاهد الدراسة الأخرى، ونبيِّن في هذا الباب رأْي الفلاسفة والمربين المسلمين في تصنيف العلوم.

ولعل أقدم مؤلِّف عربي تعرَّض للبحث في هذا الأمر هو المعلم الثاني الفيلسوف أبو نصر الفارابي٢٤٩ محمد بن محمد بن أوزلغ (؟–٣٣٩)، فقد ألَّف رسالة من هذا البحث سماها «مراتب العلم» أو «إحصاء العلوم»، وقد شاعت هذه الرسالة بين الفلاسفة والمربين؛ فاعتمدها بعده كل من أراد البحث في تصنيف العلوم وتبويبها.
أما الطريقة التي تبعها الفارابي في تصنيفه فقد بيَّنها في مقدمة رسالته فقال:
قصدنا في هذا الكتاب أن نُحصيَ العلوم المشهورة علمًا علمًا، ونعرف جُمل ما يشتمل عليه كل واحد منها، وأجزاء كل ما له منها أجزاء، وجُمل ما في كل واحد من أجزائه، ونجمله في خمسة فصول:
  • الأول: في علم اللسان وأجزائه.
  • والثاني: في علم المنطق وأجزائه.
  • والثالث: في علوم التعليم، وهي العدد والهندسة، وعلم المناظر، وعلم النجوم التعليمي، وعلم الموسيقى، وعلم الأثقال، وعلم الحيل.
  • والرابع: في العلم الطبيعي وأجزائه، وفي العلم الإلهي وأجزائه.
  • والخامس: في العلم المدني وأجزائه، وفي علم الفقه وعلم الكلام.٢٥٠
وغرضه من هذا الكتاب هو أن يبيِّن لمن «أراد أن يتعلم علمًا من هذه العلوم وينظر فيه، علمَ على ماذا يقدم وفي ماذا ينظر، وأي شيء سيفيد نظره، وما غناء ذلك، وأي فضيلة تُنال به، ليكون إقدامه على ما يُقدِم عليه من العلوم على معرفة وبصيرة، لا على عمًى وغرر، وبهذا الكتاب يقدر الإنسان على أن يقيس بين العلوم، فيعلم أيها الأفضل، وأيها الأنفع، وأيها أتقن وأوثق وأقوى، وأيها أوهن وأوهى وأضعف، وينتفع به في تكشُّف من ادَّعى البصر بعلم من هذه العلوم ولم يكن كذلك … ويتبيَّن أيضًا فيمن يحسن علمًا منها هل يحسن جميعه أو بعض أجزائه … وينتفع به المتأدب المتفنن الذي قصده أن يشدوَ جُملَ ما في كل علم.»٢٥١

والفارابي في هذه المقدمة لم يبيِّن لنا الطريقة التي اتبعها في تصنيف هذه العلوم كما نجده عند من جاءوا بعده من الفلاسفة والمربين، مثل ابن سينا (؟–٤٥٩) في «الشفاء» الذي أحصى فيه العلوم وفصَّل الكلام عليها، ومثل جماعة إخوان الصفا الذين كانوا في البصرة في النصف الثاني من القرن الرابع في رسائلهم الاثنتين والخمسين التي ذكروا فيها العلوم وقسَّموها إلى أقسام أربعة: رياضية، وطبيعية، ونفسانية، وإلهية؛ ومثل ابن حزم الظاهري في كتابه «مراتب العلوم وكيفية طلبها»، ومثل الفخر الرازي (؟–٦٠٦) في كتابه «حدائق الأنوار في حقائق الأسرار» الذي أحصى فيه العلوم الإنسانية وأبلغها إلى نحو ستين علمًا.

وقد عمد الفارابي في كتابه إلى سرد العلوم على ترتيبٍ ارتآه متوخيًا اتباع الطريقة الطبيعية أو المنطقية في إحصاء العلوم؛ فقد قدَّم «علم اللسان» وما يتبعه من لغة ونحو وصرف وغيرها لأن هذا العلم هو العلم الذي تستقيم به العبارات وتصحيح الألفاظ فلا بد من تقديمه، ثم أتبعه بعلم المنطق لأنه العلم الذي يعطي جملة القوانين التي من شأنها أن تقوِّم العقل وتسدِّد الإنسان نحو طريق الصواب.٢٥٢ وكما أن علم اللسان يقوِّم اللسان، فكذلك علم المنطق يقوِّم العقل، وهذان العلمان ضروريان لكل من يريد أن يشدوَ علمًا من العلوم، وهما في الحقيقة ليسا علمَين مقصودَين وإنما هما آلتان تخدمان العلوم.
أما العلوم الحقيقية فهي نوعان:
  • علوم نظرية: وهي علم التعاليم وعلم الطبيعة، وعلم ما بعد الطبيعة «الإلهي».
  • وعلوم عملية: وهي العلم المدني، وعلم الفقه، وعلم الكلام.
أما «علم اللسان» فهو سبعة أقسام:
  • علم الألفاظ المفردة في لغة أمةٍ ما من أصيل ودخيل.

  • علم قوانين الألفاظ المفردة من معاني الألفاظ واشتقاقها وصرفها ونحو ذلك.

  • علم قوانين الألفاظ المركبة التي صنَّفها خطباؤهم وكُتَّابهم وشعراؤهم.

  • علم قوانين الألفاظ عندما تتركب في أطراف الكَلِم أو في أحوال التركيب.

  • علم قوانين الكتابة والإملاء.

  • علم قوانين القراءة.

  • علم الأشعار وأوزانها وقوافيها وألفاظها.

أما علم المنطق فهو الصناعة التي من شأنها أن تقوِّم العقل وتسدِّد الإنسان نحو الصواب في كل ما يمكن أن يغلط فيه من المعقولات.

وأما العلوم النظرية، فهي علوم تحصل بها معرفة الموجودات التي ليس للإنسان أن يفعلها، وهي ثلاثة أقسام:
  • علم الرياضة: وهو الذي سمَّاه علم التعاليم،٢٥٣ ويبحث في علم العدد والهندسة، والمناظر — وهو ما يُطلَق عليه باللغة الأوروبية اسم perspective — والنجوم، والموسيقى، والأثقال، والحيل — وهو ما يُطلَق عليه باللغات الأوروبية اسم mecanique.
  • علم الطبيعة: وهو الذي يبحث في معرفة الأجسام الطبيعية وأعراضها وأحوالها.
  • علم ما وراء الطبيعة: وهو الذي يبحث في العلم الإلهي، وهو أشرف العلوم وما سواه خدم له؛ ولذلك كان بعض الفلاسفة يسمُّونه العلم الأعلى، ويسمُّون العلم الرياضي بالعلم الأوسط، والعلم الطبيعي بالعلم الأدنى.
وأما العلوم العملية، فهي التي تُعلِّم الحكمة العملية في الحياة من أخلاق وسياسة. وتنقسم إلى قسمين:
  • العلم المدني: وهو الذي يبحث عن أصناف الأفعال والسُّنن الإرادية والمَلَكات والأخلاق والشيم التي تصدر عن الأفعال الجميلة والقدرة على أسبابها، وبه تصير الأشياء الجميلة قنية للإنسان.
  • العلم السياسي: وهو الذي يبحث عن الأمور التي تُحصل الأشياء الجميلة لأهل المدن والقدرة على تحصيلها وحفظها لهم.
وقد أتبع الفارابي هذين القسمين قسمًا ثالثًا هو علم «الفقه الإسلامي» و«الكلام الإسلامي»؛ لأن صناعة علم الفقه هي التي يقتدر بها الإنسان على أن يستنبط تقدير شيء مما لم يصرِّح واضع الشريعة بتحديده على الأشياء التي صرح فيها بالتحديد والتقدير، وأن يتحرَّى تصحيح ذلك حسب غرض واضع الشريعة بالعلة التي شرعها في الأمة التي لها شرع، وكل ملة فيها آراء وأفعال؛ فالآراء مثل الآراء التي تشرع في الله وفيما يوصف به، وفي العالم أو غير ذلك، والأفعال مثل الأفعال التي يعظم بها الله، والأفعال التي بها تكون المعاملات في المدن؛ فلذلك يكون علم الفقه جزأين: جزء في الآراء، وجزء في الأفعال.٢٥٤

وكلام الفارابي هذا غير مسلَّم به على إطلاقه؛ لأنه يُفهم منه أن «علم الفقه» يشتمل على نوعين من البحث؛ أولهما: «علم الفقه» نفسه، والثاني: «علم العقائد». وقد يمكن قبول هذا التعميم خصوصًا، وقد ذهب إليه غير الفارابي كالحاج خليفة في كشف الظنون. وأما الذي لا يمكن قبوله فهو جعْله «علم العقائد» من العلوم التي يدخلها القياس؛ فهذا قول غريب لم يقُل به أحد غيره، ولا يقبله المنطق الديني السليم؛ لأن العقائد لا تثبت بالقياس والاستدلال، بل لا بدَّ فيها من ورود نصوص شرعية تثبتها وتدل عليها.

هذه هي أصناف العلوم على ما ارْتَآه الفارابي، وهذا هو تقسيم العلوم الإنسانية في نظره كما قرَّره في رسالته «إحصاء العلوم» وكتابه «التنبيه على سبيل السعادة»، والظاهر أن هذا التقسيم قد اتبعه مِن بعده أكثر الفلاسفة والمربين الذين كتبوا في تصنيف العلوم، وقد اتَّبعوا هذا التقسيم لسهولته وانتظامه، ولعلَّ أفضل مَن بحث في هذا الأمر من العلماء المتأخرين ودقَّق فيه وأجاد في تفريعه وتقسيمه؛ العلَّامة المولى أحمد بن مصطفى طاش كبري زاده (؟–٩٦٢)، فقد أفاض فيه وقسَّم العلوم تقسيمًا آخر حيث يقول:
اعلم أن للأشياء وجودًا في أربع مراتب؛ في الكتابة، والعبارة، والأذهان، والأعيان. وكل سابق منها وسيلة إلى اللاحق؛ لأن «الخط» دال على «الألفاظ» وهذه على ما في «الأذهان» وهذا على ما في «الأعيان». ولا يخفى أن الوجود العيني هو الوجود الحقيقي الأصيل، وفي الوجود الذهني خلاف في أنه حقيقي أو مجازي، أما الأولان فمجازيان قطعًا. ثم العلم المتعلق بالثلاث «آلي» البتة، وأما التعلق بالأعيان فإما «عملي» لا يُقصد به حصول نفسه بل غيرها، وإما «نظري» يُقصد به حصول نفسه فقط؛ ثم كلٌّ منهما إما أن يبحث فيه من حيث إنه مأخوذ من الشرع فهو «العلم الشرعي»، أو من حيث إنه مقتضى العقل فهو «العلم الحكمي»؛ فهذه الأصول السبعة، ولكلٍّ منها أنواع ولأنواعها فروع، يبلغ العلم على ما اجتهدنا في الفحص والتنقير عنه بحسب موضوعاته وأساميه وتتبع ما وقع فيه من المصنفات إلى مائة وخمسين نوعًا، ولعلي سأزيد عليه،٢٥٥ ولا نريد ها هنا أن نعدد أنواع العلوم التي أوصلها إلى ثلاثمائة وستة عشر علمًا، وإنما نريد أن نبيِّن الأصول السبعة التي أشار إليها، وقد قسمها إلى دوحات سبع:
  • فالدوحة الأولى: في العلوم الخطية.
  • والدوحة الثانية: في العلوم اللفظية؛ المفردات والمركبات.
  • والدوحة الثالثة: في علوم باحثة عما في الأذهان من المنطق والجدل والخلاف.
  • والدوحة الرابعة: في علوم باحثة عما في الأعيان من العلم الإلهي، والطبيعي، والرياضي.
  • والدوحة الخامسة: في علوم باحثة عن الحكمة العملية من علم الأخلاق وتدبير المنزل والمدينة.
  • والدوحة السادسة: في علوم باحثة عن الشريعة من قرآن وحديث وتفسير وأصول وفقه.٢٥٦

وقد استوفى إحصاء العلوم وتعدادها وترتيبها أحسن استيفاء، وذكر في كل علم مشهور كُتبه وأئمة مؤلفيه مع الدقة الفائقة، والترتيب المنطقي الجميل، والإحصاء الصحيح، وبخاصةٍ علوم العرب والإسلام.

ولا ريب في أن هذه العلوم قد دُرست في عصور الإسلام الخمسة الأولى دراسات مختلفة بحسب طبيعة الزمان والمكان والظروف؛ ففي القرن الأول كانت عناية الناس بعلوم الدوحتين السادسة والسابعة؛ أعني علوم الدين من قرآن وحديث وتفسير وفقه، كما كان لهم بعض اهتمام بعلوم الدوحتين الأولى والثانية؛ أعني علوم الخط والكتابة والإملاء والمفردات، مع قليل من علوم الدوحة الرابعة كبعض فروع العلم الطبيعي والعلم الرياضي.

وفي القرن الثاني عُني الناس بعلوم الدوحة الأولى والثانية والرابعة والخامسة والسادسة، وكان اهتمام خلفاء بني أمية في آخر عهدهم وخلفاء بني العباس في أول عهدهم حتى عصر الخليفة الهادي؛ اهتمامًا ضيقًا بعلوم هذه الدوحات التي أشرنا إليها. كما أن التأليف في علوم هذه الدوحات لم يكن شيئًا مذكورًا حاشا الدوحتين الثانية والسادسة.

وفي القرن الثالث والرابع عُني الناس بعلوم جميع الدوحات، ونشطت همم الناس إلى علوم الدوحات الثالثة والرابعة والخامسة، وهي علوم المنطق والجدل والإلهيات والطبيعيات والرياضيات، وعلوم الحكمة العملية، كما أن علوم الدوحتين الثانية والسادسة؛ أعني علوم المفردات والمركبات وعلوم الشريعة، قد اهتم المؤلفون بها اهتمامًا ملموسًا، وأُلفت فيها كُتب المراجع والأمهات والبحوث القيِّمة.

وفي القرن الخامس وما بعده ارتقت علوم الدوحات كلها وكثرت فيها التآليف والبحوث ما خلا بعض علوم الدوحة الرابعة؛ أعني علم الإلهيات والطبيعيات، فإنها قد اعتورها بعض الانحطاط لانصراف الناس عنها إلى علوم اللغة والدين، ولمحاربة بعض الأمراء ورجال الدين إياها في المشرق وبلاد الأندلس والمغرب بصورة خاصة؛ فالمدرسة النظامية ببغداد والمدارس النظامية الأخرى في العواصم الإسلامية كانت لا تهتم بغير علوم العربية والدين، وأما العلوم الفلسفية والطبيعية والإلهية فإنها كانت تكون في الدرجة الرابعة والخامسة، وربما كانوا لا يهتمون بها أصلًا. وكذلك كان الحال في المعاهد الأخرى التي شُيدت بعد النظاميات وعلى غرارها في عواصم العالم الإسلامي، ولم يبقَ لعلوم الفلسفة والحكمة ما كان لها من شأن في عهد دار الحكمة ببغداد ودار العلم بالقاهرة، اللهم إلا دراسات الطب وما إليه، كالذي رأيناه في البيمارستانات معاهد الطب.

(٥) كتب التربية والتعليم عند العرب والمسلمين

ألَّف العرب والمسلمون في التربية والتعليم كُتبًا جليلة ومتنوعة منذ عهد مبكر. واهتموا بدراسة الأطفال وأحوالهم، وطرائق تعليمهم وأنجعها في ذلك. ولم يكن شأن المغاربة أقل من شأن المشارقة في هذا الموضوع الهامِّ. وسنبيِّن في هذا الباب ملاحظاتنا ودراساتنا، كما سنعرض للقارئ لائحة مفصلة عن بعض هذه الكُتب وأصحابها، نرجو أن تكون موفية بالغرض.

(٥-١) كتاب آداب المعلمين لابن سحنون

إن أقدم كتب التربية العربية — فيما نعلم — هو كتاب «آداب المعلمين» مما دوَّنه الإمام المربي الفقيه محمد بن سحنون المغربي (؟–٢٢٦) عن أبيه الإمام الفقيه سحنون.

وهو كتاب لطيف الحجم ألَّفه محمد في سياسة الأطفال وتعليم الصبيان وتأديبهم، وبحْث شيء من قواعد التربية وآدابها عند المسلمين. وقد طبعه الأستاذ العلَّامة حسن حسني عبد الوهاب الوزير التونسي المعروف في تونس سنة ١٣٥٠ﻫ ضمن مطبوعات اللجنة التونسية لنشر المخطوطات العربية، وقدَّم له بمقدمة مطوَّلة مفيدة، كشفت عن قيمة الكتاب وفضله. ومن يتصفح الكتاب يجد فيه معلومات مفيدة جدًّا عن القواعد الأولية التي كان العرب والمسلمون بصورة عامة يتبعونها في تعليم أولادهم منذ فجر الإسلام حتى أواسط القرن الثالث للهجرة، وها أنا ذا مثبت فيما يلي عنوانات فصول الكتاب ليتبيَّن القارئ الموضوعات التي تعرَّض إليها، والمعلومات التي كان المربون المسلمون يحرصون عليها:
  • (١)

    ما جاء في تعليم القرآن العزيز.

  • (٢)

    ما جاء في العدل بين الصبيان.

  • (٣)

    باب ما يكره محوه من ذكر الله.

  • (٤)

    ما جاء في الأدب وما يجوز في ذلك وما لا يجوز.

  • (٥)

    ما جاء في الختم وما يجب في ذلك للمعلم.

  • (٦)

    ما جاء في القضاء بعطية العيد.

  • (٧)

    ما يجب للمعلم من لزوم الصبيان.

  • (٨)

    ما جاء في إجارة المعلم ومتى تجب.

  • (٩)

    ما جاء في إجارة المصحف وكُتب الفقه.

فالكتاب — كما ترى — يبحث في فصولٍ تتعلق بآداب التربية العربية، وشيء من طرق تعليم الأطفال عند المسلمين والمواد التي يجب عليهم أن يدرسوها، كما يبحث في شيء من آداب المعلمين والمربين، وفي بعض المسائل العامة التي تتعلق بهذا الموضوع. وهو — على الرغم من أنه سلك فيه مسلك المحدِّثين — كتابٌ ممتع غني بالفوائد، جمع كثيرًا من النصوص القيِّمة التي بيَّنت لنا كثيرًا من الأوضاع التي نجهلها عن تربية الطفل وتأديبه وتعليمه وتهذيبه في فجر الإسلام وعصر بني أمية وأوائل العصر العباسي.

والكتاب قد أزاح لنا الستار عن معلومات كنا نعتقد أنها لا بد كانت موجودة لدى المسلمين ولكنا نجهل تفصيلها، فإذا بابن سحنون يرويها لنا عن أبيه عن شيخه الإمام مالك إمام المدينة، وعن غيره من الأئمة الأعلام والشيوخ الأكابر الذين عاصروا الصحابة فعرفوا عن كثَب طريقة التربية العربية الإسلامية.

ولا عجب في أن يؤلف ابن سحنون المغربي كتابه المفيد هذا في القرن الثالث؛ فإن الكتاتيب — كما رأيت سابقًا — كانت معروفة في المغرب — كما كانت معروفة في المشرق — وأن المسلمين في المغرب قد أَنشَئوا الكتاتيب منذ أواسط القرن الأول للهجرة، فإن الفاتحين حينما خططوا القيروان أَنشَئوا الدور والمساجد، ثم الْتفتوا إلى صبيانهم يعلمونهم الكتاب الكريم وحديث الرسول العظيم والآداب الإسلامية؛ فقد حكى العالم المغربي غياث بن شبيب في سنة ٧٨ قال: كان سفيان بن وهب صاحب رسول الله يمر علينا ونحن غلمة بالكُتَّاب فيسلم علينا وعليه عمامة أرخاها من خلفه.٢٥٧
ويقول ابن عساكر: إن إسماعيل بن أبي المهاجر المخزومي الذي كان يؤدِّب أولاد الخليفة عبد الملك بن مروان قد استعمله على إفريقية في سنة مائة للهجرة.٢٥٨ ولا شك في أن هذا الأمير المعلم لما تولَّى إفريقية عُني بالتعليم فيها، كما عُني بنشر الكتاتيب ودور العلم بين سكان تلك البلاد، خصوصًا إذا علمنا أن عامة أمم البربر قد أسلمت على يديه في أيام عمر بن عبد العزيز، وهو الذي علَّم أهل إفريقية مباحث الحلال والحرام، وبعث معه عمر بن عبد العزيز عشرة من فقهاء التابعين وأهل العلم والفضل ليُفقِّهوا أهل إفريقية، ومنهم عبد الرحمن بن نافع وسعيد بن مسعود التجيبي، وغيرهما من فحول علماء التابعين.٢٥٩ وقد علق الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب على هذا الخبر بقوله: ولو أردنا استقصاء مثل هذه الأخبار الواردة في خصوص عناية أسلافنا بالتعليم في الأجيال العربية الأولى لطال بنا الحديث … ولم يزل شأن الكتاتيب في نمو وعددها في ازدياد وتكاثر في العاصمة وفي المدن الإفريقية الكبيرة، حتى لم يخلُ منها درب من الدروب أو حي من الأحياء … ولا عجب إذا اعتبرت الكتاتيب في القديم كملحقات للمساجد وتوابع لها، بل إنها وُجدت أيضًا في دور الأعيان والأغنياء، وبالأحرى في قصور الوزراء والأمراء …»٢٦٠
أما مذهب المغاربة في تعليم أبنائهم وطريقة ذلك وأول ما يجب تعليمه، فلم ينص عليه ابن سحنون، اللهم إلا إذا اعتبرنا أن ما اشترطه ابن سحنون على المعلم هو الذي كان يُدرس في زمانه، وإنما أشار إلى ما ذكره من الفنون لتقرير الواقع يومئذٍ، فقد اشترط على المؤدب أن يعلم الطالب فنونًا وعلومًا جعلها على قسمين:
  • أحدهما إجباري: وهو القرآن مع إعرابه ورسمه وشكله وإتقان هجائه وقراءته قراءة حسنة، والأنسب أن تكون قراءة نافع لأنَّ مالكًا إمام المغاربة أخذ عن نافع، وليحذر المعلم من التغني بالقرآن والتلحين والترجيع.
  • والثاني اختياري: وهو الذي لا يجبر المعلم على تعليمه ما لم يشترط الولي على المؤدب ذلك، وهو علم الحساب ثم الشعر فإنه ديوان العرب ومعجم لغتهم، ثم أخبار العرب وأنسابهم، ثم النحو والغريب، ثم الخط الحسن، ثم تدريبهم على الخطابة.

(٥-٢) كتب الفيلسوف الفارابي

هو أبو نصر محمد بن محمد بن أوزلغ (٢٥٩–٣٣٩)، وقد بيَّنَّا في الباب الثالث آراءه في التربية ومباحثه في التعليم وفيما يجب على الطالب البداءة به من العلوم. ولا ريب في أنه قد ألَّف في تأديب الأطفال وتهذيب الشبان، ولكن آثاره هذه قد فُقدت ولم يُبقِ لنا الدهر منها إلا قليلًا، مثل كتاب «آراء أهل المدينة الفاضلة» و«كتاب في السياسة» وهو رسالة لطيفة نشرتها مجلة المشرق البيروتية،٢٦١ وقد ضمَّن هذه الرسالة القيِّمة كثيرًا من آرائه في تأديب المتعلمين وطرق تثقيفهم، كما فعل ذلك في «آراء أهل المدينة الفاضلة».

وهو يرى فيهما وجوب مراعاة استعداد المتعلمين، والتعرف إلى طبائعهم وطباعهم، وإلا كان التعليم هدرًا، كما يرى أيضًا أن نقد سلوك الناس والاتعاظ بهم هو خير الأوجه لسياسة النفوس. ويقرر في المدينة الفاضلة أن أول ما يحدث في الإنسان القوة التي يتغذى بها، وهي «القوة الغاذية» ثم من بعد ذلك «القوى التي بها يُحس» الملموس … والمطعوم، والمشموم، والمسموع، والمبصَرات، وأن القوة الحاسة لها رئيسة ولها رواضع، فرواضعها هي الحواس الخمس، والرئيسة هي التي تجمع فيها جميع الحواس الخمس بأسرها، وكأن هذه الحواس الخمس هي منذرات تلك، وكان هؤلاء أصحاب أخبار، كل واحد منهم موكل بجنس من الأخبار، وبأخبار ناحية خاصة من نواحي المملكة والرئيسة كأنها الملك الذي تجتمع عنده الأخبار، ثم يحدث فيه من بعد ذلك قوة أخرى يحفظ بها في نفسه المحسوسات بعد غَيبتها عن مشاهدة الحواس، وهي «القوة المتخيلة»، ثم من بعد ذلك تحدث فيه «القوة الناطقة» التي بها يمكن أن يعقل المعقولات، وبها يميز الجميل من القبيح، وبها يحوز الصناعات والعلوم، وهذه القوى الثلاث — الحاسة والمتخيلة والناطقة — يقترن بها نزاع النفس إلى ما يُحس أو يتخيل أو يعقل فتشتاقه أو تكرهه، وهناك قوة أخرى هي «القوة النزوعية»، وهي التي بها تكون الإرادة، وللقوة النزوعية خدم بالبدن، هي قوًى متفرقةٌ في الأعصاب والعضلات السارية في اليدين والرجلين، وسائر الأعضاء التي يمكن أن تتحرك بالإرادة فتحدث الأفعال التي نزوع الحيوان والإنسان إليها، وإن في الإنسان والحيوان من الأعصاب صنفين؛ أحدهما آلات أعصاب الحس، والثاني آلات أعصاب الحركة، وهذه الأعصاب فيها طائفة مفارزها في الدماغ، وطائفة مفارزها في النخاع النافذ، وهذا متصل من أعلاه بالدماغ.

وبمثل هذه المعلومات الدقيقة، والتحليلات النفسية المرهفة، وأبحاث علم النفس الصادقة، المأخوذة عن التجارب والدراسات الشخصية، يحاول هذا الفيلسوف الكبير أن يوجِّه المعلمين والمربين من أهل الملة المحمدية إلى تهذيب ناشئة الملة، وتأديب أبنائها من شباب وبنات تهذيبًا رفيعًا معتمدًا على أصول علم النفس ودراسة الإنسان.

(٥-٣) كتاب القابسي

القابسي هو الإمام المصلح أبو الحسن علي بن خلف القابسي (؟–٤٠٣) الفقيه المؤلف الموثوق وصاحب كتاب «الرسالة المفصلة لأحوال المعلمين، وأحكام المعلمين والمتعلمين»، وقد نشره الدكتور أحمد فؤاد الأهواني بمصر في ذيل رسالته التي نال بها درجة الدكتوراه، وموضوعها «التعليم في رأي القابسي»، وكتاب القابسي هو من أمتع الكتب التربوية وأفضلها، ولعله من أوسع ما أثَّر في الخزانة العربية من كتب التربية والتعليم.

وقد صدَّر القابسي كتابه بفصلٍ ذكر فيه تفسير «الإيمان» و«الإسلام» و«الإحسان» و«الاستقامة»، وكيفية الصلاح، ثم ذكر فصولًا عناوينها كما يلي:
  • (١)

    ما جاء في فضائل القرآن، وما لمن تعلمه وعلمه، وآداب حامله … ومن يعلِّم الإناث.

  • (٢)

    ما يأخذه المعلمون على المتعلمين، وما يصلح أن يعلَّم للصبيان مع القرآن وما لا يصلح، وهل يعلِّم المسلم النصراني، والنصراني المسلم.

  • (٣)

    سياسة معلم الصبيان وقيامه عليهم وعدله فيهم … وكيف يرتب لهم أوقاتهم لدرسهم وكتابتهم، وأوقات بطالتهم، وحد أدبه إياهم، والمكان الذي يعلمهم فيه … وهل يشترك معلمان أو أكثر.

  • (٤)

    الأحكام بين المعلمين والصبيان.

  • (٥)

    خاتمة في معنى الحديث القائل: نزل القرآن على سبعة أحرف.

وقد أطال القابسي في تبيين فصول الكتاب وبيان دقائق المشاكل التربوية التي عرض لها، وهو وإن استعان بكثير من أقوال ابن سحنون، فإنه قد وسَّع الموضوع ونقل كثيرًا من المعلومات عن شيوخه وأساتذة عصره والعصور التي سبقته مما لا نجده في كتاب ابن سحنون. يقول الدكتور الأهواني: إن ما نقله القابسي عن كتاب ابن سحنون يكاد يكون بلفظه في بعض المواضع، وباختلافٍ يسيرٍ في مواضع أخرى كحذف السند عن رأي فقيه، أو تغيير في العبارة دون إخلال بالمعنى. على أن القابسي لم يكتفِ بما أخذه عن كتاب «آداب المعلمين»، بل نقل عن الفقهاء الذين أخذ عنهم سحنون وابنه، كابن القاسم وابن وهب وغيرهما. فإذا كان لابن سحنون فضل الصدارة في تحرير كتاب خاص في تعليم الصبيان، فللقابسي مزية التوسع في هذا الموضوع والإفاضة في أبوابه المختلفة، والترتيب الذي يدل على استقرار فكرة التعليم في الذهن، والعمل على بيان السبل المختلفة المؤدية إلى تحقيق الغاية المنشودة؛ فالقابسي يسجل في كتابه أحوال تعليم الصبيان في القرن الرابع، وابن سحنون يدوِّن هذه الأحوال في القرن الثالث.٢٦٢

ومهما يكن من أمر فإن كتاب القابسي قد بحث لنا كثيرًا من أمور التعليم العربي في عصور الإسلام الأولى، وكشف لنا عن الجهد القوي الذي كان المسلمون يبذلونه لتحقيق فكرة محو الأمية من صفوف الأمة المسلمة، والدعوة إلى نشر الدين والكتاب الكريم عن طريق نشر الكتابة وتعميم التعليم.

ولقد كان للمربين المسلمين — على اختلاف أمصارهم وأعصارهم وأجناسهم — أثر كبير واضح في تعميم التعليم، وتقوية أركان الثقافة في الدولة الإسلامية. وكتاب القابسي صورة مصغرة تبيِّن لنا أهمية ذلك الأثر وعمق مداه.

(٥-٤) كتب الفيلسوف المؤرخ مسكويه

كان الفيلسوف المؤرخ أحمد بن محمد بن يعقوب المعروف بمسكويه (٣٢٥–٤٢١) من أفاضل رجال عصره بارعًا بعلوم الأدب والفلسفة والتاريخ والتربية، واتصل ببني بويه اتصالًا قويًّا حتى إن عضد الدولة جعله خازن كتبه، ونديمًا له، ورسولًا عنه، وكاتمًا لأسراره، كما اتصل بأولاد عضد الدولة بعده فأكرموه وعظَّموه. وكانت بينه وبين ابن سينا وأبي حيان التوحيدي وبديع الزمان الهمذاني مساجلات ومناقشات. وقد خلَّف في الخزانة العربية كتبًا جليلة في التربية والفلسفة فضلًا عن كتبه في التاريخ والطب والأدب والعربية والفارسية،٢٦٣ ومن تلك الكتب التربوية التي خلَّفها لنا هذه الكتب الثلاثة:
  • (أ)
    رسالة وصيته لطالب الحكمة:٢٦٤ وهي وصية جِد ثمينة نصح فيها طالب الحكمة والمعرفة، وهي من أنفس ما في الخزانة العربية من رسائل التربية والتوجيه والتعليم؛ فقد بدأها بإسداء النصائح التربوية والنفسية الواجب على طالب الحكمة أن يسلكها، وإليك بيان ذلك:

    أوصى مسكويه طالب الحكمة بأن يطهِّر قلبه ويقضيَ على المشاعر الوضيعة في النفس حتى تصفوَ وتذهب عنها الشهوات كالحقد والحسد، ثم يقول: «وقد رأينا من أراد الغرس في أرض يبدأ فيقتلع ما فيها من غرائب النبت، ثم يأتي بكرائم الغرس فينصبه فيها، وكذلك من طلب الحكمة ورغب في اقتنائها فهو حقيق أن يبدأ بما في قلبه من أضدادها فيمحقها ويطهره منها.» ثم يدعوه أن يجمع سائر قواه العقلية ويركزها في تفهُّم أمر أنواع الموجودات المختلفة في هدوء وسكينة؛ فإن الحكمة وما تتطلبه من نظر وتدبُّر هي أم الفضائل التي ترفع من قدر الناس، وهي ضرورية لسائر الناس خيرهم وشرهم؛ «لأن من فقد الحكمة من أهل الخصال الحسنة ضاعت خصاله، ومن فقدها من غيرهم هلك كل الهلاك.» فالحكمة وسيلة لإصلاح النفس، ومن عجز عن إصلاح نفسه بجميع الوصايا الحكمية فليأمر غيره بها. وفي آخر هذه الوصية يسمي إطالة نظر العقل فيما حصله «ذهنًا»، ويقول: إن الذهن لا ينام ولا يسكن ولا يحتاج إلى تذكير، وهذه الدرجة العقلية هي الدرجة العليا، وبها يشبه الإنسان الملائكة والأرواح الطاهرة.

  • (ب)
    رسالة وصية أخرى له: ذكر هذه الوصية ياقوت، وهي مهمة جدًّا؛ لأنها تلخِّص آراء مسكويه في الأخلاق والتربية وما يجب على المربي أن يدعوَ الوليد إليه ويتعلمه ويتخلق به من الفضائل الخلقية والكمالات النفسية؛ فهو يدعو الطالب إلى أن يتحلى بالفضائل الأربع الكبرى، وهي: الحكمة والعفة والشجاعة والعدالة، ثم ينصحه أن يتحلَّى بفضائل، هي: إيثار الحق على الباطل في الاعتقاد، والصدق على الكذب في القول، والخير على الشر في الفعل، وكثرة الجهاد؛ ثم يوصيه ببعض الأخلاق العملية في الحياة كحفظ الوعد، وقلة الثقة بالناس، ومحبة الجمال، والصمت في أوقات حركات النفس للكلام حتى يستشار فيه العقل، وترك الخوف من الموت والفقر، وترك الاكتراث لأقوال أهل الحسد، وحُسن احتمال الغِنى والفقر، والكرامة والهوان، وذكر المرض وقت الصحة، والهمِّ عند السرور، والمرض عند الغضب.
    وقد اهتم مسكويه بأمور الشريعة اهتمامًا لم ينصرف إليه ذهن مَن سبقه مِن المربين والفلاسفة في الإسلام؛ فلقد كانت «الأخلاق» مادة ثانوية في أبحاثهم الفلسفية، واهتموا خاصةً بالطبيعيات كالكِنْدي، وبالمنطق والإلهيات كالفارابي، وبالترجمة والنقل كيحيى بن عدي، والأخلاق تطغى على حدود ما خصص لها مسكويه من مؤلفات فتلقي ظلها على معظم كتبه، فترى ذلك واضحًا في كتابه «تجارب الأمم»، فإن عرض هذا التاريخ عرض أخلاقي، وهو الاعتبار بحوادث التاريخ وأخْذ العظات منها، وكذلك الحال في كتابه «أنس الفريد» المفقود، فإن غرضه فيه تقويم أخلاق الفرد عن طريق القصص والحكايات.٢٦٥
  • (جـ)
    كتاب تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق: هو كتاب مشهور ومطبوع عدة مرات، ويحتوي على عدة مقالات في الأخلاق والتربية، وقد أفاد صاحبه من معلومات الفلاسفة الإغريق ودراساتهم في التربية والأخلاق إفادات عظيمة، واختار منها ما يلائم نفس الطفل المسلم، ومزج ذلك بالتراث العربي القديم. يقول: «فمن اتفق له في الصِّبا أن يُربَّى على أدب الشريعة ويؤخَذ بوظائفها وشرائطها حتى يتعوَّدها، ثم ينظر بعد ذلك في كتب الأخلاق حتى يتأكد تلك الآداب والمحاسن في نفسه، ثم ينظر الحساب والهندسة حتى يتعوَّد صدق القول وصحة البراهين، ثم يتدرج في منازل العلوم؛ فهو السعيد الكامل … ثم يذكر فصلًا عن كيفية تأديب الأطفال وتهذيبهم، وقد نقل كثيرًا مما فيه من كتاب بروسن الذي نقله عن فلوطرخس، مع بعض التحوير الذي يلائم البيئة العربية الإسلامية، ولكن مع هذا كله ظل الطابع الإغريقي واضحًا على أقواله. وصفوة القول أن مسكويه في نصائحه الأخلاقية ومباحثه التربوية والنفسية متأثر إلى حدٍّ بعيدٍ جدًّا بالتراث اليوناني، أما الآثار الشرقية من عربية وإسلامية وغيرها فقليلة، وللدكتور عبد العزيز عزت بحث مطوَّل ختم فيه كتابه عن مسكويه، وذكر فيه مصادر مسكويه الفلسفية بدقة، فليُرجَع إليه.

(٥-٥) رسائل إخوان الصفاء

أشرنا في الباب الثالث إلى شيء من آراء إخوان الصفاء في تصنيف العلوم. ونحب هنا أن نبيِّن أن هؤلاء الإخوان كانوا جماعة من الفلاسفة الباطنيين الذين مزجوا الدين بالفلسفة القديمة، وأرادوا تأييد الحركات الباطنية في الإسلام، كما أرادوا تشجيع الحركة الإسماعيلية عن طريق الفلسفة. وقد دوَّنوا في رسائلهم الاثنتين والخمسين ما كان معروفًا في عصرهم من العلوم والفنون، وصنفوا ذلك إلى أقسام أربعة:
  • الأول: في الرياضة والصناعات والمنطق.
  • الثاني: في علوم الطبيعة وما إليها.
  • الثالث: في بحوث النفس والحياة والموت واللذة والألم، وفي اللغات والنشوء والارتقاء، وفي السمعيات كالبعث والقيامة.
  • الرابع: في الإلهيات وما يتصل بها من مباحث الديانات والشرائع والتصوف.
والذي يهمنا هنا هو رأيهم في الشريعة والتعليم؛ فهم يرَوْن أنه يجب أن تكون الغاية من التعليم دينية لا غير، ولكنهم يعترفون بأن للتعلُّم فوائد اجتماعية ومادية، وأن العلم «يُكسب صاحبه الشرفَ وإن كان دنيئًا، والعزَّ وإن كان مَهينًا، والغِنى وإن كان فقيرًا، والقوةَ وإن كان ضعيفًا، والنُّبل وإن كان حقيرًا.»٢٦٦ ويرَوْن وجوب السير في التعليم من المحسوسات إلى النظريات؛ لأن النظر في مبادئ الأمور المحسوسة يروَّض بها عقله، ويقوَّى على النظر في مبادئ الأمور المعقولة، ويرَوْن أيضًا أن تشمل مناهج التربية العالية: مباحث علم النفوس، والعقل والمعقول، والحاس والمحسوس، والعلة والمعلول، والنظر في أسرار الكتب الإلهية والتنزيلات النبوية، والرياضيات وما إليها … على أن العناية يجب أن تكون في العلوم الإلهية.

وهم يرَوْن أيضًا أن قَبول الصبيان تعلُّم الصنائع يختلف بحسب اختلاف طبائعهم المختلفة، واختلاف طبائعهم بحسب مواليدهم، ويرَوْن أن صناعات الآباء أنجع في الأولاد من صناعات الأغراب.

وهم يرون أيضَا أن اختلاف أخلاق الناس وطبائعهم سببه أربعة أشياء: (١) أخلاط أجسادهم ومزاج أخلاطها. (٢) تربة بلدانهم واختلاف أهويتها. (٣) نشوؤهم على ديانات آبائهم ومعلميهم. (٤) موجبات أحكام النجوم في أصول مواليدهم. والأسباب الثلاثة معقولة أقرها العلم، أما السبب الرابع فخرافة لا أصل له.

وهم يرَوْن أيضًا وجوب التواضع والخضوع التام لمن يتعلم المرء منه، والتعظيم له ومعرفة حقه، ووجوب الشفقة والرفق الكامل بمن يعلمه، وقلة الضجر من إبطاء فهمه، وقلة الطمع في أخذ ماله، وقلة المنة عليه.

ويرون أيضًا أن الطالب محتاج إلى سبع خصال: (١) السؤال والصمت. (٢) الاستماع. (٣) التفكر. (٤) العمل. (٥) طلب الصدق من نفسه. (٦) كثرة الذكر أنه إنه من نعم الله. (٧) ترك الإعجاب بما يحسن.

هذه هي القواعد والأصول التي يرى الفلاسفة الإخوان وجوب أخذ طالب العلم نفسه بها، كما يرَوْن أن من اتَّصف بها بلغ الكمال في العلم الدنيوي، وبلغ الهناء والاستقرار في العرفان الديني.

(٥-٦) كتب الفيلسوف الشيخ الرئيس

أورد الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا (٣٧٠–٤٣٨) في أكثر كتبه الباقية بالعربية والفارسية بعضَ آرائه المتعلقة بتأديب الأطفال وتربية الصبيان، ولكن رسالته المُسمَّاة «كتاب السياسة»٢٦٧ قد جمعت معلومات جِد مفيدة؛ فقد ابتدأها بوجوب اختيار المرضعة للوليد، ثم إذا فُطم الوليد عن الرضاع بُدئ بتأديبه ورياضة أخلاقه قبل أن يهجم على الأخلاق اللئيمة، فإن الصبي تبادر إليه مساوئ الأخلاق فما تمكَّن منه من ذلك غلب عليه، فلم يستطع له مفارقة … فإذا اشتدت مفاصل الصبي واستوى لسانه وتهيأ للتلقين ووعى سمعه أخذ في تعلُّم القرآن وصُوِّر له حروف الهجاء، ولُقِّن معالم الدين … ثم يروي الصبي الرجز ثم القصيد.

ويرى ابن سينا أن يتعلم الطفل في الكُتَّاب لا في البيت «لأن انفراد الصبي الواحد بالمؤدب أجلب لضجرهما … ولأن الصبي عن الصبي ألقن وهو عنه آخذ وبه آنس … وأدْعى إلى التعلُّم والتخرج؛ فإنه يباهي الصبيان مرة، ويغبطهم مرة، ويأنف عن القصور عن شأْوهم مرة، ثم إنهم يترافقون ويتعاوضون الزيارة، ويتكارمون ويتعاوضون الحقوق، وكل ذلك من أسباب المباراة والمباهاة والمساجلة والمحاكاة، وفي ذلك تهذيب لأخلاقهم وتحريك لهممهم.»

ويشترط ابن سينا في معلِّم الأطفال أن يكون «عاقلًا ذا دين بصيرًا برياضة الأخلاق حاذقًا بتخريج الصبيان، وقورًا، رزينًا، بعيدًا عن الخفة والسخف، قليل التبذل والاسترسال بحضرة الصبي.»

ومن الأمور الطريفة في رسالة ابن سينا أنه يوصي المربيَ بوجوب مسايرته للصبي ليتعرف مواهبه، فإذا عرفها أحسن توجيهها، وهذه من أحسن نظريات التربية وأحدثها اليوم، يقول: «ليس كل صناعة يرومها الصبي ممكنة له مؤاتية، لكن ما شاكل طبعه وناسبه، وإنه لو كانت الآداب والصناعات تُجيب وتنقاد بالطلب والمرام دون المشاكلة والملاءمة، إذنْ ما كان أحد غفلًا من الأدب، وعاريًا من صناعته، وإذنْ لأجمع الناس كلهم على اختيار أشرف الصناعات … وينبغي لمدبر الصبي إذا رام اختيار الصناعة أن يزن أولًا طبع الصبيِّ ويسبر قريحته، ويختبر ذكاءه، فيختار له الصناعة بحسب ذلك …» وأغلب ظني أن ابن سينا قد استفاد كثيرًا من آرائه في هذه الرسالة من رسالة الفيلسوف المربي الروماني «كونتليان» الذي عاش حوالي سنة (٣٥–٩٥م)، فقد أورد هذا في كتابه «تربية الخطيب» آراءه في تربية الطفل وتهذيبه على النمط الذي أورده ابن سينا في «رسالة كتاب السياسة». وكتاب كونتليان يعتبر أول كتاب تربوي تصدَّى فيه صاحبه لمباحث تربوية عند الأطفال ومعالجة مشاكلها وأنظمتها، وقد ابتدأ رسالته بوجوب العناية بانتخاب المرضع من الصالحات الفصيحات حتى يقتبس الولد من كمالها وبيانها ما يشب عليه، فإذا شب وجب على مُربيه أن يُحفِّظه منتخبات من أقوال الحكماء والشعراء … ويجب أن يرسَل إلى المدرسة لأن تعليمها أفضل من تعليم البيت، وإن خبث الروح المدرسية والتهجم عليها إنما نشأ من انحلال أخلاق الأُسر في العهد الإمبراطوري الروماني؛ فالأولاد في سِنِيهم الأولى يعتادون كثيرًا من الشرور وفي المدرسة تظهر تلك الشرور، فهي لم تصبهم بها، وإنما هم نقلوها من البيت. وإن من حسنات التربية المدرسية وميزتها على التعليم المنفرد في البيت أنها تُذْكي العقل؛ فالعقول كالنيران تشعلها مخالطة الأقران، وكالمرايا وجلاؤها المعاشرة، وفي المدرسة يتهيأ ما لا يتهيأ في البيت، والمدرسة تتسع ميادينها لما يضيق عنه المنزل من استثمار كثير من الغرائز كالتقليد والمنافسة وحب الثناء، وصداقةُ المدرسة تبقى مدى الحياة عقدًا مقدسًا، ثم إن تربية المدرسة ضرورية لمن سيكون في النهاية خطيبًا …» إلخ، تلك الآراء التي نجدها أو نجد مثالها عند ابن سينا، ولا غرور في أنه قد اقتبس أصولها من لدن الفيلسوف المربي الروماني.

(٥-٧) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر الأندلسي

هو الإمام المحدِّث الأديب الراوية المجتهد أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري (؟–٤٦٣)، وقد ألَّف كتابًا في بيان العلم في مجلدين لطيفين نشرهما الأستاذ منير عبده آغا الدمشقي المصري سمَّاه «جامع بيان العلم وفضله»،٢٦٨ وهو من أمتع الكتب التربوية التعليمية وأفضلها. قال في المقدمة: «… سألتني — رحمك الله — عن معنى العلم وفضل طلبه وحمد السعي فيه والعناية به، وعن تثبيت الحجاج بالعلم، وتبيين فساد القول في دين الله بغير فهم … ورغبت أن أقدم لك قبل هذا من آداب التعلم وما يلزم العالِم والمتعلم التخلُّق به والمواظبة عليه، وكيف وجه الطلب وما حمد ومدح فيه من الاجتهاد والنصب إلى سائر أنواع التعلُّم والتعليم ونقل ذلك وتلخيصه …»٢٦٩ وقد سلك المصنف فيه مسلك المحدثين لأنه كان من أئمتهم وناهجي منهجهم في التصنيف والبحث؛ فهو يورد الفكرة والخبر في عنوان الفصل ثم يستشهد عليهما بما حفظ من الأحاديث النبوية والآثار الإسلامية، كقوله: باب ما ورد من الأحاديث في وعيد من سُئل العلم فكتمه.

باب قوله طلب العلم فريضة على كل مسلم …

وهو يقسم العلم إلى فرض عين، وفرض كفاية، ومباح:
  • ففرض العين: ما لا يسعُ الإنسانَ جهلُه من جملة الفرائض الدينية.
  • وفرض الكفاية: ما إذا قام به البعض سقط عن أهل ذلك الموضع.
  • والمباح: هو العلم الدنيوي.

ثم يذكر فصولًا مطوَّلة في الحضِّ على العلم، وآداب العلماء وآداب المتعلمين والمتناظرين والمفتين.

ثم يذكر فصولًا جِد مفيدة في أحكام القياس وبيان طريقة أهل الرأي والقياس وحُسن مذهبهم، واستحسان المحاجَّة والمناظرة القائمة على المنطق السليم، واستهجان المناظرة التي تهدف إلى المخاصمة والجدال العقيم.

ثم يُسهب في بيان ضرر التقليد وسوء أثره ويذمه، ويدعو إلى الاجتهاد والبحث وتحكيم العقل وتربية الطلاب على هذا المربى، وما إلى ذلك من الأمور والمباحث المفيدة.

(٥-٨) كتب الإمام الغزالي

للإمام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي (٤٥٠–٥٠٥) بحوث وكتب ورسائل عديدة في تربية الأطفال وتعليم النساء والرجال، وأجلُّ هذه الكتب: «الإحياء» و«فاتحة العلوم» و«ميزان العمل» و«الرسائل اللدنية». وقد تشعبت أقوال الإمام أبي حامد في التربية تشعبًا عظيمًا، ولكنها كلها تدور حول جعْل الشريعة هي الأساس والمحور المنظم لتربية الأطفال وتوجيههم، ويمكننا إجمال ما أوجبه الغزالي على المتعلم بالنقاط التالية، ولا ريب عندنا في أنه قد استفاد كثيرًا من كتب الفلاسفة اليونانيين والرومانيين والفرس، ولكنه هضم ذلك كله ومزجه وطبعه بطابعه الشرقي الإسلامي. وفيما يلي إيجار ملخص لمباحث الغزالي التربوية انتقيناها من الكتب والرسائل التي أشرنا إليها:
  • (١)

    يجب على المتعلم أن يطهِّر نفسه من الرذائل والخبائث الدينية والأخلاقية.

  • (٢)

    يجب عليه أن يقلل علائقه بالدنيا وأمورها ومشاكلها ومتطلباتها.

  • (٣)

    يجب عليه أن لا يتكبَّر على معلمه، بل يلقي إليه زمام نفسه يفعل ما يريده به.

  • (٤)

    يجب عليه في مبدأ دراسته أن لا يخوض في مباحث الاختلاف والمشاكل؛ فإن ذلك يفسده.

  • (٥)

    العلوم ثلاثة أنواع: «فرض عين» وهي قضايا الدين وما إليه، و«فرض كفاية» وهي العلوم العربية وما إليها، و«مباح» وهي الشعر والعلوم الدنيوية.

  • (٦)

    لا يدع طالب العلم بحثًا من بحوث العلم المفيدة إلا درسه؛ فإن العلوم متفاوتة، وعليه أن لا يخوض في بحث من بحوث العلم والمعرفة دفعة واحدة، بل يراعي التريُّث بادئًا بالأهم؛ فإن العمر لا يتسع لجميع العلوم، وعليه أن لا يخوض في فن حتى يدرك الفن الذي قبله؛ فإن العلوم مرتبة ترتيبًا طبيعيًا، وعليه أن يدرك أن علوم الدنيا ثمرتها في الحياة الفانية، وعلوم الدين في الحياة الباقية، فليفضِّل الباقيَ على الفاني. وعليه أن يقصد بالعلم تحلية الباطن بالفضائل وتخليته من الرذائل، ولا يقصد به عرَض الدنيا والرياسات ومماراة السفهاء، ولا ينبغي عليه مع هذا أن ينظر باحتقار إلى العلوم التي هي فرض كفاية أو مباحة.

أما ما يجب على المعلم فهو:
  • (١)

    الرحمة بالمتعلم والشفقة عليه، وأن يعامله كولده.

  • (٢)

    أن لا يطلب على التعليم أجرًا؛ فإن أجره عند الله.

  • (٣)

    أن لا يدع نُصح المتعلم، وينبِّهه على أن الغرض من العلم هو التقرب من الله دون الرياسات والمباهاة.

  • (٤)

    أن يقوِّم اعوجاج المتعلم بأسلوب حكيم ما أمكن ذلك.

  • (٥)

    أن لا ينفِّره من غير العلم الذي يعلِّمه إياه، كأن ينفِّر معلمُ الفقه عن علم اللغة.

  • (٦)

    أن يقتصر مع المتعلم على قدر فهمه؛ فلا يعلمه ما لا يبلغه عقله.

  • (٧)

    أن يتدرج مع الطالب، فإن كان قاصر الفهم بسَّط له الأمور، وإن كان ذكيًّا لم يضيع وقته بالتافه منها.

  • (٨)

    أن يكون المعلم عاملًا بعلمه، فإنَّ تكذيبَ الفعلِ القولَ من مفسدات التعليم.

  • (٩)

    أن يقرِّب الطالب من مباحث الصوفية وأهل الورع والدين ما استطاع؛ فإن هذا هو الفوز المبين.

(٥-٩) كتب الإمام السمعاني

هو الإمام المؤرخ المحدث النسَّابة عبد الكريم بن محمد بن منصور مؤلف كتاب الأنساب الكبير (؟–٥٦٢)، وقد اهتمَّ بشئون التربية ودراسة أحوال طلاب العلم بصورة عامة والحديث النبوي بصورة خاصة. وقد ألَّف كتابَين لهما علاقة بالتربية الإسلامية وآداب الطلاب وطلب العلم؛ أولهما «طراز الذهب في آداب الطلب» وقد ذكره صاحب كشف الظنون، والسبكي في طبقات الشافعية، وابن العماد في شذرات الذهب، وأشار إليه مصنفه في الكتاب الثاني وهو «أدب الإملاء»، ولكنه فُقد مع الأسف ولا أعرف له وجودًا. وثانيهما «كتاب أدب الإملاء والاستملاء» وقد نشره حديثًا المستشرق مكس وبس ويلر بليدن سنة ١٩٥٢ مع التعليق عليه وتلخيصه باللغة الألمانية، وقد قسم المصنف كتابه هذا إلى فصول ثلاثة:
  • (١)

    في آداب المملي.

  • (٢)

    في آداب المستملي.

  • (٣)

    في آداب الكاتب.

وهو كتاب خاص لطلبة علم الحديث وآداب استملائه وإملائه وكتابته. قال في مقدمته: «… سألتني يا أخي — رعاك الله وحفظك — عن أدب الإملاء والاستملاء وما يحتاج إليه المملي والمستملي من التخلُّق بالأخلاق السنية والاقتداء بالسنن النبوية، وشرطت عليَّ أن يكون مختصرًا، فإن الهمم قاصرة، وأعلام الحديث مندرسة، والرغبات فاترة، فاستخرتُ الله تعالى وشرعت في جمعه واقتصرت على إيراد ما لا بد منه … ممن يريد معرفة آداب النفس واستعمالها في الخلوة والمجالس.»٢٧٠ وبعد أن يَذكر أن علم الحديث هو أشرف العلوم بعد العلم بكتاب الله؛ إذ الأحكام مبنية عليهما ومستنبطة منهما، وأن ألفاظ رسول الله لا بد لها من النقل ولا تُعرف صحتها إلا بالإسناد إلى الثقات والعدول، وبعد أن ذكر أن أخْذ حديث رسول الله يكون على طرق متعددة منها أن يحدثك به المحدث، ومنها أن تقرأ ومنها أن يُقرأ وأنت تسمع، ومنها أن تعرض عليه وتستجيز منه بروايته، ومنها أن يكتب إليك ويأذن لك في الرواية، وإن أصح هذه الأنواع أن يُمليَ عليك وتكتبه من لفظه.
ثم يذكر آداب المملي فيقول:
  • (١)

    ينبغي للمحدث أن يُصلح هيئته قبل أن يذهب إلى مجلس الحديث، ويأخذ لرواية الحديث أهبته، ويكون على أكمل هيئة وأفضل زينة من السؤال وتنظيف الأظافر وتجميل الشعر ولبس الثياب البيض والتطيُّب.

  • (٢)

    أن يقصد في مشيه إذا ذهب إلى مجلس الحديث، ويسلِّم على من يلقاه من المسلمين، فإذا وصل إلى المجلس فليُصلِّ ركعتين.

  • (٣)

    يُستحب له أن يجلس متربعًا متخشعًا في حلقة الدرس.

  • (٤)

    ليستعمل مع أصحابه وأهل حلقته لطيف الحديث ويحسِّن خُلقه.

  • (٥)

    ينبغي عليه أن يعيِّن لأصحابه أيام تحديثه لئلا ينقطعوا عنه، ولا ينبغي له أن يتخلف عن ذلك إلا لعذر.

  • (٦)

    يُستحب للمحدث أن يُمليَ في المساجد يوم الجمعة، ويَحسن أن يكون ذلك في المسجد الجامع.

  • (٧)

    يُستحب له أن يكون جلوسه تجاه القبلة طاهرًا.

  • (٨)

    يجب أن لا يحدِّث إلا من كتابه؛ فإن الحفظ خوَّان.

  • (٩)

    يفتح حديثه بقراءة شيء من القرآن ثم يستنصت الناس — هو أو المستملي — ثم يرفع صوته بقدر ما يُسمع الحاضرين، ثم يبدأ بالبسملة والحمدلة والصلاة على النبي، ثم يقول له المستملي «من ذكرتَ؟» أو «من حدَّثك رحمك الله؟» فيقول المملي «حدثنا فلان»، وينسب شيخه ويترحم عليه، ولا يروي عن شيخ واحد بل عن جماعة، ولو روى كل أستاذ عن شيخ آخر كان أحسن، ولا يروي ما لا يتحمله عقل العوام. ومن أنفع ما يملي الأحاديث الفقهية، وأحاديث الترغيب وفضائل الأعمال والزهد، وإذا روى حديثًا فيه غريب فسره بما يعرفه وإلا سكت.

  • (١٠)

    ويُستحب للراوي أن ينبِّه على فضل ما يرويه ويبيِّن المعانيَ التي لا يعرفها إلا الحُفَّاظ من أمثاله، فإن كان الحديث عاليًا أو صحيحًا وصفه بذلك وإلا بيَّن نوعه.

  • (١١)

    ويُكره أن يطيل الدرس فيمل الطلاب، ويختم المجلس بالحكايات والنوادر ثم بالأناشيد والأشعار.

ثم يذكر أدب المستملي ويجمله فيما يلي:
  • (١)

    ينبغي على المحدِّث أن يتخذ «مستمليًا» يبلِّغ عنه الطلاب البعيدين.

  • (٢)

    يُستحب للمستملي أن يقعد على مرتفع عالٍ، فإن لم يجد استملى قائمًا، وينبغي أن يكون جهوري الصوت متيقظًا، محصلًا لا بليدًا ولا منفعلًا.

  • (٣)

    ينبغي للمحدث أن يتخير أفصح الحاضرين لسانًا، وأجودهم أداءً، وأن يكون ممن قد أنس بالحديث واشتغل به.

  • (٤)

    إذا كثر عدد الطلاب بحيث لا يكفيهم مستملٍ واحد اتخذ أكثر من واحد.

  • (٥)

    وأول ما يجب على المستملي قوله «استنصت الناس» ثم يقرأ سورة من القرآن الكريم ثم يبسمل ويحمدل، ويدعو للشيخ ويقول «رضي الله عنك وعن والديك وعن جميع المسلمين»، ويُكره أن يدعوَ له بطول البقاء؛ فإن السلف كرهوا ذلك. ثم ينسب الشيخ ويَذكر كنيته للحاضرين، ثم يقول للشيخ «من حدثك رحمك الله؟» أو «من ذكرت رحمك الله — أو رضي عنك؟» فيقول المملي «أخبرنا فلان بن فلان»، ويروي الحديث كلمة كلمة فيحاكيه المستملي ويرفع صوته، وإذا لم يسمع الكاتب شيئًا سأل عنه المستمليَ حتى يسمعه.

ثم يذكر آداب الطالب والكاتب ويُجملها فيما يلي:
  • (١)

    ينبغي لكاتب الحديث أن يتميز عن طريق العوام باستعمال آثار رسول الله ما أمكنه، ويجعله أسوته الحسنة.

  • (٢)

    ينبغي عليه أن يبكر إلى مجلس التحديث، ويمشيَ بتؤدة وأدب إلا إذا خاف من التأخر عن الدرس.

  • (٣)

    ينبغي عليه أن يوسع كمه ليضع فيه الأجزاء والكتب، وأن لا يتكلف في لباسه.

  • (٤)

    ينبغي عليه إذا حضر جماعة من الطلبة وأذن لهم الشيخ في الدخول أن يقدم الأسن، وإذا قُدم الأعلم كان لا بأس بذلك.

  • (٥)

    ينبغي عليه إذا كان له نعلان أن يخلعهما قبل دخوله، وإذا خلعهما وضعهما على يساره، ويجلس بحيث ينتهي به المجلس ولا يتخطى الرقاب، إلا إذا استدناه الشيخ، وإن أكرمه بمخدة فلا يردها، ويُكره له أن يقيم غيره من مكانه أو أن يجلس وسط الحلقة أو في صدر المجلس، أو أن يجلس بين اثنين بغير إذنهما، وإن فسح له اثنان ليجلس بينهما فعل ذلك ولا يتربع بل يجمع نفسه، والأفضل أن يجلس على ركبتيه.

  • (٦)

    ينبغي عليه إذا خاطب الممليَ أن يقول له «أيها الأستاذ» أو «أيها العالم أو الحافظ» ويُكنِّيه في خطابه — ويجوز للطلاب أن يقوموا للمملي إن دخل عليهم، ويجوز تقبيل يده — ويجب عليه توقير المجلس، وأن لا ينام ويحسن الاستماع والإصغاء ويتواضع للمملي.

  • (٧)

    وينبغي عليه أن يكتب بالحبر دون المداد؛ لأن السواد أصبغ الألوان والحبر أبقاها، ولا يحضر مجلس الإملاء إلا مع أدوات الكتابة من محبرة ومقلمة وسكين وحبر وكاغد، ويبالغ في تحسين خطه، وأن يكتب خطًّا غليظًا لا دقيقًا إلا في حال العذر، مثل أن يكون فقيرًا أو مسافرًا ليخفف حمله.

  • (٨)

    وينبغي عليه أن يبدأ كتابته بالبسملة ويمد السين قبل الميم، ولا يكتب في السطر الأول غير البسملة، ثم يذكر اسم الشيخ المحدث وكنيته ونسبه وبقية الكلمات بالشكل التام والإعجام، وإذا فرغ من كتابة حديث يجعل بينه وبين حديث آخر دارة تفصل بينهما، وينبغي إن كتب وجهًا وأراد أن يقلب الورقة أن يضع بينهما ورقة ينشِّرها بنشارة لئلا ينطمس، ويكون ما ينشِّر به من نحاته الساج أو غيره من الخشب، ويتقي استعمال التراب.

  • (٩)

    وإذا فرغوا من الكتابة يقرأ المستملي الإملاء والطلبة يعارضون، وإن فات بعضَ الطلبة شيءٌ من المجلس فيعيره بعض من حضر كتابه حتى ينسخه، وإذا أعاره فلا يحبسه ويرده عاجلًا، ولأجل الحبس امتنع غير واحد من الإعارة واستحسن بعضهم أخذ الرهون.

  • (١٠)

    وإذا أراد بعض الطلبة الذهاب قبل أهل المجلس سلَّم عليه.

وبهذا ينتهي كتاب ابن السمعاني، وهو — كما ترى — خاص بتعليم رواة الحديث وطلابه، ولكنه يعطينا صورة عن بعض أنواع العلم وطريقة أخذه، وإنما أسهبنا في الكلام عنه لنبيِّن شدة اعتناء المسلمين بالحديث النبوي واعتبارهم إياه ركنًا ركينًا في بناء الثقافة العربية الإسلامية.

(٥-١٠) كتاب العلامة الزرنوجي

هو العلامة برهان الدين الزرنوجي، أحد علماء القرن السادس ومن كبار رجال التربية المسلمين (؟–٥٧١)، وقد ألَّف رسالة لطيفة الحجم كثيرة الفوائد يلخص فيها آراء المربين المسلمين، واعتمد فيها كل الاعتماد بصورة خاصة على آراء الإمام الغزالي وسمَّاها «تعليم المتعلم لتعليم طرق العلم»، وقد اعتنى المربون المسلمون بها عناية شديدة فشرحوها وعلَّقوا عليها؛ فمنهم الشيخ يحيى بن علي بن نصوح المشهور بنوعي (؟–١٠٠٧)، وكان شاعرًا تركيًّا ومؤلفًا بالعربية متقنًا، ومنهم الإمام عبد الوهاب الشعراني الشاعر المؤلف الصوفي الأشهر، ومنهم القاضي زكريا الأنصاري العالم المشهور.٢٧١

والرسالة — على اختصارها وعدم إتيان صاحبها بجديد في موضوع التربية — مفيدة وذات أثر واضح في التربية الإسلامية لاشتهارها واعتناء الناس بها واعتمادهم عليها في تهذيب أطفالهم؛ ولهذا ذكرناها.

(٥-١١) مباحث العلَّامة ابن خلدون

أبدع العلامة المؤرخ الفيلسوف عبد الرحمن بن محمد الحضرمي المالكي المشهور بابن خلدون (؟–٨٠٨) في مقدمته إبداعًا فائقًا في تربية الأطفال وطريقة تعليمهم؛ فإنه لم يسلك مسلك اليونان، ولا استحسن طريقة فقهاء الإسلام أو الصوفية والمحدثين، وإنما اختار مذهبًا خاصًّا نلخصه فيما يلي:

يقول ابن خلدون: إن العلم والتعلم طبيعي في العمران البشري لأن الإنسان إنما يتميز عن الحيوان بالفكر الذي يهتدي به ليحصل معاشه، والتعاون مع أبناء جنسه والاجتماع المهيأ لذلك التعاون، وقَبول ما جاءت به الأنبياء عن الله تعالى والعمل به واتباع صلاح أُخراه.٢٧٢ وإن العلوم المتعارفة بين أهل العمران على صنفين: «علوم مقصودة بالذات» كالشرعيات من التفسير والحديث والفقه والكلام والطبيعيات والإلهيات من الفلسفة، و«علوم وسيلة آليه» لتلك العلوم كالعربية والحساب وغيرهما للشرعيات، وكالمنطق للفلسفة، وربما كان آلة لعلم الكلام ولأصول الفقه على طريقة المتأخرين.

فأما العلوم التي هي مقاصد، فلا حرج في توسعة الكلام فيها.

وأما العلوم التي هي آلة لغيرها، فلا ينبغي أن يُنظر فيها إلا من حيث هي آلة لذلك الغير فقط ولا يوسَّع الكلام فيها.٢٧٣

والقرآن هو أصل التعليم وأول ما ينبغي تعليمه للوِلْدان، ولأهل الأمصار الإسلامية اختلافٌ في طرق ذلك على ما قدَّمناه سابقًا.

ويذكر ابن خلدون العلوم المعروفة في عصره علمًا علمًا، ويبيِّن ما انتهى إليه الناس من أمر هذا العلم تبيينًا لا مزيد عليه.

ثم يذكر أن التأليف في هذه العلوم قد كثر كثرة أضرت بالطلاب؛ بحيث أصبح تعلُّم العلم والوقوف على غايته أمرًا عسيرًا لاختلاف الاصطلاحات في التعليم وتعدُّد طرقه بشكل يجعل عمر المتعلم أقصر من أن يفيَ بما كُتب في صناعة واحدة،٢٧٤ ثم ينحي باللائمة أيضًا على قوم من المتأخرين ذهبوا إلى اختصار بحوث العلم اختصارًا مخلًّا، يحشون ذلك في متن مختصر يشتمل على حصر مسائل العلم وأدلتها باختصار في الألفاظ وحشو القليل منها بالمعاني الكثيرة، كما فعل ابن مالك في النحو وابن الحاجب في الفقه،٢٧٥ ثم يذكر أن أنجع الطرق في رأيه هي: أن يكون التعليم بالتدريج شيئًا فشيئًا، يُلقى على الطالب أولًا مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب، ويقرب له في شرحها على سبيل الإجمال، ويراعى في ذلك قوة عقله واستعداده لقَبول ما يرد عليه حتى ينتهيَ في آخر العلم؛ وعند ذلك يحصل له مَلَكة في ذلك العلم إلا أنها جزئية وضعيفة، وغايتها أنها هيَّأته لفهم العلم وتحصيل مسائله، ثم يرجع به إلى الفن ثانية فيرفعه في التلقين عن تلك المرتبة إلى أعلى منها ويستوحي الشرح بالبيان.
هذا هو وجه التعليم المفيد في رأي الفيلسوف المربي ابن خلدون، وهو كما رأيت يحصل — كما يقول — في ثلاثة تكرارات، وقد يحصل للبعض في أقل من ذلك.٢٧٦

ثم يعرض في فصل لطيف إلى بيان رأيه في العلوم الإلهية، ويقول إن هذه العلوم لا تُوسَّع فيها الأنظار، ولا تُفرَّع المسائل.

ثم يذكر أن الشدة على المتعلمين مضرة بهم، لا سيما في أصاغر الولد، ولا ينبغي لمؤدب الأطفال أن يزيد في ضربهم إذا احتاجوا إلى ذلك على ثلاثة أسواط.

ويختم آراءه في شئون الطلبة والتعليم بوجوب الرحلة في سبيل العلم ولقاء الشيوخ، وأن هذا من التقاليد القديمة في الملة الإسلامية.

وصفوة القول أن مذهب ابن خلدون في التربية هو مذهب واقعي عملي، وهو أقرب إلى المذاهب الواقعية السهلة منه إلى المذاهب النظرية المعقدة، ولو أن المربين المسلمين في زمانه وبعده ساروا على الطريقة المفيدة الواقعية التي دعا إليها لَمَا تخبطوا في دياجير الجهالة التي مرت بها الأمة الإسلامية منذ القرنِ الحاديَ عشرَ الهجريِّ إلى عصر النهضة العربية.

١  انظر ما قلناه عن هذا في الباب الثاني من الفصل الأول.
٢  راجع طبقات ابن سعد ١٧٦/٥. ومعجم الأدباء لياقوت ٢٤٦/١، ١٣٥/٦، ٢٤٣، ٣٨٣، ٤٣٢. والأغاني لأبي الفرج الأصفهاني ٤٨/١ و١١٢/٤، ١٦٨ و٨٩/٨. وحسن المحاضرة للسيوطي ١٣١/١. والاعتصام للشاطبي ٢٧٢/١.
٣  راجع: Caetani, Annali del Islam ٤٤٧/١ و٩٦٥/٣. Creswell, Early Muslim Architecture ١/١–٢٠. Pederson, Encyc. de l’Islam ٣٦٢/٣.
٤  راجع: Lane-Pool, Art of the Saracens in Egypt، ص٥٢. Diez, Die Kunst der Islamischen Völker، ص٨.
٥  راجع: H. Saladin, La Mosquée de Sidi Okba Kerouan، ص٣٧.
٦  راجع: G. Marçais, Manuel d’Art Musulman ١٧/١.
٧  سورة البقرة: ١٤٤، ١٥٠.
٨  سورة التوبة: ١٧.
٩  سورة التوبة: ١٨.
١٠  سورة النور: ٣٦.
١١  سورة الحج: ٤٠.
١٢  سورة البقرة: ١١٤.
١٣  سورة البقرة: ١٨٧.
١٤  سورة الجن: ١٨.
١٥  سورة الجمعة: ٩.
١٦  انظر طبقات ابن سعد ١/١-٢ و١١٩/٩.
١٧  قال في المصباح المنير — قصص — القصة بالفتح الجص بلغة أهل الحجاز، قاله في البارع.
١٨  انظر فتوح البلدان للبلاذري، ص٦.
١٩  انظر طبقات ابن سعد ١٨١/١، ١١٩/٨.
٢٠  من تلك المساجد الحجازية التي شُيدت على عهد النبي : «مسجد قباعة» الذي أمر الرسول ببنائه في نفس السنة التي دخل فيها إلى المدينة (الطبقات لابن سعد ٢/١، ٤، ٦)؛ و«مسجد قباء» ذلك المسجد المشهور، راجع سيرة ابن هشام ٢١١/١.
٢١  تاريخ الطبري ٢٤٨٩/٥ الطبعة الأوروبية. والبلاذري، ص٣٤٧.
٢٢  راجع «المسجد الجامع بالقيروان» للأستاذ أحمد فكري، طبع دار المعارف بمصر سنة ١٩٣٦، ص٥٤، ٥٥.
٢٣  غولد زيهر Muh. Stud. ١٦١/٢. وميتس Metz. Renais. des Islam، ص٣١٤.
٢٤  انظر دائرة المعارف الإسلامية، النص الفرنسي، ٦٧٦/٤.
٢٥  انظر طبقات ابن سعد ١٤٨/٥. وخطط المقريزي ١٦/٤-١٧.
٢٦  انظر دائرة المعارف الإسلامية، النص الفرنسي، مادة «قصص» ١١٠١/٢.
٢٧  انظر خطط المقريزي ١٧/٤.
٢٨  انظر كتاب القضاة للكندي، ص٣١٧.
٢٩  انظر إرشاد الأريب لياقوت ٢٩٨/٤، ٤٤٦/٥.
٣٠  انظر خطط المقريزي ١٨/٤.
٣١  انظر خطط المقريزي ١٨/٤.
٣٢  انظر قوت القلوب للمكي ١٥٢/١.
٣٣  انظر العقد الفريد ٢٩٤/١.
٣٤  مخطوط في خزانتنا نرجو أن نوفَّق إلى نشره.
٣٥  راجع نمطًا من ذلك في المدهش لابن الجوزي، طبع بغداد.
٣٦  انظر خطط المقريزي ١٧/٤.
٣٧  انظر المدخل لابن الحاج، ١٥٨/١ و١٣/٢، ٥٠.
٣٨  راجع تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر ٣٩٦/٦. وحياة الحيوان الكبرى للدميري ٩٨/١. والفرق الإسلامية للبشبيشي.
٣٩  راجع كتاب الاعتصام للشاطبي ٢٧٢/١.
٤٠  راجع الفهرست لابن النديم، ص٦٦، ٧١، ١٠١، ١٥١.
٤١  راجع دائرة المعارف الإسلامية، النص الفرنسي، ٤١١/٣.
٤٢  فتوح البلدان للبلاذري، المطبعة التجارية، ص٤٥٩. وراجع تاريخ اليعقوبي أيضًا ٢٤٣/٢.
٤٣  كتاب آداب المعلمين، طبعه الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب بتونس سنة ١٣٤٨، ص٤٣. وانظر أيضًا كتاب التعليم في نظر القابسي، ص٢٨٩.
٤٤  المصدر السابق، ص٤٢.
٤٥  دائرة المعارف الإسلامية، النص الفرنسي، ٤٠١/٣.
٤٦  معالم الإيمان لابن الدياح المغربي ١٢٠/١.
٤٧  دائرة المعارف الإسلامية، النص الفرنسي، ٤١١/٣.
٤٨  انظر البيان والتبيين للجاحظ، طبعة هارون، ٢٠٥/٢.
٤٩  انظر البيان والتبيين للجاحظ، طبعة هارون، ٢٠٥/٢.
٥٠  انظر الفهرست لابن النديم، ص٦٦، ٧٢، ١٠١. والمحاسن والمساوئ للبيهقي ٢١٣/٢.
٥١  انظر تذكرة السامع لابن جماعة، ص٣٠–٧٠. والمعيد للعلموي، ص٢٦–٥٨.
٥٢  التخاير والخيار: التفاضل في حسن الخط. قال في اللسان: «خير» خايره في الخط مخايرة: غلبه. وتخايروا في الخط والرسم إلى حكم فخاره: كان خيرًا منه.
٥٣  راجع تفاصيل هذه الشروط والملاحظات والتعليمات في «تذكرة السامع» لابن جماعة. و«المعيد» للعلموي. وكتاب القابسي، ص٣٩٣. والوثيقة لابن عبدون، ص٢١٤. والمدونة للإمام مالك ٢٦/٤. وإحياء العلوم للغزالي ٦٢/٣. وتدريب الراوي للنواوي، ص١٢٨.
٥٤  قالوا: إن من المآكل المضرة التي كانوا يعتقدون أنها تسبب البلادة أو النسيان أكل التفاح الحامض غير الناضج، والباقلاء، وشرب الخل، والمآكل التي تُكثر البلغم وتبلد الذهن ككثرة الألبان والأسماك، وكانوا يوصون الطالب بأكل بعض المآكل التي يظنون أنها تجوِّد الذهن كمضغ اللبان والمُصْطَكَى وأكل الزبيب بكثرة، وشرب الجلاب، واستعمال السواك، وشرب العسل، وأكل الكندر وأكل إحدى وعشرين زبيبة حمراء كل يوم على الريق، وكانوا ينهَون عن عمل ما يعتقدون أنه يورث النسيان، ولهم في ذلك أقوال كثيرة، منها أن أكل سوء الفأر مضر بالذاكرة، ومنها قراءة ألواح القبور، والدخول بين الجملين المقطورين، وإلقاء القمل على الأرض ونحو ذلك … راجع التذكرة لابن جماعة، ص٧٧. وتعليم المتعلم للزرنوجي، ص٢٨.
٥٥  وفيان الأعيان ١٠٣/٢.
٥٦  البيان والتبيين، طبع الأستاذ هارون ٢٤٨/١، ٢٥٠، ٢٥١.
٥٧  راجع: العقد لابن عبد ربه ١٦٥/١. وشرح المقامات الحريرية للشريشي ٣٤٩/١. والمحاسن للبيهقي ٢١٣/٢. ومروج الذهب للمسعودي ١٩٥/٢. والمقدمة لابن خلدون، ص٤٩٤. وكتاب آداب المعلمين لمحمد بن سحنون ٤٩–٥٧. ورسالة السياسة لابن سينا في مجلة المشرق البيروتية ١٠٤٧/٩.
٥٨  أحد القراء السبعة الأئمة، وقد انتشرت طريقة قراءته في المغرب.
٥٩  يريد أن يقول: إن معلم الكُتَّاب يجب أن يُبعد الطلاب عن القراءات المستبشَعة كالقراءات الشاذة أو النادرة مما لم يتفق جمهور المسلمين عليه.
٦٠  التحبير والحبرة في اللغة: كل نعمة حسنة محسنة — كما في تاج العروس. وفي حديث أبي موسى: لو علمت أنك تسمع لقراءتي لحبَّرتها لك تحبيرًا. يريد تحسين الصوت وتحزينه. انظر أيضًا النهاية لابن الأثير ٢٢٦/١.
٦١  كتاب «آداب المعلمين» لمحمد سحنون، ص٥٠–٥٦.
٦٢  المقدمة، ص٦٨٣–٦٨٦.
٦٣  راجع كتابه La Poèsie Andalause en Arabe Classique du XI.s.، ص٢٥-٢٦.
٦٤  الكامل للمبرد ١٨٩/١.
٦٥  البيان والتبيين، طبعة هارون ١٩٧/٢.
٦٦  البيان والتبيين، طبعة هارون ١٧٩/٢.
٦٧  انظر القابسي، ص٢٦٨-٢٦٩.
٦٨  انظر المدخل لابن الحاج العبدري ٣١١/٢.
٦٩  من هؤلاء هارون الرشيد؛ فقد رُوي أنه استدعى لابنه المأمون مربيًا وهو في تلك السن.
٧٠  انظر ياقوت الحموي في الإرشاد ٤٣٠/٦. والغزالي في الإحياء ٦٣/٣. والنواوي في تدريب الراوي، ص١٢٨.
٧١  المدخل لابن الحاج، المطبعة المصرية ٣١٥/٢، ٣١٦.
٧٢  راجع: The Forum of Education VI, 1927.
٧٣  راجع: التعليم في رأي القابسي، ص٢٨٧.
٧٤  انظر كتاب التعليم في رأي القابسي، ص٢٨٤–٢٨٧.
٧٥  المقدمة، ص٣٩٩.
٧٦  كتاب التعليم في رأي القابسي، ص٢٨٦.
٧٧  كتاب معالم الإيمان لابن الدباج ٨/٢.
٧٨  التعليم في رأي القابسي للدكتور الأهواني، ص٨٣-٨٤.
٧٩  التعليم عند القابسي للأهواني، ص٢٨٧.
٨٠  البيان والتبيين ٢٠٣/٢.
٨١  البيان والتبيين ١٨٠/٢.
٨٢  التعليم في رأي القابسي، ص٢٦٦.
٨٣  مقدمة كتاب المعلمين لابن سحنون، الذي نشره الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب بتونس، ص٢٢.
٨٤  راجع إرشاد الأريب لياقوت الحموي ٢٨٧/٤.
٨٥  الفهرست لابن النديم ٢٤٢/١. والبيان والتبيين للجاحظ ١٧٨/١.
٨٦  تاريخ الحكماء لابن القفطي طبعة أوروبا، ص٤٤٠.
٨٧  الفهرست لابن النديم، ص٦. وكشف الظنون لحاجي خليفة ٤٦٦/١. وأنساب السمعاني، ص٢٥٣٢.
٨٨  الطبقات الكبرى لابن سعد ٢، ١٣٦/٢.
٨٩  هو منجم فيلسوف له ترجمة مفصلة في تاريخ الحكماء لابن القفطي، ص٢٧٠.
٩٠  التاريخ الكامل لابن الأثير ٦/٧.
٩١  الفهرست لابن النديم، ص١٠. وتاريخ الحكماء لابن القفطي ٩٧-٩٨.
٩٢  انظر الفهرست لابن النديم، ص٢٤٣.
٩٣  انظر تاريخ الحكماء للقفطي ٢٩-٣٠.
٩٤  انظر تاريخ الحكماء للقفطي٩٧. والفهرست، ص٢٤٣. وطبقات الأطباء ١٨٧/١.
٩٥  انظر تاريخ الحكماء للقفطي ٢٨٦. والفهرست، ص٢٧٤.
٩٦  تاريخ الحكماء للقفطي ٣١٥، ٤٤١.
٩٧  تاريخ الحكماء للقفطي ٤٤٢.
٩٨  تاريخ الحكماء للقفطي ٣٥٧.
٩٩  تاريخ الحكماء للقفطي ٢١٩، ٢٤٢.
١٠٠  تاريخ الحكماء للقفطي ٢١٨.
١٠١  انظر كتاب تاريخ التربية عند العرب للأستاذ الخطاب السبكي أستاذ التربية بدار العلوم المصرية.
١٠٢  انظر دائر المعارف الإسلامية، النص الفرنسي ١١٠٥/٢.
١٠٣  انظر عيون التواريخ. ومخطوطة دار الكتب الظاهرية ٢٤٩/١٢.
١٠٤  انظر معجم الأدباء لياقوت ٢٩٤/٥.
١٠٥  وفيات الأعيان لابن خلكان ٤٦٢/٢.
١٠٦  ومثل غلط السبكي ودائرة المعارف الإسلامية غلط الأستاذ خليل طوطح في كتابه «تاريخ التربية عند العرب» راجع ص١٦-١٧.
١٠٧  الخطط المقريزية ٢٥٣/٢–٢٥٥.
١٠٨  الخطط المقريزية ٣٥٥/٢.
١٠٩  سبق في كلام المقريزي أن نُسخ تاريخ الطبري كانت تزيد على عشرين نسخة!
١١٠  راجع الخطط المقريزية ٢٥٥/٢.
١١١  راجع الخطط المقريزية ١٩٧/٤.
١١٢  راجع الخطط المقريزية ١٩٨/٤.
١١٣  الخطط المقريزية ١٩٢/٤. وراجع أيضًا ابن خلكان ٣٣٤/٢.
١١٤  هو مذهب فاطمي يقول أتباعه بأفضلية نزار بن المستنصر الفاطمي وأحقيته بالخلافة. وقد كان المستنصر قبل وفاته شرع في مبايعة نزار، ولكن الوزير الأفضل لم يكن يرى أنه أهل فماطل الخليفة إلى أن مات، فبادر الأفضل إلى تولية أخيه أبي القاسم أحمد ولقَّبه بالمستعلي، واضطُرَّ نزار أن يهرب إلى الإسكندرية، فبايعه أهلها إلا أنه قُتل بعد قليل. وكان من أثر انقسام الفاطمية إلى هذين المذهبين أن انقسمت الإسماعيلية أنصار الفاطمية إلى قسمين أيضًا: قسم يرى أحقية نزار، وقسم يرى أحقية المستعلي. راجع صبح الأعشى ٢٣٦/١٣.
١١٥  الخطط المقريزية ٣٣٧/٢.
١١٦  الخطط المقريزية ٣١٣/٢.
١١٧  وفيات الأعيان لابن خلكان ٣٣٤/٢.
١١٨  الخطط المقريزية ١٦٩/٢.
١١٩  ديوان المؤيد في الدين داعي الدعاة، ص٤٨، ٣١٣.
١٢٠  نشرته دار الكاتب المصري سنة ١٩٤٩ بمصر.
١٢١  نشرته دار الفكر العربي بدون تاريخ بمصر.
١٢٢  في كتابه الحضارة الإسلامية في القرن الرابع. انظر الترجمة ٢٩٣/١.
١٢٣  في كتابه التعليم في مصر في العصر الفاطمي، ص١٥٥.
١٢٤  انظر ديوان ابن الخياط، طبع النجف سنة ١٣٤٣ ص٢٤.
١٢٥  انظر طبقات الحنابلة لابن رجب طبع القاهرة ٤٤٣/١.
١٢٦  فرهتك خيام عربي وفارسي لمحمد علي ترقي، طبع طهران، سنة ١٣٣٠.
١٢٧  الخطط المقريزية ١٧٦/٤.
١٢٨  الخطط المقريزية ٣/٤.
١٢٩  الخطط المقريزية ٢٧٣/٤، ٢٧٦، ٢٧٩، ٢٨٥.
١٣٠  الخطط المقريزية ٢٧٤/٤.
١٣١  الخطط المقريزية ٢٨٣/٤، ٢٨٥.
١٣٢  الخطط المقريزية ٢٧٦/٤.
١٣٣  الخطط المقريزية ٢٨٣/٤، ٢٨٥.
١٣٤  الخطط المقريزية ٢٧٨/٤.
١٣٥  المصباح المنير ١٤٦/١.
١٣٦  فنون الإسلام للدكتور زكي محمد حسن، ص٢٦.
١٣٧  الخطط المقريزية ٢٩٣/٤.
١٣٨  الخطط المقريزية ٢٩٤/٤.
١٣٩  الخطط المقريزية ٢٩٦/٤.
١٤٠  نفح الطيب ٣٣٨/١. وأزهار الرياض ٩١/٣.
١٤١  الخطط المقريزية ٢٠/٤ وما بعدها.
١٤٢  في النجوم الزاهرة لابن تغري بردي أن أحمد بن طولون جعل في بيمارستانه بمصر إلى جانب جامعه خزانة كتب كانت في إحدى مجالس، البيمارستان وأن عدد ما كان فيها من الكتب كان يزيد على مائة ألف مجلد في سائر العلوم ١٠١/٤.
١٤٣  الخطط المقريزية ٢٦٠/٤، ٢٦٢.
١٤٤  الخطط المقريزية ٢٥١/٢. وحسن المحاضرة للسيوطي ٢٧٠/٢. والانتصار لابن دقماق ١١٠/٤.
١٤٥  تاريخ البيمارستانات في الإسلام، طبع دمشق، ص٣٨.
١٤٦  طبقات الأطباء ٢٣٩/١.
١٤٧  طبقات الأطباء ٢٤٤/١.
١٤٨  البداية والنهاية في حوادث سنة ٥٧٢.
١٤٩  رحلة ابن جبير، طبع ليدن، ص٢٤٢.
١٥٠  عيون الأنباء في طبقات الأطباء ١٥٥/٢.
١٥١  عيون الأنبياء في طبقات الأطباء ٢٤٣/٢.
١٥٢  عيون الأنباء في طبقات الأطباء ٣٠٩/١ و٢٤٢/٢، ٢٤٣، ٢٥٤، ٢٦٠.
١٥٣  انظر صبح الأعشى ٤٧٦/٣، و١٠/٤، ١٩٧.
١٥٤  تاريخ البيمارستانات في الإسلام، ص٤٣.
١٥٥  انظر كتاب وستنفلد عن الإمام الشافعي Wustenfeld Imam Esch-schafii 11, 163.
١٥٦  معجم البلدان لياقوت ١٧١/٢. وشذرات الذهب لابن العماد.
١٥٧  انظر أخبار الإمام النيسابوري في طبقات الشافعية ٢١٥/٢. ومعجم البلدان لياقوت «نيسابور».
١٥٨  انظر كتاب وستنفلد السابق ١٥٠/٢، ١٦٠.
١٥٩  المصدر السابق ٢٠٣/٢.
١٦٠  انظر كتاب وستنفلد السابق ٢٠٤/٢، ٢١٧.
١٦١  انظر «تبيين كذب المفتري لابن عساكر»، ص١٣. ووفيات الأعيان رقم ٦٢١.
١٦٢  طبقات الشافعية ١١١/٣.
١٦٣  المصدر السابق ٥٢/٣.
١٦٤  بنى أهل نيسابور للإمام أحمد بن الحسن البيهقي (٣٨٤–٤٥٨) مدرسة، وأصله من خسروجرد من قرى بيهق، وكان من كبار أئمة الحديث والفقه الشافعي، رحل إلى بغداد والكوفة ومكة وغيرها. قال إمام الحرمين عنه: ما من شافعي إلا وللشافعي فضل عليه غير البيهقي؛ فإن له المنة والفضل على الشافعي لكثرة تصانيفه في نصرة مذهبه؛ صنف زهاء ألف جزء. انظر ترجمته المفصلة في طبقات الشافعية ٣/٣، ومعجم البلدان؛ بيهق.
١٦٥  هو إسماعيل بن علي بن المثنى أبو سعد «سعيد» الاسترابادي الواعظ الصوفي، قدم نيسابور قديمًا. قال السبكي في الطبقات ١٤٩/٣: بنى بها مدرسة لأصحاب الشافعي تنسب إليه. مات في حدود سنة ٤٤٠.
١٦٦  طبقات الشافعية للسبكي ١٣٧/٣.
١٦٧  وفيات الأعيان في ترجمة صلاح الدين ٢٠٥/٦، مطبعة النهضة.
١٦٨  خطط المقريزي ١٩٤/٤. وحسن المحاضرة للسيوطي.
١٦٩  الحاج خليفة في كتابه كشف الظنون.
١٧٠  المدخل لابن الجاح ٨٥/١.
١٧١  إحياء علوم الدين للغزالي ٥٢/١.
١٧٢  انظر تفاصيل هذه الأمور في كتاب «المعيد» للعلموي ٤٠. والتذكرة لابن جماعة ٣٠. وإحياء علوم الدين تأليف الغزالي ٥٢/١ وما بعدها. ومفتاح السعادة لطاش كبري ٢٢/١ وما بعدها. وجامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ١٤٦/١ وما بعدها. والمدخل لابن الجاح.
١٧٣  تذكرة السامع، طبع حيدر آباد، ص١٩٣ وما بعدها.
١٧٤  الوزراء والكتاب، ص٣٨.
١٧٥  المصدر السابق، ص٦٧.
١٧٦  انظر كتاب «الأسرة الإسلامية قبل الإسلام» بالفرنسية La famille Iranienne au temps anti-Islamique, Paris 1936. P. 172–175.
١٧٧  المصدر السابق، ص١٦٨.
١٧٨  تختلف الفلسفة الرومانية عن الفسلفة اليونانية؛ فقد كانت هذه فلسفة خاصة وهي الفلسفة الرواقية المعروفة باسم La Philisophie stoïcienne والفلسفة الزينونية نسبةً إلى أكبر علمائها زينون Zénon.
١٧٩  انظر تفصيل هذه الأمور في الفصلَين الممتعَين من كتاب L’Evelution pédagogique en France, Durkheim.
١٨٠  ورد هذا اللفظ في الكتاب «نفسي»، ولا شك في أنه خطأ مطبعي؛ فقد ذكرته المؤلفة في كتابها، ص٥٨.
١٨١  التعليم في نظر القابسي للأهواني، ص٨٨.
١٨٢  التعليم في نظر القابسي للأهواني، ص٢٠١.
١٨٣  المصدر السابق، ص٩٠.
١٨٤  جامع بيان العلم، ص٢٩.
١٨٥  كشف الظنون ٥٣/١.
١٨٦  انظر المعيد للعلموي، ص١٥–٢٥
١٨٧  إحياء علوم الدين ٢٣٢/١.
١٨٨  انظر تفاصيل هذا في كتاب Les Grandes Tendances Pédagogiques contemporaine, Mallot.
١٨٩  هذا رأي بعض العلماء في الإمام الشافعي، ويروي بعضهم أنه من أصحاب الرأي؛ قال ابن فرحون في الديباج المذهب، ص١٦: أما أبو حنيفة والشافعي فمسلَّم لهما حسن الاعتبار وتدقيق النظر والقياس وجودة الفقه والأمانة فيه، لكن لهما أمانة في الحديث وضعَّفهما فيه أهل الصنعة؛ ولهذا فإن أهل الحديث لم يخرجوا عنهما فيه حرفًا.
١٩٠  راجع بيان ذلك في «الملل والنحل» للشهرستاني ٣٨/١-٣٩.
١٩١  راجع بلوغ الأرب للآلوسي.
١٩٢  هو قاضي الكوفة وحكيمها، استمر في ذلك ٣٣ سنة. انظر التهذيب ٣٠١/٩.
١٩٣  المعيد في أدب المفيد والمستفيد للعلموي، ص٩٣.
١٩٤  المعيد في أدب المفيد والمستفيد للعلموي، ص٨٥.
١٩٥  المعيد للعلموي، ص٩٨.
١٩٦  المعيد للعلموي، ص٩٠.
١٩٧  المعيد، ص١٠٠.
١٩٨  المعيد، ص١٠٢–١٠٤.
١٩٩  راجع فاتحة العلوم، للإمام الغزالي.
٢٠٠  المعيد للعلموي ص١١٢–١٢٩.
٢٠١  تذكرة الحفاظ ٢٥٣/١.
٢٠٢  أدب الإملاء والاستملاء للسمعاني، ص٢.
٢٠٣  تذكرة الحفاظ ١٠٣/١.
٢٠٤  جامع بيان العلم لابن عبد البر ٩٤/١.
٢٠٥  تذكرة الحفاظ ١٠٣/١.
٢٠٦  تذكرة الحفاظ ١٥١/٣.
٢٠٧  أدب الإملاء والاستملاء لابن السمعاني، طبع أوروبا، ص٢–٧.
٢٠٨  أدب الإملاء والاستملاء لابن السمعاني، طبع أوروبا، ص٢–٧.
٢٠٩  أدب الإملاء والاستملاء لابن السمعاني، طبع أوروبا، ص١٦.
٢١٠  أدب الإملاء والاستملاء لابن السمعاني، ص١٦. وكذلك تاريخ بغداد للخطيب ١٢٥–٢٤٨.
٢١١  أدب الإملاء والاستملاء لابن السمعاني، ص١٦. وكذلك تاريخ بغداد للخطيب ١٢٥–٢٤٨.
٢١٢  أدب الإملاء والاستملاء لابن السمعاني، ص١٧.
٢١٣  أدب الإملاء والاستملاء لابن السمعاني، ص١٨.
٢١٤  أدب الإملاء والاستملاء لابن السمعاني، ص٢٧.
٢١٥  أدب الإملاء والاستملاء لابن السمعاني، ص٨٣.
٢١٦  أدب الإملاء والاستملاء لابن السمعاني، ص٩١.
٢١٧  أدب الإملاء والاستملاء لابن السمعاني، ص٩٣.
٢١٨  أدب الإملاء والاستملاء لابن السمعاني، ص١٠٤.
٢١٩  المقدمة، ص١٥٠ وما بعدها.
٢٢٠  الموشح في مآخذ العلماء على الشعراء للمزرباني، ص٣٨.
٢٢١  الخصائص لابن جني، الطبعة الأولى ٣٩٣/١. والمزهر للسيوطي ١٢/١. ولسان العرب مادة: طنج.
٢٢٢  المنار ٧٥٣/١٠.
٢٢٣  انظر غاية النهاية في طبقات القُراء ٦٠٦/١.
٢٢٤  انظر غاية النهاية في طبقات القراء ٦٠٦/١.
٢٢٥  انظر غاية النهاية في طبقات القراء ٦٠٧/١.
٢٢٦  جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ٦٣/١.
٢٢٧  جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ٦٤/١.
٢٢٨  أدب الإملاء والاستملاء للسمعاني، ص١٤٦.
٢٢٩  جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ٧٠/١.
٢٣٠  الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني ١٦٤/١٨.
٢٣١  الموشح للمرزباني، ص١٩٢.
٢٣٢  الموشح للمرزباني، ص٢٠٨.
٢٣٣  الأغاني لأبي الفرج ١١١/١٩.
٢٣٤  الأغاني لأبي الفرج ٤٧/٧.
٢٣٥  الأغاني لأبي الفرج ١٥٨/٧.
٢٣٦  الموشح للمرزباني، ص١٧٧-١٧٨.
٢٣٧  زهر الآداب للقيرواني ١٨١/١.
٢٣٨  طبقات ابن سعد ٢/٢–١٣٦. والأغاني ١٥/٤.
٢٣٩  الأغاني ٥١/٤.
٢٤٠  الفهرست لابن النديم، طبعة مصر، ص٩٠.
٢٤١  مجمع الأمثال للميداني ٤. والأغاني ١١٤/٤. وابن النديم في الفهرست.
٢٤٢  الفهرست لابن النديم، ص١٣١.
٢٤٣  سمط اللآلي، ص٨٠٨.
٢٤٤  الفهرست لابن النديم، ص٩٠.
٢٤٥  تذكرة السامع، ص٢٨–١٣٦.
٢٤٦  تذكرة السامع، ص٣٠.
٢٤٧  أدب الإملاء للسمعاني، ص١٤٦، ١٨٠. والمعيد، ص١٣٠، ٢٤٠.
٢٤٨  أدب الإملاء للسمعاني، ص١٤٨.
٢٤٩  انظر ترجمته في طبقات الأمم لصاعد الأندلسي، وفهرست ابن النديم، وتاريخ الحكماء للقفطي، وعيون الأنباء لابن أبي أصيبعة، ووفيات الأعيان لابن خلِّكان. وهو من أهل فاراب فيما وراء النهر، سكن العراق وتعلَّم على يوحنا بن حيلان، وكان زميلًا لمتَّى بن يونس، ثم قصد بلاط سيف الدولة حتى مات بدمشق سنة ٣٣٩، وقد خلَّف آثارًا علمية جليلة.
٢٥٠  إحصاء العلوم للفارابي، طبعة مكتبة الخانجي بمصر، سنة ١٩٣١.
٢٥١  إحصاء العلوم للفارابي، طبعة مكتبة الخانجي بمصر، ص٤.
٢٥٢  إحصاء العلوم للفارابي، ص١١.
٢٥٣  يطلق الفلاسفة القدماء «علم التعاليم» على كل ما يقابل «العلم الطبيعي»، وإنما نسبوه إلى التعليم والرياضة لأنهم كانوا يبدءون بها في تعليم الأطفال وترويض أذهانهم وتثقيف عقولهم، وقد كان بعض الفلاسفة اليونانيين يكتبون على باب مدرستهم: «لا يدخلن مدرستنا من لم يكن مرتاضًا.»
٢٥٤  إحصاء العلوم للفارابي، ص٧.
٢٥٥  راجع مفتاح السعادة ومصباح السيادة، مطبعة حيدر آباد في مجلدين، ١٣٢٩.
٢٥٦  لم يذكر الدوحة السابعة، فلعله مزجها مع الدوحة السادسة.
٢٥٧  انظر معالم الإيمان في مدينة القيروان ١٢٠/١.
٢٥٨  راجع تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر ٣٠٨/٢، ٢٥/٣.
٢٥٩  البيان المغرب لابن العذاري ٣٤/١.
٢٦٠  مقدمة كتاب آداب المعلمين لحسن حسني عبد الوهاب، ص٢١.
٢٦١  انظرها في السنة الرابعة، من ص٧٨ وما بعدها.
٢٦٢  راجع كتاب «التعليم في رأي القابسي» للدكتور الأهواني، ص٤٠-٤١.
٢٦٣  انظر الفصل القيِّم الذي كتبه عنه وعن آثاره الدكتور عبد العزيز عزت، ص١٢٧.
٢٦٤  انظر هذه الوصية في منتخب صوان الحكمة لأبي سلمان المنطقي، المحفوظ بدار الكتب الظاهرية. وراجع أيضًا كتاب الدكتور عزت، ص١٣٣.
٢٦٥  انظر كتاب ابن مسكويه للدكتور عزت، ص١٤٢.
٢٦٦  الرسائل، طبعة مصر ٢٧٢/١.
٢٦٧  نشرها الأب لويس شيخو اليسوعي ضمن مجموعة فلسفية قيِّمة سمَّاها «مقالات فلسفية لبعض مشاهير فلاسفة العرب» في بيروت سنة ١٩١١، في المجلد التاسع من مجلة المشرق البيروتية.
٢٦٨  نُشر هذا الكتاب مختصرًا للمرة الأولى بمطبعة الموسوعات بعناية الشيخ محمد المحمصاني البيروتي سنة ١٣٢٠ بمصر، ثم أُعيدَ نشره كاملًا بعناية الشيخ محمد منير عبده آغا في مطبعة المنيرية بالقاهرة بدون تاريخ.
٢٦٩  انظر كتاب جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله لابن عبد البر ٣/١.
٢٧٠  انظر كتاب أدب الإملاء والاستملاء، طبع أوروبا، المقدمة ص١.
٢٧١  راجع بروكلمان G. A. L. تاريخ الأدب العربي الذيل ٨٣٧/١.
٢٧٢  المقدمة، ص٤٢٩.
٢٧٣  المقدمة، ص٥٣٧.
٢٧٤  المقدمة، ص٥٣١.
٢٧٥  المقدمة، ص٥٣٢.
٢٧٦  المقدمة، ص٥٣٣.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢