الكتاب الأول

صِبى المتنبي وشبابه

(١) قبل البدء

لا أريد أن أدرس المتنبي؛ فأنا لم أترك القاهرة، ولم أعبر البحر، ولم آوِ إلى هذه القرية للبحث والدرس، وإنما اصطنعت هَذَا كله طلبًا للراحة، وإيثارًا للفراغ الذي أخلو فيه إلى نفسي، فقد طالما شُغلت عنها فِي القاهرة بأحداث الحياة الخاصة والعامة، وقد طالما اشتقت إلى أن ألقاها وجهًا لوجه، وأدير بينها وبيني ألوان الحديث وأفر فيه من نفسي؛ فأنا كثير السأم لها والضيق بها — كما قلت فِي غير موضع — لا أكاد أقبل عليها حَتَّى أنصرف عنها وأفزع منها إلى كتاب من هذه الكتب التي تدعوني وتُلحُّ فِي الدعاء، فلا أكاد أستجيب لها إلا حين أدع مصر وأعتزل المصريين.

لا أريد إذن أن أدرس المتنبي؛ فإني قد فررت بنفسي وأهلي من الدرس والبحث والتحصيل، ولقد صحبت المتنبي طوال العام الجامعي أدرِّس شعره مع الطلاب وأتحدث عنه إلى جمهور الناس، حَتَّى سئمت درسه والتحدث عنه.

وكما أكره لابنيَّ أن يُقبلا أثناء الصيف على ما كانا يقبلان عليه فِي عامهما الدراسي، فأنا أكره لنفسي أن أمضيَ فِي درس المتنبي بعد أن أنفقت فيه ما أنفقت من الليالي والأيام.

ومع ذلك فقد طلبت إلى صاحبي حين كان يجمع ما ينبغي أن نحمله من الكتب ألا ينسى ديوان المتنبي، ولم أطلب إِلَيْهِ أن يحمل ديوانًا آخر من دواوين الشعر القديم أو الحديث، وإنما طلبت ديوان المتنبي وحده، وأراد صاحبي أن يحمل ما فِي مكتبي من الشروح التي كتبها القدماء والمحدثون يفسرون بها هَذَا الديوان، وأراد أن يحمل ما فِي مكتبي من البحوث التي تناول بها القدماء والمحدثون حياة أبي الطيب وشعره؛ فأبيْتُ عليه هَذَا كله، وتقدمت إِلَيْهِ فِي أن يكتفي بأيسر طبعة من طبعات المتنبي؛ لأني لا أريد درسًا ولا بحثًا وإنما أريد صحبة ومرافقة ليس غير.

وليس المتنبي مع هَذَا من أحب الشعراء إليَّ وآثرهم عندي، ولعله بعيد كل البعد عَنْ أن يبلغ من نفسي منزلة الحب أو الإيثار، ولقد أتى عليَّ حينٌ من الدهر لم يكن يخطر ببالي أني سأُعْنَى بالمتنبي أو أطيل صحبته، أو أُديم التفكير فيه، ولو أني أطعت نفسي وجاريت هواي لاستصحبت شاعرًا إسلاميًّا قديمًا عسيرًا كالفرزدق أو ذي الرمة أو الطِّرِمَّاح، أو شاعرًا عباسيًّا من هؤلاء الذين أحبهم وأوثرهم؛ لأني أجد عندهم لذة العقل والقلب، أو لذة الأذن، أو اللذتيْن جميعًا، كمسلمٍ، وأبي نواس، وأبي تمَّام، وأبي العلاء، ولكني لم أطع نفسي وإنما عصيتها، ولم أجار هواي وإنما خالفته أشد الخلاف، وطلبت إلى صاحبي على كرهٍ مني أن يستصحب المتنبي.

وأكبر الظن أني إنما فعلت ذلك لأن المتنبي كان وما زال حديث الناس المتصل منذ أكثر من عامين، ولأني حاولت وما زلت أحاول أن أستكشف السر فِي حب المحدثين له وإقبالهم عليه، وإسرافهم فِي هَذَا الحب والإقبال، كما أسرف القدماء فِي العناية به حبًّا وبغضًا، وإقبالًا وإعراضًا.

وأكبر الظن أَيْضًا أني إنما فعلت ذلك؛ لأني أحب أن أعاند نفسي وآخذها من حينٍ إلى حينٍ ببعض ما تكره من الأمر، وقد قلت فِي غير هَذَا الموضع: إني لست من المحبين للمتنبي ولا المشغوفين بشخصه وفنه، فلم أجد بأسًا فِي أن أشقَّ على نفسي أثناء الراحة، وأثقل عليها حين تبغض الإثقال عليها.

نعم؛ لم أجد بأسًا فِي أن أقطع عليها لذة الحياة فِي فرنسا بين هذه الربى الجميلة وفي هَذَا الجو الحلو، وبين هذه الكتب الطريفة والآراء الشاذة التي تتكشف عنها جهود الأدباء والفلاسفة والنقاد، والتي أغرق فيها إلى أذني كلما عبرت البحر.

لم أجد بأسًا بأن أثقل على نفسي أثناء هَذَا كله بالتحدث إلى المتنبي والتحدث عنه، والاستماع له، والنظر فيه، والناس يعرفون أني شديد العناد للناس، فليعرفوا أَيْضًا أني شديد العناد لنفسي كذلك.

لا أريد أن أدرس المتنبي إذن؛ فالذين يقرءون هذه الفصول لا ينبغي أن يقرءوها على أنها علم، ولا على أنها نقد، ولا ينبغي أن ينتظروا منها ما ينتظرون من كتب العلم والنقد، وإنما هُوَ خواطر مرسلة تثيرها فِي نفسي قراءة المتنبي فِي قرية من قرى الألب فِي فرنسا، قراءة المتنبي فِي غير نظام ولا مواظبة، وعلى غير نسق منسجم، إنما هي قراءة متقطعة متفرقة، أقصد إِلَيْهَا أحيانًا لأني أريدها، وأقصد إِلَيْهَا أحيانًا أخرى؛ لأن نفسي تنازعني إلى كتَّاب الأدب الفرنسي، فأعاندها وأمانعها وأُكرِهها على أن تسمع للمتنبي أو تتحدث إليه.

هي قراءة إنْ صورت شيئًا فإنما تُصور طغيان المرء على نفسه، ولعبه بوقته، وعبثه بعقله، وعصيانه لهواه، وطاعته لهذا الهوى أحيانًا.

وقُل ما تشاء فِي هَذَا الكلام الذي تقرؤه: قُل: إنه كلام يمليه رجل يفكر فيما يقول. وقل: إنه كلام يهذي به صاحبه هذيانًا. قُل: إنه كلام يصدر عَنْ رأيٍ وأناة. وقل: إنه كلام يصدر عَنْ شذوذ وجموح. فأنت محقٌ فِي هَذَا كله؛ لأني مرسل نفسي على سجيتها، ونفسي كغيرها من النفوس من سجيتها الأناة، ومن سجيتها العجلة، ومن سجيتها الجد، ومن سجيتها اللهو، ومن سجيتها التفكير، ومن سجيتها الهذيان، وما يمنعني أن أرسل نفسي على سجيتها بين وقت ووقت إذا طلبت إلى صاحبي أن يأخذ الورق والقلم ويسطر ما يملى عليه؟!

إني مثلك آخذ نفسي بأشد القيود وأثقل الأغلال أكثر العام حين أحيا فِي مصر، وأنهض بما تفرضه الحياة من تكاليف، وآخذ نفسي بأشد القيود وأثقل الأغلال أربعة أخماس الوقت الذي أنفقه يقظان فِي فرنسا حين أعاشر الناس وأخالطهم ولو كانوا أقرب الناس وألصقهم بي، ولا أتحلل من هذه القيود والأغلال إلا فيما بيني وبين الضمير أحيانًا، ولعلي أكره ذلك فأباه إباءً شديدًا، فلنطلق أنفسنا من هَذَا العقال الاجتماعي بعض الشيء، ولنخلِّ بينها وبين الحرية بعض الوقت، ولنرسلها على سجيتها لحظات، ولنصورها كما هي فِي غير تحرج ولا إسراف فِي الاحتياط؛ فإن هَذَا من حقها علينا، وهو قبل كل شيء من حق الأدب العربي على الأدباء، وما أظنني أعرف أدبًا مقيَّدًا فِي التحرج غاليًا فِي الاحتياط كأدبنا العربي الحديث، الذي ينشئه أصحابه وهم يفكرون فِي الناس أكثر مما يفكرون فِي أنفسهم، حَتَّى أطمعوا الناس فيهم، وأصبحوا عبيدًا للجماعة وخدمًا للقراء.

فلنتمرَّد على الجماعة، ولنُثِرِ بالقراء، ولننبذ الاحتياط كله إلا هَذَا الذي يثير الشر أو يؤذي الأخلاق.

(٢) نسب المتنبي: أبوه

وقد تعوَّد الناس أن يؤمنوا بأن المتنبي رجلٌ عربيٌّ خالص النسب، ينتهي من قبل أبيه إلى جعفى، ومن قبل أمه إلى همْدَانَ، وهما حيَّان من أحياء اليمن، فيما يقول المؤرخون والنسابون.

وجائزٌ جدًّا أن يكون المتنبئ عربيًّا، وجائز أن يكون من عرب الجنوب، جعفيَّ الأب، همْدَانيَّ الأم، ولكن الشيء الذي ليس فيه شكٌّ هُوَ أنَّ ديوانه لا يثبت هَذَا ولا يؤكده بل لا يسجله ولا يذكره، ومن يدري؛ لعل ديوانه ينفيه، ولعله ينفيه نفيًا هُوَ إلى الصراحة أدنى منه إلى الإشارة والتلميح.

أكان المتنبي يعرف أباه؟ قال المؤرخون نعم، ولم يقل المتنبي شيئًا، فأنت تقرأ ديوانه من أوله إلى آخره وتقرؤه مستأنيًا متمهلًا، فلا تجد فيه ذكرًا لهذا الرجل الطيب الذي أنجب للقرن الرابع شاعره العظيم.

لم يمدحه المتنبي، ولم يفخر به، ولم يَرْثُهُ المتنبي، ولم يظهر الحزن عليه حين مات؛ أكان ذلك لأن المتنبي لم يعرف أباه؟ أم كان ذلك لأن المتنبي عرف أباه ولكنه لم يرَ له خطرًا، ولم يرَ فِي ذكره ما يرفع من شأنه ويرد عنه كيد الكائد وحسد الحسود؟ أم كان المتنبي يزدري أباه ويكبر شعره عَنْ أن يقف عنده مادحًا أو هاجيًا ونادبًا أو راثيًا؟

كل ذلك ممكن، ولكن الشيء المحقق أنَّ المتنبي كان يؤثر أن ينتسب إلى السيف والرمح، وإلى الحرب والبأس، على أن ينتسب إلى هَذَا الرجل الطيب الذي سماه المؤرخون الحسينَ، ونسبوه إلى جعفى من عرب الجنوب.

أكان المتنبي يعرف جده؟ لا يحدثنا ديوانه بشيء، ومن أعرض عَنْ ذكر أبيه لا يستغرب منه أن يعرض عَنْ ذكر جده، ومن لم يعرف أباه لم يعرف جده! إذا كان المؤرخون قد اتفقوا على أنهم كانوا يعرفون أبا المتنبي ويسمونه حسينًا فإنهم لم يتفقوا على جده، ولم يجمعوا على الاسم الذي يلصقونه به، فهو الحسين حينًا، وهو عبد الصمد حينًا آخر، ومهما يكن من شيء فقد كان للمتنبي أبٌ، وكان له جدٌّ؛ لأننا لا نعرف إنسانًا ليس له أب ولا جد، لا نستثني من ذلك إلا اللذين استثناهما الله عزَّ وجل حين قال: إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ.

كان للمتنبي أبٌ وجدٌّ، ولكن المؤرخين والنسابين لا يعرفون من أمر جده قليلًا ولا كثيرًا، ويكادون يختلفون فِي اسمه كما رأيت.

أما أبوه فقد زعموا أنهم كانوا يعرفون عنه شيئًا، شيئًا يسيرًا جدًّا: كانوا يزعمون أنَّ أبا المتنبي كان سقاء فِي الكوفة، تحدث المؤرخون بذلك، وهم بين متحدِّث به يريد أن يرفع من شأن المتنبي الذي انحدر من رجلٍ حقيرٍ، فملأ الدنيا وشغل الناس، وبين متحدث بذلك ليضع من شأن المتنبي الذي انحدر من رجل حقير فورث عنه الحقارة، كان أبوه يبيع الماء على الناس، وكان هُوَ يبيع ماء وجهه على الممدوحين.١

وما أظن أنَّ الذين ذكروا مهنة الحسين قد قصدوا إلى إثبات الحق من حيث هُوَ حق، وتسجيل التاريخ من حيث هُوَ تاريخ، وإنما قصدوا إلى ما ذكرتُ لك: إلى الرفع من شأن المتنبي أو الوضع من قدره، فكأنهم إذن لم يصنعوا شيئًا، وكأنهم إذن لم يعرفوا من أمر المتنبي إلا مثل ما عرفوا من أمر جده، أي لم يعرفوا شيئًا ما.

ولعل المتنبي نفسه قد عرف الكثير من أمر أبيه وجده، ولكنه كان فيما يظهر غاليًا فِي الغرور مُسرفًا فِي الكبرياء؛ وكان غروره فيما يظهر أكبر من شعره فأفسد عليه الأمر إفسادًا.

والتاريخ أو القصص يحدثنا بأن أبا جرير لم يكن شيئًا، وبأن جريرًا قد أضاف إِلَيْهِ من الخلال والخصال والأخلاق ما لم يكن منه بسبب، حَتَّى غلب به الشعراء وقهر به الفحول، ثم لم يمنعه ذلك من أن يظهره للناس كما هو٢ ليثبت لهم أنَّ شعره كان أكبر من غروره، وأنَّ طبع أبيه قد خذله وأعياه فأنجده شعره، وأعانه على أنْ يخلق أباه خلقًا جديدًا.

أما المتنبي فلم يستطع شعره أن يغلب غروره، ولم يستطع أن يضيف إلى أبيه ما ليس فيه، ولم يستطع أن يخلق أباه خلقًا جديدًا، ومن يدري! لعل مصدر ذلك أنَّ جريرًا كان يعرف أباه فصوَّره كما أراد لا كما كان، وأنَّ المتنبي لم يكن يعرف أباه، فلم يستطع أن يصوره لا كما أراد ولا كما كان.

وبعدُ فليس يضع من قدر المتنبي عندي ألا يعرف لنفسه أبًا، وليس يرفع من شأنه أن يكون أبوه من المجد ونباهة الذكر بحيث كان غالب بن صعصعة أبو الفرزدق وشيخ تميم.

وأنا أقبل من المتنبي فِي إعجابٍ لا حدَّ له هذه الأبيات التي هي من أروع ما قال من الشعر:

أَنَا ابْنُ مَنْ بَعْضُهُ يَفُوقُ أَبَا الـْ
ـبَاحِثِ وَالنَّجْلُ بَعْضُ مَنْ نَجَلَهْ
وَإِنَّمَا يَذْكُرُ الْجُدُودَ لَهُمْ
مَنْ نَفَرُوهُ وَأَنْفَدُوا حِيَلَهْ
فَخْرًا لِعَضْبٍ أَرُوحُ مُشْتَمِلَهْ
وَسَمْهَرِيٍّ أَرُوحُ مُعْتَقِلَهْ
ولْيَفخرِ الفَخْرُ إِذَا غَدَوْتُ بِهِ
مُرْتَدِيًا خَيْرَهُ وَمُنْتَعِلَهْ
أَنَا الذِي بَيَّنَ الْإِلَهُ بِهِ الـْ
أَقَدَارَ والْمَرْءُ حَيْثُمَا جَعَلَهْ
جَوْهَرَةٌ تَفْرَحُ الشِّرَافُ بِهَا
وَغُصَّةٌ لَا تُسِيغُهَا السَّفِلَهْ
إِنَّ الْكِذَابَ الَّذِي أُكَادُ بِهِ
أَهْوَنُ عِنْدِي مِنْ الَّذِي نَقَلَهْ
فَلَا مُبَالٍ وَلَا مُدَاجٍ وَلَا
وَانٍ وَلَا عَاجِزٌ وَلَا تُكَلَهْ
وَدَارِعٍ سِفْتُهُ فَخَرَّ لَقًى
فِي الْمُلْتَقَى وَالْعَجَاجِ وَالْعَجَلَهْ
وَسَامِعٍ رُعْتُهُ بِقَافِيَةٍ
يَحَارُ فِيهَا الْمُنَقِّحُ القُوَلَهْ
وَرُبَّمَا أُشْهِدُ الطَّعَامَ مَعِي
مَنْ لَا يُسَاوِي الْخُبْزَ الَّذِي أَكَلَهْ
وَيُظْهِرُ الْجَهْلَ بِي وَأَعْرِفُهْ
وَالدُّرُّ دُرٌّ بِرَغْمِ مَنْ جَهِلَهْ

فالمتنبي كما ترى لا ينسب نفسه إلى أب كآباء الناس، وإنما ينسب نفسه إلى متجزئ له بعض يمتاز من كله، وبعضه هَذَا يفوق آباء الباحثين عَنْ نسبه المتقصين لأمره.

هو لا ينسب نفسه إلى رجل؛ لأنه لا يحفل أو لا يريد أن يحفل بالانتساب إلى الرجال، وإنما ينتسب إلى الآباء والجدود منْ غلبه المفاخرون وقهره المنافرون، وقطعوا عليه السبل، وسدُّوا عليه أبواب الحيلة، فاتخذ الآباء والجدود تعلةً ومعذرةً يلتمس عندهم ما لا يجد عند نفسه، ويستعير من أعمالهم ما لا يجد فِي أعماله.

هو إذن لا ينتسب إلى الرجال؛ لأنه لا يريد أو لا يستطيع أن يجد فِي الانتساب إلى الرجال غناء، وإنما ينتسب إلى معنًى بعضه يُغنِي عَنْ كل غيره، وقليله يُغني عَنْ كثيرٍ سواه، هُوَ ينتسب إلى البأس والشدة، وإلى المروءة والنجدة، وإلى ارتفاع الهمة وبعد الأمل وحسن البلاء: به يفخر السيف إنْ اشتمل السيف، وبه يفخر الرمح إن اعتقل الرمح، وبه يفخر الفخر إن اكتساه ثوبًا أو احتذاه نعلًا.

ثم هُوَ بعد ذلك حسن البلاء حين يجرِّد السيف، أو يلاعب السنان، بهذا وذاك يصرع الأبطال الدارعين، ثم هُوَ بعد هَذَا وذاك ابن الشعر الذي يقهر به الشعراء مهما ينبغوا، ويقهر به النقاد مهما يبرعوا، وهو من أجل هَذَا وذاك يزدري كثيرًا من الناس، أو قل إنه يزدري الناس جميعًا، وما أقدره على أنْ يعلن ذلك ويجهر به! لولا أنْ يمدح أبا العشائر بهذه القصيدة، وغير أبي العشائر بغير هذه القصيدة، فهو محتاج إلى أنْ يعلن هَذَا الازدراء فِي تحفظ واحتياط، وهو يكتفي هنا بأن يزدري قومًا يشهدون معه الطعام وهم لا يساوون الخبز الذي يأكلونه.

ولكن شيئًا واحدًا يحتاج إلى أن نقف عنده لحظة هُوَ هَذَا الكِذَاب الذي كان المتنبي يُكاد به عند أبي العشائر، والذي كان أهون عند المتنبي من ناقله، والذي لم يحفل به المتنبي فأعلن فِي حزم أنه لا يبالي ولا يداجي ولا يني ولا يعجز ولا يعتمد على أحد.

ما عسى أن يكون هَذَا الكِذَابُ؟ أتراه يمس نسب المتنبي من قريبٍ أو بعيدٍ؟

ليس فِي ذلك عندي من شكٍّ؛ فقد اتهم الرجل فِي نسبه، وسئل عَنْ أبيه وجده فلم يستطع، أو لم يرد أن يجيب سائليه، وآثر أن ينتسب إلى المجد والكرم والبأس، وأن يزدري الكائدين له والمرجفين به والمؤلبين عليه، ومع أنَّ هذه الأبيات تصور ضعف المتنبي من ناحية نسبه أبلغ تصوير؛ لأن هَذَا الإسراف فِي الفخر والغلو فِي التيه والإغراق فِي ازدراء العائبين دليل في حقيقة الأمر على العجز والنكول — أقول مع أنَّ هذه الأبيات تصور ضعف المتنبي من ناحية نسبه أبلغ تصوير وأقواه، فهي فِي الوقت نفسه تصور فتوَّة المتنبي وحسنَ رأيه فِي نفسه، وقوة إيمانه بهذه النفس، وصدق معرفته للناس، وشدة ازدرائه لهم، واستهزائه بهم؛ لأنه قد علم من حقائقهم ودخائل أمورهم ما دفعه دفعًا إلى هَذَا الازدراء والاستهزاء.

(٣) نسب المتنبي: أمه وجدته – عربيته

وَهَلْ كان المتنبي يعرف أمه؟ مسألةٌ فيها نظر — كما يقول الأزهريُّون — فديوان المتنبي صامتٌ بالقياس إلى أمه صمته إلى أبيه، فالصبيُّ الشابُّ، والرجل المكتهل، والمتنبي راضيًا وساخطًا، ومسرورًا ومحزونًا، لا يذكر أمه، كما أنه لا يذكر أباه، ولكن الخطب فِي أمِّ المتنبي أعظم من الخطب فِي أبيه؛ فقد سكت المتنبي نفسه عَنْ أبيه، ولكن الرواة والمؤرخين ذكروه فسموه الحسين، وعرفوا له أبًا اختلفوا فِي اسمه بعض الاختلاف، وعرفوا له صناعة هي السقاية فِي الكوفة، وهذا على قلته وضآلته كثير بالقياس إلى ما عرفوا عَنْ أم المتنبي؛ لأنهم لم يعرفوا من أمرها شيئًا، ولم يذكروا من أمرها شيئًا.

فنحن لا نعرف اسمها، ولا نعرف أباها، ولا نعرف أكانت عربية من قبل أبيها أم أعجمية، وكل ما نعرفه أنَّ أمها قد عطفت على المتنبي، وأحبته وكلفت به، وعمرت حَتَّى رأته رجلًا، وهذه السيدة التي قتلها حب حفيدها، فيما يُقال وكما سنرى، لا نعرف لها اسمًا ولا أبًا، وإنما نعرف أنَّ بعض الرواة كانوا يقولون: إنها همْدانية صحيحة النسب، وإنها كانت من صوالح نساء الكوفة، وهذا ما يعرفه عنها التاريخ، وهو كذلك كل ما يعرفه عنها ديوان المتنبي — أستغفر الله — فديوان المتنبي لا يذكر نسبها ولا يشير إليه، ولعله يشكك فيه بعض التشكيك بهذا البيت الذي أملاه الغرور وصاغته الكبرياء، ووضعه جموح الشَّاعِر فِي غير موضعه من الرثاء، وهو قوله:

وَلَوْ لَمْ تَكُونِي بِنْتَ أَكْرَمَ وَالِدٍ
لَكَانَ أَبَاكِ الضَّخْمَ كَونَكِ لِي أُمًّا

فأقل ما فِي هَذَا البيت أنَّ المتنبي يذكر لنا أنَّ جدته قد كانت بنت أكرم والد، ولكنها لم تكن محتاجة إلى هَذَا النسب لأنه حفيدها، ولكن المتنبي لم يذكر لنا شيئًا عَنْ هَذَا الوالد الذي كان أكرمَ الناس، ومن الإنصاف أنْ نلاحظ أنَّ المتنبي لم يكن يقرر فِي أكبر الظن أننا سنتشكك فِي نسبه، وسنلتمس وجه الحق فيه بعد أن يموت بألف سنة، ولو أنه قدَّر شيئًا من ذلك لأمكن أن يحتاط له بعض الاحتياط، ومن يدري! لعله كان يزدري شكَّنا — كما كان يزدري كيد المعاصرين — ولعله كان يجيبنا بكل ما أجابهم حين قال:

أَنَا ابْنُ مَنْ بَعْضُهُ يَفُوقُ أَبَا الـْ
ـبَاحِثِ وَالنَّجْلُ بَعْضُ مَنْ نَجَلَهْ
وَإِنَّمَا يَذْكُرُ الْجُدُودَ لَهُمْ
مَنْ نَفَرُوهُ وَأَنْفَدُوا حِيَلَهْ

وإذا كان الكائدون للمتنبي من معاصريه قد عجزوا عَنْ أن ينفروه وينفدوا حيله، ويضطروه إلى أن يذكر لهم آباءه وجدوده، فإن الباحثين المعاصرين لنا أعجز من أولئك الكائدين، فليس بين هؤلاء المعاصرين الباحثين وبين المتنبي منافسة ولا خصومة، وليس هؤلاء الباحثون المعاصرون من العلم بأمر المتنبي ودخيلته بحيث كان خصومه ومنافسوه فِي القرن الرابع، فليس من شكٍّ فِي أنَّ الذين عاصروا المتنبي يعرفون من سيرته — ومِن أمْره جملةً — أكثر جدًّا مما نعرف؛ لأننا لا نعرف شيئًا أو لا نكاد نعرف شيئًا، بل إنَّ مُضيَّ الزمن بيننا وبين المتنبي قد رفع الرجل عَنْ الخصومات وصفاه من أكدار المنافسة، ورفع بحثنا عنه ودرسنا له عَنْ الأحقاد والضغائن، فنحن لا نُسَرُّ، أو أنا على أقل تقدير لا أُسَرُّ ولا أحزن إن ظهر أنَّ نسب المتنبي، من جهة أبيه أو من جهة أمه، قد كان صريحًا أو مدخولًا؛ فنحن نبحث، أو أنا على أقل تقدير أبحث من أمر المتنبي عَنْ شيء أبقى وأرقى وأقومُ من نسبه العربي الصريح أو المدخول: عَنْ أدبه، وفنه، ومكانته من الأدباء، وأصحاب الفن القدماء والمحدثين.

ونحن إذا انتهينا إلى قرارة الأشياء، لا نكاد نشك فِي أنَّ المتنبي قد كان عربيًّا، ولكن بشرط أن نفهم من لفظ العربي معنى أوسع وأعمق وأصدق مما كان يفهمه النسابون فِي العصور الأولى، ومما يفهمه المقلدون من الأدباء فِي العصر الحديث.

فأين العقل العاقل الذي يستطيع أن يصدِّق ما كان يقال فِي العصور الأولى، وما لا يزال يقال فِي كثير من المدارس الأدبية، من أنَّ العربي الصريح أو العربي الصليبة هُوَ الذي يُعرَفُ له نسبٌ صحيح إلى قبيلة من قبائل العرب فِي الشمال أو فِي الجنوب؟ أين العقل العاقل الذي يُصدِّق أنَّ جميع سكان جزيرة العرب منذ العصور الجاهلية الأولى إلى هَذَا العصر الذي نعيش فيه قد حفظوا لأنفسهم أنسابًا صريحة صحيحة ترفعهم إلى عدنان أو إلى قحطان؟ إنما حفظ الأنساب مزية قد اختصَّت بها طبقات من أشراف العرب وساداتهم فِي بعض الأوقات، ثم أصبحت سنة موروثة وعادة مألوفة، ومظهرًا من مظاهر الارستقراطية، ثم فرضت على أصحابها أن يحفظوها ويتوارثوها، ويبتدعوها ابتداعًا إذا غلبهم عليها النسيان.

ومن الحديث المعاد فِي غير طائل، بل من الحديث المعاد فِي كثير من السأم والملل، أنْ نذكر ما أثير حول الأنساب وصحتها منذ أقدم العصور العربية، بل من الحديث المعاد الممل أنْ نذكر ما أثير حول صحة الأنساب عند الأمم القديمة كاليونان والرومان.

ليس من الحق إذن أنَّ العربي لا يكون عربيًّا، حَتَّى يحفظ لنفسه أو يحفظ الناس له نسبًا صحيحًا صريحًا ينتهي به إلى قبيلة من القبائل، ولو كان هَذَا حقًّا لتغير كثيرٌ جدًّا من القيَم التاريخية والمعاصرة، فأكثر الذين كانوا يرون أنفسهم عربًا فِي العصور القديمة، لم يكونوا يحفظون أنسابهم فِي أكبر الظن، والتاريخ لم يحفظها عنهم على كل حال، أفنجحد الآن أنهم كانوا عربًا؛ لأن أنسابهم لم تصل إلينا؟ وأكثر المعاصرين من الشعوب العربية فِي الشرق الأدنى، لا يحفظون أنسابهم، ولا يستطيعون أن يرقوا بها إلى عدنان أو قحطان، أفنجحد تحدُّرهم من العنصر العربي الصريح؟! وما هَذَا العنصر العربي الصريح؟ وكيف السبيل إلى تحقيقه واستخلاصه من العناصر المختلفة التي لا تحصى، والتي اتصلت به وأثرت فيه على تتابع الأحداث ومرِّ العصور؟

ولكن ماذا؟ أراني أستطرد وأُسرف فِي الاستطراد، وأكاد أثير مسألة الأجناس التي يثيرها بعض الساسة المعاصرين، ويندفعون معها إلى كثير من الحمق، وإلى كثير من الظلم أيضًا، والأمر أيسر من هذا؛ فالتفكير فِي نسب المتنبي والحديث عنه أهون من أن يدفعنا إلى أن نخوض هذه الغمرات.

كان المتنبي يرى أنه عربي، وسار حياته كلها سيرة ملائمة لهذا الرأي، ولعل هَذَا الرأي كان أبلغ المؤثرات فِي حياته العملية، وهو أبلغ المؤثرات فِي حياته الفنية على كل حال، وقد أنبأنا المتنبي برأيه هَذَا فِي نفسه حين قال:

لَا بِقَوْمِي شَرُفْتُ بَلْ شَرُفُوا بِي
وَبِنَفْسِي فَخَرْتُ لَا بِجُدُودِي
وَبِهِمْ فَخْرُ كُلِّ مَنْ نَطَقَ الضَّا
دَ وَعَوْذُ الْجَانِي وَغَوْثُ الطَّرِيدِ

فهذا البيت الثاني صريح فِي أنَّ المتنبي كان يعلن إلى الناس أنه لا يشرف بقومه وإنما يشرف قومه به، وأنه يفخر بنفسه لا بأجداده، وإن كان قومه فخر العرب ومجتمع خلالهم وخصالهم.

فما الذي يمنعنا من أن نُصدِّق المتنبي، ونرى معه أنه كان عربيًّا قحطانيًّا؟ لا شيء إلا أنه لم يحفظ نسبه، ولم يحفظه له المؤرخون؛ فأمره فِي ذلك أمر الكثرة التي لا تحصى من العرب القدماء والمحدثين الذين أضاعوا أنسابهم، أفنجحد عربيتهم؛ لأنهم قد أضاعوا هذه الأنساب؟ وما يمنعنا إذن أن نجحد إنسانية الناس؛ لأنهم لم يحفظوا أنسابهم إلى الإنسان الأول، أو إلى الأناس الأولين؟ إنما أفهم الشك فِي عربية المتنبي لو أنَّ المؤرخين رووا أنَّ له نسبًا معروفًا أو قريبًا من المعروف فِي أمة غير عربية، وأنه قد جحد هَذَا النسب وتبرأ منه، واصطنع لنفسه نسبًا عربيًّا، ولكني لم أر أحدًا عاب المتنبي بهذا، أو أضاف إِلَيْهِ نسبًا أعجميًّا أو جعله عربيًّا بالولاء، وإذن فلنقبل من المتنبي، ومن أصدقائه انتسابه إلى العرب؛ فذلك لا يُغيِّر من العلم شيئًا، وأكبر الظن أنه يلائم الحق.

أفهم أنْ يُنْسب ابن الرومي إلى اليونان؛ لأن جده اليوناني قد حفظ اسمه، وأنْ ينسب من قِبَل أمه إلى الفرس؛ لأن أمه الفارسية قد كانت معروفة، وأفهم أنْ ينسب بشار إلى الفرس؛ لأنه كان يفاخر بذلك ولا يخفيه، وأفهم أنْ تثار المناقشات إن زعم زاعم أنْ بشارًا كان عربيًّا، بل أفهم أن تثار المناقشات حول طائية أبي تمام، ثم حول عربيته؛ لأن المعاصرين قد شكُّوا فِي نسبه وغمزوه ببعض الهنات، ولكني لا أفهم الشك فِي عربية المتنبي، ما دامت القرائن لا تنسبه إلى أمة أعجمية، وما دام خصومه على كثرتهم وشدة بأسهم لم يفعلوا ذلك، وما دام هُوَ ينبئنا بأنه عربي صريح.

ومن حقك أنْ تسألني لماذا أطيل الحديث عَنْ نسب المتنبي، وأظهر الشك فِي معرفته لأمه ومعرفته لأبيه ما دمت لا أميل إلى الجدال فِي عنصره العربي الصريح؟ من حقك أن تلقي عليَّ هَذَا السؤال.

فاعلم يا سيدي أني لم أُثِرْ هذه المناقشة الطويلة لأعرف أكان المتنبي عربيًّا أم أعجميًّا، وإنما أثرتها لأنتهي منها إلى حقيقة يظهر أنها لا تقبل الشك، وهي أنَّ المتنبي لم يكن يستطيع أنْ يفاخر بأسرته، ولا أنْ يجهر بذكر أمه وأبيه، التمسْ لذلك ما شئت من علة، فهذا لا يعنيني، وإنما الذي يعنيني، ويجب أنْ يعنيك، هُوَ أنَّ شعور المتنبي الصبي بهذه الضِّعة أو بهذا الضعف من ناحية أسرته وأهله الأَدنَيْنَ قد كان العنصر الأول الذي أثر فِي شخصية المتنبي، وبغَّض إِلَيْهِ الناس، وفرض عليه أنْ يرى أنَّ حياته بينهم لم تكن كحياة أترابه ورفاقه، وإنما كانت حياة يحيط بها كثيرٌ من الغموض، ويأخذها كثير من الشذوذ.

رأى نفسه شاذًّا لأمرٍ ليس له فيه يد، وليس له عليه سلطان، ففكر تفكير الشاذ وعاش عيشة الشاذ، ثم انضمت إلى هَذَا العنصر عناصر أخرى سيظهرها لنا شعره، فكوَّنت هذه الشخصية التي لم نستطع أنْ نفهمها، ولا أنْ نحللها إلى الآن.

ليكن المتنبي عربيًّا من قحطان أو من عدنان، أو ليكن فارسيًّا، أو ليكن نبطيًّا، أو ليكن ما شئت؛ فالأمر الذي لا شك فيه هُوَ أنَّ هَذَا الصبي الذي نراه متى أخذنا فِي قراءة ديوانه، نبات شعبي خالص، نشأ فِي هَذَا الشعب الكوفي الذي كان فِي أوائل القرن الرابع مضطربًا أشد الاضطراب، فدَرْسُ هذه البيئة الشعبية الكوفية التي أنبتت هَذَا النبات الشاذ أقوَمُ وأجدى من البحث عَنْ أبيه، أكان من جعفى، وعن أمه أكانت من همدان.

وتسألني — ومن حقك أنْ تسألني — عَنْ مظاهر هَذَا الغموض الذي أحاط بحياة المتنبي، وعن مواطن هَذَا الشذوذ الذي أخذه من كل وجه فِي بيئته الكوفية، فلاحِظْ قبل كل شيء غموض الأمر فِي نسبه، ولاحظ بعد ذلك خلو ديوانه من ذكر أمه وأبيه، أو الإشارة إليهما، ولاحظ بعد هَذَا وذاك هَذَا الكِذَابَ الذي كان يُكاد به عند أبي العشائر، ثم لاحظ آخر الأمر أنه حين عرف شوق جدته إليه، ووجد الشوق إلى لقائها، وذهب لتنعم وينعم هُوَ بهذا اللقاء، لم يستطع أنْ يدخل الكوفة، فذهب إلى بغداد وكتب إلى جدته لتشخص إليه، فلما انتهى إِلَيْهَا كتابه فرحت به فقتلها الفرح.

أليس هَذَا كله دليلًا على أنَّ شيئًا كثيرًا من الغموض قد أحاط بأسرة المتنبي؟

لماذا احتاج المؤرخون إلى أنْ يتحدثوا عَنْ أبيه، وعجزوا أو لم يريدوا أنْ يتحدثوا عَنْ أمه، ولم يتحدث هُوَ عَنْ هذه وذاك؟

لماذا كاد الكائدون للمتنبي فِي نسبه؟ لماذا تعمد الغربة عَنْ الكوفة وألحَّ فيها، وتجنب الحياة فِي العراق ما وسعه هَذَا التجنب؟ لماذا عجز عَنْ دخول الكوفة حين خفَّ للقاء جدته، فمضى إلى بغداد وطلب إلى جدته أنْ تشخص إليه؟

كل هذه الحقائق واقعة لا نستطيع أنْ نشك فيها، ولكننا لا نستطيع أنْ نعللها تعليلًا قاطعًا، والمتنبي يحقق لنا هذه الأحداث فِي هذه القصيدة الخالدة التي يرثي بها جدَّته، فاقرأ معي هذه الأبيات، ولكن قراءة المستأني المتمهل الذي لا يمر بالشعر مرًّا، والذي لا يشغله الجمال الفني عَنْ التماس نفس الشاعر، وما يُكنُّ فِي ضميره من العواطف المكظومة، والأهواء المكتومة، والخواطر التي لا يعرب عنها إلا بالإشارة والتلميح:

طَلَبْتُ لَهَا حَظًّا فَفَاتَتْ وَفَاتَني
وَقَدْ رَضِيَتْ بِي لَوْ رَضِيتُ بِهَا قِسْمَا
فَأَصْبَحتُ أَسْتَسْقِي الْغَمَامَ لِقَبْرِهَا
وَقَدْ كُنْتُ أَسْتَسْقِي الْوَغَى وَالْقَنَا الصُّمَّا
وَكُنْتُ قُبَيْلَ الْمَوْتِ أَسْتَعْظِمُ النَّوَى
فَقَدْ صَارَتِ الصُّغْرَى الَّتِي كَانَتِ الْعُظْمَى
هَبِينِي أَخَذْتُ الثَّأْرَ فِيكِ مِنَ العِدَى
فَكَيْفَ بِأَخْذِ الثَّأْرِ فِيكِ مِنَ الحُمَّى
وَمَا انْسَدَّتِ الدُّنْيَا عَلَيَّ لِضِيقِهَا
وَلَكِنَّ طَرْفًا لَا أَرَاكِ بِهِ أَعْمَى
فَوَا أَسَفَا ألَّا أُكِبَّ مُقَبِّلًا
لِرَأْسِكِ والصَّدْرِ اللَّذَيْ مُلِئَا حَزْمَا
وَأَلَّا أُلَاقِي رُوحَكِ الطَّيِّبَ الَّذِي
كَأَنَّ ذَكِيَّ المِسْكِ كَانَ لَهُ جِسْمَا
ولَوْ لمْ تَكُوني بِنْتَ أكْرَمِ وَالِدٍ
لَكَانَ أَبَاكِ الضَّخْمَ كَوْنُكِ لِي أُمَّا
لَئِنْ لَذَّ يَوْمُ الشّامِتِينَ بموتها
لَقَدْ وَلَدَتْ منِّي لِأَنْفِهِمُ رَغْمَا
تَغَرَّبَ لَا مُسْتَعْظِمًا غَيْرَ نَفْسِهِ
وَلَا قَابِلًا إِلَّا لِخَالِقِهِ حُكْمَا
وَلَا سَالِكًا إِلَّا فُؤَادَ عَجَاجَةٍ
وَلَا وَاجِدًا إِلَّا لِمَكْرُمَةٍ طَعْمَا
يَقُولُونَ لِي مَا أَنْتَ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ
وَمَا تَبْتَغِي؟ مَا أَبْتَغي جَلَّ أَنْ يُسْمَى
كَأَنَّ بَنِيهِمْ عَالِمُونَ بِأنَّنِي
جَلُوبٌ إِلَيْهِمْ مِنْ مَعَادِنُهُ اليُتْمَا
وَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالنَّارِ فِي يَدِي
بِأَصْعَبَ مِنْ أَنْ أَجْمَعَ الْجَدَّ وَالْفَهْمَا
وَلَكِنَّنِي مُسْتَنْصِرٌ بِذُبَابِهِ
ومُرْتكِبٌ فِي كُلِّ حَالٍ بِهِ الغَشْمَا
وَجَاعِلُهُ يَوْمَ اللِّقَاءِ تَحِيَّتِي
وَإِلَّا فَلَسْتُ السَّيِّدَ البَطَلَ القَرْمَا
إِذَا فَلَّ عَزْمِي عَنْ مَدًى خَوْفُ بُعْدِهِ
فَأَبْعَدُ شيء مُمْكِنٌ لَمْ يَجِدْ عَزْمَا
وَإِنِّي لَمِنْ قَوْمٍ كَأَنَّ نُفُوسَهُمْ
بِهَا أَنَفٌ أَنْ تَسْكُنَ اللَّحْمَ والْعَظْمَا
كَذَا أَنَا يَا دُنْيَا إِذَا شِئْتِ فَاذْهَبِي
وَيَا نَفْسُ زِيدِي فِي كَرَائِهِهَا قُدْمَا
فَلَا عَبَرَتْ بِي سَاعَةٌ لَا تُعِزُّنِي
وَلَا صَحِبَتْنِي مُهْجَةٌ تَقْبَلُ الظُّلْمَا

فهو قد طلب لجدته حظًّا لم يدركه؛ لأنها أسرعت إلى الموت، ولأن هَذَا الحظ أبطأ على طالبه، وهو يسأل كيف يستطيع أنْ يثأر لها من الحمى التي قضت عليها، على فرض أنه استطاع أن يثأر لها من الأعداء الذين أساءوا إليها.

فمن حقنا أن نسأل عَنْ هؤلاء الأعداء من هم، ومن عسى أن يكونوا؟ ومن حقنا أن نسأل عَنْ هذه المساءة ما هي وما عسى أن تكون؟ من حقنا أنْ نسأل، ولكن المتنبي لم يقدر هَذَا السؤال فلم يجب، أو قدَّره ولم يرد أنْ يجيب عنه؛ لأنه آثر التلميح على التصريح، ولأنه رأى، ومن حقه أنْ يرى أنَّ هذه أمور لا ينبغي أنْ تعنينا، أو إنما هي تعنيه وحده، وحسبه أنْ يعرف بعضها ناس من المعاصرين قليلون أو كثيرون.

هذا يدل من غير شك على أنَّ سرًّا من الأسرار كان يكتنف حياة أبي الطيب ويحيط بأسرته، ويستر عنا حقيقة الصلة التي كانت بينه وبين هذه الجدة الصالحة، والتي كانت بين الحسين السقاء وبين هذه الجدة الصالحة أيضًا، والتي اقتضت أنْ تُهْمَل أمَّ المتنبي إهمالًا تامًّا.

والمتنبي لا يكتفي بهذا التلميح الموجز، وإنما يطيل فيه إطالة مقصودة تصور ما يملأ نفسه من الضغينة والحقد، وما يفعم قلبه من الموجدة والبغض، ولكنه على هذه الإطالة لا يفصِّل هَذَا التلميح ولا يكشف عما يدل عليه من غموض، فهو يحدثنا بأن قومًا قد يسرُّون بموت جدته، ويشتمون به وبها، ولكنه يعلن إلى هؤلاء الناس أنها إن مضت وأعجزها الموت عَنْ أن تكبتهم وتردَّ كيدهم فِي نحورهم، فقد ولدته رغمًا لأنوفهم، وكبتًا لما فِي صدورهم من الحقد والشنآن، ثم هُوَ يصف لنا نفسه، كما تعوَّد أنْ يصفها، شديدة البأس، قوية المراس، أبية الضيم، ممتنعة على الذل، ولكننا نقف من هَذَا الوصف المألوف فِي شعر المتنبي عند هَذَا البيت الذي لا يخلو من غرابة تدعو إلى التفكير:

تَغَرَّبَ لَا مُسْتَعْظِمًا غَيْرَ نَفْسِهِ
وَلَا قَابِلًا إِلَّا لِخَالِقِهِ حُكْمَا

فهو إذن لم يتغرب عَنْ الكوفة حبًّا فِي الغربة، ولكن إيثارًا لها ولمشقاتها وأخطارها على العافية فِي الكوفة، وهو لأمر ما قد آثر هذه الغربة، وتعرَّض لما قد تتكشف عنه من الأخطار والأهوال.

ولعلنا نغلو حين نقول: لأمرٍ ما؛ فهو يبين لنا هَذَا الأمر أو هذه الأمور فِي هَذَا البيت نفسه وفي الأبيات التي تليه، فهو تغرب لأنه لم يكن يستعظم إلا نفسه، وهو تغرَّب لأنه لم يكن يقبل حكمًا إلا لخالقه، وما معنى هذا؟ معناه فِي أكبر الظن أنه تغرَّب منكرًا للحياة فِي الكوفة، وماذا عسى أنْ ينكر من الحياة فِي الكوفة؟ إنما هما أمران اثنان كانا خليقين أنْ ينكرهما المتنبي، أحدهما يتصل بالحياة الاجتماعية والآخر يتصل بالحياة السياسية، وليس من شكٍّ عندي — ولك أنت أنْ تشك — فِي أنَّ المتنبي لمَّا تقدمت به السن قليلًا قد عرف من أمر نفسه ومن أمر أسرته ما أنكره، وما لم يستطع أنْ يقيم معه فِي الكوفة فآثر الرحيل.

فهذا هُوَ الأمر الاجتماعي الذي يتصل بشخص المتنبي وأسرته، ومكانه ومكان هذه الأسرة فِي طبقته الاجتماعية، فأما الأمر الآخر الذي يتصل بالحياة السياسية، فأبيات المتنبي التي رويناها آنفًا، تدل عليه أَيْضًا دلالة واضحة، وسنتبينه بعد قليل فِي شيء من الجلاء لا يحتمل اللبس، وهو عندي أثر من آثار الأمر الأول، فقد كان المتنبي ثائرًا على نظام الحكم المستقر فِي الكوفة، ضيقًا به، راغبًا فِي تغييره أو جادًّا فِي هَذَا التغيير، ولعل هَذَا كله لم يقنعك كما أقنعني بأن طفولة المتنبي لم تكن طفولة عادية مألوفة، وبأن صبا المتنبي لم يكن صبًا عاديًّا مألوفًا، وبأن الكِذَاب الذي كان يُكاد به عند أبي العشائر ويراه أهون عنده من ناقله، لم يكن كِذَابًا كله وإنما كان له أصل يملأ صدر المتنبي غيظًا وحفيظةً ويذوده عَنْ الكوفة، بل يُبغِّض إِلَيْهِ الحياة فِي العراق، ويحمله على أن ينفق عمره غريبًا مجولًا فِي الآفاق.

هذا كله يكفيني لأقتنع بأن مولد المتنبي كان شاذًّا، وبأن المتنبي أدرك هَذَا الشذوذ وتأثر به فِي سيرته كلها، ولم يستطع أنْ يلائم بين نفسه الشاذة وبين البيئة الكوفية التي كان يراد له أنه يعيش فيها، فما هذه البيئة؟

(٤) الحياة الإسلامية حين ولد المتنبي

وهل تريدني على أن أعيد عليك ما امتلأت به الكتب والصحف من تصوير الحياة العراقية خاصة، والإسلامية عامة، آخر القرن الثالث وأول القرن الرابع؟ أظنك أرفق بنفسك وبي من أنْ تنتظر مني هَذَا الحديث المعاد، ولكن لا بأس بأن نتذكر إنْ كنا قد نسينا أنَّ هذه الحياة العراقية خاصة والإسلامية عامة كانت تنحل إلى ثلاثة أشياء، كل منها خليق بالتفكير الطويل العميق؛ لأن لكلٍ منها أثرًا بالغًا فِي أحداث ذلك العصر على اختلافها:

الأمر الأول فساد السياسة، والأمر الثاني الاقتصاد، والأمر الثالث رقيُّ العقل، وما أظن أنك محتاج إلى أن أذكر لك فساد أمر الخلافة فِي ذلك العصر؛ فكل كتب التاريخ وكل كتب الأدب تُصوِّر لك ما كان من انهيار سلطان الخلفاء وانحلال أمرهم، وخضوعهم المطلق لعبث الجند، وقادة الجند، ولسلطان الخدم والنساء؛ وما نشأ عَنْ ذلك كله من عجز السلطان المركزي فِي بغداد عَنْ أنْ يجمع أطراف الدولة ويحزم أمرها، كما كان يفعل حين كان الخلفاء خلفاء، وحين كانت الخلافة خلافة، وحين لم يكن أمير المؤمنين لعبة فِي يد خادم أو أمة؛ ثم ما نشأ عَنْ هَذَا كله من استقلال الأطراف، وطموح الولاة إلى الملك، وظهور القوميات الوطنية فِي الشرق والغرب، ونشوء عهد يشبه عهد الإقطاع فِي أوربا أثناء القرون الوسطى.

أنت تعرف هَذَا كله، ولست أحدثك بجديد إنْ أعدته عليك، وهو من غير شك يصور لك فساد السياسة الإسلامية فِي ذلك العصر، وفساد هذه السياسة الإسلامية قد استتبع من غير شك فساد الاقتصاد الإسلامي، فما دام السلطان المركزي مضطربًا عاجزًا، كثير التقلب، فشئون المال فِي الدولة مضطربة مختلطة كثيرة الارتباك، وإذن فجباية الضرائب، وتحصيل الدخل وملء الخزانة، كل ذلك مضطرب أيضًا، وإذن فدافعو الضرائب على اختلافهم وتباين طبقاتهم، معرَّضون لألوان من الظلم لا يمكن إحصاؤها، وإذن فالتعاون بينهم وبين السلطان منعدم، وسوء الظن قائم مقام هَذَا التعاون.

السلطان محتاج إلى المال دائمًا، وهو معتقد أنَّ الرعية قادرة دائمًا على أن ترضي حاجته إلى هَذَا المال، والرعية سيئة الرأي فِي السلطان، ترى ظلمه وبطشه، وعجزه وعبثه بما تدفع إِلَيْهِ من مال، فلا تطيب له نفسها عَنْ شيء؛ فهي تُظهر الفقر، وتعلن الشكوى، وتضمر البغض للحكومة، وتجدُّ فِي أن تخفي عليها ما تملك، فالعداء مستحكم بين الراعي والرعية؛ كلٌ يرى نفسه لصاحبه خصمًا، وكلٌ ينتهز لصاحبه الفرصة ويتربص بصاحبه الدوائر، وعجز السلطان واضطرابه، وعبث الجند والخدم يدفعه إلى شيء آخر غير ظلم الرعية، يدفعه إلى ظلم أعوانه أنفسهم؛ فهو يأجر الجند إنْ استطاع، فإذا أعياه ذلك لم يؤد إلى الجند أجورهم؛ وإذن فسوء الظن قائمٌ بينه وبين الجند: يرى هُوَ أنهم نهمون لا يشبعون، ويرون هم أنهم مستأثر دونهم بالمال، يستغلهم ولا يُؤدي إليهم أجرًا، فسياسة السلطان للجند وطاعة الجند للسلطان يقومان على المكر والخداع، أكثر مما يقومان على الصراحة والإخلاص، والأمر ليس مقصورًا على الجند وقادتهم، ولكنه يتجاوز أولئك وهؤلاء إلى أصحاب المناصب المدنية على اختلافها؛ فهم أَيْضًا لا يتقاضون أجورهم فِي نظام، وهم أَيْضًا مدفوعون إلى أنْ يسيئوا الظن بالسلطان، والسلطان مدفوع إلى أنْ يُسِيء الظن بهم، وهم مدفوعون إلى شرٍّ من هذا، مدفوعون إلى أن يأجروا أنفسهم على حساب الرعية، يَظلمون ويغصبون، ويسرقون ويرتشون، والرعية ترى هَذَا وتتقيه ما استطاعت — وقلما تستطيع — فهي تنكر السلطان وجند السلطان، وأعوان السلطان، وهي أَيْضًا تريد أن تعيش، وأن تعيش فِي لين إن وجدت إلى ذلك سبيلًا، والسلطان يضرب لها المثل وينصب لها القدوة، فما لها لا تظلم كما يظلم السلطان! وما لها لا تغضب كما يغضب السلطان! وإذن فقوام الأمر كله الظلم والغصب، وإفلات المرء بما يستطيع أن يفلت به من نعيم الحياة ولذاتها.

ومن هنا يوجد الأغنياء الذين لا تُحصى ثروتهم، والفقراء الذين لا يُتَصَوَّر فقرهم، والمضطربون بين الغني والفقير الذين يواتيهم الحظ فيبلغون أقصى النعيم، ثم تخلفهم الأماني وعودها فيهبطون إلى قرارة البؤس.

وما أظنك فِي حاجة إلى أن أؤكد لك أنَّ هذه الصور التي عرضتها عليك ليست صورًا قد اخترعها الخيال من عند نفسه، وألفها تأليفًا، مؤثرًا فِي هَذَا التأليف الغلو والإغراق، إنما هي صور متواضعة، أقل ما توصف به أنها أيسر وأهون وأقل بشاعة وسماجة مما نقرؤه فِي كتب التاريخ الذي يعرض علينا فساد السياسة والاقتصاد مفصلًا أقبح تفصيل وأشنعه، يعرضه علينا مكتوبًا بالدم لا بالمداد.

أما رقيُّ العقل فِي هَذَا العصر فليس أقل ظهورًا وجلاءً من فساد السياسة والاقتصاد، فهو العصر الذي نضجت فيه الحضارة الإسلامية، وأدركت رشدها، واستكملت قوتها، وأخذت تؤتي ثمرها طيبًا لذيذًا فِي كل فرع من فروع العلم والفلسفة والأدب والفن.

وكان العراق بالضبط أخصب مركز لهذه الحضارة الناضجة الراشدة المثمرة: فيه التقت أكثر الأجناس التي تتألف منها الدولة الإسلامية، أو على أكثر تقدير أكثر هذه الأجناس استعدادًا للحضارة، وأحسنها بلاءً فيها، وأعظمها حظًّا من الإنتاج قديمًا وحديثًا، فيه كان العرب ومعهم تراثهم التليد والطريف من الأدب والدين، وفيه كان الفرس ومعهم حضارتهم الساسانية المعقدة التي تمتاز بالترف المادي والعقلي معًا، وفيه كانت أخلاط الساميين الذين نقلوا تراث اليهود، وتمثلوا تراث اليونان، وكانوا تراجمة لهذه الحضارة الجديدة، ينقلون إِلَيْهَا تراث الأولين من أهل الشرق والغرب، ويعينونها على أن تسيغه وتتمثله، ولم يخلُ العراق من يونانيين انحدروا إِلَيْهِ وأقاموا فيه طائعين للاقتصاد والتماس المنفعة، وكارهين بحكم الحرب المتصلة بين المسلمين والبيزنطيين وبحكم الرق أيضًا، ولم يخلُ العراق من الهنود الذين كانوا يفدون طوعًا أو كرهًا كاليونان، ثم لم يخلُ العراق ممن كانوا يمثلون الأقاليم والأطراف الغربية للدولة، كانوا يفدون للتجارة، وكانوا يفدون للسياسة، وكانوا يفدون لطلب العلم أيضًا، وكل هذه الأجناس كانت تلتقي متعارفة لا متناكرة، ومؤتلفة لا مختلفة، ومتعاونة لا متقاطعة، قد زالت بينها الفروق، وألغيت بينها الحجب، وصبغتها الحضارة الجديدة صبغة واحدة، وجعلت لها لغة واحدة هي اللغة العربية، بها تتحدث، وبها تكتب، وفيها تدوِّن، وعن هَذَا كله نشأت الظاهرة التي تعنينا الآن، وهي أنَّ رقيَّ العقل فِي هَذَا العصر قد انتهى إلى ما لم ينته إليه قط فِي العصور الإسلامية السابقة، فأحدث آثارًا غريبة أقل ما توصف به أنها كانت متناقضة أشد التناقض.

اختلطت الثقافات المختلفة وانتشرت فِي الطبقات كلها، فِي الطبقات القوية، وفي الطبقات الوسطى، وفي الطبقات الضعيفة الخاملة، ونشأ عَنْ انتشار الثقافة وتغلغل العلم فِي جميع الطبقات أنَّ كل متعلم مثقف طمح إلى حالٍ خير من حاله التي هُوَ فيها، وفتحت الثقافة للمثقفين أبواب الحيل، ومدت لهم أسباب النجح، ومهدت لهم سبل الفوز، فأما الأغنياء وأصحاب الصولة فقد طمعوا وجهدوا فِي أن يتزيدوا من الغنى والصولة، وظفروا من ذلك بالشيء الكثير، وأما أوساط الناس فقد طمعوا فِي السيادة، وسموا إلى المكانات العليا، وبلغوا منها كثيرًا مما أرادوا، وأما الطبقات الضعيفة الخاملة فقد طمعت فِي أن ترقى درجة أو درجات، وظفرت من ذلك بكثير مما أرادت أيضًا، ولكن الطمع الإنساني لا حد له، والطموح إلى الكمال لا يقف، والأمور الاجتماعية لا تطرد على هَذَا النحو السهل الذي يتصوره العقل، فكل طمع فِي أي طبقة من الطبقات يصدُّه طمع مثله، وكل طموح يقاومه مثله، وكل ظفر ينتهي إِلَيْهِ فرد من الأفراد أو طبقة من الطبقات، إنما هُوَ انتصار على فردٍ آخر، أو ظهور على طبقة أخرى؛ فهو إن أرضى قومًا يسخط آخرين، والحياة الإنسانية لذلك دائمًا حربٌ متصلة، وصراعٌ مستمر، وطموحٌ لا ينقضي، وآمالٌ لا تُحدُّ وجشعٌ لا يُرضى. فإذا أتيح لهذه الحياة سلاحٌ من العقل الراقي والثقافة الواسعة، والعلم الذي يفتق الحيلة ويرهف الحس ويذكي نار الشعور ويشحذ العزم، لم يكن بدٌّ من أن ينتهي الأمر إلى الثورة وإلى الاضطراب، وإلى مثل ما نشهده فِي ذلك العصر من فساد السياسة والاقتصاد والخلق والشعور الديني أيضًا، وإذا كنا قد لاحظنا ما لاحظناه من فساد السياسة الإسلامية فِي ذلك الوقت وغليانها كما يغلي المرجل، ثم انفجارها آخر الأمر وانتهائها إلى ما انتهت إِلَيْهِ من الكوارث والأحداث، فالثورة البابكية أو الخرَّمية فِي أول القرن الثالث، وثورة الزنج أواسط هَذَا القرن، وثورة القرامطة فِي آخره وفي أثناء القرن الرابع، لم تكن إلا نتائج طبيعية لتفاعل هذه العناصر التي أشرنا إِلَيْهَا فِي كثير من الإيجاز.

ولعل أخص ما تمتاز به هذه الثورات الثلاث أنها كلها كانت تقصد إلى تغيير الحياة الاقتصادية، بحيث يغير توزيع الثروة بين الناس، ويتحقق شيء من العدل والمساواة بين الأفراد والجماعات، وأنها كلها كانت تقصد كذلك إلى تقوية الشخصية الفردية، وتحريرها بين القيود والأغلال التي فرضها عليها النظام الديني والسياسي والاجتماعي، فقد كان الأفراد كما هم دائمًا يحتالون فِي أن يتحللوا من هذه القيود بين الحين والحين؛ فكانوا يحاولون اللهو والعبث، واستباحة ما لم يكن مباحًا، يجهرون بذلك إن أتيحت لهم الفرص، ويسرُّون ذلك إن حيل بينهم وبين الإعلان، فإذا هذه الثورات تطالب لهم بالحق فِي أن يجهروا من ذلك بما أحبوا، وفي أن يأخذوا من ذلك ما أرادوا، تعلن ذلك فِي غير تحفظٍ حينًا، وتعلن ذلك مع التحفظ والاحتياطِ حينًا آخر، وهي على كل حال تتملق أحوال العامة وشهواتهم وحاجاتهم إلى استباحة ما لا يباح، والاستمتاع بما لا يحل الاستمتاع به.

والثقافة تُهوِّن عليهم إثم ذلك من جهة، وتفتق لهم الحيلة فِي ذلك من جهة أخرى، والغرائز المظلومة تستجيب لهذه الدعوات الجريئة الملحة المغرية، والأمر يختلط بين الخاصة والعامة، وبين العالم والجاهل، وبين المقدم عَنْ فهمٍ ورأي، والمقدم عَنْ انتهاز للفرصة واستمتاع بالساعة التي هُوَ فيها؛ حَتَّى فسد الأمر واختلط، وحتى طغى السيل وكاد يكتسح كل شيء، وقد قاومه المعتضد، وأقام الجسور التي حصرته حينًا، ولكن المعتضد لم يكد يموت حَتَّى انهارت هذه الجسور، واندفع السيل أمامه لا يلوي على شيء، وعجزت الدولة الإسلامية عَنْ مقاومة هَذَا الطوفان الخطر الذي أثاره ما كان من التفاعل بين هذه العناصر التي صورناها منذ حين.

في هَذَا العصر الذي نحن بإزائه عظمت الشخصية الفردية حَتَّى انتهت من القوة إلى حدٍّ لم تبلغه قط فِي التاريخ الإسلامي، وضعفت قوة الجماعة حَتَّى كادت لا تكون شيئًا يُذكر، ونشأ عَنْ ذلك أن قويت الأثرة، وتحكمت فِي الأفراد، وتسلطت على سيرتهم وتفكيرهم، وامَّحى الإيثار أو كاد يَمَّحِي، وضعف تأثير العواطف الطبيعية التي تعتمد عليها الحياة الاجتماعية المستقرة؛ ولم يكن غريبًا أن يمكر الصديق بصديقه، ويغدر الخليل بخليله، ويكيد الابن لأبيه، ويبغي الأخ على أخيه، ولم يكن من الغريب أن تستباح الدماء التي عصمها الله، وتُنتهك الحرمات التي أمر الله أن ترعى.

ويجب أن نلاحظ أنَّ كل هذه الظواهر التي كانت حقائق واقعة فِي ذلك العصر، لم تكن تتخذ طرقها ميسرة ممهدة مستقيمة، وإنما كانت تلتوي وتعوَج وتدور حول الصعاب والمشكلات إذا لم تستطع أن تقتحمها، وليس من شكٍّ فِي أنَّ كثيرًا من التضليل والتغرير قد سلط على جماعاتٍ بريئة مطمئنة غافلة؛ فَلَّبَس لها الحق بالباطل، وزَيَّن لها الشر حَتَّى رأته خيرًا، ودفعها بألوان الإغراء العنيف حَتَّى اندفعت أمامها فِي هذه الصحراء تلتمس الري من هَذَا الماء الذي كانت تراه رأي العين وتركض إليه؛ حَتَّى إذا بلغته لم تجده شيئًا ووجدت عنده الخيبة والبؤس والشقاء.

فهذه الجماعات الضخمة التي ثارت مع بابك الخرمي أو مع صاحب الزنج أو مع دعاة القرامطة، لم تكن كلها مُقدِمة عَنْ علم بما تُقدِم عليه، وإنما ثارت تلتمس العدل الاجتماعي الذي تتطلبه النفس الإنسانية دائمًا، وتتطلبه مُلحَّةً شاكيةً كلما عظم حظها من البؤس والشقاء، وقد عرف قادتها وسادتها كيف يُلْبِسون عليها الأمر ويزينون لها الشر، وعرف الحكام وأعوان الحكام كيف يبغِّضون إِلَيْهَا النظام القائم ويزهدونها فيه، ويدفعونها إلى الثورة به والخروج عليه.

في هَذَا العصر الذي نحن بإزائه، وفي هَذَا الاضطراب المتصل والفساد الشائع، كثر المغامرون والمخاطرون وأصحاب المطامع التي لا تحدُّ، وظفر بعض هؤلاء المغامرين بما كان يريده كله أو بعضه، ظفرًا يطول حينًا ويقصر حينًا، ولكنه ظفر على كل حال، من شأنه أن يغري بالمغامرة ويدفع إلى المخاطرة، ويزيد أثرة الأفراد، ويُضعِف فِي حياة الجماعات فسادًا إلى فساد.

في هذه البيئة المنكرة، التي لم نبالغ ولم نغلُ فِي تصويرها ولد المتنبي، وأكبر الظن أنَّ مولده كان أثرًا من آثار هَذَا الفساد العظيم، أو أنه لم يخل من تأثر به على كل حال.

وُلد المتنبي فِي بيئةٍ كان الدم يصبغها من حينٍ إلى حينٍ، كان الدم يصبغها ثم لا يكاد يجف حَتَّى يُسفك دم آخر، ولم يكن الدم وحده يصبغها، وإنما كان يصبغها صبغ آخر ليس أقل نكرًا من سفك الدم، هُوَ النهب والسلب، واستباحة الأعراض وانتهاك الحرمات، والاستخفاف بقوانين الخلق والدين.

أضف إلى هَذَا الشر كله شرًّا آخر سياسيًّا جنسيًّا، إن صح هَذَا التعبير، وهو أنَّ الأمة العربية التي أقامت هَذَا الملك الضخم، وشيَّدت هذه الحضارة المزدهرة، قد غُلبت على أمرها وطُردت من مستقر سلطانها؛ فانحاز إلى الشام والجزيرة منها من انحاز، وخضع للذل منها من أقام فِي العراق، ودُفع إلى الجهالة والبداوة منها من انحاز إلى جزيرة العرب وأقام فيها، وتسلط الغلمان والرقيق والمغامرون من الخدم وأشباه الخدم على الملوك والأمراء والخلفاء يعبثون باسمهم ويبطشون بسلطانهم ويظلمون دون أن يردعهم رادع أو يزعهم وازع أو يصدُّهم عَنْ ذلك صادٌّ، فعامة الناس طامعون فِي العدل العام، وهم مع ذلك ينكر بعضهم بعضًا، ويمكر بعضهم ببعض، ويعتدي بعضهم على بعض، وخاصة الناس متنافسون متدابرون لا يعرفون لما بينهم من التنافس والتدابر حدًّا، ولا يعرفون لما يثيره التنافس والتدابر فِي نفوسهم من الآمال والأهواء ومن المطامع والمآرب غاية ينتهون إليها.

ملك عظيم ينقض، وسلطان هائل ينهار، وقومٌ يتهالكون على فتات ذلك المُلك وأنقاض هَذَا السلطان، فإذا ولد فِي هذه البيئة صبي ذكي القلب، مرهف الحس، رقيق المزاج، حاد الشعور، ملتهب العاطفة، قوي الخيال، كان من الطبيعي أنْ يسير السيرة التي تكوِّن منه هَذَا الشخص الذي يعرف بالمتنبي.

ومع ذلك فقد يكون من الخير أن نصحب هَذَا المتنبي فِي طريقه القصيرة التي سلكها منذ وُلد سنة ثلاث وثلاثمائة إلى أنْ مات سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، وقد نجد غموضًا والتواء فِي هذه الطريق، ولكنها على كل حال أيسر من كثير من الطرق التي سلكها غيره من الشعراء؛ لأنه هُوَ قد يسرها لنا فأحسن تيسيرها.

(٥) صِبى المتنبي في العراق

وطفولة المتنبي مجهولة بالطبع كطفولة غيره من الشعراء الذين عاصروه أو سبقوه، وليس فِي ذلك شيء من الغرابة، ما دمنا نجهل من أمر أسرته الخاصة كل شيء، أو نكاد نجهل من أمرها كل شيء، وما دمنا لا نعرف شيئًا عَنْ أمه، ولا نكاد نعرف أو لا نعرف شيئًا عَنْ أبيه؛ فطبيعي ألا نعرف عَنْ طفولته شيئًا ما.

والذي نعرفه عَنْ صبا المتنبي ينقسم قسمين: أحدهما ينبئنا به الرواة، وأنا أقف منه موقف التحفظ والاحتياط، ولكني لا أهمله ولا ألغيه.

والآخر ينبئنا به المتنبي نفسه، فيما حفظ لنا ديوانه من شعر الصبا، وأنا أطمئن إِلَيْهِ اطمئنانًا ما، وآخذه أخذ الناقد الذي لا يُصدِّق كل ما يُلقَى إِلَيْهِ فِي غير تفكير.

فأما الرواة فيحدثوننا أنَّ المتنبي دفع إلى مدرسة من مدارس العلويين، أو إلى مكتب من مكاتب العلويين،٣ فبدأ فِي هذه المدرسة أو فِي هَذَا المكتب تعلمه، ولا يزيد الرواة على هَذَا الخبر شيئًا يفصله أو يوضحه، ولكن المتأخرين، والمحدثين منهم خاصة، يذهبون فِي فهم هَذَا الخبر مذهبًا أقل ما يوصف به أنه لا يخلو من مبالغة، فهم يظنون أنَّ هذه المدرسة العلوية كانت مدرسة أرستقراطية ممتازة، وهم بعد ذلك يرسلون لأنفسهم العنان فِي تفسير اختلاف الصبي إلى هذه المدرسة العلوية الأرستقراطية، ويفسرونه تفسيرات مختلفة.

أما أنا فلست أدري أكانت المدرسة العلوية هذه ممتازة أرستقراطية حقًّا، أم كانت مدرسة كغيرها من المدارس، ولكنها تعلم على مذهب الشيعة العلويين، فكان العلويون يؤثرون أن يرسلوا إِلَيْهَا أبناءهم، فلفظ العلويين فِي هَذَا الخبر عندي يوشك أن يكون مرادفًا للفظ الشيعة، وواضح جدًّا أنَّ المدارس فِي مدينة كمدينة الكوفة كانت تختلف باختلاف السكان لهذه المدينة، فللشيعة من هؤلاء السكان مدارسهم، وللسنيين منهم مدارسهم أيضًا، وجائز أن تسمى مدارس الشيعة مدارس علوية، كما تسمى مدارس أهل السنة مدارس عباسية.

وأكبر الظن عندي أَيْضًا أنَّ الأرستقراطيين الممتازين من الشيعة العلوية ومن أهل السنة، لم يكونوا يرسلون أبناءهم فِي طور الصبا إلى المدارس العامة، وإنما كانوا يتخذون لهم الأساتذة والمؤدبين؛ فإذا شبوا خَلَّوْا بينهم وبين الاختلاف إلى مجالس العلم فِي الأندية والمساجد الجامعة، إنما كان أوساط الناس وعامتهم هم الذين يرسلون أبناءهم إلى هذه المكاتب والمدارس.

للشيعة العلويين مكاتبهم ومدارسهم، ولأهل السنة مكاتبهم ومدارسهم أيضًا، فاختلاف المتنبي إلى هذه المدرسة العلوية لا يدل عندي على امتياز ولا على استثناء، وإنما يدل على الاتجاه الديني الذي وُجه إِلَيْهِ الصبيُّ، ويدل على أنَّ الذين كانوا يكفلون هَذَا الصبيَّ ويقومون على تربيته وتنشئته كانوا من الشيعة العلويين.

ولسنا فِي حاجة إلى أن نطيل البحث لنعرف ماذا كان يتلقى المتنبي فِي هذه المدرسة التي اختلف إِلَيْهَا أيام صباه، فالراجح بل المحقق أنه تعلم فيها الكتابة والقراءة وقرأ فيها القرآن كله أو بعضه، وتلقى فيها أصول الدين وفروعه على مذهب الشيعة العلويين، وسمع فيها الشعر، وروى منه أطرافًا، وتعلم فيها شيئًا من علوم اللغة والأدب بوجه عام.

وقد كان لهذه المدرسة تأثير ظاهر فِي عقل هَذَا الصبيِّ وقلبه ينبئنا به الديوان؛ فقد حفظ الديوان للمتنبي مقطوعات من الشعر قالها الصبيُّ وهو يختلف إلى المكتب.

وليس يعنينا أنْ نؤرخ بالدقة هذه المقطوعات، فقد لا تكون السبيل ميسرة إلى هَذَا التأريخ، ولكن الشيء الذي نستطيع أن نحققه هُوَ أنَّ ثلاث خصال تظهر لنا فِي هَذَا الشعر:
  • الخصلة الأولى: أنَّ الصبيَّ مقلد فِي الفن الشعري، يتأثر بما كان يحفظ فِي المدرسة، أو ما كان يسمع فيها من شعر القدماء ومن شعر المعاصرين الذين سبقوه بوقت قصير وهذا طبيعي؛ فالأصل فِي الابتداء الفني التقليد بحيث يقلد المبتدئ واحدًا أو غير واحد من الذين سبقوه فِي الفن الذي يزاوله، يلتمس نفسه — كما يقول الفرنسيون — فِي هَذَا التقليد، حَتَّى إذا وجدها استغل قواها وعواطفها واستثمر كنوزها ودخائلها، واستخرج منها شخصيته التي تنمو على مر الزمن وطول المرانة، فليس غريبًا أن يكون فن المتنبي فِي صباه فنًّا تقليديًّا ليست له قيمة خاصة.
  • والخصلة الثانية: أن هَذَا الشعر، شعر صبيٍّ متشيع للعلويين، متأثر بآراء الشيعة وبآراء الغلاة منهم خاصة، وسنرى هَذَا بعد قليل.
  • والخصلة الثالثة: أنَّ هَذَا الشعر شعر صبيٍّ لم يكن بعيدًا كل البعد عَنْ أمور القرامطة وأخبارهم، وعن كلفهم بسفك الدماء، وشغفهم بالحروب والغارات، وقد يجوز أن نضيف إلى هذه الخصال الثلاث خصلة رابعة، وهي أنَّ هَذَا الصبيَّ كان طويل اللسان شيئًا ما، مستعدًّا استعدادًا حسنًا للسخرية ثم الهجاء.

وكل هذه الخصال تدلنا على أنَّ الصبي قد كان ممتازًا حقًّا؛ فليس قليلًا على صبيٍّ لم يكن يتجاوز العاشرة أن يقول شعرًا يُروَى، وأنْ يمس بهذا الشعر الغزل والحماسة، والمدح والهجاء وفلسفة الغالية من الشيعة.

والآن يحسن أن نقف عند هذه المقطوعات لحظة لنرى أتصوَّر حقًّا كل هذه الخصال التي أحصيناها، فانظر إلى هذين البيتين اللذين يحدثنا الديوان بأنهما أول ما نظم من الشعر فِي صباه، وليس يعنينا أكانا فِي الحق أوَّل ما نظم أم لم يكونا، وإنما الذي يعنينا أنهما من شعر الصبا، وأنهما يصوران ما أشرت إِلَيْهِ من التقليد، ويصوران الصنعة والجهد والتكلف، ويصوران صبيًّا يريد أن يصنع الشعر، ويحس فِي نفسه الرغبة فِي ذلك فيعمد إليه، ولكنه لا يحسن التصرف فيه:

بِأَبِي مَنْ وَدِدْتُهُ فَافْتَرَقْنَا
وَقَضَى اللهُ بَعْدَ ذَاكَ اجْتِمَاعَا
فَافْتَرَقْنَا حَوْلًا فَلَمَّا الْتَقَيْنَا
كَانَ تَسْلِيمُهُ عَلَيَّ وَدَاعَا

فالفكرة الشعرية التي يريد الصبيُّ أن يصورها هي أنه أحب شخصًا؛ فلم يكد يحبه حَتَّى فرَّقَ الدهر بينهما، ثم طال انتظاره للقاء من أحب وأتيح له هَذَا اللقاء، ولكنه لم يطل بل فرَّق الدهر بينهما مرة أخرى فالصبيُّ سيئ الحظ، يحب ثم يحال بينه وبين من أحب قبل أن ينعم بعشرته، ثم يتاح له اللقاء فيقدر أنه سيستدرك ما فاته من نعم، ولكن قسوة الدهر تخيب أمله هَذَا أيضًا، وأكبر الظن أنَّ الفكرة التي حملت الصبيَّ على أنْ ينظم هذين البيتين هي هذه التي توجد فِي الشطر الأخير من البيت الثاني وهي:

كَانَ تَسْلِيمُهُ عَلَيَّ وَدَاعَا

أعجب الفتى بهذا المعنى، فأراد أن ينظمه وأن يصل إليه، فتكلف لذلك بيتًا ونصف بيت وأنت ترى مظهر التكلف فِي قوله:

بِأَبِي مَنْ وَدِدْتُهُ فَافْتَرَقْنَا

فكلمة «وددته» هنا نابية قلقة مكرهة على الاستقرار فِي مكانها الذي هي فيه، أراد الصبي أن يقول: أحببته فلم يستقم له الوزن، فالتمس كلمة تؤدي له هَذَا المعنى وتلائم هَذَا الوزن فلم يجد إلا «وددته» هذه، ثم انظر إلى الشطر الثاني من هَذَا البيت:

وَقَضَى اللهُ بَعْدَ ذَاكَ اجْتِمَاعَا

فستراه فِي نفسه حسنًا مستقيمًا، ولكنه مع الشطر الأول قلق، يظهر عليه التكلف الشديد، لا لشيء فيما أظن إلا لأن الشَّاعِر الصبيَّ قد أعجل ولم يملك ما ينبغي له من الأناة ولم يتم معناه الذي ضمنه الشطر الأول، وإنما وثب منه وثوبًا إلى هَذَا المعنى الثاني؛ لأنه عجلٌ يريد أن يصل إلى الشطر الذي ألقي إليه، والذي حمله على نظم هذين البيتين، وكذلك الشطر الأول من البيت الثاني يصور عبث الصبيِّ واجتهاده، وما كان يلقى من المشقة فِي هَذَا الاجتهاد، فانظر إلى قوله «فافترقنا حولًا» بعد قوله «وقضى الله بعد ذاك اجتماعًا»، وانظر بعد ذلك إلى البيتين جميعًا، فستظهر لك الصنعة والمحاولة ظهورًا لا يدع سبيلًا إلى الشك فِي أن الصبيَّ قد أنفق جهدًا ثقيلًا ووقتًا طويلًا، حَتَّى استخرج من نفسه هذين البيتين.

وسواء أكان هَذَا الشعر جيدًا أم رديئًا مستقيمًا أو ملتويًا، فإني أجد فِي نفسي حبًّا له وميلًا إليه؛ لأني أتمثل هَذَا الجهد العنيف الذي بذله هَذَا الصبي الذكي، حَتَّى استخرج هذين البيتين، ومن يدري! لعلي إنما أحب هذين البيتين، وأعجب بجهد الصبي فِي استخراجهما؛ لأني شهدت صبيًّا أحبه يبذل هَذَا الجهد وينفق مثل هَذَا الوقت ويستخرج مثل هَذَا الشعر، ولم أجد بدًّا من أن أثني له على شعره، وأهنئه بما انتهى إِلَيْهِ من الفوز، ولم أكن فِي هذه التهنئة ولا فِي ذلك الثناء متكلفًا ولا غاليًا، وإنما كنت صادقًا مرسلًا نفسي على سجيَّتها، أصدر عَنْ العاطفة أكثر مما أصدر عَنْ الفن.

وانظر بعد هذين البيتين إلى هذه الأبيات الثلاثة الأخرى التي قالها صبينا فِي حداثته، كما ينبئنا الديوان وكما تنبئنا هي أيضًا؛ فسترى من جهة أنها كالبيتين الأولين، ألقيَ منها على الصبي بيت هُوَ البيت الأخير، وهو الذي حمله على أن يتكلف البيتين الآخرين ليصل إليه، وكان هذا البيت الأخير كحظ ذلك الشطر الأخير من البيتين السابقين، حفظه الناس وأحبوه وتمثلوا به؛ لأنه وحي الطبع البرئ وأهملوا ما قبله؛ لأنه متكلف مصنوع:

أَبْلَى الهَوَى أَسَفًا يَوْمَ النَّوَى بَدَنِي
وَفَرَّقَ الْهَجْرُ بَيْنَ الجَفْنِ وَالوَسَنِ
رُوحٌ تَرَدَّدَ فِي مِثْلِ الْخِلَالِ إِذَا
أَطَارَتِ الرِّيحُ عَنْهُ الثَّوْبَ لَمْ يَبِنِ
كَفَى بِجِسْمِي نُحُولًا أَنَّنِي رَجُلٌ
لَوْلا مُخاطَبَتِي إِيَّاكَ لَمْ تَرَنِي

فواضح جدًّا أنَّ بيت المقطوعة هُوَ البيت الأخير، وأنَّ الفكرة التي يريد الصبيُّ تصويرها هي الإغراق فِي وصف النحول، فانظر إِلَيْهِ كيف تكلف الوصول إلى هَذَا البيت:

أَبْلَى الهَوَى أَسَفًا يَوْمَ النَّوَى بَدَنِي

«فأسفًا» هنا كلمة لم تأتِ إلا لتقيم الوزن، ونبوُّها عَنْ موضعها أظهرُ من أن يُدَلَّ عليه، ولكننا مع ذلك نلاحظ شيئًا من الموسيقى قد وفق الشَّاعِر له بين الهوى والنوى، وهو يدل على شيء من الرقي فِي صناعة النظم، وعلى أنَّ الصبيَّ قد استطاع أن يتصرف شيئًا ما فِي الألفاظ.

ونلاحظ كذلك أنه قد صرَّع فِي هَذَا البيت بين البدن والوسن، صنيع الشَّاعِر الذي يريد أن ينشئ قصيدة طويلة، ولعله لم يستطع أن يتجاوز البيت الثالث فوقف عنده، ولعله تجاوزه وأتم قصيدته، ولكنه لم يرضَ عما بعد البيت الثالث فأسقطه حين أراد أن يجمع الديوان، أما البيت الثاني فعبث الصبيِّ ظاهر فيه، وهو لا يخلو من ظرف وخفة وروح، هُوَ إعادة لقول الشَّاعِر القديم:

وَلَوْ أَنَّ مَا أَبْقَيْتِ مِنِّي مُعَلَّقٌ
بِعُودِ ثُمَامٍ مَا تَأَوَّدَ عُودُهَا

ولكن الصبيَّ اختصر الطريق وأراح نفسه وجعل جسمه عود الثمام لا شيئًا معلقًا بهذا العود، ثم انظر إلى قوله:

أَطَارَتِ الرِّيحُ عَنْهُ الثَّوْبَ لَمْ يَبِنِ

فسترى فيه الطفولة الحلوة، والحداثة العذبة، وليس من شك فِي أنَّ طبيعة الشَّاعِر الحدَث قد واتته فِي البيتين السابقين.

واقرأ هذين البيتين الآخرين وكأنه ارتجلهما ارتجالًا حين قيل له وهو فِي المكتب، ما أحسن هذه الوفرة! فقال:

لَا تَحْسُنُ الْوَفْرَةُ حَتَّى تُرَى
مَنْشُورَةَ الضَّفْرَيْنِ يَوْمَ القِتَالْ
عَلَى فَتًى مُعْتَقِلٍ صَعْدَةً
يَعُلُّهَا مِنْ كُلِّ وَافِي السِّبَالْ

ولعلك تلاحظ معي أنَّ فِي هذين البيتين جزالة مطبوعة لا تلاحظها فِي الأبيات السابقة، وأنهما بريئان البراءة كلها من الصنعة والتعمل، ولكني لم أروهما لهذا وحده، وإنما رويتهما لما يصوران من نزاع هَذَا الصبي الحدث إلى الحرب والقتال ورؤية الدم المسفوك، وما ينمان به من حفيظة تضطرب فِي نفس الصبيِّ، وضغينة تضطرم فِي قلبه الغض، وتطلق لسانه بهذا الكلام الملتهب، ولك فِي فهم هذين البيتين وجهان فيما يظهر، فهل كانت الوفرة التي استُحسنتْ له وفرته هو؟ وإذن فهو غير راضٍ عَنْ نفسه ولا مطمئن إلى حاله، وإنما هُوَ يتحرق شوقًا إلى الشباب الذي يمنحه القوة والحرية، وإلى الظروف التي تتيح له خوض غمار الحرب، وعلى صعدته من دماء الأعداء، أو هل كانت الوفرة وفرة تِرْب من أترابه فِي المكتب؟ فالصبيُّ إذن يهجو ولا يرضى عَنْ هؤلاء الصبية المنعمين الذين يعنوْنَ بوفرتهم وتنسيق شعورهم أكثر مما يعنون بحياة الخشونة.

ومهما يكن من شيء، ففي هذين البيتين ريح البيئة الدامية التي كان يعيش فيها الصبية من أتراب المتنبي، بين تلك الغارات التي كانت تنتهي بالقرامطة إلى الكوفة وسوادها من حينٍ إلى حينٍ.

وتستطيع الآن أن تقرأ هذه الأبيات التي قالها الصبي يعبث فيها برجلين قتلا جرَذًا وأظهراه للناس:

لَقَد أَصبَحَ الجُرَذُ المُستَغيرُ
أَسيرَ المَنايا صَريعَ العَطَبْ
رَمَاهُ الكِنانِيُّ وَالعامِرِيُّ
وَتَلَّاهُ لِلوَجهِ فِعْلَ العَرَبْ
كِلَا الرَجُلَيْنِ اتَّلَى قَتْلَهُ
فَأَيُّكُمَا غَلَّ حُرَّ السَّلَبْ
وَأَيُّكُمَا كَانَ مِنْ خَلْفِهِ؟
فَإِنَّ بِهِ عَضَّةً فِي الذَنَبْ

فظاهر أنَّ هَذَا الشعر ليس شعر صبي يقرْزمُ، وإنما هُوَ شعر شاعر قد راض نفسه على نظم الكلام، وتعلَّم كيف يُصرِّف هَذَا الكلام كما يحب من وجوه القول، بل تجاوز رياضة النفس على إجادة النظم إلى التماس الهجاء المُمِضِّ والسخرية اللاذعة، وإلى ترتيب المعنى وتأليفه وحمايته من الاختلاط والاضطراب.

فالشاعر الناشئ يقص علينا فِي البيت الأول والثاني قصة مؤثرة فيها ما يحزن، وفيها ما يثير الإعجاب، فِي البيت الأول ما يحزن ويدعو إلى الرثاء لهذا الجرذ المسكين الذي أسرته المنايا وصرعه العطب، وفي البيت الثاني ما يعجب من أمر هَذَا الكناني وهذا العامري اللذين تعاونا على رمي الجرذ وتلَّاه للوجه — كما يفعل العرب البواسل — وفي هذين البيتين تنتهي القصة ظريفة سريعة مضحكة، بما فيها من رثاء مصنوع، وإعجاب متكلف، ولكن شاعرنا الصبي لا يكتفي بالقصة وإنما يريد أن يستغلها ويستثمرها ويستخرج منها الذخائر والكنوز، فهو يحقق أن كلا الرجلين قد قتل الجرذ، فهل كانت للجرذ درع؟ وهل كان له سيفٌ ورمحٌ؟ وهل كانت له بيضة ودرقة؟ وهل كان يحمل ذهبًا وفضةً ومتاعًا؟ كل هذه الصور يثيرها الشطر الأخير من البيت الثالث، ثم انظر إلى هَذَا البيت الأخير:

وَأَيُّكُمَا كَانَ مِنْ خَلْفِهِ؟
فَإِنَّ بِهِ عَضَّةً فِي الذَنَبْ

فلن ترى سخرية ألذعَ من هذه السخرية ولا هجاء أمضَّ من هَذَا الهجاء، ولن ترى أشد من هَذَا الازدراء للحضريين من أهل الكوفة المعاصرين له، الذين استسلموا واستكانوا وقنعوا من الشجاعة والنجدة، ومن المخاطرة وحسن البلاء، بأن يتعاون اثنان منهم على قتل جرذ، ثم يظهران ذلك للناس إعجابًا به واختيالًا، على حين تضطرب البادية بما يملؤها من الأهوال التي يثيرها القرامطة، وعلى حين تندفع البادية من وقتٍ إلى وقت حَتَّى تبلغ الحضر وتبلغ الكوفة نفسها، فتمزق أهلها كل ممزق، وتعلمهم كيف يكون البأس والنجدة، وكيف تكون الشجاعة والبسالة فلا يتعلمون.

حقًّا لقد مرن الصبي على قول الشعر، وصح فيه قول جرير فِي عمر بن أبي ربيعة إن صدقتني الذاكرة: «مَا زَالَ هَذَا القرشي يهذي حَتَّى قال الشعر.»٤

وللصبي مقطوعة أخرى فِي الهجاء ليس لها حظ هذه المقطوعة من الجودة ولا من البراعة فِي السخرية، ولكنها تصور اتجاه الصبي إلى الصناعة اللفظية بعض الشيء، وهي هذه الأبيات التي قالها يهجو بها القاضي الذهبي:

لَمَّا نُسِبْتَ فَكُنْتَ ابْنًا لِغَيْرِ أَبٍ
ثُمَّ اخْتُبِرْتَ فَلَمْ تَرْجِعْ إلى أَدَبِ
سُمِّيتَ بِالذَّهَبِيِّ الْيَوْمَ تَسْمِيَةً
مُشتَقَّةً مِنْ ذَهَابِ العَقْلِ لَا الذَّهَبِ
مُلَقَّبٌ بِكَ مَا لُقِّبْتَ وَيْكَ بِهِ
يَأَيُّهَا اللَّقَبُ المُلقَى عَلَى اللَّقَبِ

وأظن أنَّ قول أبي تمام فِي بائيته المشهورة:

وَالْحَرْبُ مُشْتَقَّةُ الْمَعْنَى مِنَ الْحَرَبِ

هو المثال الذي صاغ الصبي عليه أبياته فِي هجاء القاضي، وكل ما فِي هذه الأبيات إنما هُوَ ابتهاج الصبي بأنه قد استطاع أن يستنبط هَذَا المعنى، فيجعل نسبة القاضي إلى شيء مشتق من ذهاب العقل لا إلى الذهب، والذي يعنينا من هذه الأبيات إنما هُوَ دلالتها على أن صبينا قد أخذ منذ طوره الأول يتجه بعض الاتجاه إلى مذهب أبي تمام.

قال الرواة: وقد خرج المتنبي من الكوفة مع أبيه إلى البادية فأقام فيها حينًا، ثم عاد منها، وقد نما جسمه وعقله، وفصح لسانه، وأصبح فتى يملأ العين والأذن.

ومن العسير أن نقطع بالسبب أو الأسباب التي حملت الصبيَّ على أن يرتحل إلى البادية، فهل ارتحل لمجرد التبدِّي والاستفادة لجسمه ولسانه وفنه الشعري من الإقامة بين هؤلاء العرب البادين الذين كان العلماء يختلفون إليهم ويقيمون بين أظهرهم، يأخذون عنهم اللغة ويروون عنهم الشعر والأيام والأساطير؟ أو هل ارتحل الفتى إلى البادية لشيء آخر غير هَذَا يتصل بالحياة السياسية والاجتماعية التي كانت محيطة به؟ وبعبارة أوضح: هل ارتحل الفتى إلى البادية كما كان يرتحل إِلَيْهَا المتعلمون التماسًا للصحة ورياضة اللسان؟ أو ارتحل إِلَيْهَا التماسًا لهذه البيئة القرمطية التي كانت متصلة أشد الاتصال بحياة الشعب الكوفي فِي ذلك الوقت، تبعث الرعب فِي قلوب فريق منه، وتبعث الحب فِي قلوب فريق آخر، كما هي الحال بالقياس إلى الشيوعية الروسية الآن التي تتصل أشد الاتصال بطبقات الشعوب المتحضرة فِي أوربا وفي غير أوربا، فيتهالك عليها قوم، ويتألب عليها قومٌ آخرون؟

ليس من اليسير أن نقطع بشيء من هذا، ولكن الذي نستطيع أن نقطع به ونحن مطمئنون، هُوَ أنَّ رحلة المتنبي إلى البادية قد نفعته من الناحيتين جميعًا، فقد ربا جسمه، ونما عقله وفصح لسانه، وتعلم أصول القرامطة، وعرف مذاهبهم النظرية والعملية معًا؛ وشِعْرُ المتنبي فِي صباه بعد عودته من البادية إلى الكوفة يُبين لنا هَذَا أوضح تبيين وأجلاه.

فلننظر قبل كل شيء إلى هذه الأبيات التي استبقاها المتنبي فِي ديوانه، وهي عندي بقية من قصيدة لعلها كانت مطوَّلة مفصلة، فلما أراد المتنبي جمع ديوانه حذف منها أكثرها، مُداراةً للظروف، وإشفاقًا من السلطان، وهذه الأبيات الثلاثة التي استبقاها المتنبي كافية كل الكفاية لإثبات أنَّ هذا الغلام قد عاد من البادية القرمطية وهو قرمطي الرأي، متحفز أن يكون قرمطي السيرة أيضًا، وفي هذه الأبيات الثلاثة جزالة بدوية لا تخفى:

إلى أَيِّ حِينٍ أَنْتَ فِي زِيِّ مُحْرِمِ
وَحَتَّى مَتَى فِي شِقْوَةٍ وَإِلَى كَمِ؟
وَإلَّا تَمُتْ تَحْتَ السُّيُوفِ مُكَرَّمًا
تَمُتْ وَتُقَاسِ الذُّلَّ غَيْرَ مُكَرَّمِ
فَثِبْ وَاثِقًا بِاللهِ وَثْبَةَ مَاجِدٍ
يَرَى الْمَوْتَ فِي الْهَيْجَا جَنَى النَّحْلِ فِي الْفَمِ

فانظر إلى هَذَا التحرق الذي يظهره الغلام إلى تغيير حاله والخروج عما هو فيه من الدعة والأمن والطمأنينة، إلى حال أخرى فيها خوف وقلق واضطراب ومخاطرة.

هو يكره لنفسه زي المحرم؛ أي زي الرجل الوادع الذي يُحرِّم ما حرَّم الله، ويمتنع عَنْ قتل الصيد وعما يمتنع عنه المحرمون بالحج، هو يريد أنْ يكون مُحِلًّا، وأن يتناول ما لا يتناوله الوادعون؛ لأن حياة الدعة والإحرام لم تجن عليه إلا شقاء، فهو يريد أن يلتمس السعادة والعزة في حياة البأس والفتك، وهو مطمئن إلى أنه إنْ لم يتعرض للبأس والفتك، ولم يصطل نار الحرب اتقاءً للموت كريمًا تحت السيوف أدركه الموت ذليلًا مهينًا في ظل الدعة والإحرام، وانظر إلى هذا البيت الأخير.

فَثِبْ وَاثِقًا بِاللهِ وَثْبَةَ مَاجِدٍ
يَرَى الْمَوْتَ فِي الْهَيْجَا جَنَى النَّحْلِ فِي الْفَمِ

فهو لا يريد بهذا الوثوب إلا الخروج على السلطان، وشق عصا الطاعة، والمخالفة عما يأمر به النظام المألوف.

ليس عندي من شك في أنَّ هذه الأبيات تصور ما عاد به الغلام من البادية بعد أن عاش في بيئتها الخشنة المقتنعة بالمذهب الجديد، المنتظرة من وراء هذا المذهب وانتشاره الخير كل الخير، وتصور كذلك ما عاد به الغلام من البادية من هذه الرصانة اللفظية التي ترفع اللفظ عن الابتذال، وتكسبه عذوبة نحس فيها ريح الصحراء.

وإذا كانت هذه الأبيات تصور تأثر المتنبي بالبيئة العملية القرمطية، فإن هناك قصيدة أخرى طويلة بعض الشيء تصور تأثر المتنبي بالمذهب النظري للقرامطة وغلاة الشيعة، وهي هذه القصيدة التي مدح بها المتنبي — فيما يقول الديوان — رجلًا يُعرف بأبي الفضل، وأراد أن يستكشف مذهبه، فيما يقول الديوان أيضًا، وفيما يقول الرواة كذلك، وعندي أنَّ المتنبي لم يرد أن يمتحن أبا الفضل، ولا أن يستكشف مذهبه، وإنما أراد أن يمدحه لا أكثر ولا أقل، وأن يمدحه بما كان هذا الرجل يحب أن يمدح به، وسواء عليَّ أكان المتنبي مؤمنًا بهذه الآراء التي أثبتها في قصيدته أم لم يكن، فحسبي أنه أثبت هذه الآراء، وجهر بها، وتقرَّب بها إلى رجل، والتمس بها العطاء.

ولست أروي صدر هذه القصيدة، فقد احتاج أنْ أعود إِلَيْهِ حين أستأنف الكلام عَنْ فن المتنبي، وإنما أكتفي برواية هذه الأبيات:

يَأَيُّهَا الْمَلِكُ الْمُصَفَّى جَوْهَرًا
مِنْ ذَاتِ ذِي الْمَلَكُوتِ أَسْمَى مِنْ سَمَا
نُورٌ تَظَاهَرَ فِيكَ لَاهُوتيُّهُ
فَتَكَادُ تَعْلمُ عِلْمَ مَا لَنْ يُعْلَمَا
وَيَهُمُّ فِيكَ إِذَا نَطَقْتَ فَصَاحَةً
مِنْ كُلِّ عُضْوٍ مِنْكَ أَنْ يَتَكَلَّمَا
أنَا مُبْصِرٌ وَأظُنُّ أَنِّي نَائِمٌ
مَنْ كَانَ يَحْلُمُ بِالْإِلَهِ فَأَحْلُمَا
كَبُرَ العِيَانُ عَلَيَّ حَتَّى إِنَّهُ
صَارَ الْيَقِينُ مِنَ العِيَانِ تَوَهُّمَا

فنحن هنا بإزاء رأي صريح فِي الحلول؛ فالمتنبي يرى أنَّ صاحبه ملك قد صُفِّي جوهره من ذات ذي الملكوت، أي إن روحه قبس من ذات الله، وهو يرى أنَّ هذا القبس نور لاهوتي قد استقر في صاحبه، فكاد يظهره على الغيب، وهو يكبر ما يرى، فهو يقظان يرى الله، وهو يظن أنه نائم، ثم ينكر أن يكون نائمًا؛ لأن الله لا يُرى فِي الأحلام وهو يكبر هَذَا العيان، ويرى أنه أعظم وأجلُّ من أن يثبت له أمثاله، فيرتاب فيما يرى ويكاد يتهم نفسه بالخيال والوهم، وهذا الكلام وحده صريح فِي انحراف المتنبي عَنْ الجادة الدينية، واندفاعه إلى هَذَا اللون من ألوان الفلسفة التي هي إلى الإلحاد أقرب منها إلى أي شيء آخر.

ومن هنا نفهم أنه حين أراد أن يثبت هذه القصيدة فِي الديوان زعم للرواة أو زعم الرواة له أنه إنما امتحن بهذه الأبيات أبا الفضل، وأراد أن يعرف مذهبه، كلام يقصد به إلى الاعتذار وإلى التقيَّة أكثر من أي شيء آخر.

وعندي أنَّ المتنبي حين ارتحل إلى البادية إنما اتصل فيها لا بالبيئة القرمطية العادية، بل بداع من دعاة القرامطة الذين كانوا يجولون فِي البادية، ومن يدري! لعل هَذَا الداعي كان أبا الفضل نفسه هَذَا الذي يمدحه المتنبي، ومن يدري! لعل المتنبي لم يعد إلى الكوفة من البادية مستصحبًا أباه وجده، وإنما عاد مستصحبًا رجلًا آخر أو قومًا آخرين، يريدون أن يستقروا فِي الكوفة وأن يدعوا فيها لمذهب القرامطة.

ومهما يكن من شيء، وسواء واتتنا النصوص التي بقيت لنا أم لم تُواتنا، فإني أجد فِي نفسي شعورًا قويًّا جدًّا بأن المتنبي قد نشأ نشأةً شيعية غالية، لم تلبث أن استحالت إلى قرمطية خالصة، وعلى كل حال فقد أغار القرامطة على الكوفة سنة ست عشرة وثلاثمائة، يقودهم إمامهم أبو طاهر، فدمروا وحرقوا ونهبوا وسلبوا وفعلوا الأفاعيل،٥ وكانوا يُقدِّرون أنَّ الطريق ستخلو لهم إلى بغداد، ولكن الأمر لم يتم لهم كما أرادوا، فعذبوا الكوفة وسوادها، وأرهبوهما عامًا كاملًا، ثم رحلوا بعد ذلك إلى البحرين.

وكان المتنبي حين أغار القرامطة على الكوفة فِي الرابعة عشرة من عمره، وكان المتنبي حين جلا القرامطة عَنْ العراق فِي الخامسة عشرة من عمره.

ونلاحظ أنه فِي ذلك الوقت بعد جلاء القرامطة عَنْ العراق لم يستقر فِي الكوفة، وإنما يحدثنا الرواة أنه ارتحل عنها وارتحل معه أبوه، إلى بغداد بعد جلاء القرامطة عَنْ الكوفة، ألِأنه كان يريد أن يذهب إلى بغداد ليتم الدرس، وليشق طريقه إلى المجد الأدبي، فأخرت غارة القرامطة رحلته شيئًا ما؟ أم لأنه كان قد تورط وتورط معه أبوه، وتورط معهما كثير من الناس فِي فتنة القرامطة هذه، فلما انهزم القرامطة وجلوا عَنْ العراق لم يستطع المتنبي وأمثاله أن يقيموا فِي الكوفة إشفاقًا من السلطان ومن تتبعه للذين أعانوا القرامطة من قريب أو من بعيد؟

كلا الأمرين ممكن، ولكني أرجح الأمر الثاني؛ لأنه يُلائم ما رأينا من نشأة المتنبي كلها، ولأن إقامة المتنبي فِي بغداد لم تتصل، ولو قد كان المتنبي قصد إلى بغداد يلتمس العلم والأدب والمجد الشعري، لأقام فيها فأطال المقام، ولاتَّصل بالمعروفين من علمائها وأدبائها وأصحاب المكانة السياسية والاجتماعية فيها، ولكنه فيما تعلم لم يصنع من ذلك شيئًا، إنما أقام ببغداد فترة قصيرة، ثم ارتحل عنها إلى الجزيرة وشمال الشام، ومعه أبوه فيما يقول الرواة.

هل ذهب المتنبي إلى بغداد هاربًا من السلطان كما قلنا؟ أو ذهب إِلَيْهَا هاربًا من السلطان ومبتغيًا شيئًا آخر؟ فلو قد أراد الهرب وحده لكان فِي البادية وصحراء السماوة مَفْزَعٌ ومَهربٌ من السلطان، ولكنه يترك الكوفة إلى عاصمة الخلافة، حيث القوة المركزية التي كانت تصارع القرامطة أشد صراع وأعنفه.

أحب أن نذكر هنا أنَّ أمور الشيعة والقرامطة لم تكن تجري فِي وضوحٍ ويسرٍ، وإنما كان قوامها التكتم والتحفظ، والجماعاتُ السرية المبالغة فِي حفظ السر وإخفائه، وما دُمتُ قد افترضتُ منذ حين أنَّ المتنبي إنما ذهب إلى البادية ليتعلم على بعض دُعاة القرامطة، فلأمض فِي الفرض على طبيعته، ولأرجح كما قدَّمت أنَّ المتنبي عاد من البادية مع بعض دعاة القرامطة، واشتغل فِي الكوفة بنشر الدعوة القرمطية، وأنَّ المتنبي سافر من الكوفة بعد جلاء القرامطة، فقصد إلى بغداد لأمر يتصل بالدعوة، ولستُ أستبعد، بل أنا أرجح جدًّا أنْ يكون فِي بغداد مركز قوي من مراكز الدعوة القرمطية، ذهب إِلَيْهِ المتنبي فأدَّى إِلَيْهِ شيئًا، وتلقى منه شيئًا، وترك بغداد قاصدًا إلى الجزيرة ثم الشام.

لست أدري أتسعدنا النصوص التي بقيت لنا من شعر المتنبي أم لا تسعدنا؟ ولكني قوي الشعور بأن المتنبي لم يرحل إلى الشام طالبًا للرزق فحسب، وإنما ذهب إلى الشام داعية من دعاة القرامطة، فِي هَذَا القسم الشمالي من سوريا، الذي لم يكن قد أدركه الاضطراب القرمطي، كما أدرك غيره من أقسام الشام.

مهما يكن من شيء فلم يكد يبلغ المتنبي السابعة عشرة من عمره حَتَّى كان قد هجر الكوفة، وترك بغداد، وانتهى إلى شمال الشام، واستأنف حياة جديدة ليست من الصبا فِي شيء، وإنما هي حياة الشباب.

فلنستخلص من كل ما قدمنا أنَّ المتنبي قد قطع المرحلة الأولى من طريقه، مرحلة الصبا، ولم يكد يبلغ آخرها، حَتَّى كان قد تمَّ له حظه من الشعر، وتمّ له حظه من القرمطة، وتمَّ له حظه من القوة البدنية أيضًا، ويكفي أن ننظر فِي هذه القصيدة التي قالها فِي بغداد، يمدح بها رجلًا رسميًّا — محمد بن عبد الله العلوي — لنرى منها أنه قد استكمل حظه من القدرة على نظم الشعر الجيد، وإن لم يبلغ بعدُ ما قدِّر له من النبوغ:

أَهْلًا بِدَارٍ سَبَاكَ أَغْيَدُهَا
أَبْعَدُ مَا بَانَ عَنْكَ خُرَّدُهَا
ظَلْتَ بِهَا تَنْطَوِي عَلَى كَبِدٍ
نَضِيجَةٍ فَوْقَ خِلْبِهَا يَدُهَا
يَا حَادِيَيْ عِيسِهَا وَأحْسَبُنِي
أوجَدُ مَيْتًا قُبَيْلَ أفْقِدُهَا
قِفَا قَليلًا بِهَا عَلَيَّ فَلَا
أَقَلَّ مِنْ نَظْرَةٍ أزوَّدُهَا
فَفِي فُؤَادِ الْمُحِبِّ نَارُ جَوًى
أَحَرُّ نَارِ الْجَحِيمِ أَبْرَدُهَا
شَابَ مِنَ الهَجْرِ فَرْقُ لِمَّتِهِ
فَصَارَ مِثْلَ الدِّمَقْسِ أَسْوَدُهَا
بانوا بخُرْعوبة لها كفلٌ
يكادُ عند القيام يُقعدُها
رِبَحلة أسمرٍ مُقبَّلها
سِبَحْلة أبيض مُجرَّدها
يَا عَاذِلَ العَاشِقِينَ دَعْ فِئَةً
أَضَلَّهَا اللهُ كَيْفَ تُرْشِدُهَا
لَيْسَ يُحِيكُ المَلَامُ فِي هِمَمٍ
أَقْرَبُهَا مِنْكَ عَنْكَ أبْعَدُهَا
بِئْسَ اللَّيَالِي سَهِدْتُ مِنْ طَرَبٍ
شَوْقًا إلى مَنْ يَبِيتُ يَرْقُدُهَا
أَحْيَيْتُهَا وَالدُّمُوعُ تُنْجِدُني
شُئُونُهَا وَالظَّلَامُ يُنْجِدُهَا
لَا نَاقَتِي تَقْبَلُ الرَّدِيفَ وَلَا
بِالسَّوْطِ يَوْمَ الرِّهَانِ أُجْهِدُهَا
شِرَاكُهَا كُورُهَا وَمِشْفَرُهَا
زِمَامُهَا، وَالشُّسُوعُ مِقْوَدُهَا
أَشَدُّ عَصْفِ الرِّيَاحِ يَسْبقُهُ
تَحْتِيَ مِنْ خَطْوِهَا تَأَوُّدُهَا
فِي مِثْلِ ظَهْرِ الْمجَنِّ مُتَّصِلٍ
بِمِثْلِ بَطْنِ المِجَنِّ قَرْدَدُهَا
مُرْتَمِيَاتٌ بِنَا إلى ابْنِ عُبَيـْ
ـدِ اللهِ غِيطَانُهَا وَفَدْفَدُهَا
إلى فَتًى يُصْدِرُ الرِّمَاحَ وَقَدْ
أَنْهَلَهَا فِي القُلُوبِ مُورِدُهَا
لَهُ أَيَادٍ إِلَيَّ سَابِقَةٌ
أَعُدُّ مِنْهَا وَلَا أُعَدِّدُهَا
يُعْطِي فَلَا مَطْلُهُ يُكَدِّرُهَا
بِهَا وَلَا مَنُّةُ يُنَكِّدُهَا
خَيْرُ قُرَيْشٍ أَبًا وَأَمْجَدُهَا
أَكْثَرُهَا نَائِلًا وَأَجْوَدُهَا
أَطْعَنُهَا بِالقَنَاةِ أَضْرَبُهَا
بِالسَّيْفِ جَحْجَاحُهَا مُسَوَّدُهَا
أَفْرَسُهَا فَارِسًا وَأَطْوَلُهَا
بَاعًا وَمِغْوَارُهَا وَسَيِّدُهَا
تَاجُ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ وَبِهِ
سَمَا لَهَا فَرْعُهَا وَمَحْتِدُهَا
شَمْسُ ضُحَاهَا هِلَالُ لَيْلَتِهَا
دُرُّ تَقَاصِيرِهَا زَبَرْجَدُهَا
يَا لَيْتَ بِي ضَرْبَةً أُتِيحَ لهَا
كَمَا أُتِيحَتْ لَهُ مُحَمَّدُهَا
أَثَّرَ فِيهَا وَفِي الحَدِيدِ وَمَا
أَثَّرَ فِي وَجْهِهِ مُهَنَّدُهَا
فَاغْتَبَطَتْ إِذْ رَأَتْ تَزَيُّنَهَا
بِمِثْلِهِ وَالجِرَاحُ تَحْسُدُهَا
وَأيْقَنَ النَّاسُ أَنَّ زَارِعَهَا
بِالْمَكْرِ فِي قَلْبِهِ سَيَحْصُدُهَا
أَصْبَحَ حُسَّادُهُ وَأَنْفُسُهُمْ
يُحْدِرُهَا خَوْفُهُ وَيُصْعِدُهَا
تَبْكِي عَلَى الْأَنْصُلِ الْغُمُودُ إِذَا
أَنْذَرَهَا أَنَّهُ يُجَرِّدُهَا
لِعِلْمِهَا أَنَّهَا تَصِيرُ دَمًا
وَأَنَّهُ فِي الرِّقَابِ يُغْمِدُهَا
أَطْلَقَهَا فَالْعَدُوُّ مِنْ جَزَعٍ
يَذُمُّهَا وَالصَّدِيقُ يَحْمَدُهَا
تَنْقَدِحُ النَّارُ مِنْ مَضَارِبِهَا
وَصَبُّ مَاءِ الرِّقَابِ يُخْمِدُهَا
إِذَا أَضَلَّ الهُمَامُ مُهْجَتَهُ
يَوْمًا فَأَطْرَافُهُنَّ تَنْشُدُهَا
قَدْ أَجْمَعَتْ هَذِهِ الخَلِيقَةُ لِي
أَنَّكَ يَا ابْنَ النَّبِيِّ أَوْحَدُهَا
وَأَنَّكَ بِالْأَمْسِ كُنْتَ مُحْتَلِمًا
شَيْخَ مَعَدٍّ وَأَنْتَ أَمْرَدُهَا
وَكَمْ وَكَمْ نِعْمَةٍ مُجَلِّلَةٍ
رَبَّيْتَهَا كَانَ مِنْكَ مَوْلِدُهَا
وَكَمْ وَكَمْ حَاجَةٍ سَمَحْتَ بِهَا
أَقْرَبُ مِنِّي إِلَيَّ مَوْعِدُهَا
وَمَكْرُمَاتٍ مَشَتْ عَلَى قَدَمِ الـْ
ـبِرِّ إلى مَنْزِلِي تُرَدِّدُهَا
أَقَرَّ جِلْدِي بِهَا عَلَيَّ فَلَا
أَقْدِرُ حَتَّى المَمَاتِ أَجْحَدُهَا
فَعُدْ بِهَا لَا عَدِمْتُهَا أَبَدًا
خَيْرُ صِلَاتِ الكَرِيمِ أَعْوَدُهَا

فالقصيدة كما ترى طويلة قد بلغت الأربعين بيتًا، وهي أطول ما حفظ ديوان المتنبي لنا من شعره فِي هَذَا الطور، وهي كاملة الخلق قد استوفت حظها من النظام الفني الموروث، وهي تنقسم ثلاثة أقسام: القسم الأول غزل من هَذَا الغزل الذي تعوَّد الشعراء أن يفتتحوا به القصيدة، وقد طال نفس الشَّاعِر فيه شيئًا فبلغ اثني عشر بيتًا.

والقسم الثاني: وصف من هَذَا الوصف الذي تعوَّد الشعراء أن ينتقلوا إِلَيْهِ إذا قضوا حظهم من الغزل، وأن يتخذوه طريقًا إلى الغرض الأساسي الذي يقصدون إليه، وقد قصر نفس الشَّاعِر فيه، فلم يتجاوز به أربعة أبيات، ومعنى هَذَا كله أنَّ الفتى قد أخذ يعقد شعره ويسلك إِلَيْهِ طريق غيره من الشعراء، ويلم فِي القصيدة الواحدة بغير فن من فنون الشعر، لا يجد فِي ذلك مشقة ولا حرجًا، ولا يحتمل فِي ذلك جهدًا ولا عناءً، وأنت إذا أخذت القصيدة جملةً رأيت طبيعة الشَّاعِر سمحةً سهلةً مواتيةً لا تبخل عليه ولا تُعَنِّيه، وإنما تمنحه كل ما يريد منها، فلسنا نحس تكلف الحصر ولا جهد المُقِلِّ، ولعلنا نحس أنَّ هذه القصيدة كانت تتدفق من نفس الشَّاعِر كما يتدفق السيل، وتنحدر منها انحدارًا يوشك أن يكون عنيفًا، ولعل مصدر هَذَا الإحساس هَذَا البحر الذي اختاره الشَّاعِر والذي تظهر فيه السرعة والانحدار، وتتدافع فيه أبيات القصيدة وألفاظ البيت تدافع الموج، ولعل مصدر هَذَا الإحساس أَيْضًا هذه القافية التي اختارها الشاعر، والتي جمعت بين خصلتين ظاهرتين: إحداهما المتانة والقوة، والأخرى الرحب والسعة، فهذه الدال التي تسبقها حركة يسبقها سكون تصور المتانة والقوة، وهذه الهاء المطلقة تصور الرحب والسعة.

وأنت إذا أخذتها تفصيلًا استطعت أن تتبين فيها خصلتين فنيتين هما الآن — وستكونان دائمًا — القوام الفني لشعر المتنبي، يسرف فيهما أحيانًا فيفسد شعره، ويقتصد فيهما أحيانًا فيجمل شعره، ولكنه لا يكاد يخلص منهما فِي وقت من الأوقات.

فأما الخصلة الأولى فهي المطابقة التي يحبها المتنبي أشد الحب، ويستخرج منها فنونًا من الجمال نراها فاترة فِي الطور الأول من شعره، ولكنها تقوى وتشتد كلما استكمل الشَّاعِر حظه من القوة، فنونًا من الجمال تؤثر فِي العقل والذوق والحس جميعًا فتنشئ شيئًا من الموسيقى اليسيرة الحلوة فِي أكثر الأحيان، ذلك أنَّ المتنبي يحسن المقابلة بين الأضداد فِي أنفسها، كما يحسن المقابلة بين الألفاظ التي يختارها ليدل بها على هذه الأضداد، فإذا تمت له المقابلة بين المعاني المتضادة وتم له الاختيار الحسن للألفاظ التي تدل عليها، عرف كيف يضعها فِي مواضعها من النظم، وكيف يلائم بينها وبين ما يسبقها وما يلحقها من الألفاظ، وتأتَّى له بذلك تحقيق شيء من الاتساق البديع يلهيك ويشغلك عما تكلف الشَّاعِر من الجهد فِي تحقيق هَذَا الفن، ولست فِي حاجة إلى أن أعيد عليك ما فِي هذه القصيدة من الأبيات التي عمد فيها المتنبي إلى المطابقة فوفق أحيانًا، وأخطأه التوفيق أحيانًا أخرى، فما أظنك إلا قد لاحظت هذه الأبيات أثناء قراءة القصيدة، وليس عليك بأس من أن تعود إلى قراءتها مرة أخرى لتتحقق صحة هذه الملاحظة.

والخصلة الأخرى المبالغة التي يعمد إِلَيْهَا المتنبي لأسباب سنوضحها فِي هَذَا الموضع من الحديث، ولكننا نكتفي الآن بأن نلاحظ منها طبيعة المتنبي نفسه، فهو قوي الحس، حاد المزاج، عنيف النفس، مندفع بحكم هَذَا كله إلى الغلو والإسراف، وكذلك نلاحظ تقليد الشَّاعِر لشعراء القرن الثالث الذين كلفوا بالبديع وأمعنوا فيه وعُنوا منه بالمبالغة عناية خاصة.

ثم نلاحظ آخر الأمر انتشار مذهب المبالغة بين النقاد منذ صوَّره قُدامة فِي كتابه نقد الشعر،٦ وأذاعه على أنه مذهب أرسطاطاليس، وآثره فِي الشعر كما كان يؤثره أرسطاطاليس على القصد والاعتدال،٧ فجمال الشعر عند المتنبي فِي هَذَا الطور وفي الأطوار التي تليه، راجع دائمًا إلى هاتين الخصلتين الفنيتين: المطابقة من ناحية، والمبالغة من ناحية أخرى، يجمع بينهما الشَّاعِر حينًا ويفرق بينهما حينًا آخر، فيعجبك مرة ويسوءك مرة أخرى.

فأما إذا أخذت أجزاء القصيدة الثلاثة، وامتحنتها جزءًا جزءًا، فلن تجد فيها للمتنبي شخصية قوية ولا معنًى مبتكرًا، وإنما هي المعاني المألوفة فِي الغزل والوصف والمديح، حَتَّى هذه المحاولة التي أراد الشَّاعِر بها أن يُظهر شيئًا من الجهد حين وصف نعله، حيث يصف الشعراء إبلهم، وأسبغ على هذه النعل من الصفات ما يسبغه الشعراء على الإبل — هذه المحاولة نفسها ليست مبتكرة، وإنما هي إطناب وتفصيل، حيث آثر أبو نواس الإجمال والإيجاز فِي قوله:

إِلَيْكَ أَبَا الْعَبَّاسِ مِنْ دُونَ مَنْ مَشَى
عَلَيْهَا امْتَطَيْنَا الحَضْرَمِيَّ الْمُلَسَّنَا

فلم يزد المتنبي على أن قال: إنه سعى إلى ممدوحه ماشيًا يركب نعليه كما قال أبو نواس، ولكنه فَصَّل ذلك، فشبه أجزاء النعل بالأدوات التي يصطنعها راكب الناقة.

وإذا كانت هذه المحاولة تقليدًا صرفًا من الجهة الفنية الخالصة، فإن لها دلالتها القيمة من الجهة التاريخية؛ لأنها على الأقل تنبئنا بأن الشَّاعِر الفتى لم يسافر من الكوفة إلى بغداد راكبًا، وإنما ذهب إِلَيْهَا راجلًا، وذهب إِلَيْهَا راجلًا مسرعًا يسابق الريح، فإذا صح هَذَا التقدير فإن الفتى قد أعجل عَنْ الاستعداد للرحيل، وفرَّ من الكوفة فرارًا كما قدمنا.

والمدح الذي يكوِّن الجزء الثالث من القصيدة، والجزء الأهم والأطول، ليس أدنى إلى الابتكار ولا أقرب إلى التجديد من الجزءين الأولين، بل هُوَ برئ من الابتكار الجدِّي، إن صح هَذَا التعبير، كل البراءة، هُوَ مدحٌ تقليديٌّ بأوضح معاني الكلمة وأدقها، لا يتجاوز الشَّاعِر به أن يصف ممدوحه، بأنه أكرم قريش وأشجعها وأعظمها حظًّا من الخصال التي يمتاز بها الرجل حقًّا، وبأنه كان أحلم قريش وأحكمها حين بلغ الحلم، وبأنه ابن النبي، وبأنه أوحد الخليقة وأجمعها لصفات النبل والشرف؛ إلى غير هَذَا من الأوصاف التي تعوَّد الشعراء أن يرصُّوها فِي مدحهم رصًّا، ومع ذلك فقد حاول الشَّاعِر أن يجدد فأخطأه التوفيق، وظهر أنه لا يزال فِي حاجة إلى ممارسة قول الشعر وتصريف الكلام، وذلك حين أراد أن يذكر الضربة التي تلقاها ممدوحه فِي وقعة من الوقعات، فزعم أنَّ هذه الضربة شرفت ممدوحه، ولم تلحق به ضررًا ولا أذًى، فهذا تفكير أطفال وحديث فتى يلغو، والمتنبي معتمد فِي مدحه كما اعتمد فِي غزله ووصفه على الطباق والمبالغة، ويظهر ذلك ظهورًا واضحًا حين يحدثنا بأن الأغماد تبكي على النصول إذا علمت أنها ستجرَّد، وبأن هذه النصول تغمد فِي الأعناق والرءوس فتقدح النار، ولكن الدماء التي تسفكها تخمد هذه النار التي تقدحها، فأنت ترى فِي هَذَا الكلام المبالغة والطباق معًا، وتحس فيه محاولة الشَّاعِر استغلال هذين الأصلين من أصول البديع، وأنه إن وفق فِي ذلك حينًا فما يزال يخطئه التوفيق كثيرًا؛ لأنه على تقدمه فِي الصنعة لم يستكمل بعدُ حظه من المهارة والإتقان.

على أنَّ هذه القصيدة تدلنا على شيء آخر له قيمته من الناحية التاريخية. فالشاعر لم يمدح أحدًا من رجال الحكم، ولم يتجه إلى أحد من المتصلين بالسلطان العباسي القائم، وإنما مدح رجلًا علويًّا، فأوضح ما يستنبط من ذلك أنَّ المتنبي حين وصل إلى بغداد كان محتفظًا بمذهبه السياسي، منحرفًا عَنْ السلطان العباسي القائم فِي بغداد، ولكننا لا نرى فِي القصيدة مذهب القرامطة، ولا إشارة إلى نظرية الحلول، فلا أقل من أن نفهم من ذلك أن شاعرنا متحفظ محتاط، وأنه لا يمدح هَذَا العلوي رغبةً فِي مدحه أو إخلاصًا فِي حبه وحب العلويين، وإنما يمدحه ملتمسًا لنواله، يريد أن يستعين بهذا النوال على الرحيل من بغداد إلى الشام.

وفي أثناء إقامة المتنبي فِي بغداد رأى الفتى من غير شك ما لم يره فِي الكوفة ولا فِي البادية من مظاهر الترف وألوان النعيم، وفنون العبث واللهو، فزاد سخطه على النظام الاجتماعي، وحنقه على توزيع الثروة بين الناس، والغريب أنه لم يستبق مما رأى ومما سمع فِي بغداد هذه المرة إلا ما ترويه لنا عنه الأخبار من أنه كان يمشي مرة في بغداد ومعه خمسة دراهم، فرأى بطيخًا أعجبه لأنه كان باكورة، فساوم فيه صاحبه حَتَّى عرض عليه دراهمه الخمسة، ولكنه لم يبلغ منه شيئًا، ووقف الفتى حزينًا ينظر إلى البطيخ وإلى الدراهم، وإذا تاجر يخرج من خان مقابل لبائع البطيخ، فينهض البائع إِلَيْهِ متملِّقًا مبالغًا فِي التملق، يدعو له ويعرض عليه بطيخه والتاجر يأبى ويمتنع، والرجل يهبط بالثمن شيئًا فشيئًا حَتَّى سمح التاجر وطابت نفسه عَنْ شراء هَذَا البطيخ بدرهمين اثنين، وأمر البائع أن يحمله إلى داره، فلما انصرف التاجر أظهر المتنبي عجبه لصاحب البطيخ من هذه الحماقة التي حملته على أن يرفض خمسة دراهم كان يعرضها عليه، ويقبل من التاجر درهمين، لم تطب نفسه عنهما إلا بعد المساومة والعناء، فقال له التاجر: ويلك! إنه يملك مائتي ألف دينار!

ويزعم الرواة على المتنبي أنه أحب المال منذ ذلك الوقت وكلف بالغنى، وحرص على أن يملك مائتي ألف دينار.

ومهما يكن من أمر هذه القصة فلست أريد أن أحملها أكثر مما تحتمل، ولست أرى فيها إلا رمزًا لما تأثر به الشَّاعِر الفتى أثناء إقامته فِي بغداد من حماقة العامة واستكانتهم، وطغيان الخاصة والأغنياء وإسرافهم فِي استغلال هذه العامة الحمقاء المستكينة.

أقبل الفتى على بغداد قرمطيًّا منهزمًا، حانقًا على النظام الاجتماعي والسياسي وخرج من بغداد إلى الشام، وأضاف حنقًا إلى حنق، وسخطًا إلى سخط، وازداد حظه من التمرد على السلطان والنظام، وإذا أضفنا إلى هذه القصة قصة أخرى يرويها الرواة عَنْ المتنبي الصبي أثناء إقامته بالكوفة استطعنا أن نتبين العناصر الخلقية والعقلية التي كونت شخصية هَذَا الفتى المندفع المخاطر والضارب فِي الأرض يبتغي شيئًا لعله لم يكن يحققه ولا يعرفه إلا توهُّمًا.

فقد زعم الرواة أنَّ الصبي كان يختلف إلى ورَّاق فِي الكوفة يجلس عنده وينظر فيما يحضره من الكتب، فأقبل ذات يوم رجل، ومعه كتاب لأبي عبيدة فِي اللغة، يقع فِي ثلاثين ورقة، وكان الرجل يعرض كتابه للبيع، فأخذه الصبي وجعل يطيل النظر فيه، حَتَّى ضاق به البائع وقال له: يا هذا! إنما جئت بهذا الكتاب لأبيعه، وإنك إذا أردت حفظه واستقصاءه احتجت إلى أيام، قال الصبي: فإذا كنت قد وعيت ما فيه؟ قال البائع: فهو لك، ثم امتحن القوم الصبي فإذا هُوَ قد حفظ ما فِي الكتاب.

لا أريد أن أحمل هذه القصة أَيْضًا أكثر مما تحتمل، وإنما أرى فيها رمزًا لنشاط الصبي وحضور ذهنه وحدة ذكائه، وإذن فقد أدرك الفتى نفسه وهو متميز من غيره بذكاء غير شائع فِي الناس، وهو مع ذلك فقير بائس يشتهي من لذات الحياة المتواضعة ما لا يستطيع أن يبلغه وإن بذل الجهد والمال، والأغنياء البُله من حوله ينعمون ويترفون ويُكرهون على النعيم والترف إكراهًا فلا غرابة فِي أن يمتلئ هَذَا الفتى غرورًا بنفسه، وفي أن يشعر قلبه بعض هذه الحياة التي تجري فيها الأمور على غير ما يقتضيه العدل والحق والإنصاف، ولا غرابة فِي أن يقصد إلى الشام وفي نفسه خواطر كثيرة مختلطة مضطربة ليس من اليسير تمييزها، ولكنها على كل حال خواطر متشائم ساخط يريد أن تتغير الظروف من حوله لمصلحة الناس جميعًا، فإن لم يكن إلى ذلك سبيل فلا أقل من أن تتغير الظروف حوله لمصلحته هُوَ خاصة.

وأكاد أعتقد أنَّ حياة المتنبي بعد سفره من بغداد تمثل هذين النوعين من الأمل، وهذين الفنَّين من المحاولة، فهو فِي أول أمره مخلص صادق فيما بينه وبين نفسه، معجبٌ بنفسه من غير شك، ولكنه ليس مسرفًا فِي الأثرة، يرى أنه قد يستطيع تغيير ظروف الحياة لمصلحة المظلومين والمستضعفين، وسبيله إلى ذلك نشر الدعوة القرمطية وتغيير الأمور السياسية فِي مكان بعيد بعض الشيء عَنْ مركز السلطان ومستقر الخلافة، وقد اندفع الفتى فِي ذلك وجهد فِي أن يصل إِلَيْهِ مخاطرًا يومًا متحفظًا يومًا آخر، متجاوزًا الحدود يومًا ثالثًا، حَتَّى أدركه الإخفاق ثم أدركه اليأس، فلم يجد بدًّا من المرتبة الثانية التي تقوى فيها الأثرة بعد أن أخفق الإيثار، ويقوى فيها الطمع وحب النفس بعد أن أخفق الرفق بالناس والنصح لهم وحملهم على الإصلاح.

هنالك ظهر المتنبي على طبيعته الصحيحة التي أخفاها حينًا كرم الشباب واندفاعه الطبيعي إلى الخير، فلما أدركه الإخفاق وألمت به الخيبة انجلت عنه غمرة الشباب، وظهر كما أراد الله له أن يكون شاعرًا نابغة، نابِه الذكر، مؤثرًا لنفسه بالخير، مسرفًا فِي إيثار نفسه بالخير، لا يستبقي من آماله الأولى إلا الحقد على الجماعة والازدراء لها والبغض لما تقدم عليه من نظام وتخضع له من سلطان، ولكننا فيما يظهر نتعجل الحوادث بعض الشيء، والخير فِي أن نصطنع الأناة ونساير الشَّاعِر فِي طريقه؛ حَتَّى نقطع معه المرحلة الثانية التي انتهت به إلى السجن ثم إلى اليأس والقنوط.

(٦) إلى الشام

وأول مسألة تعرض لنا فِي هذه الطريق، مسألة تاريخية بالطبع، أو مسألتان تاريخيتان: فمتى ارتحل المتنبي عَنْ بغداد قاصدًا إلى الشام؟ وهل من سبيل إلى توقيت القصائد التي قالها فِي الشام قبل أن تنتهي به الحوادث إلى السجن؟

فأما المسألة الأولى فليس إلى الجواب عنها من سبيل؛ لأن المؤرخين لا يحدثوننا بشيء يُعيِّن الوقت الذي خرج المتنبي فيه من بغداد أو يقربه، والديوان نفسه لا ينبئنا من هَذَا بشيء، ولكني أرجح خلافًا لما ظن الأستاذ بلاشير٨ أنَّ إقامة المتنبي فِي بغداد لم تطل، وإنما مرّ الشَّاعِر بها مرًّا لم ينفق فيها إلا الوقت الذي مكن له من أن يتهيأ للرحيل إلى الشام؛ لأنه لم يكن آمنًا فِي بغداد كما لم يكن آمنًا فِي الكوفة، وعندي أنه، خلافًا لما ظن الأستاذ بلاشير أيضًا، لم يختلف إلى مجالس العلماء، ولا إلى أندية الأدب، ولم يتصل بأحد من الأشخاص الظاهرين فِي بغداد إلا محمد بن عبد الله العلوي الذي مدحه بالقصيدة التي فرغنا من تحليلها آنفًا؛ وما أراه مدحه إلا ليستعين بنائله على الرحيل.

لم يكن المتنبي آمنًا فِي بغداد؛ لأنه كما رأيت كان قرمطي الهوى، ولأن بغداد كانت شديدة الاضطرابات بأحداث القرامطة الذين كانوا يغيرون عليها منذ وقت قصير، وما أرى إلا أن المتنبي قد أنفق ما أنفق من الوقت فِي بغداد وجلًا مضطربًا، وخرج منها خائفًا يترقب، وانتفع فِي إقامته وسفره بأنه شخص مجهول لا ينم عليه اسم معروف، ولا تفضحه مكانة ممتازة، وأكبر الظن أن خوفه واحتياطه هما اللذان حملاه على أن يخفي اسمه ونسبه، إن كان له نسب، على القبائل التي كان ينتقل بينها أثناء رحلته.

وأوضح دليل على أنه لم يطل الإقامة فِي بغداد أنَّ ديوانه لا يحفظ لنا شعرًا قاله فِي بغداد إلا مدحه لهذا العلوي، ولو قد أقام المتنبي ببغداد إقامة أمن وفراغ بال، لما أعياه أن يقول كثيرًا من الشعر فِي كثير من الأشخاص وفي كثير من المشاهد التي شهدها فِي دار السلام.

وأما المسألة الثانية فالأمر فيها مختلف بعض الشيء، فقصائد المتنبي التي قالها بين خروجه من بغداد ودخوله السجن منثورة فِي القسم الأول من ديوانه على نحوٍ يظهر أنه قصد به إلى كثير من التعمية والتضليل، فهناك قصائد مقدمة فِي الديوان وقد كان إنشاؤها متأخرًا، وهناك قصائد متأخرة فِي الديوان وقد كان إنشاؤها متقدمًا، وما أشك فِي أن هَذَا التأخير والتقديم شيء أُريد لأمرٍ ليس فِي حاجة إلى التوضيح، وأكثر الأشخاص الذين قصد إليهم المتنبي بمدحه وثنائه فِي هَذَا الطور خاملون لم يعرفهم أو لم يكد يعرفهم التاريخ، ومع ذلك فقد يخيل إِلَيَّ أن توقيت هذه القصائد إن لم يكن ممكنًا كله، فليس مستحيلًا كله، ولي إلى ذلك التوقيت طريقتان.

فأما الأولى فتتصل بنفس الشاعر، وأما الأخرى فتتصل بطريق الشَّاعِر حين اضطرابه فِي بلاد الشام، فأما الطريقة الأولى، وهي الطريقة النفسية، إن صح هَذَا التعبير، فإني أستنبطها من طبيعة الحياة العقلية والشعورية التي كان يحياها المتنبي قبل أن تلم به الكارثة، فقد رأيناه قرمطي الهوى فِي الكوفة لا يتحفظ ولا يحتاط، ورأيناه شيعيًّا فِي بغداد متحرجًا يصطنع الحذر، ورأيناه أنه فِي أكبر الظن إنما سافر بقرمطيته إلى الشام ليدعو إِلَيْهَا هناك، وإذن فلابد، إن صح هَذَا الفرض، من أن يمتاز شعر المتنبي فِي هَذَا الطور من حياته بشيئين: أحدهما آراء قرمطية تظهر فِي هَذَا الشعر من حين إلى حين؛ لأنها هي آراء الشاعر، وهي قوام حياته وتفكيره ونشاطه الخفي، فلا يستطيع الشَّاعِر أن يمحوها من آثاره الأدبية محوًا، والآخر تحفظ واحتياط، وإيثار للعافية يدفع الشَّاعِر إلى أن يخفي آراءه ما استطاع إذا خاف أو شك، وإلى أن يلمح بهذه الآراء إذا أمن أو طمع، وإلى أن يجهر بما يمكن الجهر به من هذه الآراء إذا أمن واطمأن، فإذا استطعنا أن نتبين هاتين الخصلتين فِي طائفة من قصائد المتنبي، فأكبر الظن أنَّ هذه القصائد قد قيلت فِي هَذَا الطور، على أني أكثر اعتمادًا على الطريقة الثانية الجغرافية مني على هذه الطريقة الأولى النفسية، فالظاهر أنَّ المتنبي قد خرج من بغداد متابعًا طريق الجزيرة حَتَّى انتهى إليها، فأقام فيها وفي شمال الشام دهرًا يتنقل بين القبائل البادية وبين المتحضرين فِي المدن، يمدح الرؤساء وسراة الناس كما يمدح أوساطهم وفقراءهم أيضًا، وهو فِي أثناء ذلك كله يمتحن أولئك وهؤلاء ليتبين استعدادهم للقرمطية وتهيؤهم للخروج على السلطان العباسي الذي كانوا يخضعون له فِي ذلك الوقت خضوعًا فيه غير قليل من التلون والاضطراب، فإن وجد عندهم استعدادًا لقبول دعوته أذاعها فيهم، وإن لم يجد كتم عنهم أمره، وهو فِي الحالين يعيش بما يأخذه منهم أجرًا لما يهدي إليهم من المديح.

وأنت إذا قرأت القسم الأول من ديوان المتنبي بعد خروجه من العراق رأيته ينقسم ثلاثة أقسام جغرافية، إن صح هَذَا التعبير: القسم الأول قيل فِي والجزيرة وشمال الشام، ومدح به جماعة من رؤساء البادية وأغنياء الحاضرة وأوساطها، وأصحاب المناصب فيها، والقسم الثاني قيل فِي اللاذقية وهو موقوف على التنوخيين الذين قد نطيل عنهم الحديث، والقسم الثالث قيل فِي طرابلس، يحدثنا الشَّاعِر نفسه بذلك، وأنت تفهم من سياق شعره فِي التنوخيين، أنه قد غاب عَنْ اللاذقية حينًا، فأقام فِي طبرية ثم عاد إليها، وإذن فيخيل إليَّ أنَّ المتنبي قد جاء سوريا من شمالها فأقام فِي هَذَا الشمال دهرًا، ثم مضى فأقام فِي طرابلس حينًا قصيرًا، ثم انحرف إلى اللاذقية فأطال فيها المقام شيئًا، ثم انصرف عنها إلى طبرية فأقام قليلًا، ثم عاد إلى اللاذقية فجدد العهد بها وتهيأ فيها لما كان يريد أن يحدث من خطب، ثم تركها إلى البادية غير بعيد عَنْ حمص، فلم يكد يعلن الدعوة إلى الثورة حَتَّى أُخذ، وأُلقيَ فِي السجن، ويجب أن يكون أخذه وإلقاؤه فِي السجن في سنة ثلاث أو أربع وعشرين وثلاثمائة، فنحن نراه يمدح أحد التنوخيين، ويبرئ نفسه إِلَيْهِ من تُهمةٍ رُمي بها عنده، وهي تهمة الهجاء له، فيقول:

وَمَا أَرْبَتْ عَلَى الْعِشْرِينَ سِنِّي
فَكَيْفَ مَلِلْتُ مِنْ طُولِ الْبَقَاءِ

وأقل ما يفهم من هَذَا البيت أنَّ الشَّاعِر قاله سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وسترى أنه مدح التنوخيين قبل أن يحدث الأمر الذي اضطره إلى السجن، وأظن أننا حين نستعين بهاتين الطريقتين نستطيع أن نوقت توقيتًا مقاربًا تاريخ هَذَا القسم من شعر المتنبي، وأنْ نمحو الغموض الذي أحيط به هَذَا القسم عمدًا فِي الديوان، بما اصطنع فيه من تقديم وتأخير.

ومهما يكن من شيء فإني أفترض أنَّ المتنبي قد سلك هذه الطريق التي رسمتها مع قليل أو كثير من الانحراف لا يؤثر فِي صورتها العامة تأثيرًا ذا خطر، وإذن فسأسلك هذه الطريق نفسها فِي درس شعره فِي هَذَا الطور على النحو الآتي:

  • (١)

    شعره فِي سوريا الشمالية.

  • (٢)

    شعره فِي طرابلس.

  • (٣)

    شعره فِي اللاذقية.

  • (٤)

    شعره حين كان يستعد للثورة فِي البادية.

  • (٥)

    وأخيرًا شعره فِي السجن.

(٧) شعر المتنبي في شمال الشام

وبين أيدينا فِي الديوان — إن صح ما ذهبت إِلَيْهِ من الفرض، وما عمدت إِلَيْهِ من الإحصاء — ست عشرة قصيدة ومقطوعة قالها المتنبي فِي أول عهده بالشام، حين كان فِي الشمال متنقلًا بين أهل البادية وأهل الحضر.

وقد مدح بهذا الشعر أو بأكثره على الأقل جماعة من العرب، ليس فيهم إلا مضريٌّ واحد، هُوَ سعيد بن عبد الله بن الحسين الكلابيُّ القيسي، ومدحه بالقصيدة التي مطلعها:

أَحْيَا وَأَيْسَرُ مَا قَاسَيْتُ مَا قَتَلَا
والْبَيْنُ جَارَ عَلَى ضَعْفِي وَمَا عَدَلَا

ولبعض الكلابيين من رهط هَذَا الرجل، قال هاتين المقطوعتين فيما أرجح، وفيهما تلميح ظاهر إلى غرضه، وإلى دعوته القرمطية:

إِذَا مَا شَرِبْتَ الخَمْرَ صِرْفًا مُهَنَّئًا
شَرِبْنَا الَّذِي مِنْ مِثْلِهِ شَرِبَ الْكَرْمُ
أَلَا حَبَّذَا قَوْمٌ نُدَامَاهُمُ القَنَا
يُسَقُّونَهَا رِيًّا وَسَاقِيهِمُ الْعَزْمُ

•••

لِأَحِبَّتِي أَنْ يَمْلَئُوا
بِالصَّافِيَاتِ الْأَكْؤُبَا
وَعَلَيْهِمُ أَنْ يَبْذِلُوا
وَعَلَيَّ أَلَّا أَشْرَبَا
حَتَّى تَكُونَ الْبَاتِرَا
تُ الْمُسْمِعَاتُ فَأطْرَبَا

وفيهم رجل واحد هُوَ سيف الدولة، مدحه فِي هَذَا الطور بميميته التي يقول فِي أولها:

ذِكْرُ الصِّبَا ومَرَابِعِ الْآرَامِ
جَلَبَتْ حِمَامِي قَبْلَ وَقْتِ حمَامِي

وأما الآخرون فقحطانيون، منهم الأزدي، وهو أبو المنتصر شجاع الأزدي، وقد مدحه بالقصيدة التي مطلعها:

أَرَقٌ عَلَى أَرَقٍ وَمِثْلِي يَأْرَقُ
وَجَوًى يَزِيدُ وَعَبْرَةٌ تَتَرَقْرَقُ

ومنهم جماعة من الطائيين، هم علي بن أحمد الطائي، ومدحه بالقصيدة التي أولها:

حُشَاشَةُ نَفْسٍ وَدَّعَتْ يَوْمَ وَدَّعُوا
فَلَمْ أَدْرِ أَيَّ الظَّاعِنِينَ أُشَيِّعُ

وشجاع بن محمد الطائي، وقد مدحه بقصيدتين مطلع أولاهما قوله:

عَزيزُ أَسًى مَنْ دَاؤُهُ الْحَدَقُ النُّجْلُ
عَيَاءٌ بِهِ مَاتَ المُحِبُّونَ مِنْ قَبْلُ

ومطلع الثانية قوله:

الْيَوْمَ عَهْدُكُمُ فَأَيْنَ الْمَوْعِدُ؟
هَيْهَاتَ لَيْسَ لِيَوْمِ عَهْدِكُمُ غَدُ

وعبد الله وأخوه أبو عبادة ابنا يحيى بن البحتري الشَّاعِر وقد مدحه بقصيدتين مطلع أولهما:

بَكَيْتُ يَا رَبْعُ حَتَّى كِدْتُ أُبْكِيكَا
وَجُدْتُ بِي وَبِدَمْعِي فِي مَغَانِيكَا

ومطلع الثانية:

أَرِيقُكِ أَمْ مَاءُ الغَمَامَةِ أَمْ خَمْرُ
بِفِيَّ بَرُودٌ وَهْوَ فِي كَبِدِي جَمْرُ

ومدح أخاه بالقصيدة التي يقول فِي أولها:

مَا الشَّوْقُ مُقْتَنِعًا مِنِّي بِذَا الْكَمَدِ
حَتَّى أَكُونَ بِلَا قَلْبٍ وَلَا كَبِدِ
ونلاحظ أنه فِي هذه القصائد الثلاث لم يذكر البحتري الشَّاعِر جدَّ ممدوحيه ولم يشر إليه، ولعل هَذَا يلائم ما كان معروفًا عَنْ المتنبي من الإمعان فِي قراءة شعر المحدثين وأدب البلغاء، والادعاء مع ذلك أنه لا يقرؤهما ولا يحسن العلم بهما، حَتَّى افتضح فِي ذلك.٩

ومدح غير هؤلاء محمد بن زريق، وكان على بعض العمل فِي طرسوس بالقصيدة التي مطلعها:

هَذِي بَرَزْتِ لَنَا فَهِجْتِ رَسِيسًا
ثُمَّ انْثَنَيْتِ وَمَا شَفَيْتِ نَسيسَا

ولما أراد أن يرتحل من طرسوس استجداه بالأبيات التي أولها:

مُحَمَّدُ بْنَ زُرَيْقٍ مَا نَرَى أَحَدًا
إِذَا فَقَدْنَاكَ يُعْطِي قَبْلَ أَنْ يَعِدَا

ومدح كذلك مساور بن محمد الرومي، وكان حاجبًا بقصيدتين يقول فِي أولاهما:

جَلَلًا كَمَا بِي فَلْيَكُ التَّبْرِيحُ
أَغِذَاءُ ذَا الرَّشأِ الَأَغَنِّ الشِّيحُ

ويقول فِي الأخرى:

أَمُسَاوِرٌ أَمْ قَرْنُ شَمْسٍ هَذَا
أَمْ لَيْثُ غَابٍ يَقْدُمُ الْأُسْتَاذَا

ومدح عبد الرحمن بن المبارك الأنطاكي بالقصيدة التي أولها:

صِلَةُ الْهَجْرِ لِي وَهَجْرُ الْوِصَالِ
نَكَسَانِي فِي السُّقْمِ نُكْسَ الْهِلَالِ

وكل هؤلاء الناس كان مقيمًا فِي شمال سوريا حين مدحه المتنبي، فمنهم من كان بأنطاكية، ومنهم من كان بمنبج، ومنهم من كان بطرطوس، ولا يتعرض منزل واحد منهم للشك إلا أن يكون مساور بن محمد الرومي، وأحسب المتنبي لقيه فِي حلب أو قريبًا منها.

ويرى الأستاذ بلاشير١٠ والدكتور عبد الوهاب عزام،١١ أنه لم يمدح مساورًا إلا فِي وقت متأخر بعد موت محمد بن رائق، والذالية تؤيد هَذَا الرأي، ولكني مع ذلك أميل إلى ترجيح ما قدمته، ولعله مدحه مرتين؛ مدحه بالحائية فِي طوره هذا، وبالذالية بعد موت ابن رائق، وإن كانت إغارة المصريين على الشام قد تكررت.

وأنت إذا قرأت هَذَا الشعر كله لم تشك فِي أنه الشعر الذي يلي ما قدمنا الحديث عنه فِي الفصول السابقة؛ أي أنَّ الشعر الذي قيل فِي آخر الصبا وأول الشباب، وعند وصول المتنبي إلى شمال الشام.

فيه كل الخصائص التي تثبت هَذَا إثباتًا قاطعًا، فالآراء القرمطية ظاهرة فيه كما سترى، إلا أن يتحفظ الشَّاعِر ويحتاط، والمذهب الفني الذي ابتدأ الفتى به شعره ظاهر فيه كل الظهور: تقليد للقدماء، ولأبي تمام خاصة، واعتماد ظاهر على الطباق والمبالغة، يسرف فيهما إنْ استعصت عليه القريحة، ويقتصد فيهما إن واتاه الطبع.

ثم ظاهرة أخرى نجدها فِي هَذَا العصر عند جماعة من الشعراء ولم يسلم منها المتنبي، لا فِي هَذَا الطور ولا فِي بعض الأطوار الأخرى التي تليه، وهي تكلف القوافي التي لا تخلو من عسر، والتي لم يكن المطبوعون من الشعراء المتقدمين يتكلفونها، فكافيته فِي مدح البحتري، وذاليته فِي مدح مساور بن محمد الرومي، تدلان على أنَّ الفتى كان يأخذ نفسه بشيء من الشدة ليظهر شيئًا من البراعة فِي اصطناع القوافي، والقدرة على استذلالها.

ثم أنت حين تقرأ هَذَا الشعر تكاد تحس فِي ألفاظه، ومعانيه وأساليبه، بنمو طبيعة الشاعر، وتقدم ملكته الفنية نحو الرشد والنضج شيئًا فشيئًا، ولولا أني أكره الإطالة والإملال فيما لا حاجة إلى الإطالة فيه والإملال به، لاستقصيت هَذَا المقدار من شعر المتنبي، ولدرسته قصيدة قصيدة، ومقطوعة مقطوعة، ولحاولت أنْ أستنبط من هَذَا الاستقصاء والدرس نحو الملكة الفنية عند هَذَا الشَّاعِر الشاب، ولكني إنْ فعلت أثقلت عليك وعلى نفسي، ولم أنته بك ولا بنفسي إلى غاية هذا الحديث، فخذ أنت هَذَا الشعر وقف عليه من وقتك أيامًا، فما أشك فِي أنك ستصل إلى ما لا أريدُ أنا أنْ أطيل فيه، ولكني واقفٌ معك عند بعض هَذَا الشعر، فاجتهد فِي أن تتذوقه لعلنا نتعرف أصول فن المتنبي فِي شيء من التفصيل والوضوح، ينفعنا حين نعبر هَذَا الطور من أطواره الفنية.

ولنأخذ لاميته التي مدح بها سعيد بن عبد الله، فإنها خليقة ببعض التفكير؛ لأنَّا نلتمس فيها صبا الشَّاعِر وطفولته، لا فِي اللفظ وحده، بل فِي الشعور والتفكير أيضًا، فأقرأ معي هَذَا الغزل الذي أقدمه بين يديك:

أَحْيَا وَأَيْسَرُ مَا قَاسَيْتُ مَا قَتَلا
وَالْبَيْنُ جَارَ عَلَى ضَعْفِي وَمَا عَدَلَا

فانظر إِلَيْهِ كيف أراد أن يعبر عَنْ أنه يحتمل من البين ما لا سبيل إلى الحياة معه، فدار حول هَذَا المعنى، ولم يستطع أن يؤديه إلا فِي شيء من التكلف، فاصطنع هَذَا الفعل فِي أول البيت، ثم أضاف إِلَيْهِ هذه الجملة الحالية، ثم لم يستطع أن يُؤدي هذه الجملة الحالية نفسها دون شيء من المعاظلة حين جمع بين هذين الموصولين فِي قوله:

أَيْسَرُ مَا قَاسَيْتُ مَا قَتَلا

ولعله أشفق من التنافر الذي يأتي من كثرة القافات، فآثر هَذَا التعقيد اليسير، ثم انظر إلى الشطر الثاني من هَذَا البيت:

وَالْبَيْنُ جَارَ عَلَى ضَعْفِي وَمَا عَدَلَا

فسترى فيه طباقًا ظاهرًا يخلب بعض الشيء، ولكنك ستحس أنَّ الشطر كله لا حاجة إليه، وأنَّ القافية قد أكرهت إكراهًا وعُتلت إلى مكانها عتلًا، وأنَّ الشَّاعِر قد استوفى معناه الأساسي فِي الشطر الأول، ثم جاء بالشطر الثاني ليتم البيت، فإذا انتقلت إلى البيت الثاني:

وَالْوَجْدُ يَقْوَى كَمَا تَقْوَى النَّوَى أَبَدًا
وَالصَّبْرُ يَنْحَلُ فِي جِسْمِي كَمَا نَحَلَا

أحسست فِي نفس الشَّاعِر فرحًا بهذه الملاءمة التي اهتدى إِلَيْهَا بين قوة النوى وقوة الوجد فِي الشطر الأول، وبين نحول الصبر ونحول الجسم فِي الشطر الثاني، وبهذا الطباق البعيد بين قوة الوجد والنوى، ونحول الصبر والجسم، ولكن انظر إلى قوله: «أبدًا»، فسترى أنَّ هذه الكلمة إنما جاءت لتقيم وزن الشطر لا لشيء آخر؛ فإن لقوة النوى وإنْ كانت غريبة، حدًّا يجب أن تنتهي إِلَيْهِ فتنتهي معها قوة الوجد، وانظر إلى الشطر الثاني كيف أعاد الضمير فيه على الصبر فِي شيء من التكلف لا يخفى، ثم انتقل إلى البيت الثالث:

لَوْلَا مُفارَقَةُ الْأَحْبَابِ مَا وَجَدَتْ
لَهَا المَنَايَا إلى أَرْوَاحِنَا سُبُلَا

فسترى فيه مبالغة ظاهرها يخلب، ولكن تحقيقها يدل على أنَّ صاحبها صبي، لم ينضج تفكيره بعد، ذلك إلى رجع الضمير فِي «لها» على المنايا، مع تقدم الضمير وتأخر المرجع فِي اللفظ، وأنا أعلم أنَّ هَذَا ليس خطأ، ولست أذكره لذلك، وإنما أذكره لأضع يدك على الجهد الذي يبذله الصبي فِي إقامة شعره.

واقرأ البيت الرابع:

بِمَا بِجَفْنَيْكِ مِنْ سِحْرٍ صِلِي دَنِفًا
يَهْوَى الْحَيَاةَ وَأَمَّا إِنْ صَدَدْتِ فَلَا

فستنكر منه هَذَا الاستحلاف الذي يفجؤك بهذه الباء تليها باء أخرى لا يفصل بينهما إلا هَذَا الموصول، وهو حاجز غير حصين، كما يقول النحاة، ثم أتم قراءة البيت فسترى فيه قصورًا فِي الأداء لم يستطع الشَّاعِر أن يخلص منه، فاضطر إلى الحذف وإلى الإضمار؛ فهو يريد أن يقول لصاحبته: صلي دنفًا يهوى الحياة ما وصلته، فأما إن صددتِ عنه فليس يهواها.

والمتنبي مضطر بحكم الجهد إلى مثل هَذَا التكلف، ولكنه سيمضي فيه وسيستجيزه، ولعله كان يحس من الناس شيئًا من الإنكار فيأبى عليه عناده إلا أن يغيظ مخاصميه بالإلحاح فيما يكرهون، وما دام النحو يجيز له مثل هَذَا فليس عليه بأس من الإيغال فيه، وكذلك ينتقل المتنبي من التكلف إلى التعقيد، ومن التعقيد الذي تفرضه الضرورة إلى التعقيد الذي يصبح مذهبًا من مذاهب الشعر، وفنًّا من فنون الأداء، مثل المتنبي فِي ذلك مثل الفرزدق الذي كان يرى المعاظلة وسيلة من وسائل الأداء الشعري، ويتعمد تجاوز المألوف ليغيظ خصومه من النحويين.١٢

ثم انظر إلى البيت الخامس:

إِلَّا يَشِبْ فَلَقَدْ شابَتْ لَهُ كَبِدٌ
شَيْبًا إِذَا خَضَبَتْهُ سَلْوَةٌ نَصَلَا

فقد صرَّف فيه الشيب تصريفًا يكاد يذكِّر بتلاميذ المكاتب، فجاء منه بالمضارع والماضي والمصدر، ثم أسنده إلى الكبد، ثم لم يكفه ذلك حَتَّى جعل السلوة خضابًا، وحتى جعل شيب هذه الكبد مستعصيًا على هَذَا الخضاب.

أما البيت السادس فحلو مؤثر، فيه حنين الفتى لا إلى صاحبته هذه، بل إلى وطنه ذلك الذي هجره، والذي مَا زَالَ يتنسم ريحه، ويمسك على نفسه عقله بما يحمل إِلَيْهِ هَذَا النسيم:

يُجَنُّ شَوْقًا فَلَوْلَا أَنَّ رَائِحَةً
تَزُورُهُ فِي رِيَاحِ الشَرْقِ مَا عَقَلَا

ولكن الشَّاعِر لا يكاد يدع هَذَا البيت حَتَّى يعود إلى التكلف والجهد، فاقرأ البيت السابع:

هَا فَانْظُرِي أَوْ فَظُنِّي بِي تَرَيْ حُرَقًا
مَنْ لَمْ يَذُقْ طَرَفًا مِنْهَا فَقَدْ وَأَلَا

فإنك واضع يدك على ما فِي هَذَا البيت من المشقة والعسر: فهذه الهاء فِي أول البيت، وطلب الشَّاعِر إلى صاحبته أن تنظر من أن تظن به أي أن تتخيله، ثم إنباؤه إياها بأنها إن نظرت أو ظنت به فسترى به حرقًا مهلكة، وانظر إِلَيْهِ كيف عبر عَنْ هذه الحرق المهلكة بأن من لم يذق منها طرفًا فقد نجا، فما أظن أنَّ التكلف ينتهي بشاعر إلى تقصير أشد من هَذَا التقصير.

ولكن شاعرنا فِي السادسة عشرة أو السابعة عشرة من عمره، فليس عليه من هَذَا الجهد بأس، وسترى إذا أمضيت فِي قراءة الديوان أنَّ النسيب ليس من الفنون التي يحبها المتنبي أو يحفل بها، وإنما هُوَ يتكلفه على غير طبعه احتفاظًا بالسنة المألوفة عند الشعراء.

وانظر بعد هَذَا الغزل كيف تخلص الشَّاعِر إلى ممدوحه بهذا البيت الذي عابه عليه النقاد ظالمين:

عَلَّ الْأَمِيرَ يَرَى ذُلِّي فَيَشْفَعَ لِي
إلى الَّتِي تَرَكَتْنِي فِي الْهَوَى مَثَلَا
فهم أنكروا على الفتى أنْ يجعل الأمير شفيعًا له عند صاحبته، ولكنهم نسوا أنَّ الفتى يمدح رجلًا بدويًّا، وأنَّ السُّنة كانت متصلة بأن قومًا أعظم خطرًا من هَذَا البدوي قد شفعوا فِي الحب للمحبين، أو لم تحفظ الأخبار أنَّ الحسين بن علي شفع لقيس بن ذريح عند أبي لبنى،١٣ وأنَّ بعض عمال الأمويين شفع لقيس بن الملوح عند أبي ليلى،١٤ وأنَّ ابن أبي عتيق سفر بين عمر وبين الثريا،١٥ فما يمنع المتنبي أن يشفِّع هَذَا الأعرابي الكلابي عند التي تركته مثلًا فِي الهوى؟

ليس على الشَّاعِر بأسٌ من هَذَا البيت، وإنما البأس عليه من البيت الذي يليه والذي يمثل طفولة الشَّاعِر وسذاجته حقًّا:

أَيْقَنْتُ أَنَّ سَعِيدًا طَالِبٌ بِدَمِي
لَمَّا بَصُرْتُ بِهِ بِالرُّمْحِ مُعْتَقِلَا

فدع هاتين الباءين اللتين توشكان أن تلتقيا فِي الشطر الثاني لولا هَذَا الضمير الضعيف الذي يحول بينهما ما استطاع، وانظر إلى هَذَا التكلف الشنيع، إلى هَذَا التكلف فِي المعنى لا فِي اللفظ: رأى الفتى ممدوحه وقد اعتقل الرمح، فاستيقن أنه طالب بدمه، عند من؟ عند صاحبته هذه التي تعنِّيه وتضنيه وتجعله مثلا للعشاق المدنفين، ما أقسى قلب هَذَا الفتى الذي يحمد من أميره أن يهدد حبيبته بالرمح، فلو أنَّ الأمير طعنها بهذا الرمح فقتلها أكان يرضى عنه هَذَا الغلام؟ أم هُوَ يريد حبًّا بالإكراه، ويرى أنَّ صاحبته غرة مثله إذا رأت الرمح خافت وأسمحت بما كانت تبخل به، وما موقف الأمير بين هذين العاشقين؟ قد كنا نحتمله شفيعًا، فأما مخوِّفًا ومكرهًا على الحب فلا، ولكن الفتى لم يرد شيئًا من هذا، وإنما هُوَ عبث شاعر واحتيال فِي الوصول إلى الممدوح مع شيء من الظرف والدعابة، وما أرى إلا أنه وقع من نفس الممدوح الأعرابي موقعًا حسنًا، وإن لم يعجبنا نحن المتحضرين.

ويمضي الشَّاعِر فِي مدح عادي لصاحبه، قوامه المبالغة فِي وصف الكرم، حَتَّى يصل إلى هَذَا البيت الذي لا بأس بما فيه من الموسيقى، وإن كانت المبالغة فيه شنيعة حقًّا:

تُرَابُهُ فِي كِلَابٍ كُحْلُ أَعْيُنِهَا
وَسَيْفُهُ فِي جَنَابٍ يَسْبِقُ العَذَلَا

فانظر إلى الملاءمة الموسيقية بين تراب وكلاب وجناب، وانظر إلى نظمه للمثل السائر فِي غير تكلف ولا جهد، ولكن ما رأيك فِي قومٍ يكتحلون بالتراب؟!

وانظر إلى هذه الأبيات:

هُوَ الْأَمِيرُ الذِي بَادَت تَمِيمُ بِهِ
قِدْمًا وَسَاقَ إِلَيْهَا حَيْنُها الْأَجَلَا
لَمَّا رَأَوْهُ وَخَيْلُ النَّصْرِ مُقْبِلَةٌ
وَالْحَرْبُ غَيْرُ عَوَانٍ أَسْلَمُوا الْحِلَلَا
وَضَاقَتِ الْأَرْضُ حَتَّى كَانَ هَارِبُهُمْ
إِذَا رَأَى غَيْرَ شيء ظَنَّهُ رَجُلَا

فالبيت الأخير منها يذكرك من غير شك بقول جرير للأخطل:

مَا زِلْتَ تَحْسَبُ كُلَّ شيء بَعْدَهُم
خَيْلًا تَشُدُّ عَلَيْكُمُ وَرِجَالَا

واقرأ هَذَا البيت:

فَبَعْدَهُ وَإِلَى ذَا الْيَوْمِ لَوْ رَكَضَتْ
بِالخَيْلِ فِي لَهَوَاتِ الطِّفْلِ مَا سَعَلَا

فما رأيك فِي هَذَا الطفل الذي تركض فِي لهواته تميم بخيلها فلا يأخذه السعال؟ ما عسى أن يكون هَذَا الطفل؟ وما عسى أن تكون تميم وخيل تميم؟

وعلى هَذَا النحو من الكلام الذي تتكلف فيه المبالغة فِي المعنى والملاءمة فِي الألفاظ يمضي الشَّاعِر حَتَّى يتم قصيدته، ونحن لا نكاد نخرج من هذه القصيدة بشيء ذي غناء، إلا أننا نرى هَذَا الفتى يكلف نفسه ألوان الجهد وفنون العناء، مبتهجًا بذلك غير محزون له ولا مظهر به ضجرًا؛ لأنه يستقبل فنه وأمله بنشاط الفتوة وميعة الصبا، وهذه الثقة التي لا يعرفها إلا الشباب.

ولم يصرح المتنبي فِي هذه القصيدة بمذهبه القرمطي، ولم يلمح له، ولكنك رأيت أنه قد لمَّح لأقارب الممدوح فِي المقطوعتين السابقتين، وليس من شكٍّ فِي أنه أقام مع هؤلاء الكلابيين ما أقام، وقال لهم ما قال دون أن يجد عندهم غناء.

فلنقف لحظة قصيرة عند هذه القصيدة الأخرى، التي مدح بها المتنبي أبا المنتصر شجاع بن أوس بن معن بن الرضا الأزدي كما يقول الديوان، فسنرى أنَّ القراءة الأولى لهذه القصيدة تخالف القصيدة الماضية خلافًا ظاهرًا من وجوه: ففي هذه القصيدة الثانية نحس للشاعر غناءً صادقًا، يصور نفسه ويجلو عواطفه، وليس العشق فِي هَذَا الغناء إلا رمزًا غامضًا لمعنى غامض، هُوَ الذي يتغنى الشَّاعِر به دون أن يعرب عنه فِي أول الأمر، وإنما يتركه لك، تفهم منه ما تشاء أو تفهم منه ما تستطيع، فإذا كنت مُلمًّا بحياة الشاعر، ظاهرًا على دخائله، مصاحبًا له منذ نشأته الأولى، شاهدًا لما مازج صباه من حزن، وما عرض له فِي حياته من أسى وحسرة، فأنت فاهم عنه، محقق لما يتغنى به، وإن كنت غريبًا عَنْ الشَّاعِر تسمع له مصادفة، وتقرؤه على غير علم دقيق بحاله، فأنت تراه شاعرًا كغيره من الشعراء، يعشق كما يعشقون، فينسب كما ينسبون، ويكفي أن تقرأ الأبيات الأولى من هذه القصيدة لترى صحة ما أشير إليه:

أَرَقٌ عَلَى أَرَقٍ وَمِثْلِي يَأْرَقُ
وَجَوًى يَزِيدُ وعبرة تَتَرَقْرَقُ
جَهْدُ الصَّبَابَةِ أَنْ تَكُونَ كَمَا أُرَى
عَيْنٌ مُسَهَّدَةٌ وقَلْبٌ يَخْفِقُ
مَا لَاحَ بَرْقٌ أَوْ تَرَنَّمَ طَائِرٌ
إِلَّا انْثَنَيْتُ وَلِي فُؤَادٌ شَيِّقُ

فالشاعر فِي هذه الأبيات يتغنى كما ترى غناءً غامضًا بعواطف مبهمة، وإن ظهر منها أنها العشق، ولكن هَذَا الغناء صادق اللهجة قوي النغمة، يصدر عَنْ قلبٍ حزين وينتهي إلى القلوب فيثير فيها الحزن والأسى، فأَرَقُ الشَّاعِر متصل يقفو بعضه أثر بعض، والشاعر يقرر ذلك ولا ينكره؛ لأنه يرى أنَّ مِثْلَه خليق أنْ يأْرَق، فأما عامة الناس فيفهمون من هَذَا الشطر الأول شدة العشق، وحدة الحب، ولوعة الهوى، وأما العارفون بأمر المتنبي فيفهمون من هَذَا الشطر همَّ الشَّاعِر الذي يطيل ليله ويضاعف أرقه، وأمل الشَّاعِر الذي يملأ قلبه، ويبعد عَنْ متناوله، والشاعر محزون يزيد حزنه كلما مرت الساعات والأيام، وقد ينتهي به هَذَا الحزن المتصل المتزايد إلى البكاء.

ثم انظر إلى البيت الثاني:

جَهْدُ الصَّبَابَةِ أَنْ تَكُونَ كَمَا أُرَى
عَيْنٌ مُسَهَّدَةٌ وقَلْبٌ يَخْفِقُ

فهل ترى غناءً أصدق من هَذَا الغناء، وأبلغ تأثيرًا فِي النفس! ومع ذلك فليس فِي البيت شيء جديد، ولا معنى طريف، ولكن صدق لهجة الشاعر، والجمع بين تسهيد العين وخفقان القلب يشيع فِي هَذَا البيت حزنًا لا أدري كيف أحققه، ولكني أعلم أنه شديد العدوى سريع الانتقال إلى سامعيه وقارئيه.

ثم انظر إلى هَذَا البيت الثالث:

مَا لَاحَ بَرْقٌ أَوْ تَرَنَّمَ طَائِرٌ
إِلَّا انْثَنَيْتُ وَلِي فُؤَادٌ شَيِّقُ

فسترى فيه مثل ما رأيت فِي البيت السابق، وستجد فيه حنين الشَّاعِر إلى وطنه الذي لم تزل نفسه به متصلة لم تَسْلُ عنه بعد.

ثم اقرأ الأبيات الثلاثة التي تأتي بعد ذلك، فسترى أنَّ الشَّاعِر قد أدرك نفسه فأخفى شخصه، وتكلف ما يتكلف الشعراء من هَذَا النسيب المصنوع، فظهر تكلفه فِي لفظه وأسلوبه ومعناه، فهو قد جرَّب من نار الهوى ما تنطفئ نار الغضا قبل أن ينطفئ، وما تعجز نار الغضا عَنْ إحراق ما يحرقه، فالمعنى فِي نفسه ليس شيئًا وليس أداؤه بخير منه:

جَرَّبْتُ مِنْ نَارِ الْهَوَى مَا تَنْطَفِي
نَارُ الْغَضَا وَتَكِلُّ عَمَّا يُحْرِقُ

واقرأ البيت الذي يأتي بعد ذلك، فسترى طفولة الشَّاعِر قد عادت إلى الظهور، وستحس رضا الصبي أو رضا الفتى عَنْ هَذَا المعنى الذي يحسبه شيئًا، وليس بشيء، وإنما هُوَ السخف الذي يخدع العامة، وليس من ورائه طائل:

وَعَذَلْتُ أَهْلَ الْعِشْقِ حَتَّى ذُقْتُهُ
فَعَجِبْتُ كَيْفَ يَمُوتُ مَنْ لَا يَعْشَقُ

يريد أنَّ العشق وحده هُوَ سبيل الموت، وقد سبق المتنبي نفسه إلى هَذَا المعنى فِي القصيدة التي حللناها آنفًا حين قال:

لَوْلَا مُفارَقَةُ الْأَحْبَابِ مَا وَجَدَتْ
لَهَا المَنَايَا إلى أَرْوَاحِنَا سُبُلَا

ولما عرف الشَّاعِر أنه قد كان مخطئًا فِي لوم العشاق قبل أن يذوق العشق لم يرَ بُدًّا من أنْ يعذرهم، ومن أنْ يعترف بأن ما يلقى من ألم العشق وجواه ليس إلا جزاء له على ما قدَّم إلى العاشقين من ذنب:

وَعَذَرْتُهُمْ وَعَرَفْتُ ذَنْبِي أَنَّنِي
عَيَّرْتُهُمْ فَلَقِيتُ فِيهِ مَا لَقُوا

فالشاعر كما ترى ممعن فِي تكلفه، راضٍ عَنْ هَذَا التكلف، يحسب أنه قد استنبط معنى خطيرًا، فهو يتمه ويستوفيه، ولعلك أحسست كما أحسستُ أنا أنَّ الشَّاعِر آذى نفسك حين بدأ صادقًا فأرضاك، ثم انحدر إلى التكلف فأسخطك، ولكن الشَّاعِر نفسه قد أحس هَذَا التكلف وهو ضيق به لا يطيق المضي فيه، وهو محزون حقًّا، ولا بد له من أن يعود إلى لهجته الأولى، ومن أن يرسل نفسه على سجيتها، ومن أن يتغنى حزنه العميق، وهو فِي هَذَا الغناء أوضح شيئًا منه فِي الغناء الذي بدأ به القصيدة:

أَبَنِي أَبِينَا نَحْنُ أَهْلُ مَنَازِلٍ
أَبَدًا غُرَابُ الْبَيْنِ فِيهَا يَنْعَقُ
نَبْكِي عَلَى الدُّنْيَا وَمَا مِنْ مَعْشَرٍ
جَمَعَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يَتَفَرَّقُوا
أَيْنَ الْأَكَاسِرَةُ الْجَبَابِرَةُ الْأُلَى
كَنَزُوا الْكُنُوزَ فَمَا بَقِينَ وَلاَ بَقُوا
مِنْ كُلِّ مَنْ ضَاقَ الْفَضَاءُ بِجَيْشِهِ
حَتَّى ثَوَى فَحَوَاهُ لَحْدٌ ضَيِّقُ
خُرْسٌ إِذَا نُودُوا كَأَنْ لَمْ يَعْلَمُوا
أَنَّ الْكَلاَمَ لَهُمْ حَلاَلٌ مُطْلَقُ
فَالْمَوْتُ آتٍ وَالنُّفُوسُ نَفَائِسٌ
وَالْمُسْتَغِرُّ بِمَا لَدَيْهِ الْأَحْمَقُ
وَالْمَرْءُ يَأْمُلُ وَالْحَيَاةُ شَهِيَّةٌ
وَالشَّيْبُ أَوْقَرُ وَالشَّبِيبَةُ أَنْزَقُ
وَلَقَدْ بَكَيْتُ عَلَى الشَّبابِ وَلِمَّتِي
مُسْوَدَّةٌ وَلِمَاءِ وَجْهِي رَوْنَقُ
حَذَرًا عَلَيْهِ قَبْلَ يَوْمِ فِرَاقِهِ
حَتَّى لَكِدْتُ بِمَاءِ جَفْنِي أشْرَقُ

اقرأ هذه الأبيات! أرأيت ما فيها من الحزن، ألحظت البيت الأول منها كيف يمثِّل اطمئنان الشَّاعِر إلى هؤلاء الذين يتحدث إليهم؛ لأنهم بنو أبيه ليسوا مضريين ولا عجمًا؟ أرأيت أنه يسجل أنَّ القحطانية أهل منازل ينعب فيها غراب البين أبدًا، فالهجرة من طبعهم، والغربة مفروضة عليهم؟

ثم أرأيت كيف مضى الشَّاعِر فِي هذه الشكوى مفلسًا فِي سذاجة توشك أنْ تكون عامية، بل هي أشبه بالوعظ منها بالفلسفة؟ ولكن الذي ينبغي أنْ نفكر فيه هو أنَّ هذه الفلسفة الساذجة أصل لهذه الشجرة التي ستنمو وتمتد أغصانها حَتَّى تملأ شعر المتنبي مواعظ وحكمًا وأمثالًا.

والذي ينبغي أنْ نفكر فيه أَيْضًا هُوَ أننا نكاد نحس فِي هذه الأبيات بدء التفكير الفلسفي الحزين عند هَذَا الفتى، وأنَّ هَذَا التفكير الفلسفي إنما يأتي من رجوع الفتى إلى نفسه أولًا وإلى قومه ثانيًا، فهو يرى نفسه غريبًا مشردًا، سيئ الحال، وهو يرى قومه بعد ذلك غرباء مشردين، قد تسلط عليهم من كان ينبغي أن يتسلطوا هم عليه، واستأثر بالأمر دونهم من كان ينبغي ألا يكون له من الأمر شيء، والطباق كما ترى فِي هذه الأبيات، هُوَ القوام الفني لشعر الشَّاعِر لا يعدل عنه، ولا يكاد يعدل به أداة فنية أخرى.

وانظر إلى آخر هذه الأبيات، وإلى بكاء الشَّاعِر على الشباب، وهو فِي ريعان الشباب، وإلى تعليل الشَّاعِر لبكائه هَذَا على شباب لم يفارقه، بل لم يكد يستقبله، بالخوف من مفارقته التي ليس منها بدٌّ.

وأكبر ظني أنَّ الشَّاعِر يتكلف التعليل هنا، كما تكلفه حين ذكر لومه للعاشقين، واعتذاره بعد ذلك عنهم، ولكنه هنا ليس فاحش التكلف، ولعله هُوَ لا يعرف لماذا يبكي الشباب، ولا يرى أنه إنما يبكي الشباب؛ لأنه فِي حاجة إلى البكاء ليس غير، كما هُوَ يشكو العشق؛ لأنه فِي حاجة إلى الشكوى ليس غير، ولعل من أوضح الأدلة على صدق الشَّاعِر فِي هذه القصيدة أو فِي القسم الأول منها، أنه قد نسى أو كاد ينسى ممدوحه، واندفع فِي تفكيره وحزنه وغنائه لهذا التفكير والحزن، حَتَّى إذا قضى من ذلك إربه أو كاد، ذكر أنه ينشئ قصيدة فِي المدح والثناء، لا فِي الحزن والعناء، فاقتضب التفكير والتعبير اقتضابًا، ولم يلتمس تخلصًا إلى المدح؛ لأنه ليس فارغ البال للتكلف والاحتيال، فلجأ إلى «أمَّا» وقال:

أَمَّا بَنُو أَوْسِ بْنِ مَعْنِ بْنِ الرِّضَا
فَأَعَزُّ مَنْ تُحْدَى إِلَيْهِ الْأَيْنُقُ

ويمضي الشَّاعِر فِي مدحه لبني أوس هؤلاء مبالغًا كدأبه، مرددا ما قال الناس فِي المدح، ثم يخلص إلى محمد ممدوحه فيصفه بما لا يغني، ولكني أحب أن تقف عند هَذَا البيت:

لَمْ يَخْلُقِ الرَّحْمَنُ مِثْلَ مُحَمَّدٍ
أَحَدًا وَظَنِّي أَنَّهُ لَا يَخْلُقُ

لترى ما فيه من المبالغة الفاحشة التي لا تصدر عَنْ الفن الخالص أكثر مما تصدر عَنْ فساد الرأي الديني عند الفتى، وتأثره بهذه القرمطية التي تتيح للناس، أو لبعض الناس على الأقل، من الرأي والقول والعمل ما لم يكن يستباح.

فنحن بإزاء قصيدة لها خطرها فِي تصوير نفس المتنبي حين كان يودع الصبا ويستقبل الشباب: هي نفس حزينة معنَّاة مؤرقة؛ لأن لها همًّا بعيدًا، ولأنها قد أخذت تفكر فِي الناس وفي نفسها، وتستنبط من هَذَا التفكير أمورًا لا تسر ولا ترضى، وما زال الفتى قرمطيًّا ماضيًا فِي قرمطيَّته، وما زال الفتى متعمدًا فِي فنه على المبالغة والطباق.

فلندع هذه القصيدة، ولننتقل إلى قصيدة أخرى يظهر أنها قيلت بعد هذه القصيدة بزمنٍ مَّا، ولكنها قيلت حين كان المتنبي متنقلًا فِي شمال الشام، وهي هذه السينية التي مدح بها الشَّاعِر محمد بن زريق الطرسوسي، والتي بذل فيها الفتى كثيرًا من الجهد وقال فيها كثيرًا من الخطل، فلم ينل عليها — فيما يقول ياقوت١٦ — إلا عشرة دراهم، ثم شفع له شافع فنال عشرة دراهم أخرى، وما أرى إلا أنه قد زاد فِي الشعر حين زيد فِي العطاء، فقال الأبيات الدالية التي نجدها فِي الديوان والتي يمدح فيها ابن زريق أيضًا.

فاقرأ هذه الأبيات التي قدمها الشَّاعِر بين يدي المدح لترى التكلف فِي أبشع صوره، والتعمُّل فِي أشنع مظاهره، ولنرى كيف ينتهي الشَّاعِر الفتى أحيانًا من السخف إلى ما لا يطاق:

هَذِي بَرَزْتِ لَنَا فَهِجْتِ رَسِيسَا
ثمَّ انْثَنَيْتِ ومَا شَفَيْتِ نَسيسَا
وَجَعَلْتِ حَظِّي مِنْكِ حَظِّي فِي الْكَرَى
وَتَرَكْتِنِي للْفَرْقَدَينِ جَلِيسَا
قَطَّعْتِ ذَيَّاكِ الخُمَارَ بِسَكْرَةٍ
وَأَدَرْتِ مِنْ خَمْرِ الْفِرَاقِ كُئُوسَا

فالكلام إلى هنا فارغ، ولكنه محتمل آخر الأمر، فإذا أردت سخف الأطفال، فانظر إلى قوله:

إِنْ كُنْتِ ظَاعِنَةً فَإِنَّ مَدَامِعِي
تَكْفِي مَزَادَكُمُ وَتُرْوِي الْعِيسَ

أترى إلى هذه الدموع التي يسفحها المتنبي، فإذا هي من الغزارة بحيث يستطيع القوم أن يأخذوا منها ما يملأ مزادهم ليشربوا فِي أثناء السفر، وما يكفي لري الإبل فِي أثناء السفر أيضًا.

ولكن المتنبي لم يسأل نفسه أتصلح دموعه لشرب صاحبته الحسناء؟ أهي من العذوبة بحيث تلائم هَذَا الجسم الغض البض، وتبعث فيه الجمال والحياة؟ على أن ظن المتنبي بصاحبته ليس حسنًا، فانظر إلى قوله:

حَاشَى لِمِثْلِكِ أَنْ تَكُونَ بَخِيلَةً
وَلِمِثْلِ وَجْهِكِ أَنْ يَكُونَ عَبُوسًا
وَلِمِثْلِ وَصْلِكِ أَنْ يَكُونَ مُمَنَّعًا
وَلِمِثْلِ نَيْلِكِ أَنْ يَكُونَ خَسِيسَا

ولست أدري بأي امرأة أراد المتنبي أن يشبب فِي هذين البيتين، وما أرى إلا أنه كان يشبب بمن لا يحسن التشبيب بها من النساء، فالمرأة التي ترتفع عَنْ البخل، ويرتفع وصلها عَنْ التمنع، ليست خليقة بالشعر إلا حين يقصد إلى هجائها، ولكن المتنبي لا يقف عند مثل هَذَا التفكير، بل لا يكره أن ينقض هذين البيتين، فيصف صاحبته بالدل الذي يمنعها من أن تتكلم، والخفَر الذي يمنعها أن تميس، فيقول:

خَوْدٌ جَنَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ عَوَاذِلِي
حَرْبًا وَغَادَرَتِ الْفُؤَادَ وَطِيسَا
بَيْضَاءُ يَمْنَعُهَا تَكَلَّمَ دَلُّهَا
تِيهًا وَيَمْنَعُهَا الْحَيَاءُ تَمِيسَا

فهي أرفع من البخل، ووصلها أرفع من الامتناع، ولكنها مع ذلك من الدل والتيه، ومن الخفر والحياء، بحيث لا تستطيع أن تتكلم، ولا أنْ تميس، فهي بخيلة كريمة، وهي ممنعة مبتذلة، وهي حيية وقحة، وقد وجد الشَّاعِر عندها آخر الأمر دواءه من كل داء، فأعرض عنه الأطباء، وهانت عليهم صفات زعيمهم العظيم:

لَمَّا وَجَدْتُ دَوَاءَ دَائِي عِنْدَهَا
هَانَتْ عَلَيَّ صِفَاتُ جَالِينُوسَا

ويظهر أنَّ هذه الفتاة التي لا يكره المتنبي أنْ يرويها بدموعه، والتي جمعت النقائض من صفات النساء، قد شغلت فتَّانًا حقَّا، فأنسته التخلص إلى الممدوح، وإذا هُوَ يقتضب الكلام اقتضابًا، ويهجم على ممدوحه هجومًا لا رفق فيه ولا ظرف، فيقول:

أَبْقَى زُرَيْقٌ لِلثُّغُورِ مُحَمَّدًا
أبْقَى نَفِيسٌ لِلنَّفِيسِ نَفِيسَا

فانظر إلى هذه النفنفة، أو إلى هذه الفسفسة، أو إلى هذه النسنسة التي تأتي من تكرار النفيس ثلاث مرات فِي شطر واحد، واعذر محمد بن زريق إذا ضاق بصاحبه المتنبي أولًا، وبهذا التكرار ثانيًا، وبما سيأتي من السخف ثالثًا، فلم يعط الفتى إلا عشرة دراهم، ولم يزده إلا بعد أن شفع إِلَيْهِ الشافعون وزاد المتنبي فِي المدح.

ولكن المهم من هذه القصيدة هي هذه الأبيات التي تظهر المبالغة القرمطية فيها أبشع مظهر، لا من الناحية الدينية وحدها، بل من الناحية الفنية أيضًا.

فالمبالغة حسنة فِي الشعر بشرط أن تكون معقولة يسيغها الذوق، فإذا تجاوزت هَذَا الحد كانت سخفًا أو هجاء، وكان من حق الممدوح أن يظن أنَّ مادحه يسخر منه ويستهزئ به، ولكن محمد بن زريق كان لحسن حظ المتنبي أجهل من هَذَا كله فيما يقول الرواة.

بَشَرٌ تَصَوَّرَ غَايَةً فِي آيَةٍ
تَنْفِي الظُّنُونَ وَتُفْسِدُ التَّقْيِيسَا
وَبِهِ يُضَنُّ عَلَى الْبَرِيَّةِ لَا بِهَا
وَعَلَيْهِ مِنَهَا لَا عَلَيْهَا يُوسَى
لَوْ كَانَ ذُو الْقَرْنَينِ أَعْمَلَ رَأْيَهُ
لَمَّا أَتَى الظُّلُمَاتِ صِرْنَ شُمُوسَا
أَوْ كَانَ صَادَفَ رَأْسَ عَازَرَ سَيْفُهُ
فِي يَوْمِ مَعْرَكَةٍ لَأَعْيَا عِيسَى
أَوْ كَانَ لُجُّ الْبَحْرِ مِثْلَ يَمِينِهِ
مَا انْشَقَّ حَتَّى جَازَ فِيهِ مُوسَى
أَوْ كَانَ لِلنِّيرَانِ ضَوْءُ جَبِينِهِ
عُبِدَتْ فَكَانَ الْعَالَمُونَ مَجُوسَا

وما أظن هذه الأبيات تحتاج إلى شرح أو تعليق لتستخرج منها إغراق المتنبي فِي المبالغة وإسرافه فِي تجاوز الحدود الدينية الذي جاءه من قرمطيته، وأحسبه حين مدح ابن زريق قد ظن أنه كان يمدح أبا الفضل الكوفي، ذلك الذي جعله فِي صباه إلهًا يجلُّ عَنْ أن يرى فِي يقظة أو منام.

ويظهر أنَّ آخر شعر المتنبي فِي شمال الشام، أو من آخره على أقل تقدير، قصيدته التي مدح بها سيف الدولة سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة حين أوقع بعمرو بن حابس وبني ضبة فِي رأس العين — كما يقول الديوان — وبعض الناس يفترض أنَّ المتنبي قد ذهب إلى أوساط الشام ثم عاد إلى شمالها قبل الكارثة، وفي زيارته الثانية للشمال قال هذه القصيدة، وليس فِي الديوان ولا فيما بين أيدينا من أقوال الرواة ما يدل على أنَّ الفتى بعد أنْ فارق شمال الشام عاد إِلَيْهِ قبل خروجه من السجن.

وأنا أعتقد أنه قال هذه القصيدة فِي زيارته الأولى للشمال السوري، ولعله لمَّا لم يستطع أن ينشدها للأمير الفتى ولم يظفر عليها بجائزة استيأس من الشمال حقًّا، وكان هَذَا اليأس باعثًا له على الإيغال فِي الشام والانتقال من ملك العباسيين إلى ملك الإخشيديين، وكان سيف الدولة فِي مثل سن المتنبي ولد فِي السنة التي ولد فيها الشاعر، وكان قد أظهر نجابة ونباهة شأن، وأبلى فِي هذه الموقعة بلاءً حسنًا، فلا يبعد أن يكون المتنبي قد طمع فِي أن يجد من التقرب والاتصال به ما يرفع شأنه ويُقربه من أمله البعيد، فلما لم يظفر من ذلك بما كان يرجو استبدل أرضًا بأرض وقومًا بقوم.

وكان المتنبي فِي التاسعة عشرة من عمره حين قال هذه القصيدة، وقد قدمتُ لك أنه ينبئنا بأنه مدح الحسين بن إسحاق التنوخي ولم تجاوز سنُّهُ العشرين، وإذن فقد كان فِي اللاذقية فِي أواخر سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وأثناء سنة اثنتين وعشرين، ثم غاب عنها، ثم رجع إِلَيْهَا فِي هذه السنة نفسها أو فِي أوائل سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وهي السنة التي نُكِب فيها واضطر إلى السجن فيما نرى.

وليس فِي قصيدته لسيف الدولة شيء يستحق العناية إلا هَذَا البيت الذي يدل على أنَّ الفتى كان فِي هذه القصيدة — كما كان فِي غيرها — شديد التهاون فِي دينه، يتحدث عنه فِي غير عناية ولا حرج:

إِنْ كَانَ مِثْلُكَ كَانَ أَوْ هُوَ كَائِنٌ
فَبَرِئْتُ حِينَئِذٍ مِنَ الْإِسْلَامِ

(٨) شعره في طرابلس

ويجب أن نمر مرًّا سريعًا بمقطوعات ثلاث قالها المتنبي فِي طرابلس بعد أن فارق شمال الشام، وليس من اليسير أن نعلم أقالها قبل أن يزور اللاذقية ويقيم بها، أم قالها بعد ذلك، وأكاد أرجح أنه استقر فِي اللاذقية أول الأمر، وأطال الإقامة فيها لما وجد من بر التنوخيين به وإصفائهم له بالمعروف، ولهذه المودة التي نشأت بينه وبينهم، فحملته على أن يكثر فيهم ما قال من الشعر، ولعلها بعثت فِي نفسه آمالًا إن لم يصرح بها، فقد أشار إِلَيْهَا كما سترى، ثم من اللاذقية أخذ ينتقل فِي مدن الشام وبيئاتها المختلفة يمينًا وشمالًا، فزار حمص وبعلبك وطرابلس، ولعله زار دمشق، وانتهى بعد ذلك إلى طبرية فأقام فيها حينًا، ثم لم يرض عَنْ أهلها فعاد إلى اللاذقية وإلى أصدقائه التنوخيين.

وينبغي أن نلاحظ هنا أنَّ المتنبي حين ترك شمال الشام طرق أرضًا جديدة، فيها سلطان سياسي جديد لم يعرفه ولم يخضع له من قبل، فقد خضع فِي العراق للسلطان العباسي، وخضع فِي شمال الشام لسلطان مضطرب بين العباسيين والإخشيديين الذين كانوا يغيرون عليه من حينٍ إلى حين، ومضطرب كذلك لهذه الغارات التي كانت متصلة بين المسلمين والروم على الحدود، ثم مضطرب آخر الأمر لهذا الطموح الذي كان يملأ نفوس الأمراء المتفرقين فِي بادية سوريا الشمالية وحاضرتها، والذين كانوا بحكم هَذَا الطموح ينزعون إلى السيادة والملك، ويترددون بين السلطان العراقي والمصري ملائمين بين منافعهم العاجلة المؤقتة وظروف إقليمهم المختلطة المضطربة.

ولم يجد المتنبي لنفسه أملًا ولا مطمعًا فِي هَذَا الإقليم المضطرب الذي اشتدت به عناية السلطانين اللذين كانا يتنازعان القوة فِي ذلك الوقت: سلطان بغداد، وسلطان الفسطاط، والذي كانت تشغله غارات الروم، والذي استيقظت فيه الأثرة الفردية والمنافسات بين القبائل البادية من العدنانية والقحطانية، فترك هَذَا الإقليم وأبعد فِي السفر حَتَّى انتهى إلى ملك الإخشيديين فأقام فيه ما أقام، ثم انتهى إلى الكارثة.

والحق أنَّ هَذَا الشعر القليل الذي قاله فِي طرابلس ليس خليقًا بشيء من العناية، لولا أمران اثنان: أحدهما أنه يدلنا على أنَّ المتنبي كان فِي طرابلس هادئًا مطمئن النفس، فارغًا لصغائر الأمور التي لا يفرغ لها الإنسان، إلا حين ترفِّه الظروف عليه بعض الشيء، وكأن شهرة المتنبي كانت قد بدأت تظهر وتشيع، فهو لا يأتي طرابلس كاسبًا ملتمسًا للرزق فيما يظهر، وإنما يأتيها زائرًا، ويلقى من بعض أهلها ضيافة لا تخلو من عناية وبر وترف.

والأمر الآخر: أنَّا لا نجد المتنبي فِي هَذَا الشعر الذي قاله فِي طرابلس فارغًا لصغائر الأمور فحسب، بل لصغائر الفن وسخفه أيضًا، ولهذه التكاليف التي يخاطر بها الشعراء من أصحاب البديع، ليظهروا براعتهم اللفظية ومهارتهم فِي النظم.

ويكفي أنَّ تقرأ هذين البيتين اللذين يتكلف فيهما المتنبي ويكلف سامعه وقارئه شططًا؛ لأنه لا يزيد فيهما على نظم الألفاظ، كما سيغلو فِي نظم الأفعال بين يدي سيف الدولة بعد ذلك بزمنٍ طويل:

دَانٍ بَعِيدٍ مُحِبٍّ مُبغِضٍ بَهِجٍ
أَغَرَّ حُلْوٍ مُمِرٍّ لَيِّنٍ شَرِسِ
نَدٍ أَبِيٍّ غَرٍ وافٍ أَخِي ثِقَةٍ
جَعْدٍ سَرِيٍّ نَهٍ نَدْبٍ رَضٍ نَدُسِ

والظاهر هُوَ أنَّ أبا الطيب لما بلغ طرابلس مدح صاحبه عبيد الله بن خلكان هَذَا بهذه السينية التي لا تُغني شيئًا، وكأن الرجل أعجب بها فأحسن ضيافة الشاعر، وأهدى إِلَيْهِ طرفتين من هذه الطرف التي يظهر أنَّ السوريين يحسنون اصطناعها وإهداءها من قديم.

الأولى: هدية — كما يقول الديوان — فيها سمك من سكر ولوز فِي عسل، والأخرى: جامة فيها حلوى.

فأما الهدية الأولى فقد سحرت المتنبي وبهرته، وإذا هُوَ يتغنى بمدح صاحبه ويقدمه على حاتم الطائي، ويجعله مثلًا حيًّا للكرم والجود، ويقول فِي وصف هذه الهدية هَذَا البيت الذي ما أشك فِي أنه أرضى المتنبي، وفتن عبيد الله بن خلكان:

أَقَلُّ مَا فِي أَقَلِّهَا سَمَكٌ
يَسْبَحُ فِي بِرْكَةٍ مِنَ الْعَسَلِ

وأما الأخرى فلم تكن أقل إرضاءً للمتنبي من الأولى، ويظهر أنَّ الفتى الكوفي كان «حلويًّا يحب الحلوى» فقد رد الجامة إلى صاحبها بعد أن كتب عليها بالزعفران هذه الأبيات:

أَقْصِرْ فَلَسْتَ بِزائِدي وُدًّا
بَلَغَ الْمَدَى وَتَجاوَزَ الحَدَّا
أَرْسَلْتَها مَمْلُوءَةً كَرَمًا
فَرَدَدْتُها مَمْلُوءَةً حَمْدَا
جَاءَتْكَ تَطْفَحُ وَهِيَ فَارِغَةٌ
مَثْنَى بِهِ وَتَظُنُّهَا فَرْدَا
تَأْبَى خَلَائِقُكَ الَّتِي شَرُفَتْ
أَلَّا تَحِنَّ وَتَذْكُرَ العَهْدَا
لَوْ كُنْتَ عَصْرًا مُنْبِتًا زَهَرًا
كُنْتَ الرَّبِيعَ وَكَانَتِ الوَرْدَا

فالشاعر كما ترى مطابق مبالغ حَتَّى فِي وصف السكر واللوز والعسل، وفي الشكر على علبة حلوى، ومن حق المتنبي أنْ يستريح وأنْ يلهو بالصغائر، ويُرفِّه بها على نفسه من هذه الهموم الثقال التي يطوف بها فِي الآفاق، ويفكر فيها آناء الليل وأطراف النهار، ولكن راحة المتنبي وفراغه، ودعابة المتنبي ومجونه، كل ذلك لا يخلو من السخف وثقل الروح، كما سترى فِي غير هَذَا الموضع من الحديث، فلم يكن المتنبي حلو الروح، ولا خفيف الظل، ولا جذَّابًا، وإنما كان مُرًّا غليظ الذوق فِي أوقات الدعة والفراغ.

فلندعه غارقًا فِي بركته العسلية، أو عاطفًا عليها يصطاد سمك السكر واللوز، ولنذهب إلى اللاذقية، لننظر فِي شيء من هَذَا الشعر الكثير الذي قاله هناك للتنوخيين.

(٩) شعره في اللاذقية

وشعر المتنبي فِي التنوخيين كثير، يعظم حظه من الجودة، وينتهي أحيانًا إلى الروعة، وفيه البشائر بنضج الشاعر، والطلائع المنبئة بنبوغه، وفيه على ذلك ما يدل على أنَّ حياته مع التنوخيين قد أثارت فِي نفسه آمالًا وأماني، وخيلت إِلَيْهِ أنه قريبٌ من غايته، وكانت حياة راضية على كل حال. وقد ذكر فِي شعره ثلاثة من التنوخيين: فأما أولهما وهو محمد بن إسحاق التنوخي فلم يذكره إلا راثيًا له باكيًا أو متباكيًا ومبكيًا عليه، كأنه لم يعرفه، ولم تتصل المودة بينه وبينه، وإنما مات قبل أن تطول إقامة المتنبي فِي اللاذقية، وقد رثاه بالرائية التي مطلعها:

إِنِّي لَأَعْلَمُ وَاللَّبِيبُ خَبِيرُ
أَنَّ الْحَيَاةَ وَإِنْ حَرَصتُ غُرُورُ

وهي قصيدة عادية لا خطر لها ولا غناء فيها، ولكنها أرضت أهل الميت، فاستزادوه فزادهم على الوزن والقافية هذه الأبيات التي يقول فِي أولها:

غَاضَتْ أَنَامِلُهُ وَهُنَّ بُحُورُ
وَخَبَتْ مَكَائِدُهُ وَهُنَّ سَعِيرُ

وكأن أسرة أخرى كانت تنافس التنوخيين فِي اللاذقية، فأشاعت أنَّ أبناء عم الميت لم يحزنوا عليه وأنهم قد شمتوا بموته، فلجئوا إلى أبى الطيب يسألونه أن ينفى عنهم هذه الشماتة، فقال على الوزن والقافية الأبيات التي أولها:

أَلِآلِ إِبْرَاهِيمَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ
إِلَّا حَنِينٌ دَائِمٌ وَزَفِيرُ

وقد استزادوه فِي هَذَا المعنى كما استزادوه فِي الرثاء، وكأنه قد استنفد جهده فِي هَذَا الوزن وهذه القافية، فعدا إلى وزن آخر وقافية أخرى، وقال هذه الأبيات التي لا أقف منها إلا عند هَذَا البيت:

أَلَيْسَ عَجِيبًا أَنَّ بَيْنَ بَنِي أَبٍ
لِنَجْلِ يَهُودِي تَدِبُّ العَقارِبُ

وإنما أقف عند هَذَا البيت لأضع بإزائه بيتًا آخر قاله فِي قصيدته التي استعطف بها وإلى حمص بعد أن سجن، وهو قوله:

فَلَا تَسْمَعَنَّ مِنَ الكَاشِحِينَ
وَلَا تَعْبَأَنَّ بِمَحْكِ اليَهُودِ

فهل أشار المتنبي إلى رجل واحد فِي هذين البيتين؟ ومن عسى أن يكون هَذَا اليهودي؟ وهل لصلة المتنبي بالتنوخيين الذين كان ينافسهم هَذَا اليهودي أثر فِي السعاية به حَتَّى ألقي فِي السجن أو أثر فِي النكاية به حَتَّى طالت إقامته فِي السجن؟ وما بال المتنبي بعد أن خرج من سجنه لم يعد إلى أصدقائه التنوخيين، ولم يذكرهم فِي شعره؟ وهل بين هَذَا اليهودي الذي يذكره المتنبي فِي هذين البيتين، واليهودي الذي كان يحكم دمشق حين لجأ إِلَيْهَا المتنبي بعد أن فارق سيف الدولة صلة؟ أو هل هُوَ رجلٌ واحدٌ؟

كل هذه مسائل خليقة بالتفكير والعناية، لولا أنَّ النصوص التي بين أيدينا لا تعنينا على أن نجد لها جوابًا مقنعًا، لنحتفظ بها، فقد تنفعنا بعد حين.

وقد مدح المتنبي رجلين من التنوخيين: أحدهما الحسين بن إسحاق التنوخي. ومدحه بقصائد ثلاث مطلع أولاها قوله:

هُوَ الْبَيْنُ حَتَّى مَا تَأَنَّى الْحَزَائِقُ
وَيَا قَلْبِ حَتَّى أَنْتَ مِمَّنْ أُفَارِقُ

ومطلع الثانية:

أَتُنْكِرُ يَابْنَ إِسْحَاقٍ إِخَائِي
وَتَحْسَبُ مَاءَ غَيْرِي مِنْ إِنَائِي

وهي التي ذكر فيها سنَّه، وكأنه أرسلها إلى ممدوحِه من بعيد، وأقل ما تصور هذه القصيدة أن أمر الشاب قد عظم فأصبح له حساد ومنافسون، وأنَّ الشَّاعِر قد وثق بنفسه واطمأن إلى فحولته. ومطلع الثالثة قوله:

سَلَامُ النَّوَى فِي ظُلْمِهَا غَايَةُ الظُّلْمِ
لَعَلَّ بِهَا مِثْلَ الذِي بِي مِنْ السُّقْمِ

ومدح عليَّ بن إبراهيم بن إسحاق التنوخي بثلاث قصائد أيضًا، يقول فِي أولاها:

أُحَادٌ أَمْ سُدَاسٌ فِي أُحَادِ
لُيَيْلَتُنَا الْمَنُوطَةُ بِالتَّنَادِي

ويقول فِي الثانية:

مُلِثَّ الْقَطْرِ أَعْطِشْهَا رُبُوعًا
وَإِلَّا فَاسْقِهَا السُّم النقِيعَا

ويقول فِي الثالثة:

أَحَقُّ عَافٍ بِدَمْعِكَ الْهِمَمُ
أَحْدَثُ شَيءٍ عَهْدًا بِهَا الْقِدَمُ

وقد قال هذه القصيدة بعد عودته من طبرية، وكأن مودة خاصة كانت تجمع بينه وبين ممدوحه هذا، فقد كانت بينهما منادمة يصورها الشَّاعِر فِي مقطوعتين لم نحفل بهما لقلة خطرهما.

ولابد من الوقوف عند بعض هَذَا الشعر لنتبيَّن مقدار نضج الشَّاعِر فِي فنه من جهة، ومقدار دنوه من الثورة والانفجار من جهةٍ أخرى.

ولندع شعره فِي الحسين بن إسحاق التنوخي، لا لأنه أهون من أن نقف عنده، ولا لأنه يشبه ما قال المتنبي من الشعر قبل وصوله إلى اللاذقية، فإن مدحه للحسين بن إسحاق يمتاز بأشياء، يخيل إليَّ أنها طريقة مستحدثة، وإنْ كنا نلمح أصولها فِي الشعر السابق، ولكنها فِي هَذَا الشعر كثيرة شائقة توشك أن تكون القوام الفني له، وهذه الخصال هي جزالة اللفظ ورصانته، وصحة المعنى واستقامته، واعتدال الأسلوب وحسن انسجامه، إلا أبياتًا يضطرب فيها الشَّاعِر هنا وهناك فِي اللفظ وحده أو فِي المعنى وحده، أو فِي اللفظ والمعنى جميعًا، وأنت واجد لذلك نماذج فِي ميميته التي يمدح بها الحسين، ولا سيما القسم الأخير منها، وأنت واجد فِي هَذَا الشعر كله إيثارًا ظاهرًا للغة البادية، واختيارًا ظاهرًا للألفاظ الضخمة التي تملأ الفم والأذن جميعًا، ولا سيما فِي القافية التي يمدح بها الحسين.

وأنا مع ذلك أدع هذه القصائد الثلاث؛ لأني أكاد أعتقد أنَّ المتنبي كان أشد ميلًا إلى عليِّ بن إبراهيم وأصدق له حبًّا وأعظم به ثقة، وهو من أجل ذلك صادق اللهجة حين يتحدث إليه، لا يكاد يخفي عليه ميوله وأهواءه، وكأنه كان ينتظر منه معونةً وإمدادًا، ومهما يكن من شيء فلست أستبعد أن يكون هؤلاء التنوخيون، وعليٌّ منهم خاصة، قد شجعوا المتنبي سرًّا على ما كان يحاول من الوثوب، وآية ذلك عندي أنه لم يعد إليهم بعد النكبة، ولم يذكرهم فِي شعره، إما إشفاقًا عليهم، وإما لأنهم هم أنفسهم قد أشفقوا منه وخافوه.

واقرأ معي داليته التي يمدح بها على بن الحسين، ولا تطل الوقوف عند مطلعها الغامض البغيض الذي أنكره القدماء ورأوا فيه إلغازًا وخطأ فِي الحساب وبعدًا عَنْ الشعر:١٧
أُحَادٌ أَمْ سُدَاسٌ فِي أُحَادِ
لُيَيْلَتُنَا الْمَنُوطَةُ بِالتَّنَادِي١٨

لا تقف عند هَذَا البيت السخيف الذي تجد مثله كثيرًا فِي أجمل شعر المتنبي وأروعه، بل تجاوزه إلى ما قاله الشَّاعِر بعد، فسترى أنك لا تقرأ لفتى ناشئ يعالج الفن على غير علم به ولا قدرة عليه، وإنما أنت بإزاء شاعر ناضج قد تمت له أداة الشعر واستكمل حظه من القدرة على تصريف المعاني والألفاظ وأنت كذلك بإزاء شاعر قد نفد صبره أو كاد، قد سئم السكون ورغب فِي الحركة، وقد ضاق بالهدوء وتحرق إلى الثورة، وقد عجز حَتَّى عَنْ أن يخفي سره، فهو ينادي الناس به فِي غير تحفظ، ولا تحرج ولا حذر:

كَأَنَّ بَنَاتِ نَعْشٍ فِي دُجَاهَا
خَرَائِدُ سَافِرَاتٌ فِي حِدَادِ

فما رأيك فِي هَذَا التشبيه الرائع البديع الذي يخلبك بلفظه ومعناه؟ ولكن الشَّاعِر ليس فارغ البال ليصف رهبة الليل، وجمال النجوم، وإنما هُوَ مثقل بهمومه، معجل عَنْ التفكير فِي جمال الطبيعة، وعن تصوير هَذَا الجمال إلى التفكير فِي معاقرة المنايا:

أُفَكِّرُ فِي مُعَاقَرَةِ المَنَايَا
وَقَوْدِ الْخَيْلِ مُشْرِفَةَ الْهَوَادِي
زَعِيمٌ لِلْقَنَا الْخَطِّيِّ عَزْمِي
بِسَفْكِ دَمِ الْحَوَاضِرِ وَالْبَوَادِي
إلى كَمْ ذَا التَّخَلُّفُ والتَّوانِي
وَكَمْ هَذَا التَّمَادِي فِي التَّمَادِي
وَشَغْلُ النفْسِ عَنْ طَلَبِ الْمَعَالِي
بِبَيْعِ الشِّعْرِ فِي سُوقِ الكَسَادِ
وَمَا مَاضِي الشَّبَابِ بِمُسْتَرَدٍّ
وَلَا يَوْمٌ يَمُرُّ بِمُسْتَعادِ
مَتَى لَحَظَتْ بَيَاضَ الشَّيْبِ عَيْنِي
فَقَدْ وَجَدَتْهُ مِنْهَا فِي السَّوَادِ
مَتَى مَا ازْدَدْتُ مِنْ بَعْدِ التَّنَاهِي
فَقَدْ وَقَعَ انْتِقَاصِي فِي ازْدِيَادِي

فهذا الشعر يعرب عَنْ نفسه، ويعلن إلى قارئه أو سامعه ما فيه من جمال وروعة، وما فيه من قوة وحزم، وما فيه من تحرق إلى الخروج من هذه الحال التي ضاق بها الشَّاعِر أشد الضيق، كما أنه يعلن إلى قارئه أو سامعه أن عقل صاحبه قد نضج وبلغ أشده وأصبح قادرًا لا على التفكير المستقيم فحسب، بل كذلك على استخراج المعاني الدقيقة وتصويرها فِي أبرع اللفظ وأرقاه.

ولا أمضى فِي تحليل ما يأتي بعد ذلك من المدح، وإن كان خليقًا بالعناية والتحليل، وإنما أدع هذه القصيدة لأنتقل إلى قصيدة أخرى هي عندي أروع ما قال الشَّاعِر فِي المديح أثناء هَذَا الطور، هي أروع هَذَا الشعر؛ لأنها جمعت إلى الخصال التي لاحظت أنَّ الشَّاعِر قد استكملها فِي شعره الذي قاله فِي اللاذقية، خصلتين خليقتين بالتفكير:

إحداهما سياسية، فقد صرح لنا الشَّاعِر فِي هذه القصيدة بمذهبه السياسي، فإذا هُوَ أعم وأشمل من القرمطية أو التشيع، وإذا القرمطية أو التشيع عند المتنبي وسيلة إلى تحقيق هَذَا المذهب السياسي الخطير، وهو أنْ تجتمع كلمة العرب وأنْ يعود إليهم ملكهم وسلطانهم، وأنْ يُردَّ غير العرب من الخدم والرقيق إلى طورهم الذي كانوا فيه حين كان الملك عربيًّا صحيحًا.

والمتنبي فِي هذه القصيدة يذكرنا بشاعر قرشي قديم اشترك فِي الفتن الإسلامية، وجاهد مع الزبيريين حَتَّى انهزموا، ثم استخفى دهرًا، ثم انتهى أمره إلى الاستئمان والإذعان لبني أمية، وهو عبيد الله بن قيس الرقيات الذي لم يكن يعنيه من هذه الفتن التي اصطلى نارها إلا أن تجتمع كلمة قريش، وأنْ يعود إِلَيْهَا ملكها قويًّا متينًا، ولذلك لم يأنف أن يثوب إلى بني أمية، وأنْ يمدحهم، وينعم بجوار أمير من أمرائهم، وهو عبد العزيز بن مروان، كذلك المتنبي جاهد بلسانه وعرض نفسه للخطر، ولعله جاهد بسيفه ونفسه، ثم انتهى أمره إلى السجن، فلما خرج منه أنفق بعض الدهر مشردًا بائسًا، ثم لم يلبث أن تعزَّى عَنْ هَذَا كله حين خيل إِلَيْهِ أنه وجد أميرًا عربيًّا يحيي الأمل، ويرد إلى النفوس شيئًا من الرضا والثقة، واقرأ هذه الأبيات التي تصور هَذَا المذهب السياسي للمتنبي أجمل تصوير:

أحَقُّ عَافٍ بِدَمْعِكَ الهِمَمُ
أَحْدَثُ شيء عَهْدًا بِهَا القمم
وَإِنِّمَا النَّاسُ بِالمُلُوكِ وَمَا
تُفْلِحُ عُرْبٌ مُلُوكُها عَجَمُ
لَا أَدَبٌ عِنْدَهُمْ وَلَا حَسَبٌ
وَلَا عُهُودٌ لَهُمْ وَلَا ذِمَمُ
بِكُلِّ أَرْضٍ وَطَئْتُها أُمَمٌ
تُرْعَى بِعَبْدٍ كَأَنَّهَا غَنَمُ
يَسْتَخْشِنُ الْخَزُّ حِينَ يَلْمُسُهُ
وَكَانَ يُبْرَى بِظُفْرِهِ القَلَمُ

وقد قال المتنبي هذه القصيدة بعد أنْ ذهب إلى طبرية فأقام فيها، ثم سخط فعاد إلى اللاذقية، وسخطه ظاهر فِي هذه الأبيات.

ولكن إقامة أبي الطيب فِي طبرية قد كشفت عَنْ ناحية من نواحي ملكته الشعرية، لم تظهر واضحة فِي شعره السابق، وهي قدرته على الوصف وبراعته فِي تصوير الطبيعة، وانظر إلى هذه الأبيات الرائعة التي يصف بها البحيرة:

لَوْلَاكَ لَمْ أَتْرُكِ الْبُحَيْرَةَ وَالـْ
ـغَوْرُ دفيءٌ وَمَاؤُهَا شَبِمُ
وَالْمَوْجُ مِثْلُ الفُحُولِ مُزبدةً
تَهْدِرُ فِيهَا وَمَا بِهَا قَطَمُ
وَالطَّيْرُ فَوْقَ الْحَبَابِ تَحْسَبُها
فُرْسَانَ بُلْقٍ تَخُونُهَا اللُّجُمُ
كَأَنَّها وَالرَّيَاحُ تَضْرِبُهَا
جَيْشَا وَغًى: هَازِمٌ وَمُنْهَزِمُ
كَأَنَّهَا فِي نَهَارِهَا قَمَرٌ
حَفَّ بِهِ مِنْ جِنَانِهَا ظُلَمُ
نَاعِمَةُ الجِسْمِ لَا عِظَامَ لَهَا
لَهَا بَنَاتٌ وَمَا لَهَا رَحِمُ
يُبْقَرُ عَنْهُنَّ بَطْنُهَا أَبَدًا
وَمَا تَشَكَّى وَمَا يَسِيلُ دَمُ
تَغَنَّتِ الطَّيْرُ فِي جَوَانِبِهَا
وَجَادَتِ الْأَرْضُ حَوْلَهَا الديَمُ
فَهْيَ كَمَاوِيَّةٍ مُطَوَّقَةٍ
جُرِّدَ عَنْها غِشَاؤُهَا الْأَدَمُ
يَشِينُهَا جَرْيُهَا عَلَى بَلَدٍ
تَشِينُهُ الْأَدْعِيَاءُ وَالْقَزَمُ

كان المتنبي وهو يقول هَذَا الشعر الناضج قد أتم العشرين من عمره، وأتم فِي الوقت نفسه نضجه الفني ونُضْجَ عواطفه الثائرة التي ستدفعه إلى الكارثة بعد قليل، وأنت قد لاحظت اضطرام نفسه فِي كل ما قال من الشعر للتنوخيين، ولاحظت أنَّ مقامه فِي طبرية بعد عشرته لهؤلاء العرب فِي اللاذقية قد انتهى بهذا المرجل، الذي كان يغلي فِي صدره إلى الانفجار.

فلنترك هَذَا الفتى الشَّاعِر الذي كان يعدو فِي التفوق والنبوغ عدوا، ولنعد إلى الفتى الثائر فنستعرض ما قال من الشعر الحاد العنيف الذي انتهى به إلى السجن فِي حمص.

(١٠) شعره حين كان يستعد للثورة

فنحن حين نقرأ القسم الأول من ديوان المتنبي قراءة ممعن مفكر، مضطرون إلى أنْ نلاحظ أنَّ المتنبي صبيًّا وشابًّا، كان يحيا لونين من الحياة مختلفين أشد الاختلاف فِي أول الأمر، ثم غلب أحدهما على الآخر فامتزجا وانتهيا بالفتى إلى سجنه.

فأما اللون الأول من حياته، فهو هَذَا الذي رأيته فِي أكثر ما قدمت إليك من هَذَا الحديث، هُوَ حياة الشَّاعِر العادي الذي يسلك سبيل أبي تمام والبحتري وغيرهما من الشعراء المعروفين، وهي سبيل قوامها طلب الرقي الفني، واتخاذ الفن وسيلة إلى الغنى والثروة، وإلى ارتفاع المكانة والاستمتاع باللذات؛ فقد سلك أبو الطيب هذه السبيل — كما سلكها غيره — فقال الشعر فِي صباه ناسبًا وهاجيًا ومادحًا، قاله للتمرين والتعلم فِي أول الأمر، ثم قاله للكسب والارتزاق والتماس الشهرة بعد ذلك، وقد رأيت كيف سلك طريقه هذه فِي سرعة ما، ولكنها على كل حال ليست سرعة فذة ولا ممتازة؛ فقد نبغ الشعراء الفحول من القدماء والمحدثين فِي مثل هذه السن التي نبغ فيها، بل فِي مثل هذه السن التي كان يحاول فيها التفوق والامتياز.

وأما اللون الآخر لحياة المتنبي فهو هَذَا اللون الأحمر القاني، لون الثورة الدامية أو الغارقة فِي الدم، وقد أحسست من كل ما قدمت فِي هَذَا الحديث أن فتانًا قد عرف السخط منذ عرف نفسه، واستطاع أن يفكر فِي أمره شيئًا.

فهو قد شك فِي أمر أسرته، وسأل نفسه، ولعله سأل جدته عَنْ أمه وأبيه، وهو قد أنكر من أمر هذه الأسرة أمورًا لم ينبئنا بها، بل اجتهد فِي إخفائها علينا، وكان يظهر الضجر والضيق والغيظ إذا أحس أنَّ المعاصرين له كانوا يعرفون منها قليلًا أو كثيرًا، وهو فِي الوقت نفسه قد نشأ فِي بيئة شيعية ساخطة تنتظر الفرج، واتصل ببيئة قرمطية هادمة للأصول المعنوية والمادية لنظام الاجتماع، وهو قد تأثر بهاتين البيئتين، فكان فِي حياته الظاهرة شيعة علويًّا ما أقام فِي العراق، وكان قوله للشعر وتأثره بما يتأثر به الشعراء، ربما نمَّ على دخيلة نفسه، فأظهر قرمطيته العقلية فِي مدحه لأبي الفضل الكوفي، وأظهر قرمطيته العملية فِي هذه الأبيات الثلاثة التي قدمتها لك:

إلى أَيِّ حِينٍ أَنْتَ فِي زِيِّ مُحْرِمِ
وَحَتَّى مَتَى فِي شِقْوَةٍ وَإِلَى كَمِ
وَإلَّا تَمُتْ تَحْتَ السُّيُوفِ مُكَرَّمًا
تَمُتْ وَتُقَاسِ الذُّلَّ غَيْرَ مُكَرَّمِ
فَثِبْ وَاثِقًا بِاللهِ وَثْبَةَ مَاجِدٍ
يَرَى الْمَوْتَ فِي الْهَيْجَا جنَى النَّحْلِ فِي الْفَمِ

وقد رأيت أنَّ جلاء القرامطة عَنْ الكوفة، وانهزامهم عَنْ العراق، وارتدادهم إلى البحرين، قد حمل الغلام على أن يجلو هُوَ أَيْضًا عَنْ الكوفة، لا إلى البحرين، بل إلى الشام بعد أن مرَّ ببغداد مرورًا يسيرًا، وأنا أعتقد أنَّ الفتى أخفى قرمطيته بعد انهزام القرامطة، وأعتقد كما قدمت أنه ذهب إلى الشام مغامرًا، وداعيًا إلى المذهب القرمطي، ولكنه تعلم الحذر والاحتياط، ومنذ وصوله إلى الشام يظهر انقسام نفسه بين هذين النوعين من الحياة: حياة خارجية يجاري فيها الناس ويداريهم، وحياة داخلية يبغض فيها الناس أشد البغض، ويمقتهم أشنع المقت، ويضمر لهم ضغينة لا حدَّ لها، وعداء لا هوادة فيه.

وكان المتنبي إذا ألمَّ بقومٍ من أهل البادية أو الحاضرة لم يُظهرهم من دخيلة نفسه على شيء، ولكنه مع ذلك ربما آنس من بعضهم ما يبعث فِي نفسه شيئًا من الأمل، فيلمِّح لهم تلميحًا شديد الغموض ببعض أمره ورأيه، ثم يرى من فتورهم أو قصورهم ما يرده إلى التحفظ والكتمان، كالذي رأيت فِي تلميحه لبعض الكلابيين بهاتين المقطوعتين:

إِذَا مَا شَرِبْتَ الْخَمْرَ صِرْفًا مُهَنًّأ
شَرِبْنَا الَّذِي مِنْ مِثْلِهِ شُرِبَ الكَرْمُ
أَلَا حَبَّذَا قَوْمٌ نَدَامَاهُمُ القَنَا
يُسَقَّونَهَا رِيًّا وَسَاقِيهِمُ الْعَزْمُ

•••

لِأَحِبَّتِي أَنْ يَمْلَئُوا
بِالصَّافِيَاتِ الأكوُبا
وَعَلَيْهِمُ أَنْ يَبْذِلُوا
وَعَلَيَّ أَلَّا أَشْرَبَا
حَتَّى تَكُونَ الْبَاتِرَا
تُ الْمُسْمِعَاتُ فَأطْرَبَا

وكان المتنبي مبغضًا للخمر أشد البغض، ممتنعًا عنها أشد الامتناع، يرى أنَّ الإقبال عليها فضلًا عَنْ معاقرتها لا يلائم ما يملأ نفسه من الأمل والجد، ويظهر هَذَا فِي هاتين المقطوعتين، ويظهر فِي مقطوعة أخرى قالها لصديق له يعرف بأبي ضبيس، وهي:

أَلَذُّ مِنَ الْمُدَامِ الْخَنْدَرِيسِ
وَأَحْلَى مِنْ مُعَاطَاةِ الْكُئُوسِ
مُعَاطَاةُ الصَّفَائِحِ وَالعَوَالِي
وَإِقْحَامِي خَمِيسًا فِي خميسِ
فَمَوْتِي فِي الوَغَى عَيْشِي لَأَنِّي
رَأَيْتُ الْعَيْشَ فِي أَرَبِ النُّفُوسِ
وَلَوْ سُقِّيتُهَا بِيَدَيْ نَدِيمٍ
أُسَرُّ بِهِ لَكَانَ أَبَا ضَبِيسِ

ويظهر كذلك فِي مقطوعتين أخريين قالهما لعليِّ بن إبراهيم التنوخي، يقول فِي أولاهما:

إِذًا مَا الْكَأْسُ أَرْعَشَتِ الْيَدَيْنِ
صَحَوْتُ فَلَمْ تَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنِي

ويقول فِي الأخرى:

مَرَتْكَ ابْنَ إِبْرَاهِيمَ صَافِيَةُ الْخَمْرِ
وَهُنَّئْتَهَا مِنْ شَارِبٍ مُسْكِرِ السُّكْرِ

وقد احتفظ المتنبي بإعراضه عَنْ الخمر واقتصاده فِي اللذات حياته كلها، لم يخرج عَنْ هَذَا التحرج إلا كارهًا، كالذي كان بينه وبين صديق له حلف عليه بالطلاق ليشربن، فشرب وقال:

وَأَخٍ لَنَا بَعَثَ الطَّلَاقَ أَلِيَّةً
لَأُعَلَّلَنَّ بِهَذِهِ الخُرْطُومِ
فَجَعَلْتُ رَدِّيَ عِرْسَهُ كَفَّارَةً
مِنْ شُرْبِهَا وَشَرِبْتُ غَيْرَ أثيمِ

كان المتنبي إذن يلمح برأيه ولا يصرح به ما أقام فِي شمال الشام، وربما ظهرت آراؤه فِي مدحه من حينٍ إلى حين، ولكنه فيما بينه وبين نفسه كان يستثمر هذه الآراء ويقويها وينضجها، وكانت الحياة نفسها تعينه على ذلك وتدفعه إِلَيْهِ دفعًا، فهذا الاضطراب الداخلي فِي هَذَا الإقليم، وهذه الأثرة التي تملأ نفوس الناس — ولا سيما السادة والأشراف — وهذا التنافس بين العباسيين والإخشيديين، وهذا البخل الأسود الذي كان يلقاه كلما مدح أميرًا أو شريفًا أو رجلًا من أوساط الناس، كل ذلك كان يصور له الحياة سوءًا كلها، ويصور له تفوقه وامتيازه وارتفاع نفسه عَنْ نفوس هؤلاء الطغام.

فلما انتهى الأمر به إلى مدح علي الحمداني، وكان لِدَةً له، ومكافئًا له فِي السن، ولم يبلغ منه شيئًا، امتلأت نفسه ضغنًا وحفيظة، ولعله سأل نفسه فِي هَذَا الوقت ما بال هَذَا الفتى الحدث يعظم شأنه ويرتفع أمره، ويقود الجند، ويغير على البادية والحاضرة، وأنا فِي هذه الحال من الخمول والضعة، لا أكاد أبلغ ما أقيم به أودي، مع أني أبذل فِي ذلك الجهد العنيف، وما هُوَ أقوم من الجهد العنيف، فأمدح من أزدري، وأثني على من أبغض، وأدعو بطول البقاء وتأييد الملك لمن لو استطعت لسحقته سحقًا؟

ولعل أبا سعيد المجيمرى لامه فِي نحو هَذَا الوقت، وحثه على أن يرحل بشعره إلى الملوك والأمراء وأشراف الناس، فلم يستطع أن يكتم ما كان يملأ نفسه من الضغن والحفيظة، فأجاب صاحبه بهذا الرجز المر الملتهب؛ لأنه يصور نفسًا مرة ملتهبة:

أَبَا سَعِيدٍ جَنِّبِ الْعِتَابَا
فَرُبَّ رَاءٍ خطأً صَوَابَا
فَإِنَّهُمْ قَدْ أَكْثَرُوا الْحُجَّابَا
وَاسْتَوْقَفُوا لِرَدِّنَا الْبَوَّابَا
وَإِنَّ حَدَّ الصَّارِمِ القِرْضَابَا
وَالذَّابِلَاتِ السُّمْرَ وَالْعِرابَا
تَرْفَعُ فِيمَا بَيْنَنَا الحِجَابَا

وعلى كل حال فقد ترك شمال الشام يائسًا منه ومن أهله، والتمس فِي ملك الإخشيديين ما أعياه فِي ملك العباسيين، وليس من شكٍّ فِي أنَّ مقامه فِي اللاذقية قد قوَّى نفسه، وبعث فِي أمله حياة منعته من أن يبلغ من الحذر والاحتياط ما كان يبلغه من قبل.

وأنا أرجح أنَّ هؤلاء التنوخيين الذين اتصل بهم كانوا يشعرون بعربيتهم، وكانوا يرضون إن آل إليهم شيء من الحكم أو الجاه، ويسخطون إن زال عنهم ذلك وانتقل إلى منافسيهم الذين أشرنا إليهم فِي الفصل السابق، وكانوا من غير شك يتحدثون بما يشعرون به من رضًا أو سخط، وكان المتنبي يسمع منهم ويحفظ عنهم، ولعله تحدث إليهم ملمحًا أول الأمر، ثم كاشفًا بعض الحجب عَنْ نيته، ثم راجعًا إلى الاحتياط، ولكن رحلته إلى طبرية قضت على كل حذر، وأزالت عَنْ نيته كل ستار، فعاد إلى اللاذقية هائجًا مائجًا، وثائرًا مضطربًا؛ لأنه رأى من أمر الإخشيديين وعمالهم ما أحفظه، وظهر ذلك فِي ميميته التي تحدثنا عنها فِي الفصل السابق ظهورًا لا يحتمل شكًّا ولا جدالًا.

ومن يدري! لعل هؤلاء التنوخيين، ولعل أحدهم عليُّ بن إبراهيم خاصة، قد أظهروا رضًا عَنْ ثورة المتنبي وتشجيعًا لها فِي أحاديثهم أو فِي صنيعهم مع المتنبي.

ولكن المحقق ما ينبئنا به الديوان من أن بعض الناس أشفقوا على الشاب من هذه الصراحة التي ظهرت فِي مدحه للتنوخيين، ومن هذه الأحاديث الملتهبة التي كان يلقيها هنا وهناك فِي غير تحفظ، ومن هؤلاء أبو عبد الله معاذ بن إسماعيل الذي نصح للمتنبي — فيما يظهر — بالحذر والاحتياط؛ فلم يسمع له وإنما أجابه بهذه الأبيات:

أَبَا عَبْدِ الْإِلَهِ مُعَاذُ إِنِّي
خَفِيٌّ عَنْكَ فِي الْهَيْجا مَقَامِي
ذَكَرْت جَسِيمَ مَا طَلَبِي وَأَنَّا
نُخَاطِرُ فِيهِ بِالمُهَجِ الجِسامِ
أَمِثْلِي تَأْخُذُ النَّكَبَاتُ مِنهُ
وَيَجْزَعُ مِنْ مُلَاقَاةِ الْحِمَامِ
وَلَوْ بَرَزَ الزَّمَانُ إِلَيَّ شَخْصًا
لَخَضَّبَ شَعْرَ مَفْرِقِهِ حُسَامِي
وَمَا بَلَغَتْ مَشِيئَتَهَا اللَّيَالِي
وَلَا سَارَت وَفِي يَدِهَا زِمَامِي
إِذَا امْتَلأَتْ عُيُونُ الْخَيْلِ مِنِّي
فَوَيْلٌ فِي التَيَقُّظِ وَالمَنَامِ

فِي اللاذقية عرف المتنبي حسد الحساد وكيد الكائدين؛ فقد ارتفع شأنه الفني، واستبق الناس إلى تضييفه وإيثاره بالخير أو إيثار أنفسهم بمدحه، ولقي من أمن الحياة ولينها ما لم يلق فِي شمال الشام، قد ظهر المنافسون له، ورأيت أنَّ قومًا نافسوه عند التنوخيين، وأنَّ منهم من لم يتردد فِي أن يصنع هجاء للحسين بن إسحاق التنوخي، ويضيفه إلى المتنبي فِي غيبته، ويضطر المتنبي إلى أن يدفع عَنْ نفسه عند الحسين.

وفي اللاذقية وجد المتنبي لذة المودة وصداقة الأصدقاء، فهذا معاذ بن إسماعيل يشفق عليه وينصح له بالحذر، وهذا علي بن إبراهيم التنوخي يمنحه وده، ولا يتمنى إلا أن يختص به نفسه ويتخذه نديمًا، ولكن آماله أبعد من هَذَا كله.

وقد أخذ الناس يلهجون به ويتهمونه فِي نسبه وفي رأيه، فقال هذه الأبيات التي أظنها قليلًا من كثير قد حذف:

أَنَا عَيْنُ المُسَوَّدِ الجَحْجَاحِ
هَيَّجَتْنِي كِلَابُكُمْ بِالنُّبَاحِ
أَيَكُونُ الْهِجَانُ غَيْرَ هِجَانٍ
أَمْ يَكُونُ الصُّرَاحُ غَيْرَ صُرَاحِ
جَهِلُونِي وَإِنْ عَمَرْتُ قَلِيلًا
نَسَبَتْني لَهُمْ رُءوسُ الرِّمَاحِ

وكأن أعداء المتنبي وحساده قد مضوا فِي النعي عليه، وألحُّوا فِي التشهير به وظلوا يستحمقونه، فدفعوه بذلك إلى الثورة دفعًا، تدل على هَذَا لاميته التي أولها:

قِفَا تَرَيَا وَدْقِي فَهَاتَا المَخَايِلُ
وَلَا تَخْشَيَا خُلْفًا لِمَا أَنَا قَائِلُ

والتي يقول فيها:

تُحَقِّرُ عِنْدِي هِمَّتِي كُل مَطْلَبٍ
وَيَقْصُرُ فِي عَيْنِي الْمَدَى المُتَطاوِلُ
وَمَا زِلْتُ طَوْدًا لَا تَزُولُ مَنَاكِبِي
إلى أَنْ بَدَتْ لِلضَّيْمِ فِيَّ زَلَازِلُ
فَقَلْقَلْتُ بِالْهَمِّ الَّذِي قَلْقَلَ الْحَشَا
قَلَاقِلَ عِيسٍ كُلَّهُنَّ قَلَاقِلُ
إِذَا اللَّيْلُ وَارَانَا أَرَتْنا خِفَافُها
بِقَدْحِ الْحَصَى مَا لَا تُرِينَا الْمَشَاعِلُ

فهو إذن قد ارتحل عَنْ اللاذقية مغاضبًا فيما أظن، منذرًا بهذه الأبيات الخطرة:

أَلَا لَيْسَتِ الْحَاجَاتُ إِلَّا نُفُوسَكُمْ
وَلَيْسَ لَنَا إِلَّا السُّيُوفَ وَسَائِلُ
فَمَا وَرَدَتْ رُوحَ امْرِئٍ رُوحُهُ لَهُ
وَلَا صَدَرَتْ عَنْ بَاخِلٍ وَهوَ بَاخِلُ
غَثَاثَةُ عَيْشِي أنْ تَغَثَّ كَرَامَتِي
وَلَيْسَ بِغَثٍّ أَنْ تَغَثَّ الْمَآكِلُ

وكان المتنبي كما رأيت شابًّا قوي الحس، دقيق الشعور، عنيف الطبع، حاد المزاج، فجعل فيما أعتقد — كلما ألح خصومه فِي الغض منه والنعي عليه — ازداد عنفًا وحدة، وتصريحًا بما كان يخفي من أمره ورأيه، حَتَّى قال من الشعر ما أخاف منه السلطان، ولا سيما إذا كان هَذَا الشعر قد روي وتناقلته الناس، ووقع فِي نفوس هؤلاء العرب المتحضرين والأعراب البادين موقع النار من الهشيم، كما كان ذلك منتظرًا، ويكفي أن تقرأ داليتَّه التي يقول فِي أولها:

كَمْ قَتِيلٍ كَمَا قُتِلْتُ شَهِيدٍ
بِبَيَاضِ الطُّلَى وَوَرْدِ الخُدُودِ

لترى أنها كافيَة لتعرض الشَّاعِر لأشد الأخطار، فالشاعر فيها ثمل قد أسكره الغضب وملكت عليه الحفيظة أمره، فلم يستمع إلا لشيطانه ولم ينطق إلا عنه، ولم يكن شيطانه أقل منه سكرًا ولا انتشاء، فهو فِي القسم الأول من القصيدة نشوان يتغني صباه ووطنه، ويستعيد أيامه الأولى، ولا يتردد أن يندفع إلى هَذَا البيت يقوله فِي وصف الحسان الكوفيات:

يَتَرَشَّفْنَ مِنْ فَمِي رَشَفَاتٍ
هُنَّ فِيهِ أَحْلَى مِنَ التَّوْحِيدِ

ثم يمضي حَتَّى يقول:

مَا مُقامِي بأرْضِ نَحْلَةَ١٩ إِلَّا
كَمُقَامِ المَسِيحِ بَيْنَ اليَهُودِ

ثم يصف نفسه الطامحة وأمله البعيد، وجِدَّه فِي تحقيق هَذَا الأمل، ويُعَرِّض بخصومه فِي هَذَا البيت تعريضًا شنيعًا:

لِسَرِيٍّ لِباسُهُ خَشِنُ القُطـْ
ـنِ وَمَرْوِيُّ مَرْوَ لِبْسُ القُرُودِ

ثم يقول:

عِشْ عزيزًا أوْ مُتْ وَأَنْتَ كَرِيمٌ
بَيْنَ طَعْنِ القَنَا وَخَفْقِ البُنُودِ
فَرُءُوسُ الرِّمَاحِ أَذْهَبُ لِلْغَيـْ
ـظِ وَأَشْفَى لِغِلِّ صَدْرِ الْحَقُودِ
لَا كَمَا قَدْ حَيِيتَ غَيْرَ حَمِيدٍ
وَإِذَا مُتَّ مُتَّ غَيْرَ فَقِيدِ
فَاطْلُبِ العِزَّ فِي لَظًى وَذَرِ الذُّ
لَّ وَلَوْ كَانَ فِي جِنَانِ الخُلُودِ
يُقْتَلُ العاجِزُ الجَبَانُ وقَدْ يَعـْ
ـجِزُ عَنْ قَطْعِ بُخْنُقِ المَوْلُودِ
وَيُوَقَّى الفَتَى المِخَشُّ وقَدْ خَوَّ
ضَ فِي مَاءِ لَبَّةِ الصِّنْدِيدِ
لَا بِقَوْمي شَرُفْتُ بل شَرُفُوا بِي
وَبِنَفْسِي فَخَرْتُ لَا بِجُدُودِي
وَبِهِمْ فَخْرُ كَلِّ مَنْ نَطَقَ الضَّا
دَ وَعَوْذُ الجَانِي وَغَوْثُ الطَّرِيدِ
إِنْ أَكُنْ مُعْجَبًا فَعُجْبُ عَجِيبٍ
لَمْ يَجِدْ فَوْقَ نَفْسِهِ مِنْ مَزِيدِ
أَنَا تِرْبُ النَّدَى وَرَبُّ القَوَافِي
وَسِمَامُ العِدَى وغَيْظُ الحَسُودِ
أَنَا فِي أُمَّةٍ تَدَارَكَهَا اللهُ
غَرِيبٌ كَصَالِحٍ فِي ثَمُودِ

فأنت ترى أنَّ المتنبي قد أثم فِي هذه القصيدة من وجوه: فهو يذكر حلاوة التوحيد فِي لهجة الساخر المستهزئ، وهو يشبه نفسه مرة بالمسيح، ومرة بصالح، ويشبه المسلمين الذين كان يعيش فيهم مرة باليهود، ومرة بثمود، وهو بعد هَذَا وذاك يعلن الثورة والخروج على النظام، ويُلقي ذلك فِي نفوس الناس بألفاظٍ ملتهبة، توشك أن تثير فيها اللهب، ثم هُوَ لا يقف عند هَذَا الحد، بل يتجاوزه إلى الجهر بالقرمطية الصريحة التي تجحد الصلوات الخمس، وتستحل دم الحجاج فِي الحرم، وذلك فِي ميميته التي أولها:

ضَيْفٌ أَلَمَّ بِرَأْسِي غَيْرَ مُحْتَشِمِ
السَّيْفُ أَحْسَنُ فِعْلًا مِنْهُ بِاللِّمَمِ

وَانْظر إِلَيْهِ كيف يقول:

لُمِ اللَّيَالِي التِي أَخْنَتْ عَلَى جِدَتِي
بِرِقَّةِ الْحَالِ وَاعْذِرْني وَلَا تَلُمِ
أَرَى أُنَاسًا وِمَحْصُولِي عَلَى غَنَمٍ
وَذِكْرَ جُودٍ وَمَحْصُولِي عَلَى كَلِمِ
وَرَبَّ مَالٍ فَقِيرًا مِنْ مُرُوءَتِهِ
لَمْ يُثْرِ مِنْهَا كَمَا أَثْرَى مِنَ العَدَمِ
سَيَصْحَبُ النَّصْلُ مِنِّي مِثْلَ مَضْرِبِه
وَيَنْجَلِي خَبَرِي عَنْ صِمَّةِ الصَّمَمِ
لَقَدْ تَصَبَّرْتُ حَتَّى لَاتَ مُصْطَبَرٍ
فَالْآنَ أَقْحَمُ حَتَّى لَاتَ مُقْتَحَمِ
لَأَتْرُكَنَّ وُجُوهَ الْخَيْلِ سَاهِمَةً
وَالْحَرْبُ أَقْوَمُ مِنْ سَاقٍ عَلَى قَدَمِ
وَالطَّعْنُ يُحْرِقُهَا وَالزَّجْرُ يُفْلِقُهَا
حَتَى كَأَنَّ بِهَا ضَرْبًا مِنَ اللَّمَمِ
قَدْ كَلَّمَتْها الْعَوَالِي فَهْيَ كالحَةٌ
كَأَنَّمَا الصَّابُ مَذْرُورٌ عَلَى اللُّجُمِ
بِكُلِّ مُنْصَلِتٍ مَا زَالَ مُنْتَظِرِي
حَتَّى أَدَلْتُ لَهُ مِنْ دَوْلَةِ الخَدَمِ
شَيْخٌ يَرَى الصَّلوَاتِ الخَمْسَ نافلةً
وَيَسْتَحِلُّ دَمَ الحُجَّاجِ فِي الْحَرَمِ
وَكُلَّمَا نُطِحَتْ تَحْتَ العَجَاجِ بِهِ
أُسْدُ الْكَتَائِبِ رَامَتْهُ وَلَم يَرِمِ
تُنْسِي الْبِلَادَ بُرُوقَ الجَوِّ بَارِقَتي
وتَكتَفي بِالدَّمِ الجَارِي عَنْ الدِّيَمِ
رِدِي حِيَاضَ الرَّدَى يَا نَفْسِ وَاتَّرِكِي
حِيَاضَ خَوْفِ الرَّدَى لِلشَّاءِ والنَّعَمِ
إِنْ لَمْ أَذَرْكِ عَلَى الْأَرْمَاحِ سَائِلَةً
فَلَا دُعِيتُ ابْنَ أُمِّ المَجدِ والكَرَمِ
أَيَمْلِكُ المُلْكَ وَالْأَسْيَافُ ظَامِئَةٌ
وَالطَّيْرُ جَائِعَةٌ لَحْمٌ عَلَى وَضَمِ
مَنْ لَوْ رَآنيَ مَاءً مَاتَ مِنْ ظمأ
وَلَوْ مَثَلْتُ لَهُ فِي النَّوْمِ لَمْ يَنَمِ
مِيعَادُ كُلِّ رَقِيقِ الشَّفْرَتَيْنِ غَدًا
وَمَنْ عَصَى مِنْ مُلُوكِ العُرْبِ وَالعَجَمِ
فَإِنْ أَجَابُوا فَمَا قَصْدِي بِهَا لَهُمُ
وَإِنْ تَوَلَّوْا فَمَا أَرْضَى لَهَا بِهِمِ

ثم لا يقف أمر المتنبي عند هَذَا الحد، وهو فِي نفسه أبعد مما يطيق الدين والنظام، ولكنه يتجاوز كل حد ممكن فيقول:

أَيَّ مَحَلٍّ أَرْتَقي
أَيَّ عَظِيمٍ أَتَّقِي
وَكُلُّ مَا قَدْ خَلَقَ اللهُ
وَمَا لَمْ يَخْلُقِ
مُحْتَقَرٌ فِي هِمَّتي
كَشَعْرَةٍ فِي مَفْرِقي

أترى أنَّ المتنبي محتاج بعد ذلك إلى أن يخرج بالفعل على السلطان فيؤلب الأعراب ويغير بهم على الحاضرة؛ أم ترى المتنبي فِي حاجة إلى أن يزعم أنه نبي ليثور به السلطان، فيأخذه أخذًا شديدًا ويلقيه فِي غيابة السجن؟!

لقد حبس الخلفاء والأمراء غير شاعر فِي القرون الأولى لأمور أيسر جدًّا من هذا، ولقد قتل الأثينيون سقراط لأمور ليست أشد مما تورط فيه المتنبي، فهو فِي لفظه مارقٌ من الدين، خارج على السلطان، منكر للنظام، زارٍ على الأمة كلها، وبعض هَذَا لا يبيح للسلطان سجنه فحسب، بل يبيح للسلطان دمه أيضًا.

وإذا اتفق القدماء أو اختلفوا فِي ثورة المتنبي، وفي طبيعة هذه الثورة، وفي مداها، وإذا ذهب المحدثون فِي ذلك مذهب القدماء، فإني أنا مطمئن إلى أن ما حفظ المتنبي من شعره كاف لدفعه إلى السجن، فكيف لو رأينا ما لم يحفظ المتنبي من هَذَا الشعر الملتهب؟! وما أشك فِي أنه ألغى منه أكثر مما أبقى.

سُجن المتنبي إذن فِي أواخر سنة ثلاث وعشرين أو أوائل سنة أربع وعشرين، فِي جريمة خطيرة من جرائم الرأي، قوامها الردة، والخروج على السلطان، والدعوة إلى تسليط السيف على المسلمين.

فلنُعرضُ عَنْ كل هذه الأساطير التي نُسجت حول سجنه، فهي إلى غلو خصومه ومبالغتهم، وإلى تعظيم الهين وتضخيم اليسير، واختراع القصص، أدنى منها إلى أي شيء آخر، وكان أبو العلاء يملى رسالة الغفران بعد مقتل المتنبي بنحو ستين سنة، فكان يشك فِي ذلك شكًّا ظاهرًا، ويروي بعض هذه الأحاديث الشعبية التي أثيرت حول سجن أبي الطيب.

وأنا لا أتردد فِي رفض ما يُروى من أنه ادَّعى النبوة وأحدث المعجزات أو زعم إحداثها، وضلل فريقًا من خاصة الناس وعامتهم، فبايعوه واتبعوه، كما لا أتردد فِي رفض هَذَا السخف الذي ينبئنا بأن المتنبي زعم أن قرآنًا أُنزل عليه، وبأن بعض الناس قد حفظ هَذَا القرآن، فقد قيل مثل هَذَا عَنْ أبي العلاء، وروى بعض قرآنه الموهوم، وما ينبغي أن نجهل أنَّ الرأي العام فِي أوساط الشام وفي حمص خاصة كان خصمًا لأبي الطيب حين سجن، وأنَّ أبا الطيب بعد خروجه من السجن كان لا يكاد يستقر فِي مكان، حَتَّى يثير حول نفسه الحسد والبغض وألوان الخصومات، وحتى يدع هَذَا المكان مغاضبًا لأهله أو هاربًا منهم: هرب من بدر بن عمار، وخرج من حلب مغاضبًا لسيف الدولة، وهرب من كافور، ولم يستطع أن يطيل الإقامة فِي بغداد حين عاد إلى العراق، بل تعرض فيها لسخط رجال السياسة والأدب معًا، ثم لم تخل إقامته عند عضد الدولة من خوفٍ وإشفاق، ثم لم يكد يصدر عَنْ عضد الدولة حَتَّى قتل فِي طريقه، ومن قبل ذلك فر من الكوفة فِي صباه، وخرج من بغداد خائفًا يترقب، ولم يستطع أن يدخل الكوفة ليرى جدَّته قبل أن تموت، فهو قد غاضب الناس جميعًا، وألب الدولة الإسلامية كلها على نفسه، فأي غرابة فِي أن يكبر من أمره ما صغر، ويعظم من شأنه ما هان!

ونحن نرى فِي هذه الأيام التي سهل فيها البحث والتقصي، وروقبت فيها الإذاعة ونشر الدعوة، ووُضعت فيها القوانين الصارمة لعقاب الذين يسبون الناس ويقذفونهم ويقولون فيهم غير الحق، ويحملونهم ما لم يحتملوا، ويضيفون إليهم ما لم يقولوا — نحن نرى فِي هذه الأيام كيف يُتهم الناس بما لم يقترفوا من الذنوب وكيف يحمل عليهم ما لم يحتملوا من الآثام، فكيف بعصر كعصر المتنبي، لم يعرف فيه مثل ما نعرف من النظام! على أن فِي هذه الأساطير التي نُسجت حول سجن أبي الطيب فكاهة ما أحسب أن لها أصلًا واقعًا، ولكنها مع ذلك رمزٌ صادق دقيق لهذا الطور من تفكير المتنبي وسيرته فِي الوقت الذي دُفع فيه إلى السجن.

فقد يقال: إنَّ أبا الطيب كان يزعم لبعض أتباعه أنَّ الحديث الذي كان يروى عَنْ النبي ويقال فِي آخره: «غير أنه لا نبيَّ بعدي» إنما يجب أن يقرأ برفع النبي، على أنه خبر لمبتدأ هُوَ «لا»، وأنَّ المتنبي كان يسمي نفسه «لا»، فهذا تكلف رجل من النحويين أراد العبث والتندر، ولكن هَذَا الاسم المشتق من النفي الخالص الشامل، أشد الأسماء ملاءمة لحياة المتنبي العقلية والعملية فِي ذلك الوقت، فهو كان ينفي كل شيء: كان ينفي الدين والسلطان والنظام والناس، ولم يكن يثبت إلا نفسه، لم يكن قرمطيًّا فحسب، بل كان كذلك داعية من دعاة الفوضى وصورة من صورها.

وما أرى إلا أن الذين ألقوه فِي السجن قد أحسنوا إليه؛ لأنهم كفكفوا من غلوائه، وردوه عَنْ بعض هَذَا الجموح، واضطروه إلى أن يهدأ ويطمئن، ويفكر ويتدبر ويستقبل أمره فِي أناة واطمئنان.

(١١) شعره في السجن

ولم يحفظ لنا من شعر المتنبي منذ أخذ إلى أن أخرج من السجن إلا أقله، وهو شيء يسير جدًّا، والمحقق أن فتى كأبي الطيب غزير المادة، شديد الانفعال، قليل الصبر على ما يكره، أنشد شعرًا كثيرًا أثناء هذه المحنة، ولكنه لم يثبته ولم يحرص على أن يرويه للناس، فقد كان هَذَا الشعر قسمين: قسمٌ قاله المتنبي قبل أن تهدأ ثورته، ولم يكن من مصلحته أن يستبقيه أو يذيعه بعد أن تاب وجحد ماضيه، وقسم قاله بعد أن أحس الألم والذلة، وتاقت نفسه إلى الحرية، ولم يكن مما يلائم كبرياءه وكرامته أن يثبت هَذَا الشعر أو يذيع منه إلا أيسره وأهونه.

ومع ذلك فقد بقيت لنا نماذج من هذين النوعين، فأما النوع الأول فقد بقي لنا منه نموذجان:
  • أحدهما: هجاؤه للهاشمي الذي قيده وأسلمه إلى جند السلطان، وهو قوله:
    زَعَمَ المُقِيمُ بِكَوتَكِينَ بِأَنهُ
    مِنْ آلِ هَاشِمٍ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ
    فَأَجَبَتْهُ مُذْ صِرْتَ مِنْ أَبْنَائِهِم
    صَارَتْ قُيُودُهُمُ مِنَ الصَّفْصَافِ

    فالشاعر فِي هذين البيتين، كما ترى، يسخر من هَذَا الذي أسلمه وقيده سخرية لاذعة تدل على أنه مَا زَالَ من حدة الثورة بحيث لا يستطيع أن يقدر بشاعة ما هُوَ مقبلٌ عليه.

  • والنموذج الآخر: هذه الأبيات التي قالها لرجل يعرف بأبي دُلَف، برَّه فِي السجن وكان يغري به السلطان، وهي:
    أَهْوِنْ بِطُولِ الثَّوَاءِ وَالتَّلَفِ
    وَالسِّجْنِ وَالقَيْدِ يَا أَبَا دُلَفِ
    غَيْرَ اخْتِيَارٍ قَبِلْتُ بِرَّكَ بِي
    وَالْجُوعُ يُرْضِي الْأُسُودَ بِالجِيَفِ
    كُنْ أَيُّهَا السِّجْنُ كَيْفَ شِئْتَ فَقَدْ
    وَطَّنْتُ لِلْمَوْتِ نَفْسَ مُعْتَرِفِ
    لَوْ كَانَ سُكْنَايَ فِيكَ مَنْقَصَةً
    لَمْ يَكُنِ الدُّرُّ سَاكِنَ الصَّدَفِ

ويجب أن يكون المتنبي قد قال هذه الأبيات قبل أن يطول عهده بالسجن، فهو مَا زَالَ متحفظًا بكبريائه، ولعله كان لا يزال محتفظًا بآرائه، معتزًّا بها، موطنًا نفسه على الموت فِي سبيلها «ولكن السجن طال عليه وثقل، وأحاطت به الآلام والهموم وكاد ييأس، ثم أدركته العلة فتعرض للهلاك، والله يجعل للناس من كل حرج فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا.

فهذا لؤلؤ الغوري والي الإخشيد على حمص يُستدعى من ولايته، وهذا إسحاق بن كيغلغ يُرَدُّ إلى حمص واليًا بعد أن كان قد عُزل عنها، وهذا فتانا اليائس يستشعر شيئًا من الرجاء، ويأخذ فِي التوسل والاستعطاف والمدح، ولدينا من هَذَا الشعر نماذج ثلاثة: أولها هذه المقطوعة البائية التي لا يزيد فيها المتنبي على الاستعطاف والتوبة، وهي:

بِيَدِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ الْأرِيبُ
لَا لشيء إِلَّا لِأَنِّي غَرِيبُ
أَوْ لأُمٍّ لَهَا إِذَا ذَكَرَتْنِي
دَمُ قَلْبٍ بِدَمْعِ عَيْنٍ يَذُوبُ
إِنْ أَكُنْ قَبْلَ أَنْ رَأَيْتُكَ أَخْطَأْ
تُ فَإِنِّي عَلَى يَدَيْكَ أَتُوبُ
عَائِبٌ عَابَنِي لَدَيْكَ وَمِنْهُ
خُلِقَت فِي ذَوِي الْعُيُوبِ الْعُيُوبُ

فهو كما ترى ذليل مستكين، يذكر غربته وَجدَّته النائية، ويتوب من خطأ إنْ كان قد تورط فيه، وينكر هَذَا الخطأ.

وهذا البيت الأخير واضح فِي أنه لم يؤخذ متلبسًا بالجريمة، كما يقول رجال القانون، أو لم يؤخذ ثائرًا ثورة مادية، وإنما سعى به ساع فنقل إلى السلطان ما كان يقول من الشعر.

وكأن الأمير أعرض عنه أو أبطأ فِي الاستجابة له فاستعطفه بالدالية المشهورة:

أَيَا خَدَّدَ اللهُ وَرْدَ الْخُدُودِ
وَقَدَّ قُدُودَ الْحِسَانِ الْقُدُودِ

وهو فِي هذه القصيدة ناسِب، مادح، شاكٍ، مستعطِف، ولكني لا أقف منها إلا عند الأبيات الأخيرة التي يدافع الشَّاعِر فيها عَنْ نفسه، وينكر ما اتهم به من الخروج على السلطان، ويعترف بأنه هَمَّ ولم يفعل، ويزعم للسلطان أن لا عقاب على الإرادة، وإنما العقاب على الفعل:

تُعَجِّلُ فِي وُجُوبَ الْحُدُودِ
وَحَدِّي قُبَيْلَ وُجُوبِ السُّجُودِ

والشاعر هنا مبالغ يزعم أنه لم يبلغ الحلم، ولم يستوجب الحد، مع أن من المحقق أنه كان فِي الحادية والعشرين أو الثانية والعشرين.

وَقِيلَ عَدَوْتَ عَلَى الْعَالَمِينَ
بَيْنَ وِلَادِي وَبَيْنَ الْقُعُودِ
فَمَا لَكَ تَقْبَلُ زُورَ الْكَلَامِ
وَقَدْرُ الشَّهَادَةِ قَدْرُ الشُّهُودِ
فَلَا تَسْمَعَنَّ مِنَ الْكَاشِحِينَ
وَلَا تَعْبَأَنَّ بِمَحْكِ الْيَهُودِ

وماحكُ اليهود هَذَا عندي هُوَ كما قدَّمت ذلك الذي كان ينافس التنوخيين العرب، ويسعى بينهم بالبغضاء، والذي ذمه المتنبي حين مدح التنوخيين، ونفى أن يكون بعضهم قد شمت ببعض.

وَكُنْ فَارِقًا بَيْنَ دَعْوَى أَرَدْتُ
وَدَعْوَى فَعَلْتُ بِشَأْوٍ بَعِيدِ

والشاعر فِي هذه القصيدة كما هُوَ فِي الأبيات السابقة ذليل ضارع مستعطف، ولكنه منكر للذنب الذي يحمل عليه أشد الإنكار.

وقد سمع الأمير له هذه المرة، ولعله سمع لبعض الشافعين فيه، ولعله أراد أن ينقذ سجينًا حبسه سلفه، فجمع له فيما يقال جماعة من أصحاب الجاه والشرف والدين واستتابه، فتاب وأشهد على نفسه أنه جحد ما كان من أمره وعاد إلى سبيل المسلمين.

ويظهر أنَّ عفو هَذَا الأمير التركي عَنْ المتنبي الشاب الذي نَهَكه السجن وأضناه، قد ملأ قلب الفتى سرورًا ورضا، وأثار فِي نفسه الأمل أيضًا، فمدحه بالرائية التي يقول فِي أولها:

حَاشَى الرَّقِيبَ فَخَانَتْهُ ضَمَائِرُهُ
وَغَيَّضَ الدَّمْعَ فَانْهَلَّتْ بَوَادِرُهُ

ولعله كان يرجو أن ينال بهذه القصيدة وأمثالها حظوة عند الأمير، ما دام قد نال بالقصيدة الدالية عطف الأمير وعفوه، ولكن الأمير أبى أن يستقبله أو يسمع منه، وتقدم إِلَيْهِ فِي أن يترك الإقليم قانعًا بسلامته وحياته، فخرج يستقبل حياة جديدة ليست أقل من حياته الأولى بؤسًا وضنكًا وشقاء وبيعًا للشعر فِي سوق الكساد.

(١٢) شعره بعد خروجه من السجن

ليست أقل من حياته الأولى بؤسًا، ولكنها تخالف حياته الأولى فِي جوهرها، فقد كان فِي حياته الأولى شقيًّا بالأمل، وهو فِي حياته الثانية شقي باليأس، وقد كان فِي حياته الأولى يتحرق شوقًا إلى عظائم الأمور وجلائل الأعمال، وهو فِي حياته الثانية يؤثر العافية وما يكاد يظفر بها، ويبتغي الراحة وما يكاد ينتهي إليها، وقد كان فِي حياته الأولى شديد الثقة بنفسه، عظيم الإيمان بعزمه، وهو فِي حياته الثانية شاكٌّ فِي نفسه أشد الشك، قانط من عزمه أشنع القنوط، وقد كان فِي حياته الأولى ساخطًا على ماضيه، متبرِّمًا بحاضره، طامعًا فِي مستقبل باسم فيه الرضا وتحقيق الآمال، وهو فِي هذه الحياة الثانية نادِم على ماضيه الذي جحده، ملتاع على مستقبله الذي يئس منه، ضيق بحاضره مع ذلك أشد الضيق، ولا ينبغي أن تظن بي الإطناب والإسهاب والإلحاح فيما لا يحتاج إلى إلحاح، والإطالة فيما لا ينبغي الإطالة فيه؛ فإن هذه الحالة النفسية أبلغ الأحوال تأثيرًا فِي نفس الشَّاعِر الحساس، وأشدها إنضاجًا لهذه النفس، وهي من غير شك أخصب الأحوال التي تمر بنفس الشاعر؛ لأنها تنضجها وتشد أزرها، وتعلمها احتمال المكروه، وتعلمها كذلك تذوق الألم والتفريق بين أنواعه المختلفة، واستعذابه مهما يكن ممضًّا، وتهيئة الشَّاعِر الصحيح للنبوغ الصحيح.

ولكنها تفعل هَذَا كله سرًّا ومن وراء حجاب، تعمل فِي النفس الخفية أكثر مما تعمل فِي النفس الظاهرة، وتؤثر فِي الضمير أكثر مما تؤثر فيما يشهد الشَّاعِر من أمر عقله وقلبه وملكاته المختلفة. حَتَّى إذا آن الأوان وسنحت الفرصة، وتهيأت الظروف، ظهرت الآثار القيمة الخصبة لما يلقى الشَّاعِر من الألم والسقم والضيق.

ومهما يكن من شيء فإن المتنبي كان فِي شغل عَنْ ضميره وسريرة نفسه ودخيلة قلبه، حين خرج من السجن، واضطر إلى مغادرة الإقليم، بهذه المصاعب العاجلة السخيفة التي تعترض فتًى يائسًا بائسًا قد حُرِم العون وفَقدَ الصديق، ونظر فإذا هُوَ وحيد فِي الحياة ليس له من يفكر فيه أو يرثي له أو يعطف عليه، إلا جدَّته تلك المقيمة فِي الكوفة، والتي انقطعت بينها وبينه الأسباب.

وهذه المصاعب التي تعترض له ليست مصاعب معنوية تأتيه من العزلة والوحدة، ومن افتقاد الصديق فحسب، ولكنها مصاعب مادية أيضًا، وهي أشد ما يلقى الشَّاعِر من المصاعب سخفًا وأبلغها فِي نفسه أثرًا.

فهو غريبٌ مشرد، لا يكاد يستقر فِي مكان حَتَّى يزعجه عنه الخوف والفزع، وهو فقير معدم لا يجد ما يُرضي به حاجة جسمه إلى الطعام والشراب واللباس، فضلًا عما يستعين به على الفراغ الذي يمكنه من أن يرضي حاجة عقله وقلبه وعواطفه، ويستقبل الفتى أمره مفكرًا متدبرًا، فإذا هُوَ مضطر قبل كل شيء إلى أن يرحل عَنْ هذه الأرض التي لا مقام له فيها: أرض الإخشيديين؛ فهو لا يستطيع أن يقيم فِي حمص وما يجاورها من البلاد، وهو لا يستطيع أن يعود إلى اللاذقية إشفاقًا على أهلها وإشفاقًا منهم، وهو لا يستطيع أن يعود إلى طبرية التي خرج منها مغاضبًا لأهلها، ذامًّا لهم فِي شعر قد سارت به الركبان، وهو لا يستطيع أن يدنو من مركز السلطان الإخشيدي بعد أن نفته أطراف هَذَا السلطان، فليس له بد إذن من أن يعود إلى شمال الشام، هَذَا الذي كرهه وضاق به وفرَّ منه حريصًا على ألَّا يعود إليه.

وهو يعود إلى شمال الشام ليصنع فيه ماذا؟ ليستأنف فيه تلك البغيضة التي سئمها، وظن أنه قد خلص منها، حياة التكسب بالشعر عند قوم لا يُقدِّرون الشعر ولا يذوقون له طعمًا، وعند قوم لا يقدرهم هُوَ ولا يذوق لهم طعمًا، وإنما يحتقرهم ويزدريهم أشد الاحتقار وأعظم الازدراء.

ليته يستطيع أن يجاوز شمال الشام هَذَا إلى العراق، ليستأنف الحياة فِي الكوفة حيث جدته وموطنه، أو فِي بغداد حيث الحياة العقلية الخصبة التي تبعث الخصب فِي العقول والقلوب، ولكن من له بالعراق وقد تقطعت بينه وبين العراق الأسباب! وفيم يعود إلى الكوفة بائسًا معدمًا وقد خرج منها يبتغي الأمل والغنى! وفيم يعود إلى بغداد وقد أعجله الأمل والتماس الغنى عَنْ الإقامة فِي بغداد! ليقصد إذن إلى شمال الشام، وليستأنف فيه حياته البائسة المضطربة، ولينتظر فيه ما قد تتكشف عنه الأيام؛ فالحياة فِي هَذَا العصر بعيدة كل البعد عَنْ الاستقامة والاطراد، ومن يدري! لعله يظفر فِي شمال الشام بما لم يظفر به من قبل، ومن يدري لعل الأمور أن تتغير، وإذا هُوَ يعود إلى أرض الإخشيد وقد زال عنها ملك الإخشيد.

ولسنا نستطيع أن نوقت الشعر الذي قاله المتنبي فِي هَذَا الطور المظلم من أطوار حياته، ولكنا نستطيع على كل حال أنْ نسلك فِي توقيته طريقًا كالتي سلكناها فِي توقيت ما قال من الشعر فِي الطور الذي سبق ما ألمَّ به من الكارثة، فطبيعة الأشياء تقضي بأن يكون الشَّاعِر قد انتفع بالتجربة، وتعلَّم الحذر والاحتياط، أو عاد إلى ما كان يألف من الحذر والاحتياط، وطبيعة الأشياء تقضي بأن يُخفِي الشَّاعِر ما ألم به من مكروه، وما أدركه من خيبة، وما تعرض له من خطر، وإذن فلن يجهر بقرمطيته وقد رأى ما جرته القرمطية عليه من شر، وإذن فلن يسرف فِي وصف بأسه وشجاعته ونجدته بعد هذه الخيبة التي بلا مرارتها، وإذن فلن يلم بالبادية ولن يمدح أهلها، بعد أن ذاق من البادية وأهلها ما ذاق، ولكنه على كل حال شاعر قد امتُحن فِي نفسه وفنه وأمله، وهو مهما يتكلف من الاحتياط، عاجز عَنْ أن يُخفي ما تركه هَذَا كله فِي نفسه من المرارة.

وليس بشاعر إذا لم يستطع أن يشكو ما قاسى ويتغنى ما وجد دون أن يفضح سره، أو يعلن حقيقة أمره إلى الناس، وإذن فيمتاز شعر الخيبة هَذَا بكثيرٍ جدًّا من الاعتدال فِي الأمل، والرضا بالقليل، والاقتصاد فِي وصف الحرب أو فِي وصف نفسه خائضًا غمار الحرب، وتجنب القرمطية العملية والعقلية، ثم سيمتاز بهذا الحزن المظلم الذي لا نكاد نحققه ولا نشخصه، ولكننا نحسه مع ذلك غامضًا ظاهرًا مكتومًا مكظومًا، وهو مع هَذَا منبعث فِي شعره وفي مقدمات قصائده خاصة، والشاعر يستطيع أن يشكو الزمان ومصائب الدهر، ونوائب الحدثان، ولؤم الناس، وما أفسد أخلاقهم من المكر والغدر، ومن الجبن والنفاق، ففي هَذَا كله منفذ لهذا الهم الذي يغلي فِي صدره، ولهذا الحزن الذي يمزق قلبه تمزيقًا.

واقرأ معي هذه الأبيات التي قالها حين مر بقنِّسرين فسمع زئير الأسد، والتي لا تخلو من تأثر بما سبق إِلَيْهِ الشعراء القدماء، ولا سيما امرؤ القيس٢٠ والفرزدق٢١ من مناجاة الذئاب والأسود:
أَجَارُكِ يَا أُسْدَ الفَرَادِيسِ مُكْرَمُ
فَتَسْكُنَ نَفْسِي أَمْ مُهَانٌ فَمُسْلَمُ
وَرَائِي وَقُدَّامِي عُدَاةٌ كَثِيرَةٌ
أَحَاذِرُ مِنْ لِصٍّ وَمِنْكِ وَمِنْهُمُ
فَهَلْ لَكِ فِي حِلْفِي عَلَى مَا أُرِيدُهُ
فَإِنِّي بِأَسْبَابِ الْمَعيشَةِ أَعْلَمُ
إذن لَأَتَاكِ الرِّزْقُ مِنْ كُلِّ وِجْهَةٍ
وَأَثْرَيْتِ مِمَّا تَغْنَمِينَ وَأَغْنَمُ

فهل أحسست فِي البيت الثاني ما أحسه أنا من امتلاء قلب الشَّاعِر بالوحدة والعزلة والفراغ، إنْ صح أنْ تمتلئ القلوب بهذه الأشياء؟ وهل رأيت الفتى كما أراه فِي هَذَا البيت وحيدًا شريدًا فِي فضاء الأرض الواسع، وقد أطبقت عليه ظلمة الليل العريض، وقد انصرف الفتى عَنْ عدو وهو مقبل على عدو وهو يسمع زئير الأسد ويكاد يسمع قُطَّاع الطريق، ويكاد يرى أشخاص هؤلاء اللصوص الذين يأخذون السبيل على المجتمعين، فكيف بهذا الشريد الطريد؟ وهل أحسست فِي هذين البيتين الأخيرين ما أحسه أنا من هَذَا الندم اللاذع والحسرة الممضَّة، ومن حزن الفتى؛ لأنه لم يجد بين الناس من يعينه على تحقيق آماله، فإذا هُوَ يود لو وجده بين هذه الأسود الزائرة الكاسرة؟ أسمعت الأسود لغناء هَذَا الحزن؟ لست أدري، ولكن المحقق أنها لم تحفل به، ولم تستجب له، ولم تمضِ بينها وبينه هَذَا الحلف الذي كان يتمناه عليها. وحسبه أنها قد تركت له طريقة لم تعرض له ولم تعتد عليه.

والشاعر ينتهي إلى شمال الشام، فيقيم فِي حلب إقامة غير آمن ولا مطمئن؛ لأن حلب فِي ذلك الوقت كانت موضع النزاع بين الإخشيديين والعباسيين، فيرحل عنها إلى أنطاكية، وهناك يلتمس حياته بمدح الأشراف وأوساط الناس، ولعل من خير ما قال فِي أنطاكية، هاتين القصيدتين اللتين مدح بهما المغيث بن عليّ العجلي، واللتين أراهما من شعره بعد الكارثة خلافًا لما يرى الأستاذ بلاشير.

يقول المتنبي فِي مطلع القصيدة الأولى:

دَمْعٌ جَرَى فَقَضَى فِي الرَّبْعِ مَا وَجَبَا
لِأَهْلِهِ وَشَفَى أَنَّى وَلَا كَرَبَا

ويقول فِي آخرها وهو يصور ما بقي فِي نفس الشَّاعِر من حقد وحفيظة وغيظ لم يخمدْ بعدُ:

لَمَّا أَقَمْتَ بأنطاكيَّة اخْتَلَفَتْ
إِلَيَّ بِالخَبَرِ الرُّكْبَانُ فِي حَلَبَا
فَسِرْتُ نَحْوَكَ لَا أَلْوِي عَلَى أَحَدٍ
أَحُثُّ رَاحِلَتَيَّ الْفَقْرَ وَالْأَدَبَا
أَذَاقَنِي زَمَنِي بَلْوَى شَرِقْتُ بِهَا
لَوْ ذَاقَهَا لَبَكَى مَا عَاشَ وَانْتَحَبَا
وَإِنْ عَمَرْتُ جَعَلْتُ الحَرْبَ وَالِدَةً
وَالسَّمْهَرِيَّ أَخًا وَالْمَشْرَفيَّ أَبَا
بِكُلِّ أَشْعَثَ يَلْقَى الْمَوْتَ مُبْتَسِمًا
حَتَّى كَأَنَّ لَهُ فِي قَتْلِهِ أَرَبَا
قُحٍّ يَكَادُ صَهِيلُ الْخَيْلِ يَقْذِفُهُ
عَنْ سَرْجِهِ مَرَحًا بِالْعِزِّ أَوْ طَرَبَا
فَالمَوْتُ أَعْذَرُ لِي وَالصَّبْرُ أَجْمَلُ بِي
وَالْبرُّ أوْسَعُ وَالدُّنْيَا لِمَنْ غَلَبَا

أما القصيدة الأخرى، فالقسم الأول منها أبلغ ما صور به المتنبي فِي هَذَا الطور من حياته رأيه فِي الزمان والناس، وسخطه على الحياة والأحياء، ولابد من رواية هَذَا القسم كله؛ لأنه يُغني عَنْ كل شرح أو تفسير:

فُؤادٌ مَا تُسَلِّيهِ الْمُدامُ
وَعُمْرٌ مِثْلُ مَا تَهَبُ اللِّئَامُ
وَدَهْرٌ نَاسُهُ نَاسٌ صِغَارٌ
وَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ جُثَثٌ ضِخَامُ
وَمَا أَنَا مِنْهُمُ بِالْعَيْشِ فِيهِمْ
وَلَكِنْ مَعْدِنُ الذَّهَبِ الرَّغَامُ
أَرَانِبُ غَيْرَ أَنَّهُمُ مُلُوكٌ
مُفَتَّحَةٌ عُيُونُهُمُ نِيَامُ
بِأَجْسَامٍ يَحَرُّ الْقَتْلُ فِيهَا
وَمَا أَقْرَانُهَا إِلَّا الطَّعَامُ
وَخَيْلٍ لَا يَخِرُّ لَهَا طَعِينٌ
كَأَنَّ قَنَا فَوَارِسِهَا ثُمَامُ
خَلِيلُكَ أَنْتَ لَا مَنْ قُلْتَ خِلِّي
وِإِنْ كَثُرَ التَّجَمُّلُ وَالْكَلَامُ
وَلَوَ حِيزَ الْحِفاظُ بِغَيْرِ عَقْلٍ
تَجَنَّبَ عُنْقَ صَيْقَلِهِ الْحُسَامُ
وَشِبْهُ الشَّيء مُنْجَذِبٌ إِلَيْهِ
وَأَشْبَهُنَا بِدُنْيَانَا الطَّغَامُ
وَلَوْ لَمْ يَعْلُ إِلَّا ذُو مَحَلٍّ
تَعَالَى الْجَيْشُ وَانْحَطَّ الْقَتَامُ
وَلَوْ لَمْ يَرْعَ إِلَّا مُسْتَحِقٌّ
لِرُتْبَتِهِ أَسَامَهُمُ الْمُسَامُ
وَمَنْ خَبَرَ الْغَوَانِي فَالْغَوَانِي
ضِيَاءٌ فِي بَوَاطِنِهِ ظَلَامُ
إِذَا كَانَ الشَّبَابُ السُّكْرَ وَالشَّيـْ
ـبُ هَمًّا فَالْحَيَاةُ هِيَ الْحِمَامُ
وَمَا كُلٌّ بِمَعْذُورٍ بِبُخْلٍ
وَلَا كُلٌّ عَلَى بُخْلٍ يُلَامُ
وَلَم أرَ مِثْلَ جِيرَانِي وَمِثْلِي
لِمِثْلِي عِنْدَ مِثْلِهِمُ مُقَامُ
بِأَرْضٍ مَا اشْتَهَيْتَ رَأَيْتَ فِيهَا
فَلَيْسَ يَفُوتُهَا إِلَّا الْكِرَامُ
فَهَلَّا كَانَ نَقْصُ الَأْهْلِ فِيهَا
وَكَانَ لِأَهْلِهَا مِنْهَا التَّمَامُ

وتستطيع أن تُلحق بهذه القصيدة قصيدة أخرى تشبهها فِي الحزن والمرارة وشكوى الزمان، وهي عندي من شعر هَذَا الطور، وإن خيَّل الديوان وظن كثير من الناس أنها متأخرة قيلت بعد انصراف الشَّاعِر عَنْ بدر بن عمار، وهي القصيدة التي يمدح بها أبا عبد الله محمد بن عبيد الله بن محمد الخطيب الخصيبيَّ، وهو يومئذ يتقلد القضاء بأنطاكية، وأولها:

أَفَاضِلُ النَّاسِ أَغْرَاضٌ لِذَا الزَّمَنِ
يَخْلُو مِنَ الهَمِّ أَخْلَاهُمْ مِنَ الْفِطَنِ

وكذلك القصيدة المشهورة التي يمدح بها القاضي أبا الفضل أحمد بن عبد الله بن الحسن الأنطاكي، والتي أولها:

لَكِ يَا مَنَازِلُ فِي القُلُوبِ مَنَازِلُ
أَقْفَرْتِ أَنْتِ وَهُنَّ مِنْكِ أَوَاهِلُ

والأخرى التي يمدح بها أخاه أبا سهل سعيد بن عبد الله بن الحسن الأنطاكي، وأولها:

قَدْ عَلَّمَ البَيْنُ مِنَّا البَيْنَ أَجْفَانَا
تَدْمَى وَأَلَّفَ فِي ذَا الْقَلْبِ أَحْزَانَا

والقصيدة التي يمدح بها أبا أيوب أحمد بن عمران، وأولها:

سِرْبٌ مَحَاسِنُهُ حُرِمْتُ ذَوَاتِهَا
دَانِي الصِّفَاتِ بَعِيدُ مَوْصُوفَاتِهَا

ومن هَذَا الشعر أَيْضًا فائيته التي يمدح بها أبا الفرج أحمد بن الحسين القاضي المالكي والتي مطلعها:

لِجِنِّيَّةٍ أَمْ غَادَةٍ رُفِعَ السَّجْفُ
لِوَحْشِيَّةٍ لَا مَا لِوَحْشِيَّةٍ شَنْفُ

والبائية التي يمدح بها علي بن منصور الحاجب، ويقول فِي أولها:

بِأَبِي الشُّمُوسُ الْجَانِحَاتُ غَوَارِبَا
اللَّابِسَاتُ مِنَ الْحَرِيرِ جَلَابِبَا

والأخرى التي يمدح بها عمر بن سليمان الشرابيَّ، ويقول فيها:

نَرَى عِظَمًا بِالبَيْنِ وَالصَّدُّ أَعْظَمُ
وَنَتَّهِمُ الْوَاشِينَ وَالدَّمْعُ مِنْهُمُ

والتي يمدح بها عبد الواحد بن العباس بن أبي الإصبع الكاتب، وأولها:

أَرَكَائِبَ الْأَحْبَابِ إِنَّ الْأَدْمُعَا
تَطِسُ الْخُدُودَ كَمَا تَطِسْنَ اليَرْمَعَا

وأنت تستطيع أن تقرأ هَذَا الشعر كله فستجد فِي قراءته من السأم والملل شيئًا كثيرًا، يلائم ما كان فِي نفس الشَّاعِر من السأم والملل حين كان ينشئه وينشده، فهو مدح متصل متشابه معاد، لا تجديد فيه ولا تغير، ولا صدق فيه ولا إخلاص، إنما هُوَ شعر يباع، ويجهد الشَّاعِر فِي تزيين سلعته وتحسينها، فيبلغ من ذلك بعض ما يريد حينًا، ويعجز عنه فِي أكثر الأحيان.

وربما قسم الشَّاعِر القصيدة بينه وبين ممدوحه قسمة عدلًا أو قسمة فيها شيء من الجور، فاتخذ لنفسه الشطر الأول يشكو فيه، ويذم الزمان والناس صراحة، أو يرمز فيه بالغزل والنسيب إلى هذه الشكوى المرة المتصلة.

والحق أنَّ شعر أبي الطيب لم يكد يرقى فِي هذه الأعوام التي جاءت بعد خروجه من السجن إلا قليلًا، فقد استوثق الشَّاعِر من صناعته لكثرة المرانة، واستطاع أنْ يذل الألفاظ، وإنْ عجز عَنْ أنْ يستذل المعاني وقد أحسن التفكير فِي الدهر وصروفه، واستطاع أنْ يزن الأمور وزنًا حسنًا، وأنْ يسند تشاؤمه القديم إلى العقل والتجربة والاختبار، وأن يأتي فِي ذلك بنغمات قوية مشجية باقية عامة، تبلغ قلوب الناس جميعًا، فتثير فيها الحزن، وقد تنتهي بها إلى القنوط، ولكن الشَّاعِر آخر الأمر لم يضف إلى فنه القديم شيئًا فضلًا عَنْ أن يضيف إلى الشعر لونًا لم يسبقه إِلَيْهِ غيره من الشعراء الذين تقدموه، لا من حيث الألفاظ والمعاني والأساليب ولا من حيث الأوزان والقوافي والموسيقى، إنما هُوَ شاعر مقلد، ينهج نهج المتقدمين، ونهج أبي تمام منهم خاصة، فإذا ظهرت شخصيته من حين إلى حين، فإنما تظهر فِي أوقات العنف الذي ليس بعده عنف، أو فِي أوقات الحزن الذي ليس وراءه حزن، فما الذي كان ينقص هَذَا الفتى ليبلغ ما هُوَ أهل له من التفوق الذي لا يحتمل شكًّا، والنبوغ الذي لا يتعرض لخلاف؟ كان ينقصه فيما أرى شيئان:
  • أحدهما: حياة راضية تشحذ العزم وتحيي الأمل، وقد رأينا أنَّ شعره وثب وثبة بعيدةً حين انتهى إلى اللاذقية واتصل بالتنوخيين، فضمن لين العيش ورجا تحقيق الأمل، فقال فِي هَذَا الوقت أجمل ما قال من الشعر بين صباه وبين الخامسة والعشرين.
  • والآخر: بيئة مثقفة، قوية الثقافة، رشيدة بصيرة بالأدب قادرة على النقد، عالمة بألوان الكلام، وهذه البيئة لم تتح للمتنبي أثناء إقامته الأولى والثانية فِي شمال الشام، ولعلها لم تتح له أَيْضًا أثناء إقامته فِي أواسط الشام، ولعله استغنى عنها وقتًا ما بكثرة ما كان يقرأ من الكتب ويستظهر من علم القدماء وأدبهم، ولكنه كان على كل حال ناقد نفسه وناصحها ومرشدها، وكان فِي حاجة إلى أن يأتيه النقد والنصح والإرشاد من قوم غيره يقدرهم ويحسب لهم فِي الأدب حسابًا.

ولم يكن للبيئة العربية فِي الشام ذلك الوقت حظ ممتاز من الثقافة الأدبية والعلمية وأكبر الظن أنَّ هذه البيئة كانت تنقسم قسمين: أحدهما بدوي، وهو إلى الجهل والغلظة أقرب منه إلى الثقافة واللين، والآخر حضري، وهو ليِّن العيش، ولكنه غليظ العقل، قليل الحظ جدًّا من العلم.

وإنما كان المتنبي محتاجًا إلى البيئة المصرية التي نشأ فيها فن أبي تمام، وإلى الشعر الإسلامي منذ العصر الأموي إلى أواخر القرن الثالث.

وقد ظهر فِي الشام شاعرٌ كأبي تمام، ولكنك علمت أنَّ شعره نشأ فِي مصر ونضج فِي العراق، وظهر فِي الشام شاعر كالبحتري، ولكنك تعلم أنَّ الذي أنضج شعر البحتري، إنما هُوَ اتصاله بأبي تمام، ثم ارتحاله إلى العراق.

فأما المتنبي فقد نشأ شعره فِي العراق، وحاول أن ينضج فِي الشام فأدركه البطء، ودبَّ إِلَيْهِ كثير من الفساد، وظهر فيه تكلف يمقته الذوق العربي الصريح، ولا نجده حَتَّى عند أشد الشعراء تكلفًا، وهو أبو تمام؛ ذلك لأن المتنبي قد نشأ فِي غير مدرسة، وتعلَّم فِي غير معلم، ولم يأخذ ثقافته وأدبه عَنْ الأساتذة والنقاد، وإنما أخذها عَنْ الكتب والصحف، وكان ينشد الجهال وأشباه الجهال، فيسمع منهم إعجابًا كثيرًا مصدره الجهل، ويأخذ منهم مالًا قليلًا مصدره البخل، فيشتد إعجابه بنفسه لما يسمع من الثناء وما يرى من الإعجاب، ويشتد حنقه على الناس لما يرى من البخل وما يقاسي من الحرمان.

وأنا أعلم أنَّ اضطراب الخلافة فِي بغداد، وتسلط الترك على الدولة قد غض من أمر الشعر وقصر من همم الشعراء، وأنَّ بغداد لم تكن فِي القرن الرابع غنية بالشعراء المجيدين — كما كانت فِي القرن الثالث والثاني — ولكني أعلم مع ذلك أنَّ بغداد خاصة وأمصار العراق عامة كانت لا تزال قلب الدولة من الناحية الأدبية، إن كان ذلك قد أخطأها من الناحية السياسية.

ولست أشك فِي أنَّ المتنبي لو قام فِي العراق وجْه حياته لأسرع إلى النبوغ، ولاتخذ شعره لونًا آخر، ولبرئ من كثير من العيوب التي أنكرت عليه، ولاجتنب كثيرًا من فساد اللفظ، ولارتفع عَنْ هذه المبالغات السخيفة التي سيعاب شعره بها آخر الدهر، والأمر لا يقف عند المتنبي وحده، فقد أصبح المتنبي كما تعلم إمامًا للشعراء، فأخذ الناس عنه فنه بما فيه من خير وشر، وكذلك كان استقبال المتنبي شبابه فِي الشام مصدرًا لكثير من الضعف الذي ألم بشعره هو، ثم بشعر الذين قلدوه.

ومهما يكن من شيء فقد استقبل المتنبي الخامسة والعشرين من عمره، وهو مضطرب فِي شمال الشام، يبيع شعره بيع الكساد كما يقول، ولكنه على كل حال قد عرف كيف يصبر ويحتمل، وكأن الزمان الذي كان المتنبي يذمه ويشكو منه قد رحمه ورق له، وأراد أن يرفه عليه شيئًا، وأن يتيح لفنه فرصة يثب فيها إلى الأمام.

في هَذَا الوقت اضطرب الأمر بين العباسيين والإخشيديين، وأقبل ابن رائقٍ على قسمٍ عظيم من سوريا الجنوبية، وجعل ابن رائق على حربه فِي طبرية بدر بن عمار الأسدي، وهناك عاد إلى المتنبي شيء من الأمل ورغب فِي أن يعود إلى تلك الأرض التي لم يكن له فيها بعد زلته تلك، فترك شمال الشام وانتهى إلى طبرية واتصل ببدر بن عمار، وعند بدر بن عمار وجد الأمرين اللذين كان يحتاج إليهما: وجد الحياة اللينة الهادئة، ووجد البيئة المثقفة الناقدة، فلم يلبث أن أحس أثر الأمرين جميعًا، وإن وثب فنه فِي أشهر قليلة، فبلغ من الرقيِّ ما لم يبلغ بعضه فِي الأعوام الثلاثة أو الأربعة التي أقامها فِي شمال الشام.

١  وإلى هَذَا أشار بعض الشعراء حين هجاه بقوله:
أَيُّ فَضْلٍ لِشَاعِرٍ يَطْلُبُ الْفَضـْ
ـلَ مِنَ النَّاسِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا
عَاشَ حِينًا يَبِيعُ فِي الْكُوفَةِ الْمَا
ءَ وَحِينًا يَبِيعُ مَاءَ الْمَحَيَّا
(وفيات الأعيان ج١ ص٥٠ طبع بولاق).
٢  حدَّث صاحب الأغاني قال: قال إسحاق وقال الأصمعي: حدثني بلال بن جرير — أو حُدثت عنه —: إنَّ رجلًا قال لجرير: من أشعر الناس؟ قال له: قم حَتَّى أعرفك الجواب؛ فأخذ بيده وجاء به إلى أبيه عطية وقد أخذ عنزًا له فاعتقلها وجعل يمصُّ ضرعها، فصاح به: اخرج يا أبت؛ فخرج شيخ دميم رث الهيئة وقد سال لبن العنز على لحيته فقال: ألا ترى هذا؟ قال: نعم، قال: ألا تعرفه؟ قال: لا، قال: هَذَا أبي، أفتدري لم كان يشرب من ضرع العنز؟ قلت: لا، قال: مخافة أن يُسمع صوت الحلب فيُطلب منه لبن، ثم قال: أشعر الناس من فاخر بمثل هَذَا الأب ثمانين شاعرًا وقارعهم فغلبهم جميعًا. (أغاني ج٧ ص٥٨ طبع بولاق).
٣  خزانة الأدب ج١ ص٣٨٢ (طبع القاهرة).
٤  أغاني ج١ ص٣٨ (طبع بولاق).
٥  الكامل لابن الأثير ج٨ ص٥٦.
٦  كتاب نقد الشعر لقدامة ص١٩ (طبع الجوانب).
٧  Poétique II et XXIV.
٨  R. Blachère: About-Tayyib al-Motanabbi p. 35.
٩  الصبح المتنبي ص٧٩، ٨٠.
١٠  R. Blachère: About-Tayyib al-Motanabbi p. log.
١١  ذكرى أبي الطيِّب للدكتور عزام ص٥٨.
١٢  طبقات الشعراء لابن سلام ص٧.
١٣  الأغاني ج٨ ص١١٣ (طبع بولاق).
١٤  الأغاني ج١ ص١٧٣ (طبع بولاق).
١٥  الأغاني ج١ ص٢٦ (طبع بولاق).
١٦  معجم الأدباء ج٥ ص٢٠٤.
١٧  الوساطة بين المتنبي وخصومه ص٧٨ (طبع العرفان بصيدا)، ويتيمة الدهر للثعالبي ج١ ص١٢٤ (طبع إسماعيل الصاوي).
١٨  انظر: Massignon Mutanabbi devient le siècle Ismaelien de i’Islam.
Mémoires de l’institut français de Damas Bey Beyrouth 1936.
فإنه يفسر هَذَا البيت بالبيت الذي يليه ويجعل العدد رمزًا لبنات نعش، وهو رأي أقل ما يوصف به أنه طريف.
١٩  نحلة بالحاء. راجع معجم البلدان لياقوت.
٢٠  انظر قوله فِي المعلقة:
وَوَادٍ كَجَوْفِ الْعَيْرِ قَفْرٍ قَطَعْتُهُ
بِهِ الذئْبُ يَعْوِي كالخَلِيْجِ الْمُعَيَّلِ
وما يليه.
٢١  انظر نونيته المشهورة التي يقول فيها:
تَعَالَ فَإِنْ عَاهَدْتَنِي لَا تَخُوننِي
نَكُنْ مِثْلَ مَنْ يَا ذِئْب يَصْطَحِبَانِ
وانظر قصته حين هرب من زياد وقصد إلى الحجاز.
(نقائض جرير والفرزدق ص٦٠٨ وما يليها — طبع ليدن).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١