مظلوم

كان لنا صاحبٌ اسمه عبد المجيد، وكنَّا لا نذكره إلا ونذكر الحشيش، فهو من روَّاده الأُوَل القلائل، وله فيه صولاتٌ وجولات، وله معه تاريخٌ حافل طويل.

وكنا لا نراه إلا «مسطولًا» ونكون واثقين حينئذٍ أن في جيبه بقية.

ومرَّت علينا أيامٌ كان لا حديث لنا فيها إلا عن عبد المجيد ونوادره. كانت كلُّ كلمة من كلماته نكتة، وكلُّ رد من ردوده قفشة، وكان لا يجيء ذكرُه إلا ويحكي كلٌّ منا عشرات مما حدث له مع عبد المجيد، وعشرات مما حدث لعبد المجيد.

وكان عبد المجيد يعمل طبيبًا في مستشفى كبير، والناس يعتقدون أن الطبيب لا بد أن يكون قصيرًا، سمينًا له كرش وعنق غليظ، وعلى عينيه نظارات، وفوق ملامحه بسمات طيبات.

ولكن عبد المجيد كان على عكس هذا، فهو طويل رفيع، نحيف، شاحب الوجنات.

ولا أريد الاسترسال في الحديث عن عبد المجيد، فالحديث عنه طويل، وسيرتُه كسيرة الحيَّات إذا وجدتَ لها بداية فلن تستطيع العثور لها أبدًا على نهاية.

المهم أنه في ليلةٍ كان عليه نوبتجية الاستقبال، وكان لا بد أن يسهر الليلة كلَّها استعدادًا لما تتمخض عنه المدينة من أحداث. وكان لا يمكن أن تمرَّ مناسبةٌ كهذه دون أن يستعدَّ لها، ويبالغ في الاستعداد. ودخن عبد المجيد حتى أصبحت عيونُه ليست حمراء تمامًا، ولا هي بيضاء، إنما لها وردية البَين بين. وجلس على مكتبه في حجرة الاستقبال، وبدأت أسرابُ الموجوعين والممغوصين تفدُ إليه صارخةً.

وفي أعقاب هذه الأسراب جاءتْه إحدى المعضلات؛ إذ دخل ضابط ومعه اثنان من العساكر يحرسان رجلًا قصيرًا محنيًّا ذا خدودٍ غائرة. ووضع الضابط أوراقًا كثيرة على مكتب الطبيب، وقصَّ عليه الحكاية بالاختصار، وقال له إنهم هاجموا «غرزة» ففرَّ كلُّ مَن فيها، واستطاعوا إمساك هذا الرجل، وحين فتَّشوه عثروا معه على قطعة حشيش، وفيما هم مشغولون بمتابعة الهاربين غافلهم وابتلعها، وإنه حاضر إليه ليعمل للرجل غسيلًا للمعدة، ويستخرج ما فيها من حشيش.

وأَعجبت المعضلةُ صاحبَنا عبد المجيد، وقد وجد فيها لذَّة ولحلِّها جدة تختلف كل الاختلاف عما جرت به الليلة من أولها الطويل.

ونظر إلى الرجل الواقف والحديد في يديه، وسأله بلهجة خبير، وبحنكة ناب أزرق: أنت يا واد بلعتها واللا رميتها.

وأجاب الرجل في ذلة ذليلة، وضعف ضعيف، وبراءة دونها براءة الأطفال: أنا يا بيه؟! بلعت إيه؟! والله معرف حتى شكله والنبي مظلوم! يا ناس مظلوم!

ونظر له عبد المجيد وقد كَبِر في عينه وابتسم وكأنما يقول له: لا والله جدع يا واد! يحميك!

ولم يَكفِه التشجيعُ الصامت، فأصرَّ على أن يفكَّ الحديد من يديه. وبعد مناقشة قصيرة اقتنع الضابطُ ذو الوجه الأحمر والشارب الأصفر والعيون الزرق.

والمفروض أن الطبيب هو الذي يقوم بعملية غسيل المعدة، ولكنها ليست عملية أو شيئًا من هذا القبيل، إنما هي إجراء يستطيع أن يقوم به أيُّ ممرض؛ ولذلك أمر الطبيبُ عبدَ السلام أن يُعِدَّ الغسيل. وذهب الرجل وفي صحبته العسكريان إلى الحجرة الأخرى، وبقي الضابط والطبيب وحدهما في المكتب.

وكان من المستحيل أن يظلَّا ساكتين، وبدأ الحديثُ بالفتاة المرسومة على مجلة كانت في يد الطبيب، ثم تشعَّب الحديثُ واكتشف الاثنان أنهما كانا ذات عام في مدرسة ثانوية واحدة، وأنهما يموتان في أغاني أم كلثوم، وأن الضابط يسكن في العباسية، ولعبد المجيد شلة أصدقاء فيها، وأن الاثنين لم يأخذا بعدُ إجازتهما الاعتيادية، فالرؤساء يحتجون بزحمة العمل. وقبل أن تمضيَ سلسلةُ الاكتشافات إلى نهايتها، قال الضابط: يا أخي حاجة تعكنن بصحيح! داحنا كنا قاعدين حتة قعدة في روف واحد نعرفه في مصر الجديدة، والليلادي كان لنا صاحب لسه جاي معمر من فلسطين، وحليت القعدة وأم كلثوم كانت بتغني هلت ليالي القمر، ولسه يدوبك بنبتدي، والواحد بدأ يتنعنش ويحس انه صح تمام إلا والمخبر جايني ومعاه أمر التفتيش، أعمل إيه؟ رحت قاطع القعدة وقايم معاه، الله يلعن أبو دي عيشة، بذمتك مش حاجة تعكنن؟!

ووافقه الطبيب أن هذا شيءٌ يعكنن، وافقه وهو ينظر إلى عينَي الضابط الجميلتين، وقد غرقت حبَّتاهما الزرقاوان في بُحيرة، ليست حمراء تمامًا، ولا هي بيضاء، إنما لها وردية البَين بين.

وقبل أن يوافقه أكثر، ويحكي له فصلًا مماثلًا حدَث له في إحدى ليالي سلطنته، دخل عليه عبد السلام التومرجي قائلًا بفرح وتهليل، وكأنه اكتشف أمريكا: الحتة أهه يا بيه، الراجل نزلها، دي تطلع قرشين.

فرد الأومباشي: قرشين إيه؟ أقطع دراعي إن ما زادت عن ربع وقية خروبتين.

وهزَّ العسكري رأسَه هزَّة خبير، وقال: لأ، وحتة حلوة، باين عليها غبارة يا بوي.

وعلى عجل غادر الطبيب والضابط المكتب، والتفُّوا كلهم حول الرجل القصير الراقد فوق المنضدة العالية يستخرج كلَّ ما في جوفه من خيرٍ ومن شر. وشخط الطبيب في عبد السلام يأمره بوضع القطعة مع بقية الغسيل في حِرز ويختمه بالشمع، وتلألأت عينُ الضابط الوردية بالفرح، وقد ثبتت الجريمة، وأصبح جسدُها في حِرزٍ حصين. واقتيد الرجلُ في النهاية. وقد أُعيد الحديد إلى يديه ومشى بين حرَّاسه يقول في صوته الضعيف الثائر: مظلوم يا ناس، والله مظلوم.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن سي آي سي © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن سي آي سي، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.