الفصل الأول

الفتح العثماني

سقوط القسطنطينية (١٤٥٣)

وفي آذار السنة ١٤٥٢ بدأ محمد الثاني السلطان العثماني بإنشاء قلعة بالقرب من القسطنطينية أطلق علها اسم «روم إيلي حصار»؛ ليهدد بها الإبحار من مرفأ القسطنطينية. فقامت هذه القلعة في الساحل الأوروبي مقابل كوزل حصار التي كان بايزيد قد أنشأها على الشاطئ الآسيوي، فأرسل قسطنطين الحادي عشر وفدًا يحتج على ذلك، فأمر محمد بهم فقُطعت رءوسهم!

فرمم قسطنطين الأسوار وذخر المؤن وراسل يوحنا هونيادي وألفونز الخامس، ولوَّح بامتيازات هامة لكل من البندقية وجنوا، وكتب إلى البابا نيقولاووس الخامس. ولكنه لم يتلقَّ من الغرب شيئًا سوى شخص أسيدورس الذي كان قد أصبح كردينالًا؛ فإنه جاء من رومة موجبًا إعلان اتحاد الكنيستين في كنيسة الحكمة الإلهية وذكر البابا في الذبتيخة. فضغط الفسيلفس على بعض كبار الإكليروس وأقام في الثاني عشر من كانون الأول سنة ١٤٥٢ قداسًا حافلًا في كنيسة الحكمة الإلهية بموجب الطقس اللاتيني. وما إن فعل حتى ضجت المدينة بالاحتجاج. وتزعَّم سكولاريوس هذه المعارضة. وقال نوتاراس الدوق الكبير قوله المشهور: «عمائم الشيوخ ولا تيجان الكرادلة!» وبدأ الحصار، وظل قسطنطين يسعى لاستدرار المعونة من الغرب، ولكنه لم يلقَ سوى سبعمائة محارب بقيادة يوحنا الجنوي. وألح سفير البندقية والكردينال أسيدورس على الأميرال تريفيزانو الذي كان قد واكب الكردينال أن يبقى في مياه القسطنطينية، ولكن ربابنة البوارج آثروا الخروج على البقاء، وحذا حذوهم أهل الحل والربط من رجال الجالية الجِنوية، فقالوا بأن بقاءهم على الحياد يكون في صالح الروم!

ويُستدل من أفضل المراجع الأولية على أن عدد المحاربين الروم لم يتجاوز اﻟ ٤٩٧٣ رجلًا، وأن عدد الأجانب المقاتلين معهم تراوح بين الألفين والثلاثة آلاف، وأن سلاح هؤلاء كان أبيض، وأنه لم يكن لديهم سوى بعض المدافع المتوسطة الحجم، وأن القوة البحرية كانت مؤلفة من سبع بوارج، وأن الذخيرة لم تكن كافية، وأن الفسيلفس اضطر أن يسك النقود من فضة الكنائس.١

وفي الثاني من نيسان سنة ١٤٥٣ مدَّ الروم السلسلة العظيمة فأقفلوا بها مدخل القرن الذهبي. وفي الخامس منه وصل محمد الثاني بستين ألف مقاتل وبعدد كبير من الدراويش والتجار والفلاحين الذين استهواهم النهب والسلب. وفي السابع أنذر السلطان الفسيلفس بوجوب تسليم المدينة فرفض فبدأ الحصار. وفي الثامن عشر من نيسان أمر السلطان بهجوم عام ولكنه نكص على أعقابه، وحاول اقتحام مداخل القرن الذهبي بأسطوله الكبير فلم يُفلح. وفي العشرين من نيسان أطل أسطول غربي مؤلَّف من أربع بوارج وثلاث ناقلات كبيرة، فأمر السلطان بصدهم عن الوصول إلى القسطنطينية، ونشب القتال بين الطرفين وانتصر الأسطول الجنوبي ووصل إلى القرن الذهبي ناقلًا حبوبًا من صقلية إلى المدينة الخالدة.

وقام السلطان في السابع من أيار وفي الثاني عشر منه بهجومين عنيفين، ولكنه أخفق في المرتين. ورأى البطريرك المسكوني والوجهاء أن يغادر الفسيلفس العاصمة ليجيِّش الروم في المورة وغيرها ويستدر المعونة من الغرب، ولكن قسطنطين الحادي عشر آثر الموت مع قومه في الدفاع عن النفس. وفي الثالث والعشرين من أيار أوفد السلطان أمير سينوب يفاوض الفسيلفس في تسلم المدينة مقابل خروجه منها وخروج من رغب في ذلك، فلم يرَ قسطنطين في ذلك سوى فخ منصوب فرفض. وفي التاسع والعشرين عاد الأتراك إلى الهجوم، وكان قد تهدم السور الخارجي بالقرب من باب أدرنة فتسلل الانكشاريون من هذه الثغرة إلى السور الداخلي، وعلموا من أعوانهم في داخل القسطنطينية أن الباب الخفي الصغير كيركوبورتة الذي كان يطل على الخندق في هذا القاع كان مهملًا، فاقتحموه ونفذوا منه إلى داخل المدينة؛ فدب الذعر في العاصمة. وكان القائد غوسطنياني قد جُرح فنُقل إلى جزيرة خيوس وتُوفي لدى وصوله إليها. وتابع قسطنطين الجهاد وما فتئ يحارب حتى خرَّ صريعًا في ميدان الشرف. وأباح السلطان المدينة ثلاثة أيام بلياليها، ثم دخلها وذهب توًّا إلى كنيسة الحكمة الإلهية فعلا الأمبون وصلى وجعل الكنيسة مسجدًا ثم استقر في القصر المقدس.٢

امتيازات البطريرك المسكوني

ودخل الروم في «ذمة» الفاتح فدفعوا الجزية وأمنوا على دمائهم وعرضهم وأموالهم. وتوقع الفاتح مقاومة البابا وأمراء أوروبة الغربية والوسطى وملوكها، وخشي حربًا صليبية جديدة فتهيأ وتجهز، ورأى من الحكمة أن يظل الشقاق قائمًا بين الكنيستين اليونانية واللاتينية،٣ وكان والده مراد الثاني قد اتَّبع الخطة نفسها فلم يرضَ عن مفاوضات فراري فلورنسة، كما سبق وأشرنا.
وتُوفي غريغوريوس الثالث (مماس) مُوالي رومة في السنة ١٤٥٣، فرأى الفاتح أن يوصل إلى السدة البطريركية شخصًا معارضًا لا يرضى عن الاتحاد. وكان جاورجيوس سكولاريوس قد تزعم هذه المعارضة بعد وفاة مرقس متروبوليت أفسس،٤ فانتخب المجمع سكولاريوس في أيار أو حزيران السنة ١٤٥٣٥ وأعلنه بطريركًا مسكونيًّا باسم جناديوس الثاني (١٤٥٣–١٤٥٧)، وحل الفاتح محل الفسيلفس فاعترف به بطريركًا مسكونيًّا قائلًا: «كن بطريركًا حرسك الله وسأوليك عطفي، وتمتع بجميع الحقوق التي مارسها سلفاؤك.»٦ وزار السلطان البطريرك في دير الباما كاريستوس Pammakaristos وحدثه في الدين المسيحي. ثم أعد البطريرك بيانًا في الدين المسيحي جاء في عشرين فصلًا٧ وقدمه إلى السلطان، فسُر السلطان به وعطف على «الأمة المسيحية» وأمر بحمايتها.٨
ويرى رجال الاختصاص أن السلطان الفاتح أصدر براءة ضَمِن فيها احترام شخص البطريرك وعدم التعدي عليه وإعفاءَه من جميع الضرائب واستقراره في كرسيه وحريته، وانتقال امتيازاته إلى خلفائه من بعده، وامتداد سلطته لتشمل الرؤساء الدينيين الخاضعين له.٩
واعتبرت السلطات العثمانية البطريرك المسكوني مسئولًا عن الملة المسيحية فخولته سلطة زمنية على المسيحيين علاوة على سلطته الروحية، فأصبح من حقه النظر في «الخصومات التي قد تنشأ بين الروم من رعايا السلطان، وأن يستمع إلى الشهود ويجري الأقسام وينهي المشاكل»، وأمسى من واجبه جمع الضرائب المفروضة على الروم وكنائسهم، ومن واجب الموظفين المدنيين تسهيل أموره،١٠ وقول بعض رجال البحث إن صلاحيات البطريرك انحصرت في أمور الإكليروس الأرثوذكسي قول ضعيف لا يتفق وصراحة النصوص.١١

وعاد عدد كبير من الروم إلى القسطنطينية واستقروا حول البطريركية. وكان لهم من ثروتهم القائمة على التجارة ومن براعتهم في السياسة ما ضمن لهم مركزًا رفيعًا في مختلف العهود.

البلقان في حوزة الأتراك

وهدد المجر الفتوحات العثمانية في البلقان فتحتَّم القضاء على استقلال الصرب، فقام محمد الثاني بنفسه إلى بلغراد وضرب الحصار عليها، فاندفع هونيادي عبر الدانوب على رأس جيش مختلط من الصليبيين فوفِّق إلى القضاء على هجوم العثمانيين واضطر محمد إلى الانكفاء (١٤٥٦). وتُوفي هونيادي، ثم مات ملك الصرب واصطرع وارثوه، فنهض محمد الفاتح في السنة ١٤٥٨ إلى بلاد الصرب فحطم المقاومة وأخضع السكان وأدخل البلاد في حوزته.

وقضى السلطان في هذه الآونة نفسها على إمارتَي الروم في المورة وعلى دوقية أثينا اللاتينية، فأمست بلاد اليونان في معظمها ولاية عثمانية. وفي السنة ١٤٦٤ استولى السلطان على إمبراطورية طرابزون الرومية الكومنينية. وكان خان التركمان أوزون حسن قد شيَّد دولة فَتيَّة في أرمينية وضم إليها فارس والجزيرة الفراتية، فلما دخل محمد الفاتح في حرب طاحنة ضد البندقية حالف البنادقة أوزان حسن وزجُّوا خصمهم العثماني بين نارين، ولكن الفاتح خرج منتصرًا على خصميه في آسية وأوروبة.

وبعد فتح القسطنطينية انطلق الأسطول العثماني إلى بحر إيجه فاستولى على جزائر تاسوس وسموتراقية وإيمبروس ولمنوس وفوقة الجديدة بالقرب من إزمير. أما رودوس فإنها صمدت في وجه هذا الأسطول وأكرهته على التراجع (١٤٨٠)، وأمر السلطان بإعادة الكرَّة في العام التالي فعاجلته المنية وقضى نحبه في معسكره في آسية الصغرى في الثالث من أيار سنة ١٤٨١.

وأوصى محمد بالخلافة لابنه الأصغر جَم فثار الانكشاريون واندلعت نيران الفوضى، فاضطر بايزيد أكبر الأمراء سنًّا أن يغفر لهم فظائعهم ويزيدَ في أعطياتهم. واقترح جَم على أخيه بايزيد اقتسام الإمبراطورية فلم يرضَ، بل هجم عليه وهزمه عند يني شهر، فالتجأ جَم إلى قايتباي سلطان المماليك وحاول قلب الحكم في آسية الصغرى بالتعاون مع قرمان أوغلو قاسم بك فأخفق، فالتجأ إلى رودوس حيث حاول التحالف مع فرسانها وبعض دول أوروبة. وفي السنة ١٤٨٨ أسلم الفرسان هذا الأمير التركي إلى البابا أنوشنسيوس الثامن لاهتمامه بصليبية جديدة. وحاصر شارل الثامن ملك فرنسة رومة واستولى على جَم. وكان بايزيد قد حرَّض البابا على قتل أخيه فمات جَم مسمومًا في نابولي في شباط السنة ١٤٩٥.

واصطفى بايزيد (١٤٨١–١٥١٢) ابنه أحمد وأحب أن يتخلى له عن العرش، فطالب ابنه سليم بأن يتولى إدارة إحدى ولايات أوروبة بدلًا من طرابزون، وكان جنديًّا بالفطرة شجاعًا مقدامًا فأحبه الجنود. وفي السنة ١٥١١ هدد أدرنة على رأس خمسة وعشرين ألفًا، ثم هزم بايزيد ابنه سليمًا وأكرهه على الفرار فالتجأ إلى خان القرم. وعاد في السنة ١٥١٢ فظهر أمام أبواب القسطنطينية، فاستقبلته الحامية استقبالًا حماسيًّا فأَكره والده على التنازل وأمر به فدُس له السم فتُوفي في هذه السنة نفسها.

العثمانيون والمماليك (١٥١٦-١٥١٧)

وكان سليم الأول (١٥١٢–١٥٢٠) من أعظم سلاطين العثمانيين وأكثرهم انتصارًا وفتحًا. وتنازعت فرنسة والنمسة السيادة في أوروبة واندلعت نار الشقاق الديني بين الكاثوليكيين والبروتستانت، فانتهز العثمانيون هذه الفرصة السانحة واتجهوا بفتوحاتهم شطر آسية.

وكان على عرش فارس حينئذٍ الشاه إسماعيل الصفوي الشيعي فطمع في مناطق الحدود بينه وبين الأتراك العثمانيين، وحرَّض الشيعة في آسية الصغرى. فعزم سليم على غزو فارس وخرج في السنة ١٥١٤ بجيش عظيم مارًّا على ديار بكر وكردستان، فتراجع الفرس إلى وادي جلديران قرب تبريز، ولكنهم لم يقووا على مقاومة الانكشارية والمدفعية العثمانية فانهزموا. فدخل السلطان تبريز حاضرة الفرس آنئذٍ، ثم اضطر إلى التراجع لتمرد الانكشاريين عليه، واكتفى بضم ديار بكر وكردستان.

وصادق السلطان الظاهر برقوق (١٣٨٢–١٣٩٢) معاصره السلطان يلدرم بايزيد العثماني، ودامت هذه الصداقة حتى أيام بايزيد الثاني ابن محمد الفاتح. ودارت بين سلاطين الطرفين رسائل الوداد وعقود المهادنة. وكان ما كان من أمر الأمير جَم ففر إلى الأشرف قايتباي (١٤٦٨–١٤٩٨) ملتجئًا فأجاره، وطلب بايزيد تسليمه فلم يُجِبه قايتباي فحقد بايزيد، وانضم هذا الحقد إلى نزاع حول إمارة أبناء ذي الغادر. وكانت هذه الإمارة تركمانية قائمة في أرمينية وكردستان، وكان لا يتولى أمير فيها إلا بإذن صاحب مصر، وكانت الدولة العثمانية قد تدخلت في شئون هذه الإمارة وادعت حمايتها. وبلغ بايزيد أن قيتباي أخذ من رسول ملك الهند هدايا كان أرسلها إلى السلطان العثماني، فجهز بايزيد جيشًا وتوغَّل في أرض المماليك حتى مداخل حلب، فصمد المماليك في وجهه وهزموه، فأتبعه بايزيد بجيش آخر فكانت عاقبة وخيمة. فزحف المماليك عبر الحدود العثمانية فالتقوا بجيش عثماني جديد فكانت الحرب سجالًا ثم انتهت بالصلح، ولكن الطرفين أصبحا في تنافس وتزاحم على النفوذ والزعامة في العالم الإسلامي.

ثم أخذ العثمانيون يحرضون القبائل والإمارات الخاضعة لمصر على التخلص من سيادتها، وبدءوا يضعون العراقيل في سبل تجارتها مع فارس وما وراءها، مما جعل ورود الصوف ومنسوجاته وأنواع الفراء نادرًا، ومنعوا تجار الرقيق من أخذ المماليك الشراكسة إلى مصر، فكان عملهم هذا شديدًا على سلاطين المماليك؛ لأن المماليك الشراكسة كانوا آنئذٍ مادة الجيش المصري ورجال الحكومة فيها. وأخذ سلاطين المماليك يجيرون كل من التجأ إليهم من أبناء السلاطين العثمانيين والأمراء والأعيان الفارين من وجه الدولة العثمانية. واسترسلوا في هذه السياسة فهبُّوا يوادُّون من عادى العثمانيين أمثال أوزون حسن ثم بعده الشاه إسماعيل وغيرهما. وحاول الشاه الصفوي تحويل هذه المُوادة إلى محالفة فلم يُفلح للفرق في المذهب. واستطار شرر هذه الأحقاد بسماح قانصوه الغوري (١٥٠١–١٥١٦) بأن يمر الوفد الفارسي المفاوض في سورية بطريقه إلى البندقية ليعرض عليها اتحادًا ضد الأتراك العثمانيين، وبإجارة السلطان الغوري للأمير قاسم ابن أخي السلطان سليم الأول العثماني وإجارة الشاه إسماعيل للأمير مراد أخي قاسم. وأراد السلطان سليم قتل هذين الأميرين فطلبهما فلم يجيباه. وخشي سليم تحول المودة بين مصر وفارس إلى حلف، فأعلن الحرب على فارس، كما سبق وأشرنا، ثم على مصر. ولما زحف سليم على فارس أتلف الشاه إسماعيل كل ما خلفه في مدنه وقلاعه من المئونة والذخائر وانتظر سليم ورود غيرها من بلاده فعلم أن قبائل التركمان وإمارة الغادرية التابعة لمصر قد أغارت على قوافله ومنعت وصولها إليه، فاضطرب جيشه فحرمه ثمرة انتصاره في جلديران.

وعاد سليم من فارس إلى بلاده فانتقم من إمارة الغادرية فقتل أميرها علاء الدين وضم الإمارة إلى ملكه، واحتد السلطان قانصوه الغوري على ذلك فقابل سليم احتجاجه بإرسال رأس علاء الدين إليه، فعلم الغوري أن الحرب واقعة.

وكانت مملكة البرتغال قد قطعت طريق التجارة الهندية الشرقية على مصر؛ فنضبت أهم موارد الثروة. وكان الفساد قد دبَّ في أخلاق المماليك وقلَّ ولاؤهم، وكان قد جرَّأهم على ذلك مَيل الغوري إلى مماليكه الذين جلبهم لنفسه، فلما أراد أن يستجمع كل ما عنده من قوة تخاذل المماليك القدماء وتعللوا بقلة النفقة. وبعد تساهل من الطرفين تمكن الغوري في شتاء السنة ١٥١٥-١٥١٦ من إعداد جيش يخرج به إلى حدود العثمانيين، وجمع في هذا الجيش قوة مصر الأدبية؛ فخرج فيه الخليفة العباسي وقضاة المذاهب الأربعة وأشياخ الطرق وكبار العلماء والأعيان ورؤساء المغنين والموسيقيين وأرباب الصناعات. وبلغه أن الأسطول العثماني يقصد الإسكندرية فعزز حاميتها وحصَّن قلاعها بنحو مائتي مدفع، وأناب عنه الدودار الكبير طومان باي ابن أخيه. وخرج جيش المماليك من القاهرة في صيف السنة ١٥١٦ فقاسى الجنود الشدائد في اجتياز صحراء سيناء، ثم دخلوا دمشق وحماة وحلب.

وخرج السلطان سليم الأول من القسطنطينية بجيش بلغ مائة وخمسين ألفًا مسلح بكثير من الأسلحة النارية بالمكاحل والمدافع والبندقيات، فلما صار على حدود المماليك استمال خير بك نائب حلب وجان بردي الغزالي نائب حماة، ووعد الأول بولاية مصر والثاني بولاية سورية. وعرف الغزالي اللبنانيين وما تحلوا به من شجاعة وبأس وحذق في أساليب القتال، فاستمال المعنيين ومن شد أزرهم من المشايخ والأعيان. وأراد سليم أن يخدع الغوري ويصرفه عن القتال فأرسل إليه بتوسط نائب حلب رسالة يعتذر فيها عما فرط ويعده بالخير، ثم أرسل إلى حلب وفدًا يؤكد إخلاص السلطان شرط ألا يتدخل الغوري في النزاع القائم بين العثمانيين والصفويين. فأكرم الغوري أعضاء هذا الوفد وأرسل يعرض توسطه في الصلح بين سليم وإسماعيل، فغضب سليم وهمَّ بقتل الرسول، ثم قال: قل لأستاذك إن إسماعيل الصفوي خارجي وأنت مثله وسأبدأ بك قبله وموعدنا مرج دابق على بُعد يوم عن حلب. والتقى الجحفلان في مرج دابق وكاد الغوري ينتصر، فعمل خير بك والغزالي والأمير فخر الدين المعني على تثبيط الهمم فتحول النصر إلى انهزام، وفُلج الغوري لساعته وسقط عن جواده، وشاع موته فتفرق جيشه.

وانتظر أهل حلب قدوم السلطان سليم فسلموه المدينة وخطبوا باسمه في مسجدها فجعلوه حامي الحرمين الشريفين، فاغرورقت عيناه بالدموع ونهض لساعته وخلع على الخطيب فألبسه فِراءَه! وانضم إلى العثمانيين خير بك والغزالي والأمير فخر الدين وغيرهم، واستولى السلطان على دمشق وجميع مدن سورية. ورجع المنهزمون إلى مصر فكابد طومان باي المشقات في جمع شتاتهم، وكانت موقعة غزة فالريدانية ١٥١٧، فدخلت مصر أيضًا في حكم الأتراك العثمانيين وكذلك الحجاز.

نظام الحكم

وبعد أن أتم السلطان العثماني فتح مصر ووضع نظامًا لإدارتها عاد إلى دمشق ليُعنَى بتنظيم الإدارة في سورية ولبنان وفلسطين. فأبقى على نظام النيابات وعين على نيابة حلب حاكمًا تركيًّا ثم جعل سائر النيابات في يد جان بردي الغزالي. وعطف على الأمير فخر الدين المعني فعزز سلطته على لبنان وحطَّ من قَدْر غيره من الأعيان، وأبقى القديم على قدمه فجاء فتحه يسيرًا. وأخلص الغزالي الولاءَ لسليم فضرب البدو والحرافشة وغيرهم ممن عاون المماليك في أثناء أعمال الفتح ووطد السلطة والأمن في البلاد.

ثم مات سليم في السنة ١٥٢٠، فأعلن الغزالي استقلاله في الجامع الأموي في دمشق متخذًا لنفسه لقب الملك الأشرف. فأنفذ السلطان سليمان حملة لتأديبه بقيادة فرهاد باشا، فكانت موقعة القابون في السابع والعشرين من كانون الثاني سنة ١٥٢١. وكان تأديب على طريقة التتر وتيمورلنك، فاستغنت السلطات التركية عن خدمات كبار الموظفين المحليين وأسندت أعمالهم إلى أتراك عثمانيين. ولا نعلم بالضبط متى ألغت الحكومة العثمانية النيابات القديمة وما تبعها من أنظمة، ولكن تقارير قناصل الدول الأجنبية تُشير إلى باشاويات ثلاث تم تنظيمها قبل نهاية القرن السادس عشر؛ وهي باشاوية حلب وباشاوية دمشق وباشاوية طرابلس، وجاء في تقرير رسمي يعود إلى عهد السلطان أحمد (١٦٠٣–١٦١٧) أن هذه الباشاويات كانت مقسمة إلى سناجق أهمها في جنوب البلاد سناجق غزة والقدس ونابلس وتدمر وصيدا وبيروت، ومنها في الشمال سناجق طرابلس وجبلة وحمص والسلمية، وشملت باشاوية حلب تسعة سناجق مماثلة. وأنشأت الدولة العثمانية باشاوية صيدا في السنة ١٦٦٠ للإشراف على لبنان ومراقبته!

وجاء على رأس كل باشاوية والٍ يعينه السلطان لسنة واحدة، وكان ينوب عن الوالي في كل مدينة حاكم إداري يُدعى متسلمًا. أما الريف فإنه كان مقسمًا إلى زعامات وتيمارات وموزعًا على ضباط عسكريين مدة حياتهم، وكان على هؤلاء أن يلبوا الدعوة للحرب بشروط معينة وعلى نفقتهم الخاصة، وأن يقوموا بأعباء الحكم في مقاطعاتهم.

وكان يحيط بالباشا في عاصمة الباشاوية (الإيالة) رؤساء الجند وهم قواد الفِرق التي كانت تشكِّل حامية الباشاوية، وتألَّف من اجتماع هؤلاء الرؤساء ديوان الوالي. وكان لهذا الديوان سلطة واسعة؛ إذ لم يكن في وسع الوالي أن يبرم أمرًا هامًّا إلا بموافقة الديوان، وكان إذا وقع خلاف بينه وبين الديوان رفعه إلى الآستانة للفصل فيه، وكان للديوان أن يطلب عزل الوالي إذا شاء. وأحاط الباشا نفسه في غالب الأحيان بعدد من الجنود غير النظاميين «باش بوزق» يتناسب ومقدرته على الإنفاق، منهم الكردي والكريتلي والأناضولي والأرناءوطي والمغربي.

وقضت قوانين الدولة بأن يقترح «قاضي عسكر» الأناضول تعيين من تتوفر فيهم الشروط اللازمة لتولي القضاء في باشاويات آسية، فتصدر بذلك فرمانات رسمية. فكان يعيَّن في كل سنة «مولى خلافه» من علماء الأتراك في كلٍّ من حلب ودمشق وطرابلس والقدس، وكان يعيِّن هذا المولى خلافه بدوره نوابًا في سائر مدن الباشاوية التي ولي القضاء فيها. وكان يتولى الإفتاء في كلٍّ من حلب ودمشق مُفْتُون أربعة من المذاهب الأربعة يجيبون عما يُلقى إليهم من المسائل المشكوك في أحكامها.

مذهب الدولة

وقال السلطان العثماني بالمذهب الحنفي، فأصبح هذا المذهب هو المذهب السائد، يحق للمتداعين أن يطلبوا تطبيقه إذا رأوا في تطبيق غيره إجحافًا بحقوقهم. وأقبل العلماء على درس هذا المذهب وصنفوا فيه، وأشهر ما صُنف من هذا القبيل في القرن السادس عشر كتاب «الملتقى»، للشيخ إبراهيم الحلبي مفتي السلطان سليمان القانوني.

الشرع والقانون

وخضع السلطان العثماني للشرع الشريف واعتز بحكمه وأحكامه، ولكنه قال في الوقت نفسه بالعادة والعُرف والقانون. والعادة هي ما استمر الناس عليه عند حكم العقول وعادوا له مرة بعد أخرى. والعُرف هو ما استقر في النفوس من جهة شهادات العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول. والعُرف عند الأتراك العثمانيين كان إرادة السلطان السَّنية، وهو من المعاني الخصوصية التي انفردوا بها.١٢ والقانون هو العُرف المدون بأمر السلطان أو هو مجموعة الإرادات السلطانية المدونة. وهذه الإرادات السنية كانت لا تصدر قبل مشاورة العلماء المقربين من السلطان العارفين المطلعين الذين كانوا يجارون السلطان في فتاويهم للمحافظة على المصلحة السياسية والاجتماعية ومقتضى الظرف، ومن هنا هذه الامتيازات التي خَص بها محمد الفاتح وخلفاؤه بطاركة القسطنطينية.

البطريرك المسكوني والبطاركة

وكانت قرارات المجامع المسكونية قد قضت بتقدم بطريرك القسطنطينية على بطاركة الشرق الثلاثة وباعتباره الثاني بعد بطريرك رومة. وكان قد سبق لهؤلاء البطاركة الثلاثة أن اعترفوا بهذا التقدم في الكرامة. وكان بطريرك القسطنطينية قد اتخذ لنفسه لقب البطريرك المسكوني بمعناه البيزنطي؛ أي بطريرك الإمبراطورية، فوافق بطاركة الشرق على ذلك واعترضت رومة. وكان بطريرك القسطنطينية قد حاول في الربع الأول من القرن الحادي عشر أن يصبح ذا سلطة شرعية على بطاركة الشرق، فطلب إلى رومة الاعتراف بذلك، فكادت تعترف ثم أبت. وقد سبق الكلام في هذا الموضوع عند الكلام عن بدء الانشقاق، ثم وقع الشقاق ووسَّعته الحروب الصليبية وثبتته الحملة الصليبية على القسطنطينية، فخسرت رومة ما تبقى من نفوذها في الشرق.

واستولى الأتراك على القسطنطينية ثم على جميع أبرشيات البطريركيات الشرقية، فأصبح بطريرك القسطنطينية بطريرك عاصمة الدولة العثمانية يفاوض باسم البطريركيات الأخرى ويسهل أمورها في عاصمة الدولة، ويدافع عن حقوقها أمام السلطة العثمانية العليا. وكان من الطبيعي جدًّا أن تعترف السلطات العثمانية بتقدم بطريرك العاصمة على بطاركة الولايات، وأن تمنحه امتيازات إدارية يتميز بها على أقرانه؛ فقد جاء في براءة سلطانية صادرة في أواخر أيلول سنة ١٨٥٥ موجهة إلى البطريرك كيرلس خلف أفتيميوس أنه إذا أمَّ القسطنطينية بطاركة البلدان الأخرى لترتيب أمورهم يتوجب عليهم أن يفعلوا ذلك بواسطة البطريرك المسكوني والمطارنة،١٣ وجاء في قرار اتخذه في السنة ١٧٦٧ البطريرك المسكوني صموئيل أنه عملًا بالامتيازات القديمة التي تخوله حق الرئاسة Ephoros والإشراف Epistates على عرش أحد البطاركة لدى وفاته، وعملًا برئاسته وإشرافه في جميع كنائس المسيح وبصفته رأس الجسم كله؛ ونظرًا لطلب كيريوس فيليمون الخطي بأن يخلفه على كرسي أنطاكية كيريوس دانيال، ولما كان أخوه في النعمة كيريوس أفرايم بطريرك أوروشليم يرى الرأي نفسه، وكذلك مجمع الأساقفة المقدس فإنه يعلن حق كيريوس دانيال بتولي العرش الأنطاكي،١٤ ولكنه جاء أيضًا في قرار أصدره البطريرك المسكوني نيوفيطوس في العاشر من كانون الثاني سنة ١٧٩٢ أن رعاية مصالح البطريركيات الأخرى واجبة، ولكن التعدي على حقوقها أمر مشجوب لا يجوز التفكير به ولا يليق بالمقام البطريركي.١٥
آل عثمان.
سليم الأول ١٥١٢–١٥٢٠
سليمان الأول ١٥٢٠–١٥٦٦
سليم الثاني ١٥٦٦–١٥٧٤
مراد الثالث ١٥٧٤–١٥٩٥
محمد الثالث ١٥٩٥–١٦٠٣
أحمد الأول ١٦٠٣–١٦١٧
مصطفى الأول ١٦١٧-١٦١٨
عثمان الثاني ١٦١٨–١٦٢٣
مراد الرابع ١٦٢٣–١٦٤٠
إبراهيم ١٦٤٠–١٦٤٨
محمد الرابع ١٦٤٨–١٦٨٧
سليمان الثاني ١٦٨٧–١٦٩١
أحمد الثاني ١٦٩١–١٦٩٥
مصطفى الثاني ١٦٩٥–١٧٠٣
أحمد الثالث ١٧٠٣–١٧٣٠
محمود الأول ١٧٣٠–١٧٥٤
عثمان الثالث ١٧٥٤–١٧٥٧
عبد الحميد الأول ١٧٥٧–١٧٨٩
سليم الثالث ١٧٨٩–١٨٠٧
مصطفى الرابع ١٨٠٧-١٨٠٨
محمود الثاني ١٨٠٨–١٨٣٩
عبد المجيد ١٨٣٩–١٨٦١
عبد العزيز ١٨٦١–١٨٧٦
مراد الخامس ١٨٧٦
عبد الحميد الثاني ١٨٧٦–١٩٠٩
محمد الخامس ١٩٠٩–١٩١٨
محمد السادس ١٩١٨
١  Phrantzes, III, 338; Léonard de Chio, Lettre au Pape Nicolas V, P G., Vol. 159. Col. 934–936.
٢  Critobule d’Imbros, Hist. I, 68; Doukas, Chron., P. G., Vol. 157, Col. 1112; Annales Sultanorum Othomanidarum, P. G., Vo. 159, Col. 573–650; Pears, E., Destruction of the Greek Empire, 1903; Amantos, C., La Prise de Constantinople, Athens, 1953; Babinger, F., Mehemed der Eroberer und seine Zeit, Munich, 1953; Guerdan, R., Vie, Grandeur et Misères de Byzance, Paris, 1954, 205–247.
٣  Paparrhigopoulos, C., Istoria Ellenichou Ethnous, V, 504, 522, Elliot, Sir Charles, Turkey in Europe, 242 ff.
٤  Petit, L., Oeuvres Complétes de Scholarios, III, 117 ff.
٥  Papadopoulos Kerameus, Ereuna peri Chronias, Nea Hmera, 1910, 1851; Papadopoulos, Th., Hist. of Greek Church and People, 2, n. 1.
٦  Souvorov, N., Manuel de Droit Ecclésiastique, 78; Papadopoulos, Th., op. cit., 2, n. 2.
٧  Confessio Fide, Pol. Ist. Kunst. Petit, L., Oeuvres, III, 434–452, 453–484.
٨  Turcograeca, 120.
٩  Phrantzis, Chronicon, III, 11; Papadopoulos, Th., op. cit., 4–7; Papadopoulos, C., Les Privilèges du Patriarcat Oecuménique dans l’Empire Oltoman, 24.
١٠  De Testa, I., Recueil, V, 162–170.
١١  Mathieu, H., La Turquie et ses Différents Peuples, II, 104.
١٢  Hammer, Joseph von, Staatsverfassung, 30; Heidborn, A., Manuel de Droit Public et Administratif de l’Empire Ottoman, 37 ff; Fehmi, Y., Hist. de la Turquie, 237; Lybyer, A., Government of Ottoman Empire, 152–159.
١٣  De Testa, I., Recueil, V, 170.
١٤  Appendix I, Neale, J. M., Patriarchate of Antioch, 194.
١٥  Ibid. 196.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١