الفصل الرابع

الروم الكاثوليك

نيوفيطوس وكيرلس (١٦٧٢–١٧٢٠)

وتُوفي مكاريوس الثالث في الثاني عشر من حزيران سنة ١٦٧٢، كما نص بذلك حجر منقوش عرفه الخوري ميخائيل بريك في كنيسة كبريانوس ويوستينة في دمشق، وقيل إن أناسًا من أشرار محلة الميدان ائتمروا فسقوه سمًّا فانتقل إلى جوار ربه.١
وبعد وفاة هذا السعيد الذكر فضل الدمشقيون قسطنطين حفيد مكاريوس على غيره؛ احترامًا لقدر جده وإكرامًا لورع والده الخوري بولس واعتبارًا لصفاته الممتازة، فقد كان فصيحًا لبيبًا ذكيًّا فاضلًا. وقد ذكره قسطنديوس القسطنطيني بقوله: «وأما الدمشقيون فنظرًا لميلهم ومحبتهم للمغبوط مكاريوس وقيامًا منهم بحق الشكر وعرفان الجميل والمنة لفضله الوافر في نجاح الكرسي وتقدمه انتخبوا حفيده بصوت واحد وهو ابن الخوري بولس ابن البطريرك مكاريوس السعيد الذكر، ودعوه كيرلس في شرطونيته وارتقائه إلى السدة البطريركية. ومع حداثة سنِّه فإنه كان فصيحًا لبيبًا متصفًا بتعقُّل الشيوخ وحكمتهم.»٢
وجاء لصاحب تاريخ أبرشية بيروت٣ أن الدمشقيين استصدروا براءة لكيرلس، فلما وصلت شرطنه بطريركًا كلٌّ من غريغوريوس متروبوليت حوران ورومانوس متروبوليت الزبداني ولاونديوس متروبوليت صيدنايا وجرمانوس متروبوليت بمفيلية، وذلك في الثاني من تموز سنة ١٦٧٢. وإن قيل كيف أن أساقفة الكرسي وآل دمشق اختاروا هذا الرجل الحدث السن جدًّا مع أنه كان يومئذٍ في أبرشية الكرسي الأنطاكي أكثر من عشرين أسقفًا؟ ألعله لم يكن بينهم كُفُؤ للبطريركية إلا هذا الحدث السن؟ فنجيب: بلى، إنما انتُدب هذا وشُرطن لثلاثة أسباب؛ أولًا: احترامًا لقدر جده البطريرك مكاريوس الذي جاهد جهادًا عظيمًا بوفاء ديون كثيرة وانتظمت في أيامه الأبرشية كلها أكثر من أيام سلفائه. ثانيًا: إكرامًا لورع والده الخوري بولس، وكان هو وولده محبين للدمشقيين ومحبوبين منهم جدًّا، وكان هذان الفاضلان ملازمين للقلاية البطريركية، وكانت مداخيل كراسي الأبرشية بيد والده الخوري بولس مع جميع متخلفات جده، وليس لأحد سواه معرفة بذلك. ثالثًا: ولئن كان كيرلس حدث السن إلا أنه كان كامل العقل متجملًا بالفضيلة متأدبًا فصيحًا لبيبًا؛ فهذه الأسباب الثلاثة كانت تمنع البعض من الأساقفة وسائر المسيحيين وتبكمهم عن التكلم غير اللائق بحقه؛ إذ كانوا مشمئزين منه لحداثة سنه.

نيوفيطوس (١٦٧٤–١٦٨٤)

ولم يرضَ آخرون ولعلهم الأكثرية عن الخروج على القانون والتقليد، فطعنوا في حداثة سن كيرلس، ونددوا بانتخابه غير الشرعي، وقدحوا في شرطونيته غير القانونية وازدروا بإقامته بطريركًا بصولة السلطات الزمنية. واتفق أن اجتاز دمشق في أثناء هذه المشادة البطريرك الأوروشليمي دوسيتيوس الثاني العالم الشهير والحبر الجليل، ونزل ضيفًا على الدار البطريركية فتسنى له أن يتعرف إلى كيرلس في أوائل عهده في البطريركية. وتحقق بذاته دور الحداثة الذي كان كيرلس لا يزال فيه، فقال عنه إنه «الطفل الصغير»، وإنه «بسطوة السلطة الغاشمة وجبروتها قد جلس على الكرسي.»٤
واجتمع دوسيتيوس بنيوفيطوس متروبوليت حماة فأظهر له نيوفيطوس عدم الرضا عن شرطونية كيرلس وبطريركيته لمخالفتها القانون، وقدم المطارنة عريضة بالعربية إلى الكنيسة المسكونية يشكون فيها أمر كيرلس ووصوله إلى السدة الرسولية الأنطاكية، فعقد البطريرك المسكوني ديونيسيوس الرابع في أوائل تشرين الثاني من السنة ١٦٧٢ مجمعًا برئاسته وبحضور البطريرك الأوروشليمي، وبعد أن اطَّلع المجمع على عريضة مطارنة الكرسي الأنطاكي وعلى رسائل أخرى شتَّى أصدر بناءً على قانون الرسل ٣٠ والمجمع المسكوني السابع ٣ ومجمع قيصرية ١١ ومجمع ترولو ١٤ قراره بالإجماع بخلع كيرلس وطرده من الكرسي الأنطاكي،٥ ثم رشَّح مجمع القسطنطينية للسدة البطريركية الأنطاكية الشاغرة كلًّا من نيوفيطوس متروبوليت حماة وغريغوريوس متروبوليت قيصرية وأفجانيوس متروبوليت خريستيانوبوليس. وأخيرًا تم انتخاب نيوفيطوس بالإجماع، فطلب رجالات الكرسي الأنطاكي إلى نيوفيطوس أن يتوجه إلى القسطنطينية ويتقلَّد البطريركية بموجب كتاب منهم. كما أن المجمع نفسه استدعاه إلى المدينة الممتلكة، فقام نيوفيطوس إلى القسطنطينية فأقيم فيها بطريركًا على أنطاكية، وبعد انقضاء عام تقريبًا على تنصيبه جاء إلى دمشق وتولَّى زمام الكرسي البطريركي.٦
ثم قام كيرلس إلى القسطنطينية واستصدر براءة سلطانية بالبطريركية وعاد إلى دمشق، فانقسمت الرعية وتفاقم الشر وكثرت المغارم، فعاد نيوفيطوس إلى القسطنطينية واستصدر براءة سلطانية جديدة ورجع إلى دمشق وضبط الكرسي. وبقيت الحال على هذه المنوال تسع سنوات، وترتب على نيوفيطوس دَين كبير فقال له كيرلس: أنا أقضي هذه الديون عنك وأتخلى لك عن اللاذقية وتوابعها تقيم بها وتستأثر بدخلها، فرضي نيوفيطوس بذلك، ودخل اللاذقية واستراح فيها مدة، وكان يوقع «البطريرك الأنطاكي سابقًا»، وبعد أربع سنوات تُوفي ودفن في كنيسة القديس نقولاووس بهيكل مارِ موسى الحبشي.٧
ومن آثار نيوفيطوس اعتراف بالإيمان المقدس لدحض أقوال كلونيوس، فإن الأب ميخائيل نو اليسوعي قابل هذا البطريرك في أيار السنة ١٦٧٣ وشكا إليه أمر الكلوينيين ورجاه تأييد الكاثوليكيين، فحرر نيوفيطوس اعترافًا بالإيمان الأرثوذكسي ووقَّعه معه غريغوريوس متروبوليت حوران وأنطونيوس متروبوليت بعلبك ورومانوس أسقف الزبداني وأربعة عشر كاهنًا وستة شمامسة وعدد من الأعيان. ثم عرض الأب ميخائيل هذا الاعتراف على كل من أرميا متروبوليت صور وصيدا وفيليبوس متروبوليت بيروت، فاشتركا في التأييد والتوقيع.٨

بدء رسالة اليسوعيين وغيرهم

وكانت رومة لا تزال تتطلَّب وحدة الكنيسة عن طريق الخضوع والطاعة لأسقف واحد اعتبرته أسقف الأساقفة، وكانت قد أرهفت لهذه الوحدة غرار عزمها في مجمع تريدنتوم Trent (١٥٤٥–١٥٦٣) وأخذت تتجهز لها وتتذرع، فأصدرت في السنة ١٥٥٣ بولَّة بتأسيس كليات ثلاث في أوروشليم والقسطنطينية وقبرص. وكان غريغوريوس الثالث عشر قد أسس في السنة ١٥٧٦ كلية للموارنة في رومة أيضًا. وكانت فرنسة قد جعلت من أهدافها الرئيسية في الشرق حماية «الدين الكاثوليكي» في أراضي الإسلام وكشف الهم عن أتباعه «وردَّ المسيحيين المشاقين إلى الطاعة.»٩
وأحب أوربانوس الثامن أن يستغلَّ الصداقة القائمة بين فرنسة والسلطنة العثمانية ففاتح حكومة لويس الثالث عشر كلامًا في رد المسيحيين «المشاقين» إلى الطاعة فوافقت، فأصدر أمره إلى الكرمليين والكبوشيين واليسوعيين بوجوب إرسال آبائهم إلى الشرق الأدنى، ولا سيما سورية لرد أبنائها المسيحيين إلى الطاعة، وأوصى لويس الثالث عشر بهؤلاء المرسلين فكتب إلى سفيره في الآستانة المسيو دِه سيزي De Césy وحرر هذا بدوره بالمعنى نفسه إلى قناصل فرنسة في الإسكندرية وصيدا ودمشق وحلب. وبدء المرسلون أعمالهم في حلب أهم مدن سورية ولبنان آنئذٍ وأقربها إلى آسية الصغرى والعراق، وأنشئوا فيها في السنوات ١٦٢٥–١٦٢٧ مراكز لأعمالهم متعاونين في ذلك مع الآباء الفرنسيسكانيين مستبصرين بخبرتهم الطويلة وإرشاداتهم. ثم انطلقوا من حلب فعملوا في دمشق وصيدا وطرابلس وخيوس وإزمير وناكسوس،١٠ «ومارسوا التطبيب مجانًا وتداخلوا مع الأساقفة الكهنة، وترددوا إلى الكنائس الأرثوذكسية وإلى بيوت المسيحيين متظاهرين بالمحبة والوداعة ووحدة الإيمان، ناشرين بين العامة أن معتقداتهم أرثوذكسية لا تختلف بشيء أبدًا عن معتقدات الكنيسة الشرقية ما عدا بعض فروق ليست بذات أهمية، وكثيرون منهم كانوا يحامون ويدافعون عن أمور كثيرة في المعتقدات والطقوس الشرقية يحسبها الغربيون اليوم خللًا وشوائب. وكانوا يظهرون علنًا أنهم ينكرون أهم المعتقدات التي يتمسك بها غير الأرثوذكسيين؛ وهذا ما حمل البطريرك أفتيميوس الرابع الصاقزي أن يأوي البعض منهم إلى دار البطريركية.»١١ وسمح لهم أن يُعلِّموا أبناء الطائفة، وأن يُمارسوا سرَّ الاعتراف في الكنائس الأرثوذكسية، وأن يزوروا منازل المسيحيين.
وألقى هؤلاء المرسلون بذار تعاليمهم بوساطة سر الاعتراف، فلم يطلبوا من السذج وجمهور المؤمنين الأرثوذكسيين سوى إيمان آبائهم وقرارات مجامعهم. ولكنهم صارحوا المثقفين في ظروف معينة وأوجبوا رجوعهم عن الخطأ، وإليك ما كتبه أحد الآباء اليسوعيين في السنة ١٦٥٠ عن طريقتهم في اجتذاب النفوس:
عندما يأتي أرثوذكسي ليعترف عندنا نسأله إذا كان يؤمن بما علم به الآباء اليونانيون: باسيليوس وأثناسيوس وغريغوريوس والذهبي الفم والدمشقي، فجيب نعم، فنسأله ما إذا كان لا ينبذ ويلعن كل تعليم يتفق وما علم به هؤلاء الآباء القديسون، فيجيب نعم. ولما كان دستور إيمانهم لا يختلف عن دستور إيماننا إلا بالكلمة «والابن»، ولما كنا نحن نعتبر هذه الكلمة مجرد تفسير للدستور، فإننا نسأله ما إذا كان لا يفهم الدستور كما فهمهم آباء الكنيسة والمجامع المقدسة، فيجيب نعم. وعندئذٍ يتلو الدستور ونحله. وجميع الأرثوذكسيين الأذكياء المتعقلين يعترفون بتقدم البابا؛ لأنهم يقرءون في كتبهم كيف التجأ الذهبي الفم في أثناء محنته إلى البابا، وكيف أعاده البابا إلى كرسيه مهددًا الإمبراطور والإمبراطورة بالحرم، ويستنتجون عندئذٍ أن الأرثوذكسيين والإمبراطور نفسه خضعوا في عهد الذهبي الفم إلى البابا.١٢

وهكذا فإنه بينما كان الرؤساء الأرثوذكسيون يتخاصمون ويشقُّون الطائفة، كان هؤلاء المرسلون اللاتينيون يعملون لتقريب العقول والقلوب من رومة وحبرها، وكان سفراء الدول الكاثوليكية وقناصلها يعضدونهم بكل ما أمكنهم من الوسائل لتنفيذ رغبة رومة في «الكثلكة»!

أثناسيوس الرابع (١٦٨٦–١٦٩٤)

وترملت أبرشية حلب وجَدَّ أبناؤها في التفتيش عن إكليريكي لائق، فاهتم المرسلون اللاتينيون للأمر ووجهوا الأنظار شطر المدينة المقدسة مشيرين إلى بروكوبيوس رئيس دير بيت لحم. وكان بروكوبيوس (أو بائيسيوس) قد أبصر النور في دمشق من والِدَين أرثوذكسيين، فنشأ فيها باسم بولس الدباس وتعلَّم عند الآباء اليسوعيين، فقال قولهم في الإيمان، ثم دخل معترك الحياة فاحترف الخياطة مدة من الزمن. وكان جميل الصورة «فخاف على عرضه من الأناس الأردياء.» ورحل عن دمشق إلى أوروشليم لينذر نفسه لله، فلبس الأسكيم في دير القديس سابا وأتقن اللغة اليونانية والعلوم الدينية وسِيم قَسًّا ثم نصِّب رئيسًا على دير الروم في بيت لحم، واتصل بالرهبان الفرنسيين «فتجدد فيه الإيمان الروماني وتمكن منه بعد تراخيه من معاشرة المشاقين.»١٣ وأَمَّ أراخنة حلب المدينة المقدسة تبركًا واتصلوا بمرشح المرسلين فوجدوه وديعًا بشوشًا بارعًا في العلوم الدينية متضلعًا باللغتين العربية واليونانية، فرغبوا في انتدابه لأسقفية حلب وأقنعوه أن يترك الدير ويرافقهم مارًّا بدمشق ليشرطن فيها. فلما وصلوا إلى دمشق وبحثوا الأمر مع البطريرك كيرلس رضي ثم عدل،١٤ فحقد الحلبيون وتحرك الرهبان الفرنسيسيون «وأرادوا أن يقيموا بروكوبيوس بطريركًا على أنطاكية لأجل تمكُّنه في الإيمان الروماني المقدس عوض كيرلس الذي كان مشاقًّا، فسعوا له في ذلك وأقاموه بطريركًا بأمر السلطان.»١٥ وكان لبروكوبيوس خال اسمه ميخائيل شامبذيم طرزي من ذوي الوجاهة،١٦ فقام إلى القسطنطينية حاملًا محضرًا موقعًا من وجهاء الطائفة في حلب، وكتب توصية من بعض قناصل الدول الإفرنجية في حلب إلى سفرائهم في القسطنطينية. فلما وصل إليها عرض أوراقه على المجمع، فعزل المجمع كيرلس واستصدر لبروكوبيوس أوامر سلطانية على ما جرت به العادة.١٧ وعاد الخال إلى دمشق وأطلع حاكمها وقاضيها على الأوامر السلطانية. وكان كيرلس يطوف في الأبرشية، فتم في غيابه انتداب بروكوبيوس بطريركًا على أنطاكية يوم الأربعاء في ٢٥ آب سنة ١٦٨٦ بحضور ثلاثة من المطارنة هم لاونديوس مطران صيدنايا، ويواصف مطران نابلس، ومطران حوران. ودعي أثناسيوس، فلما نمى خبر ذلك إلى كيرلس أرسل إلى الآستانة واستحضر أوامر وبراءة سلطانية شريفة ودخل دمشق ووضع يده على دار البطريركية. وأما أثناسيوس فسكن في أمطوش مار ميخائيل ثم انتقل إلى حلب.
وفي العاشر من نيسان سنة ١٦٨٧ كتب أثناسيوس إلى سفير فرنسة في القسطنطينية يؤكد أنه نشأ كاثوليكيًّا في دمشق بفضل الآباء اليسوعيين، وأنه أرسل منذ بضعة أشهر اعترافه بالإيمان الكاثوليكي على يد الآباء الفرنسيسيين إلى الحبر الأعظم، ثم يرجو السفير أن يكون بظل حماية ملك فرنسة، وأن يستمد هذه الحماية في وقت الضرورة، وأن يحظى بها حينما يطلبها، ويضيف أنه يلتمس مراقبة خصومه خصوم الكنيسة الرومانية ومنعهم عن إيقاع الضرر به لدى الباب العالي.١٨
وصورة اعتراف أثناسيوس بالإيمان الكاثوليكي كُتبت في الرابع من تموز سنة ١٦٨٦ قبل وصوله إلى البطريركية بسبعة أسابيع، وعنوانها: «صورة اعتراف أثناسيوس البطريرك الأنطاكي على جماعة الروم». وإليك مقتطفات منها أثبتها الخوري قسطنطين الباشا في كتابه «تاريخ الطائفة الملكية» نقلًا عن الأصل المحفوظ في رومة:
أنا أؤمن إيمانًا ثابتًا وأعتقد بكل ما تحويه فصول الأمانة المستعملة في الكنيسة المقدسة الرومانية … ثم بالمجمع القسطنطيني الرابع وهو الثامن من المجامع العامة، وأعتقد أن فوطيوس اترفض فيه واتحكم عليه بعدل وحق، وأن القديس أغناطيوس ارتد مكانه في الكرسي القسطنطيني … وبالمجمع الفلورنتيني، وأعتقد بجميع الأمور المحددة فيه؛ أعني الروح القدس هو أزلي من الآب والابن وله ذات وماكث مع الآب والابن معًا، وعلى الدوام وهو منبثق من الاثنين كمن مبدأ واحد ونفخة واحدة. ولأجل ذلك إن القول من الابن قد وضع في الأمانة ضروريًّا وحقيقة حتى يفسر الحق والضرورة العظمى … والآن بحريتي وحسن رضائي من كل قلبي أعتقد بها وبالحقيقة والصدق أتمسك بها سالمة من غير عيب إلى آخر نفَس من حياتي بثبات بعون الله تعالى، وأحفظها وأعترف بها وأحترص على أن تتمسك وتتعلم وتكرز من الذين هم تحت تدبيري ومن رعيتي والخاضعين لي، أنا أثناسيوس البطريرك الأنطاكي على جماعة الروم أوعد وأنذر وأحلف، وهكذا الله يعينني والأناجيل المقدسة والسبح لله دائمًا.١٩
وقامت الشرور والفتن وتحزَّب قسم لهذا وقسم لذاك، وحرم كل منهم الآخر. وفي السادس من حزيران سنة ١٦٨٧ اعترفت رومة بأثناسيوس بطريركًا على أنطاكية «على الرغم من الشذوذ التي أحاطت بانتخابه.»٢٠ «وانتدب سلفستروس الدهان لأسقفية بيروت فَكَرِه أن تكون إقامته على يد أثناسيوس وقال: بطركنا أفرنجي فلا أرضى أن تكون أسقفيتي في يده.»٢١
ونجم عن هذا الشقاق خسائر جسيمة واختباطات واضطرابات، وهدد بعض الأساقفة والأعيان بانتخاب بطريرك ثالث،٢٢ «فحزن أثناسيوس من هذه الأمور ومن نفقات السياسة، وأحب السلام والهدوء للكنيسة فتنازل لكيرلس في شهر تشرين الأول سنة ١٦٩٤.»٢٣ وتصالح الطرفان على أن تكون البطريركية لكيرلس، وأن تعطى أبرشية حلب لأثناسيوس يقيم فيها ويعيش من دخلها ودخل إدلب وكلس، وعلى أن يحتفظ بلقب بطريرك إلى أن يتوفى أحدهما فينفرد الآخر بالبطريركية ولا ينتخب لها غيره، وتقرر هذا كله في مجمع الأساقفة ووافق عليه عموم أهالي دمشق وحلب،٢٤ ولكن رومة لم ترضَ عن هذا الوفاق، ولم يعترف حبرها أنوشنسيوس الثاني عشر به، بل حضَّ أثناسيوس على العودة إلى الكرسي البطريركي.٢٥
وبعد أن تم الصلح بين كيرلس وأثناسيوس قام أثناسيوس إلى القسطنطينية والبغدان والفلاخ يستعطف المسيحيين. وذلك في شهر آذار سنة ١٧٠٠ وفي أيام الأمير «الحسن العبادة» قسطنطين، فعطف الأمير وقدم الهدايا، ولما عرف أن كتب الكنيسة الأنطاكية لا تزال مخطوطة أخذته الغيرة فأمر بصنع حروف عربية وتشرفت الطباعة العربية بطبع الليتورجية الأرثوذكسية وكتاب السواعي،٢٦ ولما عاد أثناسيوس إلى حلب اصطحب هذه المطبعة معه، ثم نقلت منها إلى دير البلمند، والتقليد البلمندي يفيد أن هذه المطبعة انتقلت فيما بعد إلى دير مار يوحنا الشوير مع من أَمَّه من الرهبان الموالين لرومة،٢٧ أما التقليد الحناوي الشويري فإنه يجزم بأن المطبعة الشويرية نشأت مستقلة بهمة الشماس عبد الله زاخر.٢٨

اصطلاحات كيرلس الثالث

واستتبت الراحة بعد الصلح وساد السلام في دمشق ومعظم الأبرشيات، فوجَّه كيرلس أنظاره إلى تدبير أمور الرعية، وكان صاحب نفوذ عند الحكام ومحبوبًا عند الجميع من مسيحيين وغير مسيحيين فوسَّع الكنيسة الكاتدرائية في دمشق وزيَّنها وزاد في بنيان البطريركية، ورفع عن المسيحيين مظالم عديدة، وأقام عنده اثني عشر وكيلًا علمانيين من الوجهاء وأصحاب الدراية والغَيرة ليشتركوا معه في النظر في شئون الملة وتدبير أحوالها ويهتموا في مساعدة الفقراء وفي العناية بالأوقاف والكنائس.٢٩

رومة تكمل رسالتها

واستمسك أثناسيوس بالصلح ولم يسعَ للعودة إلى الكرسي البطريركي، فقامت رومة تكمِل خطتها، وفي السنة ١٦٩٧ خصَّ الأب اليسوعي فيرسو Verseau دير البلمند بعنايته؛ لأنه كان آهلًا بالرهبان «وكان للشقاق شأن عظيم فيه بحيث يتناول كل ملة الروم». وحاول الأب فيرسو الدخول إلى البلمند لإيضاح الإيمان الكاثوليكي مرارًا ولكنه أخفق، ثم شعر اثنان من تلاميذ الآباء اليسوعيين بالدعوة الرهبانية واختارا البلمند لخدمة الله فيه، «فأخذ الأب فيرسو يزورهما ويرشدهما منبهًا إلى ما في هذا الدير من خطر»، ثم تحقق أنهما راسخان في الكثلكة فاتخذهما وسيلة للدعاية الرومانية بين الرهبان فأكثر من زياراته للدير، وتعرف بسائر الرهبان، وصار يدخل ويشترك في اجتماعاتهم الديرية بدون مانع، «ولكي يرضيهم جميعًا» كان يمدح القديس باسيليوس الكبير ويتلو عليهم أخباره، ثم وضع بين أيادي صديقيه مؤلفات الأب كليسون Clisson والأب نو Nau،٣٠ وفي السنة ١٧٠٤ تقدم خمسة من رهبان البلمند بطلب وجَّهوه إلى مجمع انتشار الإيمان جاء فيه ما يلي:
نعرض لجلالتكم البهية أننا نحن عبيدكم مقدار خمسة أنفار من ملة الروم العرب رهبان من طريقة القديس باسيليوس الكبير، قد تربينا منذ صبانا في الديانة الكاثوليكية خاضعون دائمًا للحَبر الأعظم الكلي قدسه، إلا أننا في هذه الديارة لم نوجد إطلاق وعتق لتكميل السيرة لأجل خلاص النفس كما ينبغي في مذهب الرهبانية؛ لعدم تركين البلاد وتسلط الأمم عليها وعدم نظام أحوال الديورة والرهبان. فأعرضنا حالنا على جلالتكم السنية حتى إن رسمتم تمنوا علينا وتأمرونا بأن نحضر لعندكم لذلك الطرف، نستمن فضلكم بأن تمنوا علينا من إحسان الكنيسة المقدسة بمكان حقير نتآوى فيه وحدنا داخل رومية أو خارجها، وتتصدقوا علينا هناك بالقوت الضروري والشرب الزهيد كفاف الجسد اللطيف لا غير، حتى نخدم الله بمُكنتنا على الإمكان وندعي لجلالتكم السامية البهية. سطر في دير البلمند من أعمال طرابلس الشام في أول تشرين الثاني سنة ١٧٠٤، عبدكم مكاريوس الكاهن في الرهبان، عبدكم جرمانوس الكاهن في الرهبان، عبدكم الحقير حنانيا الكاهن في الرهبان، عبدكم الحقير نصر الله الكاهن في الرهبان، عبدكم جرجس الشماس في الرهبان.٣١

دير مار يوحنا الشوير

وفي هذه الآونة نفسها وصل إلى البلمند شابان حلبيان راغبان في التبتل والزهد، فنصح لهما الأب نصر الله الحلبي «أن يذهبوا إلى جبل لبنان ويفتشوا على مطرح خالي، وبعده نحن نجي إلى عندكم ونعمل رهبنة قانونية؛ لأن في هذا الدير الإنسان ما يحسن يعيش في حرية الإيمان؛ لأن فيه أناس معاندين وعشرتنا معهم لا تصلح. فسمعوا من شوره وراحوا حوشوا دير الذي يقال له مار يوحنا الشوير وأرسلوا أخبروهم عنه.»٣٢

وكان هذا الدير حقيرًا في بَدء عهده لا يشمل سوى كنيسة صغيرة على اسم يوحنا الصابغ وغرفة حقيرة أوى إليها زاهد من أبناء أسرة صوايا الشويرية، وكانت الشوير تَئِنُّ من مشادة عنيفة بين أسرتيها الكبيرتين آل مجاعص وآل صوايا، فلما نشب الخلاف بين البطركين أثناسيوس وكيرلس وتحزَّب قسم لهذا وقسم لذاك، أيَّد آل مجاعص كيرلس، فانبرى آل صوايا لمناصرة أثناسيوس. وشد أزر آل مجاعص معظم العائلات الشويرية فامتنع آل صوايا عن الصلاة في كنيسة السيدة كنيسة القرية وأخذوا يصلون في كنيسة مارِ يوحنا المشار إليها، وهكذا فليس نسبة دير مار يوحنا إلى مجرد وقوعه في خراج الشوير، بل إلى الزاهد الشويري المؤسس وإلى أنسبائه الشويريين الذين اتخذوا من كنيسته معبدًا لهم وحموا مَن التجأ إليه من الرهبان القائلين بطاعة رومة.

رجل رومة الأوحد

وواحد الآحاد في طاعة رومة والخضوع لأسقفها أفتيميوس الصيفي متروبوليت صور وصيدا (١٦٨٢–١٧٢٣)، هو ميخائيل بن موسى الصيفي. ولِد في دمشق في حوالي السنة ١٦٤٣ ونشأ فيها، وتعلم في مدرسة الطائفة في دار البطريركية ولقي عطفًا خصوصيًّا من الخوري جرجس بريق فتشرَّب الكثلكة في حداثته، وكان الخوري جرجس المذكور قد سافر إلى رومة وتخمَّر فيها بالكثلكة. ولمَّا شب ميخائيل تردد على دير الآباء اليسوعيين والكبوشيين فجذبوه إليهم وزادوه طاعة وخضوعًا، وتقرب إلى نيوفيطوس الصاقزي النائب البطريركي فأخذ اليونانية عنه وفن الموسيقى الكنسي البسلطيكة. ولعل نيوفيطوس نفسه رسَّم ميخائيل شماسًا إنجيليًّا في السنة ١٦٦٦ ثم كاهنًا.

وتُوفي أرميا متروبوليت صور وصيدا في حوالي السنة ١٦٨٠ فحضَّ المرسلون اللاتينيون أعيان الروم في صيدا على انتداب الخوري ميخائيل صيفي. ورضي البطريرك كيرلس الثالث فسامه مطرانًا على صور وصيدا في السنة ١٦٨٢ ودعاه أفتيميوس، وأول عمل همَّ به هذا الأسقف الجديد أنه أسرع فأرسل مع الأب أكورسيو الكبوشي صورة اعترافه بالإيمان الكاثوليكي إلى البابا أنوشنسيوس الثاني عشر، والأب أكورسيو Accursio كان معلم اعتراف الأسقف الجديد في دمشق، ومما جاء في هذا الاعتراف ما يلي:
لقد رفضت ضلال الروم وشقاقهم منذ زمان واعترفت بالإيمان الكاثوليكي بين أيادي الرهبان المرسلين في دمشق، والآن وقد صرت بنعمة الله مطرانًا على كرسي صور وصيدا فيجب عليَّ تقديم الطاعة الواجبة لحضرتكم والاتجاه إلى كرسيكم المقدس اقتداءً بالآباء القديسين أثناسيوس الكبير ويوحنا الذهبي الفم، وسائر الآباء القديسين الذين قبلتهم الكنيسة الرومانية وقت جهادهم واضطهادهم، ولا ينبغي أن أذكر ما احتملته من النفي والحبس والإهانة وخسارة الأموال والتعدي عليَّ من الإسلام بسعاية البعض من الروم وإكليروسهم، ولا سيما بطريركهم المدعو كيرلس وذلك لأجل اعترافي بالإيمان الكاثوليكي.٣٣
وكانت أبرشية صور وصيدا واسعة، ولكنها غير عامرة، فعمل الأسقف الجديد على تعميرها بتشجيع النزوح إليها. فاتفق في أيَّار السنة ١٦٨٦ مع أعيان الروم في صيدا على أن يكتب إلى من أراد من النصارى ليدعوهم للإقامة في صيدا، واستكتب قاضي الشرع صكًّا بذلك لا يزال محفوظًا حتى يومنا هذا.٣٤ ثم جدد بناء كنيسة صيدا بماله الخاص وحرر صكًّا رسميًّا بذلك في الحادي عشر من نيسان سنة ١٦٩٠. ولا يخفى أن مثل هذا الصك كان ضروريًّا؛ لأن الشرع الإسلامي حرَّم تشييد الكنائس والصوامع، وأجاز ترميم القديم وإبقاءه على قدمه.٣٥
وأهم ما قام به أفتيميوس في هذه الفترة الأولى من ولايته أنه أنشأ الرهبانية المخلصية لنشر مبدأ الاتحاد مع رومة والخضوع لأسقفها. وبدأ هذا العمل في صيدا حيث جمع قبل السنة ١٧٠٠ عددًا من الرهبان ليعيشوا معه في مزرعة مشموشة بالقرب من جون عيشة مشتركة قانونية. ويرى الأب قسطنطين الباشا المخلصي أن تلاميذ المطران كانوا في أواخر القرن السابع عشر لا يقلون عن عشرة، وأنهم لم يستطيعوا الإقامة في صيدا وجوارها بدون أن يتعرضوا لكل تهمة ولكل بلاء من الجند وسواهم، فاستأجروا مزرعة مشموشة من صاحبها الشيخ قبلان القاضي ليقيموا فيها ويستغلوها. وما فتئوا كذلك حتى تمَّ لهم بعناية المخلص إقامة ديرهم على اسمه في السنة ١٧١١، ورتب أفتيميوس لرهبانه قانونًا خصوصيًّا ذاع وشاع بين الناس في حياته حتى بلغ حلب، ولا تزال رسالته إلى أحد أصدقائه في حلب تحفظ بعض ما اصطلح عليه الرهبان المخلصيون في بداية عهدهم وبعض ما جاش في صدر أفتيميوس من مبادئ. وكان صديق المطران قد كتب يعترض على ما أباحه المطران لرهبانه من أكل الزفر والسمك في الصيام، فأجابه:
ليس خافيًا عن معرفتكم إن كان تأملتم ورأيتم ضعف الملة وانحطاطها ثم افتقارها للمعارف الضرورية والعلوم الروحية. وقد رأينا الكثيرين من النحيفي المزاج ذوي غيرة صالحة ولهم بعض معارف، أرادوا يصرفوا حياتهم بعيشة طاهرة مرتبة بحفظ الثلاث نذور التي هي أسس الرهبنات كلها لكي ينفعوا ملتهم بعلمهم وعملهم، فاستمضوا الدخول إلى الرهبنة لأجل خشونة معاشها الآن عندنا وتخلفوا عن تكميل قصدهم الصالح. فلما تحققتُ أنا الحقير أن هذا السبب الجزئي مانع لذلك الخير الكلي استعملت أنا الحقير سلطان الحل والربط المعطى لي من الله ومن كنيسته لإطلاق أمر، بل لإطلاق جبر مفهوم عند الجميع بسبب وضعه ودخوله، وذلك حتى تكون العبادة في هذا المعنى أمرًا اختياريًّا لا اضطراريًّا، وليس كما هو الآن مستعمل من الآخرين جهرًا ومرفوض من الأكثرين سرًّا. وحتى أيضًا لا نماثل قساوة بعض الرعاة السالفين الذين استعملوا سلطانهم بالربط لا بالحل، وأحرى أن أقول باللعنة لا بالبركة الذين صدق فيهم قول الله بلسان ميخا: «أكلوا لحم شعبي وكسروا عظامهم.» فلهذا نرى حالتهم وقد سببوا خسرانًا عظيمًا على هذه الطريقة الطاهرة وعلى الأمانة المسيحية الفاخرة، فأنا أيضًا نيتي أن أتفق هكذا فيكون مثل هؤلاء مفترقين عن الرهبان الآخرين بسكنى والمعاش فقط ومتفقين معهم بحفظ الثلاث نذور وبقية القوانين الأخَر إذا كانوا كلهم تحت طاعة رئيس واحد، وإن لم يوجد من تكمل بهم نيتنا فتكون حجة الله على المتعنتين.٣٦

أفتيميوس أسقف الخاضعين لرومة (١٧٠٢)

وأبى بعض الأساقفة الضيم الذي حلَّ بالكنيسة من جراء الشقاق، وعصفت في رءوسهم النخوة فكتبوا إلى أفتيميوس في حوالي السنة ١٦٩٤ ليكون عليهم رئيسًا فتصبح الرعية لراعٍ واحد.٣٧ ثم تمَّ التفاهم بين أثناسيوس وكيرلس وأصبح كيرلس البطريرك الأوحد فطوى فؤاده على عرقلة أعمال المرسلين وعدم تسهيل أمورهم، وامتنع عن إعطاء سلطان الاعتراف إلى الكهنة الذين صادقوا المرسلين وعملوا بإرشاداتهم، ودخل أثناسيوس في دور التراجع عما وعد رومة به في بادئ الأمر. وتولى السدة الرومانية في السنة ١٧٠٠ إقليمس الحادي عشر (١٧٠٠–١٧٢٠)، فكتب أفتيميوس يهنئ البابا الجديد ويجدد خضوعه. وفي الرابع والعشرين من شباط سنة ١٧٠١ أعد رسالة ثانية أوضح فيها أحوال البطريركية الأنطاكية، وطلب أن يكون «وكيل البابا في الشرق» ليعطي سلطان الاعتراف للكهنة الكاثوليكيين خارج أبرشيته، وأشار إلى رغبة المطارنة في تنصيبه بطريركًا على أنطاكية وأرفق الوثيقة التي وقعوها، ولكنه قال إنه قصير اليد واللسان لا يتمكن من إجابة طلبهم؛ لأنه يتعلق «بسلطان المسلمين»؛ ولذلك فإنه يطلب «سلطان الذمة» فقط.٣٨
وبحث مجمع انتشار الإيمان طلب أفتيميوس في جلسة عقدها لهذه الغاية في السادس من كانون الأول سنة ١٧٠١، فأجاب طلب متروبوليت صور وصيدا لمدة سبع سنوات بقرار رفعه إلى البابا. وأجاز إقليمس الحادي عشر قرار المجمع وأمر بالعمل بموجبه، فوردت على أفتيميوس الرسالة التالية:
إلى السيد أفتيميوس مطران صور وصيدا والروم في كل البطريركية الأنطاكية، حيث لا يوجد أساقفة كاثوليك. نهار الأربعاء في ١٩ تموز سنة ١٧٠٢ في المقابلة العادية لحضرة الأب المحترم المساعد منح الأب الأقدس حسبما عرض هذا عليه للطالب المذكور هذه الحقوق لمدة سبع سنوات، بحيث لا يستطيع أن يمارسها قطعًا خارج حدود البطريركية المذكورة، ولا في الأبرشيات التي يوجد فيها أساقفة كاثوليك.٣٩

كتاب «الدلالة اللامعة» (١٧١٠)

وكان الأب ميخائيل نو Nau اليسوعي قد لجأ إلى التأليف لإقناع الروم بالخضوع والطاعة لرومة وصنف في عهد البطريرك مكاريوس كتابًا أسماه «احتجاج كنيسة الروم المقدسة في استقامة إيمانها وحسن اعتقادها.» فلم يقف الآباء الأرثوذكسيون موقف القنوع، ولا سيما رهبان القبر المقدس، فنقلوا إلى العربية في مستهل القرن الثامن عشر رسالة زخريا أسقف أدنة في الدفاع عن التقاليد المقدسة وإيضاح منهاج رومة وكشف المورَّى من أساليبها، ثم وزعوه في أبرشيات أنطاكية، فاضطربت به الألسنة وتداولته الرواة. فكتب أفتيميوس في العاشر من حزيران سنة ١٧٠٤ إلى مجمع انتشار الإيمان يقول: «إن أصحاب أبرشية أورشليم المشاقين أحضروا كتاب زخريا جرغانو أسقف أدنة المفعم تجاديف ضد رأي كنيسة رومة وأخرجوه إلى العربية وبثوه في بلادنا بأبرشية الكرسي الأنطاكي ليسقوا السم الذي هو داخله.» وأضاف أفتيميوس أنه عُني بوضع كتاب يرفع شرف الكنيسة الرومانية المقدسة ويخزي مَن عاكسها، وطلب إمداده بمصنفي يوحنا كاريوفيلوس Cariafili في الرد على زخريا والرد على نيلس التسالونيكي، وبِكُتبِ بساريون متروبوليت نيقيا (الكردينال أوبوسكولا) وكُتبِ ديمتريوس خيدونس وكتاب بطرس الكورفوي في خدمة الأسرار والمطهر؛ لأنها لازمة له. وأرسل أفتيميوس مخطوطه إلى رومة فوافقت عليه بإشراف الكردينال بربريني، فظهر «كتاب الدلالة اللامعة بين قطبي الكنيسة الجامعة المشتمل على اتفاق كنيسة الروم الأرثوذكسية الشرقية مع كنيسة رومية الجامعة الغربية واتحادهما برأي واحد وأمانة واحدة مسيحية» بنفقة مجمع الإيمان برومة سنة ١٧١٠.٤٠
ووزع هذا الكتاب توزيعًا فهب أيكونوموس كنيسة حلب ورد عليه برسالة في السنة ١٧١٢ بقيت خطية فيما يظهر. وهذا الأيكونوموس كان في عرف أفتيميوس «صاحب معرفة وحافظًا لطقوس الروم بالكمال ومؤيدًا لها ومناصرًا.»٤١ ولفت كتاب الدلالة اللامعة أنظار البطاركة والمطارنة الأرثوذكسيين فأشاروا إليه في الحرم الذي وضعوه في السنة ١٧١٨ على أفتيميوس ومن تاه معه؛ لأنه «أنشأ كتبًا من ذاته، واجتذب شهادات كما رأى ونسبها إلى الكنيسة المقدسة الشرقية.»٤٢

تحفُّز أفتيميوس وتحزُّمه

وفوَّض أفتيميوس أمره إلى هواه فرأى في أيلول السنة ١٧١٣ أن «أبرشية أنطاكية أرض صالحة بدها فلاحين»، وأن كيرلس بطريركها «رجل عادم العلم يبغض الكنيسة الرومانية»، ولكنه لا يجرؤ على تقديم الطاعة قبل بطريرك القسطنطينية والإسكندرية، ورأى أن أسقف صيدنايا جراسيموس الشامي «رجل على باب الله قداسه برطل نبيذ وما دام النبيذ في قلايته المسيح راضي عليه»، وأن أسقف معلولا وقارة «قبرصي هرطوقي معاند»، وأن أسقف بعلبك «قبرصي سالم من الغرض إن أسعده الله بمعلم ربما يوافق بكلما نريد»، وأن أسقف حمص «عاجز بالدين والدنيا»، وأن أسقف حماة «قبرصي قوي بالكفر وبسب الدين للكنيسة ولنا، ومنذ سنتين حضر عندنا في أشغال له فأكرمناه وأعطيناه إحسان وافر ونصحناه بقدر الإمكان، ومنذ ذلك اليوم أبطل المسبات، ولكنه باقي على كفره»، وأن مطران بيروت «كان سابقًا يصدق بالكنيسة ويكرم ويمجد كنيسة الروم، ولأجل ذلك أسدينا إليه بعض إحسانات وطلبناه إلى صيدا وعرفناه النقص والغلط الذي وقعت فيه كنيسة الروم بعد الانشقاق»، وأن مطران طرابلس «كان سابقًا شهد لنا بعض رهبان من المرسلين أنه كاثوليكي، وأما أنا ما قشعت له علامات الكاثوليكية، وربما يكون أقر بالحق تحت رجاء، فلما انقطع الرجاء منكم عاد كالكلب إلى قيه»، وأن مطران اللاذقية «صاقزلي هرطوقي جاهل بالدين وبالهرطقة ينبح ويقروش بغير وعي»، وأن بطريرك حلب «معروف عند رومة بأنه كاثوليكي ومعروف عندي بأنه مساقل» وأن مطران أدنة «قبرصي عتي عدو الله وكنيسته»، وأن مطران ديار بكر كذلك قبرصي، وأن مطران أرضروم من أيالتها، ومطران القرص من أيالة أرضروم،٤٣ ولا يخفى أن هذه البضاعة كانت رائجة في ذلك الزمان موجودة عند الطرفين.
وهكذا فيكون أفتيميوس أسقف رومة الأوحد في أبرشيات أنطاكية قد حاول اجتذاب المطارنة إلى الكثلكة بأساليب قد لا يكون بعضها مشروعًا.٤٤ وأما اليعاقبة فإن جذبهم كان بعيدًا في نظره «وإنما بطريق القوة أقرب تناول.»٤٥ ويلاحظ هنا أن الاتحاد الحقيقي لا يتم بالمال والقوة، بل بالروح القدس والمحبة التي لا تطلب ما لنفسها ولا تظن السوء، بل تتأنى وترفق وتصدق وتصبر.

كيرلس والكثلكة

وذكر أفتيميوس أن كيرلس البطريرك الأنطاكي كان عزيز الجانب لا تلين قناته لغامز، فخاطبه في موضوع الاتحاد وجادله، ولكن على غير جدوًى. ثم ألح أفتيميوس على قنصل فرنسة في صيدا المسيو بولارد Boulard أن يخاطب البطريرك في الموضوع نفسه ففعل. وكتب الأب لورنسيوس رئيس الآباء الفرنسيسيين في أوروشليم رسالة طويلة إلى كيرلس أخبره فيها عما فعل باسم البابا لإعادة بطريرك الموارنة يعقوب عواد إلى كرسيه وإعادة كل حقوقه وشرفه. ثم أشار إلى ما فعله أحبار رومة للبطاركة والمطارنة الشرقيين من هذا القبيل، وذكَّر كيرلس كيف تظلَّم جده مكاريوس إلى البابا ألكسندروس السابع من جور الأتراك وصلفهم.
ثم أطلت السنة ١٧١٦ فإذا بحبر رومة نفسه يخاطب كيرلس ويدعوه إلى الاتحاد فيقول: بلغنا أن لإخوتك ميلًا عظيمًا إلى الاتحاد ففرحنا ورأينا أن نعظك بصوتنا الأبوي أن لا تهمل هذا الإلهام الصالح، وليكن محققًا عندك أنك ما دمت مفترقًا عن الكنيسة الرومانية تبقى في خطر عظيم وأكيد، ويجب عليك أن تعظَ إخوتك الأساقفة وشعبك ليفعلوا مثلك، ومتى تحققنا أنك اعتمدت على القبول الثابت لإيمان الحبر الروماني نوضح لك حينئذٍ ما يجب عليك أن تفعل.٤٦
فأوضح كيرلس لرئيس الآباء الفرنسيين أن الكنيسة الشرقية تمت ماسكة شروطها وفرائضها المرتبة منذ القديم، فبعد مدة لما ظهرت طقوس وتراتيب غير موجودة في المجامع السبعة الكبار ولا في السبعة الصغار مثل الفطير والانبثاق والمطهر وحظوى القديسين، فلما رأت الكنيسة الشرقية هذه الأمور وحضرة قدس أخونا البابا الذي أبدع هذه الأمور وثبتها وليس هي مدونة في ناموس ولا في قوانين الآباء ولا في المجامع السبعة، فسخت الكنيسة عن الكنيسة الغربية. ومن المجمع السابع إلى الآن الكنيسة الشرقية ماسكة شروطها وما تسلمته من الآباء القديسين وهم باقين على طقوسهم وترتيبهم القديم. وأما قولكم من ميل جدنا المرحوم البطريرك مكاريوس بأن مكتوبه مخطوط في خزانة رومية فليس أنه بعث يطلب التثبيت، ولكن نحن نفهم أنه بعث يخبر قدس عزيزنا وأخونا البابا بسبب القنصل بيكيت ويشهد له عما فعله من الخير في سنة الغلا الذي صار في حلب؛ لأنه كان قد أصرف نحو سبعين كيس دراهم على الفقرا والمساكين. ونسأل الباري تعالى أن يلهمه (أي البابا) حتى يجمع إخوته وأولاده الروحانيين ويخزي الشيطان «من الفريقين».٤٧
ثم وجَّه كيرلس رسالة طويلة في العشرين من آب سنة ١٧١٦ إلى إقليمس الحادي عشر اعتبرها بعض مؤرخي الكثلكة اعترافًا صريحًا بسلطة السُّدَّة الرومانية وقبولًا واضحًا لجميع تعاليمها، ونحن لا نرى فيها سوى اعتراف بتقدم رومة شرط استمساكها بقوانين المجامع المسكونية السبعة، ولعل كيرلس تطرف في الملاطفة فأُخذ كلامه على معنى أوسع مما أراد. ويلاحظ هنا أنه لا بدَّ من أخذ رسالته إلى رئيس الفرنسيسيين بعين الاعتبار؛ لأنها قريبة جدًّا من تاريخ الرسالة إلى البابا. وإليك نص رسالة كيرلس إلى إقليمس:

المجد لله تعالى دائمًا: كيرلس برحمة الله تعالى البطريرك الأنطاكي وسائر المشرق إلى جناب حضرة الأخ الأقدس كير أكليمنضوس البابا الحادي عشر مشرف كنيسة رومية القديمة العظمى حرسه الله لنا زمانًا طويلًا.

إلى قداسة أب الآباء وسيد السادات قابل النعمة ومعطي البركة رأس رؤساء الكهنة الأبرار خليفة بطرس الرسول والإناء المختار، فريد عصره الشائع ذكره بالأقطار، قدوة النساك الأطهار وكنز التعليم وقطب الأربعة الأقاليم إبراهيم في سماحته وإسحاق في وداعته ويعقوب في طاعته ويوسف في عفته وإلياس النبي في غيرته، وأشعيا في فصاحته ودانيال في طهارته وسليمان في حكمته وزخريا في كهنوته ويوحنا الثاولوغوس في أقواله ويوحنا المعمدان في كرازته وفم الذهب في تفسيره وإنذاره.

أما بعد؛ فالذي نعرضه لقدسكم هو أن وصل إلينا مكتوبكم الشريف وقريناه وحمدنا الله تعالى على سلامتكم وأن قدسكم بكل خير. وقد بلغكم من المرسلين بأننا قوي رافعين شأنكم وذكركم غير منقطع عندنا في كل صلاة وقداس إلهي، ونطلب من رب البرية أن يحقق المحبة الروحانية بين الخاص والعام؛ لأن بلا محبة ليسل سلام، لأن يعلم الله غاية قصدنا المحبة؛ لأن قد بلغنا من تلاميذ قدسكم أن كل قصدكم أن تكون المحبة والسلامة مع الإخوة والأولاد الروحانيين إلى كنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية، ولكن باغض الخيرات دائمًا لا يكف ولا يهدأ عن تبلبل الكنيسة حتى إنه من جملة أفعاله أظهر اسم الكنيسة الشرقية والغربية. ولكن في المجمع الأول المسكوني بحضور سلفستروس بابا رومة وضعوا نؤمن بإله واحد، والمجمع الثاني المسكوني كان بحضور دماسيوس بابا رومية، والمجمع الثالث المسكوني كان بحضور كاليستينوس بابا رومية، والمجمع الرابع المسكوني كان بحضور لاون بابا رومية، والمجمع الخامس المسكوني كان بحضور فيجيليوس بابا رومية، والمجمع السادس كان بحضور أغاتون بابا رومية، والمجمع السابع كان بحضور بطرس وبطرس وكلاء أدريانوس بابا رومية … ولم يكن يصير مجمع مسكوني بدون خاطر بابا رومية.٤٨

ومن ذلك الزمان إلى الآن الكنيسة الشرقية تطلب دائمًا وتقول كل يوم: من أجل الكنيسة الجامعة المقدسة الرسولية من الرب نطلب، وما نقول كنيسة غربية وشرقية، بل دائمًا نطلب السلام للعالم جميعه حتى للذين يبغضوننا والذين يظلموننا. هذا كله مطبوع في كتب الكهنة عندكم، ونشكر الله تعالى على أن كنيستنا على إيماننا الذي نحن ماسكينه من السبعة المجامع المسكونية، ونترحم على البابا أفجانيوس الذي قصد المحبة والسلام في زمان المرحوم الملك يوحنا البالالوغوس وعمل المجمع الثامن وقصد به المحبة والسلام والهدوء. ولكن باغض الخيرات حرك الفتن، والروم من طبعهم العناد ما قبلوا، وبعده حركت نعمة الروح القدس البابا نقولاوس أن كل ما تعب فيه وعمله البابا أفجانيوس قد خربوه الروم ركب بذاته إلى مقابل القسطنطينية وأرسل رسله إلى الملك والإكليروس، فما قبلوا كلامه حتى صار فيهم الذي صار ونحن رحنا بسببهم.

نسأل الله المسيح بكل لغة ولسان أن يعطيك الرب الإله أن تجمع الإخوة والأولاد الروحانيين الذين اشتراهم سيدنا يسوع المسيح بدمه الكريم إلى صيرته الحقيقية. ثم إن جدنا المرحوم البطرك مكاريوس بعد حضوره من المصكوف كان غاية قصده الحضور إلى رومية ليعمل محبة وسلامة، ولكن بقي يقول إن الإخوة إذا تقاتلوا ما يبقى أحد عاقل بينهم، وإن رحنا إلى رومية يقول الروم البطرك مكاريوس صار فرنجي، وسابقًا المرحوم جيفالا رئيس أساقفة قبرس لأجل حضوره إلى رومية عملوه بأنه إفرنجي. ربنا يهلك كل من أبدع هذه البدع وفرق الإخوة عن أخوهم الأكبر؛ لأن جميع الناس يقولون الوعاء الكبير يسع الصغير، ولكن كل من قرب إليكم بالظاهر يصير عند الأمم الغربية كافر. وربما بلغكم أخبار بطرك السريان كيف طائفته الأراطقة عملوا معه من المساوي ومات في المنفى وهو بلا شك من القديسين، والأساقفة والكهنة ما خلص منهم إلا القليل، ونحن كنا دائمًا نرسل مكاتيب إلى تلاميذنا الذين هناك بأن يحسنوا إليهم وهم في الحبس ويخدموهم إكرامًا للكنيسة الرومانية، وقنصل فرنسة بحلب لو أنه يعطي خمسمائة قرش ما كان صار فيهم هكذا.

ولكن نحن بقوة المصلوب لما حضر القبجي لعندنا لدمشق وجابنا وقري علينا الخط الشريف وسألنا عن أتباع البابا عندنا وتوابعهم ردينا الجواب عن الجميع، وبقوة الله منعناه وما خليناه يتحرش في راهب ولا قسيس ولا كاثوليكي وخسرنا من كيسنا مبلغ عظيم ربنا يعرف حتى دفعنا الشر عنهم؛ خوفًا من أن تجري العادات السيئة الجارية في غير بلاد. لكن في هذا الزمان جماعتهم خسيسين الله يرحم القنصل بيكيت، في زمانه صار أندراوس بطرك على السريان هو وقف بحملته وتكلف تلك السنة نحو سبعين كيس على الفقراء؛ لأنها كانت سنة غلا شديد. ولما نظروا فعل الخير الذي صنعه أرسل جدنا البطرك مكاريوس وأندراوس بطرك السريان وبطرك الأرمن أخبروا قدس المرحوم البابا بالخير الذي صنعه. فإن كان القنصل طيب ربنا يزيده بركة من فمكم الطاهر، وإن كان تنيح الرب يجعل حظه مع الآباء القديسين، فهكذا كان القناصل يفعلون الخير والناس تميل إليهم وتمجد خبرهم.

وأيضًا المرحوم سلطان فرنسا لما وقع بينه وبين طائفة الإنكليز وقالوا له: نحن تبع الكنيسة الشرقية، بعث طلب اعتقاد الكنيسة الشرقية، فكتب له جدنا البطرك مكاريوس عشرين بابًا في اعتقاد الكنيسة الشرقية، وفي أثناء ذلك تُوفي جدنا وانتخب الحقير مكانه والمكاتيب ما كانوا بعد توجهوا فبعثوها إلينا فأمضيناها وحققنا قوله.

وإن شاء الله ما تكون الكنيسة الشرقية ناكرة كنيسة رومية ولا آخذتها بأنها محدثة، وهذا مدون في كتب الكنيسة عندنا، وأن بابا رومية هو الأخ الأكبر، وتذكارات الباباوات في أعيادهم الممتازة موجودة في الكنيسة الشرقية.

ولكن هذه الأمور الموجودة اليوم في هذا الزمان ما كانت في القديم؛ لأنه لما ظهر معلمين النجم والرصد فهذه العشرة أيام صار فيها شقاق عظيم؛ إذ يكون مسيحي صائم ومسيحي فاطر. وطائفة الموارنة أعرضوا لديكم بأنهم قلائل والروم ما تجوزهم والأمم ما يجوزوهم، فلكونكم مباركين وما تعرفون الكذب صدقتموهم، فقالوا إن قدس البابا أعطانا دستور أن نتجوز على أربعة وجوه. وأيضًا العلماني إذا ماتت حرمته يتجوز غيرها ويعملونه كاهن. وبهذه الأسباب وغيرها صرنا عارًا عند الأمم والأراطقة لكون يبقى نصراني صايم ونصراني فاطر ونصراني متجوز على سبعة وجوه وآخر على ثلاثة وجوه. وهم كذبوا عليكم ولكونكم ناس مباركين صدقتم قولهم وسودوا عرضكم وقالوا: إن البابا أعطانا دستور بذلك. ونحن ما كنا نصدق بأن ينشر عن قدسكم هذا. وكل هذا صار سبب الافتراق وتسمية كنيسة شرقية وغربية.

ولكن نحن معتقدين ومحققين بأن كنيسة رومية (ماسكة) السبعة المجامع الكبار والمجامع الصغار ورافعين شأنها لكونها كانت أم كنائس الدنيا، ومقرين ومعترفين بكنيسة واحدة ومعمودية واحدة، ونبارك ما باركوه ونحرم ما حرموه. لكن الأمميين لما ينظروا صدرت هكذا أمور غير مصدقة، وليس لكم عنها خبر لهذا السبب ينفرون من ذلك وتقع الشكوك ويتم قول الإنجيل المقدس الويل لمن تأتي الشكوك على يده.

فإذا صار من قدسكم مرسوم برفع هذه الأمور الموجودة الآن وارتفعت يكون الروح القدس حقيقة حاضر معكم؛ لأننا صرنا عارًا عند الأمم والأراطقة، ولو كان الأراطقة أراطقة ولو صيامهم وطقسهم وزيجاتهم ما غيروها، بل هي بموجب الناموس المقدس. ونحن نسأل المسيح بكل لغة ولسان بأن يعطيك الرب الإله أن تجمع الإخوة والأولاد الروحانيين الذين اشتراهم المسيح بدمه الكريم الثمين إلى صيرته الحقيقية، ويعطي الرب الإله لكل من يريد السلام والمحبة كما قال السيد: «سلامي أعطيكم سلامي أخلفه لكم.» فما قال فتنة وعناد وشرور، وناس تقول عملتم كذا، وناس تقول الحق معنا وأنتم ما معكم حق، وتم فينا قول الإنجيل المقدس: نترك الخشبة التي في أعيننا ونقول لأخونا أخرج العودة التي في عينك.

وعند قراءتنا الكتب المقدسة نعدل عن السماع لها كقول يوحنا الإنجيلي حيث يقول: إنك إن كنت تحب الله ولأخيك تبغض باطل قولك؛ إذ كيف الذي تراه تبغضه والذي لا تراه تحبه، وسيدنا له المجد قال: حبوا أعداكم وأحسنوا لمن يبغضكم. ونحن الآن عملنا كله بخلاف ما أوصانا تعالى به.

ونطلب من حنو مراحمه ببركة صلواتكم أن يجعلنا من السامعين الطائعين لما يرضيه ويفرحكم باجتماع الإخوة والأولاد الروحانيين لتقولوا: هؤلاء هم الأولاد الذين أعطاني إياهم الله، ادخلوا إلى فرح ربكم، يكون ذلك لكم بشفاعة العذراء البتول ومار بطرس الرسول وجميع القديسين آمين. جرى ذلك وحرر في اليوم العشرين من شهر آب المبارك في سنة ألف وسبعمائة وستة عشر بمحروسة دمشق الشام من أخيكم بالمسيح كيرلس البطريرك الأنطاكي وسائر المشرق.

واستنزل البطريرك الأنطاكي بعد هذا غضب الله على كل من يزيد أو ينقص. وأضاف أنه مُرسِل مع البادري بلاسيوس والخوري ساروفيم «هدية» حقيرة: عكازًا صدفًا إذا مسكتموها في القداس الإلهي تذكرون حقارتنا ومرتبان صيني داخل رطل دهن البلسم صافي.٤٩
ويلاحظ هنا أن البطريرك الأنطاكي يخاطب الحَبْر الروماني كأخٍ ويشير إلى البطاركة باللفظ «الإخوة»، وأنه يؤكد استمساك الكنيسة الأرثوذكسية التي رأسها بقرارات المجامع السبعة، ومثابرتها على الصلاة في كل يوم من أجل الكنيسة الجامعة. ثم يلمح إلى الفتن التي أثارها الشيطان في مجمع فلورنسة وأثر ذلك في الروم الذين من طبعهم العناد. ويشكر لأخيه البابا سعيه للاتحاد ويشير برقة ودقة إلى موقف جده مكاريوس من قضية الاتحاد، فيحبذ الدور الذي لعبه دور الوسيط المصلح بين الحبر الروماني وسائر الأحبار، ثم يصلي «لكل» من يريد السلام والمحبة، ويقدم عكازًا من الصدف هدية للبابا، فأين الاعتراف بسلطة رومة والدخول في طاعتها؟ ولا سيما إذا قرأنا هذا كله على ضوء ما جاء في رسالة هذا البطريرك نفسه إلى رئيس أساقفة الآباء الفرنسيسيين. ويلاحظ أيضًا أن الفرق كبير جدًّا بين نص هذه الرسالة البطريركية وبين النص الذي أعده أثناسيوس وأشرنا إليه سابقًا، وبين ذاك الذي أعده جراسيموس مطران صيدنايا في منتصف تموز من السنة ١٧١٦.٥٠
وفي نظرنا لا يجوز القول بدخول كيرلس في طاعة رومة لمجرد تأكيد هذا الخبر في بعض رسائل أفتيميوس؛ لأن أفتيموس له مصلحة فيما يروي، وبالتالي فإنه لا يُعتبر شاهدًا عدلًا. ويُستدل من رسالة إقليمس الحادي عشر إلى كيرلس الثالث المؤرخة في ٢١ أيار سنة ١٧١٨ أن هذا الحَبْر لم يكتفِ بما نُقل إليه من أخبار أفتيميوس ورسائل كيرلس فهو يقول ما يلي، والعهدة في ذلك على المترجم الخوري قسطنطين: «على أننا نطلب من أُخوِّتك أن تظهر علنًا للجميع بكتابات متصلة واضحة أنك متحد مع هذا الكرسي الرسولي بقلب صادق «بدون مراياة»، وأنك تعهدت بالخضوع له وللحبر الروماني.»٥١ وقول أفتيميوس إن كيرلس وقع أمانة أوربانوس الثامن وختمها بيده وأرسلها يبقى قولًا ضعيفًا إلى أن نعثر على هذه الوثيقة في محفوظات رومة. ويجب ألا ننسى أنه جاء في تقرير رفعه القس جبرائيل فينان إلى كاتم أسرار مجمع انتشار الإيمان بتاريخ ١١ تموز سنة ١٧١٩، أنه اتصل بكيرلس وقدم له هدية البابا وأقام عنده وكلمه مرارًا في أمر «الإيمان الروماني المقدس»، فكان تارة يذعن له وطورًا «يجادله جدالًا خفيفًا.» وكان يشكو من «عدم تكميل الكنيسة الرومانية طِلبته في طبع الكتاب الأفخولوجي ورفع ضرر القرصان وعودة التابعين للكرسي الروماني إلى الحساب الشرقي في تعييد الفصح.» ويخلص الأب فينان إلى القول إن ما أرسله كيرلس إلى رومة جاء إما عن طمع منه في أشياء عالمية أو عن خوف من مشاغبة الكاثوليكيين في أبرشيته، وإن البطريرك «رسم مشاقًا على كرسي باياس» نزولًا عند رغبة بطريرك أوروشليم.٥٢

كيرلس وأفتيميوس

ولجَّ أفتيميوس في كثلكته فامتنع عن تأدية مال النورية إلى المقر البطريركي واكتفى بتقديم «سمكة بحرية أو أربعين قالبًا من الجبن القبرصي». وبعد وفاة مطران بيروت اتصل بالأمير حيدر شهاب واستأذنه في ضم بيروت وتوابعها إلى أبرشيته، وطمع في أبرشية عكة وحض المسيحيين في حوران وشرق الأردن على الدخول في طاعته،٥٣ فشكاه بطريرك أوروشليم إلى السادة البطاركة وأطلعهم على «مكاتيبه ومراسلاته»، فأرسلوا هذه الرسائل إلى كيرلس وطلبوا ردع أفتيميوس وإدلاء النصح إليه بألا «يقارش» أفتيميوس أبرشية القدس، وقالوا: «نحن ماسكين خاطرك!» فأرسل البطريرك الأنطاكي هذا كله إلى أفتيميوس، وطلب إليه أن يمتنع عن هذه الأفعال فلم يقتنع، وتساهل أفتيميوس في أمور الزواج مفسحًا من بعض الموانع وخالف بذلك الناموس الأرثوذكسي، فكان عندما يمنع البطريرك الزواج الحرام يجيزه هو «ويأكل البلعة» بكاملها،٥٤ وجاء لغطاس قندلفت في «تاريخ البطاركة» أن أفتيميوس اختلس أمتعة تخص البطريرك.٥٥

البطاركة يحرمون أفتيميوس (١٧١٨)

وأصر أفتيميوس على موقفه فالْتَأم مجمع في القسطنطينية في خريف السنة ١٧١٨ برئاسة أرميا الثالث بطريرك «رومة الجديدة»، ونظر في قضية أفتيميوس فحكم عليه بالخروج على الناموس من أبواب سبعة: تحليل الزواج في الدرجة الرابعة، وشرطنة أناس من غير أبرشيته، وإبطال عظات يوحنا الذهبي الفم في كنيسته، وتحليل أكل السمك في الصوم، وإبطال بعض الترتيبات الكنسية، وإبطال «وضع الزاون ورفعه من الوسط»، ولبس الميترا وغيرها بدون إذن. ووافق على هذا كله بطريرك أوروشليم والبطريركان القسطنطينيان السابقان أثناسيوس وكيرلس، فحرم المجمع أفتيميوس وقطعه من درجات الكهنوت واستصدر فرمانًا بنفيه، ونقلت هذه القرارات كلها إلى العربية في بطركية أوروشليم، ثم أرسلت إلى الكرسي الأنطاكي مع أصلها اليوناني.

ولدى اطلاع كيرلس على قرارات المجمع القسطنطيني أبلغ أفتيميوس محتوياتها ونصح إليه أن يسترضي الرؤساء المسئولين بنفسه أو بواسطة شخص آخر يوفده لهذه الغاية، فأبى أفتيميوس وامتنع. فسكت كيرلس سبعة أشهر فأقبل الرؤساء عليه باللوم واتهموه بالتواطؤ وقالوا له: «بدك تخرب أربع أبرشيات البطاركة!» فاضطر البطريرك الأنطاكي أن يذيع قرارات المجمع القسطنطيني في سائر أبرشيات أنطاكية. وينقل البطريرك كيرلس هذا كله إلى قنصل فرنسة في صيدا، فيخلص إلى القول: «لكن يا عزيزنا إذا كان عندكم في بلادكم واحد كاثوليكي عمل مخالفة في أمور الدين وحكموا عليه بالحرم، ما يتمكنوا حرمه حتى ينظروا إيش يضمر من طاعته وتوبته وندامته، وفي فهمكم كفاية كل أمر.»٥٦
وجاء في رسالة كتبها أفتيميوس نفسه إلى مجمع انتشار الإيمان في آخر كانون الثاني سنة ١٧٢٠ أن كيرلس حرَّض البطاركة عليه، وأنه استعان بالبادري توما لإظهار خضوعه أمامه، فقام إلى دمشق وقبَّل يد البطريرك «وعمل له الطاعة»، فباركه البطريرك وأعلن ذلك في حاصبيا وبيروت وطرابلس ونصح إليه أن يترك صيدا ويختبئ في جبل الشوف.٥٧

حرم البطاركة

«أرميا برحمة الله رئيس أساقفة القسطنطينية رومة الجديدة البطريرك الإيكومينيكوس المسكوني إلى حضرة أب الآباء المتقدس ورئيس الرؤساء كير كيرلس، بطريرك مدينة الله أنطاكية العظمى وسائر المشرق، وإلى المطارنة ورؤساء الأساقفة المحبين لله الذين هم تحت طاعة قداستكم موجودين محبين وإخوة لنا بالروح منتخبين، وشركائنا في الخدمة والأسرار الإلهية إلى الكهنة الورعين وإلى أولادنا الأحباء، والأراخنة المكرمين والأعيان المبجلين مع بقية النصارى الأرثوذكسيين الذين هم في أبرشية أنطاكية قاطنين وموجودين أولادنا المحبوبين بالرب.

فرحًا لكم وسلامة تشمل كافتكم ورحمة من الله الضابط الكل ومن حقارتنا نعم لكم بركة وغفرانًا كاملًا يشمل كافتكم، آمين.

والذي نعلم محبتكم أنه من باب الواجب يكون عند كل إنسان منكم حفظ أمانته غير منصدع ولا متزعزع عن تقليدات آبائنا الحَسَني العبادة المستقيمي الرأي، وتحفظونها وتصونونها حفظًا وثيقًا حكم ما شرعت به شريعة الرسل القديسين والآباء الإلهيين المتفوهين بإلهام الروح القدس التي هي شرائع الكنيسة ونواميسها، وحسب ما هو مسطر في الكتب الإلهية، لأجل ذلك يجب علينا أن نحفظ اعتقادنا بكل حرص واجتهاد نقيين ومن الدرن سالمين ومن الأفكار الردية هاربين وإلى جميع خرافات العالم راذلين. (ويجب أن نحفظ) الأمانة الأرثوذكسية لامعة بكل شهادة وتثبيت؛ لأن الإنسان إذا كان مائلًا في اعتقاده ويتمجَّد بذاته ويقول كلام مخالف غير لائق الذي هو كلام بدع وتجديف في التسليم السابق فذلك من الأباطيل، والكلام غير مسموع وطازه ومخالفته فيه وتحققه لتلاف الناس وتشويش القلب إذ يقول: لا تغيروا التقليدات الأبوية، والقلب المشوش ليس فيه راحة وهو بوق ظاهر وَرَدِي جدًّا. ومن يكون عنده مثل هذا التشويش فمن كل بد هو فعل شيطاني وإحادة عن المعرفة بمساعدة وطغيان باغض الحق الذي دائمًا يسعى في المضادة فرحانًا، ولا يسعى للذين مطابقين رأيه. لكن دائمًا يجاهد في ضد المستقيمين الرأي ويضع لهم الشكوك، وهو مبغوض ومردود ومبعود مع من يتبع أفعاله الشيطانية، ومطرود من كنيسة الله؛ لأن الباري في البار يكون. والذي يريد أن يطرد عنه الخيالات الشيطانية فليفتكر في ذاته ويعرف الحق من الباطل، وأما الذي يكون متعوج وكذوب ومماحك وكلامه غير لائق ويدين غيره يضاد الحق ويبذر أفكاره الشريرة ويلومها حتى لا يسع عقل أحد معنى كلامه.

فمثل هذا تباين وظهر عندنا طغيانه وتجديفه، وتحقق عندنا ذلك من مكاتيبه ورسائله ومن أناس شهود ثقاة صادقين، ومن المكاتيب الممهورات باسمه وختمه الذين ظهروا في مجتمعنا هذا المقدس الذي بتخلي من الله صار رئيس كهنة، الذي هو الشقي الشرير أفتيميوس المطران بالاسم لا بالفعل، وهو مطران صور وصيدا. هذا الكاذب الطاغي المجدف على الروح القدس، الخافي الغش في قلبه وفي نفسه، الذي الآن ظهر كذبه وطغيانه، المشوش على رعية المسيح وأغنامه الناطقة، والدائس لها والمضل لها في الكذب والافتراء. وكل ذلك قَصَدَ منه السبح الباطل والآراء المزخرفة تابعًا لهم وضلال رأيهم مقتفيًا وماسكًا لتفسحه في طرايق المؤمنين.

ولم يكفاه ذلك، بل إنه يسمي ذاته أرثوذكسي وينشر حاله أنه في اعتقاد الكنيسة الشرقية ثابت، وكل ذلك خدعة منه لِلْحَسَنِي العبادة وضلالًا شنيعًا لسقوطهم وتهورهم في غوطة الأفكار، وأنشأ كتبًا من ذاته، ويجتذب شهادات كما يريد وينسبهم إلى الكنيسة المقدسة الشرقية الأرثوذكسية. ومن استفحصهم على ما ينبغي يفهمهم ويعرف معناهم.

ثم بلغنا الخبر أيضًا أنه صنف بغير معرفة كتبًا ضد الدائم الذكر الشيخ كير ضوستاوس البطريرك الأوروشليمي الذي كان غيورًا للدين الأرثوذكسي الذي حسن عبادته وديانته وعلمه قد انبثت في سائر المسكونة، وفي كل الأرض خرج صيت تقويماته، وهو مشابه الرسل القديسين كما تشهد كتبه المصنفة منه بإلهام الروح القدس، وبكل كَدٍّ وتعب في الرأي المستقيم الذي كان عالمًا بها ومعلمًا نهارًا وليلًا وكارزًا فيها في جميع المسكونة.

فأما هذا الشقي الحظ يظهر (خروجه) على النواميس المقدسة ويدل بهم أنهم مثبتين على الحق والاستقامة. وبالحقيقة ليسوا هم كما يظن، بل هم مصنفات إلى الطغيان. ولم يفهم معاينهم كما يجب، بل يضل بهم أناسًا كثيرين من قليلي المعرفة السذَّج في قلة فهمهم وغلاظة ذهنهم وافتخارهم بعلمهم، وهم لم يعرفوا شيئًا، ولا يدرون الطريق المؤدية إلى الخلاص لأجل أنها ضيقة وليس رحبة؛ ولهذا يقبلون قول هذا الطاغي بتفسحه لهم بالأمور التي لا تجدي نفعًا، ويدخل سيرة الغنم كراعي بالخارج ومن داخل ذيب خاطف يذبح ويشتت بقدر مقدرته الباطلة، ويشتد إلى الوسط طغيانًا فاسدًا وكذبًا بهرجًا لعلمه أنهم سذَّج أميون لا يفهمون شيئًا، ويبدع بدعًا ويظن أنها من الكتب المقدسة، وكل ذلك من عظمته وغروره وافتخاره.

ويقول في أثناء ذلك في إمضاء مكاتيبه من الحقير متروبوليت أي من غير المستحق ولم يفهم أن هذه القضية لم تُعطى له، بل هي أُعطيت إلى البطاركة وإلى رؤساء الأساقفة القائمين بذاتهم لا غير كما هي مرتبة من المعلمين الإلهيين.

ولم يكفاه ذلك بل إنه لعظمة غباوته وجهله يتجاسر على غير أبرشيات ويوعظ فيهم من غير إذن ولا دستور صاحب الأبرشية، ويبان ذلك ليس هو من باب طريق الناموس ولا هو لائقًا ومرتبًا بين رؤساء الكهنة أن يطأ كراسي غيرهم من غير إذنهم، كما هو مشروح في القانون العشرين في «طرلو» المقدسة في المجمع الخامس والسادس المقدسين الذي يذكر فيهم بأن ليس لائق لرئيس كهنة يتقدم في غير أبرشيته أو يعلم فيها، وكل من يتجاسر على ذلك يكون مقطوعًا من كهنوته.

وأيضًا في قانون التاسع عشر والتاسع والعشرين من مجمع أنطاكية العظمى يشرع بالقول: إن كل رئيس كهنة يشرطن بغير أبرشيته أو يوعظ بغير إذن صاحب الأبرشية أو من غير مكاتبة له، فتلك الشرطونية باطلة وذلك المشرطن يكون مقطوعًا من سائر درجات الكهنوت.

لأجل ذلك لما ثبت عندنا أقوال وأفعال وتصريح هذا الشقي الحظ أفتيميوس، وتعويجه وتجديفه على الحَسَنِي العبادة، وعلى القوانين المقدسة وتحريمهم مثل ذلك من غير جزع ولا خوف ولا احتشام لكونه خالف شروط القوانين المقدسة؛ لأنه:
  • أولًا: حلل زواج الزيجة الرابعة وزوَّج أختين إلى أخين.
  • ثانيًا: شرطن أناسًا من غير أبرشيته.
  • ثالثًا: أبطل تفاسير يوحنا فم الذهب وقال: هؤلاء كانوا رؤساء كهنة وأنا رئيس كهنة مثلهم.
  • رابعًا: حلل أكل السمك في يومي الأربعاء والجمعة وفي الصيام الكبير المقدس وبقية الصيامات المقدسة ويلعن الذي ما يأكل في الصيام سمك.
  • خامسًا: أبطل تراتيب الكنيسة وزاد ونقص في قوانينها.
  • سادسًا: أبطل من القداس إلهي حط الزوان الماء الحار ورفعه من الوسط.
  • سابعًا: بتجبره وكبريائه وافتخاره بنفسه تجرأ وابتدع له ميترا ولبسها من غير أن سبق للمطارنة الذين قبله أن لبسوها بهذا الكرسي، ومع ذلك من غير إذن ومشورة معلمه ومن غير دستوره. وصار قائم بذاته وخالف القوانين المقدسة وأمورًا غيرها قبيح أن نذكر تعاويدها؛ فلأجل ذلك حكم مجمعنا هذا المقدس بالحق أنه مستحق القطع وهو مقطوع من ساير درجات الكهنوت العظيمة والملايكية.

فمن حيث إنه لم يثبت مستقيمًا، بل تعظم في معرفته وشابه طغمة الملائكة التي سقطت من السماء وماثلها. ومن الواجب لكل رئيس كهنة أن يكون نقي طاهر ليس بالقول فقط، بل بالفعل حتى لا يشكوا منه رعاياه ولو بكلمة واحدة صغيرة، ولا يفتري على الاسم القدوس، بل يكون كواحد من الرسل بالقول والفعل والسيط، وكل من فعل خلاف هذا الرأي ويعلم الناس بخلاف ذلك ويطغي عقول السذج فمثل هذا فليسقط من درجته، ويجب أن يُطرد هذا الطاغي من بيننا ويُحذف كما يُحذف الحجر بالمقلاع كما معين في شريعة الرسل.

فليعلم الآن كل واقف عليه وسامع رسالتنا هذه فليعتقد بأنه بعد فحص بليغ واستيثاق حريز بهذا المجمع المقدس بحضور البطاركة الدائمين الذكر إخوتنا كير أثناسيوس وكير كيرلس بطاركة القسطنطينية سابقًا، وبحضور أخونا الأب الأمجد كريسانطوس البطريرك الأوروشليمي، وبحضور من وجد معنا من رؤساء كهنتنا المطارنة والأساقفة المحبين لله، وشركائنا في الخدمة الإلهية الذين سنذكر أساميهم أدناه، بأننا شرعنا جميعنا وحكمنا وحتمنا بأن هذا الشرير أفتيميوس مطران صور وصيدا محروم مفروز مقطوع من سائر درجات الكهنوت، ومعرَّى من سائر مواهب الروح القدس، وليكن مسقوطًا وخارج من درجة المطرانية، ويكون جزءًا ساقطًا ومطرودًا من سائر أبرشيته. وأما كتبه المصنفات من قبله فليكونوا مرذولين وبطالين وليس مع أحد دستور من جميع الحَسَنِي العبادة أن يعتنى بهم أو يفعل بما فيهم، وكل من تعدى ذلك من المسيحيين وتبع هذا المذكور الكاذب المشوش على كنيسة المسيح الأرثوذكسية الأغنام الناطقة الذي هو متشبه بالشيطان كائنًا من كان يكون مفروزًا.

وهذا الشقي المنكود حظه ليس له «معاضدة» في أبرشيته، ولم يبقَ معه دستور بوضع يده على كنيسته ولا يقارش محصولها من المسيحيين، وليس له سلطان أن يتزيا بزي رؤساء الكهنة، ولا أن يتصرف ويخدم خدمتهم؛ لأنه مقطوع ومسقوط ومنتزعة عنه النعمة وسائر درجات الكهنوت. ومن الآن يُسمى أفتيميوس فقط لا غير ويكون كواحد من المطروحين. وكل كاهن يقدس معه ويحتسبه كباقي رؤساء الكهنة بمعرفة يكون مقطوع من كهنوته مفروزًا، وكل واحد من العلمانيين يكرمه إكرام رئيس كهنة، ويقبل تلك اليد النجسة المملوءة غشًّا قاصدًا بذلك أخذ بركة، فلتكن خطاياه غير متروكة ولا مغفورة إذا كان بمعرفة منه. وكائنًا من كان منكم أو من غيركم يساعده ويقبله في بيته أو في أوضته أو في حاصله أو يشاركه في مصالحه وفي أفعاله أو يسعى معه أو يساعده كائنًا من كان ذلك الشخص يكون محروم كبير كان أو صغير. ومن الآن كل من يتشرطن من يده يكون مقطوع. والذين يتفقون معه وهم يعلمون أنهم يتفقون ضد الحق فليكونوا محرومين معه ويكون حظهم مع المعوجين كما يقول النبي داود. وكل الذين يضادون وينشقون مائلين إلى طغيانه وتجديفه فليكونوا مغضوبين ومحرومين في هذا الدهر، ويرثون برصًا لا يبرأ دائمًا وفي حياتهم يهتزون مثل قايين ويهلكون ولا يشبعون القوت الضروري، ويمحقون من مصحف الحياة. ويكون لهم وعليهم غضب الآباء المتوشحين بالله الثلاثمائة وثمانية عشر وبقية المجامع المقدسة.

وأما جميع المسيحيين الأرثوذكسيين الذين هم لأوامر كنيستهم سامعين وبها عاملين وممَّا يضادها هاربين ولتقليدات الآباء القديسين ورسومهم فيها تابعين، وفي كل عمل صالح ناجحين فليكونوا لملكوت السماء وارثين، آمين آمين آمين. حرِّر في شهر تشرين الأول سنة ١٧١٨ أنديكتون الثاني.

برحمة الله أثناسيوس بطريرك القسطنطينية سابقًا أمر بذلك، برحمة الله كيرلس بطريرك القسطنطينية سابقًا أمر بذلك، برحمة الله جريسندوس بطريرك أوروشليم أمر بذلك، في طاعة قدسكم أكليمنضوس أيراكلية ورودوستوس، في طاعة قدسكم بائيسيوس نيقوميذية، في طاعة قدسكم أفكسنتيوس كيزيكو، جراسيموس نيقية، أثناسيوس أدرنة، ديونيسيوس أماسية، برتانيوس لاريسوس، نيكوميدس ميليتيني، أبروفنوس متليني، أثناسيوس أيلاصونوس.

نسخ من اللغة الرومية إلى العربية في دمشق على يد أب الآباء ورئيس الرؤساء وراعي الرعاة كير كيرلس بطريرك أنطاكية وسائر المشرق.»٥٨

أثناسيوس الرابع (١٧٢٠)

وشاخ كيرلس الثالث وقرحت رجله وشقت قرحتها، وحضرته الوفاة وبلغ الوصية فدخل عليه الخوري عبد المسيح وكان ممن قالوا بالكثلكة، وسأله إذا كان يريد أن يعترف، فأجابه البطريرك: «أي شيء عملت؟! لا قتلت ولا زنيت ولا سرقت اقرأ أفشين!»٥٩ وفي يوم الثلاثاء الخامس من كانون الثاني سنة ١٧٢٠ اختار له الله ما عنده ففاضت نفسه ودفن يوم عيد العماد الشريف في مدفن البطاركة في تل القديس جاورجيوس، «وكانت مدة رئاسته سبعًا وأربعين سنة وستة شهور وأربعة أيام.»٦٠
وكان أفتيميوس في دمشق آنئذٍ فأحاط به أنصاره وأرادوا أن ينادوا به بطريركًا واستعانوا بعثمان باشا أبي طوق صديق أفتيميوس وأرادوا أن يستولوا على البطريركية بالقوة، فعارضهم في ذلك المرسلون الرومانيون في شخص كل من الأب توما دي كامبايا والأب بطرس فروماج وقالا: إنه محروم من البطاركة، وإن رائده تغيير الطقوس والعوايد وتخريب نظام الكنيسة! وفصَّلا ذلك في أنه «بِدُّه يبطل الماء الحار من القداس ويلزمكم في أكل السمك ويطعم رهبانكم لحم حتى يحقر كنيستكم!» وأيدا أثناسيوس؛ لأنه سبق له أن نصب بطريركًا، فطالب أفتيميوس بخمسمائة غرش دفعها إلى كيرلس لمناسبة شرطنته مطرانًا على صور وصيدا فأعيدت له مائة ذهب بندقلي وستة عشر كتابًا كنسيًّا وأشياء أخرى، فذهب أفتيميوس إلى الكنيسة وأقام اسم أثناسيوس وقال: «كونوا مطمئنين القلب والخاطر.»٦١
أما أثناسيوس فإنه بعد الصلح الذي تم في السنة ١٦٩٤ استقر في حلب ودبر رعيته أحسن تدبير، «فمنع عنها ما لا يجوز وأثبت فيها ما يجب إثباته من قطع أسباب الشر وإثبات أسباب الخير.» فأحبه النصارى على اختلاف مللهم ومالوا إليه؛ «لأنه كان ذا عقل وافر وحكيم.»٦٢ وكان يُكثر من مطالعة كتب الآباء والتواريخ فلوى عنانه واستقام على الطريقة المثلى واتصل بالقسطنطينية وسافر إلى الفلاخ والبغدان مستجديًا. ولما تُوفي كيرلس نادى جمع غفير من نصارى دمشق بأثناسيوس بطريركًا وكتبوا بذلك إلى أعيان الطائفة في حلب، وكان أثناسيوس غائبًا عنها متجولًا في الفلاخ فأجاب نعمة بن توما الخوري الحلبي باسم أعيان حلب برسالة مسهبة أدخل نصها في كتابه «راكب الطريق لمن يرضى بتقليد التلفيق». وإليك أهمها:
ومن جهة مكاتيبكم المرسلة على يدنا لكي نرسلها إلى قدسه مع المكاتيب المخصوصته إلى إسلامبول، ففي حال وصولها بذلنا ما يجب علينا من الهمة وباشرنا تحرير مكاتيب خصوصية وعمومية، ووضعنا الجميع في مغلف واحد وأرسلناهم ضمن مكتوب بولسة صحبة جوقدار حضرة محصل أغا مضمونات الوصول بوجه السرعة ليد المقدسي فرج الله القاري. وأكدنا عليه في مكاتيبنا أنه حال وصولهم إلى يده يمسك ولاق (ساعي) على كيسنا ويرسلهم صحبته إلى الولاء (الفلاخ). وأكدنا على قدسه أن يكون حضوره إلى إسلامبول قبل بيوم وساعة ليقضي شغله على مراده.٦٣

مجمع القسطنطينية (١٧٢٢)

وعاد أثناسيوس من بلاد الفلاخ وبلغ دمشق في أوائل آب سنة ١٨٢٠، وكان كيرلس قد وقف جميع متروكاته على الكرسي البطريركي، فلما استتب الأمر لأثناسيوس وجد معظمها مندثرًا فأخذ الغيظ منه كل مأخذ، وزاده غيظه بما لاحظه من نشاط رهبان الإفرنج وتدخلهم في شئون الكنيسة.

ولما كانت وسائل أثناسيوس المادية ضعيفة لا تساعده على محاربة رهبان الفرنجة بسلاحهم تذاكر في ذلك مع البطريركية المسكونية، ثم سافر إلى القسطنطينية بنفسه وأجهد في عقد مجمع للنظر فيما يجب اتخاذه من احتياطات بهذا الشأن، فانعقد هذا المجمع في أواخر السنة ١٧٢٢ في القسطنطينية برئاسة أرميا البطريرك المسكوني واشتراك أثناسيوس البطريرك الأنطاكي وخريسنتس البطريرك الأوروشليمي واثني عشر مطرانًا. وحكم هذا المجمع على التعاليم غير الأرثوذكسية، ولا سيما ما يتعلق منها بالرئاسة والعصمة والانبثاق من الابن والفطير والنار المطهرية وسعادة القديسين والمخنوق وصوم السبت ومنع الميرون والمناولة عن الأطفال. وحررت أعمال هذا المجمع باليونانية والعربية وانتشرت في لبنان وسورية وفلسطين. وقد ذكر السمعاني ذلك في الجزء الثالث من «المكتبة الشرقية» وبندوتي في إضافته على «التاريخ الكنسي» لملاتيوس٦٤ وديمتراكوبولس في تاريخه، ص١٧٠-١٧١،٦٥ وكان بطرس الأكبر قيصر روسية يعيد النظر في نظام الكنيسة الروسية فاستشار القسطنطينية في بعضها، فعُني المجمع المنعقد فيها بهذه الأمور. وأهم ما اتخذه من القرارات لهذه المناسبة الإكثيسيس الأرثوذكسي، فتبنى بذلك أمولوغية دوسيثيوس الأوروشليمي وأرسلها إلى روسية، فعرفت برسالة البطاركة، وقد سبقت الإشارة إليها ونشرت بتمامها في الفصل السابق.

اختصار صوم الرسل

وكان كيرلس الثالث قد سعى لدى المقامات الأرثوذكسية العالية في اختصار صوم الرسل، فلما استولى أثناسيوس على سدة الرسولين جاءه سينذيكون يفوض أمر حلِّ هذا الثقل إليه، فأصدر منشورًا رعائيًّا جعل فيه صوم الرسل اثني عشر يومًا بعدد الاثني عشر رسولًا؛ وذلك «لكي من يصوم لا يدين من لا يصوم ومن لا يأكل لا يدين من يأكل.» وبيَّن الأسباب التي أوجبت هذا الاختصار فجعلها خمسة؛ أولها: أن من صام هذا الصيام كان يصومه بتذمر وضجر، وثانيها: أن هذا الضجر كان يدفع البعض إلى التجديف، وثالثها: أن بعض المؤمنين كانوا يتعدون الصوم بالخفاء، ورابعها: أن البعض كانوا يأكلون الزفر من غير حياء، وخامسها: أن أغلب أهل القرى والبر كانوا يتركون المذهب المسيحي وينحازون إلى الأمم؛ لأن «فصل السنة في هذا الصوم مقفر من الخضر والفاكهة ومن المآكل الصيامية، ومخصب بالحليب واللبن والجبن والبيض، وأن أهل البر لم يكن عندهم غير هذه المآكل، وهكذا كان أولادهم ينفرون عنهم وينتمون إلى مجاوريهم من الأمم، فلم يبقَ في بعض القرى من المسيحيين أحدًا.»٦٦

الليتورجية والأورولوغيون

وعُني أثناسيوس وهو لا يزال بطريركًا سابقًا بالطقوس الدينية فطبع في السنة ١٧٠١ في مدينة بوخارست في حقلين يوناني وعربي بحبر أسود فاحمر كتاب الليتورجيات الثلاث، واعتمد في النص اليوناني ما كان قد طبع سابقًا في مدينة البندقية وتبنى للنص العربي ترجمة ملاتيوس كرمه، فظهر الكتاب في ٢٥٢، صفحة من القطع المتوسط، وجاء في ديباجته ما يلي:

كتاب القداسات الثلاثة الإلهية مع بعض احتياجات أخرى ضرورية للصلوات الأرثوذكسية. قد طبع الآن حديثًا في اللغة اليونانية والعربية بالتماس ومشارفة الأب الطوباني كيريوكير أثناسيوس البطريرك الأنطاكي سابقًا، بمصرف السيد الأمجد الرفيع الشأن متقلد حكم جميع بلاد ونكر وفلاخيا كيركيريوانو قسطنطين بسارابا ويوضا المكرم، في تقليد رياسة كهنوت الأب المطران الكلي الغبطة ثاوضوسيوس للبلاد المذكورة، في دير سيدتنا والدة الإله المكنى بسيناغوفو في سنة ألف وسبعمائة وواحد مسيحية، بيد الكاهن في المتوحدين أنثيموس الكرجي الأصل.

وفي السنة ١٧٠٢ أنجزت هذه المطبعة نفسها كتاب الأورولوغيون بحرف عربي كبير بحبر أسود وأحمر في حوالي سبعمائة صفحة. وجاءت طروباريات وقنداقات أعياد المشاهرة وأعياد الخمسين والتريودي مطبوعة باليونانية والعربية في حقلين متقابلين.

كتاب «صخرة الشك»

ورأى أثناسيوس أن يزود الأرثوذكسيين بما يثبت إيمانهم ويمكنهم من الرد على رهبان الفرنجة وأتباعهم فنقل كتاب إيليا مونياتي إلى العربية وأسماه «صخرة الشك» ونشره مطبوعًا سنة ١٧٢١ ووزعه مجانًا على أبناء الطائفة. وفي هذا الكتاب بيان بدء الانشقاق وأسبابه وانفصال الكنيسة الغربية عن الشرقية والاختلافات الكلية بينهما،٦٧ فاستفز بعمله هذا الشماس عبد الله زاخر، فرد هذا بكتاب أسماه «التفنيد للمجمع العنيد» وبموجز دعاه «مختصر التفنيد»، وقد طبعه الآباء اليسوعيون فيما بعد في بيروت سنة ١٨٦٥، وقام بعده الخوري نقولا الصايغ فصنف في الدفاع عن الكثلكة كتابًا أسماه «الحصن العظيم مقابل المجمع الأثيم»، منه نسختان في مكتبة دير المخلص.

تاريخ البطريركية الأنطاكية

وصنف أثناسيوس تاريخًا لبطريركية أنطاكية من زمن بطرس الرسول حتى السنة ١٧٠٢ ودوَّنه باللغة اليونانية فتُرجم إلى اللاتينية وطُبع في فينة عاصمة النمسة، وشرح كتاب «التعليم المسيحي» وكتاب «الحكيم والعالم»، وألَّف في سيرة القديس خريستوذولوس رئيس دير الرسول يوحنا اللاهوتي الذي كان في جزيرة بطمس.٦٨

أثناسيوس وأفتيميوس

واعتبر البطريرك أثناسيوس أفتيميوس محرومًا وأعلن ذلك في أبرشيات الكرسي الأنطاكي، واستصدر فرمانًا سلطانيًّا بنفي أفتيميوس وحمل هذا الفرمان إلى الولاة رسولًا سلطانيًّا، فقبض على أفتيميوس وعلى ابن أخته الخوري ساروفيم طاناس وأخيه أو ابن عمه منصور الصيفي والخوري خليل خبية والقس إلياس فرعون والخوري فرج الله نصر والخوري سليمان سالم، وقيدوا بالحديد وأودعوا السجن في قلعة صيدا استعدادًا لنفيهم إلى أدنة. وجاء إلى صيدا مطران يوناني يحمل ثلاثة أوامر سلطانية قضت بضبط الكرسي والأملاك وبتأديب من اعترف بسلطة رومة. وزار هذا المطران اليوناني أفتيميوس في سجنه وفاوضه في العودة إلى حضرة الكنيسة فأبى، وكان لأفتيميوس صداقة تُرعى عند والي صيدا عثمان باشا أبي طوق فتوسل بها. وبدلًا من أن يطوقه «أبو طوق» أطواق بره أرسل رجاله إلى السجن يفاوضون السجناء فيما يدفعون فداء أرواحهم! ولما نال مراده منهم شهد بحسن حال أفتيميوس واستصدر عفوًا من الآستانة، ثم أطلق سبيل السجناء بعد أن قضوا في القلعة ثلاثة أشهر ونيِّفًا، وخشي أفتيميوس أن تنقلب الحال عليه بعد أن عزل صديقه عثمان باشا في أواخر السنة ١٧٢٢، فاستصدر حجة شرعية من قاضي صيدا تثبت التحقيق في قضيته وصدور العفو وذلك في حوالي التاسع عشر من حزيران سنة ١٧٢٣،٦٩ وجال أفتيميوس جولة رعائية فزار صور وصيدا وبعلبك، ثم نهض إلى دمشق فاستولى عليه العياء وكان قد جاوز الثمانين، فتُوفي فيها في أواخر تشرين الثاني سنة ١٧٢٣، ودفن في مدفن التل. وفي السنة ١٩٢٦ عثر بعض الفعلة العاملين في المدفن على حجر تاريخ أفتيميوس فنقله بعض الرهبان سرًّا من المدفن إلى محطة القطار في دمشق، فأعلم مدير الشرطة البطريرك غريغوريوس الطيب الذكر بذلك فقال رحمه الله: «هم أحق منا بذلك؛ لأن أفتيميوس كان أول أسقف كاثوليكي.» فنقل الحجر إلى دير المخلص.٧٠

أثناسيوس وحلب

وذهب أثناسيوس بعد تفرده بالبطريركية إلى بلاد الفلاخ والبغدان لجمع التبرعات للكرسي الأنطاكي، ثم عاد إلى القسطنطينية ومنها إلى حلب. وأقام في هذه المدينة مدة؛ لأنه شعر أن مناخها كان أكثر موافقة لصحته، ولعله أحب أن يكون مركزه الفعلي في أكبر وسط أرثوذكسي، ولعله أيضًا سئم الإقامة في دمشق لكثرة الشغب في أوساطها الأرثوذكسية المائلة إلى رومة.

وألحَّ الحلبيون بوجوب رسامة أسقف عليهم منذ السنة ١٧٢٠، فانتهز أثناسيوس فرصة شغور الكرسي فيها واشترع ما يؤمن المحبة والسلام، فأصدر في الخامس والعشرين من تموز من هذه السنة مرسومًا بطريركيًّا قضى بتأليف مجلسٍ ملي من اثني عشر عينًا من أعيان الطائفة، وبتخصيص جميع ما يدخل من النذور وما يرد من تفريق الشمع وما يجمعه صندوق الفقراء وثلثي دخل القداديس والنياحات إلى الكنيسة يتسلمه مجلس الملة وينفقه برأيه، فيؤمن باتيومية Pateomai وملاقاة القضاة وحكر الكنائس والإنفاق على الفقراء والديورة والقندلفت وغير ذلك، وخصص البطريرك دخل الإكليل والخطبة ونصف مدخول الأعياد وثلث مدخول القداديس والنياحات لرئيس الكهنة بالإضافة إلى مال البطرشيل. وأما النورية فإنها ظلت للبطريرك المتولي كائنًا من كان وفي أي مكان كان.٧١
وكان أثناسيوس قد قضى في دمشق أحد عشر شهرًا (١٧٢٠-١٧٢١) ثم أقام الخوري جرجس البلمندي وكيلًا له فيها، ومضى إلى حلب فوصلها يوم عيد الرسل في التاسع والعشرين من حزيران سنة ١٧٢١. ولدى وصوله طلب الشعب مطرانًا عليهم ورغبوا في انتداب ثيوذوروس الحناوي الشويري، فلم يرضَ البطريرك لما كان قد شاع عن ثيوذوروس من مَيل نحو الكثلكة، فطلبوا أن يكون المطران من أبناء بلدهم فخيرهم بين ثلاثة: الخوري جرجس الشدودي والخوري نقولا الصايغ والخوري جراسيموس (جرجس البلمندي)، فاختاروا جراسيموس فحضر حالًا؛ «لأنه كان متمرمرًا من أهل الشام؛ لأنهم بغضوا معلمه.»٧٢ ورسم البطريرك جراسيموس مطرانًا على حلب ثاني عيد الميلاد ليلًا وأصدر المرسوم التالي:

بعد البركة والنعمة، المنهي أنه لما دعت الضرورة إلى إقامة مطران على مدينة حلب، حيث إننا التزمنا سياسة أبرشية الكرسي الرسولي الأنطاكي المقدس، ولأن الطريقة الكنايسية تقضي أن يصير انتخاب المطران برضا البطريرك واختيار الكهنة وباقي الرعية، ورأينا أن الرعية انقسمت آراؤها في ذلك أقسام قد يتصل إلى انخرام النظام، وآل أمر انتخابهم إلى أربعة أنفار لم يستقر لمجموعهم على أحد قرار، ثم تصفحنا الاثنين من الأربعة فرأيناهم لا يقبلان التقدم إلى هذه الدرجة السامية الشاقة حذرًا من محذورات ضروراتها الفايقة، والثالث ليس بمعلوم أن يكون كُفُؤًا ولا تبين أنه يرضى الالتزام بها.

فاستخرنا الله واخترنا لهذه الدرجة العلية والوظيفة الربانية ولدنا الروحي الخوري جرجس البلمندي بما أنه كفؤ لها من حيث السيرة وحسن التدبير وسلامة الذمة والسريرة؛ ولذا حررنا هذه الوثيقة لإظهار انتخابنا المذكور ورضانا به، حتى كل من اعتمد على رأينا المرقوم يحرر خطه بيده لإثبات ما ألهمنا إليه تعالى من الهداية؛ لأن الجماعة الحلبية بما أنهم أبناؤنا الأخصاء قد التمسوا منا أن نقيم عندهم لسياسة أمورهم ولإظهار محبتنا لهم ما دمنا في قيد الحياة، وإن اقتضى أمر ضروري لسياسة غيرهم فنذهب لقضائه ونجازه ونعود إليهم، فرأينا أن إجابة طلبهم من وجه المحبة الأبوية واجب ومقبول وحري بالقبول. فأجبنا التماسهم المرغوب كالمأمول، وهم قبلوا هذا العهد والقرار على هذا المنوال بناءً على أن يثبت المقال بثبات الأفعال وعليه الاتكال.٧٣

وبعد أن ارتقى جراسيموس إلى الأسقفية رفض الذهاب إلى دمشق بوكالة البطريرك، فقامت بينهما الضغائن. وكان من الحلبيين قسم وافر قد شرد عن الأرثوذكسية، فلما رأوا ما جرى بين أثناسيوس وجراسيموس وكانوا ينفرون من الأول نظرًا لاجتهاده في مقاومتهم، تحزبوا لجراسيموس ومالوه إليهم. فلما رأى البطريرك ذلك أبعد جراسيموس عن حلب وحرم الشماس عبد الله زاخر، فخرج جراسيموس من حلب وأقام مدة في دير البلمند، ثم في دير السيدة في رأس بعلبك ثم في بعلبك نفسها. وما فتئ جراسيموس مبعدًا حتى تموز السنة ١٧٢٤، وفيه وهبه البطريرك الحل وأعاده إلى كرسيه.

أثناسيوس ودمشق

وصمم أثناسيوس على محاربة الكثلكة في دمشق وأصر على ذلك، فكتب في الرابع عشر من كانون الأول سنة ١٧٢٢ إلى لاونديوس متروبوليت حماة ووكيله في دمشق أن يجمع الكهنة والشمامسة والوكلاء والأعيان ويكلمهم فيما جرى، ويأمرهم بالتمسك بالتقاليد الأرثوذكسية بدون زيادة أو نقصان، وبكتابة محضر بذلك يبين واقع الحال ويقنع البطريرك القسطنطيني وسائر المطارنة. وأمر لاونديوس أن يُفهم الدمشقيين أن بطريركهم يتبع الكنيسة الشرقية والمجامع المقدسة السبعة، وأنه يؤمن بجميع ما قالوه وحددوه من القوانين والطقوس والرتب والأصوام والصلوات جميعها، فإن قبلوا هذا الرأي وأعطوا خطوط أيديهم به جاز وبقي هو على ما كان عليه من الاهتمام بهم، وإن لم يمتثلوا فليس على لاونديوس إلا أن يعلم البطريرك بذلك ليرفع يده ويتركهم «يعملون خلاصهم»، وإن طاعوا رضي عنهم. ولكنه يصر على ربط الخوري خليل خبية والخوري عبد المسيح زبال والقس يوحنا خبية والقس نقولاسيور، وإن لم يحفظ هؤلاء الرباط البطريركي وقعوا في الحرم بكلمة الرب العزيز، وكذلك من تعصب معهم وشوش فهو محروم أيضًا!٧٤

مجمع دير المخلص

وتُوفي أفتيميوس الصيفي في السابع والعشرين من تشرين الثاني حسابًا شرقيًّا سنة ١٧٢٣، فاجتمع كهنة الروم الكاثوليك في دير المخلص، وانضم إليهم الوجوه والأعيان وتفاوضوا في أمر خلف يتولى شئون الروم الكاثوليك، فطلبوا إلى الخوري سيرافيم ابن أخت أفتيميوس أن يخلف خاله فأبى؛ لأن نصارى صيدا كانوا لا يزالون يفاوضون البطريرك أثناسيوس في سيامة سيرافيم مطرانًا على صيدا. فاتجهت الأنظار نحو الخوري جبرائيل فينان، فقال: «إن هذا الأمر ليس في يدنا.» فقالوا له: «أنتم اسكتوا واقبلوا الدرجة ونحن نعمل شغلنا.» فقبل فألح المجتمعون على الأمير حيدر حاكم جبل لبنان أن يوجد مطارنة ثلاثة يرسمون جبرائيل، «فجاب لهم الأمير ثلاثة مطارنة من تحت حكمه الواحد مطران بيروت من طقس الروم، والثاني مطران إلياس الموراني، والثالث مطران إبرام الأرمني.»٧٥ وسام هؤلاء جبرائيل أسقفًا على بانياس ودعوه باسيليوس. وأقام باسيليوس في دير المخلص يدبر شئونه، ثم كتب في الثاني من آذار سنة ١٧٢٤ إلى مجمع الإيمان يوضح واقع الحال ويرجو «الحلة من الكرسي الرسولي»؛ لأن نيوفيطوس غير كاثوليكي!٧٦

أغناطيوس مطران صور وصيدا (١٧٢٤)

ولم يرضَ أثناسيوس البطريرك عن رسامة باسيليوس، ولم يثق بسيرافيم لاندفاعه الشديد في سبيل الكثلكة وجرأته على الجهر بها. وكان لا يزال يأمل في تسوية الأمور ورد الشاردين إلى الحظيرة، فاتخذ موقفًا وسطًا في رسامة خلف أفتيميوس على صور وصيدا، فوافق على ترشيح الخوري أغناطيوس البيروتي، وكان هذا من تلاميذ أفتيميوس وقد ناب عنه في أثناء غيابه، ولكنه كان «مسكينًا لين الجانب»، فدعاه إلى حلب، وطلب إلى نيوفيطوس متروبوليت بيروت ونيوفيطوس متروبوليت صيدنايا أن يتوليا أمر رسامته وسمح لهما بالقيام بذلك وحدهما لتعذر وجود مطران ثالث، وقال في مرسومه: إنه عمل بنص القانون العشرين من الكتاب الثالث من قوانين الرسل والفصل السابع والعشرين من كتاب المراسيم الرسولية للقديس إكليمنضدوس تلميذ بطرس الرسول.٧٧

وفاة البطريرك أثناسيوس (١٧٢٤)

وكبر أثناسيوس وتجاوز الخامسة والسبعين، وكان قد أصابه استرخاء في مثانته فتوفي في الرابع والعشرين من تموز سنة ١٧٢٤ ودفن في جرن أعده لنفسه في كنيسة حلب. وجاء للخوري ميخائيل بريك أنه مات مسمومًا.٧٨ وجاء في تاريخ الرهبنة الشويرية أنه احتفل بخدمة القداس في أوائل شهر تموز وقال عند النهاية: «إن بعضًا ألفوا كتابًا ضد مجمعنا (عبد الله زاخر) فليكونوا محرومين هم ومن يقرأ في كتابهم.» فشعر وهو يخلع ثوبه الحبري بألم فلزم فراشه.٧٩
وجاء في «تاريخ البدع» لجرمانوس فرحات أنه لما دنت ساعة وفاة البطريرك جاءه الأب فروماج اليسوعي وفاتحه كلامًا في سر الاعتراف، فأبى أن يعترف عنده وقال: لقد اعترفت! وأضاف جرمانوس أن البطريرك اعترف على يد الخوري بطرس الأشقر الأرثوذكسي رئيس دير مار جرجس الحميرة وأنه مات أرثوذكسيًّا.٨٠ وجاء في تاريخ الرهبنة الشويرية أن أثناسيوس بقي مصرًّا «على شقاقه» حتى الموت،٨١ وجاء للأب جوزف دي ريلي رئيس دير الكبوشيين في حلب أنه ذهب في السابع والعشرين من تموز حسابًا غربيًّا لعيادة السيد أثناسيوس بطريرك الروم ولم يكتم له خوفه من دنو أجله، فرفض قرارات المجمع القسطنطيني وقال: إنه لا يعرف إلا كنيسة واحدة هي كنيسة رومة، وإنه يموت على هذا الإيمان والاعتقاد ما عدا عادات الطقس التي لا تمس الدين، وإنه يقبل كل المجامع المسكونية، ولا سيما المجمع الفلورنتيني، وإنه حل عبد الله زاخر قبل وفاته.٨٢ وجاء أخيرًا للمؤرخ المجهول صاحب «تاريخ نشأة الطائفة المعروفة بالروم الكاثوليك» الذي دوِّن في حوالي السنة ١٨٢٠ ما يلي:
ويزعم الكاثوليكيون أن أثناسيوس تُوفي على مذهبهم، وهو قول شائع بينهم وبين أحزابهم لما علم من عادة هؤلاء القوم من أنه إذا تُوفي واحد منهم أو منا وكان من المعروفين بالتقى والصلاح قالوا إنه مات على رأيهم ولو كان ذلك زورًا وافتراء، ولا إثم عندهم في ذاك ولا حرج!٨٣

ونحن نرى أن شهادة المطران جرمانوس فرحات أولى بثقتنا، فهو مطران الموارنة الموالين لرومة، وهو صديق أثناسيوس وجليسه ولا مصلحة له فيما يروي، ومؤرخ الرهبانية الشويرية لا يناقضه في ذلك، ولا يجوز اتخاذ موقف وسط في هذه القضية، فما يصح في علم الرياضيات يصح هنا.

البطريرك كيرلس طاناس الكاثوليكي (١٧٢٤)

وبعد وفاة أثناسيوس الرابع تشدد المنفصلون وانتهزوا الفرصة لتقوية مركزهم في الكرسي وتعزيز جانبهم برئاسة سيرافيم طاناس ابن أخت أفتيميوس الصيفي. وولد سيرافيم في دمشق في نحو السنة ١٦٨٠، وتربى على يد خاله أفتيميوس، وأَمَّ رومة في السنة ١٧٠٢ لتلقي العلوم فيها، ثم عاد إلى صيدا مركز أبرشية خاله في السنة ١٧١٠، فرسمه خاله كاهنًا فعمل بإرشاده وتنقل واعظًا داعيًا لرومة في أبرشيات الكرسي الأنطاكي. وانتدبه فريق من أهل عكة مطرانًا لهم، فعارضه في ذلك البطريرك الأوروشليمي ولم تتم رسامته. ثم انتدبه أهل أبرشية صور وصيدا ليخلف خاله عليهم، فذهب إلى حلب حاملًا صكوك انتدابه طالبًا رسامته من يد البطريرك أثناسيوس، فأبى هذا أن يرسمه لما اشتهر به من خضوع لرومة وجهر بوجوب الاتحاد معها. ولما تُوفي أثناسيوس قر قرار المنفصلين في دمشق وعددهم ثلاثمائة وثمانية وعشرون على انتداب سيرافيم للكرسي البطريركي وكتبوا بذلك صكًّا ووقعوه ورفعوه إلى السلطات الزمنية في دمشق، فقالوا:
المعروض بعد الدعاء المفروض بين يدي حضرة أولياء النعم أرباب السيف والقلم جناب الدولة العلية والسدة السنية، أدام الله تعالى ملكها على التأبيد وأمدها بالنصر والتأييد من عبيدهم ومماليكهم النصارى الذميين القاطنين بمحروسة دمشق الشام من طائفة الروم الداعيين لهذه الدولة العلية بالبقاء على الدوام المسطرة أسمائهم أدناه بأنهم قد قبلوا ورضيوا واختاروا بأن يكون عليهم المعلم كيرلس بطريركًا ومتكلمًا مطاعًا؛ ليسوسهم بالقوانين المألوفة، ويراعي أحوالهم بالسياسة المعروفة على النمط السابق من البطاركة السابقين قبله بالأسلوب المعهود بينهم، فإنه لذلك أهل ومستحق للرياسة عليهم وللبطريركية مستوجب لديهم. ويرجون من مراحم الدولة العلية وإحساناتها المرضية تقرير هذا المعلم في بطريركية أنطاكية في دمشق الشام واستجلاب الدعاء من الخاص والعام. شيد الله أركان هذه الدولة العلية على ممر الليالي والأيام إلى يوم البعث وساعة القيام والدعاء باقي.٨٤

وقدموا هذه العريضة إلى الباشا وكلفوه استصدار براءة سلطانية بذلك ودفعوا له ما توجب دفعه. ثم فاوضوا أساقفة كنيسة أنطاكية في أمر الرسامة، فامتنع الأساقفة، ولم يتوجه منهم أحد إلى دمشق سوى نيوفيطوس أسقف صيدنايا. فاستقدم الدمشقيون باسيليوس فينان من دير المخلص، ولدى وصوله رسم بالاشتراك مع نيوفيطوس الخوري أفتيميوس فاضل أسقفًا على الفرزل ليكون للبطريرك أساقفة ثلاثة يقومون بتنصيبه. ولا يخفى ما في هذا العمل من الخروج على التقاليد المقدسة، فأسقفية باسيليوس كانت في أساسها غير قانونية لتدخل الأمير حيدر فيها وضغطه على نيوفيطوس متروبوليت بيروت وإحضاره جبرًا، ولاشتراك أسقف ماروني وأسقف أرمني في الرسامة. ومن ظواهر الخروج على التقاليد إقدام نيوفيطوس صيدنايا وباسيليوس دير المخلص على سيامة أسقف ثالث وانفرادهما بذلك. ولا يجوز اعتبار سيامة أغناطيوس على صور وصيدا سابقة لمثل هذا الشذوذ؛ لأن البطريرك أثناسيوس وافق على رسامة هذا بالاشتراك مع نيوفيطوس ونيوفيطوس، وأين البطريرك الذي وافق على سيامة أفتيميوس على الفرزل؟!

وسيم أفتيميوس في الرابع عشر من أيلول أسقفًا على الفرزل. وفي العشرين من الشهر نفسه رسم الأساقفة الثلاثة الخوري سيرافيم أسقفًا باسم كيرلس ثم نصبوه بطريركًا. ولم تأبه رومة لهذا الشذوذ وهذا الخروج على التقاليد الرسولية المقدسة، فأصدر حبرها بندكتوس الثالث عشر براءة رسولية في الخامس عشر من آذار سنة ١٧٢٩ ثبت بها كيرلس طاناس بطريركًا على أنطاكية، وأرسل له الباليوم (الأموفوري) «بعد وضعه على ذخائر القديس بطرس رمزًا إلى استمداد السلطة منه.»٨٥
ووضع كيرلس طاناس يده على المركز البطريركي في دمشق واستوى على عرش الكاتدرائية، «ورفع آيات الشكر لله بذلك، وسمع حينئذٍ لأول مرة: أؤمن أن الحبر الأعظم الروماني هو نائب السيد المسيح ورأس الكنيسة كلها، وأؤمن أن الروح القدس منبثق من الآب والابن.»٨٦ وجاء في «الحقائق الوضية»، ص٦٤:

وحينئذٍ أعلنوا الأشياء الخمسة ودخل الإفرنج إلى الكنيسة وذلت طائفة الروم فتعاظم الخطب واشتدت الفتنة وتكاثرت المظالم والمغارم، ودخل جماعة من حاشية الحاكم من المسلمين بقصب الدخان إلى داخل الهيكل والبطرك في التقديس وتكلموا معه.

ورسم كيرلس الخوري مطوديوس الحلبي أسقفًا على القلاية وقلده أمر تدبير أبرشية دمشق لمعاونته في أمرها.٨٧

سلفسترُس الأول (١٧٢٤–١٧٦٦)

وكان أثناسيوس قبل وفاته قد أشار إلى المسيحيين في حلب وغيرها أن ينتدبوا خليفة له كاهنًا يُدعى سلفسترس قبرصي الأصل، خدم عنده أولًا كشماس ورافقه في كثير من أسفاره إلى بلاد الفلاخ والبغدان وغيرها، ثم تركه وانخرط في إكليروس الكنيسة القسطنطينية. وكان سلفسترس وقتئذٍ مقيمًا في الجبل المقدس آثوس متنسكًا متزهدًا.٨٨
وراسل كيرلس طاناس المسيحيين الثابتين على الإيمان القومي ليجتذبهم إليه، وحرر أيضًا إلى أساقفة الكرسي الأنطاكي وأعلن لهم أنه قد انتصب عليهم بطريركًا، وطلب إليهم أن يعرفوه ويخضعوا له ويذكروا اسمه، وتوعد من يخالفه بالخلع فلم يجبه المطارنة. وكانوا قبل أن تصل إليهم رسائله حرروا مع الشعب إلى المجمع القسطنطيني الذي كان يرأسه البطريرك بائيسيوس، وأخبروه عن وفاة البطريرك أثناسيوس وعن أعمال كيرلس طاناس وعن كيفية شرطونيته ودخوله بالقوة الجبرية إلى قلاية دمشق وإقامته فيها. وطلبوا إلى المجمع المساعدة الأخوية بما كان له من نفوذ أدبي لدى الحكومة العثمانية، وأعلنوا لهم أنهم انتدبوا سلفسترُس بطريركًا، ويرغبون في أن يصير استدعاؤه من جبل آثوس وترقيته إلى الأسقفية ليتبوأ السدة الأنطاكية الرسولية، ورمى المسيحيون الأنطاكيون بعملهم هذا إلى الحصول على شخص يجمع بين الخبرة والنفوذ الأدبي، ويأتي كنيسة أنطاكية مصحوبًا ببراءة سلطانية وتواصٍ تساعده على كبح جماح المخالفين وعلى المحاماة عن الإيمان الأرثوذكسي، فيتمكن من أن يقوي الأرثوذكسية ويزيل الخصام بين مسيحي أنطاكية ويعمل على توحيد قلوبهم.٨٩
فلما وصلت هذه الكتابات إلى المجمع القسطنطيني حرر إلى جبل آثوس واستدعى سلفسترس ورقاه إلى درجة الأسقفية في السابع والعشرين من أيلول سنة ١٧٢٤، وأخرج له براءة سلطانية وأوامر سنية بنفي كيرلس طاناس، وعزل أبو طوق والي دمشق الذي تعهد باستصدار البراءة السلطانية لكيرلس. وشاع خبر سلفسترس وبراءته والأوامر التي بيده، ففر كيرلس حاملًا الملابس والتيجان والصلبان والكئوس والصواني وسائر الأواني المقدسة التي كان مكاريوس قد أحضرها من روسية، والتجأ إلى جبل لبنان وأقام في دير المخلص.٩٠
وكان كير سلفسترس رجلًا فاضلًا أقام مدة طويلة في مناسك جبل آثوس، ونظرًا لابتعاده عن العالم كان ساذجًا خفيف العِنان سهل الانقياد، ولكنه كان في الوقت نفسه شديد التمسك بالرسوم الشريفة، لا يتزعزع ولا يَحيد عنها.٩١
ولدى وصول سلفسترس إلى حلب بلغه ما فعله سيرافيم فأسرع إلى دمشق وأقام فيها شهرين، ورحب به أهلها وبينهم أنصار كيرلس طاناس، ثم خرج للتطواف. وبعد سنة ونصف سنة اتجه شطر حلب، ولما وصل إلى خان طومان خرج أعيانها الأرثوذكسيون لاستقباله وأعدوا له هناك مائدة نفيسة من السمك مع أنه كان يوم أربعاء؛ وذلك بناء على الإجازة التي كانوا قد أخذوها من البطريرك السابق أثناسيوس، فلما نظر سلفسترُس السمك رفس المائدة برجله وحرم الحلبيين وترك الأعيان وذهب توًّا إلى قلاية حلب. وحاول الحلبيون استرضاء البطريرك، ولكنه لم يصفح، بل انتصب نهار الأحد التالي في الكنيسة وحرم كل من يجسر في المستقبل أن يتناول سمكًا في يومي الأربعاء والجمعة. ولم يقتصر على هذا الحد، بل حقَّر وجهاء حلب وشكا المتشيعين منهم إلى الباباوية إلى الوالي فأودعوا السجن ولم يطلق سبيلهم إلا بعد خسائر جمة، فغضب هؤلاء وحقدوا وسعوا لحبس البطريرك. وعلم سلفسترس ذلك من قنصل الإنكليز ففر خفية إلى اللاذقية ومنها توجه بحرًا إلى القسطنطينية.٩٢
وشكا الحلبيون أمرَهم إلى المجمع القسطنطيني وادَّعوا أن سلفسترس يضرب الكهنة ويسلم الأعيان إلى الحكام ويعرض أموال الشعب للمصادرة والمغارم ويهدد بالنفي والقتل، «ويتهمهم بأنهم على مذهب الإفرنج»، وأنهم طردوه ولم يعد بإمكانهم قبوله. ووصل سلفسترس نفسه إلى القسطنطينية فشكا الحلبيين بدوره، فنصح المجمع باللين والرقة والإقناع والمحبة وبعث أسقفًا يُدعى غريغوريوس وكيلًا عن البطريرك سلفسترس وأمره بإقامة اسم سلفسترس، فرحب به الحلبيون وعادوا إلى الكنيسة صباحَ مساء «ولم يظهروا آراءهم».٩٣
وأصدر المجمع القسطنطيني في السنة ١٧٢٥ وبالاتفاق مع البطريرك سلفسترس منشورًا رعائيًّا موجهًا إلى المسيحيين من أبناء كنيستي أنطاكية وأورشليم، يحضهم على الابتعاد عن التعاليم المحدثة الغربية التي لا تنطبق على تعاليم المجامع المسكونية والآباء القديسين ويرشق المخالفين بالحرم.٩٤
ومكث غريغوريوس في حلب سنتين، ثم سئم الإقامة بها؛ لأنها ليست من أبرشيته، فاستأذن الحلبيين وودعهم وانقلب راجعًا إلى القسطنطينية. فكتب الحلبيون إلى المجمع القسطنطيني بذلك وطلبوا العفو عن جراسيموس أسقفهم الشرعي وإعادته إليهم، فأجابهم المجمع إلى ذلك وأخرج جراسيموس من المنفى بعد أن لبث فيه خمس سنوات ونصف السنة، وأوصاه أن يحسن سلوكه فيهم، وأن يقيم اسم البطريرك سلفسترس، فقبل الوصية وأظهر الطاعة. ولما وصل إلى حلب أحسن الحلبيون استقباله وأكرموه ولبث بينهم يتظاهر بما أوصاه به المجمع القسطنطيني، وكان يذكر في قداسه اسم البطريرك سلفسترس. وكان الحلبيون يَؤمُّون الكنيسة بشطريهم وكل منهم على رأيه، بيد أن رهبان الإفرنج ما فتئوا يزينون لهم أمر الطاعة والخضوع لرومة ويشحذون عزائمهم على فعله، بل يدفعونهم إليه ويسوقونهم سوقًا. وكان جراسيموس يسكت عن هذه الأعمال؛ لأنه كان يبطن الكثلكة وإن تظاهر بخلافها خوفًا من الرجوع إلى المنفى.٩٥

سلفسترس في بلاد المسيحيين

واجتهد سلفسترس لدى وصوله إلى القسطنطينية في رد الحلبيين إلى الطاعة بالقوة، وأنفق في هذا السبيل مبالغ وافرة، ولما لم يتسنَّ له الفوز بمرغوبه عاد إلى الكرسي مارًّا في بلاد أرضروم وما يليها جامعًا بعض الحسنات، ثم وصل إلى دمشق في السنة ١٧٣١ وأقام مدةً بين المسيحيين والسلام سائد، ثم أثار رهبان الإفرنج النزاع بين الفريقين، فتثاقلت الديون على الطرفين وساءت الأحوال، ولما رأى أن لا سبيل لإزالة الشرور خرج من دمشق في جولة رعائية ثم عاد إليها وأقام علمانيًّا — ميخائيل توما — من ذوي الدراية والنفوذ والمداخلات وكيلًا عنه وتوجه إلى القسطنطينية. وبعد مذاكرة البطريرك القسطنطيني ومجمعه خرج منها إلى بلاد الفلاخ والبغدان؛ لأجل جمع الإحسان ووفاء الديون، وقيل: إن هذه الغيبة استغرقت نحو عشر سنوات. وفي أثنائها عمَّر سلفسترس دَيرًا في بلاد البغدان على اسم القديس اسبيريدون العجائبي ووقفه على الكرسي الأنطاكي.

وطبع سلفسترس في السنة ١٧٤٧ في اللغة العربية في بخارست مجموعة تحوي النصوص التي نُظمت في المجمعين المنعقدين في القسطنطينية بشأن ظهور الكثلكة بين صفوف المسيحيين الأنطاكيين؛ أحدهما: في أواخر السنة ١٧٢٣ برئاسة البطريرك أرميا، والآخر: في السنة ١٧٢٧ برئاسة البطريرك بائيسيوس. وحوت هذه المجموعة أيضًا خمس مقالات بالعربية فيها الردود الأرثوذكسية على القضايا الخمس المستحدثة عند اللاتينيين، وجاء بعد هذه دستور «كنيسة المسيح المقدسة الشرقية»،٩٦ فإذا به يتضمن سبعة عشر رأسًا؛ أي فصلًا، وإليك خلاصتها:
  • الرأس الأول: على كل مسيحي أن يقر ويعترف بالقلب واللسان بالأمانة المقدسة المرتبة بإلهام الروح القدس من المجامع الإلهية كما تعترف به كنيسة المسيح المقدسة الجامعة الرسولية الشرقية هكذا: أؤمن بإله واحد آب ضابط الكل خالق السماوات والأرض … إلخ.
  • الرأس الثاني: وبسبعة مجامع مسكونية فقط لا غير: مجمع نيقية، ومجمع القسطنطينية، ومجمع أفسس، ومجمع خلكيدونية، ومجمعي القسطنطينية الخامس والسادس، ومجمع نيقية السابع المسكوني، وساير المجامع الصغيرة أيضًا.
  • الرأس الثالث: وبجميع التقليد المسلَّم من الرسل القديسين وخلفائهم الآباء الإلهيين المكتوب وغير المكتوب كما تحفظه الكنيسة من غير زيادة أو نقصان.
  • الرأس الرابع: وبأسرار سبعة؛ سر المعمودية وسر الميرون وسر القداس الإلهي وسر الكهنوت وسر الإكليل الناموسي وسر التوبة؛ أي الاعتراف، وسر الزيت المقدس.
  • الرأس الخامس: وبأن الروح القدس منبثق من الآب وحده وليس من الابن، والزيادة التي أحدثها اللاتينيون غير مقبولة من المجامع المقدسة، وهي سبب الانشقاق والانفصال.
  • الرأس السادس: وبسر القداس الإلهي وبأن الاستحالة تتم بعد القول: واضع هذا الخبز جسد مسيحك المكرم، وأما هذا الكأس دم مسيحك المكرم لينتقلان بروحك القدوس ويستحيلان.
  • الرأس السابع: نبذ العقاب الذي أحدثه اللاتينيون الذي يسمونه مطهرًا، والرأي عندنا في الذين قد توفوا أنهم ينتظرون القيامة في أماكن عديمة التعزية مخيفة محزنة، أما أنفس الصديقين فإنها في أماكن نيرة براحة وطمأنينة تنتظر السعادة المغبوطة.
  • الرأس الثامن: بأن القديسين لم ينالوا بعد السعادة التامة، وبأنهم ينتظرون حضور سيدنا يسوع المسيح لينالوا السعادة الكاملة بأجسادهم معنا.
  • الرأس التاسع: بأن النور الذي أشرق على جبل طابور في تجلي المسيح ليس هو مخلوق ولا هو جوهر الله مطلقًا، ولكنه مجد التجسد الإلهي.
  • الرأس العاشر: بأن المواهب المختصة بالآب والابن والروح القدس ليست مخلوقة، ولكنها مختصة به منذ البداية.
  • الرأس الحادي عشر: بأن رأس الكنيسة الجامعة الرسولية هو سيدنا يسوع المسيح، وأما بابا رومة فإنه تابع خاضع لأوامر المجامع.
  • الرأس الثاني عشر: نقر أيضًا بالكتب الإلهية المسلَّمة إلينا من الآباء القديسين، ونقبل تفاسيرهم لا تفاسير رومة المحرفة المعوجة.
  • الرأس الثالث عشر: ونعترف بالغفرانات التي يمنحها البطاركة بتدقيق وتمييز لا كما تمنحها كنيسة الغربيين.
  • الرأس الرابع عشر: ونعتقد أن الرسل القديسين حرموا علينا ذبيحة الأصنام كلها والدم المخنوق، وأمرهم هذا مطاع وثابت.
  • الرأس الخامس عشر: ونقول: إن سر الزواج الناموسي لا ينفك عملًا بقول الإنجيل: ما أزوجه الله لا يفرقه إنسان. أما إذا استبان على الامرأة أمر زنًى فلرجلها أن ينفصل عنها ويتزوج من غيرها.
  • الرأس السادس عشر: نحفظ القوانين والتعاليم الرسولية ونثبتها ونؤيدها.
  • الرأس السابع عشر: هذه هي أمانة المسيحيين الأرثوذكسيين الصحيحة، وهي دين شرعي على كل المسيحيين أبناء جنسنا، ومن يعود راجعًا ويطلب الاتحاد بالكنيسة المقدسة عليه أن يقر ويعترف بجميع هذا الدستور. تحريرًا في السنة ١٧٢٧.

منع الاشتراك في القدسيات (١٧٢٩)

وفي السنة ١٧٢٩ أعلن مجمع نشر الإيمان «أن الاشتراك في الإلهيات مع المشاقين والهراطقة ومخالطتهم في طقوسهم غير جائز.» وأكد هذا المجمع أن عمله هذا مبني على النظر والخبرة، وأن المخالطة محرمة بموجب الناموس الطبيعي والإلهي.٩٧

كيرلس ودمشق

وأما كيرلس طاناس فإنه بعد أن خرج من دمشق والتجأ إلى لبنان أقام في دير المخلص وأجهد كثيرًا في الضغط على الأرثوذكسيين في أبرشيات الساحل وتحريضهم على نبذ الطاعة لرؤسائهم القانونيين. وفي أثناء غيبة سلفسترس التي طالت كثيرًا اتفق مع بعض أهالي حلب ورهبان الإفرنج، وعمل على تأليف عرائض من بعض الأهالي وإرسال كتابات من قناصل فرنسة والنمسة في حلب وصيدا إلى سفرائهم في الآستانة لأجل مساعدته في الحصول على براءة سلطانية. وأنفق مبالغ وافرة في إعداد عرائض أخرى يشكو الدمشقيون فيها من إطالة غيبة بطريركهم ويبينون احتياجهم إلى بطريرك يدبر أمورهم الدينية، ويشهرون في الوقت نفسه رضاهم عن كيرلس طاناس ويطلبونه بطريركًا عليهم. وسعى سفير فرنسة ووكيل البابا في الآستانة وقدما أربعة آلاف ريال روماني للدفتر دار واستصدرا البراءة المنشودة في السنة ١٧٤٥ وأرسلاها إلى قنصل فرنسة في صيدا.

واستلمها كيرلس وأوفد نائبًا عنه إلى دمشق فأطلع واليها على الأوامر السنية. وتمكَّن من وضع يده على الكنيسة ومِن سجن ميخائيل توما وبعض الأعيان. ثم قام كيرلس نفسه إلى دمشق وسجل براءته في محكمتها الشرعية واستولى على الكرسي،٩٨ وأفاد ديمتري شحاده نقلًا عن جدته ابنة الخوري ميخائيل بريك أنه لدى عودة كيرلس إلى دمشق اشتد الاضطراب، فكان كلما تلا دستور الإيمان بزيادة «والابن» تظهر العكاكيز ويبدأ الضرب،٩٩ وحرَّر كيرلس إلى المطارنة يعلن وصول البراءة ويطلب الخضوع. فنبذ الأساقفة أمره وحرروا إلى البطريرك المسكوني بائيسيوس بما كان من أمر كيرلس طاناس والتمسوا أن يحرر بسرعة إلى سلفسترس ويستعجله بالرجوع إلى الكرسي. فأسرع بطريرك القسطنطينية واستعجل سلفسترُس وقدَّم عريضة بالاتفاق مع برثينيوس البطريرك الأوروشليمي وثلاثة عشر مطرانًا إلى الحضرة السلطانية، بيَّنوا فيها مساوئ كيرلس طاناس الذي ادعى أنه بطريرك أرثوذكسي، وهو على مذهب الإفرنج، وشهدوا أن البطريرك القانوني حي يرزق وبيده براءة سلطانية.

كيرلس يعود إلى دير المخلص

ولما تحققت الحكومة العثمانية مقاصد كيرلس طاناس وسفيري فرنسة والبابا أصدرت لسلفسترس براءة ثانية وفرمانًا يأمر بالقبض على كيرلس طاناس ونفيه، فأرسل سلفسترس مأمورًا من قِبل الباب العالي يعلن للحكومة في دمشق وللمسيحيين ما كان من صدور الأوامر بإلغاء بطريركية كيرلس وتسليم الكنيسة الكاتدرائية والبطركخانة للأورثوذكسيين. ثم عيَّن نيقوفوروس متروبوليت باياس وكيلًا عنه مفوضًا بكل الإجراءات القانونية، وأرسل معه الفرمان والأوراق التي تتضمن الأوامر المشار إليها، فحضر هذا الوكيل إلى دمشق بعد سنة من صدور هذه الأوامر، وقابل أسعد باشا والي دمشق فاستقبله على غاية ما يرام، وساعده بإجراء كل ما من شأنه تعزيز جانبه.

وعلم كيرلس بعزله قبل وصول المأمور وقبل حضور نيقيفوروس فعاد إلى دير المخلِّص. أما أتباعه في دمشق فإن بعضهم عادوا إلى الأرثوذكسية وبعضهم ترددوا إلى الكنيسة الأرثوذكسية مدة من الزمن ثم تركوها وصاروا يقيمون الصلاة في دير الإفرنج. وكان قد قدم إلى بيروت رجل من بني الدلال من يافة، وكان يتظاهر بالأورثوذكسية ويبطن الكثلكة، فجعل يبث آراء الغربيين في أكل السمك وتقصير الصوم فمال قوم إلى كلامه وعملوا به، وكان من جملة هؤلاء جرجس الدهان وذووه، فاستغل جرجس عطف الأمراء الشهابيين عليه استولى من الجانب الشمالي من الكنيسة الكاتدرائية هيكلًا على اسم النبي إلياس وأقام له قسيسًا اسمه ثيودوسيوس دهان ليخدم التابعين له. ثم حضر كيرلس طاناس إلى بيروت ودفع مبلغًا من المال إلى الأمير ملحم الشهابي حاكم بيروت آنئذٍ واستولى على كنيسة مار إلياس كلها، وأحضر أسقفين من الجبل وشرطن ثيودوسيوس مطرانًا على بيروت بحياة مطرانها القانوني نيوفيطوس، وأكره نيوفيطوس على النزول إلى الكنيسة ولبس البطرشيل والأموفوري في أثناء سيامة ثيودوسيوس. على أن هذا الاستبداد لم تطل مدته أكثر من أسبوع واحد، فإنه على أثر بلوغ الخبر بقرب وصول سلفسترس مصحوبًا بالأوامر السلطانية وبنفي كيرلس أسرع هذا والأسقف الجديد الذي تشرطن منه وهربا إلى الجبل، فاسترجع الأرثوذكسيون كنيستهم ثم كتبوا إلى البطريرك سلفسترس بما جرى وبعجز نيوفيطوس لتقدمه في السن وفقد بصره ورغبته في التنزل عن المطرانية وطلبوا شرطنة أسقف بدلًا منه. وكان سلفسترس قد خرج من القسطنطينية وجاء أرضروم، فأخذ عريضتهم وهو في هذه الأبرشية وشرطن لهم شماسه يوانيكيوس القبرصي وأرسله حالًا. وبوصوله استلم الكرسي بكل هدوء بعد أن تنزل له نيوفيطوس،١٠٠ وجاء للخوري قسطنطين الباشا أن نيوفيطوس تفرغ عن كرسيه وأبرشيته على يد كيرلس طاناس لثيودوسيوس دهان، ولكنه لم يذكر مراجعة.١٠١

سلفسترس في دمشق (١٧٥٤–١٧٦٦)

وقضى سلفسترس في دمشق اثنتي عشرة سنة انقطعت في غضونها القلاقل بينه وبين الباباويين؛ لأنه لاحظ أن المناحرة تكبِّد الطرفين خسائر مادية جسيمة، ولم يكن هو من الأشخاص الذي يجتذبون الرعايا بالوسائل الأدبية كالإرشاد والوعظ والتعليم وبالمحبة المسيحية الحقيقية التي تُلاشي البغض والحقد وترفع الكنيسة إلى المستوى اللائق بها. وكان للذين انحازوا إلى الكثلكة في هذه الآونة قسوس يخدمونهم في البيوت أو في كنائس اللاتين أو غيرهم من الطوائف الكاثوليكية. أما أكاليلهم ومعمودياتهم وجنازاتهم في المدن والأوساط الأرثوذكسية فإن الكهنة الأرثوذكسيين كانوا يكملونها، وكانت تدفع المعينات عنها إلى المراجع الأرثوذكسية.

وفي أواخر عمل سلفسترُس الميرون المقدس في كنيسة القديس نقولاوس في دمشق مع اثنين من رؤساء الكهنة وسبعة عشر كاهنًا وعشرة شمامسة. وفي الثالث عشر من آذار سنة ١٧٦٦ انتقل إلى رحمة ربه ودُفن في مقبرة البطاركة في تلك القديس جاورجيوس.١٠٢
١  «تاريخ البطاركة الأنطاكيين»، لغطاس قندلفت، مجلة «المنار»، ١٨٩٩، ص٢٤٧.
٢  Constantius, Patriarchs of Antioch; Neale, J. M., Patriarchate of Antioch, 183.
٣  ولعل هذا المؤرخ المجهول هو عبد الله ميخائيل طراد.
٤  البطاركة الأنطاكيون لدوسيتيوس في مجموعة المقتطفات من مخطوطات القبر المقدس لكرمفس ١: ٢٨٦ (بطرسبرج ١٨٩١).
٥  السجلات البطريركية ٢: ١٥٩، «نشأة الكثلكة»، لسيادة أغناطيوس متروبوليت البرازيل، «الراعي الصالح»، ج٥، ص٣٦ و٥٢.
٦  مكتبة فوطيوس تصنيف جناديوس (أراباتزغلوا) متروبوليت هيروبوليس وثيرون، (١٩٣٥)، ص٤٩ و١٣٨، «الراعي الصالح»، ج٥، ص١٨٦.
٧  «البطاركة الأنطاكيون»، لغطاس قندلفت، «المنار»، ١٨٩٩، ص٢٦٧، «خريسوفرجي»، ص٤٣.
٨  «تاريخ طائفة الروم الملكية»، للخوري قسطنطين الباشا، ج١، ص٧٦، هامش ١.
٩  Rey, La Protection diplomatique et consulaire, 305; Neuville, R., Heurs et Malheurs des consuls de france a Jérusalem, Ronald Press, 1947.
١٠  Jock, Th., Jésuites et Chouérites, 3–11: Goyau, G., Francois Picquet Consul de Louis XIV a Alep.
١١  «تاريخ البطاركة الأنطاكيين»، «منار»، ١٨٩٩، ص٢٧٨-٢٧٩.
١٢  Les Jésuites dans le Levant Vers 1650, L’Unité de L’Eglise, 1934, 64; Musset, H., Hist. du Christ, II, 131–133.
١٣  «ديوان البدع»، للمطران جرمانوس فرحات جليس أثناسيوس وعشيره في حلب، «تاريخ الطائفة الملكية»، للخوري قسطنطين الباشا، ج١، ص١٢٦-١٢٧.
١٤  «تاريخ البطاركة الأنطاكيين»، لغطاس قندلفت، «المنار»، ١٨٩٩، ص٢٦٨، و«الحقائق الوضية»، ص٦.
١٥  «ديوان البدع» أيضًا، «تاريخ الطائفة الملكية»، ج١، ص١٢٧.
١٦  «الحقائق الوضية»، ص٦٠.
١٧  المؤرخ البيروتي المجهول، «تاريخ الطائفة الملكية»، ص١٣٥-١٣٦.
١٨  Rabbath, A., op. cit., II, 106.
١٩  Scritture Originali riferite nelle Cong. Greci-melchite؛ «تاريخ الطائفة الملكية»، ج١، ص١٤٠-١٤١.
٢٠  Dict. Hist. Géog. Ecc., III, Col. 644.
٢١  المؤرخ البيروتي، «الطائفة الملكية»، ج١، ص١٣٦.
٢٢  رسالة مطارنة بيروت وبعلبك واللاذقية وطرابلس إلى مطران صيدا، «الطائفة الملكية» للخوري قسطنطين الباشا، ج١، ص١٤٤-١٤٥.
٢٣  كلام أثناسيوس نفسه كما جاء في «تاريخ بطاركة أنطاكية» الذي أعده باليونانية، «الطائفة الملكية»، ج١، ص١٣١.
٢٤  «تاريخ البطاركة الأنطاكيين»، لغطاس قندلفت، «منار»، ١٨٩٩، ص٢٧٩.
٢٥  Musset, H., op. cit., II, 165.
٢٦  كلام أثناسيوس، «الطائفة الملكية»، للخوري قسطنطين الباشا، ج١، ص١٣٢.
٢٧  مطبعة دير البلمند لعيسى زريق، «المنار»، ١٩٠٢، ص١٣٣–١٣٦ و٢٦٢–٢٦٦ و٣٢٦-٣٢٧.
٢٨  مطبعة دير الشوير لأحد أبناء الرهبنة الشويرية، «المنار»، ١٩٠٢، ص٤١٠-٤١١.
٢٩  «تاريخ البطاركة»، لغطاس قندلفت، «منار»، ١٨٩٩، ص٢٧٩.
٣٠  Lettres Edifiantes, I, 235.
٣١  «تاريخ الطائفة الملكية»، للخوري قسطنطين الباشا، ج١، ص٣٥٠-٣٥١.
٣٢  المرجع نفسه، ج١، ص٣٥٢، اطلب أيضًا: Echos d’Orient, 1903, 178.
٣٣  عن الترجمة الإيطالية وعلى ذمة الخوري قسطنطين الباشا في كتابه «تاريخ الطائفة الملكية»، ج١، ص١٠٥-١٠٦. ويلاحظ أنه لا يلزم من نص هذا الاعتراف أن أفتيميوس كان يُجاهر بالإيمان الكاثوليكي قبل انتخابه ورسامته مطرانًا ولا عند رسامته كما يتوهم المرحوم الخوري قسطنطين.
٣٤  المرجع نفسه، ج١، ص١١٨-١١٩.
٣٥  المرجع نفسه، ص١٢١–١٢٦.
٣٦  «تاريخ الطائفة الملكية»، ج١، ص٢١٨-٢١٩.
٣٧  «تاريخ الطائفة الملكية»، للخوري قسطنطين الباشا، ج١، ص١٤٤-١٤٥.
٣٨  «تاريخ الطائفة الملكية» أيضًا، ج١، ص١٦٩-١٧٠.
٣٩  المرجع نفسه أيضًا، ج١، ص١٧٦.
٤٠  «تاريخ الطائفة الملكية»، للخوري قسطنطين الباشا، ج١، ص١٨٠–٢٠٥.
٤١  «رسالة أفتيميوس إلى الكرادلة»، المؤلف نفسه، ج١، ص٢٧٣.
٤٢  «مجموعة الآباء اليسوعيين في بيروت»، مخطوط رقم ٥٥٠.
٤٣  «رسالة أفتيميوس إلى الكرادلة»، «تاريخ الطائفة الملكية»، للخوري قسطنطين الباشا، ج١، ص٢٧٢–٢٧٤.
٤٤  رسالته إلى البابا: المرجع نفسه، ج١، ص٢٨٣-٢٨٤.
٤٥  الملحق لرسالته المشار إليها: المؤلف نفسه، ج١، ص٢٧٤-٢٧٥.
٤٦  Mansi, Coll., Vol. 46, Col. 110. «تاريخ الطائفة الملكية» أيضًا، ج١، ص٣٠٤-٣٠٥.
٤٧  عن النص الكامل الذي نشره الخوري قسطنطين الباشا في كتابه «تاريخ الطائفة»، ج١، ص٢٩٨–٣٠٢.
٤٨  والكتابة هنا غير واضحة كما صرح بذلك الأب قسطنطين الباشا، «تاريخ الطائفة»، ج١، ص٣١٠ هامش.
٤٩  عن أصلها المحفوظ في سجلات مجمع انتشار الإيمان بكل ضبط وتدقيق، «نخبة من سفرة البطريرك مكاريوس الحلبي»، للخوري قسطنطين الباشا، ص١٣٩–١٤٧.
٥٠  «تاريخ الطائفة الملكية»، للخوري قسطنطين الباشا، ج١، ص٣٢٠-٣٢١.
٥١  المرجع نفسه، ج١، ص٣٣٩.
٥٢  المرجع نفسه أيضًا، ج١، ص٣٩٨-٣٩٩، راجع أيضًا رسالة الخوري أسطفان عطا الله إلى البابا في المرجع نفسه، ص٣٩٦-٣٩٧.
٥٣  «تاريخ الطائفة الملكية»، للخوري قسطنطين الباشا، ج١، ص٣٦٩–٣٩٣.
٥٤  رسالة كيرلس إلى قنصل فرنسة في صيدا (٩ تشرين الثاني سنة ١٧١٩)، المرجع نفسه، ص٤٠٣–٤٠٨.
٥٥  مجلة «المنار»، ١٨٩٩، ص٢٨٠.
٥٦  «تاريخ الطائفة الملكية»، ج١، ص٤٠٦–٤٠٨.
٥٧  «تاريخ الطائفة الملكية»، للخوري قسطنطين الباشا، ج١، ص٤٠٨-٤٠٩.
٥٨  عن نسخة «الآباء اليسوعيين في بيروت» مخطوط رقم ٥٥٠، راجع: «تاريخ الطائفة الملكية» للخوري قسطنطين الباشا، ج١، ص٤١٢–٤٢٥.
٥٩  أفتيميوس إلى إقليمس الحادي عشر (أول آب سنة ١٧٢٠)، «تاريخ الطائفة الملكية»، للخوري قسطنطين الباشا، ج١، ص٤٤٠-٤٤١.
٦٠  النقش الأثري في دار الكاتدرائية البطريركية في دمشق.
٦١  أفتيميوس إلى مجمع الإيمان (آخر كانون الثاني سنة ١٧٢٠)، «تاريخ الطائفة الملكية»، ج١، ص٤٠٩، وأثناسيوس إلى مجمع الإيمان، المرجع نفسه، ص٤٥٩.
٦٢  «ديوان البدع»، لجرمانوس فرحات، «تاريخ الطائفة الملكية»، ج١، ص١٢٧.
٦٣  المرجع نفسه، ج١، ص٤٢٩-٤٣٠.
٦٤  Vendotis, G., Prosth. Ecc. Ist. Meletion, Wien, 1796, 59.
٦٥  «البطاركة»، لغطاس قندلفت: «منار»، ١٨٩٩، ص٢٩١.
٦٦  عن كتاب «عجالة راكب الطريق لمن يرضى بتقليد التلفيق» لنعمة بن توما الخوري الحلبي، «تاريخ الطائفة الملكية»، للخوري قسطنطين الباشا، ج١، ص٤٣٦–٤٣٩.
٦٧  Demetracopoulos, A. K., Orthosos Ellas, 170, 171, 174.
٦٨  Sathas, C., Neoelleniche Philologiai, 458.
٦٩  عن رسائل أفتيميوس وساروفيم إلى مجمع الإيمان، «تاريخ الطائفة الملكية»، للخوري قسطنطين الباشا، ج١، ص٤٦٣–٤٨١، راجع أيضًا رواية الخوري جبرائيل فينان (٢٥ حزيران شرقي ١٧٢٣) في المؤلف نفسه، ص٤٨٦-٤٨٧.
٧٠  قارن بما أورده الخوري قسطنطين الباشا في «تاريخ الطائفة الملكية»، ج١، ص٤٩٧.
٧١  مجموعة نعمة توما الخوري، «عجالة راكب الطريق»، «تاريخ الطائفة الملكية»، للخوري قسطنطين الباشا، ج٢، ص٤١–٤٣.
٧٢  «تاريخ الرهبانية الشويرية»، المؤلف نفسه، ج٢، ص٤٥.
٧٣  «تاريخ الطائفة الملكية»، للخوري قسطنطين الباشا، ج٢، ص٤٣-٤٤.
٧٤  المرجع نفسه، ج١، ص١٢-١٣.
٧٥  والأول نيوفيطوس متروبوليت بيروت والثاني إلياس المحاسب مطران عرقة على الموارنة والثالث إبراهيم العينتابي مطران حلب على الأرمن الكاثوليك.
٧٦  باسيليوس إلى مجمع الإيمان، «تاريخ الطائفة الملكية»، للخوري قسطنطين الباشا، ج٢، ص١٦–١٨.
٧٧  مجموعة نعمة توما الخوري: «تاريخ الطائفة الملكية»، ج٢، ص٣٨.
٧٨  «الحقائق الوضية»، ص٦٢.
٧٩  «تاريخ الطائفة الملكية»، للخوري قسطنطين الباشا، ج٢، ص٤٨.
٨٠  المرجع نفسه، ص٤٩-٥٠.
٨١  «تاريخ الطائفة الملكية» أيضًا، ج٢، ص٥٠.
٨٢  Barenton, H., La France Catholigue en Orient, 179.
٨٣  «الحقائق الوضية»، ص١٠٤.
٨٤  محفوظات مجمع انتشار الإيمان على ذمة الخوري قسطنطين الباشا، «تاريخ الطائفة الملكية»، ج٢، ص٧٤–٨١.
٨٥  «تاريخ الطائفة الملكية»، للخوري قسطنطين الباشا، ج٢، ص١٢٩-١٣٠ و٢١٧-٢١٨.
٨٦  “Un Père Capucin de Damas”, Damas, 30 Oct. 1724, Rabbath. A., Documents, I, 566–569.
٨٧  «تاريخ الطائفة الملكية»، ج٢، ص١٢٠-١٢١.
٨٨  Constantius, Patriarchs of Antioch, op. cit., 185.
٨٩  «تاريخ البطاركة الأنطاكيين»، لغطاس قندلفت، «منار»، ١٨٩٩، ص٣٠٢-٣٠٣.
٩٠  «الحقائق الوضية»، ص٦٤.
٩١  Constantius, Patriarchs of Antioch, op. cit., 185; Kyriakos D. Ecc. Istoria, (Athens, 1883) 327.
٩٢  Hypsilantis, Athanasios Comnenos, Ecclesiasticon cai Politicon, 326.
٩٣  «نشأة الروم الكاثوليك»، لمجهول، وهو ملحق بكتاب «الحقائق الوضية»، ص١٠٨، ولعل المؤرخ المجهول هو ميخائيل الصباغ معاصر البطريرك سيرافيم، غطاس قندلفت، مجلة «المنار»، ١٨٩٩، ص٣٧٧.
٩٤  «تاريخ البطاركة الأنطاكيين»، لغطاس قندلفت، «منار»، ١٨٩٩، ص٣٧٧.
Rabbath, A., Documents, II, 415–420.
٩٥  «نشأة الروم الكاثوليك»، ص١٠٩، و«تاريخ الطائفة الملكية»، للخوري قسطنطين الباشا، ج٢، ص١٥٢–١٥٤ و٣١٦.
٩٦  «تاريخ البطاركة الأنطاكيين»، لغطاس قندلفت، «منار»، ١٨٩٩، ص٣٨٧.
٩٧  «تاريخ الطائفة الملكية»، للخوري قسطنطين الباشا، ج٢، ص٢٥٥–٢٥٩.
٩٨  مجمع رهبان دير المخلص إلى البابا بنديكتوس الرابع عشر (٢٥ حزيران ١٧٤٦)، «تاريخ الطائفة الملكية»، ج٢، ص٣١١–٣١٣.
٩٩  «منار»، ١٨٩٩، ص٣٨٨.
١٠٠  نشأة الروم الكاثوليك: «الحقائق الوضية»، ص١١٠–١١٢.
١٠١  «تاريخ الطائفة الملكية»، ج٢، ص٣١٨.
١٠٢  «الحقائق الوضية»، ص٦٥–٦٧ و١١٢ و١١٨، «تاريخ البطاركة الأنطاكيين»، لغطاس قندلفت: «منار»، ١٨٩٩، ص٤١٢-٤١٣.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١