الفصل التاسع

ليلة بين الصحراء والمقابر

هي ليلة حالكة متراكبة الظلمة، وفى الصدر ضيق، فأين عن صحوني أعدى؟ — صحرائي التي لا يلقط الطير فيها حبا، ولا يجاوب في صحرائي قلب قلبًا، ولا يغيرها صيف ولا شتاء، ولا يدوم عليها إلا العفاء! — كذلك كانت قديمًا، وكذلك أبقاها الله لي! ولكم توهمتها وأنا أضرب فيها، وأطوف في فيافيها — وجهًا مستعارًا يبدو فيه «الوجه الأعظم» متقنعًا! ولكم وقفت أدق رملها بقدمي وأفحص فيه بعصاي وأدمدم كالذي يريد أن يرقيها بالعزائم ليشفيها من هذا السحر الذي ضرب عليها وألزمها هذا المحل! ولقد أعجب في الليالي القمراء كيف لا تحسر وتنفض عنها هذه الرمال وتبرز للقمر الذي يناجيها ضوءه وينام على صدرها المتموج، في مثل وشى الرياض تنفح روحًا وريحانًا، ويتداعى الطير على أيكها إعلانًا، وتتهدل أغصانها فتسمو «وتمس الأرض أحيانًا»؟! ولكني أتكلم كأنما هي قد رزقت الحس والإرادة!

•••

وقالت الرمال لى وأنا أقتلع منها رجلي اقتلاعًا إذ أخبط في الصحراء والريح تجذب أطراف الرداء: «بودي لو تماسكت حباتي، وثبتت ذراتي ولانت مواطئى لقدميك، ولكني مثلك لا حيلة لى فيما قضى به!».

وهتف بي هاتف من جانب سمائها التي عفت الظلمة آي الهدى منها:
«ليتني أستطيع أن أسدد خطاك، وأنير لك الطريق الذي تغوص فيه قدماك، وأريك غايتك قبل مذهبك، ولكن لنا آيينا١ لا نملك خلافه، وقانونًا لا نستطيع تأويله واعتسافه، وما نحن وأنت إلا سواء، وهل نراك تملك من أمرك كثيرًا أو قليلا؟».

قلت: «كلا!».

وانجابت طبقة من الظلمات المخيفة على الصدر وخلصت أنفاسي قليلا.

•••

وهبت الريح بي كالمجنونة فعدت، وكأني أمشى على ماء لجي يعلو ويهبط، وسفت الرمال في وجهي حيثما أدرته كأنما أرادت الحياة أن ترجمني، وتسابقت زمازمها إلى أذني فوقفت مكاني لا أريمه وأغمضت عيني وقلت لنفسي: ماذا يصنع العود النابت في الخلاء هبت به مثل هذه الرياح الهوجاء؟ يلين أو ينقصف! فملت إلى الأرض حتى سكنت الثورة وهدأت الفورة وجعلت أفكر في هذه الحياة الغريبة التي يمتزج فيها الصراخ بالغناء، ويختلط بها الألم والطرب، وأقول لا شك في أن الحياة عمياء صماء فليتها توهب البصر هنيهة لترى هذا الخليط من الحسن والقبح والخير والشر. ويا ليت من يدري ماذا تصنع إذن؟! أترى يثور بها الخجل فتعصف بكل شئ وتمحوه أم تأخذ في إصلاحه وعلاجه في صبر وأناة؟ أما لو كنت أنا الحياة لتناولت ما أخرجت كفاي من طينة الأرض المحدودة ودككته وحطمته ثم ذروته لهذه الرياح!

فهمست في أذني الرياح: ما الحسن والقبح؟ وما الحزن والسرور؟ وما الخير والشر؟ وما الإحساس والعقل، والخصب والجدب؟ والصحة والسقم، واليأس والأمل، والبكاء والضحك؟

فرفعت رأسي حائرًا وأدرت عيني واجما ثم أطرقت مفحما ثم نهضت أمشى! ودلفت بي رجلاي إلى المقابر فتخللتها إلى جدث فيه شطر من ماضيّ، وقعدت وأسندت ظهري إلى حجارته وأنا أقول لنفسي: «الموت على الأقل راحة، فليت الحادي يعجل بنا! فقد سئمت الحياة ومللت النظر إلى وجهها الملطخ وثوبها المرقع. واشتقت أن أرقد هنا إلى جانب» …

فخلص إلى صوت من جانب القبر أن «لا!».

قلت: كيف لا؟

واستدرت حتى واجهت أصواء القبر.

قال الصوت: لا على التحقيق! إن لى هنا سنوات لا أعلم عددها، ولعلها أقل مما توهمني وحشة الوحدة التي تطيل أيامى التي صارت كلها ليالي، أو لعلها كثيرة فما أدرى وقد حجبت عنى الدنيا. ولو كان المرء يموت مرة واحدة لقلت لك: صدقت. ولكنه يموت مرة كلما نسيه واحد من الأحياء، ويشتمل عليه الفناء شيئًا فشيئًا. وأنت — على الأقل — تذكرني فأبقى بذكراك، فلا تسلمني إلى العفاء بموتك. ولسنا نألم الرقاد هنا، وإن كانت ظهورنا توجعنا أحيانًا من طوله، ولكنما نألم فتور الذكرى عنا وإشفاءنا على التلف الأخير، وههنا في قبري — في حجرة أخرى — جد أعلى لى، مسكين مسكين، قد استوفى ميتاته جميعًا ولم يبق منه شئ. وليت ادكاريه ينفعه! إذن لرددت إليه بعض الوجود ولكن هيهات! إنما يجدي الذكر ممن فوقها دون من هم في جوفها مثلنا.

قلت: «ولكن إذا تعلقت بالحياة فلا معدي عن إجابة دواعيها أفلا يسوءك ذلك؟».

قال الصوت: «كلا! سيان عندي أن تفي لى ولا تفي، ومن العبث أن تتكلف لى الحفاظ، فإنني بعد أن مت لا يسعني أن أوليك الشكر الذي تستحقه أو تنتظره، ولا ألتفت إلى وفائك أو غدرك، وإنى لأدرى فوق هذا، أنك لا تذكرني لذاتي بل لما طابت به نفسك على عهدي؛ فافعل ما بدا لك ولا تعن نفسك بي من هذه الناحية، ولكن أبق لى رقعة صغيرة في زاوية من ذاكرتك أفيد بها عذوبة البقاء».

قلت: فإذا نسيتك كغيرى؟

قال الصوت: إذا نسيت؟ آه! ولكن ما لنا وما لم يقع؟ دع هذا إلى أوانه، وعسى أن يكون بعيدًا!

قلت: حسن سأحيا من أجلك. وأتقى المهالك إكراما لك وضنّا بك أن تلحقي الأموات جدّا!

قال الصوت: اتفقنا. فإلى الملتقى!

فسرت في جسدي رعدة خفيفة ولم يسرني أن تقول «إلى الملتقى»! ونهضت عن القبر ممتلئًا رغبة في الحياة، وضنّا بها وحرصًا عليها، وعدت أدراجي إلى دارى خفيفًا كأنما حططت عن كاهلي وقرًا. وجعلت أقول في الطريق: «نعم سأحيا من أجلها!».

ولما أدرت المفتاح في الباب همس في أذني الشيطان اللعين «تقول من أجل من؟!» وقهقه!! فغاظني ذلك فأشحت بوجهي وأسرعت فدخلت وأغلقت الباب في وجهه!! ثم صنعت هذه الأبيات وألقيتها إليه من النافذة.

(هاتف من جانب القبر)

جمالك! لا تأسف على ولا تأسى
فإني تحت الأرض لا أحفل الحبسا
طواني الردى عن ناظريك فجاءة
وما كان ظني قط أن أسكن الرمسا
أراني الصبى، شمسي، بعيدًا مغيبها
فسرعان ما ولى النهار وما أمسى!
وكنت سرور العين والأنف والحشى
فقد صرت أوذي العين والأنف والنفسا
فدع عنك ذكرى إنه ليس نافعى
وسيان عندي أن تفي لى أو تنسى
ولا تتجشم لى الحفاظ فإنني
وقد مت، لا أوليك شكرًا ولا حسا
وأدخل إليك الشمس من كل كوة
فما يتملى العيش من يحجب الشمسا
ستسليك عني كل زهراء ناهد
وإن بقيت ذكراي تهمس بي همسا
فما أنت بالباكى على وإنما
على فقد ما قد كنت طبت به نفسا!
١  الآيين: القانون.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤